في أخنع الأسماء
عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى باسم ملك الأملاك أخنع الأسماء إذ لها لأن الخنع الذل يقال: خنع الرجل خنوعا إذا خضع والخضوع والذل إنما وقعت في هذا على ذي الاسم لأعلى الاسم نفسه لأن الاسم لا يلحقه مدح ولا ذم وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ بمعنى: سبح ربك وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ أي: أهلها وملك الأملاك هو الله تعالى فمن تسمى به تكبر فرده الله إلى الذلة والخضوع.
стр. 1332
في قيام الناس بعضهم لبعض
عن عبد الله بن كعب سمعت كعب بن مالك يحدث بحديث توبته قال: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس فقام إلي طلحة يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام رجل من المهاجرين إلي غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة وعن الحدري لما طلع سعد ابن معاذ بعد أن نزلت بنو قريظة على حكمه قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيدكم أو إلى خيركم".
وعن أبي هريرة كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يدخل بيته قمنا وعنه قال: كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد بالغدوات فإذا قام إلى بيته لم نزل قياما حتى يدخل بيته ولا يعارضه قوله ﷺ : "من أحب أن يستتم له الرجال قياما وجبت له النار" لأن
стр. 1333
فيما روينا إطلاق رسول الله ﷺ لهم القيام باختيارهم لا بمحبة الذين قاموا لهم إياه منهم وفي هذا الحديث ذكر المحبة من الذي يقام له بذلك من القائمين فالتوفيق أن القيام مباح إذا لم يكن ممن يقام له محبة في ذلك ومكروه إذا كان له محبة فيه وقد روي أنس قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ فكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
ففيه أنهم لو لم يعلموا كراهته لقاموا إليه وكراهته كان على سبيل التواضع منه لا لأنه حرام عليهم فعله ألا ترى أنه أمرهم بالقيام لسعد وقام بمحضره طلحة بن عبيد الله إلى كعب فلم ينهه وقيام الصحابة بعضهم لبعضهم مشهور لا ينكر فالمكروه هو محبة القيام بعضهم من بعض لا القيام المجرد وزعم بعض من ينتحل الحديث أن قوله: "من أحب أن يستتم له الرجال قياما"، إنما هو في القيام الذي يفعله الأعاجم لعظمائهم من قيامهم على رؤوسهم وإطالتهم ذلك حتى يسنخوا معه أي تتغير لذلك روائحهم لا طالتهم وليس كذلك لأن معاوية أنكر علي ابن عامر مجرد القيام بغير إطالة منه وقال: اجلس يا ابن عامر فإني سمعت رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يستتم"، الحديث، وقد كان قام لمعاوية فدل على بطلان تأويل المنتحل وفي انتفائه ثبوت التأويل الأول.
стр. 1334
في صلة الشعر
عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة. وعن أسماء ابنة أبي بكر مرفوعا لعن الواصلة والمستوصلة وخرجه من طرق وأهل العلم يبيحون صلة الشعر بغير الشعر من الصوف وما أشبهه ويروون عن ابن عباس قال: لأباس أن تصل المرأة شعرها بالصوف وعن الليث عن بكير عن أمه أنها دخلت على عائشة وهي عروس ومعها ماشطتها فقالت عائشة: أشعرها هذا فقالت: الماشطة شعرها وغيره وصلته
стр. 1335
بصوف فما أنكرت ذلك وعائشة إحدى الرواة في لعن الواصلة والمستوصلة فلم تنكرلعلمها أنها غير مرادة باللعن ولا يظن بأهل العلم المأمونين على نقله يخرجون من حديث رووه مجملا ما ظاهره دخوله فيه إلا بعد علمهم بخروجه منه ولولا ذلك لسقت عدالتهم وروايتهم وحاشى لله أن يكونوا كذلك١.
стр. 1336
في أطيط السماء
عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع"؟ قالوا: ما نسمع من شيء يا رسول الله قال رسول الله ﷺ : "إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط وما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك أما ساجد وإما قائم"، وعن أبي ذر قال رسول الله ﷺ : " أن السماء أطت وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله"، العرب تطلق أن يقال: فلان جالس على كذا لما يفضل عنه يقولون: فلان جالس على الحصير وهي مقصرة عنه وجلوسه في الحقيقة عليها وعلى غيرها من الأرض وفلان جالس على الحصير الفاضلة عنه وفي الحقيقة جلوسه على بعضها لا كلها فمن فهمه يقف على المراد في الحديث من قوله موضع قدم أو أربع أصابع.
стр. 1337
في الرسالة والنبوة
عن البراء بن عازب قال لي رسول الله ﷺ : "يا براء ما تقول إذا أويت إلى فراشك"؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: "إذا أويت إلى فراشك
стр. 1338
طاهرا فتوسد يمينك وقل: اللهم أسلمت١ وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبه إليك لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت"، وقال: "ونبيك الذي أرسلت" فقلت: كما قال: غير أني قلت: ورسولك الذي أرسلت قال: فطعن رسول الله ﷺ بإصبعه في صدري وقال: "ونبيك الذي أرسلت" ففعلته وذلك لأن الذي قاله رسالة فقط والذي أمره أن يقول: وهو ونبيك الذي أرسلت بجمع الرسالة والنبوة جميعا فكان أولى مما قاله.
стр. 1339
في مزمار أبي موسى
عن عائشة وأبي هريرة وسلمة بن قيس وابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ سمع قراءة أبي موسى الأشعري فقال: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود"، وفيما روي عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ وسمع أبا موسى يقرأ القرآن فقال: "لكأن أصوات هذا من أصوات آل داود".
معنى إضافة صوته إلى صوت آل داود هو أن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ الآية أي: سبحي وقيل ارجعي معه من لا يأب ولما كانت تلك الأشياء مأمورة بالتسبيح معه كأن كل مسبح معه إلا له لأتباعهم كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فسماهم آلا له لاتباعهم فرعون بعمله وبكفره ومنه قيل آل إبراهيم وآل محمد وإذا كان الآل استحقوا لمتابعتهم إياه كان هو أولى بالاستحقاق فمثله أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود وهي تسبيحهم الذي كان داود سببه وإن ما أضيف من المزامير إليهم مضافة إليه فكأنه قال ﷺ : "لقد أوتي مزمارا من مزامير داود" والله أعلم.
стр. 1340
في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عن أبي موسى قال رسول الله ﷺ : "كان من قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تعذيرا فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعض على بعض ثم لعنهم على لسان نبينهم داود وعيسى بن مريم صلى الله عليهما وسلم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم".
حكي عن الخيل أنه قال: أطرت الشيء إذا ثنيته وعطفته وأطر كل شيء عطفه كالمحجن والمنخل والصولجان، وعن الأصمعي أنه قال: يقال: أطرت الشيء وأطرته إذا أملته إليك ورددته إلى حاجتك فكان ما في هذا الحديث من قوله: "لتأطرنه على الحق إطرا" أي: تؤدونه إليه تعطفونه إليه وتميلونه إليه حتى يكون فيما يفعلونه به من ذلك كالمحجن والمنخل والصولجان الذي لا يستطيع أن يخرج مما عطف عليه وثنى إليه ورد إليه إلى خلاف ذلك أبدا والله نسأله التوفيق.
стр. 1341
في مراتب الخلفاء
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أرى الليلة رجل صالح" أن أبا بكر نيط برسول الله ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح
стр. 1342
فهو رسول الله وأما ما ذكر من نوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه- وفيما روى مرفوعا كان رسول الله ﷺ يعجبه الرؤيا ويسأل عنها فقال ذات يوم: "أيكم رأى رؤيا" فقال رجل: أنا يا رسول الله رأيت كأن ميزانا دلي من السماء فوزنت فيه أنت وأبو بكر فرجحت بأبي بكر ثم وزن فيه أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر بعمر ثم وزن فيه عمر وعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان فاستاء لها رسول الله فقال: "خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء".
في هذين الحديثين ما يدل على أن الخلافة في الثلاثة وليس فيه ما ينفى عن غيرهم بل روى مرفوعا الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون الملك منها سنتان لأبي بكر وعشر سنين لعمر واثنتا عشرة سنة لعثمان وست سنين لعلي ﵃ فالحق أن مدة علي داخلة في خلافة النبوة وإنما لم يذكر في الحديثين لأن ما فيهما كان في أبي بكر وعمر وعثمان خاصة وكل واحد منهم قد خص بفضائل دون صاحبه وهم بأجمعهم أهل السوابق والفضائل وينتابون في فضائلهم كأنبياء الله الذين جمعتهم النبوة وبعضهم أفضل من بعض قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ .
стр. 1343
خاتمة الطبع
قد تم بحمد الله ﵎ طبع كتاب المعتصر مرة ثانية يوم الخميس الثالث عشر من شهر شعبان المعظم سنة ١٣٦٣ هـ.
وذلك في العهد الميمون والأيام الذهبية لجلالة الملك مظفر الممالك نظام الملك سلطان العلوم أمير المسلمين النواب عثمان علي خان بها در آصف جاه السابع ملك الدولة الإسلامية الآصفية بحيدر آباد الدكن أدام الله أيامه وخلد سلطنته وأطال الله عمره وعمر ولي عهده الأعظم النواب الدكتور أعظم جاه بهادر وابنه المعظم النواب الدكتور معظم جاه بهادر وحفظ الله حفيده المكرم النواب مكرم جاه بهادر.
وفي وزارة النواب صاحب المعالي الحافظ السير أحمد سعيد خان المعروف بالنواب جهتاري.
وهذه الجمعية تحت رياسة الأديب الجليل النواب الدكتور السير مهدي يارجنك بهادر وزير المعارف ونائب أمير الجامعة العثمانية وتحت اعتماد الحسيب النسيب النواب علي ياورجنك بهادر عميد الجمعية وعميد المعارف وذي المجد والكرم النواب ناظر يارجنك بهادر شريك العميد ومولانا المدقق السيد هاشم الندوي مدير الدائرة ومعين العميد أبقاهم الله تعالى لخدمة العلم والدين آمين.
واعتنى بتصحيح هذا الكتاب من علماء الدائرة مولانا الشيخ محمد طه الندوي ومولانا السيد أحمد الله الندوي ومولانا الشيخ محمد عادل القدوسي ومولانا السيد حسن جمال الليل المدني ومولانا الشيخ أحمد ابن محمد اليماني وأمعن النظر فيه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني مصحح دائرة المعارف وفقنا الله تعالى لخدمة العلم والدين آمين.