← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المسألة الرابعة: مصادر المؤلف في كتابه، والكتب التي أوردها، أو أشار إليها فيه: لا شكّ أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد أورد الآيات الكثيرة من القرآن الكريم، مستشهداً بها على مسألة، أو رادّاً بها على قول، أو موضّحاً بها قضيّة. وثمّة كتب كثيرة أخذ منها شيخ الإسلام ﵀ ونقل عنها، أو أشار إليها، ودلّ عليها في كتابه. وها أنا ذا أذكرها مستعيناً بالرحمن؛ إذ هو ربي وعليه التكلان: ١- ((صحيح البخاري)) . ٢- ((صحيح مسلم)) . ٣- ((سنن أبي داود)) . ٤- ((سنن النسائي)) . ٥- ((سنن الترمذي)) . ٦- ((سنن ابن ماجه)) . ٧- ((مسند الإمام أحمد)) . ٨- ((مصنف عبد الرزاق)) . ٩- ((تفسير ابن أبي حاتم)) . ١٠- ((تفسير الطبري)) . ١١- ((تفسير ابن عطية)) . ١٢- ((تفسير أبي روق)) . ١٣- ((تفسير البغوي)) . ١٤- ((تفسير الوالبي)) .

стр. 107

١٥- ((زاد المسير لابن الجوزي)) . ١٦- ((رسالة إلى أهل الثغر)) : للأشعري. ١٧- ((مقالات الإسلاميين)) : للأشعري. ١٨- ((اللمع في الرد على أهل الأهواء والبدع)) : للأشعري. ١٩- ((نقض اللمع في الردّ على أهل البدع)) : للقاضي عبد الجبار. ٢٠- ((نقض نقض اللمع)) : للباقلاني. ٢١- ((شرح اللمع في الرد على أهل البدع)) : للباقلاني. ٢٢- ((الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانات والسحر والنارنجات)) : للباقلاني. ٢٣- ((رسالة الإمام أحمد إلى الخليفة المتوكل)) . ٢٤- ((كتاب خلق أفعال العباد)) : للبخاري. ٢٥- ((كتاب الملل والنحل)) : للشهرستاني. ٢٦- ((معراج السالكين)) : للغزالي. ٢٧- ((إحياء علوم الدين)) : للغزالي. ٢٨- ((المضنون به على غير أهله)) : للغزالي. ٢٩- ((تهافت الفلاسفة)) : للغزالي. ٣٠- ((تهذيب اللغة)) : للأزهري. ٣١- ((كتاب الدعاء، أو: شأن الدعاء)) : للخطابي. ٣٢- ((رسائل إخوان الصفا)) . ٣٣- ((المطالب العالية)) : للرازي. ٣٤- ((أقسام اللذات)) : للرازي. ٣٥- ((كتاب الإحاطة)) : لابن سبعين.

стр. 108

٣٦- ((لوح الأصالة)) : لابن سبعين. ٣٧- ((كتاب البد)) : لابن سبعين. ٣٨- ((الردّ على ابن سبعين وأهل الوحدة)) : لابن تيمية. وهو المسمّى: ((بغية المرتاد، أو السبعينيّة)) . ٣٩- ((شرح الأصفهانية)) : لابن تيمية. ٤٠- ((الجواب الصحيح)) : لابن تيمية. ٤١- ((منع تعارض العقل والنقل)) : لابن تيمية. ٤٢- ((مسألة القادر المختار)) : لابن تيمية. ٤٣- ((مسألة العدل والظلم)) : لابن تيمية. ٤٤- ((مسألة القدرة والإرادة)) : لابن تيمية. ٤٥- ((رسالة في الإجماع)) : لابن تيمية. ٤٦- ((العدة)) : لأبي يعلى.

стр. 109

المطلب الثاني: التعريف بالأصل المخطوط أصل الكتاب نسخة مخطوطة، موجودة ضمن ((الكواكب الدراري)) في المكتبة الظاهرية بدمشق، تحمل رقم ٥٨١. ومنه صورة في مكتبة المخطوطات في الجامعة الإسلامية تحمل الرقم ٤٤٧٢ فيلم. و ((الكواكب الدراري)) جمعه: علاء الدين أبو الحسن علي بن حسين بن عروة المشرقي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن زكنون. قال عنه الحافظ ابن حجر: "كان زاهداً، عابداً، قانتاً، خيِّراً، لا يقبل من أحد شيئاً، ولا يأكل إلا من كسب يده. مات سنة ٨٣٧ ?"١. وقد رتّب ابن زكنون في كتابه ((الكواكب)) : أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل على الأبواب التي وضعها البخاري في صحيحه. وكتاب ((الكواكب الدراري)) كبير جداً، ضمّنه ابن زكنون كثيراً من كتب شيخ الإسلام ﵀؛ مثل: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ، و ((التوسل والوسيلة)) ، و ((السياسة الشرعية)) ، و ((نقض التأسيس)) ، و ((شرح حديث النزول)) . أما كتاب ((النبوات)) : فقد ذكر بعضه في المجلد الحادي والعشرين بعد المائة؛ في آخره، من صفحة (٢٢١) ، إلى نهاية المجلد صفحة (٢٥١) . واشتمل هذا المجلد على الثلث الأول من كتاب النبوات؛ أي حوالي (٣٠) ورقة.

стр. 110

ثم أكمله في المجلد الثاني والعشرين بعد المائة؛ من أول صفحة في المجلد، إلى صفحة (٧٦) منه، حيث آخر كتاب النبوات. وكاتب هذه النسخة الفريدة هو: إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي، كتبها عام ٨٣٠ ?. والنسخة واضحة الخط، قليلة الأخطاء، بل نادرة الأخطاء، بسبب استدراكات الناسخ؛ فكأنه بعد ما فرغ من كتابتها، أعاد مقابلتها، فكتب ما فاته بين السطرين، أو على حاشية النسخة. وهذه الاستدراكات كثيرة؛ مما يُرشد إلى أنّ هذه النسخة مراجعة، ومقروءة، ومقابلة على الأصل. وعلى النسخة بلاغات؛ يقول فيها: بلغ مقابلة بأصله، أو نحو هذه العبارة. وقد اهتمّ الناسخ بوضع النقاط في مواضعها. وعدد أسطر هذه النسخة في كلّ صفحة ما بين ٢٨ - ٣٠ سطراً. وعلى المخطوطة ختم: مجاميع المدرسة العمرية١.

стр. 111

وثمّة ملاحظة على النسخة، وقع فيها الناسخ، ولم يشذّ عنها، هي اثبات ألف (ابن) في شتى المواضع، حتى ولو كانت بين علمين. وهذا لم أُشر إليه في ثنايا التحقيق لكثرته المفرطة، لذا لزم التنويه عنه هاهنا، وبالله التوفيق.

стр. 112

طبعات الكتاب ١- طبع الكتاب لأول مرة في مصر، في المطبعة المنيرية عام ١٣٤٦?، عن نسخة أصلية، اعتنى بها صاحب المطبعة: محمد منير آغا الدمشقي، الذي كان له قصب السبق في إخراج كتاب ((النبوات)) من عالم المخطوطات. وعلى طبعته هذه تعليقات قليلة. وقد وقعت هذه الطبعة في (٣٠٠) صفحة. وقد صورت هذه الطبعة (المنيرية) من قبل دار الفكر ببيروت، ومكتبة الرياض الحديثة، دون أن يُشار إليها. ول (محمد منير آغا الدمشقي) المجموعة المنيرية، وهي مجموعة نفيسة ضمّت كثيراً من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فرحم الله صاحب المطبعة المنيرية، وجزاه خير الجزاء على اعتنائه واهتمامه بكتب شيخ الإسلام. ٢- طبع كتاب ((النبوات)) كذلك طبعة أخرى باعتناء الشيخ/ محمد حامد الفقي، في مطبعة دار الفكر ببيروت، دون ذكر لتاريخ الطبع. والذي يظهر أنه صورة من المنيرية. وطبعته كذلك باعتناء الفقي دار الكتب العلمية ببيروت عام ١٤٠٢?. ويقع في (٤٥٤) صفحة.

стр. 113

٣- وأخيراً طبع كتاب ((النبوات)) باعتناء محمد عبد الرحمن عوض، طبعته دار الكتاب العربي ببيروت، عام ١٤٠٥?. وهذه الطبعة من أقلّ الطبعات اعتناء، على الرغم من أنه كتب عليها: دراسة وتحقيق. وقد لاحظت على هذه الطبعة مجموعة من الملاحظات، أذكر بعضها: ١- أنه أخذ تعليقات محمد منير آغا الدمشقي على الكتاب، وأضافها إلى نفسه. ٢- من ذلك: أنه يعزو الآيات القرآنية إلى غير مواضعها في القرآن الكريم، فأحياناً يعزو إلى سورة أخرى، وكثيراً ما يعزو إلى آية أخرى، أو يكتفي بذكر رقم آية واحدة، مع أنّ المذكور في المتن أكثر من ذلك١. ٣- أنه انتقد شيخ الإسلام ﵀ في كثير من الأمور العقدية، وعارضه بإيراد أقوال الفلاسفة، كأنه يؤيدها٢. ٤- ترتيب الفقرات عنده مشوش، مما يُغيّر المعنى ويُشوهه٣. ٥- يخلط أحياناً بين كلام شيخ الإسلام ﵀ وكلام غيره٤.

стр. 114

عملي في الكتاب لقد اجتهدتُ - حسب الوسع والطاقة - في خدمة هذا الكتاب، وإخراجه بهذه الصورة. ويتلخّص عملي بالكتاب في الخطوات التالية: أوّلا- تحقيقُ النص وضبطه، وذلك بالمقابلة بين المخطوطة التي رمزتُ لها بالرمز ((خ)) ، مع أول طبعة؛ أعني طبعة منير آغا الدمشقي المطبوعة عام ١٣٤٦ هـ والتي رمزت لها بالرمز ((م)) ، وآخر طبعة؛ وهي التي اعتنى بها محمد عبد الرحمن عوض، وطبعت عام ١٤٠٥? ورمزت لها بالرمز ((ط)) . فأُثبتُ من النّصّ ما تتّفق عليه النسخ، إلاّ أن يكون خطأ ظاهراً. وإذا وجدتُ اختلافات بينها، فإني أُثبتُ منها ما أراه صحيحاً، حتى وإن خالف الأصل المخطوط، وأُشير إلى الفروق الأخرى في الهامش. ثانياً- عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم، بذكر اسم السورة، ورقم الآية. ثالثاً- خرّجت الأحاديث النبوية من الصحيحين، إن كانت فيهما، أو في أحدهما، وإلا فمن كتب الحديث الأخرى، واجتهدت في نقل حكمٍ لأحد العلماء عليها إن لم تكن في الصحيحين أو في أحدهما. وكذا خرّجت الآثار الواردة. رابعاً- عرّفت بالأعلام غير البارزين.

стр. 115

خامساً - اجتهدت في تخريج النصوص، وأقوال الفرق، والناس، التي أوردها المؤلف. فنسبت كلّ قول إلى قائله، وكلّ مذهب إلى فرقته، حسب الطاقة والوسع. ووثقتُ أقوال الباقلاني من كتابه ((البيان)) . سادساً- كلّ ما قال فيه شيخ الإسلام ﵀ إنه بسطه في مواضع أخرى، أشرت إلى هذه المواضع التي ذكره فيها في كتبه الأخرى. سابعاً- علّقتُ على ما يحتاج إلى توضيح وزيادة بيان. وطريقتي في ذلك هي: إن كان للشيخ ﵀ في هذه المسألة كلام في كتاب من كتبه، فإني أنقل عنه ما يُوضّح العبارة، أو يشرح المعنى، أو يزيل اللبس والإشكال إن وقع شيء من ذلك. وإن لم أجد وضّحت المراد بنقل قول أحد العلماء المعتبرين، أو أجتهد في بيان ذلك. ثامناً- شَرَحْتُ الألفاظ والمصطلحات الغريبة. تاسعاً- عرَّفت بالأماكن والبلدان التي وردت. عاشراً- نَسَبْتُ أبيات الشعر الواردة في النص إلى قائليها أحد عشر - عرَّفت بالطوائف والفرق الواردة في الكتاب. ثاني عشر - وَضَعْتُ عناوين جانبية تبرز مباحث الكتاب وجزئياته. ثالث عشر - وَضَعْتُ فهارس عامة للكتاب، وهي: ١- فهرس الآيات القرآنية. ٢- فهرس الأحاديث النبوية. ٣- فهرس الآثار. ٤- فهرس الأعلام المترجم لهم. ٥- فهرس الأماكن والبلدان.

стр. 116

٦ - فهرس الفرق والطوائف. ٧ - فهرس المواد والمصطلحات اللغوية والكلامية. ٨ - فهرس الأبيات الشعرية. ٩- فهرس المصادر. ١٠- فهرس الموضوعات.

стр. 117

الباب الثاني: قسم التحقيق فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين. قال شيخ الإسلام تقي الدّين بن تيميّة ﵀: فصل ((في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم)) ((كما سماها الله آيات وبراهين)) ... [فإنّ لهم١ طرقاً] ٢ في التمييز بينها وبين غيرها، وفي وجه دلالتها. طرق النظار في التمييز بين المعجزة وغيرها أمّا الأول: فإنّ [منهم] ٣ من رأى [أنّ] ٤ [كلّ ما] ٥ يخرج عن الأمر المعتاد، فإنه معجزة؛ وهو الخارق للعادة إذا اقترن بدعوى النبوة. وقد علموا أنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول، فيلزم أن يكون كلّ من خُرِقت له العادة نبيّاً.

стр. 118

خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين. وهذه طريقة أكثر المعتزلة١، وغيرهم؛ كأبي محمد بن حزم٢، وغيره٣.

стр. 119

من اشتهر عنهم إنكار المعجزات بل يُحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني١، وأبي محمد بن أبي زيد٢. ولكن كأنّ في الحكاية عنهما غلطاً٣

стр. 120

وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين١. وهؤلاء يقولون [إن] ٢ ما جرى لمريم٣، وعند مولد الرسول٤ [ ﷺ ] ؛

стр. 121

فهو إرهاصٌ١؛ أي توطئةٌ، وإعلامٌ بمجيء الرسول، فما خُرقت في الحقيقة إلاّ لنبيّ. الرد على من أنكر الكرامات فيُقال لهم: وهكذا الأولياء، إنّما خُرقت لهم لمتابعتهم الرسول؛ فكما أنّ ما تقدّمه فهو من معجزاته، فكذلك ما تأخّر عنه. وهؤلاء٢ يستثنون ما يكون أمام الساعة. لكن هؤلاء كذّبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء. الرد على من أنكر الكرامات والمنازع لهم يقول: هي موجودةٌ مشهودةٌ لمن شهدها، متواترةٌ عند كثير من الناس، أعظم ممّا تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء. وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء، فكيف يكذّبون بما شهدوه، ويصدّقون بما غاب عنهم، ويكذّبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره؟! قول الأشاعرة في الفرق بين المعجزة وغيرها وقالت طائفة٣: بل كل هذا حقٌ، وخرق العادة جائزٌ مطلقاً، وكلّ ما

стр. 122

خُرق لنبيّ من العادات يجوز أن يُخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة والكهان. لكن الفرق أنّ هذه تقترن بها [دعوى] ١ النبوّة؛ وهو التحدّي٢. من أصول الأشاعرة وقد يقولون: إنّه لا يمكن أحداً أن يعارضها، بخلاف تلك. وهذا قول من اتّبع جهماً٣ على أصله في أفعال الرب من الجهمية٤، وغيرهم؛ حيث جوّزوا أن يفعل كلّ ممكن٥؛ فلزمهم جواز خرق العادات مطلقاً على

стр. 123

يد كلّ أحد. واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره، فلم يأتوا بفرق معقول، بل قالوا: هذا يقترن به التحدي، فمن ادّعى النبوة وهو كاذب، لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له، ولا [تكون] ١ دليلاً على صدقه لما يقترن بها [من ما] ٢ يناقض ذلك؛ فان هذين قولان لهم٣. الرد على الأشاعرة فقيل لهم: لِمَ أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على الله شيئاً؟ فقالوا: لأنّ المعجزةَ علمُ الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق٤. [فقلنا: المجموع] ٥ هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة. أو هذان مع السلامة عن المعارض. فقيل لهم: ولم قلتم أنه علم الصدق على قولكم؟ فقالوا: إمّا لأنّه يُفضي منع ذلك إلى عجزه؛ وإمّا لأنّه علم دلالته على الصدق بالضرورة. فقيل لهم: إنّما يلزم العجز، [أن] ٦ لو كان التصديق على قولكم ممكناً. وكون دلالتها معلومةٌ بالضرورة؛ هو مُسَلّم، لكنّه يُناقض أصولكم، ويُوجب أن يكون أحد الشيئين معلوماً بالضرورة، دون نظيره. وهذا

стр. 124

ممتنع؛ فإنّكم تقولون: يجوز أن يخلق على يد مدّعي النبوة، والساحر، والصالح. لكن إن ادّعى النبوّة، دلّت على صدقه، وإن لم يدّع النبوّة، لم يدل على شيء١، مع أنّه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدّعي النبوّة، وغير مدّعي النبوة، بل كلاهما جائز فيه. فإذا كان هذا مثل هذا: [لِمَ] ٢ كان أحدهما دليلاً دون الآخر؟ ولِمَ اقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر؟ ومن أين علمتم أنّ الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلاّ على يد صادق، وأنتم تجوّزون على أصلكم كلّ فعل مقدور٣، وخلقها على يد الكذاب مقدور؟!. الأشاعرة لم يجعلوا بين المعجزات والكرامات فرقاً ثمّ هؤلاء٤ جوّزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها٥ وجنس كرامات الأنبياء فرقٌ، بل صرّح أئمتهم٦ [أنّ كلّ ما] ٧ خُرق لنبيّ،

стр. 125

يجوز أن يخرق للأولياء؛ حتى معراج محمد١، وفرق البحر لموسى٢، وناقة صالح٣، وغير ذلك. ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقاً معقولاً، بل قد يجوّزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك٤. لكن بينهما فرق دعوى النبوة، وبين الصالح والساحر، والبر والفجور. طريقة الفلاسفة في المعجزات وحذّاق٥ الفلاسفة الذين تكلموا في هذا الباب٦؛ مثل ابن سينا٧،

стр. 126

[و] ١ هو أفضل طائفتهم، [وهو] ٢ أجهل من تكلم في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كلّه من قوى النفس، لكنّ الفرق أنّ النبيّ والصالح نفسُه طاهرةٌ يقصد الخير، والساحر نفسُه خبيثةٌ. وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذّرٌ على قول هؤلاء. الرد على من فرق بين المعجزة والكرامة بفروق ضعيفة ومن الناس٣ من فرّق بين معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء بفروق ضعيفة؛ مثل قولهم: الكرامة يُخفيها صاحبها، أو الكرامة لا يُتحدّى بها. ومن الكرامات ما أظهرها أصحابها؛ كإظهار العلاء بن الحضرمي٤ المشي

стр. 127

على الماء، وإظهار عمر مخاطبة سارية١ على المنبر٢، وإظهار أبي

стр. 128

مسلم١ لما أُلقي في النار أنّها صارت عليه برداً وسلاماً. وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين، فإنّه قد يُطفئها، إلاّ أنّها لا تصير عليه برداً وسلاماً. وإطفاء النار مقدورٌ للإنس والجنّ. ومنها: ما يتحدّى بها صاحبها أنّ دين الإسلام حقّ؛ كما فعل خالد ابن الوليد لما شرب السُّمَّ٢؛ وكالغلام الذي أتى الراهب، وترك الساحر،

стр. 129

وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربّه، وكان قبل ذلك قد خُرِقت له العادة فلم يتمكّنوا من قتله١. ومثل هذا كثير. مراتب الخوارق فيقال المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثمّ كرامات الصالحين، ثمّ خوارق الكفار والفجار؛ كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلاّل من المسلمين. الكرامات سببها اتباع الأنبياء أمّا الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء؛ فإنّهم يقولون: نحن إنّما حصل لنا هذا باتّباع الأنبياء، ولو لم نتّبعهم لم يحصل لنا هذا. فهؤلاء إذا قُدّر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ كما صارت النار برداً وسلاماً على أبي مسلم٢، كما صارت على

стр. 130

إبراهيم١؛ وكما يكثّر الله الطعام والشراب لكثيرٍ من الصّالحين٢؛ كما جرى في بعض المواطن للنبيّ ٣، أو إحياء الله ميتاً لبعض الصالحين٤ كما أحياه للأنبياء٥. كرامات الأولياء معجزات للأنبياء فهذه الأمور٦ هي مؤكدة لآيات الأنبياء، وهي أيضاً من معجزاتهم بمنزلة ما تقدّمهم من الإرهاص. ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قطّ إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى

стр. 131

درجاتهم، ولكن قد يُشاركونهم في بعضها، كما قد يُشاركونهم في بعض أعمالهم. كرامات الأولياء لا تجعلهم معصومين وكرامات الصالحين [تدلّ] ١ على صحة الدّين الذي جاء به الرسول، لا تدلّ على أنّ الولي معصومٌ، ولا على أنّه يجب طاعته في كلّ ما يقوله٢. ومن هنا ضلّ كثيرٌ من النّاس من النّصارى وغيرهم٣؛ فإنّ الحواريّين٤، وغيرهم كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنّوا أنّ ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يُوجبون موافقتهم في كلّ ما يقولون. النبي صارت طاعته واجبة بأمور وهذا غلطٌ؛ فإنّ النبيّ وجب قبول كلّ ما يقول لكونه نبيّاً [ادّعى] ٥ النّبوّة، ودلّت المعجزة على صدقه، والنبيّ معصومٌ. وهنا المعجزة٦ ما دلّت على النبوة بل على متابعة النبيّ وصحّة دين النبيّ، فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصوماً. من أسباب تأليف الكتاب ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين من خالفهم من الكفار والفجار؛ كالسحرة، والكهان، وغيرهم؛ حتى يظهر

стр. 132

الفرق بين الحقّ والباطل، وبين ما يكون دليلاً على صدق صاحبه؛ كمدّعي النبوّة، و [بين] ١ ما لا يكون دليلاً على صدق صاحبه؛ فإنّ الدليلَ لا يكون دليلاً حتى يكون مستلزماً للمدلول؛ متى وُجِدَ وُجِدَ المدلول، وإلاّ فإذا وُجِدَ تارةً مع وجود المدلول، وتارةً مع عدمه [فليس بدليل] ٢. فآيات الأنبياء وبراهينهم لا [توجد] ٣ إلاّ مع النبوّة، ولا توجد مع ما يناقض النبوة. ومدّعي النبوّة إمّا صادق، وإمّا كاذب. والكذب يُناقض النبوة، فلا يجوز أن يُوجد مع المناقض لها، مثل ما يوجد معها. وليس هنا شيءٌ مخالفٌ لها؛ [لا موافقٌ] ٤، ولا مناقضٌ؛ فإنّ الكفر، والسحر، والكهانة، كلّ هذا يناقض النبوّة، لا يجتمع هو [و] ٥ النبوة. والنّاس رجلان: رجلٌ موافقٌ لهم، ورجلٌ مخالفٌ لهم. فالمخالف مناقض. الفرق بين جنس آيات الأنبياء وخوارق من خالفهم وإذا كان كذلك، فيُقال: جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر، بل وعن مقدور جنس الحيوان. وأمّا خوارق مخالفيهم؛ كالسحرة، والكُهّان؛ فإنّها من جنس أفعال الحيوان؛ من الإنس، وغيره من الحيوان، والجنّ؛ مثل قتل الساحر، وتمريضه لغيره؛ فهذا أمرٌ مقدورٌ، معروفٌ للنّاس بالسّحر، وغير السّحر؛

стр. 133

وكذلك ركوب المكنسة١، أو الخابية٢، أو غير ذلك؛ حتّى تطير به، وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد؛ هذا فعلٌ مقدورٌ للحيوان؛ فإنّ الطير [يفعل] ٣ ذلك، والجنّ تفعل ذلك. وقد أخبر الله أنّ العفريت قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٤؛ وهذا تصرّف في أعراض٥ الحيّ؛ فإنّ الموت، والمرض، والحركة أعراضٌ، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأعراض، ليس في هذا قلب جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختصّ الربّ بالقدرة عليه، ولا ما يختصّ به الملائكة. وكذلك إحضار ما يُحضر من طعامٍ، أو نفقة، أو ثياب، أو غير ذلك من الغيب. [و] ٦ هذا [إنّما هو] ٧ نقل مالٍ من مكانٍ إلى مكانٍ. وهذا تفعله الإنس والجنّ، لكن الجنّ تفعله، والنّاس لا يُبصرون ذلك. وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيراً، بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يُزادها٨. فهذا لا يقدر عليه إنسيّ ولا جنّي.

стр. 134

أخبار الأنبياء لا كذب فيها، بخلاف من خالفهم وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة، مع الكذب في بعض الأخبار. فهذا تفعله الجن / كثيراً مع الكُهّان١، وهو معتادٌ لهم، مقدورٌ، بخلاف إخبارهم بما يأكلون، وما يدّخرون، مع تسمية الله على ذلك؛ فهذا لا تظهر عليه الشياطين٢.

стр. 135

وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمّون الله١. وأيضاً: فخبر المسيح٢، وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط. والكهان لا بُدّ لهم من الكذب. والربُّ قد أخبر في القرآن أنّ الشياطين [تنزل] ٣ على بعض الناس، فتخبره ببعض الأمور الغائبة، لكن ذكر الفَرْقَ، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٤. الحكمة من مسرى النبي ﷺ وكذلك مسرى الرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليريه الربّ من آياته٥. فخاصّة الرسول ليست مجرّد قطع هذه المسافة، بل قطعها ليريه الربّ من الآيات الغائبة ما يُخبر به. فهذا لا يقدر عليه الجنّ، وهو نفسه لم يحتجّ بالمسرى على نبوته، بل جعله مما يؤمن به؛ فأخبرهم به ليؤمنوا به.

стр. 136

والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلاّ فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَة المَلْعُونَةَ فِيْ القُرْآن﴾ ١. قال ابن عباس [﵁] ٢: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به٣. وهذا كما قال في الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ٤. وكذلك ما يُخبر به الرسول من أنباء الغيب؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً﴾ ٥. فهذا غيب الربّ الذي اختص به؛ مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق، فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الله. الفرق بين خبر الرسول وخبر الجنّ والجنّ غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من السماء٦، مع ما في الجنّ من الكذب، فلا بُدّ لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو ممّا يُعلم بالمنامات وغير المنامات، فهو من جنس المعتاد للناس.

стр. 137

وأما ما يخبر الرسل من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلاً؛ مثل إخباره: "إنكم تقاتلون الترك، صغار الأعين، ذُلْفُ الآنُفِ١، ينتعلون الشعر، كأنّ وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقَة٢"٣، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل ببُصرى٤"٥، ونحو ذلك. فهذا لا يقدر عليه جني، ولا إنسيّ.

стр. 138

والمقصود أنّ ما يُخبر به غير النبي من الغيب معتادٌ، معروفٌ نظيره من الجن والإنس، فهو من غيب الله الذي قال فيه: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ١. والآيات الخارقة جنسان: جنسٌ في نوع العلم، وجنسٌ في نوع القدرة٢. أقسام الخوارق فما اختصّ به النبيّ من العلم خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ، وما اختصّ به من المقدورات خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ. خوارق الجنّ وقدرة الجنّ في هذا الباب٣ كقدرة الإنس؛ لأنّ الجن هم من جملة من دعاه الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت الرسل إليهم؛ قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّوْنَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ٤.

стр. 139

ومعلومٌ أنّ النبيّ إذا دعا الجن إلى الإيمان به، فلا بُدّ أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجنّ؛ فلا بُدّ أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجنّ. وما يأتي به الكاهن من خبر [الجنّ] ١ غايته أنّه سمعه الجني لمّا استرق السمع؛ مثل الذي يستمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون. وما أعطاه اللهُ سليمانَ مجموعه يخرج عن قدرة الإنس والجنّ؛ كتسخير الرياح، والطير. خوارق الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم وأما الملائكة: فالأنبياء لا تدعوا الملائكةَ إلى الإيمان بهم، بل الملائكة [تنزل] ٢ بالوحي على الأنبياء، وتعينهم، وتؤيدهم. فالخوارق التي [تكون] ٣ بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم، لا تكون للكفّار، والسحرة، والكُهّان. ولهذا أخبر الله تعالى أنّ الذي جاءه بالقرآن مَلَكٌ لا شيطان؛ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِيْ العَرْشِ مَكِين * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين * وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ٤، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين ? عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين﴾ ٥، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدُسِ منْ رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ ٦، وقال: ﴿قل مَنْ كَانَ

стр. 140

عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ١، وقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٢. الواجب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وبين من خالفهم فينبغي أن يُتدبّر هذا الموضع، وتُعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء، وبين ما يشتبه بها؛ كما يُعرف الفرق بين النبي، وبين المتنبي؛ وبين ما يجيء به النبي، وما يجيء به المتنبي. فالفرق حاصلٌ في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر هذا، وأمر هذا، وخبر هذا، وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبيّنه، ويُيسّره. ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البيّنات. وكيف [يشبّه] ٣ خير الناس بشر الناس. ولهذا لما مثّلوا الرسول بالساحر، وغيره، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ ٤. وقد تنازع النّاس في الخوارق: هل تدلّ على صلاح صاحبها، وعلى ولايته لله٥؟. هل الخوارق تدل على صلاح صاحبها أم لا؟ والتحقيق: أنّ من كان مؤمناً بالأنبياء،لم يستدلّ على الصلاح بمجرّد

стр. 141

الخوارق التي قد تكون للكفار والفسّاق، وإنّما يُستدلّ بمتابعة الرجل للنبيّ؛ فيُميّز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بيَّنَها اللهُ ورسوله؛ كقوله: ﴿ [أَلاَ] ١ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٢. وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدّة مواضع؛ كقوله لمّا ذكر السّحرة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقوله عن يوسف: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ ? وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤، وقوله في قصة صالح: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٥ وهذه طريقة الصحابة والسلف. تنازع الناس في ولاية المعين على قولين وأمّا دلالتها على ولاية المعيّن: فالناس متنازعون؛ هل الوليّ والمؤمن من مات على ذلك؛ بحيث إذا كان مؤمناً تقيّاً، وقد عُلم أنّه يموت كافراً، يكون في تلك الحال عدوّاً لله؟ أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة؟. وهما قولان معروفان٦. فمن قال بالأول؛ فالوليّ عنده كالمؤمن [عند] ٧ من علم أنه يموت

стр. 142

على تلك الحال، والخوارق لا تدلّ على ذلك. ولهذا قال هؤلاء؛ كالقاضي أبي بكر١، وأبي يعلى٢، وغيرهما: أنّها لا تدلّ٣. وأمّا من قال: الولاية تتبدّل؛ فالولاية هنا كالإيمان. وقد يُعلم أنّ الرجل مؤمنٌ في الباطن، تقيّ بدلائل كثيرة، وقد يُطلع الله بعضَ الناس على خاتمة غيره. فهذا لا يمتنع. أقوال الناس في الشهادة لمعين بالجنة لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة، وفيها ثلاثة أقوال٤: قيل: لا يشهد بذلك لغير النبي. وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلي ابن المديني، وغيرهم.

стр. 143

وقيل: يشهد به لمن جاء به نص، إن١ كان [خبراً] ٢ صحيحاً؛ كمن شهد له النبيّ بالجنة فقط. وهذا قول كثيرٍ من أصحابنا، وغيرهم. وقيل: يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح٣؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيرهما. وكان أبو ثور٤ يشهد لأحمد بن حنبل بالجنّة. وقد جاء في الحديث الذي في المسند: "يُوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار". قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"٥. وفي الصحيحين: أنّ النبيّ ﷺ مُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". ومُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شراً، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". فقيل: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال:

стр. 144

"هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير، فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض"١. وفي حديث آخر: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأت"٢. وسئل عن الرجل: يعمل العمل لنفسه، فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٣. الثناء على رجل يعرف بأسباب والتحقيق: أنّ هذا قد [يُعلم] ٤ بأسباب، وقد يغلب على الظن. ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم؛ ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية٥: لمّا قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا عثمان بن مظعون٦ في السكنى، / فمرض، فمرضناه، ثم توفي، فجاء رسول الله ﷺ ، فدخل، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي

стр. 145

أن قد أكرمك الله. قال النبي ﷺ : " [وما يدريك] ١ أنّ الله قد أكرمه؟ ". قالت: لا والله، لا أدري. فقال النبي ﷺ : "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم". قالت: فوالله لا أزكي بعده أحداً أبداً. قالت: ثم رأيت لعثمان [﵁] ٢ بعد في النوم عيناً تجري، فقصصتها على رسول الله ﷺ ، فقال: "ذاك عمله"٣. وأما من لم يكن مقراً بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره؛ إذ الولي لا يكون ولياً إلا إذا آمن بالرسل. لكن قد [تدل] ٤ الخوارق على أنّ هؤلاء على الحقّ، دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء؛ كما قد [يتنازع] ٥ المسلمون والكفار في الدين؛ فيؤيّد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم؛ كما صارت النار على أبي مسلم٦ برداً وسلاماً؛ وكما شرب خالد السمّ٧، وأمثال ذلك. فهذه الخوارق هي من جنس آيات الأنبياء. كل ما كان الإنسان أقرب إلى الإسلام فهو أقوى خوارق وقد يجتمع كفار، ومسلمون، ومبتدعة، وفجّار؛ فيؤيّد هؤلاء بخوارق تعينهم عليها الجنّ و [الشياطين] ٨، ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى
следующие страницы →