← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11816

المعتصر من المختصر من مشكل الآثار

جمال الدين الملطي

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

"نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد". وقال: "من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا بالصيد أو كلب ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" وقال: "من اقتنى كلبا لا يغني عنه في زرع ولا ضرع نقص من عمله كل يوم قيراطان" وروي: "قيراط" ورخص النبي ﷺ في ترك قتل ما أباح منها روي عنه أنه أمر بقتل الكلاب ثم قال "ما لي وللكلاب" ثم رخص في كلب الصيد وفي كلب آخر نسيه الراوي وروى عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ رافعا صوته بأمر قتل الكلاب قال: فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية. ولما وقفنا على اختلاف أحوال الكلاب في زمانه ﷺ في حال لكها مقتولة وفي حال بعضها وجب أن يحمل ما روي من نهيه في أثمانها على الحالة التي أبيح قتل كلها فيها لا قتل بعضها مع أنه روي استثناء ثمن كلب الصيد وفي معناه الكلاب التي يباح اتخاذها وقد اختلف أهل العلم فيه فطائفه ذهبت إلى تحريم أثمان الكلاب كلها وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان ما لا يحل الانتفاع به منها وإباحة أثمان غيرها وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وهو أولى القولين بالقياس لأن الكلب المأذون في الانتفاع به كالحمار الأهلي في جواز الانتفاع به وتحريم أكل لحمه فوجب أن يكون مثله في جواز بيعه.

стр. 597

في العهدة روي عن النبي ﷺ من اكتتابه في العهدة التي اكتتبها للعداء بن خالد بن هوذة في بيعه إياه عبدا أو أمة بيع المسلم المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة إلا دواء الأمراض والغوائل الأشياء التي يغتال بها المملوكون مالكيهم كالأياق والسرقة ومنه قتل الغيلة وقوله ﷺ : "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة" فسمي ما يطرأ على أولادهم من وطء أمهاتهم غيلا لأنه يأتيهم ذلك من

стр. 598

حيث لا يعلمون وأما الخبثة فقيل الشيء المذموم وهو سبي أهل العهد الذن لا يحل استرقاقهم وقيل هي الأشياء الخبيثة من قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً﴾ وكل مذموم خبيث وعلى العكس والأول أظهر لكونها أكثر فائدة لأن كل غائلة خبيثة وليس كل خبيثة غائلة وروي عن عقبة قال: جعل رسول الله ﷺ عهدة الرقيق ثلاثة أيام وروي لا عهدة بعد أربع وليس بالقوى ثم العهدة مأخوذة من العهد وهي الأشياء المتقدم فيها المطلوب ممن تقدم إليه فيها الوفاء بها منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ فالأولى بما روينا الحمل على العقد المشروط في البياعات من الخيارات المشترطات فيها فتكون مدته ثلاثة أيام لا فوقها كما يقول أبو حنيفة وزفر والشافعي وأما قول أهل المدينة بأن العهدة موت المبيع وما ظهر في بدنه في ثلاثة أيام أوفى ستة فقد كان عطاء وطاؤس ينكران ذلك وقال شريح عهدة المسلم لأداء ولا غائلة ولا شين ولما لم نجد في الحديث غير ما ذكرنا التمسنا حكمها من طريق النظر فوجدنا الرجل إذا باع العبد أو الجارية وسلمها إليه فأراد أن يمنع البائع من ثمنها لم يكن له ذلك بإجماع فكان ذلك دليلا أنه لم يبق له شيء مما يوجبه البيع عليه إذ لو بقي شيء من خيار أو من غيره لكان له منعه إياه وفي إجماعهم على عدم المنع دليل على أنه لم يبق عليه حق بحكم البيع الذي تعاقداه من عهده ولا غيرها.

стр. 599

كتاب الإجارات وفيه ثلاثة أحاديث روي أبو هريرة عن النبي ﷺ "أنه نهى عن عسب التيس وكسب الحجام وقفيز الطحان" معنى النهي عن قفيز الطحان على ما كان يفعله أهل الجهل من دفع القمح إلى الطحان ليطحنه بقفيز من دقيقه الذي يطحنه

стр. 600

له فكان ذلك استئجارا بما ليس عند المستأجر لأن دقيق قمحه ليس عنده وقت العقد فدل أن الاستئجار لا يكون بما ليس عند المستأجر يوم يستأجر كبيع ما ليس عنده يوم بيع والابتياع بما ليس عند المشتري مما ليس معناها معنى الأثمان كالدراهم والدنانير والمكيل والموزون الذي قد يكون دينا في الذمة وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطها أحد قبلكم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله جنته كل يوم ويقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك وتصفد مردة الشياطين فلا يصلون فيه إلى ما يصلون في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة" قيل: يا رسول الله في ليلة القدر قال: "لا ولكن العام إنما يوفى أجره عند انقضاء عمله" وفيما روى أبو هريرة قال: "اعطوا الأجير أجره من قبل أن يجف عرقه" وروي عنه أنه قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره" وروي عن علي أنه قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بجلالها وخطمها ولا يعطى الجزار منها شيئا ونحن نعطيه من عندنا" في هذه الآثار ما يوضح أن الأجير إنما يعطى أجره على عمله بعد فراغه منه وروى عن ابن مسعود قال كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله ﷺ فقال لي: "يا غلام هل من لبن؟ " فقلت: نعم ولكني مؤتمن, فقال: "هل من شاة لم ينز عليها الفحل" فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقي أبا بكر ثم قال للضرع: "أقلص" فقلص, ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمي من هذا القول فمسح برأسي ثم قال: "يرحمك الله فإنك غلام معلم" قال: فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعينها بشر يحتمل أنه ﷺ ظن أن الغنم لابن مسعود بظاهر يده عليها

стр. 601

فسأله ليشتري منه اللبن فلما أخبره أنه مؤتمن عليها سأله شاة لم يصبها فحل ليريه في ذلك آية معجزة تقوم له بها الحجة عليه وعلى غيره وفي ذلك منفعة لصاحب الشاة بتلبين ضرعها فلم يكن له في اللبن حق لأن الله تعالى جعله في ضرعها حينئذ من غير ملك وقع عليه لمالكها فلذلك شربه ﷺ وسقاه أبا بكر وقوله: إني مؤتمن صحيح اتفاقا لأنه أجير خاص والخلاف في الأجير المشترك فيجعله بعضهم أمينا وبعضهم ضمينا وقوله: ما نازعنيها بشر يريد ما شراكني فيها بشر لأن المنازعة قد تكون على المشاركة ومن ذلك قول رسول الله ﷺ لما علم أن ناسا قرأ وأخلفه في الصلاة "إني أقول مالي أنازع القرآن" أي أشارك في القرآن الذي أقرؤه في صلاتي وكانت تلك السبعون سورة لم يشاركه أحد في أخذه إياها عن النبي ﷺ من شركه فيه وهذا معنى قوله لأن النبي ﷺ قد بدأ بابن مسعود فيمن أمر أن يؤخذ القرآن عنهم وبالله التوفيق.

стр. 602

المجلد الثاني كتاب الأقضية ما جاء في كراهية القضاء لمن ضعف عنه ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الأقضية فيه سبعة وعشرون حديثا ما جاء في كراهية القضاء لمن ضعف عنه عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيتك فإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحدا وإن سقط سوطك ولا تؤتين أمانة ولا تولين يتيما ولا تقضين بين اثنين". محمل النهى فيه رؤيته ﷺ إياه ضعيفا عن القيام بمواجب القضاء وولاية اليتيم والأمانة يبينه ما روى قوله ﷺ له: "أني أراك ضعيفا فلا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم" وما روى أنه قال: قلت لرسول الله ﷺ : ألا تستعملني فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" وسؤاله ذلك مكروه له روى عن عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك أن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها.

стр. 603

في قضاء الغضبان عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان" ولا يعارضه ما روى عن

стр. 604

النبي ﷺ من الحكم في وقت غضبه بين الزبير وخصمه الأنصاري لما احفظه بقوله: أن كان ابن عمتك لأنه ﷺ معصوم محفوظ عليه أمره فخلقه العدل في الغضب والرضا بخلاف غيره وكان رسول الله ﷺ أشار على الزبير برأي فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظه الأنصاري استوعب للزبير حقه في صريح الحكم وقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر قال الزبير: ما احسب هذه الآية نزلت الا في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية قال ابن وهب الجدر الأصل وليس هذا بخلاف لما روى أن رسول الله ﷺ قضى في مهزوروادى بني قريظة أن الماء إلى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل إذ قد يحتمل أن يكون هذا وما يبلغ إلى الكعبين من الماء مثل الذي يبلغ الجدر منه فلما استويا جميعا ذكره مرة بهذا ومرة بهذا وهذا أولى ما حمل عليه دفعا للتضاد والتنافي.

стр. 605

في عقوبة الإمام بانتهاك ماله روى أن النبي ﷺ قال في النفر الذين قتلوا الراعي واستاقوا اللقاح إلى أرض الشرك١: "عطش من عطش آل محمد في هذه الليلة" ثم بعث في طلبهم فأخذوا فقطع رسول الله ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فيه دليل على أن اللقاح المستاقة كانت لرسول الله ﷺ لا من الصدقة لأن الصدقة كانت حراما على رسول الله ﷺ وعلى سائر بني هاشم وآله الذين دعا الله أن يعطش من عطشهم بنابه٢ وإقامة العقوبة على من جنى على مال الحاكم من خواصه ﷺ بخلاف غيره من الأئمة والحكام لا يجوز لهم أن يقيموا عقوبة على من فعل في أموالهم ما يوجب تلك العقوبة بالبينات إذ ليس لهم أن يحكموا بتلك الأموال لأنفسهم ولهم أن يحكموا بالإقرار على منتهكي ذلك من أموالهم فيقوموا بها العقوبات ويتملكون بها الأموال لأنفسهم وذلك لأن ما كان يفعله صلى الله

стр. 606

عليه وسلم يفعله وحيا من الله تعالى فالحاكم هو الله والقائم به بأمره هو رسوله فإليه أن يفعل ذلك بالبينات والإقرارات جميعا ومثله ما كان من أبي بكر ﵁ في الأطلس الذي كان منه في بيت أسماء زوجته ما كان فقطعه باعترافه إذ لو كان بالبينة لما قطعه كما لو كان المسروق له لأن متاعها كمتاعه دل عليه قول عمر ﵁ لعبد الله بن عمر ولما جاءه بغلامه فقال: أن هذا سرق شيئا لامرأته لا قطع عليه خادمكم سرق متاعكم ولهذا لا تجوز شهادته لزوجته.

стр. 607

في حكمه ﷺ في القصعة المكسورة عن أم سلمة أنها جاءت بطعام في صحفة لها إلى النبي ﷺ وأصحابه فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة قال: "كلوا غارت أمكم" مرتين ثم أخذ رسول الله ﷺ صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة وأعطى صحفة أم سلمة لعائشة. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعة فيها طعام فضربت يد الخادم فسقطت القصعة فانفلقت فأخذ النبي ﷺ فضم الكسرتين وجعل يجمع فيها الطعام ويقول "غارت أمكم" وقال للقوم: "كلوا" وحبس الرسول حتى جاءت الأخرى بقصعتها فدفع القصعة الصحيحة إلى رسول التي كسرت قصعتها وترك المنكسرة للتي كسرت. وروى أنه سئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ قالت: أما تقرأ القرآن قلنا: على ذلك حدثينا عن خلقه قالت: كان عنده أصحابه فصنعت له حفصة طعاما فسبقتني حفصة فأرسلت مع جاريتها

стр. 608

بقصعة فقلت لجاريتي: أن أدركتها قبل أن تهدي بها فأرمي بها فأدركتها وقد اهتدت بها فرمت بها على النطع فانكسرت القصعة وتبدد الطعام فجمع رسول الله ﷺ الطعام فأكلوه ثم وضعت جاريتي القصعة بالطعام فقال لجارية حفصة: "خذي هذا الطعام فكلوا واقبضوا الجفنة مكان ظرفكم" قالت: ولم أروجهه ولم يعاقبني قال الطحاوي: قد عدنا بعض الناس راغبين عن هذه الأحاديث تاركين لها إلى ضدها في قولنا: أنه يقضي ما عدا المكيل والموزون بقيمته وليس ذلك كما توهم لأن الصحفتين جميعا كانتا له في بيته وزوجتاه من عياله فحول الصحفة الصحيحة إلى بيت التي كسرت صحفتها والمكسورة إلى بيت الكاسرة فلا تكون حجة علينا بل الحجة لنا بإجماع أهل العلم على أن من اعتق عبدا مشتركا وهو موسر عليه قيمة نصيب شريكه لا نصف عبد مثله وكذا إلا حجة علينا في إيجاب الإبل في قتل الخطأ والغرة في الجنين إذ ليس شيء من ذلك مثلا للمتلف وإنما ذلك تعبدي لزم الانقياد إليه وما روى من إجازة القرض في الحيوان كان قبل تحريم الربا فهو منسوخ ومن لم يره منسوخا يلزمه منع استقراض الإماء مع حملهم الحديث على عمومه بقياسهم على البعير المذكور في الحديث جميع الحيوان فيجوز حينئذ القرض في الإماء ويحل للمستقرض الوطء لأن الأمة تخرج بالاستقراض من ملك المقرض إلى ملك المبتاع فيجوز له الوطء فيها واستقالة بايعها منها فإن قيل: قد أجزتم النكاح على أمة وسط فيلزمكم جواز بيع الدار بأمة وسط قلنا لما جعلوا في جنين الحرة الذي ليس بمال غرة وفي جنين الأمة الذي هو مال قيمة وإن اختلفوا فيها فعند مالك والشافعي نصف عشر قيمة أمه وقال أبو يوسف: ما نقص أمه كجنين البهيمة إذا ضرب بطنها فالقته ميتا وقال أبو حنيفة ومحمد: إن كان أنثى ففيه عشر قيمته لو كان حيا وإن كان ذكرا فنصف عشر قيمته لو كان حيا عقلنا بذلك إن ما هو مال لا يجوز استعمال الحيوان فيه وما ليس بمال جاز استعماله فيه فلذلك جوزنا التزويج على الحيوان ومنعنا الابتياع به إذا كان في الذمة وإن قلنا: أن القصاع

стр. 609

كانت لأمهات المؤمنين بظاهر إضافتها إليهن فالأحاديث حجة لمالك فيما روى عنه من القضاء بالمثل فيما قل من العروض ولا حجة فيه لمن جوز حكم الحاكم لإحدى زوجتيه على الأخرى لأنه ﷺ ليس كغيره ممن تلحقه التهم.

стр. 610

في الاجتعال على القضاء عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه أن عمر قال: لا نأخذ على شيء من حكومة المسلمين أجرا وروى عن عمر ما يخالفه عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر على الصدقة فلما أديتها إليه أعطاني عمالتي فقلت: أنما عملت لله وأجري على الله فقال: خذ ما أعطيتك فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا أعطيتك شيئا من غير أن تسأل فخذ وتصدق" وخرج في هذا المعنى آثار كثيرة والأولى إباحة الاجتعال استدلال بقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ لقيامهم بتحصيلها لأهلها وإن كانوا أغنياء ومثله الإجتعال على ولاية أثغار المسلمين لحفظها ودفع من حاول البغي عليهم فإنه أطلق للولاة عليها من بيت المال ومثله الجعل لجندهم التي لا تقوم ولاتهم لها إلا بهم وكذلك ولاة خراج المسلمين في جمعه وحفظه على الوجوه التي يجب صرفه فيها وإذا كان الأمر كذلك فيما ذكرنا كان من يتولى حكومات المسلمين وفصل خصوماتهم ويخلص حقوق بعضهم من بعضهم ويمنع الظالم من مظلومهم يجوز له الاجتعال على ذلك من أموال المسلمين أيضا.

стр. 611

في الرشوة عن ثوبان قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش وروى عنه والرائش الذي يمشي بينهما أخذ ذلك الريش التي تتخذ للسهام التي لا تقوم إلا بها وذلك في الحكم يبينه حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ لعن الراشي والمرتشي في الحكم ولا يدخل

стр. 612

في ذلك من رشى ليصل إلى حقه الممنوع عنه وأما المرتشي منه ليوصله إلى حقه داخل في اللعن ومما يدل عليه ما روى عن جابر بن زيد ما وجدنا في أيام ابن زياد وفي أيام زياد شيئا هو أنفع من الرشا أي أنهم كانوا يفعلون ذلك استدفاعا للشر عنهم.

стр. 613

في استحلاف المطلوب روى عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فسأل رسول الله ﷺ الطالب البينة فلم يكن له بينة فاستحلف المطلوب بالله الذي لا إله إلا هو فقال رسول الله ﷺ : "أنك قد فعلت ادفع حقه وسيكفر عنك لا إله إلا الله ما صنعت" لا يعارضه حديث: "من اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه النار" لأن هذا فيمن حلف والأمر عنده على ما حلف عليه لأنه ذهب عنه ما كان تقدم منه فيه ثم أعلمه رسول الله ﷺ أنه قد كان منه غير ما حلف عليه وأمره أن يدفع حق غريمه ثم أعلمه أن يكفر عنه ما كان منه من الحلف بتوحيد الله. لا يقال فعلى هذا فيه للكفارة موضع إذ لم يكن عاصيا لأن الكفارة قد تكون فيما لا إثم فيه كما في قوله ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" وفي حديث آخر: "لا كفارة لها إلا ذلك" وكما في قتل الخطأ قال القاضي: ويحتمل أنه ﷺ أمره أن يتوب ويستغفر الله ويدفع إلى الخصم حقه ويكفر عنه الذنب الاستغفار والتوبة الذي لا يصح إلا من مؤمن يقر بأن الله لا إله إلا هو وفيما روى عن النبي ﷺ قوله: "يمينك على ما صدقك عليه صاحبك أو يمينك على ما صدقك فيها صاحبك" وهذا في دعوى يسع المدعي دعواه إياها على من يسعه جحوده إياها كمثل رجل ينقلب على مال رجل في نومه فيتلفه غير عالم لذلك من معاينة صاحب المال ذلك منه في ماله فيكون في سعة من دعواه الواجب له في ذلك والمدعى

стр. 614

عليه النائم في سعة من دفعه عن نفسه لأنه لا يعلم وجوب ذلك عليه وفي سعة من حلفه على ذلك غير أن الفرض عليه في ذلك أن تكون يمينه في الظاهر كهي في الباطن لا تدريك فيها منه وكان ذلك بخلاف ما يدعى عليه مما يعلم في الحقيقة أنه مظلوم فيما يدعى عليه من ذلك ويكون في سعة من تدريك يمينه على ذلك إلى ما لا يكون عليه في حلفه على ذلك إثم كمثل ما روى عن سويد بن حنظلة مما كان منه في وائل ابن حجر في حلفه أنه أخوه لما طلبه عدوه ليقتله ومن تناهى ذلك إلى رسول الله ﷺ وتصديقه سويدا على ذلك روى عنه أنه قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج الناس أن يحلفوا له وحلفت أنه أخي فخلا عنه فقال رسول الله ﷺ : "صدقت المسلم أخو المسلم" وحمده على ذلك ووسع له أن يحلف على ما يدفع به عن وائل بن حجر فكان تصحيح الحديثين على هذا دفعا للتضاد.

стр. 615

في اقتطاع الحق باليمين قال ابن أبي مليكة: كنت عاملا لابن الزبير على الطائف فكتبت إلى ابن عباس أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت حرير لهما فأصابت أحداهما يد صاحبتها بالأشفى فخرجت وهي تدمى وفي الحجرة إحداث فقالت: أصابتني فأنكرت ذلك الأخرى فكتب إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى أن اليمين على المدعي عليه ولو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعى ناس دماء ناس وأموالهم فادعها فاقرأ عليها هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فقرأت عليها الآية فاعترفت فبلغ ذلك ابن عباس فسره وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ : من حلف على يمين يقتطع بها مال مسلم لقي الله وهو عليه غضبان قال الأشعث بن قيس: في نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية كان بيني وبين رجل مداراة في أرض فأتيت النبي ﷺ فقال: "بينتك" فقلت: ليس لي بينة قال: "فيحلف" قلت: إذن يذهب بها فنزلت هذه الآية.

стр. 616

وروى عن عدي أنه قال: أتى رجلان يختصمان إلى النبي ﷺ في أرض فقال أحدهما: هي لي وقال الآخر: هي لي حزتها وقبضتها فقال: "فيها اليمين للذي بيده الأرض" فلما تفوه ليحلف قال له رسول الله ﷺ : "أنه من حلف على مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" قال: فمن تركها؟ قال: "كان له الجنة". وفي حديث مخاصمة الكندي والحضرمي في الأرض التي زعم الحضرمي أن أبا الكندي غصبها منه وقوله ﷺ للحضرمي: "هل لك بينة"؟ قال: لا ولكن يحلف يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو ما يعلم أنها أرضي اغتصبتها فتهيأ الكندي لليمين فقال ﷺ : "أنه لا يقطع رجل مالا بيمينه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم" فردها الكندي وفي مخاصمة وائل بن حجر امرأ القيس بن عابس وربيعة إلى النبي ﷺ وقوله للطالب منهما: "بينتك" وقوله لما قال في يمين المطلوب: "إذن يذهب بها ليس لك إلا ذلك" ففي هذا كله قيام الحجة عن رسول الله ﷺ بوجوب البينة على المدعي وبوجوب اليمين على المدعى عليه وروى عنه ﷺ قال: "إيما رجل حلف على مال كاذبا فاقتطعه بيمينه فقد برئت منه الجنة ووجبت له النار" قيل: وإن كان قليلا قال: فقلب مسواكا بين أصابعه فقال: "وإن كان مسواكا من أراك وإن كان عودا من أراك" الاقتطاع هو أن يغصب شيئا وكان للمغصوب أن يطالب به غاصبه وكان على الحكم أن لا يحول بين المدعي والمدعى عليه حتى يعينه على الذي يدعى عليه ويحلف وإذا حلفه خلى بين المطلوب وبين ذلك الشيء حتى يتصرف فيه كيف يشاء ويكون بذلك مقتطعا وإن نكل يستحقه المقضي له على المقضي عليه بذلك وهو قول أبي حنيفة والثوري ومن تبعهما وقال بعض يحلف المدعى ثم يقضي به عليه وكان قبل النكول لا يستحقه وإنما استحقه بذلك بعد نكون الغاصب عن اليمين فقد أجمعوا على أن النكول عن اليمين حجة للمدعي على المدعى عليه إذ ثبت كونه حجة كان

стр. 617

المعقول أن لا يسأل معها حجة أخرى مع الإقرار والبينة فالحق أن يقضي بالنكول الذي هو حجة ولا يكلف إقامة أخرى سواها كما لا يكلف إقامة حجة مع الإقرار ومع البينة يؤيده قضاء عثمان في امرأة أمرت وليدة لها أن تضطجع عند زوجها فحسب أنها جاريته فوقع عليها وهو لا يشعر فقال عثمان: احلفوه لما شعر فإن أبى أن يحلف فارجموه وإن حلف فاجلدوه مائة جلدة واجلدوا امرأته مائة جلدة واجلدوا الوليدة الحد فحكم عثمان في هذا الحديث للنكول بحكم الإقرار ولا نعلم له مخالفا من الصحابة ولا منكرا عليه منهم إياه وفي ذلك ما قد شد ما وصفناه.

стр. 618

في التحلل من الدعاوى روى أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض قد هلك أهلها وذهب من يعملها فقال ﷺ : "إنما أنا بشر ولم ينزل على فيه شيء ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فمن أقطع له قطعة من مال أخيه ظلما جاء يوم القيامة اسطاما من نار في وجهه" فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما يا رسول الله: حقي له فقال ﷺ : "اذهبا فأقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" المراد من التحلل هنا هو التحلل في الانتفاع لا في تمليك رقبة الأرض ألا ترى أن رجلا لو قال: احللتك من دارى التي في يدك أو من عبدي لم يملك المحلل له بذلك شيئا من رقبة العبد والدار وكذا لا يمكن التحليل بطريق البيع لجهلهما بمقدار المبيع فلذلك أمرا بما يقدران عليه من التحلل بالانتفاع الذي ينتقلان به من حال التحريم إلى حال التحليل وروى عن أبي هريرة أن رجلين ادعيا دابة ولم يكن لواحد منهما بينة فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين. وروى عنه أنه اختصم قوم إلى النبي ﷺ فأمرهم أن

стр. 619

يحلفوا فأسرع الفريقان في اليمين فأمرهم النبي ﷺ أن يقرع بينهم أيهم يحلف لما كان كل واحد من الخصمين عاد مدعيا على صاحبه دعوى توجب عليه اليمين استويا فلم يقدم واحد منهما في اليمين كراهية الميل إلى أحدهما لأن من سنته ﷺ التعديل والتسوية بينهما فلذلك رد أمرهما إلى الإقراع ليقدم من خرج سهمه كما أقرع بين نسائه عند السفر وهكذا ينبغي للحكام أن يفعلوه إذا تشاح الخصوم في التقدم إليه.

стр. 620

في الحكم بالاجتهاد روى أن رسول الله ﷺ كان فيما يأمر به الرجل إذا ولاه على السرية: إن أنت حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا ولكن أنزلهم على حكمك فيه أن الاجتهاد في محل لا يكون نص أو إجماع سائغ وإن كنا لا ندري حكم الله تعالى فيه في الواقع وأنه مفروض علينا العمل به لاحتمال الصواب إذ لا يكلفنا الله بما لا نطيق لذلك نهى رسول الله ﷺ عن الإنزال على حكم الله إذ لا يدري أيصيبه أم لا وأمرنا أن ننزلهم على حكم الاجتهاد أصاب الحق أم أخطأ ومثله ما كان من أمر بني قريظة الذين نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم أن يقتل رجالهم وتسبى نساءهم وذراريهم وتقسم أموالهم فقال له رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم يحكم الله ورسوله". فإن سعدا حكم فيهم باجتهاده قبل أن يعمل ما حكم الله فيهم فحمد رسول الله ﷺ ذلك منه. وإذا كان واسعا في الدماء والفروج فهو في الأموال أوسع قيل: كل مجتهد مصيب لقوله ﷺ جوابا بمعاذ لما قال: اجتهد رأيي: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى رسوله وما أرضى رسوله فقد أرضى الله

стр. 621

ويستحيل أن يرضى بالخطأ وهذه مسألة أصولية لا يصح الاحتجاج فيها بأخبار الآحاد ولا بالظواهر المحتملة.

стр. 622

القضاة ثلاثة روى عنه ﷺ قوله: "القضاة ثلاثة فقاضيان في النار وقاض في الجنة فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار ورجل لم يعرف الحق فيقضي بين الناس على جهل فهو في النار" لا يقال القاضي بالحق هو الذي وقف على الحكم عند الله فلا يجوز استعمال اجتهاده لأنه قد يصيب الحق به وقد يخطئ لأنا نقول في قوله ﷺ : "إذا اجتهد فأخطأ فله أجر" دليل على أن له أن يجتهد فيما لا نص فيه ولا إجماع وأن اخطأ الحق فعلمنا به أن الحق الذي عناه بقوله عرف الحق فقضى به هو الحق الذي أدى إليه اجتهاده أصاب الحق في الواقع أم لا لأن الله تعالى لا يكلفنا مالا نطيق وقد كلفنا بالقضاء بالاجتهاد الذي فيه إصابة الحق عند الله وقد يكون معه التقصير عنه يؤيده قصة داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث وقوله تعالى: ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ وكذا حديث معاذ حين بعثه إلى اليمن مع ما روى عن رسول الله ﷺ أن سليمان سأل ربه أن يؤتيه حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه إذ لو كان مصيبا له على كل حال لما سأل ربه وكذا روى عن عمر أنه كتب بقضية إلى عامل له فكتب هذا ما أرى الله عمر فقال: امحه واكتب هذا ما رأى عمر فإن يك صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر وروى عن ابن مسعود في رجل مات عن امرأة لم يسم لها صداقا ولم يدخل بها قال: أقول فيها برأيي فإن يك خطأ فمن قبلي وإن يك صوابا فمن الله وفيما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: اتهموا الرأى على الدين. وعن أبي وائل سمعت سهل بن حنيف يوم الجمل ويوم صفين يقول اتهموا رأيكم فقد رأيتني يوم أبي جندل ولو استطعت أن أرد أمر رسول الله

стр. 623

صلى الله عليه وسلم لرددته دليل على أن الرأي قد يصاب به الحق حقيقة وقد يكون فيه التقصير عنه وإن كان مجتهده محمودا في الاجتهاد لأنه استفرغ جهده في طلب الحق يدل عليه قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر" وهذا قول محققي الفقهاء فأما من دخل في الغلو حتى قال: إذا حكم بالاجتهاد ومعه الآلة التي بها تتم أهلية الاجتهاد فقد حكم بالحق الذي لو نزل القرآن ما نزل إلا به فنعوذ بالله من قائله وهو محجوج بما لا يستطيع دفعه منهم إبراهيم بن اسماعيل ابن علية قال أبو جعفر بن العباس: لما بلغني هذا القول عنه أتيته في يومي فذكرت ذلك لآخذ عليه أنه قد قاله فقال لي: قد قلته فقلت له: هل استعملت رأيك في مسألة من الفقه واجتهدت فيها غاية الاجتهاد الذي عليك فيها ثم تبين بعد ذلك أن الصواب في غير ما قلت فقال: نعم نحن في هذا أكثر نهارنا قال: فقلت له: فأي القولين الذي لو نزل القرآن ما نزل إلا به؟ في تلك الحادثة؟ الأولى أو الثانية قال فانقطع والله في يدي أقبح انقطاع وما رد على حرفا وقد أجاد أبو جعفر في ذلك وأقام لله حجة من حججه على من خرج عنها وغلا الغلو الذي كان فيه مذموما.

стр. 624

في التحكيم عن عمر قال: إذا كان في سفر ثلاثة فليؤمروا أحدهم فذلك أمير أمره رسول الله ﷺ وفيما روى عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان ثلاثة فليؤمروا أحدهم" قال نافع: فقلت لأبي سلمة: فأنت أميرنا في هذين الحديثين أن الأمير المؤمر من جهة الناس كالأمراء من جهة ولي الأمر في وجوب السمع منهم والطاعة لهم وإذا كان ذلك في الأمرة فالقضاء مثله كما إذا حكم المتنازعات حكما بينهما كان حكمه عليهما كحكم الحاكم الذي جعله الإمام حاكما وهذه مسألة متنازع فيها فمذهب فقهاء المدينة وابن أبي ليلى والشافعي في قول أنه ليس للحاكم المرفوع إليه

стр. 625

حكم الحكم أن يبطله إلا أن يكون خارجا من أقوال أهل العلم جميعا ويمضيه كما يمضي حكم من قبله من القضاة ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن للقاضي المرفوع إليه حكم الحكم أن يرده إذا لم يوافق رأيه وإن وافق رأيه أمضاه والحق هو القول الأول لإجماعهم أن ليس لواحد من الخصمين الرجوع عما حكم به الحكم بينهما قبل أن يرتفعا إلى القاضي وإذا كان لزمهما قبل ارتفاعهما إلى القاضي أن يمضيه وينقضه إلا بما ينقض به أحكام القضاة إذ سبيل الحكام فيما تناهى إليهم مما قد لزم من الأحكام سد إبطاله.

стр. 626

في القضاء على الغائب كان رسول الله ﷺ يقول "إذا خاصم الرجل الآخر فدعا أحدهما صاحبه إلى الرسول ليقضي بينهما فأبى أن يجئ فلاحق له"، حكى عن هلال في معناه أن من حق الرجل إذا ادعى عليه وهو غائب أن يبعث إليه حتى يسمع منه إقراره أو حجته ثم يفعل فإن دعى ولم يجب ذهب ذلك الحق منه ووجب أن يقيم الحاكم له وكيلا مقامه ثم يسمع بينة المدعى ويقضي بها بعد التعديل كما يقضي بها في حضوره غير أنه يجعله على حجته وهذه مسئلة فقهية مختلف فيها فإقامة الوكيل في غيبته والحكم بطريقه مذهب أبي يوسف وأكثر البصريين وعدم الحكم حتى يحضر المدعى عليه مذهب الإمام أبي حنيفة ومحمد ومنهم من قال: يسمع البينة في كل شيء سوى العقار فلا يسمعها فيه حتى يحضر وهو مذهب مالك ومنهم من قال: يسمع البينة في كل شيء ويقضي عليه ويجعله على حجته وهو مذهب الشافعي ولما اختلفوا وجدناهم مجمعين أن لو كان حاضرا فامتنع من الجواب أن الحاكم لا يخلي بينه وبين ذلك ويلزمه بالجواب عما ادعى عليه خصمه ولا يسمع بينة عليه وإن أحضرها خصمه لتشهد له على دعواه عليه حتى يكون منه الجواب الذي يحتاج من بعده إلى بينة وإذا كان ذلك في حضوره وجب أن يكون كذلك في مغيبه

стр. 627

في وجوب طاعة الإمام إذا أمر بإقامة الحد عن أبي برزة الأسلمي قال: كنا عند أبي بكر الصديق في عمله فغضب على رجل من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا قال: فلما رأيت ذلك قلت يا خليفة رسول الله أضرب عنقه فلما ذكرت القتل انصرف عن ذلك الحديث أجمع فلما تفرقنا ارسل إلي بعد ذلك فقال: يا أبا برزة وما قلت ونسيت الذي قلت قلت ذكرنيه قال: أما تذكر يوم قلت كذا وكذا أكنت فاعلا ذلك قلت نعم والله إن أمرتني فعلت قال: ويحك أن تلك والله ما هي لأحد بعد محمد ﷺ يعني ليس لأحد من الولاة بعد رسول الله ﷺ أن يؤتمر له في أمره بالقتل حتى يعلم الأمور استحقاق المأمور بقتله ذلك وروى عنه أن رجلا سب أبا بكر فقلت ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله فقال: ليست هذه لأحد بعد رسول الله ﷺ فعلى هذا يكون المراد ليس لأحد أن يأمر بالقتل لسب سبه سوى رسول الله ﷺ لأن من سبه يكفر ويحل دمه ومن سب من سواه من ولاة الأمور بعده فالذي يستحقه على ذلك الأدب لا يخرجه ذلك عن الإسلام إلى الكفر وقد اختلف العلماء في أمر الحاكم بالقتل هل يسع امتثاله إذا كان الحاكم عدلا أم لا فكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون أنه يسعه غير أن محمد رجع عنه وقال: لا يسعه حتى يشهد عنده ثلاثة عدول وهذا لا معنى له إذ ليس المأمور بحاكم فيشهد عنده فتعين القول الأول إذ ليس في الباب غير هذين القولين يؤيده ما روى أن رسول الله ﷺ استعمل علقمة بن مجزز المدلجي على جيش فبعث سرية واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان رجلا فيه دعابة وبين أيديهم نار قد أججت فقال لأصحابه: أليست طاعتي عليكم واجبة فقالوا: بلى قال: فاقتحموا هذه النار فقام رجل فاحتجز حتى يدخلها فضحك وقال: إنما كنت ألعب فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فضحك فقال: "أو قد فعلوا هذا فلا تطيعوهم

стр. 628

في معصية الله " فلما أخرج من ذلك طاعتهم في المعصية دل على أن طاعتهم فيما ليست بمعصية واجبة عليهم فدل ذلك على صحة القول الأول وعلى صحة ما تأولنا عليه قول أبي بكر لأبي برزة ﵄ ليس ذلك لأحد بعد النبي ﷺ .

стр. 629

في منع الجار من غرز الخشبة روى عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره" وروى عنه مرفوعا من ابتنى فليدعم جذوعه على حائط جاره وعن أبي هريرة مرفوعا لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره أو خشبه في جداره وروى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "من سأله جاره أن يضع في جداره خشبة فلا يمنعه" وفيه ما يدل على أنه ليس له إلا بعد سؤاله إياه عند حاجته وإن الأمر في ذلك على الاختيار لا على الوجوب كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ وكقوله ﵇: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها" ليس على الإيجاب ولكنه على الندب إذا رأى أزواجهن فيهن خيرا وفي رواحهن مصلحة وما روى عن أبي هريرة نهى رسول الله ﷺ أن يمنع الرجل جاره أن يضع خشبته على جداره أو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرئ مسلم أن يمنع جاره خشباته يضعها على جداره" ثم يقول أبو هريرة: لا ضر بن بها بين أعينكم وإن كرهتم غير مخالف لما قلنا أما الأول فعلى المنع مما لا يضر وأما الثاني فعلى وزان قوله ﷺ : "لا تحل الصدقة لذي مرة سوى" لم يعن بذلك أنها تكون عليه حرا ما عند حاجته إليها كحرمتها على الأغنياء ولكن لا تحل للعاجز عن الاكتساب إذ لا ضرر عليه في تركها والاكتساب بقوته ما يغنيه عنها فكذا هنا لأنه قد يستطيع أن يبيحه ذلك فيرجع بعد ذلك إلى الإضرار عليه فلا يكون فيما أباحه إياه كما لا ضرر عليه فيه لو لم يبحه إياه ومثله ما روى عن أنس قال

стр. 630

استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول أبشر هنيئا بالجنة فقال ﷺ : "وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره".

стр. 631

في حجر البالغين روى عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال ﷺ : "إذا بايعت فقل لا خلابة" فكان الرجل إذا باع يقول لا خلابة قيل: فيه دليل على أن الحجر على البالغ غير المجنون لا يجوز إذ لم يحجر عليه ﷺ وقد شكى إليه أنه يخدع في البيوع وهو مذهب أبي حنيفة وتقدمه فيه محمد بن سيرين وليس كذلك لأنه ﷺ لم يطلق له البيع إلا باشتراطه فيه عدم الخلابة بخلاف غيره ممن لا يخدع كيف وقد قال ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ففيه دليل على الحجر لأنه جعل بيعه إلى من يتولى أمره فإن كانت فيه خلابة أبطله وإن لم تكن فيه خلابة أمضاه ويؤيده ما روى عن ابن عمر أن حبان بن منقذ كان شج في رأسه ما مومة فثقل لسانه فكان يخدع في البيع فجعل له رسول الله ﷺ ما ابتاع من شيء فهو فيه بالخيار ثلاثا وقال له رسول الله ﷺ : "قل لا خلابة" قال ابن عمر: فسمعته يقول لا خدابة لا خدابة ولأن رسول الله ﷺ جعل له الخيار فيما يبتاعه ثلاثة أيام ليعتبر بيعه فيمضي أو يرد وذلك حجر عليه في ما له لا اطلاق له فيه وروى عن أنس أن رجلا كان في عقله ضعف وكان يبتاع وأن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله احجر عليه فدعاه نبي الله ﷺ ونهاه فقال: يا نبي الله أنى لا أصبر عن البيع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" ففيه ما دل على الحجر إذ لم ينكر رسول الله ﷺ على أهله ما سألوه من الحجر عليه وأمره بمثل ما في حديث ابن عمر في قصته وقد كان الخلفاء الراشدون ومن سواهم على إثبات الحجر فيمن يستحقه فمن ذلك ما روى أن عبد الله بن جعفر

стр. 632

أتى الزبير فقال: أني ابتعت بيعا وإن عليا يريد أن يحجر علي فقال الزبير: فأنا شريكك في البيع فأتى على عثمان فسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر فقال الزبير: أنا شريكك في هذا البيع فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شاركه الزبير في بيعه ففيه أنه لو لم يشاركه الزبير لحجر عليه وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر ذلك أحد فدل على متابعتهم إياه عليه وروى عن ابن عباس أنه كتب إلى نجدة جوابا لسؤاله متى ينقضي يتم اليتيم لعمري أن الرجل لتنبت لحيته وأنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف الإعطاء منها فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقطع اليتم عنه وروى عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة بلغها أن ابن الزبير بلغه أنها تبيع بعض عقاراتها فقال: لتنتهين أو لأحجرن عليها فقالت لله على ألا أكلمه أبدا ففي هذا من ابن الزبير وترك عائشة الإنكار بأن تقول وكيف يكون أحد محجورا عليه أن يفعل في ما له مثل الذي بلغ ابن الزبير أني أفعله دليل على جواز الحجر وقد احتج من ذهب إلى نفي الحجر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ فذكر المداينة أولا ثم ذكر آخرا أنه قد يكون سفيها أو ضعيفا فدل ذلك على جواز بيعه في حال سفهه والجواب أن السفه قد يكون في تضييع المال وقد يكون فيما لا تضييع معه للمال يقال: سفه فلان في دينه ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال أبو عبيد: سفه نفسه أهلكها وأوبقها وقد يكون حاز ما في ماله ضابطا له من غير صلاح في دينه قال الكسائي: السفيه الذي يعرف الحق وينحرف عنه عنادا قال تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ لأنهم عرفوا الحق وعندوا عنه فالسفه في الآية ليس على سفه الفساد في المال بل على ما سواه من وجوه السفه واحتج الشافعي في إثبات الحجر بهذه الآية أيضا استدلالا بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ وليس بصحيح لأن ما في أول الآية من مداينة من وصف في آخرها بالسفه يدفع ما قال والمراد

стр. 633

بالولي ولي الدين للذي عليه الدين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ لأن الذي يتولى عليه لا يجر إلى نفسه ببخسه شيئا غير أن المذهب في الحجر استعماله والحكم به حفظا للمال على من يملكه ولهذا قال أبو حنيفة: أني أمنعه بعد بلوغه من ماله إلى خمس وعشرين سنة ولا أرى دافعا له ثم من يستحق الحجر عليه أن تصرف فهو جائز عند أبي يوسف خلافا لمحمد لأن الحجر لمعنى من أجله يحجر الحاكم عليه تحقيقا لذلك الموجود قبل الحجر وروى عن مالك مثل قول أبي يوسف في نفاذ التصرف قبل الحكم بالحجر.

стр. 634

في نفقة البهائم عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه وأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما أستتر به لحاجته هدفا أو حائش نخل فدخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح سرواته وذفراه فسكن فقال: "من رب هذا الجمل" فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله قال: "أفلا تتقي الله في البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه" ١ ذفرا البعير هو ما بين أذنيه وسرو البعير أعلى ما فيه وأضاف إليه بقوله سرواته أي مسح بيده على ذفراه وعلى سرى ما فيه ليكون ذلك سببا سكونه وقال ﷺ لصاحبه ما قاله ولم يحكم عليه بأعلافه جبرا كما يفعل بمالكي بني آدم إذا يجيعونهم وهذه مسألة اختلف فيها فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يؤمر بالأعلاف فتوى لا جبرا وطائفة تقول بالجبر ولا حبس فيه منهم أبو يوسف قياسا على جبر مالكي بني آدم إجماعا ولكن بنو آدم تجب عليهم الحقوق لجناياتهم فتجب لهم والبهائم لا تجب عليها لجنايتها فلا تجب لها على مالكيها ولكنهم ومن سواهم من الناس يؤمرون فيهم بتقوى الله وترك التضييع لها وإن كان ما على مالكيها في التجاوز ما على غير مالكيها فيه

стр. 635

في الحكم على قائل قوله على ما بين كذا إلى كذا روى عن أبي سعيد قال: قال عمر: يا رسول الله سمعت فلانا يثني عليك خيرا ويقول خيرا زعم أنك أعطيته دينارين قال: "لكن فلانا ما يقول ذلك لقد أصاب مني ما بين مائة إلى عشرة ثم قال: "أن أحدكم ليخرج من عندي بمسألته يتأبطها أو نحوه وما هي إلا له نارا" فقال عمر: يا رسول الله فلم تعطيه؟ قال: "فما أصنع تسألوني ويأبى الله لي البخل" فيه ما يدل على صحة ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد في مسألة له على ما بين درهم إلى عشرة فإن عند أبي حنيفة يلزمه تسعة وعند زفر ثمانية وعندهما عشرة وعند بعض لا شيء عليه لأنه لما أقر له بما بين الدرهم الواحد وبين العشرة كلها ولا شيء بينهما ولكن هذا الحديث يدفع هذا القول لأن رسول الله ﷺ أخبر أنه قد كان أعطى ذلك الرجل عطية يستحق بها الشكر منه فلم يشكرها وهو أفصح الناس وكلام العرب موافق لما قلنا يقولون: لهذا عشرون ناقة فجملا يريدون ما بين ناقة وجمل والعدد عشرون وحكى الكسائي أنه سمع أعرابيا رأى الهلال فقال: الحمد لله ما أهلالك وجمل والعدد عشرون وحكى الكسائي أنه سمع أعرابيا رأى الهلال فقال: الحمد لله ما أهلالك إلى سرارك يريد ما بين أهلالك إلى سرارك فالإهلال والسرار داخلان فيما ذكر فمثل ذلك قوله ﷺ : "لقد أعطيته ما بين مائة إلى عشرة" تدخل المائة مع دخول العشرة التي هي منها فيها. فإن قيل: لا خلاف في قوله لفلان ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط أن له ما بينهما وليس له من الحائطين شيء قلنا الحائطان معينان أقر بما بينهما فدخل ما بينهما وفي إقراره بما بين الواحد والعشرة غير معين إنما هو إقرار بشيء لم يعتمد المقر فيه عند إقراره إلى شيء بعينه فيحمل إقراره على ما بين ذلك
следующие страницы →