← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك: إعراضه عن الحقّ الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن ربّ العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضاً عن غيرها أصلاً ورأساً، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها عشواء١، ولم يفرّق بين الحق والباطل. وإلا فالله أعظم لطفاً بعباده أن لا يجعل لهم عقلاً يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه. لكن عدم التوفيق، وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزاناً يزن به العبد الواردات فيفرّق به بين ما هو من قبيل الحقّ، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده. فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى. هذا باطلٌ قطعاً، يشهد له كلّ عقل سليم. لكن: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ ٍ [سورة النور، الآية ٤٠] .قال الشيخ الإمام - قدس الله روحه -: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جلّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبتُ عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية"٢. وهكذا نرى شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد أخذ على عاتقه، وأوجب على نفسه الكتابة في أصول الدين، والردّ على المخالفين.

стр. 72

وكأنّه بذلك يُرشد من قدر على دفع شرّ المخالفين، وكشف خطرهم، ومحو شبهاتهم وباطلهم، أنّ هذا الصنيع واجب في حقه كذلك، للذب عن دين رب العالمين، ولنصرة سنة سيد المرسلين. ولم يقف الأمر عند الكتابة، بل طبّق الشيخ ﵀ العقيدة عمليّاً، حين كسر عدداً من الأحجار التي كانت تُعبد من دون الله، وقطع أشجاراً كثيرة كان يُصرف لها شيء من العبادة. وقد تحققت فيه دعوة الإمام النووي لما دعا اللهَ قائلاً: "اللهم أقم لدينك رجلاً يكسر العمود المخلّق١، ويُخرّب القبر الذي في جيروت٢"، فكان ذلك على يد شيخ الإسلام - رحمه الله٣. المسألة السادسة: علماء توقعوا الذيوع والانتشار لكتب شيخ الإسلام ﵀ بعد موته: مؤلفات شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كتب الله لها الحفظ والانتشار. وها نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقد مضى على وفاة شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - نحو سبعة قرون، ولا زالت - بفضل الله وتوفيقه -

стр. 73

مؤلفاته منتشرة، كثيرة مشتهرة، تنير الدرب للراغب في الهداية، وتوضّح السبيل للباحث عن الحقيقة. ولقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في كتبه معتقدَ السلف، وطريقهم، ومنهجهم، بأقوى حجة، وأوضح برهان. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. ولقد كان تلاميذ الشيخ ﵀ يتواصون فيما بينهم بالعناية بما كتب الشيخ، والنسخ عنه، والمحافظة عليه. فها هو ذا أحد تلاميذه، وهو الإمام أحمد بن مرّي الحنبلي يُرسل رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام بعد موته، ويوصيهم بنسخ تآليفه من مسوداته، والاحتفاظ بها، ويبشرهم بالعاقبة الحسنة، ويُمّنيهم بأنّ هذه الكتب ستنتشر يوماً ما، ويذيع صيتها، فيقول ﵀: "فإن يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية على قواعدها، ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى. قال ﷺ : "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعة الله)) ١، وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة"٢. والله يقول في كتابه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، ٨] . وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله، فكذلك ينتفع بكلامه من بعده - إن شاء الله تعالى. فاتبعوا

стр. 74

أمر الله، واقصدوا رضى الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفات الكبار، وأشتات المسائل الصغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد مُلئ - ولله الحمد - من الفوائد، والفرائد، والشوارد. فأيقظوا الهمم، وبذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير له. فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب والتمام على رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه، وسنة نبيه على الدوام، ويثبت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام. وكلٌّ مجزي في القيامة بعمله، وما ربّك بظلام للعبيد. وقد عُلم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر الكبير، فنقلوا علمه، وبيّنوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتفيت آثاره، لأجل ذلك الوجود هو على هذه الصفة قديماً وحديثاً. فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعاً وكرهاً. وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته. ووالله إن شاء الله ليقيمنّ الله - سبحانه - لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم. وهذه سنة الحياة الجارية في عباده وبلاده. والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصى عدده غير الله - تعالى. ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أُخرج طريداً ثم مات بعد ذلك غريباً، وعوضه الله - سبحانه - عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مرّ في خياله؛ من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن، وذلك لكمال صحته،

стр. 75

وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب. ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة الصالحة نصيب كثير - إن شاء الله تعالى؛ لأنه كان بنى جملة أموره على الكتاب والسنة ونصوص أئمة سلف الأمة، وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ما يقدر عليه، لا يهاب مخالفة أحد من الناس في نصر هذه الطريقة، وتبيين هذه الحقيقة، وتسهيل العبارات، وجمع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب، بحقائق فصل الخطاب، ما ليس لأكثر المصنفين في أبواب مسائل أصول الدين وغيرها من مسائل المحققين؛ لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ما يبني عليه، ثم يعتضد بالعقليات الصحيحة التي توافق ذلك وبغيرها ويجتهد على دفع كلّ ما يُعارض ذلك من شبهة المعقولات، ويلتزم حلّ كل شبهة كلامية وفلسفية"١. وهذا عالمٌ آخر يُنادي بنسخ تآليف شيخ الإسلام من المسودات، والمحافظة عليها، ويبشر بأنها طريقٌ لإعادة مجد الإسلام، فيقول: (شجّعوا ابن القيم ينقل لكم ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يعرف أحد أن يقرأ خطه سواه، وهو أعلم تلاميذه بكتبه وآثاره. واعلموا أنه سيصير لهذه الآثار شأن عظيم، وسبب لإعادة مجد الإسلام، وستكون مرجعاً في المستقبل لمعرفة الإسلام الصحيح"٢.

стр. 76

وهذا الحافظ ابن حجر ﵀ يُثني على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ويُشير إلى بقاء تصانيفه، وانتقال تواليفه إلى الأجيال القادمة، فيقول: (وتلقيبه بشيخ الإسلام باق إلى الآن على الألسنة الزكية، وسيستمر غداً ما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، وتجنب الإنصاف"١. وقال الواسطي في رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام ﵀ يوصيهم بالشيخ وبعلمه، فيقول: (فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من الهجرة من بيَّن لكم أعلام دينكم، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبيَّن لكم بهذا النور المحمدي ضلالات العباد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح من السقيم، وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة الذين لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم"٢. وقال أحمد بن طرخان الملكاوي (ت ٨٠٣ ?) عن شيخ الإسلام ﵀: (فوالله إنّ الشيخ تقي الدين شيخ الإسلام لو دَرَوْا ما يقول لرجعوا إلى محبته وولائه"، وقال: (كلّ صاحب بدعة ومن ينتصر له لو ظهروا لا بدّ من خمودهم وتلاشي أمرهم. وهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلّما تقدّمت أيامه تظهر كراماته، ويكثر محبّوه وأصحابه"٣. فتأمّل - يا رعاك الله - كلام هؤلاء الأئمة، وانظر بإمعان وإنصاف فيه، فتجد أنّها كانت فراسة صادقة، وحدساً صادقاً، وظنّاً صائباً، وبُعدَ نظرٍ في العواقب.

стр. 77

فقد توقعوا أن يكتب الله لمؤلفات إمام الأئمة القبول، وأن ينتشر علمه في العرض والطول، وأن تحتاجه الأمة في حاضرها جيلاً إثر جيل، وأن يكون سبباً في رجعة الأجيال إلى المعتقد الأصيل. وقد صدقت توقعاتهم، فها نحن - بحمد الله - نحياها؛ فما دعوة الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب إلا ثمرة من غرس شيخ الإسلام، خرجت شجرة طيبة في جزيرة العرب، وطاب غراسها، فآتت أكلها بإذن ربها، وتأسست دولة الإسلام على أصلها الثابت، وانتشر خيرها في الأرجاء، وعمّ في الربوع الرخاء، وانتشر العلم القائم على النور السلفي، وأُنشئت المؤسسات الصادرة عن هذا الينبوع الصافي. وما دور جامعتنا المباركة - الجامعة الإسلامية - عنّا ببعيد، فقد قامت على ذلك المنهج السلفي، واحتضنت أبناء العالم الإسلامي، وغذتهم بلبان العقيدة الصحيحة، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء. المسألة السابعة: الأيام الأخيرة لشيخ الإسلام، ووفاته: كان شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عالماً عاملاً، نشر الدعوة بكلّ جدّ ونشاط، حتى جاء عام ٧١٨ ?، فمنعه السلطان فيه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، ثم عقد لهذا الغرض مجالس في سنة ٧١٩?، وحبس في سجن القلعة فترة، وانتهى الأمر بمنعه - بسبب فتواه - من الفتيا مطلقاً. ثم دبّر له أعداؤه مكيدة أخرى؛ إذ وشوا به للسلطان، وقالوا له: إنه يفتي بمنع السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وأوهموا السلطان أنّ في ذلك تنقصاً للأنبياء والمرسلين، وتنقصهم كفر. وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء؛ وهم ثمانية عشر نفساً، يرأسهم

стр. 78

القاضي الأخنائي المالكي، وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهراً. وقد بقي ﵀ في القلعة يكتب العلم، ويُصنّفه، ويُرسل إلى أصحابه الرسائل١. قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة من عام ٧٢٨?، أُخّر ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والأوراق والدواة والقلم، ومنع من الكتابة والمطالعة، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة ... وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان ردّ عليه التقي ابن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة، فردّ عليه الشيخ تقي الدين واستجهله، وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الأخنائي إلى السلطان وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك"٢. وقد حدّث ابن عبد الهادي عن حال شيخ الإسلام بعد إخراج ما عنده من الكتب، ومنعه من المطالعة والكتابة، فقال: (وأقبل الشيخ بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والتذكر والتهجد حتى أتاه اليقين، وختم القرآن مدّة إقامته بالقلعة ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ .... وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يوماً. وأكثر الناس ما علموا بمرضه، فلم يفجأ الخلق إلا نعيه"٣.

стр. 79

قال البزار ﵀ عن آخر أيامه، ووفاته: (ثم إن الشيخ ﵁ بقي إلى ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة الحرام، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم، وذلك في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وهو على حاله مجاهداً في ذات الله، صابراً، محتسباً، لم يجبن، ولم يهلع، ولم يضعف، ولم يتتعتع، بل كان ﵁ إلى حين وفاته مشتغلاً بالله عن جميع ما سواه. قالوا: فما هو إلا أن سمع الناس بموته، فلم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك، وتفرغ له، حتى غلقت الأسواق بدمشق، وعطلت معايشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام. قالوا: ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم، إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفاً على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم"١. وقد صُلي على شيخ الإسلام ﵀ صلاة الغائب في غالب أمصار المسلمين، فما من مصر وصلهم خبر موته، إلا وصلوا عليه صلاة الغائب٢. وقد ذكر الحافظ ابن كثير أنّه صُلّي عليه في المدينة النبوية في يوم الجمعة آخر شهر ربيع الآخر من سنة ٧٢٩?؛ أي بعد قرابة خمسة أشهر من وفاته - رحمه الله٣.

стр. 80

وهكذا عاش شيخ الإسلام ﵀ سبعةً وستين عاماً حافلة بالجهاد، والنصح للعباد. وقد ذهب من كاد له وحسده، ونسي الناس من مكر به ورصد له، وبقي علم الشيخ ﵀ وبقيت آثاره، وستستمرّ - إن شاء الله - يُنهل من معينها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. رحم الله شيخ الإسلام رحمة واسعة، وجزاه أحسن الجزاء عمّا ترك للمسلمين من علوم نافعة، وأجزل له المثوبة يوم الدين، ونفعنا بعلمه، ووفقنا لسلوك منهج المتقين. ورحم الله القائل فيه: فالله يوسعه برّاً ويشكر ما ... أبدى لنا معشر القرآن والسنن١. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 81

المبحث الثالث: دراسة الكتاب المطلب الأول: التعريف بالكتاب ... المطلب الأول: التعريف بالكتاب. كتاب ("النبوات)) يبحث في طرق إثبات النبوة، والمعجزة، والكرامة، والفرق بينها وبين خوارق العادات، وفق معتقد أهل السنة والجماعة. وفيه ردّ على المخالفين في هذا الباب؛ من أشعرية، ومعتزلة، وفلاسفة، مع ذكر مذاهبهم، وبيان أدلتهم. وقد فصّل شيخ الإسلام ﵀ فيه القول، وأطال النفس: فَعَرَضَ أقوال الأشاعرة بالتفصيل، وردّ عليها. واهتمّ حين عَرْضِه لأقوال الأشاعرة، بأقوال الشخصية الثانية في المذهب الأشعري، ألا وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، حيث انتقده في كتابه ((البيان)) ، وردّ على أقواله، وناقشها، ومحّصها، وبيَّن مجانبتها للصواب، وكرَّ على ما بُنيت عليه هذه الأقوال من قواعد فنسفها نسفاً، ووضّح لازمها، والنتيجة التي تفضي إليها، محذّراً بذلك منها ومن اعتقادها. وكتاب ((النبوات)) لم يقتصر على مباحث النبوات، والفروق بين المعجزة والكرامة، وبين ما يظهر على أيدي السحرة والكهان وأمثالهم من خوارق. بل كما هي عادة شيخ الإسلام ﵀، كان يردّ على الخصوم،

стр. 82

ويُبيِّن المضائق والمزالق التي أودت بهم إليها أقوالهم الباطلة، ويوضّح المآزق التي أوقعتهم بها أصولهم الهابطة النازلة. ومن طريقته ﵀ ومنهجه: أنه إذا تعرض لنقد قول ما، أو ناقش مسألة ما، فإنه لا يردّ عليها مباشرة، وإنّما يُنقّب عن الأصول التي قامت عليها، والأسس التي صدرت عنها. وقد نبّه شيخ الإسلام ﵀ إلى أنّ أقوال أهل البدع التي التزموها، وخالفوا فيها الرسول، سببها ما أصلوه من أصول عقلية قياسيّة مخالفة لأصول الرسول. فكان هدم هذه الأصول هو غايته، ودكّها وما بني عليها من أقوال ومسائل منتهى أُمنيّته. لذلك نراه يُجهز عليها، ويُدفّف عليها، ويُرسل عليها سهاماً صدرت عن بحر علمه الزاخر، فلا تقف في مواجهته، وينقلب أصحابها ما بين خائب وخاسر. ويورد عليها من الأدلة ما يكون سبباً في إبطالها، وبيان مجانبتها للصواب، ومخالفتها لأقوال السلف الصالح، ومجانبتها لفهوم ذوي الألباب. ومن المسائل التي تعرّض لها الشيخ ﵀ في هذا الكتاب: مسألة أنّ الرسول ﷺ قد بيَّن أصول الدين، وأنّ الأدلة العقلية الصريحة لا تُعارض الأدلة النقلية الصحيحة. وقد انتقد الشيخ ﵀ أصول المبتدعة الشهيرة، التي اتفقوا عليها؛ مثل دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وبيَّن أنّها لا وزن لها في ميزان الشرع، بل هي تافهة حقيرة. وتكلّم عن أقوالهم في بقاء المادة، وردّ على من يقول بعدم فنائها.

стр. 83

وتناول طرق الناس في التمييز بين خوارق العادات، وناقش موقف كلّ فرقة من هذه الخوارق من حيث النفي والإثبات. وتكلم عن محبة الله - تعالى، وموقف الناس منها من جافى في إثباتها أو غالى. وكذلك الاستدلال بحكمة الله وإرادته على النبوة، والاستدلال بسنته - تعالى - وعادته على ذلك، وردّ ﵀ على من نفى ذلك فأقحم نفسه في المهالك. وتكلّم عن غنى الله، وردّ على المتكلمين والفلاسفة الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك. وتكلّم عن العدالة الإلهية، وردّ على من يقول بتعذيب أهل الصلاح، وتنعيم أهل الظلم ردوداً واضحة جليّة. وغير ذلك من المباحث المهمة الطريفة الجامعة، التي تناولها الشيخ ﵀ في ثنايا هذا الكتاب ذي البحوث والمسائل النافعة. المسألة الأولى: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه، وتاريخ تأليفه: أولاً: تحقيق اسم الكتاب: الاسم الذي على النسخة المخطوطة هو: ("الكلام على النبوات والمعجزات)) . وقد ذكر الشيخ ابن عبد الهادي ﵀ مؤلفات شيخه شيخ الإسلام ﵀، وعدّ منها: "قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل)) ١.

стр. 84

وحين ذكر كلّ من الصفدي، وابن شاكر الكتبي، والآلوسي مؤلفات شيخ الإسلام ﵀ عدّوا منها كتاب: "ثبوت النبوات عقلاً ونقلاً والمعجزات والكرامات") ١. وكتاب ((النبوات)) الذي بين أيدينا يتحدّث عن طرق ثبوت النبوة، والفرق بين خوارق العادات عقلاً ونقلاً، فهو المقصود - من غير شك - بهذا الاسم. ولكنّي أميل إلى إبقاء اسمه ((النبوات)) لعدة أمور، منها: (١) أنّ اسم ((النبوات)) ، تدخل فيه المعجزة والكرامة؛ إذ النبوة أصل، والمعجزة فرع عنها. (٢) لا شك أنّ اسم ((النبوات)) جزء من العنوان، وأنّه اختصر من ذاك العنوان الطويل: ((الكلام على النبوات والمعجزات)) ، أو ((قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل)) ، أو ((ثبوت النبوات عقلاً ونقلاً والمعجزات والكرامات)) ؛ إذ جرت العادة في اختصار الأسماء الطويلة، لأجل الحفظ، وسهولة النطق. والأمثلة كثيرة عن اختصار أسماء الكتب الطويلة. (٣) من عادة شيخ الإسلام المعروفة في بعض كتبه أنّه لا يُسمّيها، وإن سمّاها، فليس لها اسم ثابت؛ إذ قد تختلف هذه الأسماء حتى في كلام مؤلفها؛ كما حدث في الجواب الصحيح، ودرء التعارض، والتدمرية، ونقض المنطق، ونحوها ممّا ليس هذا محلّ بسطه.

стр. 85

(٤) أنّ بعض رسائل شيخ الإسلام ﵀ ليس لها اسم أُطلق عليها من قِبَله، ومن ذلك رسائله التي كانت إجابات على أسئلة ترد عليه من أمصار المسلمين؛ إذ كانت تُسمّى بحسب البلدة التي ينتمي إليها السائل، أو أنّ تلاميذ شيخ الإسلام كانوا يُسمّونها باسم معيّن. (٥) قد توافق كلّ من طبع هذا الكتاب على تسميته باسم ((النبوات)) . وهو ما اشتهر بين الناس أيضاً. فالذي أُرجّحه - والله أعلم - إبقاء عنوان الكتاب على ما عُرف به: ((النبوات)) فقط؛ إذ هذا الاسم في صميم الموضوع، وقد تعارف طلبة العلم على إطلاقه، وانتشر بينهم بهذا الاسم. ولا محذور في إبقائه على هذا الاسم - إن شاء الله، ولو غُيِّر لالتبس على الناس، إذ قد يُظنّ أنه كتاب آخر غير كتاب ((النبوات)) المعروف. والله أعلم. ثانياً: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه: هذا الكتاب هو كتاب شيخ الإسلام ﵀ من غير شكّ، ونسبته إليه قطعية بدلائل يقينيّة. منها: (١) الكتاب لم يُنسب إلى غير شيخ الإسلام. بل قد صُرّح في أول نسخه المخطوطة باسم مؤلفه، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ووضع اسمه على الغلاف كذلك. (٢) إنّ شيخ الإسلام ﵀ أشار في هذا الكتاب إلى كثير من كتبه المشهورة المعروفة. وهذا لا يترك محلاً للشكّ في أنّه هو المؤلف له - رحمه الله تعالى. (٣) أنّ المستقرئ للكتاب يُدرك أنّ هذا الكتاب هو كتاب شيخ الإسلام ﵀؛ فالأسلوب هو أسلوبه من حيث العرض، والردّ على المخالفين في أصولهم ومذاهبهم وأقوالهم، والاستطراد في بعض المسائل.

стр. 86

(٤) أنّ من ترجم لشيخ الإسلام ﵀ من تلاميذه ذكر هذا الكتاب: كتاب النبوات والمعجزات ضمن مؤلفاته. وهكذا فالكتاب هو كتاب شيخ الإسلام ﵀ إذ عليه نور النبوة الذي هو سمة كتبه الأخرى. ثالثاً: تاريخ تأليف الكتاب: بعد استقراء هذا الكتاب، ومقارنته بكتب شيخ الإسلام الأخرى، اتضح لي أنّ كتاب النبوات من أواخر ما كتب شيخ الإسلام ﵀. وربّما لو قلتُ بأنّه ألّفه في سجنه الأخير، لما كنت مجانباً للصواب، أو مصادماً للحقيقة. وعلى كلّ حال: هو أمرٌ تبيّن لي من خلال الاستقراء، ولا دليل ثابت عليه، فهو لا يعدو كونه مجرّد احتمال. وقد ذكر ابن عبد الهادي أنّ شيخ الإسلام لبث مقيماً بسجن القلعة سنتين وثلاثة أشهر وأياماً، ثم توفي إلى - رحمة الله ورضوانه - وما برح في هذه المدة مكباً على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب في الردّ على المخالفين، وأنّ أكثر كتبه كتبها وهو في السجن١. وذكر ابن عبد الهادي أيضاً أنّ مؤلفاته كانت على ثلاثة أنواع؛ نوع أكمله وبيَّضه، ثم كُتب عنه. ونوع أكمله ولم يُبيِّضه. وجملة كثيرة من كتبه لم يُكملها٢. والناظر في كتاب النبوات يرى أنّ شيخ الإسلام ﵀ ذكر فيه كثيراً من المباحث العقديّة، والجزئيات الأصولية؛ فهو كالفهرس لكتبه الأخرى، فيه خلاصة ما كتبه ﵀ في كتبه السابقة.

стр. 87

وكذا يُلاحظ عدم ترتيب معلومات الكتاب، ممّا يُرشد إلى أنّه من النوع الثاني من كتب شيخ الإسلام؛ وهي الكتب التي أكملها، ولم يُبيّضها. والأمر المهمّ هو أنّ شيخ الإسلام ﵀ ذَكَر في كتاب ((النبوات)) أهمّ وأشهر كتبه، ممّا يدلّ على أنّها متقدّمة على هذا الكتاب في التأليف. ومن الكتب التي ذكرها، والتي سأحاول - قدر المستطاع - أن أذكرها مرتبة وفق تسلسل تأليفها الزمني: ١- ((بغية المرتاد)) ، أو ("السبعينية") . ألّفها في الاسكندرية١. ٢- ((شرح الأصفهانية)) . ألّفه في مصر٢. ٣- ((بيان تلبيس الجهمية)) . ألّفه في مصر٣. ٤- ((درء تعارض العقل والنقل)) . ألّفه بعد رجوعه إلى الشام. وقد رجح الدكتور محمد رشاد سالم أنّه ألّفه بين سنتي ٧١٣-٧١٧هـ لأسباب ذكرها٤. ٥- ((منهاج السنة النبوية)) . ألّفه في الشام؛ لأنه صرح فيه بذكر ((درء تعارض العقل والنقل)) أكثر من مرة٥. ٦- ((كتاب الصفدية)) . ألّفه بالشام؛ فقد صرّح فيه بذكر ((درء تعارض العقل والنقل)) ٦.

стр. 88

٧- ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) . ألّفه في دمشق؛ لأنّه صرّح فيه بذكر كتابه ((منهاج السنة النبوية)) ١، وكتابه ((درء تعارض العقل والنقل)) ٢. ٨- ((الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح)) . وهو آخر هذه الكتب؛ فقد صرح فيه بذكر ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) ٣. وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الكتاب في ((النبوات)) ٤؛ مما يُرشد إلى أنّ كتاب النبوات متأخّر عنه. ٩- ((الردّ على المنطقيين)) . ألّفه بعد ((الجواب الصحيح)) ؛ فقد صرح فيه بذكر ("الجواب الصحيح)) ٥، وذكر فيه ((الصفدية)) ٦. وقد جزم د/ عبد الرحمن الفريوائي أنّ شيخ الإسلام ﵀ ألّف هذا الكتاب - ((الردّ على المنطقيين)) - قبل تأليف كتابه ((درء تعارض العقل والنقل)) ٧. وهذا غير صحيح، بل صرّح شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الردّ على المنطقيين بذكر كتابه درء تعارض العقل والنقل في مواضع٨.

стр. 89

وهذا دليلٌ واضح على أنّ كتاب الردّ على المنطقيين متأخّرٌ عن درء تعارض العقل والنقل في التأليف وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّه ألّف ("الردّ على المنطقيين)) في الربوة بدمشق١. وقال فيه: (وكذلك بيَّنّا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح الأصفهانية، وكتاب الردّ على النصارى، وغيرها" ٢. ولو كان شيخ الإسلام ﵀ قد ألّف كتاب ((النبوات)) ، لنوّه بذكره؛ إذ هو في صميم الموضوع. ومن الكتب التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في ((النبوات)) : تفسير سورة الإخلاص٣. مسألة القادر المختار٤. مسألة العدل والظلم٥. مسألة القدرة والإرادة٦. وبعد هذا العرض الموجز لأشهر مؤلفات الشيخ، تبيَّن لنا بالدلائل القطعيّة أنّ كتاب ((النبوات)) ممّا أُلِّف في الشام، وأنّه من آخر ما ألّف. وقد ضمّنه ﵀ خلاصة آرائه، وأفكاره، واجتهاداته.

стр. 90

ومن هنا تأتي أهميته العلمية، ومكانته في التعرّف على أقوال شيخ الإسلام ﵀ الأخيرة. لذلك: إن أتت أقوال للشيخ ﵀ تتعارض مع ما في ((النبوات)) ، فالمعتبر ما في كتاب ((النبوات؛ إذ هو خلاصة أفكاره، وخاتمة أقواله، وناسخٌ لما تقدّم من آرائه. فعلى سبيل المثال: ما يتعلّق بحياة الخضر ﵇: نجد شيخ الإسلام في الفتاوى قد رجح حياة الخضر، ونافح عن ذلك بشدة، وانتقد من يقول بموته. وهذا في ((مجموع الفتاوى)) ١. أما في كتابه ((النبوات)) : فالأمر بخلاف ذلك؛ إذ مال إلى الرأي القائل بموته، وصرّح بأنّ الشيطان يتمثّل في صورة إنسيّ، ويقول إنه الخضر٢. وكذلك مسألة: هل آدم أُهبط من جنة التكليف التي في السماء؟ أم من جنّةٍ في الأرض؟ . نجده في ((مجموع الفتاوى)) يذكر أنّ في المسألة قولاً واحداً لأهل السنّة، وهو أنّها جنّة الخلد. ويذكر أنّ من قال إنّها جنّة في الأرض، فهو من المتفلسفة الملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين٣. أما في ((النبوات)) : فقد جعل في المسألة قولين، أصحّهما أنّ جنّة آدم كانت جنّة التكليف، ولم تكن في السماء٤. هذه الأمور، وأمثالها تجعلنا نجزم أنّ كتاب ((النبوات)) هو خلاصة

стр. 91

أقوال شيخ الإسلام ﵀، وأوثق آرائه، وزبدة أفكاره التي استقرّ عليها. هل الكتاب ناقص، أم لا؟ أشار بعض الباحثين إلى أنّ كتاب ((النبوات)) ناقص، ولم يذكروا دليلاً على ذلك. ومن هؤلاء: د/ محمد رشاد سالم ﵀ في كتابه: ((مقارنة بين الغزالي وابن تيمية)) . قال ﵀ وهو يتكلم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد خصّص كتابين من كتبه للنبوة؛ ١- أولهما وأهمهما: كتاب ((الصفدية)) . وقد كتبه للرد على من زعم أن معجزات الأنبياء قوى نفسانية. ٢- والثاني: كتاب ((النبوات)) . ويهتم فيه ابن تيمية بالرد على آراء المتكلمين في مسألة النبوة. وأُرجّح أنّ قسماً لا يُستهان به من الكتاب مفقود"١. وممّن قال بنقصه، ولم يورد دليلاً على ذلك: د/ عبد الرحمن المحمود، الذي قال وهو يستعرض مؤلفات شيخ الإسلام ﵀: (النبوات. وهو في الردّ على الأشاعرة، ومنهم الباقلاني في مسألة معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين الكرامات والخوارق الشيطانية. وهو مطبوع، لكن فيه نقص. ولعلّ الله أن ييسر مخطوطات هذا الكتاب ليحقق ويُخرج بشكل جيد"٢. وأقول: لا أدري ما هي الأدلة التي استندوا إليها، فخلصوا إلى هذا الرأي، ولا ما هي الأسس التي بنوا عليها، فرجحوا نقصان الكتاب؟

стр. 92

ولعلّ الذي دفعهم إلى هذا القول نظرهم إلى أول الكتاب، وملاحظتهم خلوّه من خطبة أو استفتاح، الأمر الذي يُخالف عادة المؤلفين. ويُردّ عليهم: ١- أنّ ذكر الخطبة، أو الاستفتاح ليس عادة مطردة لشيخ الإسلام ﵀؛ إذ يوجد من مؤلفات الشيخ ما هو خال من ذلك، ويبدأ به مباشرة بقوله: فصل؛ كصنيعه في كتاب ((النبوات)) . ومن ذلك - على سبيل المثال لا الحصر - كتاب الردّ على الأخنائي، وكتاب معارج الوصول - وهما مما ألّفه الشيخ وهو في السجن - وأكثر الرسائل التي احتواها كتاب جامع الرسائل - الذي حققه د/محمد رشاد سالم - وكذلك أغلب ما في مجموع الفتاوى، ومجموعة الرسائل الكبرى. ٢- أضف إلى هذا أنّ كتاب النبوات لم يخل ممّا يُشبه الاستفتاح؛ إذ في أوله بسملة، وثناء على الله تعالى، ثم عقّب بقوله: فصل. ٣- وممّا يُؤيّد ما ذهبت إليه - وهو قولي بأنّ كتاب ((النبوات)) ليس ناقصاً - أنّ الشيخ ﵀ لم يشر إلى مسألة تقدّمت، إلا وهي في الكتاب. وهذا توصّلتُ إليه بعد استقراء تام لكتاب النبوات. ولو كان ثمّة نقص - كما ادّعى البعض - لفُقدت بعض المسائل التي أشار الشيخ إلى أنّه قد قدّم الكلام عنها. ٤- وممّا يزيد الأمر يقيناً لديّ: وجود نسخة مخطوطة كتبت بعد وفاة المؤلف ﵀ باثنتين وثمانين سنة؛ إذ كتبت في عام ٨٣٠?، وهي قريبة العهد من عصر المؤلف. وقد ضمنها ابن زكنون ﵀ مجموعه الكبير: ((الكواكب الدراري في

стр. 93

ترتيب مسند الإمام أحمد)) - وقد ضمّ هذا المجموع رسائل كثيرة لشيخ الإسلام ﵀. وذكر - أعني ابن زكنون - بداية كتاب النبوات في النصف الأسفل من إحدى الصفحات، حيث سبقه في النصف الأعلى خاتمة كتاب لأحد العلماء. وحين انتهت المخطوطة، أتبعها بذكر كتاب الصارم المنكي لابن عبد الهادي. فلم يتقدّم مخطوطة النبوات خرمٌ ولا اختزال، بل هي باقية على حالها، كما وضعها ابن زكنون ﵀ بعد اثنتين وثمانين سنة من وفاة شيخ الإسلام. وهذه النسخة قد مضى على كتابتها سبع وستمائة سنة، وهي محفوظة في هذا المجموع الكبير الذي حفظ لنا ذخائر من تراث شيخ الإسلام ﵀، ومؤلفات تلاميذه ﵏. ٥- إنّ كتاب ((النبوات)) لم يُشر إليه أحدٌ من تلاميذ شيخ الإسلام، باستثناء ابن عبد الهادي، والصفدي. وأما ابن القيم ﵀: فمع جلالة قدره، وشدة التصاقه بالشيخ، وحرصه على مؤلفاته، وجمعه لأسمائها في فهرس، فإنّه لم يذكر كتاب ((النبوات)) . وهذا يدلّ على ما ذكرناه سابقاً؛ من أنّ كتاب النبوات من آخر ما ألّف شيخ الإسلام ﵀ وأنّه ممّا كُتب ولم يُبيّض. ولم يشتهر هذا الكتاب عند تلاميذ شيخ الإسلام، بل ولا الخاصة منهم، بل لم يأخذ حظه من الشهرة بين طلبة العلم - كما وقع لكتب

стр. 94

شيخ الإسلام الأخرى مبكراً - إلا بعد أن طُبع الكتاب طبعته الأولى عام ١٣٤٦?. وقد بذلت قصارى جهدي؛ من البحث الطويل، وسؤال المختصين، والمكتبات الكبيرة، والمراكز المشهورة عن نسخ للكتاب، فلم أجد من يدلّني على نسخة أخرى لهذا الكتاب. وقد خاطبت الشيخ محمد إبراهيم الشيباني مدير مركز المخطوطات والتراث والوثائق في الكويت، فجاءني منه ردّ بتاريخ ١٣/٧/١٤١٣? بأنّه لا يعلم أن للكتاب نسخة أخرى، ووعد بأنه إذا وجد شيئاً أثناء بحثه في مكتبات العالم أن يبلغني به، ولم أتلق منه بعد ذلك أي اتصال. وقد بحثتُ في مراكز المخطوطات في كل من الجامعة الإسلامية، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وجامعة أم القرى في مكة المكرمة، وجامعة الملك سعود في الرياض، وجامعة الملك عبد العزيز في جدة، ومركز الملك فيصل للمعلومات في الرياض، ومكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض، والمكتبة السعودية في دار الإفتاء في الرياض، فلم أجد لكتاب النبوات أثراً في هذه الأماكن، باستثناء الجامعة الإسلامية؛ إذ يوجد في مكتبة المخطوطات فيها صورة للنسخة الوحيدة الموجودة في المكتبة الظاهرية. وقد سألت عدداً من المهتمين بمؤلفات شيخ الإسلام ﵀، فأفادوني بأنهم لا يعلمون بوجود نسخة أخرى للكتاب.

стр. 95

المسألة الثانية: سبب تأليف الكتاب. وفيها ترجمة موجزة للباقلاني، وتعريف بكتابه ((البيان)) . أولاً: سبب تأليف الكتاب: ألّف شيخ الإسلام ﵀ كتاب النبوات لأمرين؛ عام، وخاص. أما الأمر العام: فهو: أ- إبراز معتقد أهل السنة والجماعة في الفرق بين النبي والمتنبي، ومعرفة طرق إثبات النبوة، والفروق بين خوارق العادات. قال ﵀: (فينبغي أن يتدبر هذا الموضوع، وتفرق هذه الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء وبين ما يشتبه بها، كما يعرف الفرق بين النبي والمتنبي، وبين ما يجيء به النبي وما يجيء به المتنبي. فالفرق حاصل في نفس صفات هذا وصفات هذا، وأفعال هذا وأفعال هذا، وأمر هذا وأمر هذا، وخبر هذا وخبر هذا، وآيات هذا وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذه الفروق أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يُبيِّنه ويُيسِّره) ١. وقال ﵀: (والفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار"٢. ب- الردّ على المخالفين في النبوات، من المتكلمين - أشاعرة ومعتزلة ومن وافقهم - والفلاسفة. قال شيخ الإسلام ﵀: (إنّ المتكلمين المبتدعين تكلموا في النبوات بكلام كثير، لبسوا فيه الحق بالباطل؛ كما فعلوا مثل ذلك في غير

стр. 96

النبوات؛ كالإلهيات، وكالمعاد. وعند التحقيق لم يعرفوا النبوة، ولم يثبتوا ما يدلّ عليها، فليس عندهم لا هدى ولا بيّنات"١. وأما الأمر الخاصّ الذي ألّف شيخ الإسلام ﵀ لأجله كتاب ((النبوات)) : فقد ناقش شيخ الإسلام ﵀ في هذا الكتاب الأشاعرةَ مناقشة تفصيليّة مستفيضة، وذلك من خلال مناقشته لشيخهم الباقلاني في كتابه ((البيان)) الذي هو العمدة عند الأشاعرة في مبحث النبوات٢. ويوضح شيخ الإسلام ﵀ أسباب ردّه على الأشاعرة، فيقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله! ولو لم يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا إلى أن نُميّز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على هؤلاء من هذه السؤالات، ولم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار، لكن لما تكلموا في إثبات النبوات صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا يُجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة، كما ذكرنا كلامهم، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام ونظاره والقائمون ببراهينه وأدلته، إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدلّ على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيهم أو الطعن ... فانسد طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه. والذي يفهم ما قالوه لا يكون إلا فاضلاً قد قطع درجة الفقهاء،

стр. 97

ودرجة من قلّد المتكلمين، فيصير هؤلاء إما منافقين، وإما في قلوبهم مرض. ويظن الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال، وقدحهم في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشرّ، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلاً ... وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ كلّ شيء، ولم يخلق أفعال العباد، وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن هذا لا يتمّ إلا بجحد حكمته وعدله ورحمته، فغلطوا في ذلك ... "١. إذاً: فالأمر الخاصّ الذي ألّف شيخ الإسلام ﵀ لأجله كتاب النبوات كما مرّ - هو مناقشة الأشاعرة مناقشة تفصيليّة مستفيضة، وذلك من خلال مناقشة شيخهم الباقلاني في كتابه ((البيان)) الذي هو عمدة مذهب الأشاعرة في النبوات. يقول شيخ الإسلام ﵀ عن القاضي أبي بكر: (وفي كلامه في هذا الباب٢ من الاضطراب ما يطول وصفه، وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم) ٣. وقال أيضاً - عن الأشاعرة -: (وجوّزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو بكر: أن يكون الرسول فاعلاً الكبائر، إلا أنه لا بد أن يكون عالماً بمرسله ... فلم يعتمد القاضي أبو بكر وأمثاله في تنزيه الأنبياء لا على دليل عقلي، ولا سمعي في الكتاب والسنة؛ فإن العقل عنده لا يمنع أن

стр. 98

يرسل الله من يشاء إذ كان يجوز عنده على الله فعل كلّ ما يقدر عليه، وإنما اعتمد على الإجماع"١. وذكر هذا الأمر الخاص الذي ألّف لأجله شيخ الإسلام كتاب ((النبوات)) ، يستلزم من الباحث أن يُعرّف بالباقلاني، ويُعرّف بكتابه. ثانياً: ترجمة الباقلاني، والتعريف بكتابه ((البيان)) . الباقلاني هو٢: القاضي الأصولي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد ابن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي، ابن الباقلاني. يُعدّ من أكابر أئمة الأشاعرة بعد مؤسسها أبي الحسن الأشعري، عالم بعلوم أهل الكلام، ولم يعرف تاريخ ولادته. ذكره القاضي عياض في طبقات المالكية، وقال عنه: إليه انتهت رئاسة المالكية في وقته. وقال عنه الذهبي: وكان يضرب المثل بفهمه وذكائه ... وكان ثقة إماماً بارعاً، صنّف في الردّ على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يُخالفه في مسائل، فإنه من نظرائه وقد أخذ علم النظر عن أصحابه. مات الباقلاني في ذي القعدة سنة ثلاث وأربع مائة، وصلى عليه ابنه حسن، وكانت جنازته مشهودة.

стр. 99

ومن أهم مؤلفاته المطبوعة: ١- ((التمهيد)) ، وسُمّي ((تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل)) . وقد طبع الكتاب أكثر من طبعة. ٢- ((الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به)) . ٣- كتاب ((البيان)) عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنارنجات. فالباقلاني إذاً يُعتبر المؤسس الثاني للمذهب الأشعري؛ فهو تلميذ لتلاميذ أبي الحسن الأشعري، فهو قريب العهد به. وعلى الرغم من أن تلامذة الأشعري كانوا أقوياء وذوي تأثير واسع، إلا أن أحداً منهم لم يبلغ ما وصل إليه الباقلاني. ولعلّ الفترة التي عاشها الأشعري وتلامذته كان السائد فيها المذهب الكلابي، فكان المذهبان متداخلين. فلما جاء الباقلاني جرّد نفسه لنصرة أبي الحسن الأشعري ومذهبه، والعمل على دعمه بأوجه جديدة من الحجج والمناظرات١. هذا عن الباقلاني. أما كتابه ((البيان)) : فهو العمدة - كما أسلفنا - عند الأشاعرة في النبوات. وقد أصّل فيه مؤلفه أصولاً، وقعّد قواعد تُخالف أصول أهل السنة والجماعة، ولذلك التزم فيه لوازم باطلة. وقد ناقش شيخ الإسلام ﵀ هذه الأصول، وردّ على هذه اللوازم في كتاب النبوات. ولا بأس من إيراد بعض آراء الباقلاني في كتابه ((البيان)) ، لتتضح الأفكار

стр. 100

التي ناقشها شيخ الإسلام ﵀ في كتابه النبوات. ١- يقول الباقلاني: (المعجزة قد تكون بمعنى منع العادة المألوفة؛ مثل أن يقول: آيتي وحجتي أنني أقوم من مكاني، وأُحرّك يدي، وأنّكم لا تستطيعون مثل ذلك"١. ٢- ويقول أيضاً: (وقد اتفق على أنه لا دليل يفصل بين الصادق والكاذب في ادعاء الرسالة، إلا آيات المعجزة.." ٢. ٣- قوله: (إن فرض التوحيد والمعرفة واجب من جهة السمع المحض) ٣. ٤- يرى الباقلاني أنّ خوارق الأنبياء قد تقع من غير الأنبياء، ولكن لا تعتبر معجزة؛ لأنه لا يُتحدّى بها. فليس جنس المعجزة عنده الآية، وإنما هي التحدي وادعاء النبوة. أما الآية فلا تعتبر معجزة لأن غير النبي يأتي بها، ولكن لا يدّعي النبوة٤. ٥- الفرق بين المعجزة والكرامة هو التحدي، وإلا فالجنس واحد؛ فقد يكون للولي مثل معجزات الأنبياء، إلا أنه لا يتحدى بها٥. ٦- يرى أنه لا يُستثنى من السحر إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بسحر الساحر. ومن الأشياء التي لا يستطيعها الساحر، ويستثنى من فعلها: آيات الأنبياء الكبرى٦.

стр. 101

وبعد: فهذه أهم الأقوال التي وقفت عليها في كتاب البيان تُخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تصدّى لها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بالردّ والتفنيد. وثمّة أقوال وآراء عن السحرة وغيرهم، وعن الكرامة، وغير ذلك. ومن الأمور التي ناقش فيها شيخ الإسلام ﵀ الأشاعرةَ في كتاب ((النبوات)) : تجويزهم على الله تعالى فعل كلّ شيء، وعدم تنزيهه عن شيء. وهذه من اللوازم التي التزموها، وانبثقت عن أقوالهم المتقدّمة. فيجوز عندهم أن يجعل الله الساحر والكافر والفاسق نبيّاً، وأن يرسله، ويؤيده بالمعجزات والآيات. ويجوز عندهم أن لا يميز الله بين الصادق والكاذب، إلا بأن يُظهر على يد الأول المعجزات، ويمنع الآخر منها. ومع تجويزاتهم هذه، نجدهم قد أنكروا حكمة الله، وعدله، ورحمته، فانسدّ عليهم طريق النبوة. المسألة الثالثة: منهج شيخ الإسلام ﵀ في كتابه ((النبوات)) : الكتابة عن منهج أيّ مؤلّفٍ في أيّ كتابٍ من كتبه فيه نوعٌ من المشقة؛ إذ الأمر يستلزم القراءة المتأنيّة، والفحص الدقيق، والاستقراء التامّ. فما ظنّك إن كانت الكتابة عن منهج شيخ الإسلام الفريد في كتاباته، والمتعمّق في تأليفاته، صاحب الكتب التي لا زالت كلماتها نابضة، تُجدّد - بإذن الله - من الدين ما اندثر، وتُظهر - بعون الله - منه ما انطمر، وتُحيي من السنن ما أماته أهله وانقبر. يُروى عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أنه قال عن منهج شيخ الإسلام: (شيخ الإسلام يأتي إلى جدار الباطل فيلطمه حتى يعتدل. أما ابن

стр. 102

القيم فيأخذ هذا الجدار حجراً حجراً، فيكسرها إلى أشلاء"١. فشيخ الإسلام ﵀ رجلٌ فريدٌ في نوعه، فريدٌ في تأليفاته، فريدٌ في منهجه، جاء في وقت اندثرت فيه السنة، واشرأبّت أعناق أهل البدعة، وباض فيه أهل الأهواء وفرّخوا، فقام بنصر دين الله، وجاهد لإعلاء كلمة الله، وكافح من أجل توحيد الله، وإفراده بالعبادة وحده دون سواه. كتب عنه بعض العلماء حين رآه: (فألفيتُه ممن أدرك من العلوم حظّاً، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظاً. إن تكلّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم يُرَ أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته. برز في كلّ فنّ على أبناء جنسه، ولم ترَ عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه"٢. هذا عن الرجل.. فماذا عن الكتاب؟! . سبق الحديث عن كتاب النبوات من حيث أهميته، وذُكر حينها أنّ الكتاب من أجمع الكتب، وأشملها، وأنّ فيه خلاصة آراء صاحبه، وزبدة أفكاره. وهذا ممّا يُصعِّب الحديث عن منهج مؤلفه. ولكن ما لا يُدرك جلّه، لا يُترك كلّه. وهذا جهد المقلّ، أتحدّث فيه عن منهج شيخ الإسلام ﵀ في كتابه ("النبوات") ، مجملاً ذلك في النقاط التالية:

стр. 103

١- يذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه أقوال ومذاهب المخالفين من فلاسفة ومتكلمين، ويردّها إلى أصولها. فيُوضّح الأصول البدعية التي قامت عليها، ويُبيِّن مخالفتها لأصول الرسول ﷺ ، ويذكر اللوازم التي التزمها أصحابها لأجلها، ثمّ ينقضها، ويردّ عليها، ويُنبّه إلى أقوال من طعن فيها أو ردّ عليها. ويجتثّ هذه الأصول من جذورها، فتنهار الأقوال بأصحابها مع الأسس التي بنوا عليها، وتُسوّى بهم الأرض، فلا ترى لهم بناءً مشيّداً. ٢- يُكثر ﵀ من الاستطرادات، وبسط الكلام في سرد أدلة الخصم، وذكر حججه. ولكن ليس ذلك حشواً، بل هو شديد العلاقة بأصل الكلام، حتى إنّ المنصف يُدرك أنّ ما بُسط من الكلام هذا موضعه، ولو تُرك ذلك لقلّت فائدة من يُراجعه. ٣- أما عن طريقته ﵀ في الردّ على الخصوم، أو عرض مذهب أهل السنة في المسألة: فإنّه قد يوجز تارةً، ويُحيل على مؤلفاته الأخرى، بقوله: كما قد بُسط في غير هذا الموضع، أو: قد بسطناه في موضع آخر، أو: وبسطُ هذا له موضع آخر، ... وهكذا. أو يُطيل النفس في الردّ. وينصر في ردّه المذهب الحقّ والقول الصحيح الذي يعتمد على الكتاب والسنة، مدلّلاً له بكلام الله، أو سنّة رسول الله ﷺ ، أو أقوال الصحابة والتابعين؛ من أئمة سلف هذه الأمة المهديين. ٤- يُكثر ﵀ من تعضيد كلامه بأقوال العلماء، أو كلام المفسرين، أو أقوال النحويين ليُدلّل على صحة ما ذهب إليه.

стр. 104

فإذا ذكر مسألة ما، استشهد لها بأقوال العلماء، والمختصين من أهل الفنون؛ فإن كانت في التفسير، ذكر بعض أقوال المفسرين، وإن كانت لغوية أورد كلام علماء اللغة والنحويين ... وهكذا. ومن منهجه ﵀ في تفسير الآيات: أن يُفسّر القرآن الكريم بالقرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة، وأقوال الصحابة والتابعين - فهو تفسير بالمأثور - أو أقوال المفسرين المعروفين. وهو ﵀ يهتمّ باللغة العربية، فيجمع شواردها، ويسوق شواهدها، ويعتبرها مصدراً من مصادر تفسير القرآن الكريم. فتراه يُناقش علماء التفسير، وأصحاب المعاجم اللغوية في جوانب كثيرة من تفسيراتهم لبعض الآيات، فيُوجّه أقوالهم إن أمكن الجمع بينها، ويذكر جوانب الاتفاق، وأطراف الاختلاف. ٥- يُورد أدلة الخصوم، ويُناقشها بما يُجانسها. ٦- يذكر أقوال الناس في المسألة، ويختم بما يراه راجحاً، كقوله: والتحقيق:...... ويُعضّد ذلك بالأدلة العقلية، والسمعية، وأقوال العلماء، والتعليل. ٧- يسلك في الكلام مسلكاً منهجيّاً يُقرّب فيه المعلومات إلى الفهوم؛ كتقسيم الكلام إلى فصول، أو أنواع، أو أقسام، أو مراتب؛ كي يُقرّب المعلومة إلى ذهن القارئ فيفهمها. ٨- إذا ذكر أقوال الخصوم، نسب كلّ قول إلى قائله؛ سواء كان فرقة، أو طائفة، أو شخصاً. ٩- يُكثر الاستشهاد على المسألة اللغوية من القرآن الكريم. ١٠- في حال نقده لقولٍ ما: يسوقه بنصّه، أو يذكره مختصراً.

стр. 105

١١- يذكر شبه المخالفين، وأدلتهم، وحججهم، والدوافع التي أفضت بهم إلى مقولتهم، ثمّ يكرّ عليهم بالردّ بكلام داحض لحججهم، كاشف عن عوارهم. ١٢- أثناء مناقشة الخصوم: كثيراً ما يُشير إلى القواعد الكلية العقليّة؛ إذ هي بديهية مسلّم بها، وتُلزم الخصم، وتفحمه. ١٣- في معرض مناقشته ﵀ للشيخ الباقلاني ذكر أقواله، وذكر قول من يُوافقه من أهل المذاهب، أو يُخالفه. ١٤- قد ينقل ﵀ كلام الباقلاني بنصه من كتابه (البيان) ، أو يعرضه باختصار، أو يذكر خلاصة القول الذي يُريد أن يردّ عليه. ١٥- قد يردّ ﵀ على الخصوم، ويستدرك عليهم من عدّة وجوه. ١٦- إذا انتقد شخصية ما، فإنه يورد خلاصة ما قيل في معتقده، ويُعرّج على ذكر بعض مخالفاته التي وقع فيها، ويذكر مقدار قربه أو بعده من مذهب أهل السنة والجماعة. ١٧- يُشير أحياناً إلى بعض ما ورد في الكتب المتقدمة - كالتوراة والإنجيل ممّا لم يدخله التحريف - ليُعضّد ما ذهب إليه. ١٨- يتحرّى الدقة، والأمانة العلمية في النقل؛ فيُورد أقوال المخالفين من كتبهم، ويستحضرها عن ظهر قلب؛ فيذكر ما يُريد نقله، ويذر ما لا يُريد، فيأخذ حاجته من الكلام لا يزيد فيه ولا ينقص، معزوّاً إلى المخالفين، أو بعض كتبهم. والإنصاف شعاره ﵀ مع المخالفين. وهذا قد شهد به أعداؤه. ١٩- التأصيل ووحدة المنهج في مصنفات شيخ الإسلام ﵀ فيفسر بعضها بعضاً، فلا يختلف كلامه، مع كثرة مؤلفاته وتنوع مباحثها، مع تباعد أزمنة تأليفها

стр. 106

المسألة الرابعة: مصادر المؤلف في كتابه، والكتب التي أوردها، أو أشار إليها فيه: لا شكّ أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد أورد الآيات الكثيرة من القرآن الكريم، مستشهداً بها على مسألة، أو رادّاً بها على قول، أو موضّحاً بها قضيّة. وثمّة كتب كثيرة أخذ منها شيخ الإسلام ﵀ ونقل عنها، أو أشار إليها، ودلّ عليها في كتابه. وها أنا ذا أذكرها مستعيناً بالرحمن؛ إذ هو ربي وعليه التكلان: ١- ((صحيح البخاري)) . ٢- ((صحيح مسلم)) . ٣- ((سنن أبي داود)) . ٤- ((سنن النسائي)) . ٥- ((سنن الترمذي)) . ٦- ((سنن ابن ماجه)) . ٧- ((مسند الإمام أحمد)) . ٨- ((مصنف عبد الرزاق)) . ٩- ((تفسير ابن أبي حاتم)) . ١٠- ((تفسير الطبري)) . ١١- ((تفسير ابن عطية)) . ١٢- ((تفسير أبي روق)) . ١٣- ((تفسير البغوي)) . ١٤- ((تفسير الوالبي)) .

стр. 107

١٥- ((زاد المسير لابن الجوزي)) . ١٦- ((رسالة إلى أهل الثغر)) : للأشعري. ١٧- ((مقالات الإسلاميين)) : للأشعري. ١٨- ((اللمع في الرد على أهل الأهواء والبدع)) : للأشعري. ١٩- ((نقض اللمع في الردّ على أهل البدع)) : للقاضي عبد الجبار. ٢٠- ((نقض نقض اللمع)) : للباقلاني. ٢١- ((شرح اللمع في الرد على أهل البدع)) : للباقلاني. ٢٢- ((الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانات والسحر والنارنجات)) : للباقلاني. ٢٣- ((رسالة الإمام أحمد إلى الخليفة المتوكل)) . ٢٤- ((كتاب خلق أفعال العباد)) : للبخاري. ٢٥- ((كتاب الملل والنحل)) : للشهرستاني. ٢٦- ((معراج السالكين)) : للغزالي. ٢٧- ((إحياء علوم الدين)) : للغزالي. ٢٨- ((المضنون به على غير أهله)) : للغزالي. ٢٩- ((تهافت الفلاسفة)) : للغزالي. ٣٠- ((تهذيب اللغة)) : للأزهري. ٣١- ((كتاب الدعاء، أو: شأن الدعاء)) : للخطابي. ٣٢- ((رسائل إخوان الصفا)) . ٣٣- ((المطالب العالية)) : للرازي. ٣٤- ((أقسام اللذات)) : للرازي. ٣٥- ((كتاب الإحاطة)) : لابن سبعين.

стр. 108

٣٦- ((لوح الأصالة)) : لابن سبعين. ٣٧- ((كتاب البد)) : لابن سبعين. ٣٨- ((الردّ على ابن سبعين وأهل الوحدة)) : لابن تيمية. وهو المسمّى: ((بغية المرتاد، أو السبعينيّة)) . ٣٩- ((شرح الأصفهانية)) : لابن تيمية. ٤٠- ((الجواب الصحيح)) : لابن تيمية. ٤١- ((منع تعارض العقل والنقل)) : لابن تيمية. ٤٢- ((مسألة القادر المختار)) : لابن تيمية. ٤٣- ((مسألة العدل والظلم)) : لابن تيمية. ٤٤- ((مسألة القدرة والإرادة)) : لابن تيمية. ٤٥- ((رسالة في الإجماع)) : لابن تيمية. ٤٦- ((العدة)) : لأبي يعلى.

стр. 109

المطلب الثاني: التعريف بالأصل المخطوط أصل الكتاب نسخة مخطوطة، موجودة ضمن ((الكواكب الدراري)) في المكتبة الظاهرية بدمشق، تحمل رقم ٥٨١. ومنه صورة في مكتبة المخطوطات في الجامعة الإسلامية تحمل الرقم ٤٤٧٢ فيلم. و ((الكواكب الدراري)) جمعه: علاء الدين أبو الحسن علي بن حسين بن عروة المشرقي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن زكنون. قال عنه الحافظ ابن حجر: "كان زاهداً، عابداً، قانتاً، خيِّراً، لا يقبل من أحد شيئاً، ولا يأكل إلا من كسب يده. مات سنة ٨٣٧ ?"١. وقد رتّب ابن زكنون في كتابه ((الكواكب)) : أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل على الأبواب التي وضعها البخاري في صحيحه. وكتاب ((الكواكب الدراري)) كبير جداً، ضمّنه ابن زكنون كثيراً من كتب شيخ الإسلام ﵀؛ مثل: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ، و ((التوسل والوسيلة)) ، و ((السياسة الشرعية)) ، و ((نقض التأسيس)) ، و ((شرح حديث النزول)) . أما كتاب ((النبوات)) : فقد ذكر بعضه في المجلد الحادي والعشرين بعد المائة؛ في آخره، من صفحة (٢٢١) ، إلى نهاية المجلد صفحة (٢٥١) . واشتمل هذا المجلد على الثلث الأول من كتاب النبوات؛ أي حوالي (٣٠) ورقة.

стр. 110

ثم أكمله في المجلد الثاني والعشرين بعد المائة؛ من أول صفحة في المجلد، إلى صفحة (٧٦) منه، حيث آخر كتاب النبوات. وكاتب هذه النسخة الفريدة هو: إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي، كتبها عام ٨٣٠ ?. والنسخة واضحة الخط، قليلة الأخطاء، بل نادرة الأخطاء، بسبب استدراكات الناسخ؛ فكأنه بعد ما فرغ من كتابتها، أعاد مقابلتها، فكتب ما فاته بين السطرين، أو على حاشية النسخة. وهذه الاستدراكات كثيرة؛ مما يُرشد إلى أنّ هذه النسخة مراجعة، ومقروءة، ومقابلة على الأصل. وعلى النسخة بلاغات؛ يقول فيها: بلغ مقابلة بأصله، أو نحو هذه العبارة. وقد اهتمّ الناسخ بوضع النقاط في مواضعها. وعدد أسطر هذه النسخة في كلّ صفحة ما بين ٢٨ - ٣٠ سطراً. وعلى المخطوطة ختم: مجاميع المدرسة العمرية١.
следующие страницы →