وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَومِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَشَهِدُوا على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُم كَانُوا كَافِرين ذَلكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١؛ فالرسل تكون من الإنس إلى الثقلين، والنذر من الجنّ باتفاق العلماء٢.
هل يكون من الجنّ رسلاً؟!
واختلفوا: هل يكون في الجن رسل؟ والأكثرون على أنّه لا رسل فيهم٣، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ ٤.
стр. 982
وعن الحسن البصري قال: لم يبعث الله نبيّاً من أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء. ذكره عنه طائفة، منهم: البغوي١، وابن الجوزي٢.
إسلام الجن واجتماعهم برسول الله ﷺ
وقال قتادة: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط، إلا من أهل القرى؛ لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمور. رواه ابن أبي حاتم، وذكره طائفة٣.
ونبينا محمد ﷺ قد أرسل إلى الثقلين٤، وقد آمن به مَنْ آمن مِنْ جنّ نصيبين٥، فسمعوا القرآن، وولّوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا فبايعوه على الإسلام بشعب معروف بمكة٦ بين
стр. 983
الأبطح١، وبين جبل حراء٢، وسألوه الطعام لهم ولدوابهم، فقال: "لكم كلّ عظم ذُكِر اسم [الله] ٣ عليه أوفر ما يكون لحماً، وكلّ بعرة علف لدوابكم"، قال النبي ﷺ :"فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" ٤.
والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة٥ في الصحيح، والسنن،
стр. 984
والمسند، وكتب التفسير والفقه، وغيرها١.
وقد روى الترمذي وغيره أنّه قرأ عليهم سورة الرحمن، وهي خطاب للثقلين٢.
стр. 985
وقد [اتفق] ١ العلماء على أنّ كفارهم يدخلون النار٢، كما أخبر الله بذلك في قوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا في أممٍ قَدْ خَلَتْ من قَبلِكُمْ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ في النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٣، وقال الله تعالى: ﴿لأمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ ٤، وقال: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ ٥.
стр. 986
أقوال العلماء في مؤمني الجنّ
وأما مؤمنوهم: فأكثر العلماء على أنهم يدخلون الجنة١.
وقال طائفة: بل يصيرون تراباً كالدوابّ٢. والأول أصحّ، وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ليلى٣، وأبي يوسف٤، ومحمد٥، ونقل ذلك عن مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول أصحابهم٦.
стр. 987
واحتج عليه الأوزاعي وغيره بقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ١، بعد ذكره أهل الجنّة وأهل النار، من الجن والإنس٢، كما قال في سورة الأنعام، وفي الأحقاف: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ، بعد ذكر أهل الجنة والنار٣. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم٤: درجات أهل النار تذهب سفولاً، ودرجات أهل الجنة تذهب صعوداً٥.
فنبيِّنا ﷺ هو مع الجن كما هو مع الإنس. [والإنس] ٦ معه إمّا مؤمنٌ به، وإما مسلمٌ له، وإما مسالمٌ له، وإما خائفٌ منه.
стр. 988
مراتب الجن وأنواعهم
كذلك الجن منهم المؤمن به، ومنهم المسلم له مع نفاق، ومنهم المعاهد المسالم لمؤمني الجن، ومنهم الحربي الخائف من المؤمنين. وكان هذا أفضل مما أوتيه سليمان؛ فإن الله سخّر الجن لسليمان تطيعه طاعة الملوك؛ فإن سليمان كان نبياً ملكاً، مثل داود ويوسف. وأما محمّد فهو عبدٌ رسولٌ، مثل إبراهيم وموسى وعيسى١ [﵈] ٢، وهؤلاء أفضل من أولئك.
القسم الأول: المحمود
فأولياء الله المتبعون لمحمد إنّما يستخدمون [الجن كما يستخدمون الإنس] ٣ في عبادة [الله] ٤ وطاعته، كما كان محمد ﷺ يستعمل الإنس والجن، لا في غرض له [غير] ٥ ذلك.
القسم الثاني: المباح
[و] ٦ من الناس من يستخدم من يستخدمه من الإنس في أمور مباحة. كذلك فيهم من يستخدم الجن في أمور مباحة٧، لكن هؤلاء لا يخدمهم
стр. 989
الإنس والجنّ إلا بعوض؛ مثل أن يخدموهم كما يخدمونهم، أو يعينونهم على بعض مقاصدهم، وإلا فليس أحدٌ من الإنس والجن يفعل شيئاً إلا لغرض.
والإنس والجن إذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة؛ فإما أن يكونوا مخلصين يطلبون الأجر من الله، وإلا طلبوه منه؛ إما دعاؤه لهم، وإما نفعه لهم بجاهه، أو غير ذلك.
القسم الثالث: المذموم
والقسم الثالث: أن يستخدم الجن في أمور محظورة، أو بأسباب محظورة؛ مثل قتل نفس، وإمراضها بغير حق؛ ومثل منع شخص من الوطء؛ ومثل تبغيض شخص إلى شخص؛ ومثل جلب من يهواه الشخص إليه. فهذا من السحر.
وقد يقع مثله لكثير من الناس ولا يعرف السحر، بل يكون موافقاً للشياطين على بعض أغراضهم؛ مثل شرك، أو بدعة وضلالة، أو ظلم، أو فاحشة؛ فيخدمونه ليفعل ما يهوونه.
وهذا كثيرٌ في عبّاد المشركين، وأهل الكتاب، وأهل الضلال من المسلمين.
وكثيرٌ من هؤلاء لا يعرف أن ذلك من الشياطين، بل يظنه من كرامات الصالحين.
ومنهم من يعرف أنه من الشياطين، ويرى أنه بذلك حصل له ملك، وطاعة، ونيل ما يشتهيه من الرياسة والشهوات، وقتل عدوه؛ فيدخل في
стр. 990
ذلك كما تدخل الملوك الظلمة في أغراضهم١.
وليس أحدٌ من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة، كما كانت تطيع سليمان بتسخير من الله وأمر منه من غير معاوضة، كما أن الطير كانت تطيعه، والريح؛ قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيح غُدُوُّها شَهرٌ وَرَوَاحُهَا شَهرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزُغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوابِ وَقُدُورٍ رَاسِيات اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ ٢.
والجن [كالإنس] ٣، فيهم المؤمن المطيع، والمسلم الجاهل، أو المنافق، أو العاصي، وفيهم الكافر.
وكلّ ضرب يميل إلى بني جنسه، والذي أعطاه الله تعالى لسليمان خارج عن قدرة الجن والإنس؛ فإنه لا يستطيع [أحدٌ] ٤ أن يُسخّر الجنّ مطلقاً لطاعته، ولا يستخدم [أحداً] ٥ منهم إلا بمعاوضة؛ إما عمل مذموم تحبه الجن، وإما قول تخضع له الشياطين؛ كالأقسام، والعزائم٦؛ فإنّ
стр. 991
كلَّ جني فوقه من هو أعلى منه، فقد يخدمون بعض [الناس] ١ طاعة لمن فوقهم؛ كما يخدم بعض الإنس لمن أمرهم سلطانهم بخدمته لكتاب معه منه، وهم كارهون طاعته. وقد يأخذون منه ذلك الكتاب ولا يطيعونه، وقد يقتلونه، أو يُمرضونه؛ فكثيرٌ من الناس قتلته الجنّ٢.
سبب صرع الجن للإنس
كما يصرعونهم، والصرع لأجل الزنا، وتارة يقولون إنه آذاهم؛ إما [بصبّ نجاسة] ٣ عليهم، وإما بغير ذلك؛ فيصرعونه صرع عقوبة وانتقام.
وتارة يفعلون ذلك عبثاً؛ كما [يعبث] ٤ شياطين الإنس بالناس.
والجنُّ أعظم شيطنة، وأقلّ عقلاً، وأكثر جهلاً. والجني قد يحب الإنسي، كما يحب الإنسي الإنسي، وكما يحب الرجل المرأة، والمرأة الرجل، ويغار عليه، ويخدمه بأشياء. وإذا صار مع غيره، فقد يعاقبه بالقتل وغيره. كلُّ هذا واقعٌ٥.
ثُمَّ الَّذي يخدمونه تارة يسرقون له شيئاً من أموال الناس، ممّا لم يُذكر اسم الله عليه، ويأتونه إما [بطعام] ٦، وإما شراب، وإما لباس، وإما نقود، وإما غير ذلك. وتارة يأتونه في المفاوز بماء عذب وطعام وغير ذلك٧.
стр. 992
خوارق الشياطين سببها الشرك والظلم
وليس شيءٌ من ذلك من معجزات [الأنبياء] ١، ولا كرامات الصالحين؛ فإن ذلك إنما يفعلونه بسبب شرك وظلم وفاحشة.
وهو لو كان مباحاً لم يجز أن يفعل بهذا السبب، فكيف إذا كان في نفسه ظلماً محرماً، لكونه من الظلم، والفواحش، ونحو ذلك.
وقد يُخبرون بأمور غائبة ممّا رأوه وسمعوه، ويدخلون في جوف الإنسان٢؛ قال النبي ﷺ : "إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم"٣.
стр. 993
لكن إنّما سلطانهم كما قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكونَ﴾ ١.
ولما قال الشيطان: ﴿قال رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُم في الأرضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنهُم المُخْلصِين﴾ ٢، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ ، ثم قال: ﴿إِلاَّ [أي: لكن] ٣ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبوَاب لِكُلِّ بَابٍ منهم جُزءٌ مَقْسُوم﴾ ٤٥.
стр. 994
الشياطين لا سلطان لهم على أهل الإخلاص وأسباب اندحارهم
فأهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم١. ولهذا يهربون٢ من البيت الذي [تُقْرأ] ٣ فيه سورة البقرة٤، [ويهربون من قراءة آية الكرسي٥،
стр. 995
وآخر١ سورة البقرة] ٢، وغير ذلك من قوارع القرآن٣.
ومن الجنّ من يُخبر بأمور مستقبلة للكهان، وغير الكهان، ممّا [يسترقونه] ٤ من السمع.
والكهانة كانت ظاهرة [كثيرةً] ٥ بأرض العرب، فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت، أو قلّت.
الشياطين تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد
ثمّ إنها تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد٦.
стр. 996
وقد كان حول المدينة بعد أن هاجر النبي ﷺ كُهّان يتحاكمون إليهم، وكان أبو بردة بن نيار كاهناً، ثمّ أسلم بعد ذلك، وهو من أسلم١.
والأصنام لها شياطين كانت تتراءى [للسدنة] ٢ [أحياناً، وتكلمهم أحياناً.
قال أبي بن كعب: "مع كلّ صنم جنية"٣.
وقال ابن عباس: "في كل صنم شيطان، تتراءى للسدنة] ٤ فتكلمهم"٥.
стр. 997
والشياطين كما قال الله تقترن بما يجانسها؛ بأهل الكذب والفجور، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّل الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ١.
فكيف يجوز أن يقال: إن مثل هذا يكون معجزة لنبيّ، أو كرامة لوليّ؟!. وهذا يناقض الإيمان ويُضادّه! والأنبياء والأولياء أعداء هؤلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوَّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أصْحَابِ السَّعِير﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين وَأَن اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ٣.
وهذا يُظهر الفرق بين أخبار الأنبياء عن الغيب ما لا سبيل لمخلوق إلى علمه إلا منه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَن ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِم وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً﴾ ٤.
فقوله: ﴿على غيبه﴾ : هو غيبه الذي اختص به.
стр. 998
وأما ما يعلمه بعض المخلوقين: فهو غيب عمن لم يعلمه، وهو شهادة لمن علمه.
فهذا أيضاً تُخبر منه الأنبياء بما لا يمكن الشياطين أن تُخبر به، كما في إخبار المسيح بقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ ١؛ فإنّ الجن قد يخبرون بما يأكله بعض الناس، وبما يدّخرونه، لكن الشياطين إنما تتسلط على من لا يذكر اسم الله؛ كالذي لا يذكر اسم الله إذا دخل، فيدخلون معه، وإن لم يذكر اسم الله إذا أكل، فإنهم يأكلون معه.
وكذلك إذا ادّخر شيئاً، ولم يذكر اسم الله عليه، عرفوا به، وقد يسرقون بعضه، كما جرى هذا لكثيرٍ من الناس٢.
وأما من يذكر اسم الله على [طعامه] ٣، وعلى ما يختاره، فلا سلطان لهم عليه، لا يعرفون ذلك، ولا يستطيعون أخذه٤.
стр. 999
والمسيح ﵇ كان يخبر المؤمنين بما يأكلون وما يدخرون ممّا ذُكر اسم الله عليه، والشياطين لا تعلم به١.
ولهذا من [تكون] ٢ أخباره عن شياطين تُخبره، لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد، وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم، ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم.
خوارق الشياطين لأوليائهم لا تظهر أمام أهل القرآن والإيمان
وتعترف الجن والإنس الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم [أنهم] ٣ لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن، ويقولون:
стр. 1000
أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما [تظهر] ١ عند الكفار والفجار٢؛ وهذا لأنّ أولئك أولياء الشياطين، ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين٣، ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانيّة؛ كدخول النّار مع كونها لم [تصر] ٤ عليهم برداً وسلاماً؛ فإنّ الخليل لمّا أُلقي في النّار، صارت عليه برداً وسلاماً.
وكذلك أبو مسلم الخولاني، لمّا [قال] ٥ له الأسود العنسي المتنبي: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار، فأُوقدت له، وألقي فيها، فجاءوا إليه، فوجدوه يصلي فيها، وقد صارت عليه برداً وسلاماً. فقدم المدينة بعد موت النبيّ ﷺ ، وأخذه عمر، فأجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فُعل به كما فُعل بإبراهيم٦.
стр. 1001
وأما إخوان الشياطين: فإذا دخلت فيهم الشياطين، فقد يدخلون النار، ولا تحرقهم؛ كما يُضرب أحدهم ألف سوط، ولا يحسّ بذلك؛ فإن الشياطين تلتقي ذلك.
طرق خروج الجن من الإنس
وهذا أمرٌ كثيرٌ معروفٌ، قد رأينا من ذلك ما يطول وصفه١. وقد ضربنا نحن من الشياطين في الإنس ما شاء الله، حتى خرجوا من الإنس، ولم يعاودوه٢.
وفيهم من يخرج بالذكر والقرآن.
وفيهم من يخرج بالوعظ والتخويف.
وفيهم من لا يخرج إلا بالعقوبة؛ كالإنس٣.
الشياطين يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس
فهؤلاء الشياطين إذا كانوا مع جنسهم، الذين لا يهابونهم، فعلوا هذه الأمور. وأما إذا كانوا عند أهل [إيمان] ٤ وتوحيد، وفي بيوت الله التي
стр. 1002
يُذكر فيها اسمه، لم [يجترئوا] ١ على ذلك، بل يخافون الرجل الصالح أعظم ممّا [يخافه] ٢ فُجّار الإنس. ولهذا لا يمكنهم عمل سماع المكاء والتصدية في المساجد المعمورة بذكر الله، ولا بين أهل الإيمان والشريعة المتبعين للرسول. إنّما يمكنهم ذلك في الأماكن التي [يأتيها] ٣ الشياطين؛ كالمساجد المهجورة، والمشاهد، والمقابر، والحمامات، والمواخير.
فالمواضع التي نهى النبي [ ﷺ ] ٤ عن الصلاة فيها؛ كالمقبرة، وأعطان الإبل، والحمام، وغيرها٥، فتكون حال هؤلاء فيها أقوى لأنها؛ مواضع الشياطين؛ [كالمجزرة] ٦، والمزبلة، والحمام، ونحو ذلك، بخلاف الأمكنة التي ظهر فيها الإيمان والقرآن والتوحيد، التي أثنى الله على أهلها، وقال فيهم: ﴿اللهُ نُورُ السَّموَاتِ والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا [مِصْبَاح] ٧
стр. 1003
المِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيّ [يُوقَدُ] ١ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور يَهدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ للنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوّ وَالآصالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَومَاً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَن مَا عَمِلُوا وَيَزِيدهُمْ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَاب﴾ ٢
الأماكن والأزمان التي لا تتسلط فيها الشياطين
فهذه أمكنة النور والصالحين والملائكة، لا تتسلّط عليها الشياطين بكل ما تريد، بل كيدهم فيها ضعيف، كما أن كيدهم في شهر رمضان ضعيف٣؛ إذ كانوا فيه يُسلسلون٤، لكن لم يبطل فعلهم بالكلية، بل
стр. 1004
ضَعُف، فشرّهم فيه على أهل الصوم قليل، بخلاف أهل [الشراب] ١، وأهل الظلمات؛ فإنّ الشياطين هنالك مَحَالُّهم، وهم يحبون الظلمة، ويكرهون النور، ولهذا ينتشرون بالليل؛ كما جاء في الحديث الصحيح٢، ولهذا أمر الله بالتعوّذ من شرّ غاسق إذا وقب٣.
وخوارق الجن؛ كالإخبار ببعض الأمور الغائبة؛ وكالتصرّفات الموافقة لأغراض
بعض الإنس: كثيرةٌ، [معروفةٌ في جميع الأمم؛ فقد كانت في
стр. 1005
العرب كثيرة] ١، وكذلك في الهند، وفي الترك، والفرس، والبربر، وسائر الأمم٢، فهي أمورٌ معتادة للجنّ والإنس.
آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الجن والإنس
خوارق الشياطين علامة على فجور أوليائهم
وآيات الأنبياء - كما تقدم٣ - خارجةٌ عن مقدور الإنس والجن؛ فإنهم مبعوثون إلى الإنس والجن، فيمتنع أن تكون آياتهم أموراً معروفةً فيمن بُعثوا إليه؛ إذ يقال: هذه موجودة كثيراً للإنس، فلا يختصّ بها الأنبياء. بل هذه الخوارق هي آيةٌ وعلامةٌ على فجور صاحبها وكذبه، فهي ضدّ آيات الأنبياء التي تستلزم صدق صاحبها وعدله.
ولهذا يكون كثيرٌ من الذين تخدمهم الشياطين من أهل الشياطين.
وهذا معروفٌ لكثيرٍ ممَّن تخدمه الشياطين.
بل من طوائف المخدومين من يكونون كلّهم من هذا الباب؛ [كالبوي] ٤ الذي للترك٥.
стр. 1006
وأكثر [المؤلهين] ١ من هذا الباب، وهم يصعدون بهم في الهواء، ويدخلون المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة، ويدخلون على كثيرٍ من رؤساء النَّاس، و [يظنّون] ٢ أنَّ هؤلاء صالحون قد طاروا في الهواء، ولا يعرف أن الجنّ طارت بهم.
الفرق بين الأحوال الشيطانية والآيات النبوية
وهذه الأحوال الشيطانية تبطل، أو تضعف، إذا ذُكر الله وتوحيده، وقرئت قوارع القرآن؛ لا سيما آية الكرسي؛ فإنها تُبطل عامّة هذه الخوارق الشيطانية٣.
وأمّا آيات الأنبياء والأولياء [فتقوى] ٤ بذكر الله وتوحيده.
والجنّ المؤمنون قد يعينون المؤمنين بشيءٍ من الخوارق، كما يعين الإنس المؤمنون للمؤمنين بما يمكنهم من الإعانة.
وما لا يكون إلا مع الإقرار بنبوّة الأنبياء، فهو من آياتهم. فوجوده يؤيد آياتهم، لا يُناقضها. مع أن آيات الأنبياء التي يدّعون أعلى من هذا، وأعلى من كرامات الأولياء؛ فإن تلك هي الآيات الكبرى٥.
стр. 1007
الدعوات المجابة والرؤيا الصادقة لا ينكرها أحد
والذين ذكر عنهم إنكار كرامات الأولياء١ من المعتزلة وغيرهم؛ كأبي إسحاق الاسفرايني، وأبي محمد بن أبي زيد؛ وكما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم٢، لا ينكرون الدعوات المجابة، ولا ينكرون الرؤيا الصادقة؛ فإن هذا متفق عليه بين المسلمين٣؛ وهو أن الله تعالى قد يخصّ بعض عباده بإجابة دعائه أكثر من بعض، ويخصّ بعضهم بما يريه من المبشّرات. وقد كان سعد بن أبي وقاص معروفاً بإجابة الدعاء؛ فإنّ النبيّ [ ﷺ ] ٤ قال: "اللهمّ سدّد رميته، وأجب دعوته"٥. وحكاياته في ذلك مشهورة٦.
стр. 1008
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لم يبق بعدي من النبوّة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له"١.
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره"٢؛ ذكر ذلك لما أقسم أنس بن النضر أنه لا [تكسر] ٣ ثنية الربيع٤، [فاستجاب الله ذلك] ٥.
[وأيضاً: فإنّ منهم] ٦ البراء بن مالك٧؛ أخو أنس بن مالك، وكانوا
стр. 1009
إذا اشتدّ الحرب، يقولون: يا براء أقسم على ربك، فيقسم على ربه، فينصرون١.
والقَسَمُ: قيل: هو من جنس الدعاء٢، لكن هو طلب مؤكّد بالقسم. فالسائل يخضع، ويقول: أعطني. والمقسم يقول: عليك لتعطيني، وهو خاضعٌ سائلٌ.
بعض المتصوفة يدعي لنفسه من الكرامات ما لا يجوز أن يكون للأنبياء
لكن من الناس من يدّعي له من الكرامات ما لا يجوز أن يكون للأنبياء٣؛
стр. 1010
كقول بعضهم: إنّ لله عباداً، لو شاءوا من الله أن لا يقيم القيامة، لما أقامها١.
وقول بعضهم: إنه يعطي كن، أيّ شيء أراده، قال له: كن، فيكون.
وقول بعضهم: لا يعزب عن قدرته ممكن، كما لا يعزب عن قدرة ربه محال؛ فإنه لما كثر في الغلاة من يقول بالحلول والاتحاد٢ وإلهية بعض البشر، كما [قاله] ٣ النصارى في المسيح، صاروا يجعلون ما هو من خصائص الربوبية لبعض البشر، وهذا كفرٌ.
وأيضاً: فإنّ كثيراً من الناس لا يكون من أهل الصلاح، و [يكون] ٤ له خوارق شيطانية، كما لعبّاد المشركين وأهل الكتاب، فتتجلى لهم على أنها كرامات. فمن الناس من يُكذّب بها، ومنهم من يجعل أهلها [من] ٥ أولياء
стр. 1011
الله١، وذلك لأن الطائفتين ظنت أن مثل هذه الخوارق لا يكون إلا لأولياء الله، ولم يُميّزوا بين الخوارق الشيطانية التي هي جنس ما للسحرة، والكهان، ولعباد المشركين، وأهل الكتاب، وللمتنبئين الكذّابين، وبين الكرامات الرحمانية التي يكرم الله بها عباده الصالحين.
فلما لم يُميّزوا بين هذا وهذا، وكان كثيرٌ من الكفار، والفجار، وأهل الضلال، والبدع لهم خوارق شيطانيّة، صار هؤلاء منهم حزبين؛ حزباً قد شاهدوا ذلك، وأخبرهم به من يعرفون صدقه، فقالوا: هؤلاء أولياء الله، وحزباً رأوا أن أولئك خارجون عن الشريعة، وعن طاعة الله ورسوله، فقالوا: ليس هؤلاء من الأولياء الذين لهم كرامات؛ فكذّبوا بوجود ما رآه أولئك، وأولئك قد عاينوا ذلك أو تواتر عندهم؛ فصار تكذيب هؤلاء مثل تكذيب من ينكر السحر، والكهانة، والجن، وصرعهم للإنس٢، إذا
стр. 1012
كذّب ذلك عند من رأى ذلك، أو ثبت عنده.
ومن كذّب بما تيقن غيره وجوده، نقصت حرمته عند هذا المتيقن، وكان عنده إما جاهلاً، و [إما] ١ معانداً، فربّما ردّ عليه كثيراً من الحق بسبب ذلك.
إنكار المعتزلة للكرامات والسحر والكهانة
ولهذا صار كثيرٌ من المنتسبين إلى زهدٍ، أو فقرٍ، أو تصوّف، أو وَلَهٍ، أو غير ذلك، لا يقبلون قولهم، ولا يعبأون بخلافهم؛ لأنهم كذّبوا بحق قد تيقّنه هؤلاء، وأنكروا وجوده، وكذّبوا بما لم يُحيطوا بعلمه.
وقد يُدخلون إنكار ذلك في الشرع، كما أدخلت المعتزلة ونحوهم إنكار كرامات الأولياء٢، وإنكار السحر والكهانة في الشرع، بناءً على أن ذلك يقدح في آيات الأنبياء٣؛ فجمعوا بين التكذيب بهذه الأمور الموجودة، وبين عدم
стр. 1013
العلم بآيات الأنبياء والفرق بينها وبين غيرها؛ حيث ظنوا أن هذه الخوارق الشيطانية من جنس آيات الأنبياء، وأنها نظير لها، فلو وقعت لم يكن للأنبياء ما يتميّزون به.
والذين ردُّوا على هؤلاء١ من الأشعرية ونحوهم، يُشاركونهم في هذا في التسوية بين الجنسين٢، وأنه لا فرق.
قول الأشاعرة في الخوارق
لكنّ هؤلاء لمّا تيقّنوا وجودها، جعلوا الفرق ما ليس بفرق؛ وهو اقترانها بالدعوى، والتحدي بمثلها، وعدم المعارضة٣. وهم يقولون: إنّا نعلم بالضرورة أنّ الربّ إنّما خلقها لتصديق النبيّ٤.
وهذا كلام صحيح، لكنّه يستلزم بطلان ما أصّلوه؛ من أنه لا يخلق شيئاً لشيءٍ٥.
стр. 1014
وأيضاً: فاختصاصها بوجود العلم الضروري عندها دون غيرها، لا بُدّ أن يكون لأمرٍ أوجب [التخصيص] ١، وهم يقولون: بل قد تستوي الأمور، ويوجد العلم الضروي ببعضها دون بعض٢؛ كما قالوا مثل ذلك في العادات: إنّه يجوز إنخراقها كلّها بلا سبب على أعظم الوجوه؛ كجعل الجبال يواقيت. لكن يُعلم بالضرورة أن هذا لا يقع٣. فكذلك قالوا في المعجزات: يجوز أن يخلقها على يد كاذب [...................] ٤ إنما خلقها على يد الصادق بما ادعى من العلم الضروري صحيح٥وأما قولهم: إنّ المعلوم به يماثل غيره. فغلطٌ عظيم، بل هم لم يعرفوا الفرق، بمنزلة العامي الذي أوردت عليه شبهات السوفسطائية٦؛ فهو يعلم بالضرورة أنها باطلة، ولكن لا يعرف الفرق بينها وبين الحق. ولكن العامي يقول: فيها فساد لا أعرفه، لا يقول: دلائل الحق كدلائل الباطل.
стр. 1015
وهؤلاء ادعوا الاستواء في نفس الأمر، فغلطوا غلطاً عظيماً١، ولو قالوا: بينهما فرقٌ، لكنه لم يتلخص لنا، لكان قولهم حقاً، وكانوا قد ذكروا عدم العلم، لا العلم بالعدم؛ كما يقول ذلك كثير من الناس؛ يقول: ما أعرف الفرق بينهما، وذلك أن العلم الضروري يحصل ببعض الأخبار دون بعض.
وقد قيل: إنا نعلم أنه متواتر بحصول علمنا الضروري به٢.
والتحقيق: أنه إذا حصل [لهم] ٣ علم ضروري، كان قد حصل الخبر الذي يوجبه لهم، وقد لا يحصل لغيرهم.
والعلم يحصل بعدد المخبرين، وبصفاتهم، وبأمور أخرى تنضم إلى الخبر٤. ومن جعل الاعتبار بمجرد العدد فقد غلط٥. والأكثرون
стр. 1016
يقولون: العلم الحاصل به ضروريّ١. وقيل: إنه نظري٢. وهو اختيار الكعبي٣، وأبي الحسين٤، وأبي الخطاب٥.
كل علم نظري فمنتهاه أنه ضروري
والتحقيق: أنّه قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً، وقد يجتمع فيه الأمران؛ يكون ضرورياً، ثم إذا نظر فيه وجد أنه يوجب العلم. وكذلك العلم الحاصل عقب الآيات قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً، وكلّ نظري فإنّ منتهاه أنه ضروري٦.
ولهذا قال أبو المعالي: المرتضى عندنا أن جميع العلوم ضرورية٧؛ أي بعد حصول أسبابها، ولا بد من فرق في نفس الأمر بين ما يوجب العلم، وما لا يوجبه.
أصل خطأ المعتزلة والأشاعرة في الخوارق
وأصل خطأ الطائفتين: أنهم لم يعرفوا آيات الأنبياء، وما خصهم الله به، ولم يقدروا قدر النبوة، ولم يقدروا آيات الأنبياء قدرها، بل جعلوا هذه الخوارق الشيطانية من جنسها؛ فإما أن يكذّبوا بوجودها، وإما أن يسوّوا بينهما، ويدعوا فرقاً لا حقيقة له.
стр. 1017
ولهذا يوجد كثير ممّن يكذب [بهذه] ١ الخوارق الشيطانية أن [تكون] ٢ لبعض الأشخاص لما يراه من نقص دينه وعلمه، فإذا عاينها بعد ذلك أو ثبت عنده، خضع لذلك الشخص الذي كان عنده: إما كافراً، وإما ضالاً، وإما مبتدعاً جاهلاً، وذلك لأنه أنكر وجودها [معتقداً أنها لا توجد إلا للصالحين، فلمّا تيقّن وجودها] ٣، جعلها دليلاً على الصلاح. وهو غالطٌ في الأصل، بل هذه من الشياطين؛ من جنس ما للسحرة والكهان، ومن جنس ما للكفار من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن لمشركي الهند والترك وغيرهم، ولعباد النصارى من هذه الخوارق الشيطانية أموراً كثيرة يطول وصفها أكثر وأعظم [من أكثر] ٤ ممّا يُوجد منها لأهل الضلال والبدع من المسلمين، وما يوجد منها للمنافقين٥؛ فإن الشياطين لا تتمكن من إغواء المسلمين، وإن كان فيهم جهل وظلم، كما [تتمكن] ٦ من اغواء المشركين وأهل الكتاب٧.
стр. 1018
ولهذا ثنى في القرآن قصة موسى مع السحرة، وذكر ما يقوله الكفار لأنبيائهم؛ فإنه ما جاء نبي صادق قط، إلا قيل فيه: إنه ساحر أو مجنون؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَومٌ طَاغُون﴾ ١، وذلك أن الرسول يأتي بما يخالف عاداتهم، ويفعل ما يرونه غير نافع، ويترك ما يرونه نافعاً. وهذا فعل المجنون؛ فإن المجنون فاسد العلم والقصد. ومن كان مبلغه من العلم إرادة الحياة الدنيا، كان عنده من ترك ذلك، وطلب ما لا يعلمه: مجنوناً. ثمّ النبيّ مع هذا يأتي بأمور خارجة عن قدرة الناس؛ من إعلام بالغيوب، وأمور خارقة لعاداتهم؛ فيقولون: هو ساحر.
الفرق بين النبي والساحر عند الفلاسفة
وهذا موجود في المنافقين الملحدين المتظاهرين بالإسلام؛ من الفلاسفة ونحوهم؛ يقولون: إن ما أخبرت به الأنبياء من الغيوب، والجنة، والنار، هو من جنس قول المجانين٢، وعندهم خوارقهم من جنس
стр. 1019
خوارق السحرة، والممرورين١ المجانين؛ كما ذكر ابن سينا٢، وغيره٣. لكن الفرق بينهما: أنّ النبي حسن القصد، بخلاف الساحر، وأنه يعلم ما يقول، بخلاف المجنون٤.
لكن معجزات [الأنبياء] ٥ عندهم قوى نفسانية، ليس مع هذا ولا هذا شيء خارج عن قوة النفس٦.
والقاضيان؛ أبو بكر، وأبو يعلى، ومن وافقهما: متوقّفون في وجود المخدوم الذي تخدمه الجن٧؛ قالوا: لا يُقطع بوجوده.
معنى الكاهن
وكذلك الكاهن: ذكروا فيه القولين؛ قول من يقول: إنه المتخرص؛
стр. 1020
وقول من يقول: إنه مخدوم. وهم متوقفون [فيه، لا] ١ يقطعون [بوجود] ٢ مخدوم كاهن٣، كما يقطعون [بوجود] ٤ الساحر؛ [لأنه] ٥ في زمانهم وجد الساحر.
والقرآن أخبرنا بالسحر في سورة البقرة٦، بخلاف الكاهن؛ فإن القرآن ذكر اسمه، ولو تدبروا لعلموا أن الكاهن هو المذكور في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُم كَاذِبُونَ﴾ ٧٨.
وفي الصحيح: عن النبي [ ﷺ ] ٩ أنه قيل له: "إن منا قوماً يأتون الكهان. قال: فلا يأتوهم"١٠.