مسألة: يدخل التخصيص الإخبار كالأوامر
نص عليه وهو قول الجمهور ومنع منه بعضهم وهو مذهب الشافعية وبعض الأصوليين وذكرها ابن برهان في النسخ بما يرجع حاصله إلى التخصيص وحكى فيه [أن] المخالف أبو هاشم وأبو على الجبائيان.
[ر] فصل:
يجوز دخول التخصيص في كلام الله خبرا كان أو أمرا وبه قال الجمهور وقال قوم لا يجوز [تخصيص] ١ الخبر بخلاف الأمر.
стр. 247
مسألة: إذا ورد لفظ عام على سبب خاص لم يقصر على السبب
بل يعمل بعمومه نص عليه "ز" وهو مذهب أبي حنيفة وبه قالت الحنفية والأشعرية وأكثر الشافعية وقالت المالكية يقصر على السبب وحكى ذلك عن المزني وأبى بكر الدقاق وكذلك حكاه ابن برهان وأبو الخطاب عن مالك وأبى ثور وأبى بكر القفال وأبى بكر الدقاق من أصحابنا وكذلك حكاه أبو الطيب عن مالك والمزني والدقاق وقال الجويني هو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي ثم نصر الأول وحكى ابن نصر الأول قول إسماعيل بن إسحاق وأكثر أصحابهم أعنى كمذهبنا ونصر قصره على سببه والثاني قول أبي الفرج منهم [ز] وإذا ورد لفظ عام على سبب خاص ذكر القاضي في الكفاية فيه تفصيلا وعن أحمد ما يدل على أن اللفظ العام الوارد على سبب لا يؤخذ بعمومه لكن
стр. 248
يقصر على السبب وذلك من لفظين أحدهما فيعلم الخلال وهو صريح في ذلك فإن محتجا احتج عنده على مسألة بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ١ فأجاب بأن هذا إنما ورد في الربا يعنى وليس هذا مما دخل تحت الآية واللفظ الثاني هو في مسألة حد الإكراه من عمد الأدلة لابن عقيل وقد نبه ابن عقيل على هذا والرواية لفظها في العلم للخلال وهي صريحة جدا.
فصل:
مما يجب العناية به الفرق بين العموم في جنس السبب وحكمه والعموم في لفظ آخر غير السبب فإن العموم في مثل هذا ضعيف كقوله: "فيما سقت السماء العشر" فإن المقصود بيان المقدار لا بيان المحل.
فصل:
سبب الخطاب إما سؤال سائل أو غيره وغير السؤال إما أمر حادث أو أمر باق وكلاهما يكون عينا وصفة وعملا فينتفع بالسبب في معرفة جنس الحكم تارة وفي صفته أخرى وفي محله أخرى ومن لم يحط علما بأسباب الكتاب والسنة وإلا عظم خطؤه كما قد وقع لكثير من المتفقهين والأصوليين والمفسرين والصوفية ولهذا كان من أصلنا الرجوع إلى سبب اليمين وما هيجها قبل الرجوع إلى الوضع فجهات معرفة مراد المتكلم ثلاثة في كلام الشارع وكلام العباد من حالف٢ وغيره أحدها العلم بقصده من دليل منفصل كتفسير السنة للكتاب وتخصيص العموم وقول الحالف أردت كذا والثاني سبب الكلام وحال المتكلم والثالث وضع اللفظ مفرده ومركبه ويدخل فيه القرائن اللفظية ثم السبب سواء كان سؤالا أو غيره إما أن يكون عينا أو نوعا فأما إن كان عينا.
стр. 249
فلا يقصر على العين بالاتفاق وإنما الخلاف هل يقصر على نوع العين والسؤال سبب متصل بالخطاب وغير السؤال منفصل عنه وإذا كان السائل للرسول فأجابه فهو أظهر اتصالا من أن يستفتوه فينزل القرآن فلك أن تسمى السؤال١ السبب المتصل وغيره كالمنفصل وتسمية السبب العلمي وغيره السبب الكوني لأن٢ السائل غرضه المعرفة وفي معنى السؤال أن تحكى له حكاية فيفتى فيها أو يختصم إليه خصمان فيقص أحدهما كلاما فيحكم عقيبه لأن الحاكى والخصم في معنى طالب الحكم فالعبارة الجامعة أن يقال السبب إما طلبي أو غير طلبي ثم دخول السبب في الحكم عموما مثل آية القراءة٣ وقوله: "الولد للفراش" وقوله: "من شرط شرطا ليس في كتاب الله" ولعان بنى العجلان وآية الزنا والخمر وقوله: "أد الأمانة" وقوله: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي" إلى غير ذلك قال فالسبب تارة يوجب العموم قصدا مع ثبوته لفظا وتارة يوجب العموم اسما وحكما كما في الخمر وتارة يثبت الاسم فقط كما في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ ٤ وهذه الثلاثة وهي إثبات الاسم أو الحكم أو هما جميعا قد تكون في العموم وقد تكون في الأمر وقد تكون في توابعهما.
стр. 250
مسألة: هل يقصر العموم على مقصوده
أو يحمل على عموم لفظه ذكر القاضي عبد الوهاب فيه خلافا بين أصحابه وغيرهم ونصر قصره.
стр. 251
مسألة: إذا اثبت أنه يؤخذ بعموم اللفظ
...
مسألة: إذا ثبت أنه يؤخذ١ بعموم اللفظ
ولا يقصر على خصوص السبب فإنه لا يجوز إخراج السبب بدليل تخصيص فتكون دلالته عليه قطعا
стр. 252
وعلى ما سواه ظاهرا ظهورا دون ظهور العموم المبتدأ بحيث إن١ المخصص له لا يشترط له من القوة ما يشترط لمخصص العموم المبتدأ وهذا قول أصحابنا والشافعية ونقل ناقلون عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج سبب اللفظ بدليل التخصيص قال الجويني: وإنما أدعى النقلة ذلك عليه من خبرين أحدهما حديث العجلاني في اللعان فإنه لاعن امرأته ونفي ولدها وهي حامل فانتفي فمنع أبو حنيفة نفي الحمل باللعان ولم يرد في اللعان سوى قصة العجلانى والثاني حديث عبد بن زمعة ثم قال ولا يجوز أن ينسب إلى متعاقل تجويز إخراج السبب تخصيصا ويحمل ما نقل على أن الحديثين لم يبلغاه بكمالهما فقد كان ضعيف القيام بالأحاديث.
[ز] قلت: ولهذا قطع أحمد بدخول النبيذ في آية الخمر والاستماع إلى الإمام في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٢ وقطع بأنه "إما أن يقضى أو يربى" من الربا وهذا كثير في كلامه.
стр. 253
مسألة: إذا اتصل الذم أو المدح باللفظ العام
لم يكن مغيرا لعمومه وبه قالت الشافعية ونقل عن بعض الشافعية وأبى الحسن الكرخى وبعض الحنفية وبعض المالكية أنه يكون مغيرا لعمومه
فصل:١
فان عارضه عموم خال من ذلك قدم عليه لأنه متفق عليه وذلك كقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٢ مع قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٣ فالأولى سبقت
стр. 254
لبيان الحكم فقدمت على ما سيقت للمدح وكذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ إذا قدرنا دخول الشعر تقدم على قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ ٢ كذلك.
стр. 255
مسألة: إذا تعارض العام والخاص
المخالف له قد الخاص وخصص به العام سواء علم أسبقهما أو جهل التاريخ عند أصحابنا وهو ظاهر كلامه في مواضع وهذا مذهب الشافعي وأصحابه [ز] والمالكية إذا جهل التاريخ وإن كان الخاص الآخر فقال ابن نصر يبنى على المسألة تأخير البيان وقالت الحنفية فيما ذكره أبو عبد الله الجرجاني إن علم التاريخ فالثاني ناسخ فإن كان هو العام فقد نسخ الخاص وإن كان الخاص فقد نسخ العام [ز] وهذا هو قول المعتزلة أيضا فيما حكاه القاضي في الكفاية١ وهو رواية عن أحمد نقل الحلواني أن قول المعتزلة وبعض الحنفية أن الثاني ناسخ مع علم التاريخ فأما مع الجهل فيقدم الخاص وعن أحمد رواية تدل على مثل ذلك ذكرها أبو الخطاب والمقدسي وقال أبو الحسن الكرخى وعيسى ابن أبان والبصري هما متعارضان إذا جهل التاريخ ويعدل٢ إلى دليل آخر وكذلك نقل أبو الطيب أن القائلين بالنسخ مع العلم اختلفوا مع الجهل على مذهبين أحدهما التعارض والثاني تقديم الخاص كقولنا وإن لم يعلم التاريخ فذكره عيسى بن أبان على أربعة أقسام أحدها أن يكون الناس قد عملوا بهما٣ فيقدم الخاص مثل نهيه عن بيع ما ليس عنده وكونه رخص في السلم الثاني أن يكون أحدهما متفقا على استعماله دون الآخر مثل قوله: "فيما سقت السماء العشر" وقوله: "ليس في الخضروات٤
стр. 256
صدقة" فالمتفق عليه أولى والثالث أن يكون أحدهما قد عمل به السواد الأعظم دون الآخر فكذلك والرابع إذا فقد ذلك كله فإنهما يتعارضان ويعدل إلى مرجح آخر.
"زو" قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول أذهب إلى الحديثين جميعا ولا أرد أحدهما بالآخر ولهذا مثال منه قوله لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" ثم أجاز السلم والسلم ما ليس في ملكه وإنما هو الصفة وهذا عندي مثل الأول ومنه الشاة المصراة١ إذا اشتراها الرجل فحلبها إن شاء ردها ورد صاع تمر وقوله الخراج بالضمان فكان ينبغي أن يكون اللبن للمشترى لأنه ضامن بمنزلة العبد إذا استغله فأصاب عيبا رده وكان له عليه بضمانه "يؤخذ بهذا وهذا وشبهه" حتى تأتى دلالة بأن الخبر قبل الخبر فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به مثل ما قال ابن شهاب الزهري يؤخذ بالأخير فالأخير من أمر رسول الله ﷺ هذا آخر كلام أحمد وهذا كله كلامه.
قال [كاتبه] ٢ فظاهر هذه الرواية أن الخبرين إذا كان أحدهما خاصا والآخر عاما قدم الخاص وخص به العام مع جهل التاريخ [فإن علم التاريخ] ٣ فالثاني منهما مقدم سواء كان الخاص أو العام فتصير المسألة مع علم التاريخ إذا كان العام هو الثاني على روايتين نقلت هذه الرواية من أول باب في السلم٤ من جامع أبي بكر الخلال ﵀ قال ثم إني رأيت أبا الخطاب قد قال [وقد روى عن] عبد الله بن أحمد ما يدل على مثل هذا وذكر آخر [هذه] ٥ الرواية
стр. 257
قال: إلا أن شيخنا تأوله على الخبرين إذا كانا خاصين يكون الأخير إلى قال وفيه نظر.
قال الشيخ:١ وتأويل القاضي فاسد يرده أول الرواية وتمثيله بخبر حكيم مع السلم فإن خبر حكيم عام في جميع البيوع والسلم خاص وخبر المصراة خاص والخراج بالضمان عام في كل ضمان٢.
"ز" وعلى هذه الرواية قال الشيخ أبو محمد إذا جهل التاريخ تعارضا والمنصوص أن٣ مع الجهل بالتاريخ يعمل بالخاص ومع العلم يقدم المتأخر وهذا أقوى فصار في المسألة٤ ثلاثة أقوال.
وحكى [القاضي] ٥ عن [أبي بكر ابن الباقلاني٦ و] أبى بكر الدقاق من الشافعية القول بالتعارض إذا جهل التاريخ ولم يفصلا وهذا يدل على أن مذهبه العمل بالثاني إذا علم التاريخ [ز] وهو رواية أحمد وهكذا٧ يتخرج عندي على قول من لم يجز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة من أصحابنا وهكذا قال أبو الطيب [من أصحابنا] إشارة إلى ذلك فقال وبنوا ذلك أن العموم عن وقت الخطاب غير جائز [ز] وهكذا ذكره ابن نصر المالكي فقال من منع من تأخير البيان حمله على النسخ ومن أجازه أوجب البيان وقال القاضي في الكفاية وهذا مبنى على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب
стр. 258
غير١ جائز يقدم الخاص على العام مع فقد التاريخ فإن قلنا بأن العام المتأخر ينسخ فإن حكم الخاص قد علم ثبوته والعام لم يعلم ثبوته في مسألة الخاص لجواز اتصالهما أو لجواز تقدم العام أو لجواز تأخره مع بيان التخصيص مقارنا فإن كان لعام متقدما متجردا فهو منسوخ عندهم على هذا القول وإن كان مقترنا متقدما أو متأخرا أو متصلا فليس بمنسوخ ويجب أن ينظر في هذا الباب وفي العامين والعام من وجه إلى قوة دلالة العام فإنه إذا كان أحدهما أقل أفرادا ظهر إرادة الآخر إذ منه مالا يظهر في الكثير وكذلك إذا كان معه عموم معنوي أو كان أحدهما مؤكدا والآخر مجردا أو مقيدا.
стр. 259
مسألة: هذا الكلام في الخاص والعام إذا جهل التاريخ
أو علم المتقدم أو المتأخر فأما إن كانا مقترنين بأن قال في كلام متواصل اقتلوا الكفار ولا تقتلوا اليهود أو يقول زكوا البقر ولا تزكوا العوامل فها هنا الخاص مقدم على العام ومخصص به قاله عامة الفقهاء والمتكلمين وحكى عن بعضهم تعارض الخاص وما قابله من العام ولا يخصص به ذكره أبو الخطاب.
[ز] فصل:
بناء العام على الخاص والمطلق على المقيد إذا كان الخاص والمقيد أسبق على ظاهر المذهب إنما يكون إذا لم تقم قرينة تبين إرادة العموم والإطلاق فإنه حينئذ يكون الخاص والمقيد مبينين١ للعام والمطلق ولأنه لم يرد به العموم فأما إذا دل دليل على إرادة العموم لم يجز التخصيص وتعين نسخ الخاص بالعام ومثاله أن حديث ابن عمر في قول النبي ﷺ : "فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" كان بالمدينة وهو مقيد وحديث
стр. 260
ابن عباس ليس فيه ذكر القطع وهو كان بعرفات وقد قال أصحابنا حديث ابن عمر منسوخ بحديث ابن عباس ١ [وإن كان مطلقا لأن النبي ﷺ أطلق لبس الخف في حديث ابن عباس] ١ ولم يذكر القطع مع أنه لو كان واجبا لوجب ذكره لأنه حين الحاجة إلى بيان الحكم إذ كان الناس بعرفات فلما أطلق والحالة هذه علمنا أنه أراد جواز اللبس مطلقا فنسخنا حينئذ المقيد بالمطلق والله أعلم.
стр. 261
مسألة: إذا كان في الآية عمومان
فخص أحدهما بحكم أو صفة أو استثناء لم يلزم منه تخصيص الآخر ذكره أصحابنا ولم يسموا مخالفا وقال القاضي في الكفاية يكون تخصيصا وقال هو ظاهر كلام أحمد قال وقد حكينا في مسائل الخلاف خلاف هذا ومثله بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ١ وقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ ٢ وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ٣ وعندي أن الآيتين الأوليين٤ ليستا من هذا الباب وقد ذكر أبو الخطاب مسألة فيها خلاف من ذلك.
[ز] ذكر القاضي [في الكفاية] ٥ في العمومين إذا خصص أحدهما بعد أن فصله وقسمه بكلام حسن أنه يخصص الآخر وذكر أنه ظاهر كلام أحمد وبين ذلك وأحسبه كما ذكر أبو الخطاب وهو قول بعض الحنفية قال أحمد في رواية أبي طالب يأخذون بأول الآية ويدعون آخرها وقال في آية النجوى كلامه المعروف.
стр. 262
مسألة: قال ابن برهان اللفظ العام إذا وصف بعض مسمياته
...
مسألة: تشبه ذلك قال ابن برهان اللفظ العام إذا وصف بعض مسمياته لا يكون ذلك تخصيصا [له] ١ وصورة ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ٢ فهو عام في كل زوجة ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فهو خاص في البالغات وكذلك ذكره أبو الخطاب كابن برهان قال وبه قال شيخنا وعبد الجبار بن أحمد والشافعية قال وعن أحمد ما يدل على أن أول الآية يخص بآخرها وأشار إلى ذلك وقال أبو الحسين البصري بالوقف في ذلك.
стр. 263
مسألة: إذا وجد خبران كل واحد منهما عام من وجه وخاص من وجه
تعارضا وعدل إلى ترجيح أو دليل آخر وبهذا قالت الشافعية وذلك مثل قوله: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" وقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فإن من ذكر فائتة في أوقات النهي يتناولها النص الأول من حيث الوقت بخصوصه ومن حيث كونها فائتة بعمومه والثاني يتناولها من حيث الوقت بعمومه ومن جهة كونها فائتة بخصوصه وحكى أصحابنا عن الحنفية أنه يقدم الخبر الذي فيه ذكر الوقت لأنه المقصود المتنازع فيه وخالفهم الأولون في ذلك وعندي أن هذا ليس باختلاف في هذه المسألة الأصولية وإنما هو اختلاف في ترجيح خاص في مثال خاص منها وليس ذلك بأكثر من سائر ما يذكر في هذه الصورة الفروعية من فقه الأحاديث والمأخذ وكذلك سائر الترجيحات الفقهية في النصوص المتعارضة ولهذا ذهبنا [نحن] ١ إلى تقديم النص الذي فيه ذكر الفائتة لكن بأدلة وترجيحات أخر وقالت المعتزلة إن كانا معلومين أو مظنونين عمل
стр. 264
بالمتأخر إن علم وإن لم يعلم وكانا مظنونين رجح أحدهما وإن كان أحدهما معلوما عمل به١.
стр. 265
مسألة: القرآن بين الشيئين [في اللفظ] ١ لا يقتضى التسوية بينهما في حكم غير المذكور
وبه قالت الشافعية وقال أبو يوسف والمزني يقتضى التسوية ومثاله قوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة".
стр. 266
مسألة: لا يلزم من إضمار شيء في المعطوف أن يضمر في المعطوف عليه
ذكره أبو الخطاب وبه قالت الشافعية خلافا للحنفية ومثله أبو الخطاب بقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" وهذا على تقدير أن يسلم لهم أن التقدير ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر [ز] وهذا الثاني قول القاضي في الكفاية قال وقد حكينا في مسائل الخلاف خلاف هذا وجعل هذه المسألة مثل مسألة تخصيص العموم في الحكم ١ [الثاني هل يقتضى تخصيصه في الحكم] ١ الأول ومقتضى بحث أبي الخطاب أن المعطوف ٢ [إن قيد بقيد غير قيد المعطوف] ٢ عليه لم يضمر فيه وإن أطلق أضمر فيه.
стр. 267
مسألة: قال أبو الطيب اختلف أصحابنا في الاستدلال بالقرائن فأجازه بعضهم وهو مذهب المزني واحتج من أجازه بأن ابن عباس احتج على وجوب العمرة بأنها قرينة الحج١ في كتاب الله قال وقال أكثر أصحابنا لا حجة فيه لأن جمع الشارع بينهما في حكم لا يوجب الجمع بينهما في غيره وأما
стр. 268
ابن عباس فاحتج بكونها قرينته في الأمر بها في القرآن وذكر القاضي أبو يعلى هذه المسألة بهذه الترجمة واختار جواز الأخذ بالقرائن فقال الاستدلال بالقرائن يجوز وهو أن يذكر الله أشياء في لفظ ويعطف بعضها على بعض ومثله بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١ فلما عطف اللمس على الغائط دل على أنه موجب للوضوء قال وقد خصص أحمد اللفظ بالقرينة فقال في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ٢ المراد العلم لأنه افتتحها بذكر العلم ومن هذه الرواية أخذ أبو الخطاب الرواية التي٣ قبلها وقال في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ إذا نظر إلى آخر الآية ثم ذكر مذهب الشافعية كما قدمناه وكذلك قال الحلواني الاستدلال بالقرائن صحيح وما ذكر فيه نظر فإن هذه المسألة في التحقيق هي المسألة السابقة والمذهب فيها كما قدمناه وقد ذكر معناه القاضي في التعليق في مواضع وغيره وأن الأصل أن لا يشرك المعطوف والمعطوف عليه إلا في المذكور فإن اشتركا فلدليل خارج لا أنه من نفس العطف وقد صرح هو وغيره أن الآية إذا كان فيها عمومان لم يلزم من تخصيص أحدهما أن يخص [الآخر] ٤ نعم متى ذكر الإنسان من سياق الكلام أو من جهة أخرى ما يوجب التشريك قبل ذلك منه غير أن ذلك يتعلق الكلام فيه بخصوص كل صورة.
стр. 269
مسألة: إذا تعارض١ خبران عامان وأمكن الجمع بينهما
بوجه وجب المصير إليه في قول أصحابنا وأصحاب الشافعي وقال داود وابن الباقلاني يسقطان بالتعارض ولا يجمع بينهما.
стр. 270
مسألة: إذا تعارض عمومان وأمكن الجمع بينهما بأن كان أحدهما أعم من الآخر أو قابلا للتأويل دون الآخر جمع بينهما بذلك وإن تساويا وتناقضا كما لو قال: "من بدل دينه فاقتلوه" "ومن بدل دينه فلا تقتلوه" تعارضا وطلب مرجح أو دليل من غيرهما قاله المقدسي قال وقال قوم لا يجوز تعارض عمومين خاليين من الترجيح [ز] وقال القاضي في الكفاية في آخر النسخ إذا تعارض عمومان من كل وجه مثل أن يكون أحدهما ينفي الحكم عن كل ما يثبت الآخر فإن علم تقدم أحدهما نسخ المتأخر المتقدم وإن لم يعلم تقدم أحدهما وجب تقديم أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح فيما يرجع إلى إسناده أو إلى متنه أو إلى غيرهما خلافا للمعتزلة في قولهم يرجع إلى غيرهما قال ولا فرق بين أن يكونا معلومين أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا وقالت المعتزلة يجب العمل بالمعلوم.
قلت وهذا الذي جعله قول المعتزلة هو الصواب.
стр. 271
مسألة: إذا كان نصان أحدهما عام والآخر خاص لا يخالفه فلا تعارض بينهما إذا لم يكن للخاص مفهوم يخالفه مثل قصة المجامع في رمضان مع قوله: "من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر" إن صح الخبر ومثل حديث شاة ميمونة مع قوله: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ونحو ذلك فالخاص في ذلك بعض١ العام وهما متوافقان فيه وبقية العام على مقتضاه إذ لا معارض له وهذا القسم لا خلاف فيه وقد ذكر ابن برهان وأبو الخطاب فيه خلافا عن أبي ثور ولا أظنه إلا خطأ وذكره أبو الطيب ولم يذكر فيه خلافا ومثله بالدباغ وبقوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام٢ إلا مثلا بمثل" مع قوله: "البر بالبر
стр. 272
مثلا بمثل" على قول من لا يجعل مفهوم١ اللقب دليل الخطاب.
قلت ولعل من وهم هذا مستنده وذلك أن أبا ثور ممن يقول بمفهوم اللقب فقال في هذا المثال ونحوه بناء على أصله ولعله قد جاء في حديث: "جلد الشاة يطهر بالدباغ" ونحوه فاشتبه عليهم بالقضية بالعين.
[ز] عبارة أبي الخطاب إذا علق العموم حكما على أشياء٢ وورد لفظ يفيد تعليق الحكم على بعضها لم يجب انتفاء الحكم عما عدا ذلك البعض وحكى عن أبي ثور أنه أوجب ذلك لأنه قال في قوله ﷺ في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" ٣ يخص عموم قوله: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" واحتج بأن تعلقه بالظاهر يدل على أن ما عداه بخلافه وأجاب عنه أبو الخطاب بأن دليل الخطاب ليس بحجة في أحد الوجهين وإن قلنا هو حجة فصريح العموم أولى منه فهذه المسألة إن حملت على عمومها ناقض قوله: إن دليل الخطاب يخص العموم وإن حملت على ما إذا ذكر البعض بالاسم اللقب لم يتناقض ويكون حاصلها أن الاسم اللقب وإن قلنا إن له مفهوما عند الإطلاق فإنه لا يخص العموم لقوة دلالة العموم عليه ولهذا ذكر الخلاف مع أبي ثور وحده فعلى هذا يكون في المسألتين ثلاثة أوجه٤.
فصل:
فان كان للخاص مفهوم يخالفه مثل خبر القلتين٥ وسائمة الغنم بالنسبة إلى قوله: "الماء لا ينجسه شيء" وقوله: "في أربعين شاة شاة" ونحو ذلك فهذا هو مسألة تخصيص العموم بالمفهوم وقد سبقت ومتى رأيت المفهوم قد ترك في موضع
стр. 273
وعمل بالعموم فإن ذلك بدليل آخر "ز" وذكر القاضي أن الصورة المسكوت عنها تخص من اللفظ العام إلا أن تكون أولى بالحكم من المنطوق فيكون التنبيه أولى من الدليل وكذا إن كان القياس يقتضى استواء الصورتين فيكون القياس أولى من المفهوم ومثل ذلك بنهيه عن بيع الطعام مع نهيه عن بيع ما لم يقبض وقوله في اختلاف البيعين١ والسلعة قائمة ويجب أن يخرج من تقديم القياس على المفهوم وجهان كما فيتخصيص العموم بالقياس بل أولى لأنهم قدموا المفهوم على العموم فلان يقدموه على القياس الذي هو دون العموم٢ على أحد الوجهين أولى ويتوجه قول أبي الخطاب في تقديم العموم على المفهوم لأن دلالته مجمع عليها كما يقدم التنبيه على الدليل لإجماعهم عليه وقد صرح القاضي بأن تقديم القياس على المفهوم مأخوذ من تقديم القياس على العموم وكذلك ذكر أصحابنا وأبو الطيب ولم يذكروا خلافا إلا أبا الخطاب فإنه نقل كابن برهان في ذلك [كان كتب لا يحمل عليه إلا أن مقتضى ذلك دليل آخر من قياس ونحوه ثم ضرب عليه] ومن العجب أنه احتج للخصم فقال فإن قيل تعليقه الطهارة بتلك الشاة يدل على أن ما عداها بخلافها ثم قال الجواب أن دليل الخطاب ليس بحجة في وجه وفي وجه هو حجة لكن صريح العموم أولى منه وهذا يناقض قوله مع الجماعة أن المفهوم يخص به العموم ثم أي مفهوم في هذا المثال وكذلك ذكر بعض أصحابنا أن العام إذا خص بعض مفرداته فهل يخص العموم بمفهوم تخصيص الحكم بهذا المفرد اختلف أصحابنا في ذلك [٣الأكثر أنه لا يخص ويكون تخصيص المفرد لتأكيد الحكم فيه] ٣ ونحوه وهذا النقل ليس بسديد٤.
стр. 274
مسألة: حمل المطلق على المقيد إذا اختلف السبب واتحد جنس الواجب
стр. 275
كتقييد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل وإطلاقها في غيرها ونحو ذلك ذكر القاضي فيه روايتين إحداهما يحمل عليه من طريق اللغة وبهذا قالت المالكية وبعض الشافعية والثانية لا يحمل عليه وبهذا قالت الحنفية وأكثر الشافعية [١واختارها أبو إسحاق بن شاقلا وهو أصح عندي] ١ [ز] واختارها [أبو الخطاب و] الجوبني والحلواني وحكى ابن نصر المالكي في الملخص أن الثاني قول أصحابهم
فأما حمله عليه قياسا بعلة جامعة فجائز عندنا وعند المالكية والشافعية وذكر أبو الخطاب فيه الرواية الأخرى في التي قبلها وليس في كلام أحمد الذي ذكره دليل عليها نعم هي [مخرجة] على تخصيص العموم بالقياس ولنا رواية بمنعه لأن المطلق هنا كالعام
[ز] حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الجنس واختلف السبب ذكر ابن نصر المالكي أن مذهب أصحابه والحنفية وبعض الشافعية أنه لا يحمل عليه وأن حمله عليه لغة قول جمهور الشافعية قال وقد روى عن مالك ما يحتمل أن يكون أراد أن المطلق يتقيد بنفس المقيد ويحتمل أن يرد إليه قياسا [١وذكر أن الصحيح عند أصحابه أنه يحمل عليه قياسا] ١ وقالت الحنفية لا يجوز لأن ذلك زيادة على النص وهو نسخ لا يجوز بالقياس واختار الجويني الوقف في مسألة [القياس] .
стр. 276
مسألة: فإن كان هناك نصان مقيدان في جنس واحد
والسبب مختلف وهناك نص ثالث مطلق من الجنس فلا خلاف أنه لا يلحق بواحد منهما لغة وذلك كقضاء رمضان ورد١ مطلقا وصرح في صوم٢ الظهار بالتتابع٣ وفي
стр. 277
صوم المتعة١ بالتفريق وأما إلحاقه بأحدهما قياسا إذا وجدت علة تقتضى٢ الإلحاق فإنه على الخلاف المذكور في التي قبلها.
فصل:
فان كان المطلق والمقيد مع اتحاد السبب والحكم في شيء واحد كما لو قال إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة وقال في موضع آخر إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة مؤمنة فهذا لا خلاف فيه٣ وأنه يحمل المطلق على المقيد اللهم إلا أن يكون المقيد آحاد والمطلق تواترا فينبني٤ على مسألة الزيادة [على النص] ٥ هل هي نسخ وعلى النسخ للتواتر بالآحاد والمنع قول الحنفية وجميع ما ذكرنا هو في المقيد نطقا كما مثلنا٦ به آنفا فأما إن كانت دلالة القيد من حيث المفهوم دون اللفظ فكذلك أيضا على أصلنا وأصل من يرى دليل الخطاب ويقدم خاصه على العموم فأما من لا يرى دليل الخطاب أولا يخصص العموم به فيعمل بمقتضى الإطلاق فتدبر ما ذكرناه فإنه يغلط فيه الناس كثيرا وقد حرره٧ أبو الخطاب [تحريرا جيدا بنحو ما ذكرناه إلا أن ما ذكرنا أتم ومثل أبو الخطاب] ٨ هذا بما لو قال: "إذا حنثتم فلا تكفروا بالعتق" وقال في موضع آخر إذا حنثتم فلا تكفروا بعتق كافر [ز] وهذا الذي ذكره أبو الخطاب ذكره القاضي في الكفاية لكنه اختار منع التقييد فيما دلالة قيده [من] جهة المفهوم وهو فيما أظن قول أبي الحسين فقال القاضي إذا اتفق الحكم والسبب فإن كانا أمرين مثل إذا حنثتم فأعتقوا
стр. 278
رقبة" وقال في موضع آخر إذا حنثتم فأعتقوا رقبة مؤمنة وجب تقييده وإن كانا نهيين نحو قوله: "إذا حنثتم فلا تكفروا بالعتق" وقال في موضع آخر: "إذا حنثتم فلا تكفروا بعتق رقبة مؤمنة" وجب إجراء المطلق على إطلاقه في المنع من العتق أصلا على التأبيد ولا يخصه النهي المقيد بالإيمان لأنه بعض ما دخل تحته.
قلت وإذا كانا إباحتين فهما في معنى النهيين وكذلك إذا كانا كراهتين [١وإن كانا ندبين ففيه نظر] ١ وإن كانا خبرين عن حكم شرعي فينظر في ذلك الحكم.
وقد ذكر الطرطوشي أن٢ أصحابه اختلفوا في حمل المطلق على المقيد مع اتحاد السبب والحكم كإطلاق المسح في قوله: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" وتقييده في قوله: "إذا تطهر فلبس" وذكر ذلك أيضا في مسألة التيمم إلى الكوع وفي معنى ذلك ما ذكره أصحابنا وغيرهم في قوله: "في الإبل السائمة" مع قوله: "فإذا بلغت خمسا ففيها شاة" وكذلك قوله: "عمن تمونون" مع قوله: "على كل صغير٣ وكبير ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين" قرروا حمل المطلق على المقيد.
فصل: في حد المطلق
[والد شيخنا] وذكر صاحب جنة الناظر أنه اللفظ الواحد الدال على واحد لا بعينه باعتبار معنى شامل لمسمياته كدينار ودرهم ومثاله فيما يقع به الاستدلال النكرة في سياق الإثبات وفي معرض الأمر والمصدر.
[شيخنا] فصل:
من أمثلة المطلق والمقيد الأمر بالغسل بالماء في حديث أسماء وأبي ثعلبة في الثياب والأواني والأمر بالتسبيع في خبر الولوغ فإنه نظير العتق سواء وهنا
стр. 279
احتمالات أحدها أنه ترك التقييد فدل بالمفهوم على نفيه الثاني أنه يدل [بالاستصحاب الثالث أنه يدل] ١ بالإمساك فإن ترك الإيجاب والتحريم مع الحاجة إلى بيانه أو مع المقتضى له يدل على [انتفائه فإذا استفتى فلم يوجب ولم يحظر دل على] العدم فإذا قيد آخر وحمل هذا على٢ هذا بالقياس كان ابتداء إيجاب أو تحريم بقياس وفي التخصيص يكون بيان عدم الإرادة فالتقييد٣ في الحقيقة زيادة حكم والتخصيص نقص وليس بين المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام ومن قال التقييد تخصيص فإنه نظر إلى الظاهر فإن كان المقيد بعد المطلق كان ابتداء حكم رفع ما سكت عنه أولا ولم يكن هناك تعارض بين خطابين وإنما هو تعارض بين خطاب وإمساك عن خطاب٤ وهذا وإن سمى نسخا فيجوز بخبر الواحد فإنه من النسخ العام لا الخاص وإن كان المتقدم يبقى إمساكه عن الوجوب ثانيا هل يرفع الوجوب المتقدم في المنصوص وقياسه كما قيل في خبر ما عز أو يرفعه في القياس فقط أولا يرفعه في واحد منهما وإن جهل التاريخ فحمل المقيد على المتأخر يقتضى زيادة حكم بلا تعارض وحمله على المتقدم يقتضى النسخ أو٥ التعارض فيكون أولى كما قررته لبعض الحاضرين في مسألة [العدد في] ٦ غسل النجاسة وأما زيادة الجلد على الرجم فإذا قدر أن ترك ذكرها يقتضى عدم الوجوب بقى الجواز على أحد القولين كما قلناه في صلاة الصحيح٧ خلف القاعد فيجوز أن يقال إن هذا إلى الإمام إن رأى زاده وإن رأى تركه وفي الجملة فسكوت النصوص في الدلالة على عدم الإيجاب واسع وكذلك الاستحباب.
стр. 280
فصل:
[شيخنا] ذكر القاضي وغيره أن الحنفية احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١ ولم يفرقوا بين الماء وغيره وهو على عمومه وأجاب بأجوبة منها أن الآية عامة وخبرنا خاص والخاص يقضى على العام.
وكذلك احتجوا بقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" ولم يفرق بين الماء وغيره فهو على العموم فأجاب بأنه قد روى في بعض الأخبار: "فليغسله سبعا بالماء" والمقيد يقضى على المطلق.
واحتجوا في مسألة النبيذ بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٢ وهو عام فيما يغسل به فوجب حمله على الماء والنبيذ وأجاب بأجوبة منها أن المراد الماء لقوله في آخر الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ٢ ولان الماء مراد بالإجماع وإذا دخل فيه الماء لم يجز أن يدخل فيه النبيذ لأنه لا يساوى الماء بالإجماع.
قال شيخنا٣ وهذا كله إدخال للمطلق في العام وهو جائز باعتبار ولكن ليعلم أن اللفظ لم يشمل ما هو خارج عن الحقيقة من القيود وإنما القيود مسكوت عنها نعم هذا يشتمل من الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا ومنه قولنا الأمر بالماهية الكلية لا يقتضى الأمر بشيء من قيودها واحتجاجات الحنفية وأصولهم تقتضى أن المطلق نوع من العام في غير موضع.
стр. 281
مسألة: أقل الجمع المطلق فيما له تثنية ثلاثة
نص عليه في مواضع وبه قالت الحنفية فيما ذكره البستي منهم والقاضي ومالك وأكثر الشافعية وزعم ابن برهان أنه قول الفقهاء قاطبة وأكثر المتكلمين وحكى عن أصحاب مالك أقله اثنان١ وبه قال علي بن عيسى النحوي وابن داود وفي كتاب ابن برهان داود
стр. 282
وأبو بكر [بن] ١ الباقلاني وبعض الشافعية ووجدت في مذهب أبي حنيفة ما يدل عليه وقد ذكره الجويني في هذه المسألة فغلط فيها بأشياء منها أنه ادعى أنها تخص أهل العموم ثم زعم أن مالها إلى جواز تخصيص [أسماء الجموع إلى الإثنين ثم اختار جوازه وجواز التخصيص] إلى الواحد إذ قوى دليله ثم أنه ذكر أولا أن قول ابن عباس فيها إن أقله ثلاثة أخذا من مذهبه فإنه كان يرى أن يقف الثلاثة خلف الإمام والاثنان صفا معه وهذا معروف عن ابن مسعود وأين كان عن قول ابن عباس في مسألة الإخوة من الأم الذي هو أشهر من "قفا نبك" فإن كان هذا قد سقط من كتابه فما باله خصص المسألة بالمعممين وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ ٢ لا عموم فيه ولا تختص هذه المسألة بأهل العموم بل الصحيح عندهم أن الجموع [المنكرة] ٣ لا تعم ثم ما باله استبعد في آخر المسألة قول من قال إن من فوائد هذه المسألة أن من أوصى بدراهم أو عبيد أو نذر عتق رقاب وما أشبه ذلك فإنه يحمل على الإثنين عند القائل انه جمع وعلى الثلاثة عند الآخرين وهذا هو معنى الخلاف الذي جرى بين ابن عباس٤ وعثمان والصحابة في قوله فإن كان له إخوة ولقد قال منكرا لذلك وما أرى الفقهاء٥ يسمحون بهذا ولا أرى النزاع في أقل الجمع إلا ما ذكرته.
قلت وأنا لا أدرى معنى قوله: إن الفقهاء لا يسمحون بهذا فإنه إن استبعد حمل لفظ الإقرار والنذر٦ ونحوهما على الثلاثة فهو مذهب الشافعي والجمهور وإن
стр. 283
استبعد حمله على الاثنين وأن يكون به مذهب فقد وجدناه في مذهب أبي حنيفة وأصحابه في مواضع والذي ذكرته المالكية في كتبهم أن قول مالك أن أقل الجمع ثلاثة وهو الذي ينصرونه وقول عبد الملك بن الماجشون [أن أقله اثنان] ١.
فصل:
[شيخنا] قال المخالف لفظ الجمع موضوع لثلاثة فصاعدا فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن موضوعه وترك لحقيقته٢ وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ فقال القاضي والجواب أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما يجوز التخصيص [به٣ ولا يكون بمنزلة النسخ وإنما يكون بمنزلة التخصيص] ولهذا نقول في قوله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٤ أن المراد به موضع٥ الصلاة ونحمله عليه بضرب من الاستدلال.
قال شيخنا قلت: هو وأبو الخطاب وغيرهما يجعلون التخصيص أولى من المجاز وهذا لأن التخصيص٦ ترك بعض اللفظ بخلاف التجوز فإنه عدول عن جميع مسماه ولهذا نصر القاضي أن التخصيص لا يجعله مجازا وأيضا فظاهر اللفظ قد يكون حقيقة وقد يكون مجازا وأما على قول من يجعل ظهوره بالقرائن المتصلة٧ فذاك أوسع والله أعلم.
стр. 284
مسائل الاستثناء
مسألة: لا يصح الاستثناء إلا متصلا بالمستثنى منه اتصال العادة
نص عليه وهو قول [جماعة] ١ الفقهاء والمتكلمين قال القاضي: نقل أبو النضر وأبو طالب عن أحمد ما يدل على أنه لا يصح إذا فصل وهو اختيار الجويني٢ لأنه قال: إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل وهو الصحيح وذكر أول المسألة أن الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام فأما لو انقطع فإنه لا يعمل وقد ذكر الخرقي في كتاب الإقرار [فقال:] ومن أقر بعشرة دراهم وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال: [زيوفا] أو [صغارا] أو إلى شهر كانت عنده وافية [جيادا حالة] قال: وقد اختلف الرواية عنه في الاستثناء في اليمين فقال في رواية أبي طالب إذا حلف وسكت قليلا ثم قال: إن شاء الله فله استثناؤه لأنه يكفر وكذلك نقل المروذي عنه إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره قال القاضي: وظاهره جواز الفصل بالزمن [اليسير] ما دام في المجلس وحكاه الحلواني عن عطاء والحسن وكذلك حكاه ابن عقيل عن الحسن وابن برهان عن عطاء وحكى عن ابن عباس جواز الاستثناء المنقطع على الإطلاق٣ وبه قال طاوس: وحكوا عن ابن عباس رواية أخرى صحته قبل سنة وبعدها لا يصح.
قال شيخنا رضى الله عنه٤: هاتان الروايتان عن أحمد يجب إجراؤهما في جميع صلات الكلام المغيرة له من التخصيصات والقييدات كالشرط والاستثناء والصفات والأبدال والأحوال ونحو ذلك والأحكام تدل على ذلك فإن الفاتحة لو سكت في [أثنائها] سكوتا [يسيرا] لم يخل المتابعة الواجبة ولو طال أو فصل
стр. 285
بأجنبي أخل مع أن بعضها صفات وبعضها بدل بخلاف كلمات الأذان فإنها جمل مستقلة فهذا فيما إذا كان المتبوع مستقلا والتابع غير مستقل فأما إن كانا مستقلين [كالتخصيصات المنفصلة جاز انفصالها لكن في قبوله في الحكم تفصيل وإن كانا غير مستقلين] ١ كالشرط والجزاء والمبتدأ والخبر فقال القاضي في المسألة فلأن٢ الشرط والجزاء متى تفرقا بقدر المجلس لم يصح كذلك الاستثناء فإن قيل المجلس يجرى مجرى حال العقد بدليل قبض رأس مال السلم وثمن الصرف قيل اعتبار هذا بالشرط والجزاء أشبه لما ذكرنا.
قلت أحمد لم يعتبر مجلس الأبدان المعتبر في الأفعال فإن هذا قد يطول يوما وأكثر وأقل وإنما قال: إذا سكت قليلا وقال إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره فاعتبار الزمان القريب وعدم الأجنبي نظير ما اعتبروه في فصل الفاتحة وهو شبيه بمجلس العقود من الإيجاب٣ والقبول أو أقصر من ذلك لأن ارتباط كلام المتكلم الواحد بعضه ببعض إن لم تكن موالاته أشد من موالاة كلام المتكلمين لم يكن دونه وحينئذ فيقال في المفردين كالمبتدأ والخبر والشرط والجزاء يجوز فصل أحدهما عن الآخر بالزمن اليسير وذلك أن الاتصال والموالاة في الأقوال لا يخل بها الفصل اليسير كالاتصال والموالاة في الأفعال إذ المتقارب متواصل وقد يكون فصل الكلام أبين وأحسن من سرده وفي الباب قوله: "إلا الأذخر" وحديث سليمان لما قال: "لأطوفن" وقوله ﷺ "إلا سهيل بن بيضاء".
وهذا إذا لم ينو السكوت ظاهرا كما أنه في الكتاب كذلك بدليل قصة الحديبية وقول النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد" فإنه دليل على أنه لا يلزم قبل فراغ الكتاب.