← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

في نكاح الموهوبة روي "أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك, فقامت قياما طويلا فقام رجل, فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة الحديث إلى قوله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" في غير رواية مالك لهذا الحديث زيادة تقتضي التفويض إلى النبي علي الصلاة والسلام في أن يزوجها بمن رأى ولذلك زوجها من السائل دون أن يستأمرها في ذلك وهو ما روي أنها قالت: إني قد وهبت نفسي لك يا رسول الله فر فيها رأيك وفيما خاطبت به هذه المرأة رسول الله ﷺ من إطلاقها له وتزويجه إياها من غيره بذلك ما قد استعمله أهل العلم في المضارب الممنوع من دفع المال إلى غيره إلا أن يقول له أعمل فيه برأيك فيحل محله ويعمل فيه ما كان يعمل فيه رب المال ويكون له من ربحه ما يجعله له منه وعن هشام بن عروة عن أبيه قال كان يقال أن خولة ابنة حكيم وهبت نفسها للنبي ﷺ وكانت من المهاجرات الأول قالت عائشة كنت إذا ذكرت قلت: إني لأستحيي امرأة وهبت نفسها لرجل بغير مهر وكانت من غير النساء وفيها نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قلت يا رسول الله إن ربك ليسارع في هواك وفيما روى عنه عن عائشة أنها كانت تقول: ما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل حتى أنزل الله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآيات الثلاثة قلت: إن ربك ليسارع في هواك إذا وهبت المرأة نفسها لرجل وتملكه بضعها وقبل ذلك منها بمحضر من شهود بذلك كان تزويجا فإن سمى لها مهرا كان لها ما سمى وإلا فلها مهر مثلها وإن

стр. 492

طلقها قبل الدخول بها كانت المتعة لها عليه وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وسائر أصحاب الإمام وعن بعضهم إذا وهب ابنته الصغيرة لرجل ليحضنها أو ليكفلها على وجه النظر لها كان جائزا وإن وهبها بصداق ذكره كان ذلك نكاحا إذا أراد بالهبة النكاح وممن قال بذلك عبد الرحمن بن القاسم على معاني قول مالك وعن بعض العلماء إن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج وهو قول الشافعي فنظرنا فيما اختلفوا فيه فوجدنا قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية فجعل الله تعالى تلك الهبة للنبي ﵊ نكاحا ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ فاحتمل أن يكون الخلوص بجعل الهبة نكاحا خاصة ويحتمل أن يكون الخلوص في جعل الهبة له نكاحا بلا صداق كمذهب أبي حنيفة والثوري وابن القاسم على معاني قول مالك والآية على عمومها له ولغيره إلا ما أجمع عليه من التخصيص منها وذلك كون الهبة انكاحا بال صداق وقول الشافعي بأن النكاح لا يكون إلا بما سماه الله تعالى به وهو النكاح والتزويج يقال له بأن الله تعالى ذكر في كتابه الطلاق والسراح والفراق وبالإجماع لا يتخصص الطلاق بهن دون ما سواهن مما هو في معناه كالخلع والبرية والخلية والبائن والبتة والحرام ثم هبة الزوج امرأته لنفسها إذا أراد بذلك الطلاق يقوم مقام الطلاق منه لها فكذا هبتها بضعها له يكون ذلك كالنكاح الذي تعقده له على بضعها فتكون الهبة في كل واحد منهما لصاحبه في حكم التمليك يكون نكاحا يملك به الرجل امرأته ويكون طلاقا تملك به المرأة نفسها وسئل سعيد بن المسيب عن رجل بشر بجارية فقال له رجل من القوم هبها لي فوهبها له فقال سعيد لم تحل الهبة لأحد بعد رسول الله ﷺ ولو أصدقها سوطا لحلت له يعني لو سمى لها مهرا في تلك الهبة ولو سوطا حلت له فدل ذلك أن الهبة التي كان رسول الله ﷺ اختص بها كانت عنده على الهبة التي لا صداق عليه فيها وإن من سواه في الهبة يكون بها ناكحا بصداق كما يجب عليه في تزويج لو وقع بلا صداق ذكر فيه وفي حديث عائشة إني

стр. 493

لاستحيى امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر لم تقصد بذلك الرجل رسول الله ﷺ بل عمت به الرجال إذ كان ذلك خرج مخرج النكرة ففيه ما دل على أن الخصوصية إنماكانت في كونها زوجة للنبي ﷺ بلا صداق وإن الهبة تكون تزويجا لغير النبي ﷺ غير أنها تكون لغيره تزويجا بصداق يجب معها وما روى عن ابن عباس لم تكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له ليس فيها ما يعارض ما روى أن رسول الله ﷺ لما أتى بالجونية قال لها: "هبى لي نفسك" فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده إليها فقالت: أعوذ بالله منك فقال: "قد عذت بمعاذ" ثم خرج فقال: "يا أبا أسيد اكسها رازقيتين وألحقها بأهلها" لأن رسول الله ﷺ لم يكن دخوله على تلك المرأة إلا وهي زوجة له قبل ذلك وعلى ذلك جاء أبو أسيد بها وكان قوله لها بعد ذلك "هبي لي نفسك" على معنى ملكيني نفسك لا على استئناف تزويج يعقده عليها وكيف يظن ذلك وفي شرعه حرمة الخلوة بالأجنبية يؤيده أنه ﷺ خرج عنها على الطلاق منه لها والفراق منه إياها ولا يكون ذلك إلا عن تقدم تزويجه إياها.

стр. 494

في إجابة الدعوة روي عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" الأطعمة أصناف ومنها الوليمة ومنها الخرس وهو إطعام عند الولادة ومنها طعام الأعذار وهو ما يطعم عند الختان ومنها طعام الوكيرة من الوكر وهو ما يطعم إذا بنى دارا أو اشتراها ومنها طعام النقيعة عند القدوم من سفره ومنها طعام الهضيمة وهو طعام المأتم ومنها طعام المأدبة وهو طعام الدعوة والدعوة المرادة في الحديث هي الوليمة فقط بذكر ما وصفت به وإنما افترقت الوليمة من غيرها في وجوب الإتيان إليها لقول رسول الله

стр. 495

صلى الله عليه وسلم لابد للعرس من وليمة وقوله لعبد ارحمن أو لم ولو بشة ولقوله الوليمة حق والثاني معروف والثالث سمعة ورئاء ففي أول يوم محمود عليها أهلها وفي الثاني معروف لأنه قد يصل إليها من عسى أن يكون قد وصل إليها في اليوم الثاني ولم يصل إليها في اليوم الأول وفي الثالث رئاء وسمعة فمن دعى إلى الحق يجب عليه الإجابة ومن دعى إلى المعروف فله أن يجيب ومن دعى إلى الرئاء فعليه أن لا يجيب فعلم أن من الأطعمة التي يدعى إليها ما للمدعوا إليه أن لا يأتيه وما روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم أخاه لحق فليأته لدعوة عرس أو نحوه" يحتمل أن يكون قوله: "لدعوة عرس ونحوه" ليس من كلامه ﷺ يؤيده إن مداره على ابن عمر وليس فيه هذه الزيادة وإنما قال قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها" فاحتمل أن تبكون تلك الدعوة المرادة في هذه الآثار هي الوليمة المذكورة فتتفق الآثار كلها ويؤيد ذلك أيضا ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وحديث جبار مرفوعا: "إذا دعى أحدكم فلجيب فإن شاء أطعم وإن شاء ترك" محتمل أيضا أن يراد به طعام الوليمة لا ما سواه وقد روى أن عثمان بن أبي العاصي دعى إلى ختان فأبى أن يجيب وقال كنا على عهد رسول الله ﷺ لا نأتي الختان ولا ندعي إليه فدل أن على الطعام الذي كانوا يأتونه في عهد رسول الله ﷺ إنما هو طعام خاص ولما كان طعام الوليمة مأمورا به كان من دعى إليه مأمورا بإجابته وغيره غير مأمور به فكان من دعى إليه غير مأمور بإتيانه وأما ما روي عبد الرحمن بن زياد المعافري عن أبيه أنه ضمهم وأبا أيوب الأنصاري مرسي في البحر فلما حضر غداؤنا أرسلنا إلى أبي أيوب الأنصاري وإلى أهل مركبه فقال: دعوتموني وأنا صائم فكان من الحق على أن أجيبكم أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 496

يقول: "للمسلم على أخيه المسلم ست خصال إذا دعاه أن جيبه وإذا لقيه أن يسلم وإذا عطس شمته وإن عطش يسقيه وإذا مرض أن يعوده وإذا مات أن يحضره وإذا استنصح نصحه" فيحتمل أن يكون في ذلك كما ذكر ويكون إلا حسن بالمدعو أن لا يتخلف عنه ويكون حضور بعضهم مسقطا لما على غيرهم منه كحضور الجنازة ويحتمل أن يكون ذلك على ما يجب على الناس في أسفارهم مع إخوانهم من الزيادة في برهم والانبساط إليهم والجود عليهم أكثر مما في الحضر وما ذكره عن النبي ﷺ يحتمل أن يكون أراد به إجابة دعو الوليمة لا غير فلم يبق لنا في شيء مما روينا وجوب إتيانه من الطعام المدعو إليه غير طعام الوليمة.

стр. 497

في ما يوجب ترك حضورها روي عن عائشة ﵂ أن جبريل احتبس عن النبي ﵇ ثم أتاه فقال: "ما حبسك؟ " قال: "جرو في بيتك" فنظر فإذا جرو تحت السرير فأمر به النبي ﷺ فأخرج وفي غير هذا الديث أن جبريل قد كان تقدم وعده للنبي ﵇ أن يأتيه في ساعة فاحتبس عنه فيها ثم كان منه الكلام المذكور وروي "أنه ﷺ لما ذهبت الساعة التي وعده جبريل أن يأتيه فيها خرج فإذا جبريل واقف على الباب فقال: "ما منعك أن تدخل البيت؟ " قال: "إن في البيت كلبا وإنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة" فأمر ﷺ بالكلب فأخرج ثم أمر بالكلاب أن تقتل ووعد جبريل لا يمكن الخلف فيه وإنما منعت الشريعة إياه عن الدخول" فيه فكان ذلك بالشريعة مستثنى من وعده معنى فمثل ذلك من يعد الرجل بالجلوس عنده في منزله لأمر ويكون في ذلك الوقت في منزله ما تمنعه الشريعة من دخوله من شرب خمر أو ما سواه من المعاصي التي لا تبيح الشريعة حضورها فلا يدخل في تخلفه ذلك في حكم من وعد فأخلف وسئل النخعي عمن يعد رجلا أن ينتظره متى ينتظره

стр. 498

قال: إلى أن يحضر وقت صلاة فهذا مثل ما ذهبنا إليه ومثله من الفقه من يدعى إلى الوليمة فيأتيها فيجد فيها لهوا لو وجده في غيرها لم يصح له الجلوس فيها قال بعضهم: لا يضره الجلوس لأنه جلوس لما قد أمر به وإن كان علم قبل الحضور لا يمنتنع من الحضور إذ كانت مما أمر به وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعن محمد خلاف ذلك وهو الأولى لأن المأمور به إتباع السنة والسنة تنهى عن مثل هذا فالنهي الذي فيها مستثنى من الأمر الذي أمر به فيها معنى واحتج لهما بما روي عن نافع قال: كنت مع ابن عمر فسمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق ثم قال هل تسمع شيئا فقلت ما أسمع شيئا ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا فكما امتنع ﷺ أن يدخل إذنه شيء من الصوت المكروه وإن كان في طريق له الاختيار في سلوكها فكذلك القعود مباح طرأ عليه فيه أمر مكروه فلا يمنعه من القعود عند سماع ما نهى عن سماعه ولقائل أن يقول بينهما فرق لأن المرور بالطريق ليس بفرض عليه بل يفعله اختيارا والاختيار لا يخالطه نهي وهنا الحضور فرض عليه فاحتمل أن يكون الطارئ لا يدفع فرضه فكان الذي دل على رفض فرضه عنه هو ما في الحديث الذي ذكرناه اما في هذا الحديث.

стр. 499

في من لا يجوز الجمع بينهم عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ نهى أن يجمع بين العمة والخالة وبين الخالتين وبين العمتين" ما في هذا الحديث من النهي عن الجمع موافق لما روي عنه من نهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لأن كل واحدة منهما لو كانت رجلا لم يحل له التزوج بالأخرى فلم يصلح أن يجمع بينهما بتزويج وذهب بعض إلى أن معنى الجمع بين العمتين وبين الخالتين إنما كان لأن إحداهما سميت باسم الأخرى بالمجاورة كما قيل العمران لأبي بكر وعمر ولا يحمل الكلام على هذا إلا عند الضرورة إليه ولا ضرورة وقد روى عن النبي ﷺ "أنه نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها ونهى أن تنكح على ابنة أخيها أو ابنة أختها نهي أن تنكح الكبرى على الصغرى أو الصغرى على الكبرى" ومعنى ذلك عندنا والله أعلم على الكبرى وعلى الصغرى في النسب كما قيل في الولاء الولاء للكبر يراد بذلك الكبر في النسب.

стр. 500

في القسم بين الزوجات روي عن النبي ﷺ من قوله عند قسمه بين أزواجه بالعدل بينهن: "اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" هذا على جهة الإشفاق والرهبة مما يسبق إلى قلبه مما قد يستطيع رده عنه مع قربه من غلبته عليه من ميله إلى بعضهن أكثر من غيرهن كما علم حصينا الخزاعي أن يدعو به الله أن يغفر له ما أخطأ وما تعمد مع أن الخطأ غير مأخوذ به لما خاف عليه أن يكون لقربه مما تعمده وكفى مما يلزمه في العدل بين نسائه ما في تاب الله من وقله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء الآية وروى مرفوعا من كانت له زوجتان فمال مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل أو قال: ساقط.

стр. 501

في ما أحل له من النساء روى عن عائشة وأم سلمة أن رسول الله ﷺ لم يمت حتى أحل له من النساء ما شاء بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إن الله تعالى قصره على أزواجه اللائي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وحرم عليه أن يتزوج سواهن ثم أباح بقوله تعالى: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ليشكر له قصر نفسه عليهن اختيار إلى أن مات بعد أن كان واجبا عليه بقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية وبطل قول من قال أن المحرمات ذوات المحارم لذكرها عقيب المحللات له من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته وإن ل أن يتزوج سواهن من شاء لأنه يرده قول عائشة

стр. 502

وأم سلمة لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل له من النساء ما شاء إذ لا يصح أن يحل له ذوات المحارم وكذلك بطل قول من قال أن المحرمات عليه اليهوديات والنصرانيات استدلالا بنعت المحللات له بالهجرة والإيمان لأنه لو حل الكتابيات له لعدن أمهات المؤمنين وقيل المحرمات عليه بالآية المذكورة من ليس منهن من ذوات رحمه استدلالا بقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ وهو فاسد لأنه لو كان كذلك لم يكن من أزواجه من يخرج عن هذه الصفة وقد خرج عنها زينب وجويرية وميمونة لأنهن غير قرشيات وليس لهن منه ﷺ أرحام من قبل أمهاته وصفية لأنها ليست من قريش ولا من العرب وإنما هي من أهل الكتاب وعن عطاء قال: شهدت جنازة ميمونة مع ابن عباس فقال هذه زوجة رسول الله ﷺ تسع وكان يقسم اسقاط لثمان ولا يقسم لواحدة والتي لا يقسم لها صفية الحق أن المرأة التي لم يقسم لها سودة لا صفية يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وعنده تسع نسوة يقسم لهن إلا سودة فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة وكان ذلك بطيب نفسها إذ كان من سنته العدل بين نسائه وتحذيره أمته خلاف ذلك.

стр. 503

في العزل روي عن النبي ﷺ من كراهيته عزل الماء عن محله في العشرة الأشياء التي كان يكرهها على ما جاء في حديث ابن مسعود وفيما روت عائشة عن جذامة قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي" حذامة بالذال لامعجمة وقيل بالمهملة وروي عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله ﷺ أتاه رجل فقال: يا رسول الله إن عندي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن نحمل وأشتهي ما يشتهي الرجال وأن اليهود يقولون: هي الموؤدة الصغرى فقال رسول الله ﷺ :

стр. 504

"كذبت يهود لو أن الله أراد أن يخلقه لم تستطع أن تصرفه". وذكره من طرق في بعضها لما أصبنا سبى خيبر سألنا رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ليس من كل الماء يكون الولد وإذا أراد الله أن يخلق شيئا لم يمنعه شيء" يحتمل أن يكون المذكور في رواية جذامة على ما كان عليه من الاقتداء بشرائع من قبلنا ما لم يحدث لذلك ناسخ ولعله قد كاشفهم عن ذلك كشفا هو في كتابهم فكذبوا كما فعلوا في آية الرجم ثم أعلمه الله تعالى بكذبهم فأعلم بذلك أمته وأباح العزل على ما في حديث أبي سعيد ومعنى قوله ﷺ : "إذا أراد الله أن يخلق شيئا لم يمنعه شيء" يعني أن الله تعالى بلطيف قدرته إذا شاء خلق الولد يوصل إلى الرحم من النطفة مع العزل ما يكون منه ولد وإن لم يشأ لم يكن ولد وإن وصل الماء كله إلى الرحم فالولد مخلوق بالقدرة عزل أو لم يعزل وذهب قوم إلى أن في النطفة روحا فكان العزل إتلافا للروح فجعله وأدا ولكن الله تعالى قد أوضح الوقت الذي يكون فيه الحياة في المخلوق من النطفة بقوله: ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فقبل ذلك ما ثمة فيها روح لأنه ميت كسائر الأشياء التي لا حياة لها يؤيده أنه لما اختلف الصحابة فيه فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار فكيف بالناس بعدكم فتناجى رجلان فقال ما هذه المناجاة فقال أن اليهود تزعم أنها المؤودة الصغرى فقال على أنها لا تكون مؤودة حتى تمر بالتارات السبع في ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية فعجب عمر من قوله وقال: جزاك الله خيرا وروى هذا عن ابن عباس أيضا.

стр. 505

في إتيان دبر النساء روى عن ابن عمر أن رجلا أتى امرأة في دبرها فوجد من ذلك في نفسه وجدا شديدا فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وعن ابي سعيد أن رجلا أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه

стр. 506

فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية استدل قوم بهذا على الإباحة ولكن تأملنا ما روي عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا من أتى امرأة في فرجها من دبرها خرج الولد أحول فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وعنه أن اليهود قالت إذا نكح الرجل امرأة مجبية خرج ولدها أحول فأنزلت إلى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إن شئت مجبية وإن شئت غير مجبية إذا كان ذلك في صمام واحد وروي عنه أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج فكان في هذه الآثار توقيف رسول الله ﷺ على أن ما في هذه الآية مما أطلق للناس هو الفرج لا غير وصار الوطء في الدبر محظورا وقيل في سبب نزولها غير ما ذكر على ما روى عن ابن عباس أنه قال جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت قال: "وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إليه هذه الآية ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة". وعن ابن عباس أن ناسا من حمير أتوا النبي ﷺ يسألونه عن النساء فانزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "أيتها مقبلة ومدبرة إذا كان في الفرج" وعن ابن عباس أنه حمل الآية على خلاف ما ذكرنا على ما روى زائدة قال: سألت ابن عباس عن العزل فقال: قد أكثرتم فإن كان قال رسول الله ﷺ فيه شيئا فهو كما قال وإن لم يكن قال فيه فأنا أقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية فإن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا أي ذلك شئتم فعلتم فلا بأس. وقيل لنافع قد كثر القول عنك أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن فقال نافع كذبوا علي ولكن ابن عمر عرض المصحف وأنا عنده حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية فقال: يا نافع هل تعلم منها شيئا قلت: لا قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء

стр. 507

الأنصار أردنا منهن مثل الذي كنا نريد فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية وما روى أن سعيد بن يسار سأل ابن عمر عن ذلك فقال: لا بأس لا يكاد يصح لأنه روى أن سعيدا قال لابن عم: ر ما تقل في الجواري أيحمض لهن قال: وما التحميض فذكر الدبر فقال: وهي يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وروي عن عبد الله بن حسن أنه سأل سالم بن عبد الله أن يحدثه بحديث نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا بإيان النساء في أدبارهن فقال سالم كذب العبد أو أخطأ إنما قال لا بأس أن يؤتين فروجهن من أدبارهن وروي مرفوعا: "من أتى امرأة حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد" وروى "لا ينظر الله إلى رجل وطئ امرأة في دبرها" وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "هي اللواطة الصغرى" يعني وطء النساء في أدبارهن ثم رجعنا إلى تأويل قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فوجدنا الحرث يطلب به النسل ولا يكون ذلك إلا بالوطء في الفرج فالذي أبيح فيها هو ما يكون عنه النسل لا غير.

стр. 508

في تأديب الزوجة روي عن عاصم بن لقيط بن صبرة قال قدمت على رسول الله ﷺ أنا وصاحب لي فذكر صاحبي بذاءة امرأته وطول لسانها, فقال له رسول الله ﷺ : "طلقها" فقال: إنها ذات صحبة وولد, فقال: "قل لها فإن يكن فيها خير فستقبل ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك" يحتمل أنه أراد به يضربها ضربا دون ذلك لأن الضرب مباح بالآية وعن ابن عباس أن رجالا استأذنوا رسول الله ﷺ في ضرب نسائهم فأذن لهم, فسمع صوتا فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: أذنت للرجال في النساء, فقال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" وعن عمر أنه أراد أن يضرب امرأته في بعض الليالي فقام الأشعث وكان ضيفه فحجز بينهما فرجع ثم قال: يا أشعث احفظ عني شيئا سمعته من

стр. 509

رسول الله ﷺ لا تسأل رجلا فيما يضرب امرأته وعن النبي ﷺ : "اهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح" فعلم أن الضرب المنهي هو الضرب المبرح لا غير.

стр. 510

في وطء المسبية المشركة روي عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: أمر علينا رسول الله ﷺ أبا بكر فغزونا فزارة فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا فصلى بنا الغداة ثم أمر فشننا الغارة فوردنا الماء فقتلنا من قتلنا به ثم انصرف عنق من الناس فيهم النساء والذراري قد كادوا أن يسبقونا إلى الجبل فطردت بسهم بينهم وبين الجبل وعدوت فوقفوا حتى حلت بينهم وبين الجبل وجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها نسع من أدم معها بنت لها من أحسن العرب فسقتهم إلى أبي بكر فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوبا حتى قدمت المدينة فلقيني رسول الله ﷺ فقال لي: "يا سلمة هب لي المرأة" فقلت: يا نبي الله لقد أعجبتين وما كشفت لها ثوبا فسكت عني حتى كان من الغد لقيني فقال لي: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك" فقلت: والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله قال: فبعث بها رسول الله ﷺ إلى مكة فدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين في قوله: لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا, ما يدل على أن وطأها كان حينئذ يحل له لأنه لم ينكر عليه ذلك رسول الله ﷺ ولم يكن منها إسلام بدليل رد النبي ﷺ إياها للمشركين في المفاداة يؤيده أحاديث أبي سعيد في سبايا أوطاس لما سألوا رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" وقيل كان في غزوة بني المصطلق قبل أوطاس بسنتين في ست من الهجرة وكان هذا قبل نزول تحريم المشركات بقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وكن حلالا للمؤمنين مع ما هن عليه من عبادة الأوثان وإنما

стр. 511

حرمن عليهم عام الحديبية حين جاءت أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط مع نسوة مؤمنات إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر امرأتين مشركتين كانتا له فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية فبقاء عمر على المشركين حتى أنزل التحريم دليل على حل نكاح الوثنيات يومئذ فكما كان تزويجهن حلالا كان وطؤهن بالملك أيضا حلالا إلى أن حرم وطء المسبيات منهن ثم أنزل الله تعالى ما أحل من الكافرات وهو قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية وبقي ما عداهن على التحريم. ومنه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال أصبنا يوم أوطاس سبيا ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فاستحللناهن اختلفت الصحابة في المراد بهذه المحصنات فروى عن علي أنه المشركات إذا سبين حللن به. وقال ابن مسعود المشركات والمسلمات فتأول علي ﵁ في المستثنى من المحصنات أنهنن المسبيات المملوكات بالسبي وتأول ابن مسعود أنهن المملوكات بالسبي وبما سواه ومن أجله كان يقول بيع الأمة طلاقها تابعة جماعة من الصحابة وعن ابن عباس في تأويل هذه الآية قال: "لا يحل لمسلم أن يتزوج فوق أربع فإن فعل فهي عليه حرام مثل أخته وأمه" فالمحصنات على تأويله هذا هن الأربع اللائي يحللن للرجل دون من سواهن وعنه أنه قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هن ذوات الأزواج. فاحتمل أن يكون موافقا لعلي وأن يكون موافقا لابن مسعود ومعنى الحديث أن النساء اللاتي نزلت فيهن هذه الآية هن اللاتي سبين دون أزواجهن فأما المبيات مع أزواجهن فإنهن عندنا لا يبن بالسبي كذلك كان يقول

стр. 512

أبو حنيفة وأصحابه وإنما التفريق بتباين الدار وتباين لا بالسبي لأنهم لو خرجوا إلينا بأمان لكانوا على نكاحهم ولوخرجوا بذمة مراغمين لأهلهم متمسكين بأديانهم كانوا على نكاحهم وإن ملكناهم بوقوع أيدينا عليهم بذلك ولو جاءنا أحدهما كذلك وخلف صاحبه في دار الحرب انقطع النكاح الذي بينهما بذلك فالسبي لهما أو لأحدهما في الحمكم كذلك ولا عدة عليهن إذا سبين دون أزواجهن فوقعت الفرقة بينهن وبين أزواجهن وإنما على مالكيهن استبراؤهن على ما روي عن النبي ﷺ في السبايا من قوله: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض". وفيهن ذوات الأزواج وغيرهن وتلقته العلماء بالقبول اتفاقا وما روى في حديث أبي سعيد هذا من رواية أبي علقمة الهاشمي عنه أنه قال مكان فاستحللناهن أي هن لكم حلال إذا مضت عددهن يحتمل أن يكون من قول بعض رواته فكان ما أجمع عليه العلماء أولى من ذلك.

стр. 513

في نكاح العبد بغير إذن سيده روي عن النبي ﷺ من قوله: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" سمي عاهرا بالتزويج لأنه سبب لدخول الذي به يصير زانيا وإن كان لا يحد للشبهة ولهذا تجب العدة ويثبت النسب وهذا كما روى أنه سمى الأشياء التي يوصل بها إلى الزنا بالزنا فقال العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان والفرج يزني وفي بعض الآثار ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ونحوه ما روي أيما امرأة استعطرت ومرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية والله أعلم.

стр. 514

في كراهة التزوج على فاطمة عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن يكحوا إبنتهم علي بن أبي طالب

стр. 515

فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها" وروي عنه أن عليا خطب بنت أبي جهل فأتت فاطمة النبي ﷺ فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وإن عليا خطب ابنة أبي جهل فقال ﷺ : "إنما فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسؤها" وذكر أبا العاص ابن الربيع فأحسن عليه الثناء وقال: "لا يجمع بين بنت نبي الله وبين ابنة عدو الله". وفي حديث آخر ثم ذكر صهرا من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه قال: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا يجمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله مكان واحد أبدا" فاحتمل أن يكون علي ﵁ ظن عدم تأثر خاطر الرسول ﷺ من ذلك فلما تبين له كراهيته أضرب عنه وترك مرضاة نفسه لمرضاة الرسول ﷺ فحمد عليه أكثر من أبي العاصي لأنه ترك ما مالت إليه نفسه إيثارا وأبو العاصي ترك ذلك دون أن تميل إليه نفسه فكان حاله في ذلك دون حال علي وإنما لم يذكر عثمان مكان أبي العاصي لأنه كان نظير العلي لما لكل واحد منهما من السوابق التي ليست لأبي العاصي فذكره ليستوفي بذلك الحجة وهذا من أعلى مراتب الحكمة فيما خطب به مما أراد إسماع علي إياه ثم لما ترك علي ما هم به كان كأن لم يكن منه في ذلك شيء بل ازداد في رتبته وتمسكه برسول الله ﷺ وفي إيثاره إياه على نفسه وكيف يظن به غير ذلك وقد تقدم وعد الله فيه بما أنزله في كتابه ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ من إدخاله الجنة مع من ذكر معه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية وهو مما لا يلحقه نسخ إذ هو لا يلحق الأخبار بل الأحكام التي تحول من تحليل إلى تحريم وضده ثم كان منه ﷺ في غدير خم من قوله: "من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره" واخذل من خذله وذكر من فضائله كثيرا والله أعلم.

стр. 516

في الكحل للمتوفي في عنهاز وجها روي عن أم سلمة أن امرأة توفي عنها زوجها ورمدت وخشوا على عينيها فاستأذنوا النبي ﷺ في الكحل وذكروا أنهم يخشون على عينها فقال له قد كانت إحداكن تمكث في شربيتها في إخلاسها أو في إحلاسها في شربيتها فإذا كان حول مركلب فرمت ببعرة فلا أربعة أشهر وعشرة وفيما روى عنها أن ابنة النحام توفي عنها زوجها فأتت أمها إلى النبي ﷺ فقالت: إن ابنتي تشتكي عينها أفأكحلها فإني أخشى أن تنفقئ عينها, قال: "وإن انفقأت قد كانت إحداكن تمكث بعد وفاة زوجها حولا ثم ترمي من خلفها ببعرة" ففيه منع المعتدة من التكحيل مع خوف التلف وقد أباحه جميع أهل العلم للضرورة وفي اتفاثهم دليل على نسخ هذا الحكم إذ لا خفاء في عدم الخفاء على جميعهم ولا شك في عدم مخالفتهم الحديث الثابت فدل على أنهم اطلعوا على ناسخ بسببه تركوه إلى ما هو أولى منه ووجدنا في الآثار ما يدل على شيء من ذلك وهو ما روي عن أم حكيم ابنة أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها فتكتحل بكحل الحلاء فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الحلاء فقالت لا تكتحل إلا من أمر لابد منه فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار ثم قالت عند ذلك أم سلمة دخل على رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ " قلت: يا رسول الله إنما هو صبر ليس فيه طيب فقال: "إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب" قلت: بأي شيء امتشط يا رسول الله؟ قال: "بالسدر تغسلين به رأسك" ١ ففيه تجويز من أم سلمة تكحيلها عند الضرورة وهي قد سمعت ما يخالف ذلك فاستحال أن يكون إذنها إلا وقد علمت بنسخه من قبله ﷺ لأنها مأمونة على ما قالت كما كانت مأمونة على ما روت.

стр. 517

كتاب الطلاق في طلاق حفصة ... كتاب الطلاق فيه أحد عشر حديثا في طلاق حفصة روي عن عمر بن الخطاب "أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها" وعن ابن عمر قال دخل عمر على حفصة أختي وهي تبكي فقال لما يبكيك لعل رسول اله ﷺ طلقك أما أنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي وروى عن عقبة بن عامر "أن رسول الله ﷺ طلق حفصة فأتاه جبريل فقال: "راجعها فإنها صوامة قوامة" وعن أنس "أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة فآتاه جبريل فقال: "يا محمد طلقت حفصة وهي صوامة قوامة وهي زوجتك في الدنيا والآخرة" لا يقال: إنها زوجته في الدنيا والآخرة فكيف يظن أنه طلقها والحال أن الله تعالى لما خير أزواج النبي ﷺ وهي منهن واخترن الله ورسوله على الدنيا شكرهن على ذلك وحبسه عليهن وحبسهن عليه وجعل لهن أن يمن بعد موته كما كن يمن في حياته لأنهن محبوسات عليه لأنا نقول ما كان طلاقها طلاقا باتا قاطعا للوصلة ولهذا راجعها ولو لم يراجعها كان حكم الزوجية من الحرمة على الغير ووجوب نفقتها وكونها أم المؤمنين باقيا لا يخرجها الطلاق عن الزوجية كما لا يخرجها موتها عن ذلك.

стр. 518

في طلاق الحامل وحيضها روي عن ابن عمر قال: قيل للنبي ﷺ أن ابن عمر طلق امرته وهي حائض قال: "فليراجعها فإذا طهرت طلقها وهي طاهر أو حامل" استدل بهذا على أن الحامل لا تحيض لأن الإذن بالطلاق وهي طاهر أو حامل دل على أن الحامل لا تحيض قيل هذا فاسد لأنه لو كان كذلك لاستغنى بذكر

стр. 519

الطهر عنه فيكون قوله أو حامل فضلة لا فائدة فيه قلنا بل له فائدة وهو أن الطاهرة لا تطلق إلا أن تكون غير مجامعة في ذلك الطهر والحامل تطلق وإن جومعت في ذلك الحمل للأمن من الأعلاق بهذا الجماع حالة الحمل بخلاف ما إذا لم تكن حاملا فلما تباين حكم الطاهر الغير الحامل والتي لها حمل ذكرهما جميعا في الحديث فيكون معناه فإذا اطهرت طلقها وهي طاهر قبل أن يمسها أو حامل مسها فيه أو لم يسمها ومن الدليل على أن الحامل لا تحيض قوله ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض" يعني فيعلم بالحيض أنها غير حامل فلو كانت الحامل تحيض لم يعلم بحيض الحامل أنها غير حامل ولاستوى في ذلك الحيض والطهر وما روي عن عائشة أن الحامل تحيض روي عنها خلافه بأنها لا تحيض وهو الصح من جهة النقل والأولى ما دل عليه من السنة والقياس وروى ذلك عن عطاء والحسن البصري وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.

стр. 520

في قوله: "الحقي بأهلك " عن عائشة ﵂ أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ قالت أعوذ بالله منك فقال رسول الله ﷺ : "لقد عذت بمعاذ إلحقي بأهلك" قال الأوزاعي فنرى أن هذا القول تطليقة لأنها كرهت مكانه وطلبت فراقه فأراد به ﷺ الطلاق وفي حديث كعب لما أمر باعتزال امرأته قال له: أطلقها؟ قال: لا ولكن اعتزلها فقال لها: إلحقي بأهلك, ولم تصربه طالقا لأنه ما أراده وروى: أن أبا أسيد أتاه بها وأنزلها في موضع فخرج رسول الله ﷺ يمشي حتى انتهى إليها فأقعى وأهوى ليقبلها فقالت: أعوذ بالله منك فقال لها: "لقد عذت بمعاذ" وأمرني أن أردها إلى أهلها, وفي بعض الآثار فقال: "يا أبا أسيد اسكها رازقيتين وألحقها بأهلها" وإنما جاز لأبي أسيد حملها من عند أهلها ولي أهلها وليس من محارمها لأنه صلى الله عليه وسلم

стр. 521

لما تزوجها صارت أم المؤمنين وهو منهم فعادت بذلك محرما١ والرازقيتان يحتمل أن يكون تمتيعا منه لها فإن المطلقة قبل الدخول لها المتعة صمي لها صداق أم لا روى ذلك عن علي بن أبي طالب ويحتمل أن يكون تفضلا منه عليها لا تمتيعا. ومنه ما روي "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم ذكرت له امرأة من بني غفار فتزوجها فلما أدخلت عليه رأى ما بها وكان في كشحها بياض فكرهها ومتعها وقال: "الحقي بأهلك" فلحقت باهلها وروى "أنه أعطاها الصداق". فيه أن الخلوة الصحيحة كالدخول في إيجاب تكميل الصداق لأنه ترك مسيسها باختياره فقام مقام المماسة منه لها وإليه ذهب جماعة من وجوه الصحابة والخلفاء منهم عمر وعلي وقد روى عن زرارة بن أوفى أنه قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة ويروي عن زيد بن ثابت ما يدل أنه كان هذا مذهبه فإن قيل إنما قضى زيد لدعواها المسيس قلنا مجرد دعواها ليس بحجة لو لم تكن الخلوة موجبة ولا يعلم مخالف من الصحابة إلا ما روي عن ابن عباس من قوله إذا أنكح الرجل ففوض إليه فطلق قبل أن يمس فليس لها إلا نصف الصداق. وهو محتمل للتأويل وهو مذهب أكثر فقهاء الأمصار منهم أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والثوري ومتبعوهم فإن قيل هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ قيل الذين ذهبوا إلى تكميل الصداق أعلم بتأويل القرآن وفي خلافهم تجهيل لهم ونعوذ بالله من ذلك مع أن في اللغة يجوز تسمية من يمكنه إيقاع المسيس باسم المسيس وإن لم يمس كما سمي ابن إبراهيم أما إسحاق وإما إسمعيل ذبيحا وإن لم يذبح.

стр. 522

في متعة الطلاق روي عن أبي الزبير المكي أنه سأل عبد الحميد بن عبد لله بن أبي عمرو

стр. 523

ابن حفص عن طلاق جده أبي عمر وفاطمة بنت قيس فقال له عبد الحميد: طلقها البتة ثم خرج إلى اليمن فوكل عياش بن أبي ربيعة فأرسل إليها عياش ببعض النفقة فسخطتها فقال لها عياش: مالك من نفقة ولا سكنى فهذا رسول الله ﷺ فاسأليه فسألت رسول الله ﷺ عما قال فقال لها: "ليس لك نفقة ولا سكنى ولكن متاع بالمعروف اخرجي عنهم" فقالت: أخرج إلى بيت أم شريك؟ فقال لها: "إن بيتها يوطأ انقلي إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم الأعمى" قوله: "ولكن متاع بالمعروف" يحتمل أن يكون على الإيجاب وعلى الندب وكذا ما في القرآن من متع الطلاق يحتمل الإيجاب والندب مدخولا بها أو غير مدخول بها كما روي عن علي وهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية ويحتمل أن يكون على الإيجاب لبعضهن كما روي عن ابن عمر أنه كان يقول لكل مطلقة متعة إلاالتي تطلق ولم يدخل بها وقد فرض لها صداق فحسبها نصف ما فرض لها. والنظر يوجب عدم إيجاب المتعة للمدخول بها لأن الواجب بدلا من البضع يجب بالعقد لا بما سوى ذلك فإذا لم تجب المتعة بالعقد الذي لا طلاق بعده فأحرى أن لا تجب بالطلاق بعده واما المطلقات قبل الدخول فمن أهل العلم من رأى لهن المتاع واختلفوا في مقدارها فقال أبو حنيفة والثوري مقدارها نصف صداق مثلها من نسائها وهو قول حماد بن أبي سليمان ومنهم من لم يوجب لهن المتاع ولكن ندب لهن وهو قول مالك وإلا ولي إيجابها لأن التزويج لما وقع بلا تسمية صداق أوجب لها صداق مثلها كما أوجب ملك بضعها فلما طلق قبل الدخول سقط نصف الواجب عليه وبقي النصف كما كان عليه قبل ذلك من لزومه إياه وأخذه به كما إذا سمى لها صداقا ثم طلقها قبل دخوله بها زال عنه النصف وبقي النصف.

стр. 524

في ارتداد الزوجة روي "أن رسول الله ﷺ تزوج قتيلة أخت الأشعث وقيل بنته فارتدت مع قومها ولم يخيرها رسول الله ﷺ ولم يحجبها فبرأه الله منها بالارتداد فلم يضرب عليها الحجاب ولم يخيرها كما خير سائر نسائه" وروى أن عكرمة بن أبي جهل تزوجها بعد النبي ﷺ فقال له عمر: أن النبي ﷺ لم يحجبها ولم يقسم لها ولم يدخل بها وارتدت مع أخيها عن الإسلام وبرئت من الله ورسوله فلم يزل به حتى تركه. فأخرجها عمر من الزوجية بردتها إذ كانت لا تصلح معها أن تكون للمسلمين أما وروي عن عمر أنه وإن أخرجها من أزواج النبي لكنه فرق بينها وبين زوجها وضربه فقالت له: اتق الله يا عمر في إن كنت منهن فاعطني مثل ما تعطيهن قال: أما هنالك فلا, قالت: فدعني أنكح قال: ولا نعمة عين ولا أطمع في ذلك أحدا. فأخرجها بارتدادها من الزوجات لأن رسول الله ﷺ لم يدخل بها وما حجبها ولا خيرها فلم يخالف أبا بكر في أمر عكرمة إلا في القتل خاصة لا فيما سواه لأن في ذلك شبهة دخلت عليه فعذره بها ورفع عنه القتل من أجلها وفي هذا معنى من العلم لطيف وهو أن تلك المرأة كانت لها حقوق وعليها حقوق فبردتها أسقطت حقوقها من كونها محجوبة ومنفقا عليها فبطلت حقوقها فيما حاجت به عمر وبقيت الحقوق التي كانت عليها من ترك التزوج بغيره كالناشزة يبطل حقها من النفقة ولا يبطل عنها حق زوجها وإن كانت الناشزة بترك نشوزها يرجع حقها وهذا بالإسلام ما رجع حقها إليها لأنها لو لم تكن أسلمت ما طلبها عكرمة ومع هذا ما استحقت ما كان تستحق أزواج النبي ﷺ من حجبهن والإنفاق عليهن وذلك لأنها لما ارتدت كانت ممن منعه الله دخول

стр. 525

الجنة ولم تصلح أما للمسلمين وحقوق الأمومة لا ترجع بعد زوالها فلا تستحق في أموالهم نفقة كما تستحقها سائر أزواج النبي ﷺ بأمومتهن والناشزة إذا عادت غير ناشزة استحقت النفقة بالعصمة والمعنى في منع الناس من تزويج أزواج النبي ﷺ إبقاؤهن زوجات له في الآخرة يؤيده أن أم أبي الدرداء قالت لأبي الدرداء عند الموت: إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة قال: فلا تنكحي بعدي فخطبها معاوية فأخبرته بالذي كان, فقال: عليك بالصيام.

стр. 526

في الطلاق في الإغلاق روي أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق الإغلاق" أحسن ما قيل فيه أن الإغلاق هو الإطباق على الشيء فاحتمل بذلك عندنا أن يكون المراد به الإجبار الذي يغلق على المعتق وعلى المطلق حتى يكون منه العتاق والطلاق عن غير اختيار منه لهما ولا يكون ف يالعتاق مثابا ولا في الطلاق آثما إن أوقعه على صفة البدعة. فإن قيل فينبغي أن لا يقع طلاق المكره قيل أوقعناه بحديث أحسن منه في الإسناد وأعرف رجالا وأكشف معنى وهو ما روي عن حذيفة أنه قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمد؟ فقلنا: ما نريد إلا المدينة, فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال: "انصرفا نفي لهم بعهدهم ونسعتين بالله تعالى عليهم" فكان فيه اعتبار اليمين مع الإكراه كما في الطواعية.

стр. 527

في الحلف بطلاق من يتزوج روي عن النبي ﷺ من قوله: "لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا عتقا إلا من بعد ملك" اختلف في تأويله قال ابن شهاب إنما هو أن يذكر

стр. 528

الرجل المرأة فيقال له: تزوجتها فيقول: هي طالق البتة فهذا ليس بشيء وأما من قال أن تزوجت فلانة فهي طالق البتة فإنما طلقها حين يتزوجها أو قال هي حرة إن اشتريتها فإنما أعتقها حين اشتراها وإليه ذهب مالك ومن قال بقوله وجعله الشافعي في حكم طلاقه لمن لم يتزوج أو عتقه لمن لم يملك وذكر الاختلاف في ذلك عن الصحابة والتابعين ولما اختلفوا تأملنا ما توجبه الأصول المتفق عليها فوجدنا الرجل يقول كل ولد تلده مملوكتي هذه فهو حر فتحمل بعد ذلك بأولاد ثم تلدهم فيعتقون عليه وقد كان وقت التعليق غير مالك لهم لأنهم غير مخلوقين فروعي فيهم وقت الوقوع إلى وقت القول فكان نظيره في القياس أن لا يراعي الوقت الذي علق فيه بقوله فلانة طالق أن تزوجتها ويراعى وقت وقوعه ولا معنى لمراعاة ملك أمها لأن المعتق الولد لا الأم وقد قال رسول الله ﷺ لعمر لما استشاره في صدقته مما حصل له من سهام خيبر: "احبس الأصل وسبل الثمرة" فكان فيه ما دل على جواز العقود في الأشياء الحوادث الي لا يملكها عاقدوها وقت كلامهم فمثله ما يعقده الرجل على ما يملكه في المستقبل من المماليك وعلى ما يتزوجه من النساء ومثله أيضا ما أجمعوا عليه من تجويز التوكيل ممن تجب عليه كفارة ظهارا ويمين بابتياع رقبة يعتقها عنه فيفعل الوكيل ما أمر به يجوز عنه من الرقبة التي كانت عليه وقد كان التوكيل منه قبل أن يملكها فلم يضره ذلك فروعي وقت العتاق لا وقت التوكيل ومثله ما أجمعوا عليه في تجويز الوصية بثلث ماله فيكون ذلك عاملا في ثلث ما كان مالكا وما سيملكه إلى وقت الموت ولم يقتصر على ما كان يملكه يوم الوصية وتأملنا في قوله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" كما قال: "لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا عتق إلا من بعد ملك" ثم وجدنا قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ الآية فكان ما كان أن يفعلوا منهم بقولهم: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن ما قد أوجبه عليهم إذا آتاهم ما وعدوه فيه إذا آتاهم إياه وكان ذلك بخلاف من قولهم فيما

стр. 529

الرجل إن تزوجت فلانة فهي طالق يكون حكمه خلاف ما إذا قال: هي طالق لا يملكون فمثل ذلك قول ولم يقل إن تزوجتها فيلزمه إذا علق ولا يلزمه إذا نجز.

стр. 530

في طلاق العبد روي عن عمر بن معتب أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في رجل مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين فبانت منه ثم أنهما اعتقا بعد ذلك هل يصلح لرجل أن يخطبها فقال ابن عباس: نعم وقضى بذلك رسول الله ﷺ فهذا لا يصح الاحتجاج به لأن الراوي ممن لا يؤخذ مثل هذا عنه مع أن متنه مستحيل لان طلاق ذلك المملوك زوجته في رقهما لا يخلو إما إن يكون واقعا فقد حرمت عليه حرمة عليظة وإما أن يكون غير واقع لأن طلاق المملوك ليس بشيء عند ابن عباس الإباذن سيده محتجا بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ لكن لا معنى لارتجاعه لأنها زوجته حينئذ فلا سبيل لقبول هذا الحديث عنه فلساده في إسناده ومتنه وقد روى عن الراوي أن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة وطلقها تطليقة فبانت ثم أنهما أعتقا بعد ذلك هي يصلح للرجل أن يخطبها فقال ابن عباس: صح أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قضى في ذلك ولم يزد على هذا شيئا وهذا مما يدل على اضطراب هذا الحديث بحيث لا يحتج به وأما قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إنما هو فيما عدا الطلاق من الأموال المخولة للأحرار لا في الإبضاع لأن تزويج سيده إياه يبيح له فرج زوجته ويكون مالكا له قادرا عليه دون مولاه فلما كان البضع له كان تحريمه إليه دون مولاه واختلفت الصحابة سوى ابن عباس في طلاقه فجعله عمر وعلي بن أبي طالب على حكم النساء المطلقات كالعدة وجعله عثمان وزيد على حكم الرجال المطلقين وقال ابن عمر: أيهما رق نقص الطلاق برقه والعدة بعد ذلك على النساء ولم يتابعه أحد على قوله ثم قول عمرو على أولى لأن الحر أبيح له تزويج أربع
следующие страницы →