في الطلاق في الإغلاق
روي أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق الإغلاق" أحسن ما قيل فيه أن الإغلاق هو الإطباق على الشيء فاحتمل بذلك عندنا أن يكون المراد به الإجبار الذي يغلق على المعتق وعلى المطلق حتى يكون منه العتاق والطلاق عن غير اختيار منه لهما ولا يكون ف يالعتاق مثابا ولا في الطلاق آثما إن أوقعه على صفة البدعة.
فإن قيل فينبغي أن لا يقع طلاق المكره قيل أوقعناه بحديث أحسن منه في الإسناد وأعرف رجالا وأكشف معنى وهو ما روي عن حذيفة أنه قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمد؟ فقلنا: ما نريد إلا المدينة, فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال: "انصرفا نفي لهم بعهدهم ونسعتين بالله تعالى عليهم" فكان فيه اعتبار اليمين مع الإكراه كما في الطواعية.
стр. 527
في الحلف بطلاق من يتزوج
روي عن النبي ﷺ من قوله: "لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا عتقا إلا من بعد ملك" اختلف في تأويله قال ابن شهاب إنما هو أن يذكر
стр. 528
الرجل المرأة فيقال له: تزوجتها فيقول: هي طالق البتة فهذا ليس بشيء وأما من قال أن تزوجت فلانة فهي طالق البتة فإنما طلقها حين يتزوجها أو قال هي حرة إن اشتريتها فإنما أعتقها حين اشتراها وإليه ذهب مالك ومن قال بقوله وجعله الشافعي في حكم طلاقه لمن لم يتزوج أو عتقه لمن لم يملك وذكر الاختلاف في ذلك عن الصحابة والتابعين ولما اختلفوا تأملنا ما توجبه الأصول المتفق عليها فوجدنا الرجل يقول كل ولد تلده مملوكتي هذه فهو حر فتحمل بعد ذلك بأولاد ثم تلدهم فيعتقون عليه وقد كان وقت التعليق غير مالك لهم لأنهم غير مخلوقين فروعي فيهم وقت الوقوع إلى وقت القول فكان نظيره في القياس أن لا يراعي الوقت الذي علق فيه بقوله فلانة طالق أن تزوجتها ويراعى وقت وقوعه ولا معنى لمراعاة ملك أمها لأن المعتق الولد لا الأم وقد قال رسول الله ﷺ لعمر لما استشاره في صدقته مما حصل له من سهام خيبر: "احبس الأصل وسبل الثمرة" فكان فيه ما دل على جواز العقود في الأشياء الحوادث الي لا يملكها عاقدوها وقت كلامهم فمثله ما يعقده الرجل على ما يملكه في المستقبل من المماليك وعلى ما يتزوجه من النساء ومثله أيضا ما أجمعوا عليه من تجويز التوكيل ممن تجب عليه كفارة ظهارا ويمين بابتياع رقبة يعتقها عنه فيفعل الوكيل ما أمر به يجوز عنه من الرقبة التي كانت عليه وقد كان التوكيل منه قبل أن يملكها فلم يضره ذلك فروعي وقت العتاق لا وقت التوكيل ومثله ما أجمعوا عليه في تجويز الوصية بثلث ماله فيكون ذلك عاملا في ثلث ما كان مالكا وما سيملكه إلى وقت الموت ولم يقتصر على ما كان يملكه يوم الوصية وتأملنا في قوله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" كما قال: "لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا عتق إلا من بعد ملك" ثم وجدنا قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ الآية فكان ما كان أن يفعلوا منهم بقولهم: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن ما قد أوجبه عليهم إذا آتاهم ما وعدوه فيه إذا آتاهم إياه وكان ذلك بخلاف من قولهم فيما
стр. 529
الرجل إن تزوجت فلانة فهي طالق يكون حكمه خلاف ما إذا قال: هي طالق لا يملكون فمثل ذلك قول ولم يقل إن تزوجتها فيلزمه إذا علق ولا يلزمه إذا نجز.
стр. 530
في طلاق العبد
روي عن عمر بن معتب أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في رجل مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين فبانت منه ثم أنهما اعتقا بعد ذلك هل يصلح لرجل أن يخطبها فقال ابن عباس: نعم وقضى بذلك رسول الله ﷺ فهذا لا يصح الاحتجاج به لأن الراوي ممن لا يؤخذ مثل هذا عنه مع أن متنه مستحيل لان طلاق ذلك المملوك زوجته في رقهما لا يخلو إما إن يكون واقعا فقد حرمت عليه حرمة عليظة وإما أن يكون غير واقع لأن طلاق المملوك ليس بشيء عند ابن عباس الإباذن سيده محتجا بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ لكن لا معنى لارتجاعه لأنها زوجته حينئذ فلا سبيل لقبول هذا الحديث عنه فلساده في إسناده ومتنه وقد روى عن الراوي أن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة وطلقها تطليقة فبانت ثم أنهما أعتقا بعد ذلك هي يصلح للرجل أن يخطبها فقال ابن عباس: صح أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قضى في ذلك ولم يزد على هذا شيئا وهذا مما يدل على اضطراب هذا الحديث بحيث لا يحتج به وأما قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إنما هو فيما عدا الطلاق من الأموال المخولة للأحرار لا في الإبضاع لأن تزويج سيده إياه يبيح له فرج زوجته ويكون مالكا له قادرا عليه دون مولاه فلما كان البضع له كان تحريمه إليه دون مولاه واختلفت الصحابة سوى ابن عباس في طلاقه فجعله عمر وعلي بن أبي طالب على حكم النساء المطلقات كالعدة وجعله عثمان وزيد على حكم الرجال المطلقين وقال ابن عمر: أيهما رق نقص الطلاق برقه والعدة بعد ذلك على النساء ولم يتابعه أحد على قوله ثم قول عمرو على أولى لأن الحر أبيح له تزويج أربع
стр. 531
وجعل له اثنا عشر طلاقا فيهن والمملوك له ثنتين فطلاقه إباهما ست تطليقات ثم ولكن هذا التلعيل ينكسر في الحر يتزوج الأمة لأنه يلزمه على طرده أن يكون طلاقه ثلاثا وليس مذهب عمر وعلي هذا وإنما يأتي هذا قولا رابعا في المسألة سوى قول ابن عباس: أن أيهما كان حرا أكمل الطلاق عكس قول ابن عمر: أن أيهما كان رقيقا نقص الطلاق برقه.
قال الطحاوي: ولقد كلمت أبا جعفر محمد بن العباس في هذا الباب وتقلدت عليه قول عثمان وزيد فيه فقلت له أليس الطلاق قد وجدته يكون من الرجل والعدة تكون من المرأة فمعقول في ذلك أن كل ما يكون من كل واحد منهما مرجوع منه إلى حكمه فقال لي كتاب الله يدفع ما قلت يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ فأعلمنا الله تعالى أن العدة للرجال لا للنساء وإذا كانت للرجال وكانت على حكم النساء لأنها تكون منهن كان الطلاق الذي يكون منهم في النساء لا على حكمهم فهذه علة صحيحة.
стр. 532
في مقدار مدة الحمل
روي عن أبي ذر أنه قال: لأن أحلف عشرا أن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف يمينا واحدة أنه ليس هو وذلك لشيء سمعته من رسول الله ﷺ حين بعثني إلى أم ابن صياد فقال: "سلها كم حملت به؟ " فسألتها فقال: "حملت به اثنى عشر شهرا" فأتيته فأخبرته ثم أرسلني إليها مرة ثانية فقال: "اسألها عن صياحه حين وقع؟ " فأتيتها فسألتها فقالت: صاح صياح الصبي ابن شهرين فقال له رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبيئا" فقال: خبأت لي عظم شاة عفراء والدخان فأراد أن يقول: الدخان فلم يستطع فقال: الدخ الدخ فقال له رسول الله ﷺ : "اخسأ فلن تسبق القدر" فيه أن الحمل يكون أكثر من تسعة أشهر إذ لم ينكر النبي ﷺ ما أخبر به أبو ذر عن أم ابن صياد أنها حملت به اثنى عشر شهرا وفقهاء الأمصار
стр. 533
اختلفوا في أكثر مدته فقالت طائفة: أنه سنتان منهم أبو حنيفة والثوري وسائر أصحاب ابي حنيفة وبعضهم أنه أربع سنين: وهو مذهب كثير من فقهاء الحجاز وبه يقول الشافعي وعند طائفة منهم أنه يتجاوز إلى أكثر من أربع منهم مالك بن أنس وأولى الأقوال هو القول الأول: لأنه لم يخرج عن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ والقولان الآخران خرجا عن الآية لأن الله تعالى أخبر عن الثلاثين شهرا مدة الحمل والرضاع فلا يجوز أن يخرجا عنها ولا أحدهما يبين ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: إذا وضعت لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا وإذا وضعت لسبعة كفاه ثلاث وعشرون شهرا وإذا وضعت لستة كفاه حولان كاملان لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ .
ولا يقال: فإذا كان الحمل عامين لا يكفي الرضاع ستة أشهر لأنه يحتمل أنه إذا لطف له الغذاء يستغنى به عن الرضاع ويحتمل أن الله تعالى قد أوجب بهذه الآية أن الفصال يرجع إلى ستة أشهر ثم زاد في مدته إلى تمام الحولين بقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ .
وبقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إن نقص من الحولين شيء يكون الحمل أكثر من ستة أشهر وإنما قلنا في حديث أبي ذر أن فيه حجة على من نفى أن يكون الحمل أكثر من تسعة أشهر ولم نقل أن ابن صياد مخصوص ليكون للعالمين آية لما ذكر فيه أنه الدجال لأنه لم يحق أنه الدجال الذي حذر الأنبياء ﵈ منه أممهم لوجوده في حرم رسول الله ﷺ والدجال لا يدخله١ ولقتله ﷺ فلم يبق إلا واحد من بني آدم في خلقه وفي مدة حمله ولو كان الدجال لم ينكر أن يكون دجالا ويكون بعده دجالون وإن تفاضلوا فيما يكونون عليه في ذلك وتباينوا فيه ولكنه قيل أنه الدجال الذي أنذر كل نبي أمته منه وقد قامت الحجة بخلاف ذلك والله تعالى أعلم.
стр. 534
في مقام المتوفى عنها زوجها
روي عن الفريعة ابنة مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أنه أتاها نعي زوجها خرج في طلب اعلاج له فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه فقالت: فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنه أتاني نعي زوجي وأنا في دار من دور الأنصار شاسعة عن دور أهلي وأنا أكره القعدة فيها وإنه لم يتركني في سكني ولا مال يملكه ولا نفقة تنفق علي فإن رأيت أن الحق بأختي فيكون أمرنا جميعا فإنه أجمع في شأني واجب إلى قال: "إن شئت فالحقي بأهلك" فخرجت مستبشرة بذلك حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أودعيت له فقال: "كيف زعمت؟ ", فردت عليه الحديث من أوله فقال: "امكثي في البيت الذي جاءك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله" فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فأرسل إليها عثمان فسألها فأخبرته فقضى به يحتمل أن النبي ﷺ أباح النقلة لها من الدار التي نعى فيها زوجها لذكرها أنه لم يخلف مالا ولا سكنى ويحتمل أن يكون ذلك لأنه لا نفقة لها من مال خلفه ولا مسكن لها في منزله لأنه على تقدير أنه كان له مال أو مسكن فبموته خرج إلى ملك الورثة ويحتمل أن يكون أمره إياها بالمكث حتى يبلغ الكتاب أجله بعدما أباح النقلة لأن جبريل ﵇ كان حاضرا جوابه فأعلمه بما أمرها ثانيا إذ كانت أعلمته أنها دار لم يزعجها منها أهل زوجها وإن كان لهم إزعاجها لأنها ملكهم دون ملك الميت ولكن كان من حقهم تحصينها احتياطا من أن يلحقه ولد منها وقال بهذا غير واحد منهم الشافعي مع أن مذاهبهم أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى في عدتها فقالوا لأولياء زوجها تحصينها في عدتها حيطة أن يلحق الزوج ولد تأتي به ليس منه فأمرهم ﷺ إذا كانوا لم يخرجوها من المنزل ورضوه لها أن ترجع إليه حتى يبلغ الكتاب أجله كما أعلمه رسول الله ﷺ أنه من حقوقهم التي لهم أن يطلبوها وهذا نظير ما كان من جبريل في حديث أبي قتادة في رجل سأله أن قتلت في سبيل الله صارا محتسبا أيكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم", فلما أدبر ناداه, الحديث وما ذكره عن الشافعي من حقوق أولياء الميت في زوجته قول حسن وسيأتي في باب الرزق والأجل ذكر العلة في مقدار هذه العدة إن شاء الله تعالى.
стр. 535
كتاب الرضاع
مدخل
...
كتاب الرضاع
روي عن الحجاج أنه قال: قلت: يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: "الغرة العبد أو الأمة" لما كانت المرضعة كالأم في وجوب الحق عليه وحق الأب وهو دون حق الأم لا يجزي إلا أن يجد مملوكا فيشتريه فيعتقه والمرضعة لما كانت حرة لا يقدر على عتقها أمر أن يعوضها من ذلك بمن يقدر على عتقه فيكون فداء لها من النار ولم تجعل تلك النسمة كغيرها من النسم وجعلت من غررها أي أرفعها فقد روى عن أبي عمرو أنه قال لا يقبل في الدية عبد أسود ولا أمة سوداء لقول رسول الله صلى الله وسلم في الجنين "غرة عبد أو أمة" فلولا أن رسول الله ﷺ أراد ذلك لقال في الجنين: عبد أو أمة فلولا أن رسول الله ﷺ أراد ذلك لقال في الجنين عبد أو أمة وفيما ذكرناه ما قد دل على أن المرضع أن قدر على عتاق من أرضعه من الرق كان جازيا له وذهب عنه مذمة الرضاع به.
стр. 536
في الرضاع المحرم
روي عن النبي ﷺ لا تحرم المصتان من الرضاع ولا المصتان مداره على عروة بن الزبير فمن رواته من رواه عنه عن عائشة ومنهم من رواه عنه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه ولما كان الأمر على هذا ووجدنا عروة قد خالف ذلك فقال: مثل ما قال سعيد بن المسيب ما كان في لين وإن كان قطرة واحدة فهو يحرم وما كان بعد الحولين فهو طعام يأكله فعلم أنه مع شدة تمسكه بالحديث وكمال ورعه لم يترك ما روي عن عائشة
стр. 537
إلى خلافه إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده ويحتمل أن يكون نسخه عنده ما روى عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن ثم سقط لا يرحم من الرضاع إلا عشر رضعات ثم نزل بعد أو خمس رضعات فثبت عنده سقوط ذلك من الأحكام بسقوطه من القرآن فإن قيل فقد روى عن غير عائشة وابن الزبير ما يوافق روايتهما وهو حديث أم الفضل قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم إلا ملاجة ولا إلا ملاجتان" قلنا: إن من علم شيئا أولى ممن قصر عنه فما وقف عليه عروة مما أوجب نسخ هذا الحديث حجة على رواته.
فإن قيل: فقد روي عن عائشة أن الخمس رضعات توفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن فالجواب أن هذا مما رواه عبد الله بن أبي بكر وقد خالفه في ذلك القاسم ويحيى وهما أولى بالحفظ منه لو استوى معهما فكيف وهما أعلى مرتبة في العلم والحفظ مع أنه محال لأنه يلزم أن يكون بقي من القرآن ما لم يجمعه الراشدون المهديون ولو جاز ذلك لاحتمل أن يكون ما أثبتوه فيه منسوخا وما قصروا عنه ناسخا فيرتفع فرض العمل به ونعوذ بالله من هذا القول وقائليه مع أن جلة الصحابة على التحريم بقليل الرضاع وكثيره منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وروى أن ابن عمر سئل عن المصة والمصتين فقال: لا تصلح فقيل له إن ابن الزبير لا يرى بها بأسا فقال يقول الله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ قضاء الله أحق من قضاء ابن الزبير ثم فقهاء الأمصار جميعا على هذا القول من أهل المدينة وأهل الكوفة إلا قليلا منهم وروى عن عقبة بن الحارث قال تزوجت بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فزعمت أنها أرضعتني وإياها فأتيت النبي ﷺ فأعرض عني ثم سألته فأعرض عني ثم سألته فأعرض عني ثم قال: "كيف بك وقد قيل ذلك" ونهاني عنها فترك رسول الله ﷺ الكشف عن كمية إعداد الرضاع دليل على استواء القليل والكثير في الحرمة إذ لو كان المصة والمصتان لا تحرم لما نهاه حتى يعلم أن ذلك الرضاع يقع به التحريم أم لا.
стр. 538
في وطء المرضعة
روي عن النبي ﷺ من قوله: "لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن ظهر فرسه" حذر أمته إشفاقا على أولادهم من غير تحريم على ما كانت العرب تقوله وإن لم تنزل عليه في ذلك أمر ما يدل عليه ما روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يكره عشرا الصفرة وتغيير الشيب والتختم بالذهب وجر الإزار والتبرج بالزنية لغير محلها والضرب بالكعاب وعزل الماء عن محله وفساد الصبي غير محرمة وعقد التمائم والرقي إلا المعوذات فقوله: فساد الصبي يريد به الغيل وهو أن يجامع امرأته وهي ترضع وعن ابن عباس مرفوعا: نهى عن الاغتيال ثم قال: أنه لو ضر أحدا لضر فارس والروم فالنهي تنزيه كالشرب قائما لما خاف من ضرره على شاربه يؤيده ما روى عنه ﷺ أنه قال: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة حتى ذكرت الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم" فأطلق لأمته ما كان حذرهم إياه لما وقف على أن ذلك لا يضر وقد كان بقيت بقية منه في قلوب العرب روي عن عطية بن جبير عن أبيه قال: مات ذو قرابة لي وترك له غبنا فأرضعته امرأتي فحلفت أن لا أقربها حتى يفطم الصبي فلما مضت لي أربعة أشهر قيل لي قد بانت امرأتك فسألت عليها فقال: إن كنت حلفت على تضرة فقد بانت منك وإلا فهي امرأتك وإليه ذهب مالك بن أنس سئل عمن ترك امرأته وهي ترضع حتى تفطم فأبت ذلك عليه وطلبت منه وطئه إياها فقال: لا أرى لها في ذلك حجة ولا يقضي عليه بالوطء كانت فيه يمين أولا وخالف ذلك جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه فجعلوا موليا إن حلف أن لا يقربها حتى تفطم إذا كان بينه وبين تمام الحولين أربعة أشهر فصاعدا لأن رسول الله ﷺ لم يحرم الجماع في الرضاع وإنما كرهه إشفاقا ثم أطلقه وزعم الليث بن سعد أن قوما يقولون: الغيل هو جماع الحامل لا جماع المرضع والحق
стр. 539
خلافه لأن العرب قد ذكرته في اشعارها ففخرت به نساؤها والعرب تقول ما حملته أمه وضعا ولا أرضعته غيلا ولا وضعته تيما ولا أباتته ميقا.
ومنهم من يقول: ماحملته أمه تضعا يعني ما حملته على حيض ولا أرضعت غيلا يعنون أن وطئت وهي ترضع ولا وضعته تينا يعني أن يخرج رجلاه قبل يديه في الولادة يقال منه مؤتن للمرأة التي ولدته كذلك وللولد موتن قوله: ولا أباتته ميقا يريدون شدة البكاء وقد روى في إباحة وطء المرضع أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي, فقال: "لم؟ " قال: شفقا على الولد فقال رسول الله ﷺ : "إن كان كذلك فلا ما كان ضارا فارس والروم" قوله: "أنه ليدرك الفارس فيدعثره" يقول: يهدمه ويطحطحه بعد ما صار رجلا قد ركب الخيل.
стр. 540
في الإيلاء
روى ابو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من استلجج بيمين على أهله فهو أعظم إثما" يعني أعظم إثما ممن سواه من الحالفين أو أعظم إثما من حنثه فاكتفى ﷺ لعلمه أنهم قد فهموا ذلك عنه مما خطبهم به لأنهم قوم عرب خاطبهم بلسانهم كمثل ما جاء في القرآن ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ واكتفى بذلك عن الجواب لفهمه من فحوى الكلام لأن من حلف على زوجته أن لا يقر بها فقد منعها منحقها فهو في استلجاجه في ذلك وتماديه عليه آثم فيجب عليه الرجوع عن يمينه بالفئ عليها قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذكر الرحمة والغفران لرجوع الفائي عن منعه الحق الذي هو عليه ولم يذكر ذلك في عزم الطلاق لأنه في عزمه متماد في استلجاجه في منع الحق الذي عليه ويقرب من هذا ما روي مرفوعا قال: "من حلف على قطيعة رحم أو معصية فحنث" فذلك كفارة يريد أن حنثه كفارة من الذنب وعليه كفارة اليمني وكذلك معنى الحديث أن الواجب عليه أن يكفر عن يمينه ولا يستلج في التمادي على الامتناع والله أعلم.
стр. 541
في الحضانة
عن علي بن أبي طالب قال: لما أصيب حمزة خرج زيد بن حارثة حتى أقدم ابنة حمزة وقال: أنا أحق بها تكون عندي تجشمت السفر وهي ابنة أخي وقال علي: أنا أحق بها فإنها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله ﷺ وقال جعفر بن أبي طالب: أنا أحق بها في مثل قرابتك وعندي خالتها والخالة والدة فقال رسول الله ﷺ : "أنا أقضي بينكم في ذلك وفي غيره" قال علي: فتخوفت أن يكون قد نزل فينا قرآن لرفعنا أصواتنا فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا زيد فمولاي ومولاها" فقال: رضيت رسول الله "وأما أنت يا علي فصفيي وأميني وأنت مني وأنا منك" "وأما أنت يا جعفر فأشبهت خلقي وخلقي وأنت من شجرتي التي أنا منها وقد قضيت بالجارية تكون مع خالتها" قالوا: رضينا يا رسول الله.
ظن بعض الناس أن أهل العلم تركوا هذا الحديث الصحيح في قولهم: أن الحاضنة إذا كان لها زوج غير ذي محرم من المحضون لم تكن لها حضانة وليس كذلك بل استعملوه من حيث لم يشعر لأن المحضون إذا لم تكن له من النساء مستحقة تعود الحضانة إلى العصبات فلما عادت حضانة ابنة حمزة إلى عصبتها وجعفر منهم كانت خالتها حق بها لان الحضانة إن لم تكن لها رجعت إلى زوجها فصارت الخالة في هذه الحالة بمنزلة من كان زوجها محرما من المضحون فكانت أحق بها منه.
ومنه ما روي عن أبي هريرة أنه أتى في غلام بين أبوين فقال: شهدت النبي ﷺ أتى بغلام بين أبوين فقال: "يا غلام هذه أمك وهذا أبوك اختر" احتج به من قال بالتخيير وهو مذهب أهل الحجاز إلا أن في الحديث زيادة في غير هذه الرواية قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت:
стр. 542
إن زوجي يريد أن يحول بيني وبين ابني وكان قد طلقها فقال رسول الله ﷺ : "اسهما عليه" فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني فخير رسول الله ﷺ الغلام بين أبيه وأمه فاختار أمه فذهبت به ففيه أنه لم يخير ذلك الغلام حتى دعا أبويه إلى الإسهام عليه قبل ذلك فالتخيير بلا دعاء ترك لهذا الحديث كالقول بعدم التخيير أصلا ومن قال بعدم التخيير أكثرالكوفيين واحتجوا بحديث ابنة حمزة حيث لم تخير بين عصبتها لتختار أيهم شاءت وروى أن رجلا أسلم ولم تسلم امرأته فاختصما في ولدهما إلى رسول الله ﷺ فقال: "لهما إن شئتما خيرتماه" فأجلس الأب ناحية والأم ناحية ثم خير الغلام فانطلق نحو أمه فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهده فرجع الغلام إلى أبيه" ففيه أن تخيير النبي صلى اله عليه وسلم إنما كان بعد اختيار أبويه أن يخير بنيهما فوجب بتصحيح ما ذكرنا أن لا يخرج عن شيء منه ولا يتركه وأن يكون المستعمل في مثل هذا دعاء الأبوين إلى الاستهام فإن أجابا أسهم بينهما وإن أبيا ثم سألا أن يخير الصبي بينهما فيختار أحدهما فيكون أحق به من الآخر وإن لم يكن منهما اختيار وجب أن يرجع إلى ما في حديث ابنة حمزة فيستعلم فيه ويقضي لمن يراه الحاكم فيه أولى وروي عن أبي كر أنه قضى في مثله بين عمر بن الخطاب وبين أم عاصم التي كان طلقها في ولدها فجعله لها بغير تخيير بينهما فيه إلا أنه يحتمل أن يكون أريد به التخيير في الحال مستأنفه وهو ما روي أن عمر خاصم امرأته التي طلق إلى أبي بكر في ولدها فقال أبو بكر: هي أحق به ما لم تتزوج أو يشب الصبي وقال: هي أحنى وأعطف وألطف وأرأف وأرحم وقوله أو يشب الصبي لا يريد به حالا يخير فيها ولكن يريد به حالا يخرج بها من لحضانة ويتسغنى عنها فيكون لأبيه دون أمه وروي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ليصيبن قوما سفع من النار عقوبة بذنوب عملوها" الحديث وسيجئ بتمامه في باب جواز نسبة الرجل إلى الموضع أنه من أهله باستيطانه إياه.
стр. 543
كتاب اللعان
فيه سبعة أحاديث
روي عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: "أرأيت لو وجدت مع أم رومان رجلا ما كنت صانعا به؟ " قال: كنت صانعا به شرا, قال: "فأنت يا عمر؟ ", قال: كنت قاتله قال: "فأنت يا سهيل بن بيضاء؟ ", قال: كنت أقول أو قائلا لعن الله إلا بعد ولعن البعدي ولعن أول الثلاثة أخبر بهذا فقال النبي ﷺ : "تأولت القرآن يا ابن بيضاء ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ " الآية أما قول أبي بكر فإنه مكشوف المعنى وأما قول عمر: كنت قاتله وترك رسول الله ﷺ الإنكار عليه والزجر له والمنع منه يدل على إطلاقه إياه له ولم نعلم أحدا من أهل الفتوى قال به فينبغي أن يكون هذا منسوخا إذ لا يتهمون على تركه والعمل بضده إن ثبت جماعهم على خلافه وقد قال محمد بن سيرين في متعة الحج نهى عنها أبو بكر وعمر وعثمان وهم شهدوها وهم نهوا عنها فليس في رأيهم ما يرد ولا في نصيحتهم ما يتهم وإن لم يكن إجماعا وكان من أهل العلم من قال به يجب أخذه ولا يسع القول بغيره وفي قول سهيل موضعان من الفقه.
أحدهما: إباحة لعن العصاة ويكون مخصوصا من عموم نهي الأمة عن اللعن والثاني سكوته عن إظهار ما اطلع عليه من زوجته وترك اللعان معها لئلا يكون قاذفا للمحصنة عند الناس وإن كان في الباطن بخلافها فإن الله تعبد عباده بالظواهر وأجرى الأحكام عليها وتولى السرائر ولأن المقصود من اللعان الفرقة وهو قادر عليها بطلاقه إياها من غير شيء يلحقه فحمده ﷺ وأعلم بالموضع الذي أخذه منه.
ومنه ما روي عن النبي ﷺ من قوله: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ذهبت طائفة إلى أن الولد المولود على فراش الرجل إذا نفاه
стр. 544
لا ينتفي منه بلعان ولا بما سواه وروى عن الشعبي أنه قال: خالفني إبراهيم وابن معقل وموسى في ولد الملاعنة فقالوا: نلحقه به فقلت: ألحقه به بعد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين ثم دبر بالخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فكتبوا فيه إلى المدينة فكتبوا أن يلحق بأمه ولا حجة لمن ذهب إليه بما في هذا الحديث لأنه يحتمل أن يكون المراد به المدعين لأولاد إماء غيرهم كما كانوا يدعونهم في الجاهلية حتى دخل الإسلام عليهم وهم على ذلك كما كان من عتبة في ابن امة زمعة ما كان حتى قال له رسول الله ﷺ هذا القول المذكور في هذا الإثر فأما نفي أولاد الزوجات فليس من ذلك في شيء لأن رسول الله ﷺ قد قضى في ذلك بالملاعنة والإلحاق بأمه دون المولود على فراشه روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لاعن بين رجل وامرأته وفرق بينهما وألحق الولد بالمرأة وإن كان مالك انفرد بزيادة هذا الحرف من بين أصحاب نافع فهو إمام حافظ ثبت في روايته يقبل ما زاد كما يقبل ما انفرد به وروى عن واثلة عن رسول الله ﷺ تحرز المرأة ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها والولد الذي لاعنت عليه وفيه توريثها إياه بعود نسبه إليها وانتفائه ممن لاعنته به فوق ما كانت ترث منه لو لم يلاعن به وفيه ما يدل على التوارث بالأرحام إذا لم تكن للميت عصبة وكانت أمه ذات سهم فورثت ما بقي من ميراثه بذلك.
ومنه عن ابن مسعود قال: قام رجل في مسجد رسول الله ﷺ ليلة الجمعة فقال: أرأيتم إن وجد رجل مع امرأته رجلا فإن هو قتله قتلتموه وإن هو تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ شديد اللهم احكم فأنزلت آية اللعان قال عبد الله: فابتلى به وكان رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فلاعن امرأته فلما أخذت المرأة لتلعن قال لها رسول الله ﷺ : "مه" فلما أدبرت قال لها رسول الله ﷺ : "لعلها إن تجئ به أسود جعدا" كان أهل العلم يختلفون في الرجل ينفي حمل امرأته فكان
стр. 545
بعضهم يقول: يلاعن بينه وبينها عليه كما يلاعن بينه وبينها عليه لو كان مولودا قبل ذلك فنفاه وهو قول مالك والشافعي وقال به أبو يوسف مرة وبعضهم يقول لا يلاعن بينهما عليه لأنه يحتمل أن لا يكون حملا ولا فرق بين أن يولد بعده بمدة ستة أشهر أو أقل وهو مذهب أبي حنيفة وقال محمد وهو قول أبي يوسف المشهور عنه إن ولدت لمدة أقل من ستة أشهر يلاعن محتجا بما روى عن ابن مسعود أنه ﷺ لاعن بالحمل وهو حديث أصله حديث ابن مسعود المقدم وليس فيه ذكر الملاعنة بحمل وإنما فيه ذكر الملاعنة فقط ويجوز أن يكون ملاعنة بالقذف لا بل الحمل فإن قيل قوله "لعلها أن تجئ به أسود جعدا" يدل على أن الملاعنة بالحمل قلنا: لو كان اللعان بذلك الولد لما اختلف الحكم فيه جاء أسود أو خلافه إذ كان اللعان قد نفاه وليس بعد الشبه منه يحقق أنه ليس منه ولا قرب الشبه به يحقق أنه منه وفيه نظر إذ لا تأثير للشبه في لحوق النسب ولا في سقوطه كان اللعان بالقذف أو بالحمل
ومنه ما روي عن ابن عباس أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال مالي عهد باهلي مذ عفرنا النخل فوجدت مع امرأتي أظنه حملا زوجها مصفر حمش سبط الشعر والذي رميت به إلى السواد جعد قطط فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بين" ثم لاعن بينهما فجاءت به شبه الذي رميت به لا دليل فيه أيضا على أن اللعان كان بذلك الولد أو بالقذف دونه وكذلك ما روي عنه أن رسول الله ﷺ لاعن بين العجلاني وزوجته وكانت حبلى فقال زوجها: والله ما قربتها منذ عفرنا النخل والعفر أن تسقي بعد أن تترك من السقي بعد الابار شهيرين فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بين" فزعموا أن زوج المرأة كان حمش الذراعين والساقين أصهب الشعر وكان الذي رميت به ابن السعماء فجاءت بغلام أسود رجل جعد قطط عبل الذراعين خدل الساقين قال القاسم قال ابن شداد بن الهادي: يا ابن عباس هي التي قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجما امرأة بغير بينة لرجمتها"
стр. 546
فقال ابن عباس: لا ولكن تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام ليس فيه أيضا ذكر الملاعنة بحمل ولا غيره فهو كما قبله من الأحاديث ومنه عن ابن عباس ذكر التلاعن عند رسول الله ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف فاتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلا فقال عاصم ما ابتليت بهذا إلا بقولي فذهب به إلى رسول الله ﷺ فاخبره بالذي وجد عليه امرأته وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله آدم كثير اللحم خدلا فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بين" فوضعت شبها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فلاعن رسول الله ﷺ بينهما فقال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله ﷺ : "لو رجمت أحدا بغير بينة لرجمت هذه"؟ فقال ابن عباس: لا تلك امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام فيه ملاعنة رسول الله ﷺ بين ذينك الزوجين بعد وضع الحمل فانتفى بذلك أن تكون فيه حجة لمن يوجب اللعان بالحمل وكان القول في الحمل إذا نفى أن لا لعان به حتى يوضع لما يعلم أنه كان محمولا به حين نفى ثم يكون اللعان به بعد ذلك كما قال أبو يوسف ومحمد
ومنه ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا من الأنصار من بني زريق قذف امرأته فأتى رسول الله ﷺ فرد ذلك أربع مرات على رسول الله ﷺ فأنزلت آية الملاعنة فقال: "أين السائل إنه قد نزل من الله أمر عظيم؟ ", فأبى الرجل ألا أن يلاعنا وأبت هي إلا أن تدرأ عن نفسها العذاب فتلاعنا فقال رسول الله صلى الله غليه وسلم: "أما هي تجئ به أصفر أحيمش مسبول العظام" فهو للملاعن وأما تجئ به أسود كالجمل الأورق فهو لغيره فجاءت به أسود كالجمل الأورق فدعا به رسول الله ﷺ فجعله لعصبة أمه فقال: "لولا الإيمان التي مضت لكان لي فيه كذا وكذا" فهذا الحديث كالذي مضى قبله ليس فيه أنه كان اللعان بالقذف أو بالحمل وفيه جعل المولود
стр. 547
لعصبة أمه وهي قرينة اللعان بالولد فلهذا اختلف فيه عبد الله بن عمر وابن عباس فقال أحدهما كان قبل وضع أمه إياه وقال الآخر كان بعد وضعها إياه وهذا أولى القولين واحتج من أثبت اللعان بنفي الحمل قبل وضعه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فكما تستحق المبانة النفقة لأن يغتذي به ولده في بطنها كذلك تستحق أن تلاعنه إياه قبل وضعها إذ أنفاه وجوابه أن وجوب النفقة للمبانة ليس لاعتذاء الولد بل للاعتداد ولهذا تجب عند بعض وإن لم تكن حاملا وكان ينبغي أن تسقط النفقة إذا كان الحمل موسر أبان ورث مالا من أخ له مات وأمه حامل به آذلا تجب نفقة على والد في ابن له موسر وإنما المراد بقوله: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ بيان نهاية الإنفاق لا غير ويدل عليه قوله: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ دون فانفقوا على ما هن به حوامل واحتج أيضا بالسنة الثابتة في قضائه ﷺ في دية شبه العمد بالخلفات التي في بطونها أولادهافلو كان الحمل عير مدرك لما صح القضاء بذلك ولا حجة في ذلك لأن الحكم بناؤه على الظاهر ويحتمل أن لا يكون كذلك لكنه إذا كن حوامل كما ظهر منهن مضي ذلك وإن تبين خلافه يجب ردهن ولامطالبة بحوامل وكذلك بنات آدم لا يمكن تحقيق الأمر فيهن إلا بغلبة الظن وقد يخطئ يؤيده لو حلف إن كانت امراته حاملا فعبده حر وكان الظاهر حملها ثم مات أبو العبد قبل ن تضع لا يحكم له بيمراثه اتفاقا إذ قد لا يكون حمل فلا يعتق فلا يرث وفيما ذكرنا ما ينفي أن تبقى للمحتج حجة فيما ذكر ومخالفه لا يقول بوجوب النفقة للمبانة إلا بسبب العدة مطلقا ولا يقول بوجوب الخلفات في دية شبه العمد فقد ظلمه فيما احتج به عليه من ذلك فلا يلزمه ما ألزمه عليه والصحيح في مسألة نفي الحمل ما روي عن محمد مما وفاقه عليه أبو يوسف وقيل الفرق عند من لا يرى ملاعنة الحامل قبل وضعه ويوجب النفقة قبل وضعه بسبب الحمل أن اللعان إذا مضى لا يقدر على رده والإنفاق يقدر على استرجاعه وروي عن مالك أنه لا يحكم
стр. 548
للمبانة بالنفقة حتى تضع حملها ثم يحكم بنفقة ما مضى وهو على قياس الملاعنة في أنها لا تكون إلا بعد وضعه إلا أنه مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ الآية.
ومنه ما روي عن سهل الساعدي أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم ابن عدي فقال: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أتقتلونه به سل يا عاصم رسول الله ﷺ فجاء عاصم فكره رسول الله ﷺ المسألة وعابها فقال عويمر: والله لآتين النبي ﷺ فجاء وقد أنزل الله تعالى خلاف قول عاصم فقال ﷺ : "قد أنزل الله فيكم قرآنا" فدعاهما فتقدما فتلاعنا ثم قال كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ففارقها وما أمر بفراقها فجرت سنة في المتلاعنين فقال رسول الله: "إن أمسكتها ففارقها" وما أمر بفراقها فجرت سنة في المتلاعنين فقال رسول الله ﷺ : "انظروها فإن جاءت به أحمر قصيرا مثل وحرة فلا أراه إلا وقد كذب عليها وإن جاءت به أسحم أعين ذا اليتين فلا أحسبه إلا قد صدق" عليها فجاءت به على الأمر المكروه قوله إن جاءت به كذا فكذا وإن جاءت به كذا فكذا يدل على أنه لم يكن منه ﷺ تحقيق لإثبات نسب بشبهه ولا لنفيه بضده من الشبه وإن ذلك إنما كان على ما يقع في القلوب في مثل هذا المعنى وما تقدم من قوله ﷺ في الأحاديث التي ذكرناها "إن جاءت به كذا فهو لفلان وإن جاءت به كذا فهو لفلان" يعارضه حديث سهل هذا وهو أولى لأن فيه زيادة حفظها سهل وقصروا عنها وفي ذلك ما يدل على أنه لم يكن فيه إثبات نسب ولا نفيه.
ومنه ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لاعن بين أخوي بني العجلان ثم قال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" فقال: مهرى الذي دفعته إليها فقال ﷺ : "إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كاذبا عليها فهو أبعد لك منه". قال الشافعي في قوله: "لا سبيل لك عليها" دليل على أنه لا يجوز له أن يتزوجها
стр. 549
أبدا وهي مختلف فيها فقال مثل قوله مالك وأبو يوسف وقال أبو حنيفة ومحمد أنه لا يتزوجها ما كان مقيما على قوله ومتى رجع عنه وأكذب نفسه فحد لذلك جاز له أن يتزوجها ولا حجة في قوله: "لا سبيل لك عليها" لأنه إنما قاله جوابا له في طلبه منها المهر الذي دفعه إليها.
قال الطحاوي: وكان سعيد بن جبير الذي عليه مدار الحديث يقول إذا لاعن الرجل امرأته وفرق بينهما ثم أكذب نفسه ردت إليه امرأته ما كانت في العدة ومذهب الشافعي أن تأويل الراوي هو المعتبر كما استدل في الفرقة بعد البيع على مراد النبي ﷺ بتأويل ابن عمر بأنه كان يفعله وجعل قول ابن عمر فيما روي أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد إن ذلك في الأموال حجة له في ذلك حتى لا يكون حجة عنده إلا في الأموال خاصة وفيه نظر لأن الشافعي قاله في الصحابة وقد احتج بعض من ذهب إلى أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا بقول الزهري عقيب وسعيد بن جبير تابعي روايته عن سهل حضور ملاعنة رسول الله ﷺ بين الزوجين فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا ولا حجة فيه إذ يجوز أنه أراد مادام الملاعن على قذفه ولم يكذب نفسه يدل عليه أنه قد روي عنه أن المتلاعنين لا يتراجعان أبدا إلا أن يذكب نفسه فيجلد الحد ويظهر براءتها فلا جناح عليهما أن يتراجعا وقاله قبله سعيد بن المسيب روى عنه أنه قال: أن الملاعن إذا أكذب نفسه ردت امرأته يريد بتزويج جديد وهو قول إبراهيم أن ضرب بعد ذلك يعني الملاعن فهو خاطب من الخطاب يتزوجها إن شاء وشاءت وما روي عن عمر وابن مسعود أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا محمول على ما إذا كان باقيا على دعواه ولم يرجع وهذا القول أولى لأن العلة الموجبة لللعان الموجب للفرقة ثبوت الزوج على مقاله بدليل أنه لو رجع عنه قبل اللعان فحد لم تكن فرقة فلذلك إذا رجع بعد اللعان زال حكم اللعان الموجب للفرقة بزوال العلة ووسعهما الاجتماع.
стр. 550
كتاب البيوع
مدخل
...
كتاب البيوع
وفيه ثلاثة وثلاثون حديثا
روي عن النبي ﷺ قال: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" في بعض الروايات "لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه إلا وإن لكل ملك حمى الا وإن حمى الله محارمه" لما جعل الله تعالى بعض الشرائع في كتابه وعلى لسان رسوله بينة لم يختلف أهل العلم فيها وبعضها متشابهة اختلف فيها كان الورع ترك المتشابه فمن المتشابه في الكتاب قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ وما أشبه ذلك مما اختلف أهل العلم فيه كالجمع بين الأختين بملك اليمين وفي السنة قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وافطر الحاجم والمحجوم ولا ينبغي للحكام فيما هذا سبيله من الإحكام التوقف عن الحكم فيه بل المفترض إمضاء ما رأوه بعد الاجتهاد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد ويرجع المحكوم لهم فيها إلى المعنى الذي كانوا عليه قبل الحكم من التورع عن الدخول فيها والإقدام عليها مثال ذلك قول الرجل لامرأته أنت علي حرام فقالت طائفة: هي ثلاث تطليقات ومنهم من قال أنها يمين وهو مول وقيل أنه ظهار وقيل أنها تطليقة بائنة إلا إذا عنى ثلاثا وقيل أنها رجعية إلا إذا نوى ثلاثا فمن بلى بمثل هذا ممن يرى الحرمة بقول من هذه الأقوال ثم خوصم إلى حاكم لا يرى حرمتها عليه ويرى بقاءها عليه فقضى له بذلك ففيه اختلاف فمنهم من يقول له استعمال ذلك وترك رأيه وهو قول محمد ابن الحسن ومنهم من يقول يأخذ برأيه ويترك ذلك الحكم إذ كان الحكم له لا عليه وهو قول أبي يوسف أيضا وهو أولى القولين بالحق.
стр. 551
في التجار
روي عن النبي ﷺ "أن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله أليس الله قد أحل البيع وحرم الربا؟ قال: "بلى ولكنهم يحلفون ويأثمون ويحلفون فيكذبون" إطلاق القول بأنهم فجار لما كان الغالب عليهم ذلك فلم يكن العموم مرادا والعرب قد تطلق على الجماعة مدحا أو ذما والمراد به بعضهم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ وخاطبهم ﷺ على لغتهم يدل عليه ما روي عن قيس بن أبي غرزة خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن بالسوق نبيع ونحن نسمى السماسرة فسمانا رسول الله ﷺ باسم أحسن مما سمينا به أنفسنا فقال: "يا معشر التجار يخالط بيعكم حلف ولغو فشوبوه بصدقة أو بشيء من صدقة" وبين المقصود بالفجار من التجار في حديث رفاعة بن رافع قال: خرج علينا رسول الله ﷺ إلى النقيع فقال: "يا معشر التجار" حتى اشرأبوا له١ فقال: "أن التجار يحشرون يوم القيامة فجارا الا من اتقى الله وصدق وبر".
стр. 552
في المكيال والميزان
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة" ومكة أرض متجر ليس فيها زرع ولا ثمر تباع الأمتعة فيها بالأثمان ألا ترى إلى قول إبراهيم بواد غير ذي زرع بخلاف المدينة فإنها دار نخل وزرع فكانت جل تجارتهم في المكيل فجعل النبي ﷺ الأمصار كلها إتباعا لهذين المصرين فيما يحتاجون إليه من الكيل والوزن ولما كانت السنة منعت من إسلام الموزون في الموزون والمكيل في المكيل وأجازت عكسهما ومنعت من بيع الموزون بالموزون إلا مثلا بمثل كان الأصل في الموزون ما كان يوزن حينئذ بمكة وفي المكيل ما كان يكال حينئذ بالمدينة لا يتغير عن ذلك بمغير ومن هذا أخذ أبو حنيفة أن ما لزمه اسم مختوم أو اسم قفيز أو مكوك أو مدا وصاع فهو كيلي تجري فيه أحكام الكيل في جميع ما وصفنا وما لزمه اسم الرطل والوقية فهو وزني كذلك.
стр. 553
في اقتضاء النقدين
عن ابن عمر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في حجرة حفصة فقلت: يا رسول الله رويدك اسئلك, أني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان ذلك من صرف يومكما وافترقتما وليس بينكما شيء فلا بأس به" وقال بعض الرواة: "لا بأس إذا أخذت بسعر يومك" قوله: "بصرف يومكما أو بسعر يومكما" ليس بشرط في صحة البيع يعني المصارفة وإنما أمر بها لهضم صاحبه في ذلك إذ لا خلاف أن البيع يجوز بسعر يومهما وبأكثر وبأقل فالأمر ندب لا وجوب.
стр. 554
في ما يدخل فيه الربا
روي أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا؟ " فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله ﷺ : "أوه فلا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا" وقال في الميزان مثل ذلك ففيه رد رسول الله ﷺ حكم الميزان في دخول الربا في الأشياء الموزونة كدخولها في الأكيال ولم يقصد في ذلك إلى مأكول ومشروب دون ما سواهما مما لا يؤكل ولا يشرب فكان ظاهر ذلك يوجب صحة قول من قال لا يجوز بيع الحديد بالحديد إلا مثلا بمثل وزنا بوزن لأنها موزونة كالذهب والفضة في دخول الربا إياهما وكالمكيلات من التمر والحنطة والشعير في دخول الربا
стр. 555
إياهما كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه بخلاف من قال أن ذلك يقتصر على المطعوم وهم أهل المدينة محتجين بقول سعيد بن المسيب لا ربا إلا في ذهب أو فضة أو فيما يكال وبوزن مما يؤكل أو يشرب ومخالفه ترك قوله معتمدا على قول عمار بن ياسر لأن قوله أعلى من قول سعيد وهو قوله العبد خير من العبدين والأمة خير من الأمتين والبعير خير من البعيرين الثور خير من الثورين فما كان يدا بيد فلا بأس به إنما الربا في النسئ إلا فيما كيل أو وزن ولما كان أوكد الأشياء في دخول الربا عليها الذهب والفضة وليسا بمأكولين وليسا بمشروبين عقلنا بذلك أن العلة التي بها دخول الربا هي الوزن فيما يوزن والكيل فيما يكال مطعوما ما كان أو لم يكن ومنه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا بمثل فمن زاد أو ازداد فهو ربا إلا ما اختلف ألوانه" يعني أنواعه من الأجناس المختلفات لأنه لا خلاف أن الأسود من التمر وغيره منه جنس واحد لا يباع باللون لآخر منه إلا مماثلة دل عليه قول ابن عمر ما اختلفت ألوانه من الطعام فلا بأس به يدا بيد التمر بالبر والزبيب بالشعير وكرهه نسيئة وعلى ذلك كلام الناس جاء فلان بألوان من الطعام يعني بأنواع منه وكلمنا فلان بألوان من الكلام أي بأنواع منه.
стр. 556
في بيع الرطب بالتمر
روي عن مالك بن أنس وأسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعدا عن السلت بالبيضاء فقال سعد شهدت رسول الله ﷺ يسئل عن الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم, قال: "فلا إذا" وكرهه لم يختلف على مالك في هذا الحديث إلا ما قاله أحد الرواة عنه في أبي عياش أنه مولى سعد بن أبي وقاص وأما أسامة بن زيد فاختلف عنه فروي عنه عن عبد الله بن يزيد عن أبي
стр. 557
سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ورواه أسامة عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش الزرقي عن سعد وهذا محال لأن أبا عياش الزرقي من جلة الأصحاب لم يدركه عبد الله بن يزيد وإنما يروى عن أبي سلمة وأمثاله وقد روي أيضا عن عبد الله بن يزيد عن زيد مولى عياش عن سعد بن مالك وزيد مولى عياش هذا لا يعرف وقد روى أيضا عن عبد الله بن يزيد عن زيد أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة وقد روى أيضا عن مولى لبني مخزوم أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل فقال سعد: نهى رسول الله ﷺ عن هذا فبان فساد هذا الحديث في إسناده ومتنه وأنه لا حجة على من خالفه من أبي حنيفة ومن تابعه على خلافه فيه وكان القياس أيضا يوجبه لأن السنة قد أجازت بيع الرطب بالرطب مثلا بمثل ولم ينظر إلى حالة الجفاف فكذلك الرطب بالتمر لا ينظر إلى حالة الجفاف من النقصان عن التمر المبيع به وأجازت السنة بيع التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير مثلا بمثل وهذه الأشياء مما تتغير بالجفاف والنقصان أيضا فلم ينظر إلى ذلك وينظر إلى أحوالها التي تكون عليها يوم البيع فمثله الرطب بالتمر مع أن في فساد الأصل الذي تعلق به من ذهب إليه ما يقطع حجتهم به ولكنا وكدناه بما ذكرنا من القياس.
стр. 558
في بيع قلادة فيها ذهب
عن فضالة بن عبيد قال اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز بإثنى عشر دينارا ففصلتها فإذا الذهب أكثر من إثنى عشر دينار أفذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا تباع حتى تفصل" محمل النهي عدم العلم بمقدار الذهب التي فيها قبل التفصيل فلو كان معلوما قبل التفصيل ينبغي أن يجوز وفي الحديث ما يدل عليه وهو أن القلادة كانت من المغانم وهي إنما تقسم بين أهلها على ما يجوز عليه لأعلى ما لا يجوز والحديث مضطرب فيه فروى
стр. 559
عن فضالة قال: أصبت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز فأردت أن أبيعها فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "افصل بعضها من بعض ثم بعها كيف شئت".
وروي عنه قال: أتى النبي ﷺ يوم خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بسبع أو تسع فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "لا حتى تميز ما بينهما" فقال: إنما أردت الحجارة فقال: "لا حتى تميز ما بينهما" فرده وروى عنه أنه قال: أتى رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب وزنا بوزن" وهذا الحديث ليس مما قبله من الأحاديث في شيء لأن التي قبله في بعضها أمر النبي ﷺ أن لا تباع حتى تفصل وفي بعضها أنه رد البيع بعد وقوعه مع ما في جميعها من الدليل على جواز القسمة التي حكمها حكم البيع من غير تفصيل والذي في هذا الحديث تفصيل من غير بيع تقدم فيها وإعلام بأن الذهب وزنا بوزن وقد روي عن حنش أنه قال كنا مع فضالة في غزوة فصارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها فقام فضالة فقال: انزع ذهبها فاجعله في الكفة واجعل ذهبا في الكفة ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني سمعت رسو الله ﷺ يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل فذكر عن فضالة ما هو مذكور فيما قبله من الأحاديث عن النبي ﷺ ولما وقع فيه اضطراب كان المعنى المقصود منه هو ما اختلف فيه العلماء من بيع الذهب وغيره في صفقة واحدة فقال طائفة منهم إن كان ذلك الذهب الثمن أكثر من الذهب الذي في القلادة صح البيع وكان الذهب بمثله والزائد بمقابلة الخرز والورق وإن كان الذهب الثمن مثل ما في القلادة أو أقل أو لا يدري ما وزنه فالبيع فاسد وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وطائفة منهم تقول لا يجوز ذلك
стр. 560
البيع أصلا لأن الذهب الثمن يكون مقسوما على الذهب والخرز اللذين في القلادة على قدر قيمتهما فيكون الذهب المبيع في تلك الصفقة مبيعا بما أصابه على قسمة الثمن من الذهب المبتاع به فلا يجوز وممن يقول به الشافعي وجعل أهل هذا القول الذهب والشيء المبيع معه كالعرضين اللذين من غير الذهب إذا بيعا بذهب صفقة واحدة أنه يكون كل واحد منهما مبيعا بما أصابه من القسمة على قيمته وعلى قيمة الشيء المبيع معه وكان الآخرون يذهبون إلى أن القسمة على القيم لا تستعمل في هذا وإنما تستعمل في غير الذهب المبيعة بالذهب وفي غير الفضة المبيعة بالفضة في غير الأشياء الميكلات المبيعات بأجناسها وفي غير الأشياء الموزونات المبيعات بأمثالها فيستعمولن في ذلك الأمثال المستعملة فيها ولا يستعملون في ذلك القيم التي ذكرنا محتجين في ذلك بما روي عن النبي ﷺ مما دلهم على ذلك من تحريم التفاضل في بيع الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر والملح بالملح وخرج الآثار بذلك بأسانيدها ففي هذه الآثار إباحة رسول الله ﷺ بيع الذهب بالذهب مثلا بمثل وقد يكون الذهب بتفاضل فيكون دينار أن أحدهما أعلى من الآخر يباعان بدينارين مستويين فظاهر آثار النبي ﷺ التي ذكرنا تطلق ذلك لأن ذلك لو كان مما يختلف لاختلاف الدينارين ليس ذلك للناس حتى يعلموا أنه أراد بما أطلق غيرهما ولا سبيل لأحد أن يأتي إلى ما أجمله رسول الله صلى اله عليه وسلم بحكم واحد فيستعمل فيه تفريق الأحكام وضرب الأمثل وكذلك التمر فقد أباح بعضه ببعض مثلا بمثل يدا بيد ولم يخالف في ذلك بين تمرين متفاضلين بيعا بتمر مساو وقد وجدنا التمر في نفسه موجودا فيه ولا تمنع منه السنة لتباينه في اسقاط نفسه ولاختلافه في قيمته كان ذلك لا يراعى بقسمة الثمن عليه إذا يع بجنسه وكان البيع فيه جائزا دل ذلك
стр. 561
أنه قد خولف في ذلك بين الأشياء المكيلات وبين الأشياء الموزونات المبيعات بأمثالها فلم تستعمل فيها القيم واستعمل فيها التساوي فيما هي عليه من كيل أو وزن فأجيز مع ذلك وأبطل إذا كان خلاف ذلك وقد روي عن ابن عباس قال: بيع التمر في رؤس النخل إذا كان فيه غيره دراهم أو دنانير لا بأس به ووجه ذلك أنه جعل التمر المبيع في رؤس النخل مبيعا بمثله من التمر الذي بيع به ولو راعى في ذلك استعمال قسمة الثمن على القيم لما جوز هذا البيع وفي تجويزه إياه ما قد دل على أنه لم يستعمل قسمة الثمن على القيم كما يستعملها في بيع العرضين اللذين بخلاف ذلك وإذا كان كذلك فيما ذكرنا كان مثله في المذهبين المتفاضلين المبيعين بذهب مساو لا يراعي فيه قسمة الثمن على القيم ولكن يراعى فيه التساوي في الوزن لا ما سواه.
لا يقال ما ذكر عن ابن عباس مستحيل لأنه يجيز الفاضل بين الفضتين يد أبيد محتجا بما روي عن أسامة قال رسول الله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" لأنا نقول أن ابن عباس أرأيت الذي تقول الدينار أن بالدينار والد رهمان بالدرهم أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" فقال ابن عباس: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ قلت: نعم قال: أني لم اسمع هذا إنما أخبرنيه أسامة قال أبو سعيد نزع عنه ابن عباس.
فإن قلت: كيف ساغ لابن عباس ترك ما حدثه أسامة وموضعه من الإسلام موضعه إلى ما حدثه غيره مما يجوز أن يكون ما حدثه أسامة ناسخا له؟ قلت: الربا الذي حرمه القرآن وجاء فيه الوعيد عليه هو الربا في النسيئة وهو ما كانوا يبتاعون من الآجال في الأموال بالأموال وكان ذلك ربا النسيئة في الميكلات والموزونات فوقف ابن عباس على أن الذي حدثه أبو سعيد كان في ربا غير ربا النسيئة بل في الربا الفضل فسار إليه وترك ما كان عليه قبل ذلك.
стр. 562
في الربا مع أهل الحرب
روى عن أنس بن مالك أن الحجاج بن علاط السملي قال: يا رسول الله إن لي بمكة أهلا ومالا وقد أردت إتيانهم فإن أذنت لي أن أقول فيك فعلت فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء: فلما قدم مكة قال لامرأته: إن أصحاب محمد قد استبيحوا وإنما جئت لآخذ ما لي فأشتري من غنائهم وفشا ذلك في أهل مكة فبلغ ذلك العباس يعني ابن عبد المطلب بعرفة فاختفى من كان فيها من المسلمين وأظهر المشركون الفرح بذلك فكان العباس لا يمر بمجلس من مجالسهم إلا قالوا: أيا أبا الفضل لا يسؤك الله قال: فبعث غلاما له إلى الحجاج بن علاط فقال: ويلك وما الذي جئت به فالذي وعد الله ورسوله خير مما جئت به, فقال الحجاج لغلام: هـ اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له ليخل بي في بعض بيوته فإن الخبر ما يسره فلما أتاه الغلام فأخبره به قام إليه فقبل ما بين عينيه وأعتقه ثم أتاه الحجاج وقال له: أن الله عزو جل قد فتح لرسوله خيبر وجرت فيها سهام المسلمين واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه وإني استأذنت رسول الله ﷺ أن أقول فيه ما شئت وإن لي بمكة ما لا آخذه فاذن لي أن أقول فيه ما شئت فاكتم علي ثلاثا ثم قل ما بدالك ثم أتى الحجاج أهله فأخذ ماله ثم انشمر إلى المدينة قال: ثم أن العباس أتى منزل الحجاج إلى امرأته فكان العباس يمر بمجالس قريش فيقولون له يا أبا الفضل لا يسوءك الله فيقول لا يسؤني الله قد فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام المسلمين واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه أخبرني الحجاج بذلك وسألني أن أكتم عليه ثلاثا حتى يأخذ ما له عند أهله قال ثم أتى امرأته فقال لها إن كان لك إلى زوجك حاجة فألحقي به وأخبرها بالذي أخبره به الحجاج بفتح خيبر فقالت امرأته أظنك صادقا قال فرجع ما كان بالمسلمين من كآبة على المشركين وظهر من كان اختفى من المسلمين من المواضع التي كانوا فيها ففيه أن العباس كان مسلما يومئذ لا قراره بالرسالة فيه للنبي صلى الله عليه
стр. 563
وسلم وكان الربا يومئذ حراما بدليل حديث فضالة الذي تقدم بخيبر مع بقاء العباس يمكة إلى الفتح يعمل بالربا دل عليه قول النبي ﷺ في خطبة يوم عرفة في حجة الوداع "وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" فعلم إن الربا بين المسلمين والمشركين في دار الحرب جائز على ما يقوله أبو حنيفة والثوري وإبراهيم النخعي قبلهما لأن قوله ﷺ "ربا الجاهلية موضوع" دليل على أنه كان قائما إلى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة وقوله: "وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" قد دل على أن ربا كان قائما إلى ذلك الوقت أعني وقت فتح مكة لأنه لا يضع إلا ما كان قائما لا ما قد كان سقط وقد كان أسلم قبل ذلك على ما دل عليه حديث الحجاج أنه كان مسلما حين فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة وفتح مكة في السنة الثامنة منها وحجة الوداع في التاسعة منها وهذا استدلال صحيح لأن العباس أسلم قبل الفتح بمدة فلو كان الربا حراما عليه بمكة لأمر بالرد إلى أربابها قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية ويؤيده ما روي عن رسول الله ﷺ كل قسم قس في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام لأن فيه ما يوجب أن القسمة بمكة لميراث لو وقعت تمضي على حكم الجاهلية وإن كانت مخالفة لقسم الإسلام فكذلك حكم الربا الذي كان بين المشركين والمسلمين جائزا عندهم غير جائز عند المسلمين ومما يدل على أن حكم الربا لم يتعد إلى دار الحرب أنه لو تعدى إليها لوجب أن يكون موضوعا على كل حال كان أصله قبل تحريم الربا أو بعده كما يكون موضوعا في دار الإسلام كان أصله قبل تحريم الربا أو بعده لأنه وإن كان أصله قبل تحريم الربا بطل بتحريمه وإن كان بعده فهو أبطل فلما أخبر النبي ﷺ أنه وضعه يوم الفتح دل على أنه لم يكن موضوعا قبل وإن التحريم لم يلحقه ولا تعدى إليه.
فإن قيل قد أخذ الفداء من عباس يوم بدر فكيف كان مسلما قلنا
стр. 564
إن يوم بدر قبل يوم خيبر وإنما أسلم بعده ومما يدل عليه حديث أنس عن الحجاج بن علاط وحكى محمد بن إسحاق أن العباس اعتذر إلى النبي ﷺ لما أمره أن يفدي نفسه بأنه كان مسلما وأنه إنما خرج لقتاله مكرها فقال ﷺ : " أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك" ففدى نفسه وبقي بعد ذلك بمكة فعلى هذا يكون مسلما قبل بدر وعلى حديث الحجاج تقدم إسلامه خيبر وكلا القولين يوجب إقامته بمكة وهي دار حرب مسلما وله بها ربا قائم وهو محرم بين المسلمين في دار الهجرة.
стр. 565
في الوضيعة على تعجيل الحق
روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير جاءه أناس منهم فقالوا: يا نبي الله أنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل فقال رسول الله ﷺ : "فضعوا وتجلوا" بنو النضير هم إشراف اليهود وكانوا ينزلون المدينة ونساء الأنصار في الجاهلية إذا أردن تهويد أبنائهم هودنهم فيهم كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: كانت المرأة تحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الانصار فقالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا فأنزل الله ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية يعني فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام وهم خلاف يهود خيبر الذين كان رسول الله ﷺ عاملهم عليها بشطر ما يخرج نخلها وأرضها وأقاموا على ذلك حتى أجلاهم عمر.
فاختلف أهل العلم في إطلاق رسول الله ﷺ وضع بعض الديون الآجلة وتعجيل بعضها فعند ابن عباس وزفر وأحد قولي الشافعي جاز ذلك وكرهه بعضهم منهم عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ومحمد لأنه يجوز أن يكون ذلك قبل تحريم الربا فلما حرم الربا حرمت أسبابه ثم الوضع إن كان بشرط التعجيل فواضح أنه كالربا المحرم إذ في الجاهلية كان من عليه الدين العاجل يدفع إلى رب الدين من ماله على أن يؤخره إلى أجل يذكرونه فمثل ذلك في المعنى وضع البعض لتعجيل الباقي وإن لم يكن التعجيل مشروطا ولكنه على وضع مرجوله التعجيل فهو مكروه غير محكوم بإبطاله كما يكره القرض الذي يجر منفعة ولا يحكم بإبطاله.