← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

دليل على أن في الأخريين من العصر والظهر زيادة على فاتحة الكتاب التي هي سبع آيات لا غير لأن نصف الخمسة عشر سبع آيات ونصف يقرأ في كل من اخريي الظهر ونصف هذا النصف في كل من اخريي العصر مع الاختلاف الظاهر بين أهل العلم في الركعتين الأخريين من هاتين الصلاتين فبعضهم يقول إن شاء المصلي زاد فيهما على الفاتحة مما معناه دعاء وإن شاء سبح فيهما ولم يقرأ فيهما بشيء من القرآن منهم أبو حنيفة والثوري وأصحابهما ومنهم من يقول لا بد من قراءة الفاتحة فيهما من غير زيادة عليها وهم فقهاء الحجاز وروى عن علي ﵁ أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بالفاتحة وسورة ولا يقرأ في الأخريين بشيء وعن جابر أنه كان يقرأ في الأخريين بالفاتحة. وعن عائشة مثله وتقول إنما هو دعاء يعني كانت تقرأها على أنها دعاء لا قراءة قرآن كما في سواهما. وعن أبي عبد الله الصنابحي صليت المغرب خلف أبي بكر في خلافته فلما قام إلى الركعة الثاثلة دنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية. وروى عن مكحول والله ما كانت قراءة لكنها كانت دعاء فدل على أن صحة ما قيل أن القراءة في الأخريين إنما هي دعاء وتسبيح لا كالقراءة في الأوليين ومثل هذا القول لا يقال استنباطا بالرأي بل توفيقا محضا فلا يصح خلافه وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال التسبيح أحب إلي في الركعتين الأخريين وكذلك كان الثوري يقول وأما أبو حنيفة وأصحابه فيذهبون إلى أن القراءة فيهما أحب إليهم من التسبيح فيهما.

стр. 72

في تطويل الأركان روى المسعود عن الحكم قلت لابن أبي ليلى ما رأيت أطول قياما من أبي عبيدة في الصلاة فقال سمعت البراء بن عازب يقول كان ركوع رسول الله ﷺ ورفعه رأسه من الركوع وسجوده ورفعه رأسه من

стр. 73

السجود سواء احتج جعفر الهاشمي به على أن القيام في الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه والجلوس والرفع منه والجلوس بين السجدتين بمنزلة سواء في التطويل ولا حجة له فيه إذ قد يحتمل أن ركوعه ورفع رأسه منه وسجوده ورفع رأسه منه سواء على أن ما بعد الركوع من الرفع منه إلى آخر السجدتين يفي بالقيام والركوع ويدل عليه قوله ﷺ : "من أم الناس فليخفف بهم الصلاة فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة". وقد روى الحديث عن الحكم من هو أثبت من المسعودي وهو شعبة بن الحجاج فقال كان أبو عبيدة يطيل الركوع وإذا رفع أطال القيام قدر ما يقول: اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد فذكرت ذلك لابن أبي ليلى فحدثني عن البراء أن ركوع رسول الله ﷺ وقيامه إذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين كان قريبا من السواء فعرفنا بذلك أن إطالة أبي عبيدة القيام إنما كان مقدار ما يقول فيه الكلام الذي ذكره وكان ما سواه من الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين هذا المقدار سوى جلوس التشهد فإنه مقدار التشهد الذي علم رسول الله ﷺ الناس وكانت الأئمة من الصحابة على التخفيف اقتداء بسنة الرسول ﷺ حتى قال أبو رجاء العطاردي للزبير ما لي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة قال نبادر الوسواس يعني وسوسة الشيطان حتى لا يدركهم فيها.

стр. 74

في معرفة المقبول من الصلاة روى عن عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فخفف فيها فقيل له لقد صليت وخففت فيها قال هل انتقصت شيئا من حدودها قيل لا قال عمار بادرت وسواس الشيطان إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد لينصرف من صلاته وما كتبه منها إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها أو سدسها أو خمسها أو ربعها أو ثلثها أو نصفها" المعنى فيه أن المصلي إذا حافظ على أركان صلاته وسننها وآدابها وخشوعه فيها واقباله عليها بترك التشاغل عنها بسواها يؤتيه الله تعالى على ذلك خيرا كثيرا وعند الصباح يحمد القوم السرى وإذا قصر تقصيرا يوجب نقصانها لا إبطالها يوجب تنقيص أجره وانحطاط قدره عما كان لو كملها يؤيد ما ذكرنا لا صلاة إلا بحضور القلب.

стр. 75

في السجود روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ولكن يضع يديه ثم ركبتيه". لا يقال أن ما نهى عنه في أوله قد أمر به في آخره إذ بروك البعير أيضا بيديه أولا ثم برجليه لان المنهي المعنى هو الخرور على الركبتين أولا وركبتا ابن آدم في رجليه لا غير بخلاف كل ذي أربع فإن في يديه ركبتين أيضا والمأمور به أن يخر على يديه أولا ثم ركبتيه لئلا يشابه البعير في وضع الركبتين أولا إذ البروك هو الخرور على الركب فبان بحمد الله أن لا احالة كما ظنه بعض ثم فيما روى عن حكيم بن حزام من قوله بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أخر إلا قائما اختلاف. فمنهم من قال معناه أن يكون سجوده إلا خرورا من قيام خوفا من الله تعالى فإنه لا ينظر إلى صلاة من لا يقيم صلبه من الركوع. ومنهم من قال أنه اخبار بأنه بايع على أن لا يموت إلا وهو قائم على إيمانه وإسلامه بالعزم والثبات عليه من قوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ . ومنهم من قال أنه بايعه ﷺ على الموت ولا يبايع على الموت غير رسول الله ﷺ لأنه لا يتوهم منه زوال الحالة التي لأجلها عقدت البيعة معه عليها بخلاف غيره.

стр. 76

في إقامة الصلب من الركوع روى ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ :

стр. 77

"لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود" يريد به نفي الكمال لا نفي الجواز مع أن فيه تضييع حظ نفسه بتقصيره عن إتيانه بها على أعلى مراتبها وحرمان نفسه عن ثوابها كقوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" وهو من باب التغليظ ومثله "لا وضوء لمن لم يسم" وما روى "لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه إذا رفع رأسه من الركوع والسجود" يحتمل أنه لا تجزيه الاجزاء الذي هو أعلى مراتب الاجزاء وهو أولى ما حمل عليه توفيقا بين معاني الروايات وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ومحمد فإنهما قالا أساء وتجزيه صلاته وقال أبو يوسف لا تجزيه وعليه إعادتها والقياس قولهما لأن السجود الذي هو أعلى أركانها فيه ذكر ولا قراءة فيه ومن رفع رأسه من السجود يرجع إلى جلوس ليس من صلب صلاته حتى أن من سها عنه لا تبطل صلاته اتفاقا بخلاف الجلوس بعد السجدتين فإنه مختلف في وجوبه فلما كان الجلوس الأول بين السجدتين من السنن لا من صلبها كان مثل ذلك القيام الذي يخرج من الركوع إليه من السنن لا من صلبها إذ الركوع أيضا ركن فيه ذكر وليس فيه قراءة.

стр. 78

فيما يقال في السجود روى عن حذيفة أنه قال انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل تطوعا فقال: "الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم قرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه فكان الذي يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثم رفع رأسه فقام قدر ما ركع فكان الذي يقول: "لربي الحمد لربي الحمد" ثم سجد فكان نحوا من قيامه يقول: "سبحان ربي الأعلى" وبين السجدتين نحوا من سجوده "رب اغفر لي رب اغفر لي" فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ففيه أنه كان يقول بين السجدتين "رب اغفر لي" مكررا في كل ركعة ولا يعلم عن أحد من الصحابة

стр. 79

فعل ذلك غير علي ﵁ فإنه كان يفعله وكذا لا يعلم من التابعين ومن بعدهم من يذهب إلى ذلك غير بعض من ينتحل الحديث ولا شك في حسنه بل فيه إحياء سنة من سنن الرسول ﷺ ويؤيده القياس فإن الصلاة مشتملة على أفعال كل فعل لا يخلو عن قراءة فيه أو ذكر كالتكبير في الدخول فيها ثم القيام وفيه الاستفتاح والقراءة ثم الركوع وفيه التسبيح ثم الرفع منه وفيه التسميع والتحميد ثم السجود وفيه التسبيح ثم الرفع منه وقد روينا فيه سؤال المغفرة مرتين ثم الجلوس وفيه التشهد والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء فكان القياس أن يكون حكم القعدة بين السجدتين كحكم غيرها من أفعال الصلاة ويكون فيها ذكر.

стр. 80

حصل الظن وروى عن أبي حنيفة قال ذكرت الجدود عند النبي ﷺ فقيل جد فلان في الإبل وقيل في الخيل فسكت فلما قام يصلي ورفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا ولك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وروى عنه انه كان يقول بين السجد تين رب اغفر لي رب اغفر لي فقد يكون يطيل ذلك في بعضها حتى يتجاوز ما جرت عليه عادته حتى يظن أنه قد أوهم والله أعلم.

стр. 81

فيما يقال في الركوع عن ثابت كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ قال كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم قال الطحاوي والله أعلم أنه كان يقول إذا رفع من الركوع اللهم ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد على ما روى عن علي وابن أبي أوفى وغيرهما لا يقال أن قوله حتى نقول قد أوهم يوهم أن العادة جرت على خلافه لأنه يحتمل أنه كان يفعله مرة ويتركه مرة ويحتمل أنه كان يمد صوته كما كان يستعمله بعد سلامه من وتره سبحان الملك القدوس يطول صوته بالثالثة من ذلك فيختلف ما يمكنه ذلك فيها من الزمان حتى يظن أصحابه في ذلك ما كانوا يظنونه. وقد روى عن أبي سعيد الخدري ما روى عن علي وابن أبي أوفى وابن عباس آنفا وزاد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فيكون يقول هذا مرة يتركه مرات فلذلك

стр. 82

في الركوع دون الصف في الركوع دون الصف ... في الركوع دون الصف عن أبي بكرة قال: جئت ورسول الله ﷺ راكع وقد حفزني النفس فركعت دون الصف ثم مشيت إلى الصف فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "أيكم الذي ركع دون الصف" قال أبو بكرة أنا قال: "زادك الله حرصا ولا تعد" فالنهي محمول على السعي الى الصلاة وقد حفزه النفس وقيل مصروف إلى الركوع دون الصف حتى يأخذ مقامه منه يؤيده ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف" والمعنيان مما يجوز إرادتهما بالنهي. لا يقال: قد صح عن زيد بن ثابت أنه دخل المسجد والناس ركوع فكبر وركع ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف وروى عنه أنه كان يركع على عتبة المسجد ووجهه إلى القبلة ثم يمشي معترضا على شقه الأيمن ثم يعتد بها أن وصل إلى الصف أو لم يصل ولا يظن بمثله الاقدام على المنهي لأنا نقول المكروه فعل ذلك للواحد لا للجماعة لأن الواحد بذلك كالمصلي وحده في صف وهو فاسد عند بعض وجائز مكروه على الصحيح ويؤيد ما روى عن ابن مسعود ركوعه دون الصف مع غيره قال طارق كنا مع

стр. 83

ابن مسعود جلوسا فبلغه خبر الإقامة فقام وقمنا فدخلنا المسجد والناس في الركوع فكبر وركع ومشى وفعلنا مثل ما فعل فيحتمل أن زيد فعل ما فعل وقد كان معه غيره فكان بذلك جماعة ويجب الحمل على هذا رفعا للخلاف بين فعل زيد وبين ما روى من النهي بقوله لا تعد ولا يعارض قوله أيكم الذي ركع دون الصف ما روى عن أنس قال أقبل علينا رسول الله ﷺ بعد ما أقيمت الصلاة قبل أن يكبر فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا إني لأراكم من وراء ظهري" ولا ما روى عنه أنه جاء رجل بعد قيام الرسول ﷺ فأسرع المشي فانتهى إلى الصف وقد حفزه النفس فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فقال رسول الله ﷺ بعد فراغه منها: "من المتكلم؟ " أو من القائل المكلمات فسكت القوم فقال مثلها قال: "من هو فإنه لم يقل بأسا" أو قال إلا خيرا فقال الرجل جئت يا رسول الله فأسرعت المشي فانتهيت إلى الصف وقد حفزني النفس فقلت الذي قلت قال لقد رأيت اثنى عشر ملكا يبتدرونها أيهم يرفعها ثم قال: "إذا جاء أحدكم الصلاة فليمش على هينته فليصل ما أدركه وليقض ما سبقه" وإن كان فيه استعلام من الغير ما كان خلفه لأن الرؤية قد تكون بالعلم كما تكون بالعين قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي علمتموه لأن الموت لا يعاين بالعين وقوله تعالى: حكاية عن شعيب ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي أعلمكم لأنه كان أعمى فمثله قوله ﷺ : "إني لأراكم من وراء ظهري أعلم ما أنتم عليه في صلاتكم من خشوعكم فيها بما يلقيه الله تعالى في قلبه من ذلك ويعلمه به" فلا معارضة في شيء من ذلك والحمد لله. قلت وفيه نظر لأن التعارض لا يندفع حينئذ للزومه بين قوله: "أيكم الذي ركع" وبين قوله: "إني لأعلم من وراء ظهري" إذا استعلام المعلوم محال كاستعلام المرئي أيضا ولا يندفع بما يقال قد لا يعلم إذا لم يعلمه الله تعالى ويكون عاما مخصوصا أي أعلم من وراء ظهري إلا في حال عدم إعلام الله تعالى لي لحكمة أرادها لأن الكلام سيق لتنبيه المخاطبين على لزوم الأدب فلو لم يكن

стр. 84

إني لأراكم على عمومه لا يفيد فائدته وأيضا لا وجه الى للعدول إلى المجاز فإن تخصيص التعميم يرد فيه أيضا لو تم جوابا لأن الآراء أيضا تتعلق بإرادة الله تعالى فقد لا يريه لحكمة اقتضته والحق أن الاستفهام في قوله: "أيكم الذي ركع؟ " وفي قوله: "من القائل؟ " ليس على حقيقته بل هو انكار للفعل المستفهم عنه بدليل قوله: "لا تعدو" قوله: "فليمش على هينته" وبدليل سكوت القائل عن الجواب خوفا من محظور غضبه ولهذا قال ﷺ : "فإنه لم يقل بأسا" توطينا لقلوبهم وتثبيتا لجأشهم لعلمه بأنهم خافوه ولهذا بشره بقبول مقوله أيضا فلا تعارض حينئذ لأن رؤيته أو علمه بحالهم متحققة دائما وما استفهم ليعلم بل جرى على جميل عادته المستمرة في عدم خطاب الخاطي بما يكره مواجهة وإن كان يعلمه حقيقة وكان يخاطبهم على العموم لئلا يخجل صاحبه لا لأنه كان غير عالم بحاله والله أعلم.

стр. 85

في جلسة الاستراحة روى عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه كان يقول لأصحابه ألا أريكم كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ وإن ذلك لفي غير صلاة فقام فأمكن القيام ثم ركع فأمكنه ثم رفع رأسه وانتصب قائما هنيهة ثم سجد ثم رفع رأسه فتمكن في الجلوس ثم انتظر هنيهة ثم سجد قال أبو قلابة ورأيت شيخنا عمرو بن سلمة يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها استوى قاعدا ثم قام وفيما روى عنه أيضا قال أخبرني مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا. هذه مسألة اختلف فيها فطائفة تأمر المصلي بهذه الجلسة منهم الشافعي ومن سواهم من الكوفيين وفقهاء الحجاز لا يعرفون هذه الجلسة ولا يأمرون بها وروى عن عباس بن سهل وكان في مجلس فيه أبوه وهو صحابي وأبو هرير

стр. 86

وأبو حميد وأبو أسيد الساعدي والأنصار تذاكروا فيه الصلاة فقال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ اتبعت ذلك من الرسول ﷺ قالوا: فأرنا فقام فصلى وهم ينظرون فكبر ورفع يديه أول التكبيرة ثم ذكر حديثا طويلا ذكر فيه أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك. فكان في هذا الحديث ترك رسول الله ﷺ القعود بعد رفع رأسه من السجدة الآخرة من الركعة الأولى وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة وروى رفاعة بن رافع عن رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك قال: بينما رجل كالبدوي دخل في المسجد فصلى فأخف الصلاة ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ فقال: "وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل" ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا فقال له الرجل: فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ, قال: "أجل إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد ثم كبر فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع فاعتدل قائما ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم جلس فاطمئن جالسا ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم قم فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" فكان في هذا الحديث أيضا أمره ﷺ الرجل بعد فراغه من هذه السجدة بالقيام بلا قعود أمره قبله به. وحديث مالك يحتمل أن يكون ما ذكر فيه مما رأى النبي ﷺ كان فعله لعلة كانت به ﷺ حينئذ لا لأن ذلك من سنة صلاته يدل عليه قلة مقام مالك عنده فإنه قال أتيت النبي ﷺ في أناس ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيما رفيقا فلما ظن أن قد اشتهينا أهلنا واشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فقال ﷺ : "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا عندهم وعلموهم ومروهم" والنظر أيضا يوجب عدم الجلوس لأن من شأن الصلاة التكبير والتحميد عند كل خفض

стр. 87

ورفع وانتقال من حال إلى حال فلو كان بينهما جلوس لاحتاج أن يكبر عند قيامه من ذلك كما يكبر عند قيامه من القعدة الأولى وإذا انتفى التكبير انتفى الجلوس هذا مع ما قد شهد له من الآثار التي لروايتها من العدد ما ليس لمن روى ما يخالف ذلك.

стр. 88

فيمن ركع أو سجد قبل إمامه روى محمد بن أبي سفيان عن النبي صلى اله عليه وسلم أنه قال: "لا تبادروني إلى الركوع والسجود فإني قد بدنت وإني مهما اسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت فيه أن المأموم إذا سبقه الإمام بشيء من الركوع أنه يقضيه في حال قيامه خلف الإمام". ومثل ذلك ما روى عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ : "أن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فتلك بتلك" وعن عمر ﵁: "إذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث قدر ما رفع" وعن ابن مسعود: "لا تبادروا أئمتكم بالركوع والسجود وإذا رفع أحدكم راسه قبل الإمام فليضع رأسه ثم يمكث بقدر ما رفع قبله" ويلزم المأموم إذا ترك من القيام شيئا أن يؤمر بقضائه على هذا مع أنه لا يؤمر فيما إذا ركع قبل الإمام فأدركه الإمام بالركوع أن يرفع رأسه ليقضي ما فاته من القيام مع الإمام وكذا إذا لم يدركه الإمام فرجع إلى القيام لا يؤمر أن يثبت بعد ركوع الإمام بمقدار ما فاته من القيام وكذا إن رفع رأسه قبل الإمام فرجع ثم رفع الإمام رأسه ومكث في الركوع لا يؤمر بقضاء ما فاته من القيام الذي بعد الركوع ولكن الفرق واضح بين القيام والركوع وإن كان كل منها ركنا ألا ترى من أدرك أمامه في الركوع يكبر ويركع معه وليس عليه قضاء ما شبقه الإمام من القيام ولو فاته الركوع مع الإمام لا يعتد بما بقي من تلك الركعة من السجود والقعود وعليه قضاء الركعة بكمالها فإذا كان

стр. 89

فوات القيام بتمامه لا يضر بباقي الركعة ويكتفي بالركوع الذي بعده عنه كذلك فوت بعض القيام مع الإمام إما بسبقه الإمام بالركوع أو بتشاغله بقضاء ما سبقه به الإمام من ركوعه لا يجب عليه قضاؤه ويجزيه ركوعه مع الإمام الذي ركعه معه أو بعده وكان ذلك بخلاف الركوع الذي لا يكون مدركا للركعة إلا بإدراكه إياه مع الإمام. قال القاضي هذا الفرق غير صحيح إذ ليس من فاته القيام بكماله يجزيه منه الركوع لأنه لا يكون مدركا لتلك الركعة حتى يدرك أن يقوم فيها ولو قدر ما يوقع فيه تكبير الاحرام ثم يدرك التمكن من الركوع مع الإمام بل الفرق هو أن الركوع شرع فيه التطويل وكذا السجود فأمر أن يقضي ما فاته منه مع الإمام والقيام بعد الركوع لم يشرع فيه التطويل فلم يؤمر بقضاء ما فاته وكذلك لا يؤمر بقضاء ما فاته من الجلوس بين السجدتين. قلت لا أثر لمشروعية التطويل في إيجاب القضاء إنما القضاء يبتني على الوجوب والقيام بعد الركوع واجب فيجب قضاؤه والجلسة بين السجدتين ليست بواجبة فلا يجب قضاؤها ويلزمه أيضا القيام قبل الركوع فإنه ركن شرع فيه التطويل ولا يلزمه قضاؤه فلا أثر للتطويل فيه وإنما هو تطويل من القاضي ﵀ والفرق ما ذكره الطحاوي آنفا.

стр. 90

في إدراك ركعة منها روى أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها" الظاهر أن فضلها زائد لترك أكثر الرواة إياه ولأن معنى إدراكها إدراك فضلها إذ لو كان إدراكا لنفس الصلاة لم يجب عليه قضاء بقيتها وقد جعل كثير من العلماء المدرك لهذا القدر مدركا لها في وجوب قضاء ما فاته منها على مثل صلاة الإمام فيقضي في الجمعة إذا أدرك ركعة منها ركعة أخرى ومن أدركه من وقتها كالمغمى عليه يفيق

стр. 91

والحائض تطهر والكافر يسلم يكون به مدركا لوجوبها عليه بخلاف ما دون هذا المقدار وهم أهل الحجاز. وخالفهم العراقيون وأوجبوا بإدراك تكبيرة الاحرام فما فوقها من وقت الصلاة واستدلوا بما روى عن النبي ﷺ : "العبد المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم عمد إلى المسجد لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب له بها حسنة ولم يضع رجله اليسرى إلا حط عنه بها خطيئة حتى يبلغ المسجد فليقرب أو ليبعد فإن أدرك الصلاة في الجماعة مع القوم غفر له ما تقدم من ذنبه وإن أدرك منها بعضا وسبق ببعض فقضى ما فاته فأحسن ركوعه وسجوده كان كذلك وإن جاء والقوم قعود كان كذلك". وممن قاله أبو حنيفة وأبو يوسف غير أن محمدا خالفهما في الجمعة ووافق الحجازيين فيها والمذكور هو وجه النصفة ولا يقال يحتمل أن يكون الحديث الذي احتج به العراقيون منسوخا لأنه إذا لم يعلم التاريخ فالأولى أن يجعل ناسخا للحديث الآخر لأن فيه زيادة فضل وإذا تفضل الله تعالى على عباده بثواب على عمل لم ينقصهم منه إلا بذنب محيط كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ ولأنا إذا جعلنا هذا الحديث متأخرا يتأتى العمل بالحديثين وإذا جعلناه سابقا يلزم إهماله والعمل بالدليلين ولو بوجه أولى من الاهمال ثم لو خلينا والقياس لكان الواجب في الحائض وشبهها عدم الوجوب عليهم إلا بإدراك وقت مقدار صلاة كاملة كما يجب عليهم من الصيام إلا ما أدركوا وقته بكماله وهو قول زفر غير أن ما دل على خلافه من الحديث أولى عندنا.

стр. 92

في التشهد عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد السلام على الله السلام على جبرئيل وميكائيل قال رسول الله صلى الله

стр. 93

عليه وسلم: "لا تقولوا هكذا فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات الطيبات" إلى آخره لم يقل أحد من رواته فلما فرض التشهد غير ابن عيينة والفرض يحتمل أن يكون المصطلح وهو الذي يكون جاحده كافر قال الله تعالى: بعد ذكره الزكاة ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ الآية وقد يكون بمعنى التقدير كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي حددنا فيها الحلال والحرام وقد يكون فرض الاختيار كقول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر كالوجوب على الاختيار في قوله: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وقد يكون الفرض بمعنى الاعطاء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي إن الذي أعطاك القرآن لرادك إلى مكة وعلى هذا يكون التشهد عطية من الله تعالى لهذه الأمة فيه شهادتهم له بالتوحيد ولرسوله بالرسالة ليثيبهم عليه بما شاء أن يثيبهم إياه عليه ولأن التشهد في الصلاة ذكر فيها كالاستفتاح وتسبيحات الركوع والسجود وهذه الاذكار وإن تفاضلت في أنفسها ليست بمفروضة فكان التشهد مثلها. وروى عن ابن مسعود قال علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفى بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله" وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا السلام على النبي. من قوله: بين ظهرانينا إلى على النبي منكر لا يصح لأنه يوجب أن يكون التشهد بعد موته ﵇ على خلاف ما كان في حياته وذلك مخالف لما عليه العامة ولما في الآثار المروية الصحيحة وقد كان أبو بكر وعمر يعلمان الناس التشهد في خلافتهما على ما كان في حياته ﷺ من قولهم السلام عليك أيها النبي وإنما جاء الغلط من مجاهد وأمثاله وقد قال أبو عبيد إن مما أجل الله به رسوله أن يسلم عليه بعد وفاته كما كان يسلم عليه في حياته وهذا من جملة

стр. 94

خصائصه ﷺ وقد استنبط جوازه مما روى عن النبي ﷺ أنه كان يخرج إلى المقبرة ويقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" فإنه إذا أجاز ذلك في أهل المقبرة كان في النبي ﷺ أجوز وهذا حسن قال القاضي لكن قول أبي عبيد أحسن لأنه ﵇ سلم على أهل القبور بحضرتهم وقد جاء أن الأرواح قد تكون بأفنية القبور.

стр. 95

في الصلاة على النبي ﷺ عن أبي مسعود الأنصاري أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس فقال له بشير بن سعد أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد" والسلام كما قد علمتم. وروى عن كعب بن عجرة قال لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ الآية جاء رجل فقال يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة قال: "قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد" ثم روى عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبرهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". ولم يوجد في غير هذا الحديث وعلى أزواجه وذريته إلا ما روى عن طاوس عن أبي بكر ﵁ بزيادة وعلى أهل بيته أيضا ومتمسك أهل المدينة حديث أبي مسعود وأهل الكوفة حديث كعب بن عجرة ولم يتعلقوا بما سواهما وسائر أهل العلم على هذين الأثرين باستعمالهم في صلاتهم وفيما سواها على الاختيار بحيث

стр. 96

لا تفسد الصلاة بترك ذلك غير الشافعي فإنه ذهب إلى أن الصلاة على النبي ﷺ من الفرائض بحيث لا تجزي صلاة إلا بها وإن موضعها من التشهد الذي يتلوه السلام وذهب في كيفيته إلى حديث أبي مسعود الأنصاري لكن كان يلزمه على أصله الأخذ بحديث أبي حميد للزيادة التي فيه على أزواجه وذريته وأهل بيته في الصلاة عليه كما ذهب إلى حديث ابن عباس في التشهد لزيادة والمباركات فيه على ما في غيره من الآثار المروية في التشهد في بعض الآثار على إبراهيم وفي بعضها على آل إبراهيم لا يوجب الاختلاف لأن ذكر الآل يدخل فيه من هم آله ومنه: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ لأن آله لما استحقوا العذاب باتباعه كان هو أشد استحقاقا لذلك بدعائه إياهم إليه وبإمامته إياهم فيه. وروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا نقول خلف رسول الله ﷺ ونحن في الصلاة إذا جلسنا السلام على الله وعلى عباده السلام على جبرئيل وميكائيل السلام على فلان وفلان فقال رسول الله ﷺ : "أن الله هو السلام فلا تقولوا هكذا ولكن قولوا التحيات لله والطيبات السلام عليك إلى عباد الله الصالحين" "فإنه إذا قالها نالت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليختر أطيب الكلام أو ما أحب". وروى عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم يصلي على النبي ثم يدعو بما شاء". ففي حديثي ابن مسعود وفضالة ما ينفي قول من قال أنه لا بد من الصلاة على النبي ﷺ إذ لم يأمر النبي ﷺ بإعادة الصلاة بعد وقوفه على ترك الصلاة عليه بل فوض الأمر إلى مشيئة المصلي.

стр. 97

ولو كانت صلاته غير مجزية بدون الصلاة عليه لأمر بالإعادة كما أمر المصلي الصلاة الناقصة في حديث رفاعة بن رافع إذ قال له "ارجع فصل فإنك لم تصل" مرتين أو ثلاثا الحديث. ولا حجة لمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الآخر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ لأن ذلك يدل على وجوب الصلاة قولا وغيرها مثل قوله واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه الآية فلو ترك رجل في صلاته التسبيح لم تفسد صلاته بذلك وإن كان فيه ترك فضيلة فكذا الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة بتركها يكون المصلي تاركا لحظه في الفضيلة وكذا لا دليل فيه لمن أوجبها في التشهد الذي يتلوه السلام بقوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ لأنه يحتمل أن يكون المراد به التسليم له ﷺ في أمره ونهيه في الصلاة وغيرها كما في قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ إذ لا خلاف من المخالف في تأويل هذه الآية والله أعلم.

стр. 98

في النهي عن الاقعاء روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن التورك والاقعاء في الصلاة اختلف في الاقعاء المنهي عنه فذهب أبو حنيفة وجماعة إلى أنه جلوس الرجل على عقبيه في صلاته لا على إليتيه محتجين بما روى عن علي ﵁ إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لها لا تقع على عقبيك في الصلاة وبما روى عن أبي هريرة قال نهاني رسول الله ﷺ أن اقعي في صلاتي اقعاء الذئب على العقبين يعني عقبي نفسه لأن الذئب ليس له عقبان وقال أهل الحديث هو أن يضع الرجل اليته في صلاته على الأرض ناصبا فخذيه لما روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ بينما راع يرعي

стр. 99

بالحرة انتهز الذئب شاة فحال الراعي بين الذئب والشاة فأقعى الذئب على ذنبه فقال للراعي: ألا تتقي الله وتحول بيني وبين رزق ساقه الله تعالى إلي فقال الراعي: لعجب من ذئب يقعى على ذنبه يكلمني كلام الإنس فقال الذئب للراعي: ألا أحدثك بأعجب مني رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق, فساق الراعي غنمه حتى أتى المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم دخل على رسول الله ﷺ فحدثه بما قال الذئب فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس فقال للراعي: "أخبر الناس بما رأيت" فقام الراعي فحدث الناس بما قال الذئب فقال رسول الله ﷺ : "صدق الراعي ألا إن من أشراط الساعة كلام السباع الإنس والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الناس وتكلم الرجل شراك نعله وعذبه سوطه ويخبره فخذه بما أحدث بعده أهله". ولما روى عبد الرحمن بن شبل قال نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير وكل واحد من التفسيرين يجوز أن يكون محمل النهي فلا ينبغي للمصلي أن يفعل واحدا منهما ولا تضاد بين الحديثين ولا تدافع فإن قيل روى عن العبادلة أنهم يقعون في صلاتهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة ﵃ يراهم ولا ينهاهم عن ذلك فالجواب أن رسول الله ﷺ هو حجة الله على خلقه ويحتمل أن يكون هؤلاء العبادلة لم يبلغهم هذا النهي ولو بلغهم لما خالفوه ولا خرجوا عنه.

стр. 100

في العقص روى عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أحب لك ما أحل لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي لا تصل وأنت عاقص شعرك فإنه كفل الشيطان" هذا مما لا ينبغي أن يفعله المصلي في صلاته بل يرسل

стр. 101

شعره حتى يسجد بسجوده وكذلك يفعل في ثيابه. وأما ما روى عن سعيد المقبري أنه رأى أبا رافع مولى رسول الله ﷺ وهو يحل ضفيرة الحسن بن علي المغروزة في قفاه وهو يصلي وقال له لا تغضب لما التفت إليه الحسن مغضبا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذلك كفل الشيطان" أي مقعده فهو مدفوع لأن أبا رافع مات في زمن علي وكان علي وصيا له على ولده ووفاة المقبري في سنة خمس وعشرين ومائة وبينه وبين وفاة علي خمس وثمانون سنة وموت أبي رافع قبل ذلك بما شاء الله فهذا يدفع أن يكون رآه والله أعلم.

стр. 102

في مس الحصى روى أبو ذر قال النبي ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يحرك الحصى فإن الرحمة تواجهه" وروى عنه سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مس الحصى فقال: "واحدة أو دع". فيه جواز المرة الواحدة عند الحاجة وقدور دإن كنت لابد فاعلا فمرة واحدة وجاء في حديث آخر: "لأن يمسك أحدكم يديه عن الحصى خير له من أن يكون له مائة ناقة كلها سود الحدق فإن غلب أحدكم الشيطان فمرة واحدة" وينبغي للمصلي أن يسوي الحصى قبل دخوله فيها حتى يستغني بذلك فلا يحتاج إليه في صلاته ولا يشتغل قلبه به وإن فاته حتى دخل في صلاته واحتاج إلى ذلك يمسح مرة حتى ينقطع شغل قلبه فإنه أيسر من تماديه على مغالبة شيطانه.

стр. 103

في التنحنح والتسبيح عن علي بن أبي طالب قال كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان فكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح. قد روى هذا الحديث على خلاف هذا قال علي ﵁ كانت لي

стр. 104

ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله ﷺ فإن كان في صلاة سبح وهذا أولى لأن الآثار التي روتها العامة فيما ينوب الرجال في الصلاة مما يستعملونه فيه هو التسبيح ومالك سوى بين الرجل والنساء فيه ومن سبح في صلاته جوابا تفسد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف والحق أن التصفيق للنساء فيما ينوبهن اتباعا للأثر وأن لا فرق بين التسبيح ابتداء وجوابا في أنه لا يقطع الصلاة كما لا فرق في الكلام أنه قاطع ابتداء أو جوابا.

стр. 105

في وجوب الجواب على المصلي روى أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي فالتفت ولم يجبه وخفف صلاته ثم انصرف فقال: السلام عليك يا رسول الله, فقال: "ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ " قال: يا رسول الله كنت في الصلاة, قال: "أفلم تجد فيما أوحى الله إلي أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " قال: بلى, يا رسول الله ولا أعود إن شاء الله, ولا يستنكر أن تجب إجابة الأم إذا دعته وهو يصلي لأنه يستطيع ترك صلاته وإجابة أمه لما عليه أن يجيبها والعود إلى صلاته لأن الصلاة لها قضاء وبر الأم إذا فات لا يقدر قضاؤه اعتبارا بوجوب إجابة النبي ﷺ واحراز الفضيلة بالخروج من الصلاة والعود إليها ودل على ذلك ما روى عن رسول الله ﷺ في جريج الراهب حين نادته أمه وهو يصلي فقال: اللهم أمي وصلاتي وكان ذلك منهما ثلاث مرات فدعت عليه بأن لا يموت حتى ينظر في وجه المياميس وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم فولدت, فقيل لها ممن هذا فقالت: من جريج, الحديث فعوقب بترك إجابة أمه لما دعته وتمادى في صلاته ولا يعاقب إلا بترك الواجب.

стр. 106

في المرور بين يدي المصلي روى عن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي

стр. 107

ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه" المراد به أربعين سنة والله أعلم لأنه قد روى عنه من رواية أبي هريرة أنه قال: "لو يعلم الذي يمر معترضا بين يدي أخيه وهو يناجي ربه لكان أن يقف مكانه مائة عام خيرا له من الخطوة التي خطاها" وهذا متأخر لأن فيه زيادة في الوعيد وهو لطف بالعاصي ليمتنع عن اقتراب سببه والذي يروى عن المطلب بن أبي وداعة رأيت النبي ﷺ مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه ليس بينه وبين القبلة شيء. ويروى عنه ليس بينه وبين الطواف سترة لا يعارض ما روى من النهي عن المرور ونهى المصلي عن الامتناع من الدفع لأن حديث المطلب إنما هو في الصلاة إلى الكعبة مع المعاينة والنهي عن المرور فيمن يتحرى الصلاة إلى الكعبة إذا غابت عنها ويحتمل في المعاينة ما لا يحتمل في المغايبة فإن الناس إذا تحلقوا الكعبة وصلوا جماعة لا بد أن تستقبل وجوه بعضهم بعضا ولا كراهة فيه بخلاف من غاب وصلى مستقبل وجوه الرجال فإنه يكره فكما اتسع لهم الصلاة مع استقبال الوجوه اتسع لهم بين يديه المرور تخصيصا للكعبة بهذا الحكم لأن الغالب استيلاء شرفها على القلوب بحيث يذهل عن الالتفات إلى غيرها فليس الخبر كالعيان.

стр. 108

في وقت العشاء عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم بوقت صلاة رسول الله ﷺ للعشاء الآخرة كان يصليها لسقوط القمر ليلة الثالثة فيه أنه كان يؤخر العشاء عن أول وقتها إلتماسا لوقت الفضل من وقتها كما كان يصلي غيرها في أفضل أوقاتها وكان يصلي الظهر في أيام الشتاء معجلا لها وفي الصيف مؤخرا والمغرب دائما معجلا وأما صلاة الصبح والعصر فكان يختلف في الساعتين اللتين كان يصليهما فيهما مثل الساعة التي كان يصلي فيها العشاء الآخرة لأنها

стр. 109

ساعة الفضل من وقتها وسقوط القمر لثلاث يكون بمضي ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من الليل.

стр. 110

في تسميتها العتمة عن ابن عمر ﵄ قال النبي ﷺ : "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إنما هي العشاء ولكنهم يعتمون عن إبلهم" فيه أن اسم هذه الصلاة العشاء وأن الذين يسمونها العتمة هم الأعراب وما روى معاذ قال النبي ﷺ : "اعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم". ليس فيه تسمية الرسول ﷺ إياها بالعتمة وإنما فيه أمرهم بالاعتام بها أي بالتأخير لها كما يقال أمسيت بالعصر ليس المساء اسم لها ولكن اخبار منك أنك أمسيت بها واسمها غير مشتق من المساء بها وحديث أبي هريرة مرفوعا لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا قد رواه ابن مسعود بخلافه قال رسول الله ﷺ : "ما صلاة أثقل على المنافقين من صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما من الفضل لأتوهما ولو حبوا". وتصحيح الحديثين أن الذي تعرفه العرب في اسمها العتمة لا غير وتسميتها في حديث أبي هريرة بناء على ما عهدته العرب وألفته ثم سماها الله تعالى بالعشاء في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ فعلم أن ما حكاه ابن مسعود في اسمها متأخرا عما حكاه أبو هريرة وسبب تسميتها بالعشاء أنها تصلى بعد أن تعشى الأبصار بالظلام الطاري عليها كما سميت الصبح لأنها تصلى عند الاصباح والفجر لأنها تصلى بقرب الفجر والظهر لأنها تصلى في الظهيرة والعصر لأنها تصلى عند الاعصار وهو التأخير ومنه قولهم عصرني حقي إذا أخره عن وقت أدائه والمغرب لأنها تصلى عند الغروب وما روى من قوله ﷺ : "من صلى العصرين
следующие страницы →