في ترك الجمعة
روى عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك الجمعة في غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار" فيه أن من تركها بعذر لا شيء عليه وأنها صدقة لا كفارة لأنها تجب بفعل ما يوجبها بعذر وبغير عذر لأن الفرق بينهما في الإثم لا في الكفارات قلت فعلى هذا يلزم أن تكون الصدقة في باب الحيض كفارة لأن عمر أمر بها مع كونه معذورا فافهم.
стр. 37
في وجوب غسل المرأة إذا احتلمت
روى أن حبرا من أحبار اليهود قال لرسول الله ﷺ أسألك عن الولد قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلى منى الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله" فقال اليهودي صدقت وأنت نبي ثم انصرف فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به" وروى أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ هل على المرأة ترى زوجها في المنام يقع عليها غسل فقال رسول الله ﷺ : "نعم إذا رأت بللا" فقالت: وتفعل ذلك المرأة فقال: "ترب ١ جبينك وأنى يكون شبه الخؤولة إلا من ذلك أي النطفتين سبقت إلى الرحم غلبت إلى الشبه" لا تعارض بين
стр. 38
الحديثين لأن في الأول الأذكار والايناث بعلو أحد المائين الآخر وفي الثاني الشبه بسبق أحد المائين الآخر إلى الرحم فلكل حديث معنى وكذا لا يعارض الأول حديث حذيفة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم أربعين ليلة فيقول يا رب ماذا أشقي أم سعيد فيقول الله فيكتبان فيقول ذكر أم أنثى فيكتبان رزقه وعمله ومصيبته ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص" وروى عنه أيضا أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظمها" ثم قال: "يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقض ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمر ولا ينقص" لأن الحديث الأول إنما هو على المني قبل أن يكون نطفة مما قدر الله فيه أن يكون ذكر أو أنثى مع علو أحد المائين ثم في حديث حذيفة شق السمع والبصر بعد تلك المدة وسؤال الملك مستعلما عما تقدم من الله فيه أذكر أم أنثى ليكتب في الصحيفة وقد تقدم علم الله قبل ذلك فلا تعارض ثم الحديث الثاني لحذيفة إذا مر بالنطفة اثنان وأربعون ليلة وقع كالتفسير لما أبهم في قوله في الأول بعد ما يستقر في الرحم أربعين فافهم.
стр. 39
كتاب الصلاة
في تفضيل المساجد
...
كتاب الصلاة
وفيه ثمانية وتسعون حديثا
في تفضيل المساجد
روى عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض قبل؟ قال: "المسجد الحرام" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم المسجد الأقصى" قال: قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد" لا يشك أن باني المسجد
стр. 40
الحرام إبراهيم كما لا يشك بأن باني المسجد الأقصى داود وابنه سليمان من بعده وكان بين إبراهيم وبينهما من المدد ما يتجاوز عن الأربعين بأمثالها ولكن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما كان بين وضعهما لا عن مدة ما بين بنائهما فيحتما أن يكون واضع المسجد الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وسليمان ثم بناه داود وابنه في الوقت الذي بنياه فيه وكذلك يجب أن يحمل تأويل مثله عليه قال علي ﵁ إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثا فظنوا برسول الله اهناه وانقاه واهداه وبالله التوفيق.
стр. 41
في فضل المكتوبة في المساجد
روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وروى عن عمر: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الرسول فإنما فضله عليه مائة صلاة" وهذا مما لا يعرف رايا وعن ابن الزبير قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في هذا.
وروى جابر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما سواه" كأنه يعني مسجده ﷺ فعقلنا بهذا أن أفضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام لأن الصلاة فيه كمائة ألف صلاة وفي مسجد المدينة كألف ثم طلبنا لنقف على فضل الصلاة في المسجد الأقصى فلم نجد ما يدل على فضل له على غيره من المساجد سوى الثلاثة المذكورة في هذه الآثار غير ما روى عن أبي ذر سألت رسول الله ﷺ الصلاة في مسجدك أفضل أم الصلاة في بيت المقدس؟ فقال: "في مسجدي مثل أربع
стр. 42
صلوات في مسجد بيت المقدس ولنعم المصلى هو أرض المحشر" أو "أرض المنشر" فيه ما يدل على أن الصلاة فيه كمائتي صلاة وخمسين صلاة في غيره وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ : "صلاة في مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة" ففيه أن الصلاة في مسجد المدينة كصلاتين في مسجد القدس وروت ميمونة مولاته ﷺ أنها قالت افتنا في بيت المقدس فقال: "أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره" ففيه أن فضله كفضل مسجد المدينة فوقفنا بذلك على أن الله تعالى من على عباده زيادة منه بتفضيل الصلاة في مسجد القدس درجة فدرجة إلى أن ساواه في الفضيلة بمسجد النبي ﷺ وفي أعمال المطي إليه وإعطاء الثواب عليه.
стр. 43
في فضل النافلة في البيت
روى زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" ففيه أن صلاة النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المساجد الثلاثة فيكون التفضيل السابق للصلاة في المساجد الثلاثة في الفرائض لا غير ويعلم به فقه من قال: لو نذر أن يصلي لله صلاة في المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد الأقصى فصلاها في بيته أنها تجزئه لأنه صلاها في موضع صلاته إياها فيه أفضل من صلاته إياها في الموضع الذي عينه وأوجبه على نفسه وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد وقول أبي يوسف فيه مضطرب.
стр. 44
في مسجد قباء
روى ابن عمر أنه ﷺ كان يأتي مسجد قباء ماشيا وراكبا ة وروى عنه لم يكن رسول الله ﷺ يأتي شيئا من المساجد إلا مسجد قباء وكان ابن عمر يفعله ففيه أنه كان من عادته ﷺ ذلك لأنه لم يقل أنه أتى وفيه تحضيض أصحابه على إتيانه وروى ذلك عنهم كما ذكر في حديث نافع عن ابن عمر قال كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين
стр. 45
الأولين وأصحاب رسول الله ﷺ في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد ابن عامر وكان سالم أكثرهم قرآنا وفيه ما يخالف رواية المعرور بن سويد أنه كان مع عمر ﵁ بطريق مكة فرأى ناسا يذهبون مذهبا فسأل عنهم قالوا: يأتون مسجدا صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بأشباه هذا يتبعون آثار نبيهم فاتخذوها كنائس وبيعا من أدركته الصلاة في شيء من المساجد التي صلى فيها رسول الله ﷺ فليصل فيها وإلا فلا يتعمدها" إلا أن يقال: محمل كلام عمر على موضع صلى فيه رسول الله ﷺ لأن الصلاة أدركته فيه لا لفضيلة فيه والناس قصدوه لتعظيمه وتفضيله على غيره من المواضع فيؤول إلى اتباع من كان قبلهم من الأمم فيما فعلوه فلذلك نهاهم بخلاف مسجد قباء فإن له فضيلة كما سيجيء وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أتى مسجد قباء فصلى فسمعت به الأنصار فجاءوا فسلموا عليه فأشار عليهم بيده ردا لسلامهم وعنه خرج رسول الله ﷺ إلى قباء ليصلي فيه فسمعت الأنصار الحديث ولا يقال: أن صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة فكيف كان يترك الأفضل ويتجثم المسافة إلى ما هو دونه لأنه يحتمل أن ذلك لما وجب عليه ﷺ أن لا يجلس فيه حتى يصلي فيه قبل الجلوس كما أمر الناس بتحية المسجد لا لما سواه وأما التطوع في بيته فأفضل من الصدقة في قباء لأنه لما فضلها على الصلاة في مسجده وهو فوق مسجد قباء في الفضل كانت أحرى أن تكون في البيوت أفضل منها في قباء وإن كان لمسجد قباء أيضا فضيلة يؤتى من أجلها دل عليها ما ذكر الله تعالى في شأنه وشأن المسجد الذي زعم الذين بنوه أنهم بنوه ليكون كمثله وشتان ما بينهما ثم أن النبي ﷺ كان يأتيه لمواصلة الأنصار والاجتماع لهم فيه لا لصلاة فريضة ولا نافلة لأن الفريضة في مسجده والنافلة في بيته أفضل وما روى أنه كان يأتي مسجد قباء ليصلي فيه فهو كلام قاله الراوي لعلمه أن النبي ﷺ كان لا يأتيه ليجلس فيه إلا صلى فيه قبل الجلوس قال القاضي ولو قيل
стр. 46
أن للصلاة فيه فضلا على ما سوى المساجد الثلاثة لمن لم يكن من أهل هذه الثلاثة ولمن كان منتابا لا بيت له لكان صوابا والله أعلم.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا من بني خدرة ورجلا من بني عوف امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال العوفي: هو مسجدنا بقباء وقال الخدري هو هذا المسجد مسجد رسول الله ﷺ فاتيا النبي ﷺ فسألاه فقال: "هو هذا المسجد مسجد رسول الله" وفي ذلك خير كثير وعن عروة هو مسجد قباء الذي أسس على التقوى لبنيان رسول الله ﷺ إياه روى عن عائشة أول من حمل حجر قبلة مسجد قباء رسول الله ﷺ ثم حمل أبو بكر آخر ثم حمل عمر ثم حمل عثمان فقلت يا رسول الله ألا ترى هؤلاء يتبعونك فقال: "أما إنهم أمراء الخلافة بعدي" ويؤيد ما ذكر عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجد قباء وصلى فيه الرسول ﷺ فحسدهم بنو غنم بن عوف وبنوا مسجد الضرار وقصدوا بذلك التفريق بين المؤمنين لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في قباء فيغتص بهم وأرصدوه لمن حرب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب الذي سماه الرسول ﷺ الفاسق وسألوا رسول الله ﷺ أن يصلي فيه كما صلى في مسجد بني عمهم فنزلت الآية فأمر جماعة فيهم وحشي قاتل حمزة بتخريبه وتحريقه وجعل مكانه كناسة يلقى فيه الجيف وما روى بحديث متصل من رواية جابر وأنس وغيرهما أنه لما نزلت ﴿فِيهِ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال النبي ﷺ : "يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم؟ " قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل للجنابة ونستنجي بالماء, قال: "هو ذاك فعليكموه" فدل أنه مسجد قباء دون مسجد النبي ﷺ لأن الرجال هم الأنصار دون من سواهم ولقائل أن يقول مسجد النبي ﷺ كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم فالتخصيص بالأنصار تحكم وحديث سعيد بن جبير منقطع لا يقاوم حديث أبي سعيد الخدري والله أعلم.
стр. 47
في بناء المسجد
عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ : "من بنى مسجدا لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" أو "بنى له مثله في الجنة" وروى "أو بنى له أوسع منه في الجنة"
ومن روى "بنى له مسجدا في الجنة" يعود بالتأويل الصحيح إلى ما رواه الجماعة وذلك أن المساجد إنما تبنى بيوتا ثم تعود مساجد بالصلاة فيها وإذا أثاب الله الباني مثل ما بناه والذي بناه بيت حتى يصلي فيه فيصير مسجدا كذلك يبني له بيتا والجنة ليست بدار صلاة ولا عمل فيبقى ما بناه الله له فيها بمثل اسم المسجد الذي بناه قبل أن يصلي فيه وقوله كمفحص قطاة على التقليل لا على التحقيق كقوله في العقيقية ولو بعصفور وفي الزانية بيعوها ولو بضفير وفي السارق يسرق البيضة وقوله بنى له مثله المراد مماثلته في التسمية لا غير كقوله تعالى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ .
стр. 48
في مسجد الدار
عن عائشة ﵂ قالت أمر رسول الله ﷺ بالمساجد أن تبنى في الدور وأن تنظف وتتطيب لا حجة فيه لمن ذهب إلى جعل مسجد الدار الذي يغلق بابها ويحال بينه وبين الناس في حال ماوان كان إذن للناس بالصلاة فيه زائلا ملك مالكه عنه كسائر المساجد والحق أنه لا يصير مسجدا بذلك القدر وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه لأنه يحتمل أنها أرادت المواضع التي فيها الدور لا التي يغلق عليها الأبواب ويكون المسجد في خلال الدور وفي أفنيتها لا في داخل شيء منها فيما يغلق عليه أبوابها لأن ما جمع الدار من المواضع يسمى بجملته دارا لأن السكنى فيه لا تتهيأ إلا به قال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ فدل أن البلدة تسمى دارا وتسمى ديارا ومنه خير دور الأنصار دار بني النجار الحديث وإذا احتمل هذا التأويل سقط الاحتجاج به ووجب ألا يعطى له حكم المساجد في رفع الملك عنه ودخول غير أرباب الدور فيه إلا بإذن جديد وأن يجري التوارث فيه والله أعلم.
стр. 49
في الأذان
روى معاوية عن النبي ﷺ : "أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة" معناه أن الناس تطاول أعناقهم إلى ثواب أعمالهم يوم الجزاء وبينهم تفاضل والمؤذنون لكثرة مرجوهم أطول أعناقا من سائرهم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا كما تخضع أعناق أهل المعاصي يومئذ فظلت أعناقهم لها خاضعين قال القاضي ويحتمل أن يكون مجازا عن زيادة أمنهم يوم الفزع الأكبر بحيث يشتهر أمرهم في الأمن فلا يخفى على أحد لاشتهار عملهم في الدنيا ومنه فلان يمشي بين الناس طويل العنق إذا لم يخف على نفسه في زمان يستريب الناس فيه بالخوف على أنفسهم من الظلمة قلت الأول لكونه أقرب إلى الحقيقة أحسن.
стр. 50
في الأجرة على الأذان
روى عثمان بن أبي العاص قال لي رسول الله ﷺ : "اتخذ مؤذنا لا ياخذ على أذانه أجرا" ليس فيه دلالة على جواز أخذ الأجرة على الأذان بالعقد بل فيه جواز أخذ أجر يكون كالمثوبة والتنويل على الأفعال التي يحمد فاعلوها ليدوموا عليها ويقوى باعثهم عليها منه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ مع أن من لا يقبل ذلك أفضل ممن يقبله لعلمه بالسبب الذي من أجله أعطى فأمر عثمان أن يتخذ أفضل المؤذنين وأعلاهم رتبة في ثواب الآخرة بترك التعوض من الدنيا الدنية على الأمور الدينية ثم القياس أيضا يمنع من استحقاق الأجر على الأذان بالعقد لأن مستأجره لا يملك بمقابلة الأجر الذي يبذله منافع الأجير ملكا خاصا يبين به
стр. 51
دونه وهو شرط في كل عقد إجارة قضية للمعاوضة فينبغي ألا تجوز الإجارة عليه قال القاضي شرط صحة الإجارة أن يكون المعقود عليه من الأفعال المباحة للأجير فإن الواجب والحرام لا يعقد عليه شرعا والأذان مباح أو مندوب وليس تملك المستأجر منفعة الأجير شرطا للاجماع على جواز الاستئجار على بناء المساجد.
قلت: يملك المستأجر بناء المسجد أولا ثم يصير مسجدا على ملكه إذ وقف ما لا يملك غير صحيح كالاعتاق اتفاقا وكفاك فارقا تسمية المستأجر بانيا للمسجد ولا يسمى مؤذنا وإن وجد التسبب فيهما.
стр. 52
في الصلاة خير من النوم
روى أبو محذورة أن النبي ﷺ علمه في الأذان الأول من الصبح الصلاة خير من النوم وروى عنه كنت غلاما صبيا فقال لي رسول الله ﷺ : "قل: الصلاة خير من النوم" ففيه تحقيق للصلاة خير من النوم في الصبح وروى مثله عن أنس وعن ابن عمر وروى عن حفص أن جده سعد المؤذن كان يؤذن لأهل قباء في عهده ﷺ حتى نقله عمر في خلافته فأذن في مسجد النبي ﷺ وأنه سمع من أهله أن بلالا أتى رسول الله ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر بعدما أذن فقيل ان رسول الله ﷺ قائم فنادى بأعلى صوته الصلاة خير من النوم فأقرت في تأذين الفجر ثم لم يزل الأمر على ذلك فيحتمل أن ما كان من بلال متقدم لما في حديث أبي محذورة فصار من سنة الأذان ثم علم النبي ﷺ أبا محذورة الأذان واختلف الفقهاء فيه فمنهم على تركه واضطرب فيه قول الشافعي وحجته في تركه أنه لم يكن فيما علم أبا محذورة وقد ذكرنا ذلك عن أبي محذورة غير أنه لم يوجد في رواية الشافعي له عمن رواه عنه من أصحاب ابن جريج ولكن فقهاء الحجاز والعراق على ما رويناه أولا من الاستعمال في أذان الصبح.
стр. 53
في الصلاة في الرحال
خطب ابن عباس في يوم الجمعة فلما أذن المؤذن فبلغ حي على الفلاح قال: ناد الصلاة في الرحال, فنظر بعضهم إلى بعض قال: فقد فعله من هو خير مني يعني رسول الله ﷺ وإني كرهت أن أحرجكم فعلم بهذا أن هذا مما يجب إدخاله في الأذان عند الحاجة إليه وروى نافع عن ابن عمر أنه وجد بردا شديدا في سفر فأمر المؤذن أن يؤذن معه بأن صلوا في رحالكم فإني رأيت رسول الله ﷺ يأمر مثل ذلك إذا كان مثل هذا.
стр. 54
في أمانة المؤذن
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ثبت الأئمة واغفر للمؤذنين أو أرشد اللهم الأئمة واغفر للمؤذنين" على ما روى عنه من ذلك يعني مؤتمن على الأوقات الخمسة فيعتمده الناس في صلاتهم وفطرهم وفي أورادهم التي وظفوها والإمام ضامن لأن صلاة المقتدين مضمنة بصلاته صحة وفسادا وسهوا حتى لو صلى محدثا أو جنبا أو باديا عورته متعمدا وهم متطهرون مستترون تفسد صلاتهم بالاتفاق والقياس أنه إذا كان ذلك كذلك في العمد يكون في السهو مثله كما في حكم نفسه يستوي سهوه وعمده في فساد صلاته.
قلت فعلى هذا الإمام ضامن يعني تضمن صلاته صلاة المقتدي والكلام سيق لبيان فضيلة الإمامة وفضيلة الأذان وتأويل القاضي يحتمل الإثم عنهم فيما إذا صلى على غير طهارة أو أخل بشيء من الفرائض حتى أفسدها وهم لا يعلمون فيكون مأخوذا به دونهم على حكم الضمان اخراج للكلام عن المدح إلى الذم وتقييد لا طلاقة بحالة نادرة من أحواله من غير حاجة مع أن المؤذن المؤتمن إذا قصد اضلال الناس عن الوقت وإفساد عباداتهم الموقتة عليهم يتحمل الإثم
стр. 55
عنهم أيضا فلا وجه لتخصيص الضمان بالإمام حينئذ ودعاه النبي ﷺ بالتثبيت والارشاد للأئمة وبالمغفرة للمؤذنين مما يصحح التأويل الأول يؤيده ما روى عن عقبة بن عامر الجهني قال ﷺ : "من أم الناس فأتم الصلاة وأصاب الوقت فله ولهم وان انتقص من ذلك شيء فعليه ولا عليهم" وما روى عن أبي شريح العدوي قال رسول الله ﷺ : "الإمام جنة فإن أتم فلكم وإن نقص فعليه التقصير ولكم التمام" فإن تحمل الإمام إثم الجماعة إذا قصر يفهم منه صريحا فكان في حمل الإمام ضامن عليه أيضا تكرار والتأسيس أولى من التأكيد ثم في هذا الحديث أن الإقامة إلى الإمام دون المؤذن فكان عليه بالتقصير عن وقتها الاثم خاصة كما كان الإثم على المؤذن بالتقصير في طلب وقت الأذان وروى ذلك عن علي ﵁ أنه قال المؤذن أملك بالاذان والإمام أملك بالإقامة.
стр. 56
في التنافس على الأذان
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فارشد اللهم الأئمة واغفر للمؤذنين" فقالوا يا رسول الله تركتنا نتنافس على الأذان قال: "كلا إن بعدكم زمانا يكون مؤذنوهم سفلتهم" ففيه أنه سيكون زمان يترك أشراف الناس فيه الأذان وينتدب إليه من دونهم في النسب فتعلو بذلك مراتبهم وهذا مثل ما روى عن النبي ﷺ في القرآن: "أن الله يرفع به أقواما ويضع بتركه آخرين" وروى أن عمر لما استعمل نافع بن الحارث على مكة فتلقاه بعسفان فسأله عمن استخلفه فقال: استخلفت عليهم ابن أبزى مولى لنا فقال: استخلفت عليهم مولى قال: إنه قاري لكتاب الله عالم بالفرائض قاض فقال عمر إن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين", وإني لأرجو أن يكون ممن رفع بالقرآن" فكذا يحتمل أن يرفع بالأذان من لم يكن رفيع.
стр. 57
في حضور الجماعة
روى عن عتبان بن مالك قلت: يا رسول الله إني ضرير وإن السيول تحول بيني وبين المسجد فهل لي من عذر فقال له النبي ﷺ : "هل تسمع النداء؟ " فقال نعم فقال: "ما أجد لك عذرا إذا سمعت النداء" رواه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن شهاب عن محمود عن عتبان قال الشافعي وقدوهم فيه فيما نرى والدليل عليه أن مالكا أخبرنا عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع أن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى وأنه قال لرسول الله ﷺ أنها تكون الظلمة والمطر والسيل وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي في مكان أتخذه مصلى فجاءه رسول الله ﷺ فقال: "أين تحب أن تصلي" فأشار إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله ﷺ اختلف أهل العلم في وجوب حضور الجماعة على الضرير كوجوبها على الصحيح فطائفة جعلوه كمن لا يعرف الطريق فلم يعذر بجهله إياه عن التخلف وعذره طائفة والقولان مرويان عن أبي حنيفة والصحيح وجوب الحضور عنده وإلى ذلك كان يذهب محمد ولا يحكي فيه خلافا وقد خاطب ابن أم مكتوم رسول الله ﷺ حين تلا ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قبل﴾ إنزال غير أولي الضرر بأن قال له: لو أستطيع الجهاد لجاهدت فلم ينكر عليه الرسول ﷺ ولم يقل له إنك أعمى ولا فرض على الأعمى فدل على أن ما يستطيعه الأعمى يكون فيه كالبصير وحكم وجوب الحج عليه إذا وجد إليه سبيلا وقائدا موصلا كذلك.
стр. 58
في التنفل قبل المغرب
روى عن عبد الله بن مغفل قال رسول الله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة لمن شاء" ليس فيه دلالة إذ أن المغرب وإقامتها صلاة لأن المذكور بين كل أذانين لا بين كل أذان وإقامة ولا شك أن بين أذان الفجر وأذان الظهر صلاة وهي ركعتا الفجر وما يتطوع به بعد طلوع الشمس بعد حلها وكذا بين أذان الظهر وبين أذان العصر
стр. 59
صلاة لمن شاء وبين أذان العصر وأذان المغرب صلاة قبل صلاة العصر وكذا بين المغرب والعشاء فهذا ظاهر الحديث ومن ادعى غيره فعليه بيانه وحديث عبد الله المزني أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين", ثم قال: "صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين" قد اختلف في إسناده ومتنه لأنه قال في الثالثة: "لمن شاء" كراهة أن يحسبها الناس سنة وروى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال رسول الله ﷺ : "إن عند كل أذان ركعتين ما خلا صلاة المغرب" فإن كان الحديثان واحدا يكون التالي مبينا أنها ما سوى صلاة المغرب وإن كانا متغايرين يكون ناسخا لأن الأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى وما روى عن أنس كنا نصلي الركعتين قبل المغرب في حياة الرسول ﷺ وكان يرانا لا يأمرنا ولا ينهانا يحتما أنه كان ثم نسخ وكذا ما روى عن عمرو بن عامر عن أنس كان إذا نودي بالمغرب قام لباب أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري يصلون الركعتين فإنه يحتمل أن هؤلاء لم يعلموا الذي علمه بريدة ولا يستبعد عدم العلم عن هؤلاء الجلة كما خفي على ابن مسعود ﵁ مع جلالته نسخ التطبيق وكان يفعله إلى أن مات وخفى على علي ﵁ إباحة لحوم الأضاحي بعد ثلاث على ما روى عنه أنه خطب به لما صلى بالناس وعثمان محصور نهاهم أن يأكلوا من الأضاحي فوق ثلاث ومثله كثير يجزي ما جئنا به عن بقيته وعن قتادة قلت لسعيد بن المسيب أن أبا سعيد الخدري كان يصلي الركعتين قبل المغرب قال كان ينهى عنهما ولم أدرك أحدا من الصحابة يصليهما غير سعد بن مالك ففيه أن من لم يكن يصليها هو أكثر الصحابة عددا وقد روى عن إبراهيم أنه قال الركعتان قبل المغرب بدعة لم يصلهما النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر روى ذلك محمد عن أبي حنيفة عن حماد عنه قال محمد وبه نأخذ وموضع إبراهيم من العلم موضعه وخبرته بالصحابة خبرته وكان العمل بعد ذلك في المساجد الثلاثة على تركها وفقهاء الأمصار على ذلك.
стр. 60
في وقت القيام إلى الصلاة
روى عن النبي ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فيه نهي للناس عن الدخول في الصلاة قبل إمامهم فكان قيامهم قبل حضوره فضلا لا حاجة بهم إليه فنهوا عن ذلك وقال أبو خالد الدالاني أتاني علي ﵁ وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام ننتظره فقال: ما لي أراكم سامدين والسمود اللهو فنهوا أن يكونوا لاهين.
стр. 61
في وقت تكبير الإمام
روى عن بالا قال: اشترطت على رسول الله ﷺ أن لا يسبقني بآمين فيه أنه ﷺ كان يقرأ في صلاته بعد دخوله فيها طائفة من الفاتحة قبل فراغ بلال من أذانه وفيه دليل على صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵁ من شروع الإمام إذا بلغ المؤذن قد قامت الصلاة ومثله روى عن عمر ومثله عن قيس بن أبي حازم على كثرة من بقى من الصحابة وذهب اكثر العلماء إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من إقامته محتجين بحديث أنس أقبل علينا رسول الله ﷺ بعدما أقيمت الصلاة فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا إني لأراكم من وراء ظهري" وبحديث البراء إذا أقيمت الصلاة مسح صدورنا وقال: "راصوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال كأنهم بنيان مرصوص" غير أنه يحتمل أن يكون ذلك منه ﷺ ليفعلوا ما أمرهم به والذي كان عليه قبل ذلك وبعده ما ذكرنا في حديث بلال والأحسن في هذا أن يكون الأمر واسعافيه.
стр. 62
في التوجيه
روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: "وجهت وجهي" الآية ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني أول المسلمين من القرن الذي بعث فيهم وكذا قول موسى: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . أي
стр. 63
مؤمني زمانه الذين آمنوا به إذا كان قبلها أنبياء ومؤمنون وروى عنه بعد ما ذكرنا أنه كان يقول: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحس الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك" قوله: "الشر ليس إليك" أي أنه غير مقصود به إليك إنما يقصد الله تعالى بالخير وإن كان الكل من عند الله فييسر أهل السعادة للخير ليثبتهم وأهل الشقاوة للشر فيعاقبهم عليه إلا أن يعفو عنهم فيما عدا الشرك.
стр. 64
في رفع اليدين
روى عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا أراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر قال الطحاوي: لا نعلم أحد روى هذا الحديث غير عبد الرحمن بن أبي الزناد فلا يخلو أن مجيئه بهذه الزيادة غلط أو عن حقيقة فإن كان الأول فلا حجة في الغلط وإن كان عن حقيقة فإنا قد وجدنا عليا فيما كان عليه يخالف ذلك روى عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة الصلاة ثم لا يرفع بعد ولا يفعل علي رضي اله عنه بعد النبي ﷺ خلافه إلا بعد قيام الحجة عنده على نسخ ما كان النبي ﷺ يفعله وعن ابن مسعود أنه ﷺ كان يرفع في أول تكبيرة ثم لا يعود وقيل لإبراهيم حديث وائل أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع من الركوع فقال إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك واحتمل هذا عن إبراهيم وان كان لم يسم من بينه وبين عبد الله لقوله للأعمش إذا قلت لك: قال عبد الله لم أقل ذلك
стр. 65
حتى حدثني به عنه جماعة وإذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني.
وروى ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" وكان لا يفعل ذلك في السجود رواه عنه مالك وسفيان وإليه ذهب الشافعي وروى ابن شهاب عن عبد الله١ بن عمر فزاد فيه الرفع عند القيام من الركعتين فمن حاج من لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى بحديثي مالك وسفيان عن الزهري فهو محجوج بما في حديث عبيد الله بن عمر عنه من الرفع بعد القيام من القعود إذ يلزمه في ترك ما رواه عبيد الله ما يلزم خصمه في ترك ما رواه مالك وسفيان إذ ليس عبيد الله بدون مالك ولا سفيان مع أنه وجد الحديث من رواية نافع ابن عمر موافقا لما رواه عبيد الله وزائدا عليه الرفع في غيرهما وهو ما رواه عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام وقعود بين السجدتين ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يقال فقد رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر فلم يذكر فيه الرفع إلا عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع لأن تقصير الراوي عن بعض ما رواه العدل لا يلتفت إليه وروى عن أيوب قال رأيت طاووسا ونافعا يرفعان أيديهما بين السجدتين وروى عن أيوب أنه كان يفعله ففعل نافع يدل على صحة الرواية عنه وتمسك أيوب بذلك دال على أن الأمر قد كان عنده فيه كذلك عن نافع فقصر عن ذكره فمن لا يرفع غير تكبيرة الافتتاح اعذر في ذلك إذ كان قد روى عن مجاهد أنه قال صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى فكان رد الأمر إلى ابن عمر أولى بهؤلاء المختلفين لأنه لم يكن يترك بعد النبي ﷺ ما قد كان يفعله إلا لما يوجب له من نسخ ولا يقال أن طاوسا روى عن ابن عمر خلافه لأن تصحيح الروايات هو الأولى فيكون طاوسا رأى ابن عمر يرفع ثم قامت الحجة عنده مما يوجب نسخ ذلك فتركه.
стр. 66
وصار إلى ما رآه مجاهد عليه فالأولى بنا حمل الآثار على هذا المعنى لا سيما وقد روى الأسود قال رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان كذلك وعن أبي بكر بن عياش أنه قال ما رأيت فقيها قط يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى وإذا كان عمر وعلي وابن مسعود وموضعهم من الصلاة مع رسول الله ﷺ موضعهم على ذلك ثم ابن عمر بعدهم على مثله لم يكن شيء مما روى في القبول أولى مما رووه عن أنس كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه وكان يقول ﷺ : "ليتني منكم أولوا الأحلام والنهى" وروى عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع فعل مثل ذلك وعن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه ففي هذا ما قد شد ما رواه عبيد الله عن الزهري وعن نافع.
стр. 67
في قراءة الفاتحة
روت عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" يقال لمن كان ناقصا في مدة حمله خداج ومخدج ثم وجدنا النبي ﷺ قد سمى صلاة أخرى خداجا على ما روى المطلب عن النبي ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين وتبأس وتمسكن وتقنع بيديك وتقول: اللهم اللهم فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" وعن الفضل بن عباس مثله "وتقنع بيديك" أي ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول: يا رب يا رب ففي الحديثين ذكر الخداج وهو النقص فذهب بعض إلى أن من صلى بغير فاتحة
стр. 68
الكتاب في كل ركعة أنها لم تجزئ وجعلوا النقص إبطالا وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم وذهبوا إلى أن الخداج لا يذهب به الشيء الذي تسمى به لأن النقص لا يوجب الاعدام ولكنها مع نقصانها موجودة إذ ليس كل من نقصت صلاته لمعنى تركه منها يجب به فسادها كترك اتمام ركوعها وسجودها فلا يستبعد أن تنقص الصلاة بترك الفاتحة ولا تفسد وقد وجدنا عن النبي ﷺ ما قد دل على ذلك وهو ما روى ابن عباس لما مرض رسول الله ﷺ مرض موته وهو في بيت عائشة قال: "ادع لي عليا" فقالت: ألا ندعو لك أبا بكر؟ قال: "ادعوه" قالت حفصة: ألا ندعو لك عمر؟ قال: "ادعوه" قالت أم الفضل: ألا ندعو لك العباس عمك؟ قال: "ادعوه" فلما حضروا رفع رأسه ثم قال: "ليصل بالناس أبو بكر" فتقدم أبو بكر فصلى بالناس ووجد رسول الله ﷺ خفة فخرج يهادي بين رجلين فلما أحسه أبو بكر ذهب يتأخر فأشار إليه النبي ﷺ مكانك فاستتم رسول الله ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر ورسول الله ﷺ جالس يأتم به أبو بكر ويأتم الناس بأبي بكر ففيه أن رسول الله ﷺ دخل وقد قرأ أبو بكر الفاتحة أو بعضها ولم يعد رسول الله ﷺ الفاتحة ولا شيئا منها فدل أن الفاتحة بتركها أو ترك بعضها لا تفسد به الصلاة فلا يكون قراءتها شرطا للجواز والحاصل من الحديثين أنه لا ينبغي ترك الفاتحة ولا تفسد الصلاة بتركها ثم الشارطون لا يفرقون بين الإمام والمأموم ومن دخل في صلاة الإمام وهو راكع فكبر لدخوله فيها ثم كبر لركوعه فركع ولم يقرأ الفاتحة خوفا لفوت الركعة يعتد بتلك الركعة وجازت الصلاة بدونها ولا يقال أنها سقطت للضرورة لان الضروره لا تسقط فرضا ألا ترى أنه لو ركع ولم يقم قبل الركوع قومه لم تجز صلاته وإن اضطر إلى ذلك لأن القومة قبل الركوع فرض وإن قلت لا يقال كيف يظن بالرسول صلى الله عليه وآله
стр. 69
وسلم ترك قراءة الفاتحة مع أنه موجب للنقص لأن قراءة أبي بكر في تلك الركعة منعت نقصها والله أعلم.
стр. 70
في مقدار القراءة فيها
عن قتادة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة يطيل في الأولى ويسمعنا الآية وكان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وقال في حديث آخر وكان يطيل أول ركعة من الظهر والغداة فيه أن النبي ﷺ كان يطيل القراءة في الأولى من الظهر على القراءة في الثانية منها واختلف فيه فذهب بعضهم منهم محمد إلى ما في هذا الحديث وبعضهم إلى التسوية بين القراءة في الركعتين الأوليين في الصلاة كلها إلا في الصبح فإنها تطال على القراءة في الثانية اتفاقا وعن أبي سعيد الخدري ﵁ اجتمع ثلاثون من الصحابة وقاسوا قراءة رسول الله ﷺ فيما يخافت فيه بقدر ثلاثين آية في الركعتين الأوليين من الظهر وفي أخرييهما على النصف من ذلك وفي العصر في الأوليين نصف أولي الظهر وفي أخرييهما قدر نصف أخرى الظهر وما اختلف منهم رجلان ففيه التسوية بين الأوليين ظهرا أو عصرا وهو الأولى عندنا لأن الرباعية تنقسم قسمين أوليين وأخريين فكما استوى القراءة في الأخريين فكذلك ينبغي أن تستوي في الأوليين يؤيد ذلك ما كان من سعد بن أبي وقاص وقد شكا عليه أهل الكوفة أمورا من جملتها أنه لا يحسن يصلي جوابا لعمر في قوله: فأما أنا فأمد في الأوليين واحذف في الأخريين وما آلو ما اقتديت برسول الله ﷺ فقال عمر ذلك الظن بك.
فأخبر أنه كان يطيل في الأوليين ويحذف في الأخريين اقتداء برسول الله ﷺ ومعقول أن الأخريين إذا استوتا في الحذف تكون الأوليان استوتا في المد وفيما روينا بأن القراءة في أخريي العصر قدر نصف اخريي الظهر.
стр. 71
دليل على أن في الأخريين من العصر والظهر زيادة على فاتحة الكتاب التي هي سبع آيات لا غير لأن نصف الخمسة عشر سبع آيات ونصف يقرأ في كل من اخريي الظهر ونصف هذا النصف في كل من اخريي العصر مع الاختلاف الظاهر بين أهل العلم في الركعتين الأخريين من هاتين الصلاتين فبعضهم يقول إن شاء المصلي زاد فيهما على الفاتحة مما معناه دعاء وإن شاء سبح فيهما ولم يقرأ فيهما بشيء من القرآن منهم أبو حنيفة والثوري وأصحابهما ومنهم من يقول لا بد من قراءة الفاتحة فيهما من غير زيادة عليها وهم فقهاء الحجاز وروى عن علي ﵁ أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بالفاتحة وسورة ولا يقرأ في الأخريين بشيء وعن جابر أنه كان يقرأ في الأخريين بالفاتحة.
وعن عائشة مثله وتقول إنما هو دعاء يعني كانت تقرأها على أنها دعاء لا قراءة قرآن كما في سواهما. وعن أبي عبد الله الصنابحي صليت المغرب خلف أبي بكر في خلافته فلما قام إلى الركعة الثاثلة دنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية. وروى عن مكحول والله ما كانت قراءة لكنها كانت دعاء فدل على أن صحة ما قيل أن القراءة في الأخريين إنما هي دعاء وتسبيح لا كالقراءة في الأوليين ومثل هذا القول لا يقال استنباطا بالرأي بل توفيقا محضا فلا يصح خلافه وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال التسبيح أحب إلي في الركعتين الأخريين وكذلك كان الثوري يقول وأما أبو حنيفة وأصحابه فيذهبون إلى أن القراءة فيهما أحب إليهم من التسبيح فيهما.
стр. 72
في تطويل الأركان
روى المسعود عن الحكم قلت لابن أبي ليلى ما رأيت أطول قياما من أبي عبيدة في الصلاة فقال سمعت البراء بن عازب يقول كان ركوع رسول الله ﷺ ورفعه رأسه من الركوع وسجوده ورفعه رأسه من
стр. 73
السجود سواء احتج جعفر الهاشمي به على أن القيام في الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه والجلوس والرفع منه والجلوس بين السجدتين بمنزلة سواء في التطويل ولا حجة له فيه إذ قد يحتمل أن ركوعه ورفع رأسه منه وسجوده ورفع رأسه منه سواء على أن ما بعد الركوع من الرفع منه إلى آخر السجدتين يفي بالقيام والركوع ويدل عليه قوله ﷺ : "من أم الناس فليخفف بهم الصلاة فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة".
وقد روى الحديث عن الحكم من هو أثبت من المسعودي وهو شعبة بن الحجاج فقال كان أبو عبيدة يطيل الركوع وإذا رفع أطال القيام قدر ما يقول: اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد فذكرت ذلك لابن أبي ليلى فحدثني عن البراء أن ركوع رسول الله ﷺ وقيامه إذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين كان قريبا من السواء فعرفنا بذلك أن إطالة أبي عبيدة القيام إنما كان مقدار ما يقول فيه الكلام الذي ذكره وكان ما سواه من الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين هذا المقدار سوى جلوس التشهد فإنه مقدار التشهد الذي علم رسول الله ﷺ الناس وكانت الأئمة من الصحابة على التخفيف اقتداء بسنة الرسول ﷺ حتى قال أبو رجاء العطاردي للزبير ما لي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة قال نبادر الوسواس يعني وسوسة الشيطان حتى لا يدركهم فيها.
стр. 74
في معرفة المقبول من الصلاة
روى عن عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فخفف فيها فقيل له لقد صليت وخففت فيها قال هل انتقصت شيئا من حدودها قيل لا قال عمار بادرت وسواس الشيطان إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد لينصرف من صلاته وما كتبه منها إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها أو سدسها أو خمسها أو ربعها أو ثلثها أو نصفها" المعنى فيه أن المصلي إذا حافظ على أركان صلاته وسننها وآدابها وخشوعه فيها واقباله عليها بترك التشاغل عنها بسواها يؤتيه الله تعالى على ذلك خيرا كثيرا وعند الصباح يحمد القوم السرى وإذا قصر تقصيرا يوجب نقصانها لا إبطالها يوجب تنقيص أجره وانحطاط قدره عما كان لو كملها يؤيد ما ذكرنا لا صلاة إلا بحضور القلب.
стр. 75
في السجود
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ولكن يضع يديه ثم ركبتيه".
لا يقال أن ما نهى عنه في أوله قد أمر به في آخره إذ بروك البعير أيضا بيديه أولا ثم برجليه لان المنهي المعنى هو الخرور على الركبتين أولا وركبتا ابن آدم في رجليه لا غير بخلاف كل ذي أربع فإن في يديه ركبتين أيضا والمأمور به أن يخر على يديه أولا ثم ركبتيه لئلا يشابه البعير في وضع الركبتين أولا إذ البروك هو الخرور على الركب فبان بحمد الله أن لا احالة كما ظنه بعض ثم فيما روى عن حكيم بن حزام من قوله بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أخر إلا قائما اختلاف.
فمنهم من قال معناه أن يكون سجوده إلا خرورا من قيام خوفا من الله تعالى فإنه لا ينظر إلى صلاة من لا يقيم صلبه من الركوع.
ومنهم من قال أنه اخبار بأنه بايع على أن لا يموت إلا وهو قائم على إيمانه وإسلامه بالعزم والثبات عليه من قوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ .
ومنهم من قال أنه بايعه ﷺ على الموت ولا يبايع على الموت غير رسول الله ﷺ لأنه لا يتوهم منه زوال الحالة التي لأجلها عقدت البيعة معه عليها بخلاف غيره.