← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والإيمان بأنبياء الله تعالى لا يتمّ حتى يؤمن العبد بجميعهم من غير حصر، مَنْ قصّهم الله علينا، ومن لم يقصصهم؛ فقد أخبرنا جلّ وعلا أنّ هناك أنبياء لم يقصصهم علينا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر، ٧٨] . يقول شيخ الإسلام ﵀: "فنؤمن بما سمّى الله في كتابه من رسله، ونؤمن بأن لله سواهم رسلاً وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، ونؤمن بمحمد ﷺ ، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل؛ إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد: إقرارك به وتصديقك إياه دائباً على ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به أدّيت الفرائض، وأحللت الحلال، وحرّمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات"١. وقال ﵀ أيضاً: "من أطاع رسولاً واحداً فقد أطاع جميع الرسل، ومن آمن بواحدٍ منهم فقد آمن بالجميع، ومن عصى واحداً منهم فقد عصى الجميع، ومن كذّب واحداً منهم فقد كذّب الجميع؛ لأنّ كلّ رسولٍ يُصدّق الآخر ويقول: إنه رسول صادق، ويأمر بطاعته. فمن كذّب رسولاً فقد كذّب الذي صدّقه، ومن عصاه فقد عصى من أمر بطاعته"٢.

стр. 37

المطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياء: وكلّ واحد من الأنبياء والرسل ﵈ يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون، ٢٣] . فهم متفقون على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك. فالغاية التي بُعثوا من أجلها: إفراد الله تعالى بالعبادة، والنهي عن جميع الموبقات؛ من الكفر، والفسوق، والعصيان. والشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة؛ إذ هي مهمة جميع الرسل، من لدن نوحٍ ﵇، إلى رسولنا محمد ﷺ . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. وعبادته تعالى في كلّ زمان ومكان بطاعة رسله ﵈ فلا يكون عابداً له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله، كالذين قال فيهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى،٢١] . فلا يكون مؤمناً به إلا من عبده بطاعة رسله، ولا يكون مؤمناً به ولا عابداً له إلا من آمن بجميع رسله، وأطاع من أرسله إليه، فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي بعده، فتكون الطاعة للرسول الثاني"١.

стр. 38

المطلب السابع: المعجزات: النبوة هي أصل المعجزة. والولاية هي أصل الكرامة. فلا تحصل المعجزة الخارقة للعادة - التي هي أصل الكرامة في الجنس - إلا مع النبوة الصادقة، كما أنّ الكرامة الخارقة للعادة لا تحصل للولي إلا بمتابعته لشرع نبيّه. فالمعجزة إذاً دليلٌ على النبوة الصادقة. والكرامة دليلٌ على صدق الشاهد بالنبوة الصادقة. وجامعهما: آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة. فهما من جنس واحدٍ. ولكن لا يلزم من هذا أن تكون المعجزة والكرامة متساويتين في الحدّ والحقيقة؛ فآيات الله لا يُحاط بها علماً، كما أنه - جلّ وعلا - لا يُحيطون به علماً إلا بما شاء . ومن آيات الله تعالى ما هي آيات كبرى، ومنها ما هي آيات صغرى. فالآيات الكبرى لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين، وهي التي وجب على الناس الإيمان بمقتضاها، وهي التي يُطلق عليها اسم المعجزات. والآيات الصغرى لا تصل إلى درجة سابقتها، ولا تبلغ مبلغها في الحدّ ولا في الحقيقة، وهي التي يُطلق عليها اسم الكرامات. ولما كانت الآيات الكبرى والصغرى من جنس واحد، وكان من خواصهما خرق العادة، كان من الواجب أن يكون خرق العادة فيهما مخالفٌ لسنن الطبيعة، وخواص المادة، وقانون الأسباب والمسبّبات،

стр. 39

لا سيما في المعجزات التي هي الدلائل اليقينيّة على صدق الرسل؛ فإنّ رتبة الرسالة ذات شأن عظيم؛ إذ هي الواسطة بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، وعليها تترتب سعادة المصدّقين، وشقاوة المكذّبين في كلتا الدارين١. وفضل معرفة المعجزات، والتمييز بينها وبين ما للسحرة والكهان من الخوارق عظيم، وتعلّم ذلك من أشرف العلوم. يقول شيخ الإسلام ﵀: "فإنّ الكلام في المعجزات وخصائصها، والفرق بينها وبين غيرها من أشرف العلوم، وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطاً ليس هذا موضعه" ٢. ويقول ﵀: "الفرق بين النبيّ والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار"٣. ويقول ﵀ أيضاً: "فهذا الموضوع من فهمه فهماً جيداً تبيَّن له الفرقان في هذا النوع؛ فإنّ كثيراً من الناس يصفها بأنها خوارق ومعجزات وعجائب، ونحو ذلك، ولا يُحقّق الفرق بين ما يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا يجب أن يكون في حقه كذلك"٤.

стр. 40

والمعجزات طريق من طرق إثبات الصانع، ومعرفة صدق الرسول، كما قال شيخ الإسلام ﵀: "المعجزات قد يُعلم بها ثبوت الصانع وصدق الرسول معاً"١. ودلالتها على إثبات الصانع، وصدق الرسول تأتي بيِّنة واضحة في أحايين كثيرة. يقول شيخ الإسلام ﵀: "إنّ دلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر والبيِّن لكلِّ أحد، كالحوادث المشهودة؛ فإنّ الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق والإقرار بالرسالة"٢. ويقول ﵀: "والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما تنفيه، فتقول: هو حكيمٌ يضع كلّ شيء في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يُسوّي بين جنس الصادق والكاذب.."٣. لذا وجبت العناية بمعرفة ذلك، والتفريق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان والمشعوذين.

стр. 41

المطلب الثامن: ما أُلِّف في النبوات: ألّف النّاس - في القديم والحديث - في النبوات، والكرامات، والرسل، والرسالات، ودلائل النبوات، وغير ذلك مما يتصل بموضوع النبوات الكتب الكثيرة. وها أنا ذا أذكر بعضاً منها. ١- ((البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنارنجات)) : تأليف القاضي أبي بكر الباقلاني. ٢- ((دلائل النبوة)) : تأليف إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني. ٣- ((دلائل النبوة)) : تأليف أبي نعيم الأصبهاني. ٤- ((دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة)) : تأليف أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي. ٥- ((حياة الأنبياء صلوات الله عليهم بعد وفاتهم)) : تأليف البيهقي. تحقيق د/ أحمد بن عطية الغامدي. ٦- ((دلائل النبوة)) : تأليف أبي بكر جعفر بن محمد الفريابي. ٧- ((تثبيت دلائل النبوة)) : تأليف القاضي عبد الجبار الهمذاني. ٨- ((إثبات النبوات)) : تأليف أبي يعقوب السجستاني. مخطوط، صورته في دار الكتب المصرية، برقم ٢٦٩٨٤ / ب علم الكلام. ٩- ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) : تأليف القاضي عياض اليحصبي. ١٠- ((عصمة الأنبياء)) : تأليف محمد بن عمر الفخر الرازي. ١١- ((النبوات وما يتعلق بها)) : تأليف الفخر الرازي.

стр. 42

١٢- ((الصارم المسلول على شاتم الرسول)) : تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ١٣- ((المعجزة وكرامات الأولياء)) : تأليف شيخ الإسلام ﵀. ١٤- ((أعلام النبوة)) : تأليف أبي الحسن علي بن محمد الماوردي. ١٥- ((تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء)) : تأليف جلال الدين السيوطي. ١٦- ((تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء)) : تأليف علي بن أحمد البستي الأموي، المعروف بابن حمير. ١٧- ((الدين والدولة في إثبات نبوة النبي ﷺ ) : تأليف علي بن زين الطبري. ١٨- ((الوحي المحمدي)) : تأليف محمد رشيد رضا. ١٩- ((الوحي المحمدي)) : تأليف محمود عبد الوهاب فايد. ٢٠- ((ختم النبوة في ضوء القرآن والسنة)) : تأليف أبي الأعلى المودودي. ٢١- ((النبوة عند ابن تيمية ورده على المخالفين)) رسالة جامعية: تأليف سعيد إبراهيم مرعي خليفة. ٢٢- ((النبوة والرسالة)) (رسالة جامعية) : إعداد مغفور عثمان. ٢٣- ((خوارق العادات في القرآن الكريم)) رسالة جامعية: تأليف عبد الرحمن إبراهيم الحميضي. ٢٤- ((حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة)) رسالة جامعية: تأليف محمد بن خليفة بن علي التميمي. ٢٥- ((الأولياء والكرامات)) : تأليف أبي السمح محمد عبد الظاهر. ٢٦- ((علامات النبوة)) : تأليف عبد الملك علي الكليب. ٢٧- ((عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية)) : تأليف د/أحمد سعد حمدان الغامدي.

стр. 43

٢٨- ((من معجزات الرسول)) : تأليف عبد العزيز المحمد السلمان. ٢٩- ((النبوة والأنبياء في ضوء القرآن)) : تأليف أبي الحسن علي الحسني الندوي. ٣٠- ((النبوة عند الفلاسفة الإسلاميين)) رسالة جامعية: تأليف أنور بن عيسى السليم. ٣١- ((دراسات في النبوة والرسالة)) : تأليف عبد العزيز بن إبراهيم العسكر. ٣٢- ((الصحيح المسند من دلائل النبوة)) : تأليف مقبل بن هادي الوادعي. ٣٣- ((دلائل النبوة المحمدية في ضوء المعارف الحديثة)) : تأليف محمود مهدي استانبولي. ٣٤- ((مقارنة بين الغزالي وابن تيمية في النبوة)) : تأليف د/ محمد رشاد سالم. ٣٥- ((نبوءات الرسول ﷺ ما تحقق منها وما لم يتحقق)) : تأليف محمد ولي الله الندوي ٣٦- ((نبوءات المصطفى)) : تأليف نشأت المصري. ٣٧- ((النبأ العظيم)) : تأليف محمد عبد الله دراز. ٣٨- ((نبوة محمد من الشك إلى اليقين)) : تأليف د/ فاضل السامرائي. ٣٩- ((نبوة محمد ﷺ في القرآن)) : تأليف د/ حسن ضياء الدين عتر. ٤٠- ((نظرات في النبوة)) : تأليف صلاح الدين محيميد. ٤١- ((آيات الإيمان بالرسل)) : تأليف عبد المنعم أحمد تعيلب. ٤٢- ((بشارات الأنبياء بمحمد ﷺ ) : تأليف عبد الوهاب عبد السلام طويلة. ٤٣- ((البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل)) : تأليف أحمد حجازي السقا. ٤٤- ((بشائر النبوة الخاتمة)) : تأليف رؤوف شلبي. ٤٥- ((بشرية المسيح ونبوة محمد ﷺ في نصوص كتب العهدين)) ردّ على شبه المنصرين والمستشرقين: تأليف أحمد محمد عبد القادر ملكاوي.

стр. 44

٤٦- ((عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم)) : تأليف محمد أبو النور الحديدي. ٤٧- ((النبوة والأنبياء)) : تأليف محمد علي الصابوني. ٤٨- ((الرسل والرسالات)) : تأليف عمر سليمان الأشقر. ٤٩- ((مع الأنبياء في القرآن الكريم)) : تأليف عفيف عبد الفتاح طبارة. ٥٠- ((الإسلام ونبي الإسلام)) : تأليف محمد بن رزق الطرهوني. ٥١- ((الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام)) : تأليف أحمد عز الدين البيانوني. ٥٢- ((أدعياء النبوة الكاذبة في الإسلام)) : تأليف يحيى محمد زاهر الحارثي. ٥٣- ((أدعياء النبوة)) : تأليف سوسن الجبار. ٥٤- ((خصائص المصطفى ﷺ بين الغلو والجفاء)) : رسالة جامعية، تأليف الصادق محمد إبراهيم.

стр. 45

المبحث الثاني: التعريف بالمؤلِّف . تاللهِ إنّ المرء ليستشعر نقصه، ويُدرك بُعد الغاية، وعلوّ النهاية، حين يُفكّر في الكتابة عن هذا العَلَم الشهير، والعالِم الكبير، والبطل النحرير. رجلٌ أشهر من نارٍ على علم، ومن المعلوم أنّ النار تخبو وتهمد، إلا أنّ نور هذا العلم يزداد ويتمدّد. رجلٌ جعل الله له ذكراً في العالمين، فأحبّه الأوّلون، واشتغل بعلمه الآخرون، وانشغل النّاس في الكتابة عنه، حتى لكأنّهم أدركوا أنّ ذكر النّاس لهم قرينٌ بذكره، فبلغ ما كُتب عنه أكثر من مائة كتاب، هذا ما عُلم١، أما ما لم يُعلم فعلمه عند ربّ العباد. والإنسان حين يُريد أن يكتب عن هذا الرجل يُقدّم رِجلاً، ويُؤخّر أخرى. فالرجل قمّة سامقة، وذروة شاهقة. فعن ماذا يكتب؟ أيكتب عن منهجه في تقرير عقيدة السلف والردّ على من خالفهم؟ أم يكتب عن جهاده وصبره ومصابرته؟

стр. 46

أم يكتب عن جهوده في نشر الدعوة السلفية؟ أم..؟ أم..؟ ... ؟ موضوعات شتى يقف المرء أمامها متحيّراً. ولكن ما لا يُدرك كلّه، لا يُترك جُلُّه.. هذا على الرغم من كثرة من كتب عنه، وترجم له، ودرس جوانب حياته. وكما - أسلفتُ - لعلّ الحافز على الكتابة رغبتي في أن أُذكر معه، وأسأل ربي أن يحشرني معه.

стр. 47

المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية: وفيه مسائل: المسألة الأولى: اسمه ونسبه: هو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، تقي الدين، أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي ابن عبد الله بن تيمية الحراني النميري. فهو ينتسب إلى قبيلة عربية نِمْريّة؛ من بني نُمَيْر الذين يرجع نسبهم إلى قيس عيلان من مضر١. أما عن سبب تسمية عائلته بآل تيمية: فقد قيل إن جدّه محمد بن الخضر حجّ على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتاً، فقال يا تيمية، يا تيمية.

стр. 48

وقيل إنّ أمّ جدّه محمدٍ كانت تُسمّى تيمية، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعُرف بها١. المسألة الثانية: ولادته، ونشأته، وأسرته: وُلد شيخ الإسلام ﵀ يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، وقيل: ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٦١? بحران٢؛ وهي بلدة في الجزيرة بين العراق والشام٣. وقد عاش شيخ الإسلام في مسقط رأسه مع والديه ست سنوات. وبعد اجتياح التتار للعالم الإسلامي، خربت حران، فهاجر أهلها، ومنهم آل تيمية إلى دمشق. ويُحدّثنا ابن عبد الهادي عن قصة سفر آل تيمية إلى دمشق، وحرصهم على العلم، ومحافظتهم على الكتب، فيقول: "فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدواب، فكاد العدو يلحقهم، ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى الله، واستغاثوا به، فنجوا وسلموا، وقدموا دمشق سنة ٦٦٧?"٤. وقد استوطنوا دمشق، واشتهرت عائلتهم بالعلم: فجدّه أبو البركات مجد الدين عبد السلام: كان فقيهاً محدثاً أصولياً نحوياً، من العلماء الأعلام٥.

стр. 49

ووالده شهاب الدين عبد الحليم: كان عالماً فاضلاً من علماء عصره١. قال عنه الحافظ الذهبي: "صار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد موت والده"٢. وذكر الحافظ ابن كثير: "أنّ له كرسياً للدراسة والتعليم والوعظ، وأنه تولى مشيخة دار الحديث السكرية، وبها كان سكنه، مات سنة ٦٨٢"٣. وأخوه شرف الدين عبد الله: كان من العلماء، وكان ممن دافع عن شيخ الإسلام، وامتحن بسببه٤. وكذلك أخوه زين الدين عبد الرحمن: كان زاهداً عابداً، كما أنه كان تاجراً، وكان يخدم الشيخ ﵀ وسجن معه في سجن القلعة٥. وأخوه لأمه بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني: كان عالماً فقيهاً إماماً تولى التدريس عن أخيه تقي الدين٦. وهناك العديد من مشاهير آل تيمية، من هذه الأسرة الكريمة التي عُرف عنها الاشتغال بالعلم رجالاً ونساءً٧.

стр. 50

فشيخ الإسلام ﵀ نشأ في وسط هذا الجوّ العلميّ؛ بين جدّ فقيه محدّث أصولي، ووالد صاحب علوم مختلفة ومعارف شتى، وإخوة اشتهروا بالفضل والعلم. فكان لهذا الجوّ العلميّ تأثيره على شخصيته العلمية، مع ما وهبه الله من حافظة قوية، وسرعة بديهة، وذكاء مفرط، ومحافظة على الوقت منذ نعومة أظفاره. المسألة الثالثة: صفاته الخَلقيّة: كان - رحمه الله تعالى - أبيض اللون، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحاً، سريع القراءة، تعتريه حدّة لكن يقهرها بالحلم١. المسألة الرابعة: صفاته الخُلُقيّة: اتصف شيخ الإسلام ﵀ بصفات عظيمة؛ من الأخلاق، والمروءة، والكرم، والإيثار، والحلم، والتعبّد، والزهد، وصدق الصلة بالله، فلم يكن يخاف من غيره، أو يرهب من سواه. قال الحافظ الذهبي ﵀ عنه: "كان إماماً متبحراً في علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيّال الفهم، كثير المحاسن، موصوفاً بفرط الشجاعة والكرم، فارغاً عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه"٢.

стр. 51

وقال الحافظ الذهبي أيضاً: "كان محافظاً على الصلاة والصوم، معظماً للشرائع ظاهراً وباطناً، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإنّ له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم؛ فإنه بحر زخار، ولا كان متلاعباً بالدين، ولا ينفرد بمسائله بالتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن، ويناظر أسوة بمن تقدمه من الأئمة، فله أجرٌ على أخطائه، وأجران على إصابته. لم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته، وكثرة توجهه ... وإنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقاً وأفعالاً، وكل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويترك.."١. وقال أيضاً: "وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدّاه إليه اجتهاده، وحدّة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال. مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله ... فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقائع شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحد، فيُنجّيه الله، فإنه دائم الابتهال لله، كثير الاستغاثة، قوي التوكّل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدعو منها بكيفية وجَعِيَّة"٢. وقد كان ﵀ صبوراً على مُرّ الكلام، عدلاً في المخاطبة.. يقول عن نفسه: "فإنّ الناس يعلمون أنّي من أطول الناس روحاً وصبراً على مرّ الكلام، وأعظم الناس عدلاً في المخاطبة لأقلّ الناس، دع لولاة الأمر"٣.

стр. 52

أما عن شدّة ذكائه، واتقاد حافظته، فقد قال جمال الدين السرمري في أماليه: "ومن عجائب زماننا في الحفظ: ابن تيمية، كان يمرّ بالكتاب مرة مطالعة، فينقش في ذهنه، وينقله من مصنفاته بلفظه ومعناه. وحكى بعضهم عنه أنه قال: من سألني مستفيداً حققت له، ومن سألني متعنتاً ناقضته، فلا يلبث أن ينقطع فأُكفى مؤنته"١. ومن أقواله - رحمه الله تعالى -: "لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه؛ فإن رجلاً شكى إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صَحَحْتَ لم تخف أحداً؛ أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك". ولما وُشي به إلى السلطان الناصر خاطبه قائلاً: إنني أُخبرتُ أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به. بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: "أنا أفعل ذلك! والله إنّ ملكك وملك المغل٢ لا يُساوي عندي فلسين". فتبسّم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشي بك إليّ كاذب٣.

стр. 53

ولمّا خُوّف ﵀ قال: "أنا من أي شيء أخاف؟ فإن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وكان ذلك سعادة في حقي، يترضى بها عليّ إلى يوم القيامة، ويلعن الساعي في ذلك إلى يوم القيامة؛ فإنّ جميع أمّة محمد يعلمون أني أقتل على الحق الذي بعث الله به رسوله. وإن حبست فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم الله عليّ. وليس لي ما أخاف الناس عليه؛ لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء"١. وكان ﵀ من أشجع الناس، وأقواهم قلباً، فما رُؤي أحد أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يُجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف لومة لائم٢. قال الذهبي عن شجاعته: "وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نَوْبَةِ غَازان٣، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين،

стр. 54

وبقَطْلوشاه١ وببُولاي٢. وكان قَبْجَق٣ يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول. وله حدّة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرب"٤. وقال عنه ابن عبد الهادي: "ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين؛ أمير من أمرائهم ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصُّفَّر٥ وقد تراءى الجمعان:

стр. 55

يا فلان أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك وما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص ببصره، وحرك شفتيه طويلاً، ثم انبعث وأقدم على القتال ... ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر"١. وأما عن إيثاره غيره على نفسه، مع فقره: فيقول تلميذه البزار ﵀ عن ذلك: "كان ﵁ مع شدة تركه للدنيا، ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثراً بما عساه يجده منها، قليلاً كان أو كثيراً، جليلاً أو حقيراً، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به. فقد كان يتصدّق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه المحتاج إليه فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه. وربّما خبّأها في كمّه. ويمضي ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى فقير، مستخفينا، يحرص أن لا يراه أحد.. وكان إذا ورد عليه فقير وآثر المقام عنده يؤثره عند الأكل بأكثر قوته الذي جعل برسمه"٢. وأما هيئته ولباسه: فقد كان ﵁ متوسطاً في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ويُمدّ النظر إليه، ولا أطماراً أو ثياب غليظة تُشهر حال لابسها، ولا يُميّز عن عامة الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها من عالم وعابد.

стр. 56

بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطهم. ولم يكن يلزم نوعاً واحداً من اللباس فلا يلبس غيره، بل كان يلبس ما اتفق وحصل، ويأكل ما حضر. وكانت بذاذة الإيمان عليه ظاهرة، لا يُرى متصفاً في عمامة، ولا لباس، ولا مشية، ولا قيام، ولا جلوس، ولا يتهيّأ لأحد يلقاه، ولا لمن يرد عليه من بلد١. وأما كرمه: فقد كان مجبولاً على الكرم، لا يتطبعه، ولا يتصنعه، بل هو له سجية. وما شدّ على دينار ولا درهم قطّ بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله. وكان لا يردّ من يسأله شيئاً يقدر عليه من دراهم، ولا دنانير، ولا ثياب، ولا كتب، ولا غير ذلك. وكان ﵀ لا يردّ أحداً يسأله شيئاً من كتبه، بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما يشاء منها. وكان يُنكر إنكاراً شديداً على من يسأل شيئاً من كتب العلم التي يملكها ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه٢. أما عفوه عمّن ظلمه، ومسامحته لمن عاداه، حتى بعد القدرة عليه: فقد قال تلميذه ابن عبد الهادي ﵀: "سمعت الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ يذكر أن السلطان لما جلس بالشباك، أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم. قال: ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقاً شديداً عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر

стр. 57

ركن الدين بيبرس الجاشنكير. فشرعتُ في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأنّ هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك. أما أنا فهم في حلّ من حقي، ومن جهتي، وسكّنتُ ما عنده عليهم. قال: فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكناً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنّا"١. ولعلّ ابن مخلوف هذا هو الذي كنّى عنه ابن كثير ب"أحد خصوم شيخ الإسلام) ، ونقل قوله عن شيخ الإسلام ﵀: "ما رأينا مثل ابن تيمية، حرّضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا، فصفح عنّا وحاجج عنّا"٢. وقال الشيخ ﵀ قبيل وفاته للوزير، لما اعتذر إليه عن نفسه، والتمس منه أن يعفو عما بدر منه في حقه من تقصير أو غيره: "إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحقّ ... وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لِمَا بلغه مما ظنه حقاً من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه. وقد أحللتُ كلّ واحدٍ مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدواً لله ورسوله"٣.

стр. 58

المطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية . وفيه مسائل: المسألة الأولى: نشأته العلمية: يُحدّثنا ثلاثة من تلاميذ الشيخ ﵀ عن جدّه واجتهاده في طلب العلم، وحرصه عليه. فيقول تلميذه البزار ﵀: "ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجدّ والاجتهاد. وختم القرآن صغيراً، ثم انشغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك، مع ملازمة مجالس الذكر، وسماع الأحاديث والآثار. ولقد سمع غير كتاب عن غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة. أما دواوين الإسلام الكبار ك ((مسند أحمد)) و ((صحيح البخاري)) ، ومسلم، و ((جامع الترمذي)) ، و ((سنن أبي داود السجستاني)) ، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني؛ فإنه ﵀ ورضي عنهم وعنه - سمع كل واحد منها عدّة مرات. وأول كتاب حفظه في الحديث ((الجمع بين الصحيحين)) للإمام الحميدي. وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، وكان الله قد خصّه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء، أو يستمع لشيء غالباً إلا ويبقى على خاطره؛ إما بلفظه أو معناه. وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.."١ وقال تلميذه ابن عبد الهادي ﵀: "..وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ. وسمع ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) مرات، وسمع

стр. 59

الكتب الستة الكبار، والأجزاء، ومن مسموعاته: ((معجم الطبراني الكبير)) . وعني بالحديث، وقرأ، ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمّل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليّاً حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.. هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة. فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه"١. وقال تلميذه الحافظ الذهبي ﵀: "نشأ - يعني الشيخ تقي الدين ﵀ في تصون تام، وعفاف، وتألّه وتعبّد، واقتصاد في الملبس والمأكل. وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحيّر منه أعيان البلد في العلم. فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقلّ. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبّ على الاشتغال، ومات والده، وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، فدرس بعده وظائفه وله إحدى وعشرون سنة. واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجامع على كرسيّ من حفظه، فكان يُورد المجلس ولا يتلعثم. وكذا كان الدرس بتؤدة وصوت جَهْوري فصيح"٢. ونقل الذهبي عن بعض العلماء قوله في شيخ الإسلام: "ألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظاً. إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر

стр. 60

بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم يُرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته. برز في كلّ فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه"١. وقال الذهبي ﵀ أيضاً: "ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها"٢. وبذلك نرى شيخ الإسلام ﵀ قد استحق هذا اللقب بجدارة؛ فهو شيخ الإسلام حقاً، وعلم الأعلام صدقاً. المسألة الثانية: أبرز شيوخه: حرص الشيخ ﵀ على تلقي العلم من الصغر، ولذلك أخذ عن كثير من الشيوخ، حتى قال ابن عبد الهادي: "إن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ"٣. ومن أبرزهم: ١- زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي. ٢- ابن أبي اليسر. ٣- الكمال بن عبد. ٤- ابن عساكر الجدّ. ٥- أصحاب الخشوي.

стр. 61

٦- الجمال يحيى بن الصيرفي. ٧- أحمد بن أبي الخير الحداد. ٨- القاسم الأربلي. ٩- فخر الدين بن البخاري. ١٠- الكمال عبد الرحيم. ١١- أبو القاسم بن علان. ١٢- أحمد بن شيبان. ١٣- شمس الدين بن أبي عمر. ١٤- إبراهيم بن الدرجي. وخلقٌ كثير١. المسألة الثالثة: أشهر تلاميذه: ١- محمد بن أحمد بن عبد الهادي. ٢- محمد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية. ٣- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. ٤- محمد بن مفلح بن محمد المقدسي. ٥- إسماعيل بن عمر بن كثير. ٦- عمر بن علي البزار.

стр. 62

٧- أحمد بن حسن بن عبد الله بن قدامه. ٨- محمد بن شاكر الكتبي. ٩- سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري البغدادي. ١٠- عمر بن مظفر الوردي المصري الحلبي. ١١- عمر بن سعد الله الحراني. ١٢- محمد بن المنجا التنوخي الدمشقي. وغيرهم ١. المسألة الرابعة: أشهر مؤلفاته: لقد كان شيخ الإسلام ﵀ حريصاً على نشر مذهب السلف الصالح وتدوينه؛ من الأصول والفروع، وتقرير معتقدهم الصحيح، والردّ على المخالفين؛ من المتكلمين، والفلاسفة، والرافضة، والمتصوفة، والباطنية. وأكثر مؤلفاته في الأصول والعقائد، والردّ على أهل البدع والأهواء. وقد ذكر كلاماً في أحد كتبه، كأنّه يردّ على من يسأل عن سبب كثرة تأليفه في الأصول والعقائد، وتقرير مذهب السلف بذكر القواعد، فقال - رحمه الله تعالى: "فإنّ هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو، كلما تنوّع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نوراً على نور، والله المستعان"٢.

стр. 63

فكثرة ترداد القواعد يزيدها وضوحاً، وتنوّع البيان يوضّح العبارات. وتصانيفه ﵀ كثيرة في الأصول والقواعد، وغير ذلك، ولا يُقدر على إحصائها، حتى إن تلميذه - وهو من ألصق الناس به - يقول عنها: "وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحدٌ؛ لأنها كثيرة جداً، وكباراً وصغاراً، وهي منشورة في البلدان، فقلّ بلد نزلتُه إلا ورأيت فيه من تصانيفه"١. وقال الحافظ ابن رجب ﵀: "وأما تصانيفه ﵀ فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تُنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. وقد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن لأحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) ٢. ومن أهمّ ما كتب الشيخ ﵀ في العقيدة - وهو المطبوع منها: ١- ((منهاج السنة النبوية)) . ٢- ((شرح الأصفهانية)) . ٣- ((الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح)) . ٤- ((درء تعارض العقل والنقل)) . ٥- ((الاستقامة)) . ٦- ((بيان تلبيس الجهمية)) . ٧- ((الرد على المنطقيين)) . ٨- ((بغية المرتاد)) . ٩- ((كتاب الصفدية)) .

стр. 64

١٠- ((قاعدة في المعجزات والكرامات)) . ١١- ((الرسالة القبرصية)) . ١٢- ((الرسالة البعلبكية)) . ١٣- ((الرسالة المراكشية)) . ١٤- ((الرسالة المدنية)) . ١٥- ("شرح حديث النزول)) . ١٦- ((شرح حديث ((فحج آدم موسى)) )) . ١٧- ((الإيمان الكبير)) . ١٨- ((الإيمان الأوسط)) . ١٩- ((اقتضاء الصراط المستقيم)) . ٢٠- ((التدمرية)) . ٢١- ((الحموية)) . ٢٢- ((تفسير آيات أَشكلت)) . ٢٣- ((تفسير سورة الإخلاص)) . ٢٤- ((العبودية)) . ٢٥- ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) . وقد صنّف الإمام ابن القيم ﵀ فهرساً بأسماء كتب ابن تيمية، أوصل عددها إلى (٣٢١) ما بين رسالة وكتاب كبير١.

стр. 65

فشيخ الإسلام ﵀ جمع بين غزارة العلم، وعمق الفهم، وشدة الذكاء، والإحاطة بعلوم الشريعة والمعارف الفكرية، والنظريات، والمسائل الكلامية. واستقرأ، واستوعب ما ألفه من كان قبله، فحوى تلك العلوم، ونقلها إلينا بفهم ثاقب، وعقيدة صائبة، فأكثر ﵀ من الإنتاج والتأليف. ومؤلفات شيخ الإسلام ﵀ من الصعب حصرها وجمعها. حتى قال الذهبي ﵀: "جمعت مصنفات شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية ﵁ فوجدته ألف مصنّف، ثم رأيت له أيضاً مصنفات أخر"١. وقال ابن عبد الهادي ﵀ بعد أن ذكر أسماء كثير من كتب شيخ الإسلام ﵀: "وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدم ذكره، يشق ضبطه وإحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه. وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني ضبطه من مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأُبيِّن ما صنّفه منها بمصر، وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيباً حسناً غير هذا الترتيب بعون الله تعالى وقوته ومشيئته. قال الشيخ أبو عبد الله٢: لو أراد الشيخ تقي الدين ﵀ أو غيره حصرها - يعني مؤلفات الشيخ - لما قدروا لأنه ما زال يكتب. وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، وكان يكتب من حفظه من غير نقل.

стр. 66

وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلداً لطيفاً في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر. وأحصيت ما كتبه وبيضه في يوم فكان ثمان كراريس في مسألة من أشكل المسائل. وكان يكتب على سؤال الواحد مجلداً. وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة، وستين، وأربعين، وعشرين فكثير. وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيضه، وإلا أخذ السائل خطه وذهب. ويكتب قواعد كثيرة في فنون من العلم في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وجد من نقله من خطه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف، وربما أخذه بعض أصحابه، فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه، فيذهب. وكان كثيراً ما يقول: قد كتبت في كذا وكذا. ويُسئل عن الشيء، فيقول: قد كتبتُ في هذا، فلا يُدرى أين هو. فيلتفت إلى أصحابه ويقول: ردّوا خطي وأظهروه لينقل. فمن حرصهم عليه لا يردونه. ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه. فلهذه الأسباب وغيرها تعذّر إحصاء ما كتبه وما صنّفه. وما كفى هذا، إلا أنه لما حُبس تفرّق أتباعه، وتفرّقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يُظهروا كتبه، فذهب كل أحدٍ بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى منهم من تسرق كتبه، أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها. فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف. ولولا أن الله تعالى لطف وأعان، ومنَّ وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه، لما أمكن لأحد أن يجمعها. ولقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه، وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، وردّ ما ذهب منها، ما لو ذكرته لكان عجباً يعلم به

стр. 67

كل منصف أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه ﷺ تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"١. وقال ﵀ أيضاً: "وللشيخ ﵀ من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحداً من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنّف نحو ما صنّف، ولا قريباً من ذلك، مع أنّ أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنّفه في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب"٢. وبهذا نعرف غزارة علم الشيخ ﵀ ووفرة ما ألّف، وكثرة ما صنّف، حتى إنّ أقرب الناس إليه، ومن صحبه وسبر حاله، لم يستطع حصرها واستيعابها، وكلّهم يُشير إلى كثرتها في الأقطار، وانتشارها في الأمصار. وما زال المسلمون - ولله الحمد - ينتفعون بها؛ فقد حفظ الله الكثير منها، ونفع بها، فله الحمد والمنّة وقد جمع الأخ الباحث علي بن عبد العزيز الشبل قوائم ببعض مخطوطات شيخ الإسلام ﵀ من فهارس المكتبات والمجموعات الخطية العامة والخاصة، وأوصل عدد ما جمع إلى (٤١٢) مخطوطاً ما بين رسالة وكتاب كبير، وأسماها الثبت. وهو مطبوع. وقد أضاف إليه أيضاً قائمة ببعض مخطوطات العلامة ابن القيم ﵀. فجزاه الله خيراً. ولا شكّ أنه لم يستوف كلّ الموجود، بل ربما كان ما فُقد أكثر.

стр. 68

المسألة الخامسة: اهتمام شيخ الإسلام ﵀ بالتأليف في جانب العقيدة: كتب شيخ الإسلام ﵀ في كثير من الفنون، كما يُدرك ذلك من اطّلع على كتبه، إلا أنّ العقيدة هي السمة الغالبة في شتى مؤلفاته. فقد تميزت أغلب كتبه بشرح معتقد السلف الصالح، وتقرير أصولهم، والردّ على من خالفهم؛ من متكلمين، وفلاسفة، وصوفية، ورافضة، وباطنية، وغيرهم من أهل الأهواء والبدع. وقد ناقش هذه الفرق في شبهاتهم، ومن خلال هذه المناقشات كان ينصر معتقد السلف الصالح، ويعرضه بدلائله العقليّة والنقلية، ويردّ على من خالفه بأقوى ردّ، وأفحم حجّة. قال تلميذه الحافظ الذهبي عنه: "عرف أقوال المتكلمين، وردّ عليهم، ونبّه على خطئهم، وحذّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج، وأبهر براهين"١. وقال تلميذه البزار عن مؤلفاته: "وقد أبان - بحمد الله تعالى - فيما ألّف فيها لكلّ بصير الحق من الباطل، وأعانه بتوفيقه، حتى ردّ عليهم بدعهم وآراءهم وخدعهم وأهواءهم مع الدلائل النقليّة بالطريقة العقلية، حتى يجيب عن كلّ شبهة من شبههم بعدة أجوبة جليلة واضحة، يعقلها كلّ ذي عقل صحيح، ويشهد لصحتها كلّ عاقل رجيح"٢. ويُحدّثنا شيخ الإسلام عن نفسه، ويُخبرنا عن كثرة المخالفين لمذهب

стр. 69

أهل السنة في طرق إثبات الصانع، وعن سعة اطلاعه ﵀ على أقوالهم، وعن ردِّه لتلك الجموع العظيمة الكثيرة، وفضحه لهم، وكشفه لعوارهم، فيقول: "وذكرنا عامّة طرائق أهل الأرض في إثبات الصانع؛ من المتكلمين والفلاسفة، وطرق الأنبياء صلوات الله عليهم، وما سلكه عامة نظّار الإسلام؛ من معتزلي، وكرّامي، وكلامي، وأشعري فيلسوف وغيرهم"١. ويقول ﵀ لخصومه أثناء مناظرتهم له: "أنا أعلم كلّ بدعة حدثت في الإسلام، وأوّل من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها"٢. وقد تمنّى بعض من ترجم لشيخ الإسلام ﵀ أن لو جعل جهده في تفسير القرآن العظيم، وشرح السنة المطهرة، بدلاً من الإكثار من الردّ على أهل البدع والأهواء. يقول الصفدي ﵀: "وضيّع الزمان في ردّه على النصارى، والرافضة، ومَنْ عاند الدين أو ناقضه. ولو تصدّى لشرح البخاري، أو لتفسير القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلم بدرّ كلامه النظيم"٣. وقد تقدّم لشيخ الإسلام ﵀ كلام، كأنّه ردّ فيه على أشباه هذه التساؤلات، يقول فيه - رحمه الله تعالى: "فإنّ هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو، كلما تنوّع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نوراً على نور، والله المستعان"٤.

стр. 70

وقد أجابَ الشيخُ ﵀ تلميذَه البزار ﵀ عن هذا الإشكال، حين سأل هذا الأخير شيخَه شيخ الإسلام ﵀ عن سبب إكثاره من التأليف في الأصول، وقلّة تآليفه في العلوم الأخرى ومما قاله البزار: "ولقد أكثر ﵁ التصنيف في الأصول، فضلاً عن غيره من بقية العلوم، فسألتُه عن سبب ذلك، والتمستُ منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، ومتى قلّد المسلم فيها أحد العلماء المقلّدين، جاز له العمل بقوله ما لم يتيقّن خطأه. وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء؛ كالمتفلسفة، والباطنية، والملاحدة، والقائلين بوحدة الوجود، والدهرية، والقدرية، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، والمعطلة، والمجسمة، والمشبهة، والراوندية، والكلابية، والسليمية١، وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أنّ كثيراً منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العلية على كلّ دين، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم. ولهذا قلّ أن سمعت أو رأيت معرضاً عن الكتاب والسنة، مقبلاً على مقالاتهم إلا وتزندق، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك، بان لي أنه يجب على كلّ من يقدر على دفع شبهتهم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيّف دلائلهم ذباً عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجليّة. ولا واللهِ ما رأيت فيهم أحداً ممن صنّف في هذا الشأن وادّعى علوّ المقام، إلا وقد

стр. 71

ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك: إعراضه عن الحقّ الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن ربّ العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضاً عن غيرها أصلاً ورأساً، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها عشواء١، ولم يفرّق بين الحق والباطل. وإلا فالله أعظم لطفاً بعباده أن لا يجعل لهم عقلاً يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه. لكن عدم التوفيق، وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزاناً يزن به العبد الواردات فيفرّق به بين ما هو من قبيل الحقّ، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده. فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى. هذا باطلٌ قطعاً، يشهد له كلّ عقل سليم. لكن: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ ٍ [سورة النور، الآية ٤٠] .قال الشيخ الإمام - قدس الله روحه -: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جلّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبتُ عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية"٢. وهكذا نرى شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد أخذ على عاتقه، وأوجب على نفسه الكتابة في أصول الدين، والردّ على المخالفين.

стр. 72

وكأنّه بذلك يُرشد من قدر على دفع شرّ المخالفين، وكشف خطرهم، ومحو شبهاتهم وباطلهم، أنّ هذا الصنيع واجب في حقه كذلك، للذب عن دين رب العالمين، ولنصرة سنة سيد المرسلين. ولم يقف الأمر عند الكتابة، بل طبّق الشيخ ﵀ العقيدة عمليّاً، حين كسر عدداً من الأحجار التي كانت تُعبد من دون الله، وقطع أشجاراً كثيرة كان يُصرف لها شيء من العبادة. وقد تحققت فيه دعوة الإمام النووي لما دعا اللهَ قائلاً: "اللهم أقم لدينك رجلاً يكسر العمود المخلّق١، ويُخرّب القبر الذي في جيروت٢"، فكان ذلك على يد شيخ الإسلام - رحمه الله٣. المسألة السادسة: علماء توقعوا الذيوع والانتشار لكتب شيخ الإسلام ﵀ بعد موته: مؤلفات شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كتب الله لها الحفظ والانتشار. وها نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقد مضى على وفاة شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - نحو سبعة قرون، ولا زالت - بفضل الله وتوفيقه -

стр. 73

مؤلفاته منتشرة، كثيرة مشتهرة، تنير الدرب للراغب في الهداية، وتوضّح السبيل للباحث عن الحقيقة. ولقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في كتبه معتقدَ السلف، وطريقهم، ومنهجهم، بأقوى حجة، وأوضح برهان. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. ولقد كان تلاميذ الشيخ ﵀ يتواصون فيما بينهم بالعناية بما كتب الشيخ، والنسخ عنه، والمحافظة عليه. فها هو ذا أحد تلاميذه، وهو الإمام أحمد بن مرّي الحنبلي يُرسل رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام بعد موته، ويوصيهم بنسخ تآليفه من مسوداته، والاحتفاظ بها، ويبشرهم بالعاقبة الحسنة، ويُمّنيهم بأنّ هذه الكتب ستنتشر يوماً ما، ويذيع صيتها، فيقول ﵀: "فإن يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية على قواعدها، ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى. قال ﷺ : "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعة الله)) ١، وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة"٢. والله يقول في كتابه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، ٨] . وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله، فكذلك ينتفع بكلامه من بعده - إن شاء الله تعالى. فاتبعوا

стр. 74

أمر الله، واقصدوا رضى الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفات الكبار، وأشتات المسائل الصغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد مُلئ - ولله الحمد - من الفوائد، والفرائد، والشوارد. فأيقظوا الهمم، وبذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير له. فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب والتمام على رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه، وسنة نبيه على الدوام، ويثبت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام. وكلٌّ مجزي في القيامة بعمله، وما ربّك بظلام للعبيد. وقد عُلم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر الكبير، فنقلوا علمه، وبيّنوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتفيت آثاره، لأجل ذلك الوجود هو على هذه الصفة قديماً وحديثاً. فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعاً وكرهاً. وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته. ووالله إن شاء الله ليقيمنّ الله - سبحانه - لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم. وهذه سنة الحياة الجارية في عباده وبلاده. والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصى عدده غير الله - تعالى. ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أُخرج طريداً ثم مات بعد ذلك غريباً، وعوضه الله - سبحانه - عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مرّ في خياله؛ من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن، وذلك لكمال صحته،

стр. 75

وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب. ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة الصالحة نصيب كثير - إن شاء الله تعالى؛ لأنه كان بنى جملة أموره على الكتاب والسنة ونصوص أئمة سلف الأمة، وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ما يقدر عليه، لا يهاب مخالفة أحد من الناس في نصر هذه الطريقة، وتبيين هذه الحقيقة، وتسهيل العبارات، وجمع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب، بحقائق فصل الخطاب، ما ليس لأكثر المصنفين في أبواب مسائل أصول الدين وغيرها من مسائل المحققين؛ لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ما يبني عليه، ثم يعتضد بالعقليات الصحيحة التي توافق ذلك وبغيرها ويجتهد على دفع كلّ ما يُعارض ذلك من شبهة المعقولات، ويلتزم حلّ كل شبهة كلامية وفلسفية"١. وهذا عالمٌ آخر يُنادي بنسخ تآليف شيخ الإسلام من المسودات، والمحافظة عليها، ويبشر بأنها طريقٌ لإعادة مجد الإسلام، فيقول: (شجّعوا ابن القيم ينقل لكم ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يعرف أحد أن يقرأ خطه سواه، وهو أعلم تلاميذه بكتبه وآثاره. واعلموا أنه سيصير لهذه الآثار شأن عظيم، وسبب لإعادة مجد الإسلام، وستكون مرجعاً في المستقبل لمعرفة الإسلام الصحيح"٢.
следующие страницы →