يقولون: العلم الحاصل به ضروريّ١. وقيل: إنه نظري٢. وهو اختيار الكعبي٣، وأبي الحسين٤، وأبي الخطاب٥.
كل علم نظري فمنتهاه أنه ضروري
والتحقيق: أنّه قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً، وقد يجتمع فيه الأمران؛ يكون ضرورياً، ثم إذا نظر فيه وجد أنه يوجب العلم. وكذلك العلم الحاصل عقب الآيات قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً، وكلّ نظري فإنّ منتهاه أنه ضروري٦.
ولهذا قال أبو المعالي: المرتضى عندنا أن جميع العلوم ضرورية٧؛ أي بعد حصول أسبابها، ولا بد من فرق في نفس الأمر بين ما يوجب العلم، وما لا يوجبه.
أصل خطأ المعتزلة والأشاعرة في الخوارق
وأصل خطأ الطائفتين: أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء، وما خصهم الله به، ولم يقدروا قدر النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها؛ فإما أن يكذّبوا بوجودها، وإما أن يسوّوا بينهما، ويدعوا فرقاً لا حقيقة له.
стр. 1017
ولهذا يوجد كثير ممّن يكذب [بهذه] ١ الخوارق الشيطانية أن [تكون] ٢ لبعض الأشخاص لما يراه من نقص دينه وعلمه، فإذا عاينها بعد ذلك أو ثبت عنده، خضع لذلك الشخص الذي كان عنده: إما كافراً، وإما ضالاً، وإما مبتدعاً جاهلاً، وذلك لأنه أنكر وجودها [معتقداً أنها لا توجد إلا للصالحين، فلمّا تيقّن وجودها] ٣، جعلها دليلاً على الصلاح. وهو غالطٌ في الأصل، بل هذه من الشياطين؛ من جنس ما للسحرة والكهان، ومن جنس ما للكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن لمشركي الهند والترك وغيرهم، ولعباد النصارى من هذه الخوارق الشيطانية أموراً كثيرة يطول وصفها أكثر وأعظم [من أكثر] ٤ ممّا يُوجد منها لأهل الضلال والبدع من المسلمين، وما يوجد منها للمنافقين٥؛ فإن الشياطين لا تتمكن من إغواء المسلمين، وإن كان فيهم جهل وظلم، كما [تتمكن] ٦ من اغواء المشركين وأهل الكتاب٧.
стр. 1018
ولهذا ثنى في القرآن قصة موسى مع السحرة، وذكر ما يقوله الكفار لأنبيائهم؛ فإنه ما جاء نبي صادق قط، إلا قيل فيه: إنه ساحر أو مجنون؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَومٌ طَاغُون﴾ ١، وذلك أن الرسول يأتي بما يخالف عاداتهم، ويفعل ما يرونه غير نافع، ويترك ما يرونه نافعاً. وهذا فعل المجنون؛ فإن المجنون فاسد العلم والقصد. ومن كان مبلغه من العلم إرادة الحياة الدنيا، كان عنده من ترك ذلك، وطلب ما لا يعلمه: مجنوناً. ثمّ النبيّ مع هذا يأتي بأمور خارجة عن قدرة الناس؛ من إعلام بالغيوب، وأمور خارقة لعاداتهم؛ فيقولون: هو ساحر.
الفرق بين النبي والساحر عند الفلاسفة
وهذا موجود في المنافقين الملحدين المتظاهرين بالإسلام؛ من الفلاسفة ونحوهم؛ يقولون: إن ما أخبرت به الأنبياء من الغيوب، والجنة، والنار، هو من جنس قول المجانين٢، وعندهم خوارقهم من جنس
стр. 1019
خوارق السحرة، والممرورين١ المجانين؛ كما ذكر ابن سينا٢، وغيره٣. لكن الفرق بينهما: أنّ النبي حسن القصد، بخلاف الساحر، وأنه يعلم ما يقول، بخلاف المجنون٤.
لكن معجزات [الأنبياء] ٥ عندهم قوى نفسانية، ليس مع هذا ولا هذا شيء خارج عن قوة النفس٦.
والقاضيان؛ أبو بكر، وأبو يعلى، ومن وافقهما: متوقّفون في وجود المخدوم الذي تخدمه الجن٧؛ قالوا: لا يُقطع بوجوده.
معنى الكاهن
وكذلك الكاهن: ذكروا فيه القولين؛ قول من يقول: إنه المتخرص؛
стр. 1020
وقول من يقول: إنه مخدوم. وهم متوقفون [فيه، لا] ١ يقطعون [بوجود] ٢ مخدوم كاهن٣، كما يقطعون [بوجود] ٤ الساحر؛ [لأنه] ٥ في زمانهم وجد الساحر.
والقرآن أخبرنا بالسحر في سورة البقرة٦، بخلاف الكاهن؛ فإن القرآن ذكر اسمه، ولو تدبروا لعلموا أن الكاهن هو المذكور في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُم كَاذِبُونَ﴾ ٧٨.
وفي الصحيح: عن النبي [ ﷺ ] ٩ أنه قيل له: "إن منا قوماً يأتون الكهان. قال: فلا يأتوهم"١٠.
стр. 1021
وسئل عن الكهان، وما يخبرون به؟ فأخبر أن الجن [تسترق] ١ السمع، و [تخبرهم] ٢ به٣.
فالكتاب والسنة أثبتا وجود الكاهن.
وأحمد قد نصّ على أنه يُقتل كالساحر٤.
لكن الكاهن إنما عنده أخبار، والساحر عنده تصرف؛ بقتل، وإمراض، وغير ذلك٥. وهذا تطلبه النفوس أكثر.
وابن صياد٦ كان كاهناً، ولهذا قال له النبيّ ﷺ : " قد خبّأتُ لك خبيَّاً. فقال: الدُّخّ. فقال: اخسأ، فلن تعدو قدرك" ٧، إنمّا أنت من إخوان الكهان.
стр. 1022
ولمّا قضى في الجنين بغرة، قال [حمل بن] ١ مالك٢: [أيودى] ٣ من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، قتل ذلك يطل٤. فقال: " إنّما أنت من أخوان الكهّان"؛ من أجل [سجعه الذي سجع٥.
فكانوا يسجعون أساجيع٦] ٧.
وقد رأيت من هؤلاء شيوخاً [يسجعون أساجيع كأساجيع] ٨ الكهّان، ويكون كثيرٌ منها صدقاً.
стр. 1023
ولهذا جمع الله بين الكاهن والشاعر، في قوله: ﴿وَمَا هُو بِقَولِ شَاعِر قَليلاً مَا تُؤمِنُون وَلا بِقَولِ كَاهِن قَليلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١.
وكذلك في الشعراء: ذكر الكاهن والشاعر بعد قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيل رَبِّ العَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ ٢، إلى قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُم كَاذِبُونَ﴾ ٣ والرسول في آية الحاقة محمد.
وقال أيضاً: ﴿إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرشِ مَكِين مُطاع ثَمَّ أمين وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنِين وَمَا هُوَ بِقَولِ شَيْطَانٍ رَجِيم فَأَينَ تَذْهَبُون إِنْ هُوَ إِلا ذِكرٌ للعَالَمِينَ﴾ ٤.
فلما أخبر به أنه قول رسول؛ هو ملك من الملائكة، نفى أن يكون قول شيطان. ولما أخبر هناك أنه قول رسول من البشر، نفى أن يكون قول شاعر، أو كاهن. فهذا تنزيه للقرآن نفسه.
ونزَّه الرسولَ أن يكون على الغيب بظنين: أي متّهم، وأن يكون بمجنون؛ فالجنون: فسادٌ في العلم، والتهمة: فسادٌ في القصد. كما قالوا: ساحرٌ، أو مجنون. وقال في الطور: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُون أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ المَنُون قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِني مَعَكُمْ مِنَ المُتَرَبِّصِين﴾ ٥.
стр. 1024
معنى الكاهن عند العرب
وقد أخبر عن الأنبياء قبله: أنه ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ ١، ولم يقولوا: كاهن؛ لأنّ الكاهن عند العرب: هو الذي يتكلم بكلام مسجوع، وله قرين من الجن٢.
وهذا الاسم ليس بذمّ عند أهل الكتاب، بل يسمون أكثر العلماء بهذا الاسم، ويسمُّون هارون [﵇] ٣ وأولاده الذين عندهم التوراة بهذا [الاسم٤] ٥.
والقدر المشترك: العلم [بالأمور] ٦ الغائبة والحكم بها.
اسم الكاهن ليس بذم عند أهل الكتاب
فعلماء أهل الكتاب يُخبرون بالغيب، ويحكمون به عن الوحي الذي أوحاه الله. وكهان العرب كانت تفعل ذلك عن وحي الشياطين، وتمتاز بأنها [تسجع] ٧ الكلام.
стр. 1025
بخلاف اسم الساحر؛ فإنه اسم معروف في جميع الأمم. وقد يدخل في ذلك عندهم المخدوم الذي تخبره الشياطين ببعض الأمور الغائبة.
ولكون الساحر يأتي بالخوارق شبَّهوا النبي [به] ١، وقالوا: ساحر. فدلّ ذلك على قدرٍ مشترك.
من الفروق بين النبي والساحر
لكن الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة وأهل [النّار] ٢، وخيار الناس وشرارهم. وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل٣.
والكفّار قالوا عن الأنبياء: إنَّهم مجانين وسحرة٤.
[فكما] ٥ يُعلم بضرورة العقل من وجود أعظم الفرق بينهم وبين المجانين، وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون، فكذلك يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق بينهم وبين السحرة، وأنهم أفضل الناس وأبعدهم عن السحر.
فالساحر يُفسد الإدراك، حتى يُسمع الإنسان الشيء، ويراه، ويتصوّر خلاف ما هو عليه٦.
стр. 1026
والأنبياء يُصحّحون سمع الإنسان، وبصره، وعقله. والذين خالفوهم صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون.
فالسحرة يزيدون الناس عمى، وصمماً، وبكماً.
صفة النبي ﵊ في التوراة
والأنبياء يرفعون [عماهم] ١، وصممهم، وبكمهم؛ كما في الصحيح عن عطاء بن يسار٢ أنه سأل عبد الله بن عمرو٣. وروى عبد الله بن سلام٤ أنه قيل له: أخبرنا ببعض صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدَاً وَمُبَشِّرَاً ونَذِيرَاً﴾ ٥، وحرزاً للأميين. أنت عبدي سمَّيتُك المتوكل.
стр. 1027
لستَ بفظّ، ولا غليظٍ، ولا سخابٍ بالأسواق، ولا [تجزي] ١ بالسيئة السيئة، ولكن [تجزي] ٢ بالسيئة الحسنة، [وتعفو وتغفر] ٣. ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء؛ فأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غُلفاً؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله ٤.
وهذا مذكورٌ عند أهل الكتاب في نبوة أشعيا٥.
стр. 1028
المراد بالتوراة
ولفظ التوراة: قد يُراد به جميع الكتب التي نزلت قبل الإنجيل؛ فيقال: التوراة، والإنجيل. ويُراد بالتوراة: الكتاب الذي جاء به موسى وما بعده من نبوة الأنبياء المتبعين لكتاب موسى، قد يُسَمَّى هذا كله توراة؛ فإن التوراة تفسر الشريعة؛ فكلّ من دان بشريعة التوراة: قيل لنبوته: إنَّها من التوراة.
وكثيرٌ مما يعزوه كعب الأحبار١ ونحوه إلى التوراة، هو من هذا الباب، لا يختص ذلك بالكتاب المنزل على موسى؛ كلفظ الشريعة عند المسلمين: يتناول القرآن، والأحاديث النبوية، وما استخرج من ذلك؛ كما قد بسط هذا في موضع آخر٢.
والمقصود هنا: أنّ الأنبياء يفتحون الأعين العمي، والآذان الصمّ، والقلوب الغلف. والسحرةُ يفسدون السمع والبصر والعقل، حتى يخيّل للإنسان الأشياء بخلاف ما هي عليه، فيتغير حسه وعقله. قال في قصة
стр. 1029
موسى: ﴿سَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وَاستَرْهَبُوهُم وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم﴾ ١. وهذا يقتضي أنّ أعين الناس قد حصل فيها تغيُّر. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِن السَّمَاءِ فَظَلُّوا فيهِ يَعرجُون لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَت أَبْصَارُنَا بَل نَحْنُ قَومٌ مَسْحُورُون﴾ ٢، فقد علموا أن السحر يغير الإحساس، كما يوجب المرض والقتل. وهذا كلّه من جنس مقدور الإنس؛ فإن الإنسان يقدر [أن] ٣ يفعل [في] ٤ غيره ما يفسد إدراكه، وما يمرضه ويقتله. فهذا مع كونه ظلماً وشراً، هو من جنس مقدور البشر.
الجني يُري قرينه نظير الشيء ليس عينه
والجني إذا أراد أن يري قرينه أموراً غائبة سئل عنها، مثَّلها له. فإذا سئل عن المسروق، أراه شكل ذلك المال. وإذا سئل عن شخص، أراه صورته. ونحو ذلك٥. وقد يظنّ الرائي أنه رأى عينه، وإنّما رأى نظيره.
تمثّل الجني بصورة الإنسي
وقد يتمثّل الجني في صورة الإنسي، حتى يظن الظان أنه الإنسي. وهذا كثيرٌ؛ كما تصوّر لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم٦،
стр. 1030
وكان من أشراف بني كنانة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطانُ أعمالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ اليَومَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُم﴾ ١ الآية. فلما عاين الملائكة ولى هارباً، ولما رجعوا ذكروا ذلك لسراقة، فقال: واللهِ ما علمت بحربكم، حتى بلغتني هزيمتكم٢.
وهذا واقعٌ كثيراً، حتى إنه يتصوّر لمن يعظّم شخصاً في صورته، فإذا استغاث به، أتاه، فيظنّ ذلك الشخص أنه شيخه الميت. وقد يقول له: إنه بعض الأنبياء، أو بعض الصحابة الأموات، ويكون هو الشيطان٣.
стр. 1031
وكثيراً من الناس أهل العبادة والزهد من يأتيه في اليقظة، من يقول: إنّه رسول الله، ويظنّ ذلك حقاً١. ومن يرى إذا زار بعض قبور الأنبياء أو الصالحين أنّ صاحب القبر قد خرج إليه، فيظن أنه صاحب القبر ذلك النبي، أو الرجل الصالح، وإنما هو شيطان أتى في صورته إن كان يعرفها، وإلا أتى في صورة إنسان، وقال: إنه ذلك الميت٢.
стр. 1032
تمثل الشيطان بالخضر
وكذلك يأتي كثيراً من الناس في مواضع، ويقول: إنه الخضر١، فاعتقد أنه الخضر، وإنما كان جنيّاً من الجن٢.
стр. 1033
لم يقل أحد من الصحابة إنه رأى الخضر
ولهذا لم يجترىء الشيطان على أن يقول لأحد من الصحابة: إنّه الخضر، ولا قال أحد من الصحابة: إني رأيت الخضر١. وإنما وقع هذا بعد الصحابة.
стр. 1034
وكلما تأخّر الأمر كثر، حتى إنه يأتي اليهود والنصارى، ويقول: إنه الخضر١.
ولليهود كنيسة معروفة بكنيسة الخضر٢.
وكثيرٌ من كنائس النصارى يقصدها هذا الخضر.
والخضر الذي يأتي هذا الشخص غير الخضر الذي يأتي هذا.
ولهذا يقول من يقول منهم٣: لكل ولي خضر. وإنّما هو جني معه٤.
والذين يدعون الكواكب٥، تتنزل عليهم أشخاص يسمونها روحانية الكواكب٦، وهو شيطانٌ نزل عليه لمّا أشرك، ليغويه.
стр. 1035
كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم أحياناً لبعض الناس، وتتراءى للسدنة أحياناً، ولغيرهم أيضاً١.
وقد يستغيث المشرك [بشيخ] ٢ له غائب، فيحكي الجني صوته لذلك الشيخ، حتى يظن أنه سمع صوت ذلك المريد مع بعد المسافة بينهما. ثم إنّ الشيخ يُجيبه، فيحكي الجني صوت الشيخ للمريد، حتى يظنّ أن شيخه سمع صوته وأجابه. وإلا فصوت الإنسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم، ويومين، وأكثر٣.
وقد يحصل للمريد من يؤذيه، فيدفعه الجنّي، ويُخيّل للمريد أنّ الشيخ هو دفعه٤.
وقد يُضرب الرجل بحجر، فيدفعه عنه الجني، ثم يصيب الشيخ بمثل ذلك، حتى يقول: إني اتقيت عنك الضرب، وهذا أثره فيَّ٥.
وقد يكونون يأكلون طعاماً، فيُصَوَّرُ نظيره للشيخ، ويجعل يده فيه، ويجعل الشيطان يده في طعام أولئك، حتى يتوهّم الشيخ وهم أنّ يد الشيخ امتدت من الشام إلى مصر، وصارت في ذلك الإناء٦.
مناداة عمر: يا سارية الجبل الجبل
وعمر بن الخطاب لما نادى: يا سارية ٧ الجبل، قال: إن لله جنداً
стр. 1036
يبلِّغونهم صوتي١. فعلم أن صوته إنما يبلغ بما ييسره الله من تبليغ بعض
стр. 1037
الملائكة، أو صالحي الجن، فيهتفون بمثل صوته؛ كالذي ينادي ابنه، أو غير ابنه، وهو بعيدٌ، لايسمع: يا فلان، فيسمعه من يريد إبلاغه، فينادي: يا فلان، فيسمع ذلك الصوت، وهو المقصود بصوت [أبيه] ١. وإلا فصوت البشر ليس في قوته أن يبلغ مسافة أيام.
وقد قلنا: إنّ [آيات] ٢ الأنبياء التي اختصوا بها خارجة عن قدرة الجن والإنس، قال تعالى: ﴿قُل لَئِنِ اجْتَمَعَت الإنسُ والجنُّ عَلَى أَنْ يأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ ٣.
وأما إذا كانت مما تقدر عليه الملائكة، فهذا مما يؤيدها؛ فإن الملائكة لا يطيعون من يكذب على الله، ولا يؤيّدونه بالخوارق. فإذا أُيِّد به؛ كما أيَّد
стр. 1038
الله به نبيه والمؤمنين يوم بدر، ويوم حنين، كان هذا من أعلام صدقه، وأنّه صادق على الله في دعوى النبوة؛ فإنّها لا تؤيد الكذب، لكن الشياطين تؤيد الكذّاب، والملائكة تؤيِّد الصدق.
التأييد من الملائكة بحسب الإيمان
والتأييد بحسب الإيمان١، فمن كان أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى، وإن كان إيمانه ضعيفا كانت ملائكته بحسب ذلك؛ كمَلَك الإنسان وشيطانه؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما منكم من أحدٍ إلا وُكِّلَ به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجن. قالوا: وبك يا رسول الله. قال: وبي، لكن الله أعانني عليه فأسلم"٢. وفي حديث آخر: "فلا يأمرني إلا بخير"٣.
وهو في صحيح مسلم من وجهين٤؛ من حديث ابن مسعود؛ ومن حديث عائشة.
وقال ابن مسعود: "إن للقلب لَمَّة٥ من الملك، ولمة من الشيطان.
стр. 1039
فلمة الملك: [إيعاد] ١ بالخير، وتصديق بالحق. ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق"٢.
فإذا كانت حسنات الإنسان أقوى، أُيِّدَ بالملائكة تأييداً يقهر به الشيطان، وإن كانت سيئاته أقوى، كان جند الشيطان معه أقوى. وقد يلتقي شيطان المؤمن بشيطان الكافر؛ فشيطان المؤمن مهزول ضعيف، وشيطان الكافر سمين قوي٣.
الإنسان بفجوره يؤيد شيطانه على ملكه وبصلاحه يؤيده ملكه على شيطانه
فكما أن الإنسان بفجوره يؤيد شيطانه على مَلَكه، وبصلاحه يؤيد ملكه على شيطانه، فكذلك الشخصان يغلب أحدهما الآخر؛ لأنّ الآخر لم يؤيد مَلَكَه، فلم يؤيده، أو [ضعف] ٤ عنه؛ لأنّه ليس معه إيمان [يعينه] ٥؛ كالرجل الصالح إذا كان ابنه فاجراً، لم يمكنه الدفع عنه لفجوره. وبسط هذه الأمور له موضع آخر٦.
стр. 1040
والمقصود هنا: الكلام على الفرق بين آيات الأنبياء وغيرهم، وأنّ من قال١: إن آيات الأنبياء، والسحر، و [الكهانة] ٢، والكرامات، وغير ذلك من جنس واحدٍ، فقد غلط أيضاً.
المتكلمون لم يعرفوا قدر آيات الأنبياء
والطائفتان٣ لم يعرفوا قدر آيات الأنبياء، بل جعلوها من هذا الجنس؛ فهؤلاء٤ نفوه، وهؤلاء٥ أثبتوه وذكروا فرقاً لا حقيقة له.
وإذا قال القائل: آيات الأنبياء لا يقدر عليها [إلا الله، أو أن الله يخترعها ويبتدئها بقدرته، أو أنها من فعل الفاعل المختار، ونحو ذلك٦.
الرد على الأشاعرة
قيل له: هذا كلامٌ مجملٌ. فقد يقال عن كل ما يكون آية: لا يقدر عليه إلا الله] ٧؛ فإن الله خالق كل شيء، وغيره لا يستقلّ بإحداث شيء. وعلى هذا: فلا فرق بين المعجزات وغيرها.
وقد يقال: لا يقدر عليها إلا الله: أي هي خارجةٌ عن مقدورات
стр. 1041
العباد؛ فإنّ مقدوراته على قسمين: منها ما يفعله بواسطة قدرة العباد؛ كأفعال العباد، وما يصنعونه؛ ومنها ما يفعله بدون ذلك؛ كإنزال المطر١.
فإن أراد هذا القائل: أنّها خارجة عن مقدور الإنس؛ بمعنى: أنه لا يقع منهم؛ لا بإعانة الجن، ولا بغير ذلك. فهذا كلامٌ صحيح.
و [إن أراد أنّه] ٢ خارجٌ عن مقدورهم فقط، وإن كان مقدوراً للجنّ: فهذا ليس بصحيح؛ فإنّ الرسل أرسلوا إلى الإنس والجن. والسحر والكهانة وغير ذلك تقدر الجن على إيصالها إلى الإنس، وهي مناقضة لآيات الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣.
وإن أراد أنها خارجة عن مقدور الملائكة والإنس والجن، أو أن الله يفعلها بلا سبب: فهذا أيضاً باطلٌ. فمن أين له أنّ الله يخلقها بلا سبب؟ ومن أين له أنه لا يخلقها بواسطة الملائكة الذين هم رسله في عامّة ما يخلقه؟ فمن أين له أنّ جبريل لم ينفخ في مريم حتى حملت بالمسيح؟ وقد أخبر الله بذلك.
وهو وأمّه ممّا جعلهما آيةً للعالمين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابنَ مريَمَ وأُمَّه آيةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرارٍ ومَعِين﴾ ٤.
وخلقُ المسيح بلا أب من أعظم الآيات، وكان بواسطة نفخ جبريل،
стр. 1042
قال تعالى: ﴿فَأرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّل لَها بَشَرَاً سَوِيّاً قالت إِنّي أعوذُ بالرحمن منكَ إِنْ كنتَ تَقِيّاً قال إنّما أنا رسول ربِّك [لِيَهَبَ] ١ لكِ غُلاماً زَكِيَّاً قالت أنّى يكونُ لي [غُلامٌ] ٢ وَلَم يَمْسَسْني بشرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَم ابنةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ٤.
وكذلك طمس أبصار قوم لوط كان بواسطة الملائكة.
والذي عنده علمٌ من الكتاب، لمّا قال [عفريتٌ٥ من الجنّ] ٦ لسُليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وإِنِّي عَلَيهِ لقَوِيّ أَمِين قال الَّذي عِنْدَه عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ٧؛ أتته به الملائكة؛ كذلك ذكره المفسرون عن ابن عبّاس وغيره: أن الملائكة أتته به أسرع مما كان يأتي به العفريت٨.
стр. 1043
وقد أخبر الله تعالى أنّه أيّد محمّداً ﷺ بالملائكة وبالريح، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم رِيحَاً وَجُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرَاً﴾ ١.
وقال تعالى يوم حنين: ﴿ [ثُمَّ َأَنْزَلَ] ٢ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأنْزَلَ جُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٣.
وقال تعالى يوم الغار: ﴿فأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحي رَبُّكَ إِلى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُم فَثَبِّتُوا الَّذِين آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ ٥.
وقد ثبت في الصحيح: أنّ الإنسان يُصوّره مَلَك في الرحم بإذن الله، ويقول الملك: "أي ربّ نطفة، أي ربّ علقة، أي ربّ مضغة"٦، فإذا كان الخلق المعتاد يكون بتوسط الملائكة.
стр. 1044
[وقال] ١ يُقرر التوحيد بقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُم﴾ ٢ الآيات.
ثم النبوة، بقوله: ﴿وإِنْ كُنْتُمْ في رَيبٍ مِمّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا [فأتوا] ٣ [بسُورةٍ] ٤﴾ ٥.
[ثم المعاد] ٦.
وكذلك الأنعام، يقرر التوحيد، ثم النبوة في وسطها، ثم يختمها بأصول الشرائع والتوحيد أيضاً، وهو ملة إبراهيم. وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع٧.
والمقصود: أنه قد بيَّن انفراده بالخلق، والنفع، والضرّ، والإتيان بالآيات، وغير ذلك، وأنّ ذلك لا يقدر عليه غيره. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُق كَمَنْ لا يَخْلُق﴾ ٨.
стр. 1045
وقال تعالى: ﴿وجَعَلُوا للهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُم وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بغيرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعَالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيع السَّمَواتِ والأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم ذَلِكُم اللهُ رَبُّكُم لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصَار وَهُوَ اللَّطِيف الخَبِيرُ قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُم فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ومَا أَنَأ عَلَيْكُمْ بِحَفيظ وكذلك [نُصَرِّفُ] ١ الآيات وليَقُولوا دَرَسْتَ وَلنُبَيِّنَهُ لقومٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِع ما أُوْحِيَ إليكَ مِنْ رَبِّكَ لا إلهَ إلاَّ هُوَ وأَعْرِض عَنِ المُشْرِكِينَ ولو شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وما جَعَلْنَاك عَلَيْهِمْ حَفِيظَاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فيَسُبُّوا اللهَ عَدْوَاً بغيرِ عِلْمٍ كذلك زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم ثُمَّ إلى رَبِّهِم مَرْجِعُهُم فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كانوا يَعْمَلُون وأقسموا باللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِم لَئِنْ جَاْءَتْهُم آيةٌ ليُؤمِننّ بِهَا قُلْ إِنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وما يُشْعِرُكُم أنَّهَا إذا جاءَتْ لا يُؤمِنُون ونُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُم وأبْصَارَهُم كما لَمْ يُؤمِنُوا به أوَّل مَرَّةٍ ونَذَرُهُم في طُغْيَانِهِم يَعْمَهُون﴾ ٢.
ففي هذه الآيات تقرير التوحيد، حتى في إنزال الآيات، قال: ﴿إنّما الآياتُ عند الله﴾ .
وكذلك قوله في العنكبوت: ﴿وقالُوا لولا أُنْزِل عليهِ آيةٌ ٣ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إنما الآياتُ عندَ اللهِ وإنّما أنا نَذِيرٌ مُبينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتْلَى عليهم إنَّ في ذلك [لَرَحمةً] ٤ وَذِكْرى لقومٍ
стр. 1046
يُؤْمِنُون قُلْ كَفَى باللهِ بيني وبينكم شَهِيداً يعلم ما في السَّمَواتِ والأرض والَّذِينَ آمنوا بالباطلِ وكفروا باللهِ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُون﴾ ١.
وقال أيضاً: ﴿وقالوا لولا نزِّلَ عليهِ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادرٌ على أَنْ يُنَزِّلَ آيةً ولكنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يعلمون﴾ ٢، هذا بعد قوله: ﴿فإن استَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقَاً في الأرضِ أو سُلَّماً في السماءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَة وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدى فلا تَكُونَنَّ من الجاهِلِينَ﴾ ٣.
[و] ٤ هو أرسله بآيات بان بها الحقّ، وقامت بها الحجّة، وكانوا يطلبون آيات تعنّتاً، فيظنّ من يظنّ أنّهم يهتدون بها، [لكن لا] ٥ يحصل بها المقصود، وقد [تكون] ٦ [موجبة] ٧ لعذاب الاستئصال، فتكون ضرراً بلا نفع. وبيَّن سبحانه أنه قادر على إنزال الآيات، وأنها ليست إلا عنده.
لكن آيات الأنبياء لا تكون مما يقدر عليه العبد، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ ٨.
والملائكة إِنَّما هي سببٌ من الأسباب؛ كما في خلق المسيح [من غير
стр. 1047
أب، فجبريل إنّما كان مقدوره النفخ فيها، وهذا لا يُوجب الخلق، [بل] ١ هو بمنزلة الإنزال في حقّ غير المسيح.
وكذلك المسيح] ٢ لمّا خلق من الطين كهيئة الطير: إنّما مقدوره تصوير الطين، [وأمّا] ٣ حصول الحياة فيه: فبإذن الله؛ فإنّ الله يحيي ويميت، وهذا من خصائصه.
ولهذا قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ٤.
وفي القرآن، في غير مواضع: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّت مِنَ الحَيّ﴾ ٥، [ ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ ٦] ٧، ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ٨، [ ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ٩] ١٠.
стр. 1048
وما يتولّد عن أفعال الملائكة وغيرهم ليسوا مستقلّين به، بل لهم فيه شركة؛ كطمس أبصار اللوطيّة، وقلب مدينتهم.
وكذلك النصر: إنّما] يقدرون] ١ على القتال كالإنس. والنصر هو من عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿ومَا جَعَلَهُ اللهُ إلاَّ بُشرى ولتطمئِنَّ به قلوبُكم وما النَّصْرُ إِلاَّ من عند اللهِ﴾ ٢.
[والقرآنُ إنّما يقدرون على النزول به، لا على إحداثه ابتداءً، فهم٣ يقدرون على الإتيان بمثله من عند الله] ٤.
وأمّا الجنّ والإنس فلا يقدرون على الإتيان بمثله؛ لأنّ الله لا يُكلّم بمثله الجنّ والإنس ابتداءً.
ولهذا قال: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ٦، وقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ ٧، وقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٨، لم يُكلّفهم نفس الإحداث، بل طالبهم بالإتيان بمثله؛ إما إحداثاً، وإما تبليغاً عن الله، أو عن مخلوق، ليظهر عجزهم عن جميع الجهات٩؛ فقد يُقال: فنفس أفعال العباد ليست من الآيات؛ إذ
стр. 1049
كانت مقدورة ومفعولة للعبد، وإن كان ذلك بإقدار الله تعالى، ولا نفس القدرة على ذلك الفعل؛ فإن المقصود من القدرة هو الفعل.
آيات الأنبياء لا يتوصل إليها بسبب
بل الآيات خارجة عن مقدور جميع العباد؛ الملائكة، والجنّ، والإنس، وهي أيضاً لا تُنال بالاكتساب؛ فإن الإنس والجنّ قد يقدرون بأسباب مباينة لهم على أمور، كما يقدرون على قتل من يقتلونه وإمراضه، ونحو ذلك.
وآيات الأنبياء لا يقدر أحدٌ أن يتوصّل إليها بسبب.
والسحر والكهانة ممّا يمكن التوصّل إليه بسبب؛ كالذي يأتي بأقوال وأفعال تُحدّثه بها الجنّ١.
فالنبوّة لا تُنال بكسب العبيد، ولا آياتها تحصل بكسب العباد٢، وهذا
стр. 1050
من الفروق بين آيات الأنبياء، وبين السحر والكهانة.
من الفروق بين آيات الأنبياء وبين خوارق السحرة والكهان
وبينهما فروق كثيرةٌ، أكثر من عشرة١.
أحدها: أنّ ما تخبر به الأنبياء، لا يكون إلاصدقاً. وأمّا ما يُخبر به من خالفهم؛ من السحرة، [والكهان] ٢، وعُبّاد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع والفجور من المسلمين؛ فإ نه لابُدّ فيه من الكذب.
[الثاني: أنّ الأنبياء لا تأمر إلا بالعدل، ولا تفعل إلا العدل] ٣.
стр. 1051
وهؤلاء المخالفون لهم لا بُدّ لهم من الظلم؛ فإن ما خالف العدل لا يكون إلا ظلماً؛ فيدخلون في العدوان على الخلق، وفعل الفواحش، والشرك، والقول [على] ١ الله بلا علم؛ وهي المحرمات التي حرّمها الله مطلقاً؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّم رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكوا باللهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاتَعْلَمُون﴾ ٢.
الثالث: أنّ ما يأتي به من يخالفهم: معتادٌ لغير الأنبياء؛ كما هو معتاد للسحرة، والكهان، وعباد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع والفجور.
وآيات الأنبياء هي معتادة أنها تدلّ: علىخبر الله وأمره، على علمه وحكمه؛ فتدلّ على أنهم أنبياء، وعلى صدق من أخبر بنبوتهم؛ سواء كانوا هم المخبرين، أوغيرهم.
وكرامات الأولياء هي من هذا؛ فإنهم يخبرون بنبوة الأنبياء.
وكذلك أشراط الساعة: هي أيضاً تدلّ على صدق الأنبياء؛ إذ كانوا قد أخبروا بها.
فالذي جعله أولئك٣ من كرامات الأولياء، وأشراط الساعة ناقضاً لآيات الأنبياء، إذ هو من جنسها، ولا يدلّ عليها.
فأولئك٤ كذّبوا بالموجود، وهؤلاء٥ سوّوا بين الآيات وغيرها، فلم [يكن] ٦ في الحقيقة عندهم آية، وكانت الآيات عند أولئك منتقضة.
стр. 1052
وأولئك١ نصروا جهلهم بالتكذيب بالحق، وهؤلاء٢ نصروا جهلهم أيضاً بقول الباطل، فقالوا: إنّ الآية هي المقرونة بالدعوى التي لا تعارض٣، وزعموا أنه لا يمكن معارضة السحر والكهانة إذا جعل آية، وأنه إذا لم يعارض، كان آيةً٤، وهو تكذيب بالحق أيضاً؛ فإنّه قد ادّعاه غير نبيّ، ولم يعارض٥.
فالطائفتان٦ أدخلت في الآيات ما ليس منها، وأخرجت منها ما هو منها؛ فكرامات الأولياء، وأشراط الساعة من آيات الأنبياء، وأخرجوها. والسحر والكهانة ليس من آياتهم، وأدخلوها، أو سوّوا بينها وبين الآيات، بل [ونوابها] ٧.
الرابع: إنّ آيات الأنبياء والنبوة، لو قُدّر أنها تُنال بالاكتساب، فهي إنما تُنال بعبادة الله وطاعته؛ فإنه لا يقول عاقل: إنّ أحداً يصير نبياً بالكذب
стр. 1053
والظلم، بل بالصدق والعدل؛ سواءٌ قال: إنّ النبوة جزاء على العمل١، أو قال: إنه إذا زكى نفسه، [فاض] ٢ عليه ما يفيض على الأنبياء٣. فعلى القولين: هي مستلزمة لالتزام الصدق والعدل.
وحينئذ: فيمتنع أن صاحبها يكذب على الله؛ فإن ذلك يفسدها بخلاف من خالف الأنبياء؛ من السحرة، والكهان، وعباد المشركين، وأهل البدع والفجور؛ من أهل الملل؛ أهل الكتاب، والمسلمين؛ فإن هؤلاء [تحصل] ٤ لهم الخوارق، مع الكذب والإثم. بل خوارقهم مع ذلك أشدّ؛ لأنهم يخالفون الأنبياء. وما ناقض الصدق والعدل، لم يكن إلا كذباً وظلماً.
فكلّ من خالف طريق الأنبياء، لا بُدّ له من الكذب والظلم؛ إما عمداً، وإما جهلاً.
стр. 1054
وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ على كُلِّ أفَّاكٍ أثيم﴾ ١: ليس من شرطه أن يتعمد الكذب، بل من كان جاهلاً يتكلم بلا علم، فيكذب؛ فإن الشياطين تنزل عليه أيضاً؛ إذ من أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه، من غير اجتهاد يُعذر به، فهو كذّاب.
ولهذا يصف الله المشركين بالكذب، وكثيرٌ منهم لا يتعمّد ذلك.
وكذلك قال النبي ﷺ لما أفتى أبو السنابل٢: بأنّ المتوفى عنها الحامل، لا [تحلّ] ٣ بوضع الحمل، بل تعتد أبعد الأجلين. فقال: كذب أبو السنابل٤؛ [أي في قوله] ٥: بأنّ المتوفى عنها الحامل لا [تحلّ] ٦ بوضع الحمل، بل تعتد أبعد الأجلين.
وكذلك لمّا قال بعضهم: ابن الأكوع حبط عمله. قال النبيّ ﷺ : كذب من قالها، إنه لجاهد مجاهد٧
ونظائره كثيرة.
فالأنبياء لا يقع في إخبارهم عن الله كذب؛ لا عمداً، ولا خطأ.
وكلّ من خالفهم لابد أن يقع في خبره عن الله كذب ضرورةً؛ فإن خبره إذا لم يكن مطابقاً لخبرهم، كان مخالفاً له، فيكون كذباً.
стр. 1055
فالذي تَنَزَّل عليه الشياطين إذا ظن واعتقد أنهم جاؤوا من عند الله، وأخبر بذلك، كان كاذباً. وكذلك إذا قال عما أوحوه إليه: إن الله أوحاه إليه، كان كاذباً؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ١.
ولمّا شاع خبر المختار بن أبي عبيد٢، وهو أول من ظهر في الإسلام بالكذب في هذا، وثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يكون في ثقيف كذّاب ومبير" ٣، فكان الكذّاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان