في حجر البالغين
روى عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال ﷺ : "إذا بايعت فقل لا خلابة" فكان الرجل إذا باع يقول لا خلابة قيل: فيه دليل على أن الحجر على البالغ غير المجنون لا يجوز إذ لم يحجر عليه ﷺ وقد شكى إليه أنه يخدع في البيوع وهو مذهب أبي حنيفة وتقدمه فيه محمد بن سيرين وليس كذلك لأنه ﷺ لم يطلق له البيع إلا باشتراطه فيه عدم الخلابة بخلاف غيره ممن لا يخدع كيف وقد قال ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ففيه دليل على الحجر لأنه جعل بيعه إلى من يتولى أمره فإن كانت فيه خلابة أبطله وإن لم تكن فيه خلابة أمضاه ويؤيده ما روى عن ابن عمر أن حبان بن منقذ كان شج في رأسه ما مومة فثقل لسانه فكان يخدع في البيع فجعل له رسول الله ﷺ ما ابتاع من شيء فهو فيه بالخيار ثلاثا وقال له رسول الله ﷺ : "قل لا خلابة" قال ابن عمر: فسمعته يقول لا خدابة لا خدابة ولأن رسول الله ﷺ جعل له الخيار فيما يبتاعه ثلاثة أيام ليعتبر بيعه فيمضي أو يرد وذلك حجر عليه في ما له لا اطلاق له فيه وروى عن أنس أن رجلا كان في عقله ضعف وكان يبتاع وأن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله احجر عليه فدعاه نبي الله ﷺ ونهاه فقال: يا نبي الله أنى لا أصبر عن البيع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" ففيه ما دل على الحجر إذ لم ينكر رسول الله ﷺ على أهله ما سألوه من الحجر عليه وأمره بمثل ما في حديث ابن عمر في قصته وقد كان الخلفاء الراشدون ومن سواهم على إثبات الحجر فيمن يستحقه فمن ذلك ما روى أن عبد الله بن جعفر
стр. 632
أتى الزبير فقال: أني ابتعت بيعا وإن عليا يريد أن يحجر علي فقال الزبير: فأنا شريكك في البيع فأتى على عثمان فسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر فقال الزبير: أنا شريكك في هذا البيع فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شاركه الزبير في بيعه ففيه أنه لو لم يشاركه الزبير لحجر عليه وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر ذلك أحد فدل على متابعتهم إياه عليه وروى عن ابن عباس أنه كتب إلى نجدة جوابا لسؤاله متى ينقضي يتم اليتيم لعمري أن الرجل لتنبت لحيته وأنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف الإعطاء منها فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقطع اليتم عنه وروى عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة بلغها أن ابن الزبير بلغه أنها تبيع بعض عقاراتها فقال: لتنتهين أو لأحجرن عليها فقالت لله على ألا أكلمه أبدا ففي هذا من ابن الزبير وترك عائشة الإنكار بأن تقول وكيف يكون أحد محجورا عليه أن يفعل في ما له مثل الذي بلغ ابن الزبير أني أفعله دليل على جواز الحجر وقد احتج من ذهب إلى نفي الحجر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ فذكر المداينة أولا ثم ذكر آخرا أنه قد يكون سفيها أو ضعيفا فدل ذلك على جواز بيعه في حال سفهه والجواب أن السفه قد يكون في تضييع المال وقد يكون فيما لا تضييع معه للمال يقال: سفه فلان في دينه ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال أبو عبيد: سفه نفسه أهلكها وأوبقها وقد يكون حاز ما في ماله ضابطا له من غير صلاح في دينه قال الكسائي: السفيه الذي يعرف الحق وينحرف عنه عنادا قال تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ لأنهم عرفوا الحق وعندوا عنه فالسفه في الآية ليس على سفه الفساد في المال بل على ما سواه من وجوه السفه واحتج الشافعي في إثبات الحجر بهذه الآية أيضا استدلالا بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ وليس بصحيح لأن ما في أول الآية من مداينة من وصف في آخرها بالسفه يدفع ما قال والمراد
стр. 633
بالولي ولي الدين للذي عليه الدين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ لأن الذي يتولى عليه لا يجر إلى نفسه ببخسه شيئا غير أن المذهب في الحجر استعماله والحكم به حفظا للمال على من يملكه ولهذا قال أبو حنيفة: أني أمنعه بعد بلوغه من ماله إلى خمس وعشرين سنة ولا أرى دافعا له ثم من يستحق الحجر عليه أن تصرف فهو جائز عند أبي يوسف خلافا لمحمد لأن الحجر لمعنى من أجله يحجر الحاكم عليه تحقيقا لذلك الموجود قبل الحجر وروى عن مالك مثل قول أبي يوسف في نفاذ التصرف قبل الحكم بالحجر.
стр. 634
في نفقة البهائم
عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه وأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما أستتر به لحاجته هدفا أو حائش نخل فدخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح سرواته وذفراه فسكن فقال: "من رب هذا الجمل" فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله قال: "أفلا تتقي الله في البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه" ١ ذفرا البعير هو ما بين أذنيه وسرو البعير أعلى ما فيه وأضاف إليه بقوله سرواته أي مسح بيده على ذفراه وعلى سرى ما فيه ليكون ذلك سببا سكونه وقال ﷺ لصاحبه ما قاله ولم يحكم عليه بأعلافه جبرا كما يفعل بمالكي بني آدم إذا يجيعونهم وهذه مسألة اختلف فيها فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يؤمر بالأعلاف فتوى لا جبرا وطائفة تقول بالجبر ولا حبس فيه منهم أبو يوسف قياسا على جبر مالكي بني آدم إجماعا ولكن بنو آدم تجب عليهم الحقوق لجناياتهم فتجب لهم والبهائم لا تجب عليها لجنايتها فلا تجب لها على مالكيها ولكنهم ومن سواهم من الناس يؤمرون فيهم بتقوى الله وترك التضييع لها وإن كان ما على مالكيها في التجاوز ما على غير مالكيها فيه
стр. 635
في الحكم على قائل قوله على ما بين كذا إلى كذا
روى عن أبي سعيد قال: قال عمر: يا رسول الله سمعت فلانا يثني عليك خيرا ويقول خيرا زعم أنك أعطيته دينارين قال: "لكن فلانا ما يقول ذلك لقد أصاب مني ما بين مائة إلى عشرة ثم قال: "أن أحدكم ليخرج من عندي بمسألته يتأبطها أو نحوه وما هي إلا له نارا" فقال عمر: يا رسول الله فلم تعطيه؟ قال: "فما أصنع تسألوني ويأبى الله لي البخل" فيه ما يدل على صحة ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد في مسألة له على ما بين درهم إلى عشرة فإن عند أبي حنيفة يلزمه تسعة وعند زفر ثمانية وعندهما عشرة وعند بعض لا شيء عليه لأنه لما أقر له بما بين الدرهم الواحد وبين العشرة كلها ولا شيء بينهما ولكن هذا الحديث يدفع هذا القول لأن رسول الله ﷺ أخبر أنه قد كان أعطى ذلك الرجل عطية يستحق بها الشكر منه فلم يشكرها وهو أفصح الناس وكلام العرب موافق لما قلنا يقولون: لهذا عشرون ناقة فجملا يريدون ما بين ناقة وجمل والعدد عشرون وحكى الكسائي أنه سمع أعرابيا رأى الهلال فقال: الحمد لله ما أهلالك وجمل والعدد عشرون وحكى الكسائي أنه سمع أعرابيا رأى الهلال فقال: الحمد لله ما أهلالك إلى سرارك يريد ما بين أهلالك إلى سرارك فالإهلال والسرار داخلان فيما ذكر فمثل ذلك قوله ﷺ : "لقد أعطيته ما بين مائة إلى عشرة" تدخل المائة مع دخول العشرة التي هي منها فيها.
فإن قيل: لا خلاف في قوله لفلان ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط أن له ما بينهما وليس له من الحائطين شيء قلنا الحائطان معينان أقر بما بينهما فدخل ما بينهما وفي إقراره بما بين الواحد والعشرة غير معين إنما هو إقرار بشيء لم يعتمد المقر فيه عند إقراره إلى شيء بعينه فيحمل إقراره على ما بين ذلك
стр. 636
الشيئين وإنما أقربين شيئين مرسلين وفي مثلهما ما قد رويناه مرفوعا ثم ذكرناه من كلام العرب والغايات للأشياء المذكورة مما ليست بأعيان قد وجدناها لا تدخل في الأشياء المذكورة نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فالليل غير داخل وقد يدخل كآية المرافق والكعبين ففيه ما يدل على أن بعض الغايات يدخل فيما جعلوه غاية له وقد لا يدخل ولهذا قال أبو حنيفة: أن الدرهم العاشر لما احتمل الدخول وعدمه لا يدخل بالشكل وقال مع ذلك في رجل باع على أنه بالخيار إلى غد أنه بالخيار حتى يمضي غد لأنه قد يحتمل دخول غد وعدمه فلم يوجب البيع حتى يتحقق وجوبه فأما ما ذكرنا من القول في المسألة الأولى فالذي جاء به الحديث قد أغنانا عن الكلام في شيء من ذلك.
стр. 637
الحكم في ما أفسدت الماشية
عن الزهري عن حرام بن محيصة أن البراء بن عازب أخبره أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فكلم فيه رسول الله ﷺ فقضى فيها أن حفظ الحوائط على أهلها بالنهار وحفظ المواشي على أهلها بالليل وأن على أهل الماشية ما أصابت بالليل كذا روى الإثبات لا دليل فيه على أخذ حرام عن البراء لأن إن على الانقطاع حتى يعلم ما سواه١ وقد روى عن الزهري عن حرام عن البراء أن ناقة لآل البراء أفسدت شيئا فقضى رسول الله ﷺ أن حفظ الثمار على أهلها بالنهار وضمن أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل فدل ذلك على اتصاله لأن عن على الاتصال والسماع حتى يعلم غيره والرواية الأولى أصح ثم في تعميم ما أفسدت ماشيتهم دليل على أن عليهم ضمان كل ما تلف من الزرع ومن بني آدم غيرهم لأن ما كان عليه حفظه كان عليه ضمانه إذا ترك الحفظ واتفاق أهل العلم على عدم تضمين ما تلف من بني آدم مخالف لظاهر الحديث فعلمنا أنه منسوخ بقوله ﵊: "جرح العجماء جبار" أي هدر وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه خلافا للحجازيين في الزرع والحق أن قوله ﷺ : "جرح العجماء جبار" مخصص لعموم الحديث ومبين لمعناه لا ناسخ.
стр. 638
في حريم النخلة وسعة الطريق
عن أبي السعيد أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في حريم نخلة أو لقط نخلة فقطع منها جريدة ثم ذرعها فإذا هي خمس أذرع قال أبو طوالة أحد رواة الحديث: أو سبع أذرع فجعلها حريمها المراد به النخلة التي تغرس في الموات فيتملكه بأمر الإمام كما هو مذهب الإمام أو يتملكه من غير إذن بمجرد الإحياء كما هو مذهب الشافعي ومالك وغيرهما فيستحق بذلك ما لا تقوم النخلة غلا به وهو الحريم الذي جعل لها في الحديث كما يكون للآبار من الحريم في الموات بقدر ما تقوم به فللعطن أربعون ذراعا من كل جانب ولبئر الناضح ستون ذراعا من كل جانب قال محمد: إلا أن يكون الحبل الذي يستقى به منها ويجره البعير يتجاوز به المقدار المذكور فيكون حريمها إلى ما يتناهى إليه حبلها ومثل ذلك حريم النخلة التي تحتاج إليه ليكون مشربا لها فيها ثمرتها وليبقى لها جريدها وروى عبادة بن الصامت قضاء رسول الله ﷺ في عرايا النخل إذا كان نخلة أو نخلتان أو ثلاث بين النخل فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أن لكل نخلة مبلغ جريدها حريمها وكانت تسمى العرايا وذلك إذا اختلف هو وصاحب النخل في حقوقها فيكون لصاحب العرايا ما لا يقوم نخله التي أعريها إلا به.
وعن ابن عباس مرفوعا إذا اختلفتم في طريق فاجعلوها سبعة أذرع وعن أبي هريرة قضى رسول الله ﷺ : إذا اختلف الناس في طرقهم أنها سبعة أذرع الطرق المبتدأة إذا اختلف في مقدارها الذي يرفعونه لها من المواضع التي يحاولون اتخذاها فيها كالقوم يفتتحون مدينة من المدائن فيريد الإمام قسمتها ويريد مع ذلك أن يجعل فيها طريقا لمن يحتاج أن يسلكها من الناس إلى ما سواها من البلدان يجعل سبعة أذرع كل طريق منها على ما في هذه الآثار ومثله الأرض الموات يقطعها الإمام رجلا ويجعل
стр. 639
إليه إحياءها ووضع طريق منها لاجتياز الناس فيه منها إلى ما سواها فيكون ذ لك سبعة أذرع ولا محمل أحسن من هذا لهذا الحديث والله أعلم.
стр. 640
في الانتفاع بالطرقات
روى عن عمر بن الخطاب قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن جلوس على الطريق فقال:
"إياكم والجلوس على هذه الطرقات فإنها مجالس الشيطان فإن كنتم فاعلين لا محالة فأدوا حق الطريق" فقلت: قال رسول الله ﷺ : "أدواحق الطريق" ولم أسأله ما هو فلحقته فقلت: يا رسول الله أنك قلت كذا وكذا فما حق الطريق؟ قال: "حق الطريق أن ترد السلام وتغض البصر وتكف الأذى وتهدي الضال وتغيث الملهوف" في ذلك آثار في بعضها: إفشاء السلام وطيب الكلام وفي بعضها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال: فنهى رسول الله ﷺ عن الجلوس على الطريق ثم رخص فيه على الشرائط المذكورة ففيه دليل على إباحة الانتفاع من الطريق العامة بما لا يضر على أحد من أهلها وإذا كان الجلوس فيها مما يضيق على المارين فلا يباح على ما في حديث معاذ الجهنى أن رسول الله ﷺ أمر مناديا في بعض غزواته لما ضيق الناس في المنازل وقطعوا الطرقات أن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له.
стр. 641
كتاب الشهادات
في تعارض البينتين
عن أبي موسى قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ في بعير وليس لواحد منهما بينة فقضى به رسول الله ﷺ بينهما نصفين وروى عنه أن رجلين اختصما في بعير فبعث كل واحد منهما شاهدين فقسم النبي ﷺ البعير بينهما وفي رواية: أن رجلين ادعيا دابة وجداها عند
стр. 642
رجل فأقام كل واحد منهما شاهدين أنها دابته فقضى بها النبي ﷺ بينهما نصفين وهذا أولى لأن القضاء لا يكون إلا بالبينات ولا يكون بالأيدي المجردة وهذه مسألة مختلف فيها فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى هذا الحديث وذهبت طائفة منهم إلى الإقراع بين المتداعيين في ذلك محتجين بحديث منقطع عن سعيد بن المسيب قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ في أمر فجاء كل واحد منهما بشاهدي عدل عدة واحدة فأسهم بينهما رسول الله ﷺ وقال: "اللهم أنت تقضي بينهما".
وذهبت طائفة منهم إلى أنه يقضي به لصاحب أزكى البينتين وأظهرهما ورعا وهو قول مالك وأهل المدينة ويجيء على قياس قولهم: إذا تكافأت البينتان أن يقضي بينهما وطائفة تقول: يقضي بينهما على عدد شهود كل واحد منهما فإن استووا في العدد يقضي بينهما بنصفين ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيه لنعلم الأولى مما قالوه فيه فوجدنا القرعة قد كانت في أول الإسلام فإن عليا أقرع بين النفر الثلاثة الذين وطئوا المرأة في طهر واحد فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه ثم أنه ترك العمل بها بعد وفاته ﷺ في رجلين ادعيا ولدا فقضى به بينهما وأنه للباقي منهما ولا يظن بعلي ترك الإقراع الذي حكم به واستحسنه النبي ﷺ إلا لما هو أولى بالعمل فانتهى القضاء بالقرعة وانتسخ وكذلك وجدنا القضاء بأزكى البينتين مدفوعا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ و ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ حيث سوى النص بين العدل ومن فوقه في العدالة فانتفى هذا القول أيضا وكذلك القول بالحكم بعدد الشهود لا معنى له لأن الشاهدين العدلين لما جاز الحكم بهما عقلنا أنهما كأكثر منهما من العدد ولما انتفت هذه إلا قوال الثلثة ثبت القول الرابع ولم يجز الخروج عنه إذ لم يوجد لأهل العلم في ذلك غير هذه الأقوال الأربعة كيف وقد روى عن أبي الدرداء أنه اختصم إليه رجلان في فرس فأقام كل واحد مهما البينة أنه فرسه انتجه لم يبعه ولم يهبه فقال أبو الدرداء: أن أحدكما
стр. 643
كاذب ثم قسمه بينهما نصفين ثم قال: ما أحوجنا إلى سلسلة بني إسرائيل فسئل ما هي قال: كانت تنزل فتأخذ بعنق الظالم فيه ما يدل على فضل علمه وهو قوله أحدكما كاذب ولم يقصد إلى واحدة من البينتين لأن العلم محيط بكذب أحد المدعيين إذ لا يكون مالكا لشيء غيره مالكه وليس البينتان كذلك إذ يحتمل أن يكون الفرس الأم لأحد المدعيين بعلم إحدى البينتين ثم انتقل عن ملكه بغير علمها إلى ملك المدعي الآخر بطريقه الشرعي فنتجت الفرس المدعى فيه عنده فوسع كل واحدة من ألبينتين تشهد أن ذلك النتاج كان في ملك الذي عرفت الفرس التي تنتجه في ملكه فانتفى الحرج عنهما ووجب القضاء بالبينات التي ثبت عدلها وترك استعمال الظنون بها.
стр. 644
في شهادة خزيمة
روى أن رسول الله ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه ليقضيه ثمن فرسه فأسرع النبي ﷺ بالمشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبي ﷺ فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه وإلا بعته فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: "أو ليس قد ابتعته منك"؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعته منك" فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان وطفق الأعرابي يقول هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك أن النبي ﷺ لا يقول إلا حقا حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي وهو يقول١: أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "ثم تشهد" قال: بتصديقك يا رسول الله فجعل رسول
стр. 645
الله ﷺ شهادة خزيمة شهادة رجلين في شهادة خزيمة على الأعرابي بقوله: أنا أشهد أنك قد بايعته واستحقاقه بها الشرف والكرامة التي خصه الله بهما دون أن يقول أن أشهد بشهادة الله على بيعه إياه دليل على أن الشهادة على الحقوق عند الحكام كذلك خلافا لسوار ويزيد بن أبي مسلم فإنهما يقولان: أشهد بشهادة الله وهو منهى عنه لأن الله تعالى يعلم حقائق الأشياء التي لا يعلمها خلقه فقد يشهد الرجل على وجوب حق لزيد ثم ببرأ إليه منه ويعلم الله ذلك منه ويخفى على المخلوقين فيسع لمن كان يعلم وجوب الحق في البدئ أن يشهد بوجوبه المدعيه والله يشهد فيه بخلاف ذلك مما قد أخفاه عن خلقه وفيما ذكرنا ما قد دل على ما وصفنا.
واختلف أهل العلم في كيفية تأدية الشهادة في معرفة استصحاب حال الأصل الذي شهد الشاهد بمعرفته فمنهم من لا يجيز إلا على البت ويراها راجعة إلى العلم ومنهم من لا يجيزها على البت ويراها غموسا ومنهم من لا يراها على البت ويحكم بها إذا وقعت بما يعلمه الشاهد يقينا ويقول أشهد بشهادة الله وإن كان لا يعلمه إلا بغالب ظنه لا يجوز له أن يقول أشهد بعلم الله أو بشهادة الله سواء كان في معرفة استصحاب الحال أو في معرفة الأصل كالشهادة على الملك خلافا لأهل العراق.
стр. 646
في من لا تقبل شهادته
روى عن عائشة قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ومجلود ولا ذي غمر لأخيه ولا مجرب عليه شهادة زور ولا القانع مع أهل البيت لهم ولا الظنين في ولاء ولا قرابة" فيه أن المجلود حدا مطلقا لا تجوز شهادته ولهذا عم المجلود في الخمر أيضا عند الأوزاعي ولم يوافقه على ذلك غير الحسن بن صالح وخالفهما فقهاء الأمصار ولما قبل شهادة المقطوع في السرقة إذا تاب والزاني البكر المجلود إذا تاب فليكن غيرهما كذلك إلا
стр. 647
ما استثنى في كتاب الله وهو المحدود في القذف فألزمه الفسق الذي اتصف به بخلاف سائر أنواع الفسق ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ الآية واختلف أهل العلم في قبول شهادتهم بعد التوبة فقبله بعضهم لزوال الفسق وهو مذهب مالك والشافعي وأهل الحجاز ولم يقبله أبو حنيفة وأصحابه والثوري وإن زال الفسق بالتوبة احتج القابل بما روى عن ابن المسيب عن عمرانه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك أو تب تقبل شهادتك وعنه أن عمر جلد الثلاثة لما نكل الرابع وهو زياد وكانوا شهدوا على المغيرة فاستتابهم فتاب إثنان وأبي أبو بكرة فكان تقبل شهادتهما ولا تقبل شهادة أبي بكرة لأنه أبي أن يتوب وكان مثل النضو من العبادة.
وجوابه أن ابن المسيب لم يأخذه عن عمر إلا بلاغا لأنه لم يصح سماع عنه وروى عن ابن المسيب أنه كان يذهب إلى خلافه روى قتادة عنه وعن الحسن أنهما قالا القاذف إذا تاب فيما بينه وبين ربه لا تقبل شهادته ويستحيل أن يصح عنده عن عمر القبول ثم يتركه إلى خلافه وكذا روى عن شريح قبول التوبة وعدم قبول الشهادة.
قال الطحاوي: ولما كانت شهادته بعد القذف قبل الحد مقبولة وبعد الحد الذي هو طهارة له إن كان كاذبا مردودة وكانت التوبة بعد ذلك أنما هي من القذف الذي لم ترد شهادته به وإنما ردت بغيره وهو الجلد. وجب أن تكون شهادته مردودة بعد الحد تاب أو لم يتب لأن التوبة لا تأثير لها في الحد الذي هو علة عدم القبول لأنه من فعل غيره لا من فعله والتوبة إنما تكون من أقواله وأفعاله واثر التوبة إنما هو في القذف الذي ليس بعلة ففي هذا دليل واضح على صحة قول من ذهب إلى رد الشهادة بعد التوبة والله أعلم.
стр. 648
في التحذير من الدين
روى عن عقبة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: "لا تخيفوا أنفسكم أو قال: "ألانفس" قيل: يا رسول الله بم نخيف أنفسنا؟ قال: "بالدين"
стр. 649
يعني الدين الغالب عليه منه فإنه المخيف والمذموم المترتب عليه سوء المطالبة في الدنيا وسوء العاقبة في الأخرى عن ابن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ : "الغفلة في ثلاث: الغفلة عن ذكر الله ومن لدن أن يصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وأن يغفل الرجل عن نفسه في الدين حتى يركبه" وذم عمر أسفع بقوله: إلا أن اسيفع اسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح قدرهن١ به فمن كان له عليه دين فليحضر بيع ما له أو قسمة ما له أن الدين أو له هم وآخره حرب يعني فاستدان من كل من أمكنه الاستدانة منه واعترضهم بذلك قوله وقد رهن أي"١" وقع فيما لا يمكنه الخروج منه ولا طاقة له به وأما الدين الذي يمكن الإنسان الخروج منه بالإيفاء فليس بمذموم بل يرجى له الثواب والعون من الله تعالى عليه فقد روى أن ميمونة زوج النبي ﷺ استدانت فقيل لها: تستدينين وليس عندك وفاء قالت: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أخذ دينار هو يريد أن يؤديه أعانه الله " وعن عائشة مثل ذلك وأنها قالت: وإنما التمس ذلك العون وكان عمر إذا صلى الصبح يمر على أزواج النبي ﷺ فرأى يوما رجلا على باب عائشة جالسا فقال: مالي أراك فقال: دينا أطلب به أم المؤمنين فبعث إليها عمرا مالك في سبعة آلاف درهم أبعث بها إليك كل سنة كفاية؟ فقالت: بلى ولكن علينا فيها حقوق وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول "من أدان دينا ينوي قضاءه كان معه من الله حارس فأنا أحب أن يكون معي حارس" والعون والحرسة لا تكون إلا لمن له حالة محمودة ومما يستدل به على إباحته مع نية الوفاء ما روى من قوله ﷺ لأبي ذر: "ما أحب أن لي أحدا ذهبا تأتي علي ليلة وعندي منه دينار
стр. 650
إلا دينارا رصده لدين" فدل على جواز الاستدانة قطعا واستدانته من اليهودي ورهنه درعه عنده أشهر من أن يخفى.
стр. 651
في مطل الغنى
روى عن النبي ﷺ لي الواحد يحل عرضه وعقوبته اللي المطل وهو مصدر لويته ليا كشويته شيا وروى مطل الغنى ظلم فيجوز تسميته ظالما ويخاطب بذلك بقوله يا ظالم أو أنت ظالم فهذا الذي يحل من عرضه وما قيل هو: التقاضي فليس بشيء لأن التقاضي سبب اللي فهو غير التقاضي والعقوبة المستحقة هي الحبس وقيل: هي الملازمة وهي حبس الملزوم عن تصرفه في أموره والأول أولى لأن في ملازمة رب الدين المديون تشاغل عن أسباب نفسه واكتسابه وبالإجماع أنه يحبسه الحاكم عند سؤال المستحق بطريقه فكانت العقوبة بالحبس أولى منها بالملازمة.
стр. 652
في أنظار المعسر
عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال رسول الله ﷺ : "من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة" ثم سمعته يقول "بكل يوم مثله صدقة" قال: فقلت له: أني سمعتك تقول: "فله بكل يوم صدقة" ثم قلت الآن: " فله بكل يوم مثله صدقة" فقال: أنه متى لم يحل له الدين فله بكل يوم صدقة فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثله المسؤول هو الرسول ﷺ لا الراوي وهذا في القروض لا ثمن البياعات وغيرها سوى القروض لأنها إبدال من أشياء سواها لأحمد فيها لأهلها يثابون عليها إلا إذا أخر بعد حلولها فيثاب عليه كالقرض قال الطحاوي: أموال القروض يتبرع مالكها بإقراضها المحتاجين ليتصرفوا بها في منافع أنفسهم فيثاب عليه في قرضه إياها إلى المدة ما يثيبه الله على ذلك سواء قلنا بلزوم المدة كما قاله مالك أولا كما قاله أبو حنيفة وأصحابه والشافعي لأنه وإن لم يجب حكما يجب للوفاء بالوعد فإذا انقضت المدة وحل
стр. 653
الدين فأنظره كان ثوابه فوق ثواب الأول يكون له كل يوم مثله صدقة ثم الحديث يصلح حجة لأبي حنيفة وأصحابه والشافعي فيمن أسلف رجلا إلى أجل فله أن يأخذه منه قبل محل الأجل إن شاء فمعنى الحديث أن من أسلف فاحتاج إليه قبل الأجل فلم يأخذه منه وانظره به إلى الأجل فله بكل يوم صدقة وإذا انظره بعد الأجل فله بكل يوم مثله صدقة لأنه أعظم أجرا من الأول لأنه أنظار بما لا يكره له أخذه منه والأول أنظار بما يكره له أخذه منه لأجل خلف الوعد وروى أن الأسود كان يستقرض تاجرا فإذا خرج عطاؤه قضاه وأنه خرج عطاؤه فقال الأسود: إن شئت أخرت عنا فإنه قد كانت علينا حقوق في هذا العطاء فقال له التاجر: لست فاعلا فنقده الأسود خمسمائة حتى إذا قبضها قال له التاجر: دونك فخذها قال له الأسود: قد سألتك فأبيت قال له التاجر: إني سمعتك تحدث عن ابن مسعود أن نبي الله ﷺ كان يقول "من أقرض قرضين كان له مثل أجر أحدهما لو تصدق به" ليس هذا بمخالف لحديث ابن بريدة لأن حديثه على ثواب الأنظار به بعد ما يجب للمقرض على المستقرض دينا له عليه وحديث ابن مسعود في الثواب على نفس القرض لكن لو كان التاجر علم حديث ابن بريدة لما كلفه الأداء ولطرح عنه مؤنته بالانظار لأن أجره بذلك لو فعله كان أكثر وروى عن النبي ﷺ "من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" يحتمل أن يكون الظل من الأشياء التي يتأذى بها بنو آدم كالشمس في الدنيا ويحتمل أن يكون بمعنى الكنف والستر ومن كان في كنف الله تعالى وقى من الأشياء المكروهة يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه فلا يصيبه نصب ولا تعب والمعسر المراد هنا هو الذي يجد ما يعطى ولكن يتضرر به فاستحق المنظر ثواب الإيثار على نفسه وأما المعسر العديم الذي لا شيء عنده فلا ثواب له في أنظاره إذ هو مغلوب على ذلك لا يقدر على سواه فالمعسر المقل هو المراد بالحديث لا المعدم والإعسار أعم من الإعدام
стр. 654
في بيع المديون
عن زيد بن أسلم أنه قال: لقيت رجلا بالإسكندرية يقال له: سرق فقلت له ما هذا الاسم؟ فقال: سمانيه رسول الله ﷺ قدمت المدينة فأخبرتهم أنه يقدم لي مال فبايعوني واستهلكت أموالهم فأتوا النبي ﷺ فقال: "أنه سرق" فباعني بأربعة أبعرة فقال له غرماؤه: ما تصنع به؟ قال: أعتقه قالوا: ما نحن بأزهد في الأجر منك فاعتقوني وفي رواية أن سرقا هذا قال: لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعتهما منه وقلت له: انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي وخرجت من خلف لي وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني فقدمني إلى رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر فقال رسول الله ﷺ : "ما حملك على ما صنعت" قلت: قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله قال: "فأقضه" قلت: ليس عندي قال: "أنت سرق" اذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول ما تريدون فيقولون: نريد أن نبتاعه منك فنعتقه قال: فوالله إن منكم أحد أحوج إليه مني إذهب فقد اعتقتك.
كان هذا الحكم في أول الإسلام عمل به رسول الله ﷺ إذا كان من شريعة من قبله كذا روى عن النبي ﷺ من أن الخضر ﵇ ملك نفسه لمن استرقها إذ كان ذلك من الشريعة المتقدمة روى أن سائلا سأله بوجه الله العظيم لما يصدق عليه فلم يكن عنده ما يعطيه فقال: لقد سألت بعظيم وما أجد إلا أن تأخذني فتبيعني فقدمه إلى السوق فباعه بأربع مائة درهم فعمل للمشتري من العمل ما استطاعه فأخرق به العادة فقال له: أسألك بوجه الله ما حسبك وما أمرك قال: سألتني بوجه الله ووجهه أوقعني في العبودية فأخبره قصته وقال: أخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة وليس لوجهه جلد ولا لحم ولا دم إلا عظم يتقعقع قال: آمنت بذلك
стр. 655
شققت عليك يا رسول الله أحكم في أهلي ومالي بما أراد الله أو أخيرك فأخلى سبيلك قال: أحب أن تخلي سبيلي يا عبد الله خلى سبيله فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ونجاني منها في حديث طويل هذا معناه.
قال الطحاوي: فلما كان من شريعة من قبلنا إرفاق النفوس تقربا إلى ربهم كان استرقاقهم بالديون التي عليهم أولى فلذلك عمل به النبي ﷺ اتباعا لشرائعهم ما لم يحدث الله ناسخا لذلك وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ فعاد الحكم إلى أخذ الديون ممن هي عليه إن كان موسرا وإمهاله إن كان معسرا معدما وبين الله أيضا على لسان رسوله ﷺ بقوله: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيام ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجرا أجيرا ولم يوفه أجره" وكذلك لا يؤجر المديون فيما عليه من الدين لما روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا عليه" فتصدق عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله ﷺ : "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" وما أعلم أحد اذهب إلى إجارة المدين المعدم غير الزهري والله أعلم.
стр. 656
في قضاء جابر دين أبيه
روى عن جابر بن عبد الله أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين فاشتد الغرماء في حقوقهم فأتى رسول الله ﷺ فكلمه فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبى فأبوا فلم يعطهم حائطي ولم يكسره لهم ولكنه قال: "سأغدو عليك" فغدا على حين أصبح فطاف في النخل ودعا في تمرها بالبركة فجذ ذناها وقضيتهم حقوقهم وبقي لنا من ثمرها بقية فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال رسول الله ﷺ لعمر وهو جالس: "اسمع يا عمر" فقال عمر: ألا يكون قد علمنا أنك رسول الله فوالله أنك لرسول الله،
стр. 657
وله طرق في بعضها أو في غريم أبيه اليهودي ثلاثين وسقا وفضلت له سبعة وعشرون وسقا وفي بعضها أنه قضى الرجل حقه وفضل منه مثل تمر النخل في كل عام وفي بعضها فأعطينا الرجل كل شيء كان له وبقي لنا خرص نخلنا كما هو وفي بعضها أنه قال: أصيب أبي وله حديقتان وليهودي عليه تمر يستنفد ما في الحديقتين فأتينا رسول الله ﷺ فسألناه أن يكلمه في أن يؤخر عنا بعضه فكلمه فأبى فقال رسول الله ﷺ : "هلم إلى تمرك فخذه" فجاء رسول الله ﷺ فدخل إلى إحدى الحديقتين وهي أصغرهما فقال لنا: "جذوا" فجعلنا نجذ ونأتيه بالمكتل فيدعو فيه فلما فرغنا قال لليهودي: "اكتل" فأوفاه حقه من أصغر الحديقتين وبقيت لنا الحديقة الأخرى، في سؤال رسول الله ﷺ غرماء عبد الله بن حرام أن يقبلوا تمر حائطه الذي لم يقفوا على مقدار كيله وأن يحللوه من البقية مع جهل مقدارها دليل على تجويز البراءة من الديون المجهولة عند المبرئ بها كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه ومالك خلافا للشافعي في شرطه العلم للمبرئ والمبرأ وقت البراءة منه وهو مبني على الاختلاف في جواز هبة المجهول وفيه دليل على جواز الصلح من الحقوق على مقدار ينقص عنها من جنسها مع جهل المتصالحين مقدارها فأجاز ذلك من أجاز البراءة من الديون المجهولة ومنع ذلك من لم يجزها وفيه معنى آخر يقضي بين المختلفين من أهل العلم في صلح الوارث غرماء أبيه المتوفى من دينهم الذي لهم عليه على بعضه فكل أهل العلم أجاز إلا الأوزاعي فإنه منع الوارث منه لأن غرماء أبيه أولى بمال أبيه منه حتى يستوفوا ديونهم، والحديث حجة على الأوزاعي وفي بعض الآثار إضافة الحائط إلى جابر وفي بعضها إضافتها إلى أبيه عبد الله وإنما إضافة إلى جابر كما يضيف الناس أسباب من هم منهم إليهم لا على الحقائق من ذلك قوله ﷺ لزيد بن حارثة لما قضى بينه وبين علي وجعفر في ابنة حمزة وأما أنت يا زيد فمولاي ومولاها وإنما كان ولاؤه لرسول الله ﷺ لا لها.
стр. 658
في المديون إذا أفلس
روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إيما رجل أفلس فأدرك رجل ما له بعينه فهو أحق من غيره". يمكن دفعه بأن المراد به الودائع والعواري بخلاف المبيعات التي ليس لواجدها فيها ملك حينئذ وكذلك يمكن دفع حديث مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: "إيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع إسوة الغرماء" لانقطاعه وكنا ندفع أيضا حديث اسماعيل بن عياش عن موسى ابن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يقبض من ثمنها شيئا فهي له وإن كان قضاه من ثمنها شيئا فما بقي فهو إسوة الغرماء" ولا نرى فيه علينا حجة لفساد رواية اسماعيل عن غير الشاميين ولكن حديث مالك مسندا من رواية عبد الرزاق عنه عن ابن شهاب عن أبي بكر عن أبي هريرة وكذا حديث اسماعيل بن عياش عن الشاميين الذي لا كلام في حديثه عنهم لا يمكن دفعه والقول فيه ما قال مالك ولو اتصل عند من خالفه هذا الاتصال لما خالفه ولرجع إليه فالمخالف معذور في خلافه وأما الشافعي فقد كان يقول إذا أفلس بعد ما قضى بعض الثمن أنه يكون في حصة ما قضاه إسوة الغرماء ويكون أحق بالباقي منهم والحديث يدفع ذلك وهو الحجة وكذلك كان يسوي بين حكم إفلاسه وبين حكم موته فيجعل صاحب السلعة فيهما أحق من الغرماء والحال أن رسول الله ﷺ فرق بينهما في الحكم وكان يحتج بحديث أبي المغيرة ابن عمرو ابن نافع عن ابن خلدة الزرقي وكان قاضيا أنه قال: جئنا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس فقال: إيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه وأبو المغيرة مجهول مع أنه لو كان ثابتا لكان حديث الزهري عن أبي بكر عن أبي هريرة أولى منه لأنه قد روته
стр. 659
الأئمة الذين تقوم الحجة برواياتهم مع أن فيه أو التشكيك فيعود الحديث إلى أن لا يعلم ما فيه هل هو في التفليس أو في الموت وقال الطحاوي: وما وجدنا أحدا من أهل العلم أجد تكلما في هذا الحديث غير مالك بن أنس فأما من سواه فقد ذكرنا أقوالهم.
стр. 660
كتاب الحمالة والحوالة وما جاء في الحمالة بالمال
مدخل
...
كتاب الحمالة والحوالة وما جاء في الحمالة بالمال
روى عن قبيصة بن المخارق أنه تحمل بحمالة فأتى النبي ﷺ فقال: "نحن نخرجها عنك من إبل الصدقة أو نعم الصدقة يا قبيصة أن المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسئلة حتى يؤديها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ما له فحلت له المسألة١ حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك ورجل أصابته حاجة حتى يتكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن قد حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك". في إباحة النبي ﷺ المسألة لقبيصة دليل لزوم الحمالة للحميل ووجوبها عليه دينا وإن كان المتحمل بها عنه مقدورا على مطالبته كما هو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي وكان عند مالك ثم رجع وقال: لا يطالبه المتحمل له إلا عند تعذر مطالبة المتحمل عنه وفي قوله حتى يتكلم ثلاثة دليل على اشتراط الثلاثة من الشهود كما في الأربعة في الزنا بخلاف الحقوق والحاجة مما يختلف أحوال الناس عندها بخلاف الحاجة التي لم يبق له معها شيء ولهذا رد إلى قول العدد واختلاف الحاجات باختلاف مؤمنهم في قليلها وكثيرها فكان مردودا إلى مقدار الحاجة في نفسها والسؤال أطلق لأهلها حتى يسدها الله بما شاء أن يسدها ولم يذكر مقدار ما يمنع من المسألة بعينه لذلك ولا تخالف
стр. 661
المقادير المذكورة في حديث سهل في كتاب الزكاة لأن ذلك باعتبار الغاية في الحاجة وهذا قد يكون للمحتاج شيء من المال لكن لا يستطيع به سداد الحاجة فما أبيحت المسألة له حتى يسدها ولم يذكر مقدار الباقي الذي أبيحت له المسألة معه لاختلاف أحوال الناس فيه.
стр. 662
في الكفالة عن الميت
روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالميت عليه الدين فيسأل ما ترك لدينه من قضاء فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإن قيل: لا قال: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلى قضاؤه ومن ترك ما لا فلورثته" فيه تسوية من عليه دين وترك وفاء ومن لا دين عليه في جواز صلاته عليه وإن كانت الذمة لا تبرأ بمجرد ترك الوفاء حتى يوفى عنه، وكذلك الكفالة روى أن رسول الله ﷺ دعى إلى جنازة رجل من الأنصار فلما وضع السرير وتقدم ليصلي عليه التفت فقال: "أعلى صاحبكم دين؟ " فقالوا: نعم يا رسول الله قال: "صلوا على صاحبكم" فقال أبو قتادة الأنصاري: هو إلي يا نبي الله فصلى عليه ففي هذا جواز صلاته بالكفالة وإن كان الدين لا يسقط بها عنه وما روى عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أنه قال: توفي رجل منا فذهبوا به إلى رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقال: "هل ترك من شيء" قالوا: لا والله ما ترك شيئا قال: "فهل ترك عليه دينا" قالوا: نعم ثمانية عشر درهما قال: "فهل ترك لها وفاء"؟ قالوا: لا والله ما ترك لها قضاء من شيء قال: " فصلوا على صاحبكم" فقال أبو قتادة: يا رسول الله ﷺ إن أنا قضيت عنه أتصلي عليه قال: "نعم إن قضيت عنه صليت عليه" فذهب أبو قتادة فقضى عنه ثم جاء فقال: قد وفيت ما عليه فقال: نعم فدعا به فصلى عليه هو حديث فاسد الإسناد لا تقوم بمثله حجة لأنه قد روى أن عبد الله أنكر سماعه من أبيه وقال: إنما حدثني به من
стр. 663
أهلي من لا أتهم وفيه إلزام رسول الله ﷺ الكفيل الكفالة بغير أمر المكفول عنه وفيه إلزامه بغير قبول المكفول له كما قاله أبو يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة وفيه إلزام الكفالة بالدين الذي على الميت المفلس كما قالا خلافا للإمام لأن بالموت خربت الذمة فسقط الدين ولكن رسول الله ﷺ هو المتبع والمقتدى روي عن جابر بن عبد الله أن رجلا مات وعليه دين فلم يصل عليه النبي ﷺ حتى قال أبو اليسر أو غيره هو إلي فصلى عليه فجاءه من الغد يتقاضاه فقال: إنما كان ذلك أمس ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه فقال الآن بردت عليه جلدته ففيه إلزام الكفيل عن الميت المفلس وفيه أن الذي عليه لم يبرأ بوجوبه على الكفيل الأبعد القضاء وفيه دليل على صحة ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعيون يذهبون إليه في المال المكفول به أن للغريم مطالبة الكفيل والمكفول عنه أيهما شاء خلافا لما قاله مالك بأنه لا يطالب الكفيل إلا عند عجزه عن مطالبة الأصيل لأن الميت المكفول عنه ما ترك وفاء فلذلك لزم الكفيل ولأن المكفول عنه إذا كان حاضرا قادرا فإن أخذ من الكفيل يؤخذ في حينه من الأصيل فأخذه من الأصيل أقل عناء فهو أولى قال الطحاوي في قوله: الآن بردت عليه جلدته دليل على صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه فيمن قضى دينا عن رجل بغير أمره ليس له أن يرجع عليه لأنه لو بقي على الميت لما بردت جلدته ولكن قول مالك في الحي وفي الميت الذي له وفاء والحديث في الميت المفلس ثم كيف يحتج لأبي حنيفة بالحديث وهو لا يقول بجواز الكفالة عن الميت المفلس اللهم إلا أن يقال: أن عنده يجوز ولكن يلزم وهو الأصح.
стр. 664
في الحمالة بالنفس
روى عن عمران بن حصين قال: أسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 665
رجلا من بني عامر بن صعصعة فمر به على النبي ﷺ وهو موثق فأقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: "على ما أحبس" قال: بجريرة حلفائك قال: ثم مضى رسول الله ﷺ فناداه أيضا فأقبل إليه فقال له الأسير: إني مسلم فقال رسول الله ﷺ : "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" ثم مضى رسول الله ﷺ فناداه أيضا فأقبل إليه فقال: إني جائع فأطعمني فقال النبي ﷺ : "هذه حاجتك" ثم أن النبي ﷺ فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما وفيما روى عنه قال: كانت العضباء لرجل من عقيل أسر فأخذت العضباء منه فأتى عليه رسول الله ﷺ فقال: يا محمد على م تأخذونني وتأخذون سابقة الحاج وقد أسلمت فقال له رسول الله ﷺ : "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" فقال رسول الله ﷺ : "آخذك بجريرة حلفائك" وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال: يا محمد إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني فقال رسول الله ﷺ : "هذه حاجتك" ثم أن الرجل فدى بالرجلين وحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله في احتباس الراحلة لرحله دليل على أنه لم يكن بينه وبين قوم الأسير أمان ولا موادعة ولم يسقط الإسلام الحبس بجريرة حلفائه ولا أوجب له رده إليهم دون أن يردوا الرجلين الإسيرين لأن الإسلام لا يسقط عن الأسير إلا القتل لا ما سواه من الواجبات عليه كالاسترقاق لو كان كتابيا ولما كان مأخوذا بذلك وإن لم يوجبه على نفسه لا يجاب الشريعة إياه عليه كان لو أوجب على نفسه مثل ذلك من تخليص من أسر من المسلمين عليه أوجب وفي الحكم به ألزم فتكون الكفالات بالأنفس إذا وجبها بعض لبعض لازمة كما يقوله الكوفيون والمدنيون وكان الشافعي يذهب إلى هذا غير أنه ضعفها مرة ولم يبطلها وكيف يضعف ما قد دل عليه ما جئنا به من هذا ومثله تولية النقباء على الأنصار وهم الأمناء عليهم في رفع
стр. 666
حالهم روى أنه ﷺ قال للأنصار: "إني أولي عليكم نقباء يكونون عليكم كفلاء كنقباء بني إسرائيل كفلاء".
وفي ذلك ما قد حقق الكفالة بالأنفس لا سيما عند من يحتج بالمغازي وقد جاء عن الصحابة ما يوجب ثبوتها مثل ما روى أن عمر بن الخطاب بعث حمزة بن عمر والأسلمي مصدقا على سعد هذيم فأتى بمال ليصدقه فإذا رجل يقول لامرأته: أدى صدقة مال مولاك وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأد صدقة مال ابنك فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما فأخبر أن ذلك الرجل وقع على جارية زوجته فولدت له ولدا فأعتقته امرأته قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك فقيل له: أصلحك الله إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة ولم ير عليه الرجم فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى قدم على عمر فسأله عما ذكر له عنه فصدق ذلك وقال: إنما درأ عنه الرجم أنه عذر بالجهالة.
ومن ذلك ما روى عن حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع ابن مسعود في المسجد فلما سلم قام رجل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فوالله لقد بت هذه الليلة وما في نفسي على أحد من الناس حنة وإني كنت استطرقت رجلا من بني حنيفة لفرسي فأمرني أن آتيه بغلس وأني أتيته فلما انتهيت إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة سمعت مؤذنهم يقول وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله فاتهمت سمعي وكففت الفرس حتى سمعت أهل المسجد أنيطوا على ذلك فما كذبه عبد الله وقال: من ههنا فقام رجال فقال: على بعبد الله بن النواحة وأصحابه قال حارثة: فجيء بهم وأنا جالس قال عبد الله لابن النواحة: ويلك أين ما تقرأ من القرآن قال: كنت أتعبكم به قال له: تب فأبى فأمر به عبد الله بن مسعود قرظة بن كعب الأنصاري فأخرجه إلى السوق فجاءه برأسه قال حارثة: فسمعت عبد الله بن مسعود يقول من سره أن ينظر إلى عبد الله بن النواحة قتيلا بالسوق فليخرج فلينظر إليه قال حارثة: فكنت فيمن خرج ينظر إليه ثم أن عبد الله استشار أصحاب محمد صلى الله
стр. 667
عليه وسلم في بقية النفر فقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فثؤلول من الكفر اطلع رأسه فأحسمه فلا يكون بعده شيء وقام الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله فقالا: لا بل استتبهم وكفلهم عشائرهم فاستتابهم فتابوا وكفلهم عشائرهم ونفاهم إلى الشام ففي الحديثين استعمال عبد الله الكفالة بالأنفس بمشورة من اشار عليه بها وبحضور من حضرها فلم ينكر ذلك عليه ولم يخالفه فيه فدل ذلك على متابعتهم إياه عليه وما جاء هذا المجيء كان بالقوة أولى وبنفي الضعف عنه أحرى.
стр. 668
في الحوالة
روى عن النبي ﷺ أنه قال: "مطل الغنى ظلم ومن أتبع على ملى فليتبع" أي: من أحيل على ملى فليتبع وكذلك رواه ابن عمرو أن أحلت على ملى فأتبع وقال زيد بن الهذيل والقاسم بن معن: الحوالة كالكفالة وللمحتال أن يطالب كل واحد من المحيل ومن المحال عليه وقوله: من أحيل على ملى فليتبع يدفع ذلك مع أنه يصح أن يقال لي: على فلان كذا وفلان كفيل به أو ضمين أو حميل وفيه ذكر بقاء الحق على الذي كان عليه كما كان قبل الضمان ولا يقال لي: على فلان كذا وفلان لي به حويل أو أحالني به على فلان لأن الحوالة معها تحويل المال عمن كان عليه إلى المحال عليه ثم ظاهر الحديث يدل على صحة الحوالة وإن لم يكن للمحيل على المحال عليه مثل المال كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والشافعي خلافا لمالك فلو أحيل على فقير على ظن أنه ملى فقال مالك: له أن يرجع بما له على المحيل وتبطل الحوالة وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يرجع وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قضى القاضي بتفليسه عاد وإذا مات المحال عليه معد ما يرجع المحيل خلافا لمالك والشافعي وقول الإمام أولى لأن الحوالة في معنى بيع ذمة بذمة كمن أخذ بالدين عبدا فمات قبل قبضه يرجع بدينه كذا هذا وإن كان مالك لا يقوله في العبد فهو يقوله في الطعام المبيع كيلا ولا فرق بين هذا وما قبله.
стр. 669
كتاب الرهن
مدخل
...
كتاب الرهن
روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا" لم يذكر في هذا الحديث من المقصود بالركوب وشرب اللبن المذكورين فيه فقيل: أنه الراهن وهو مذهب الشافعي ومن سواه من أهل العلم حمله على خلافه وقد روى عن أبي هريرة مرفوعا "إذا كان الدابه مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يركب ويشرب نفقتها" فيه دليل على أن المقصود هو المرتهن وهذا عندنا منسوخ لأنهم مأمونون على ما عملوا كما هم مأمونون على ما رووا لأنه لو لم يكن كذلك لسقطت عدالتهم وسقطت روايتهم ومما يدل على أن النسخ قد طرأ على هذا الحديث أن الشعبي قد روى عنه أنه قال: لا ينتفع من الرهن بشيء وعليه مدار هذا الحديث فلم يقل ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه ولما كان الرهن موصوفا بأنه مقبوض بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ دل ذلك أن يد الراهن زائلة فلا يجوز الانتفاع للراهن والمرتهن وإلى هذا ذهب فقهاء الحجاز والعراق.
стр. 670
في الرقبى
روى عن جابر عن النبي ﷺ قال: "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا او رقبه فهو للوارث إذا مات" وعن ابن عمر مرفوعا: "لاعمرى ولا رقبى فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" وعنه نهى رسول الله ﷺ عن الرقبى وقال: "من أرقب رقبى فهي له". فيه أن الرقبى تكون لمن أرقبها وإن الشرط باطل لا معنى له والمسألة مختلف فيها فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: هي قول الرجل للرجل قد جعلت داري هذه رقبى لك إن مت قبلي فهي لي وإن مت قبلك فهي لك وهي كالعارية عندهما وذكر عبد الرحمن بن القاسم جوابا لأسد لما سأله عن قول مالك أن مالكا لم يعرفها ففسرها بالتفسير