← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورَاً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً﴾ ١. الإرسال اسم عام والإرسال: اسمٌ عامٌ يتناول إرسال الملائكة، وإرسال الرياح، وإرسال الشياطين، وإرسال النار؛ قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ ٣؛ فهنا جعل الملائكة كلهم رسلاً. والملك في اللغة: هو حامل الألوكة؛ وهي الرسالة٤. وقد قال في موضع آخر: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ ٥. فهؤلاء الذين يرسلهم بالوحي؛ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيَاً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ [بُشْرَاً] ٧ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ ٩.

стр. 702

لكن الرسول المضاف إلى الله: إذا قيل: رسول الله، فُهِم مَنْ يأتي برسالة من الله؛ من الملائكة، والبشر؛ كما قال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ ١، وقالت الملآئكة: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ ٢. وأما عموم الملائكة، والرياح، والجنّ: فإنّ إرسالها [لتفعل] ٣ [فعلاً] ٤، لا [لتبلغ] ٥ رسالةً، قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمُ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحَاً وَجُنُودَاً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرَاً﴾ ٦. فرسل الله الذين يبلّغون عن الله أمره ونهيه: هي رسل الله عند الإطلاق. وأما من أرسله الله ليفعل فعلاً بمشيئة الله وقدرته: فهذا عامٌ يتناول كلّ الخلق؛ كما أنهم كلّهم [يفعلون] ٧ بمشيئته، وإذنه المتضمّن لمشيئته، لكنّ أهل الإيمان يفعلون بأمره، ما يحبه ويرضاه، ويعبدونه وحده، ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم، وهم عاصون لأمره، متبعون لما يسخطه، وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته. وهذا كلفظ [البعث] ٨: يتناول البعث الخاص؛ البعث الشرعي؛

стр. 703

فصل الحجة على من أنكر قدرة الله وحكمته ... كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ١، ويتناول البعث العام الكوني؛ كقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوْلاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادَاً لَنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالِ الدِّيَارِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ﴾ ٣. فالعامّ بحكم مشيئته وقدرته، والخاصّ هو أيضاً [بحكم مشيئته وقدرته] ٤، وهو مع ذلك بحكم أمره، ورضاه، ومحبته. وصاحب الخاصّ من أولياء الله يكرمه ويثبّته، وأمّا من خالف أمره، فإنّه يستحقّ العقوبة، ولو كان فاعلاً بحكم المشيئة؛ فإنّ ذلك لا يُغني عنه من الله شيئاً. ولا يَحتَجّ بالمشيئة على المعاصي، إلاَّ من تكون حجته داحضة، ويكون متناقضاً، متّبعاً لهواه، ليس عنده علمٌ بما هو عليه؛ كالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ٥؛ كما قد بُسِط [هذا] ٦ في غير هذا الموضع٧. والله أعلم.

стр. 704

فصل الدليل هو الآية والبرهان الدليل الذي هو الآية والبرهان يجب طرده كما تقدم١؛ فإنه لو كان تارةً يتحقق مع وجود المدلول عليه، وتارةً يتحقق مع عدمه. فإذا تحقّق لم يعلم: هل وجد المدلول، أم لا؟ فإنّه كما يوجد مع وجوده، [يوجد مع عدمه] ٢. ولهذا كان الدليل٣ إمّا مساوياً للمدلول عليه، وإمّا أخصّ منه، لا يكون أعمّ من المدلول. ولهذا لم يكن للأمور المعتادة دلالة على ما هو أخصّ؛ كطلوع الشمس، والقمر، والكواكب، لا [تدلّ] ٤ على صدق أحد، ولا كذبه؛ لا مدّعي النبوة، ولا غيره؛ فإنّها توجد مع كذب الكاذب، كما توجد مع صدق الصادق. المخلوقات آيات للرب لكن [تدلّ] ٥ على ما هو أعم منها؛ وهو وجود الرب، وقدرته، ومشيئته، وحكمته؛ فإن وجود ذاته وصفاته ثابت؛ سواءٌ كانت هذه المخلوقات موجودة، أو لم تكن؛ فيلزم من وجود المخلوق وجود خالقه، ولا يلزم من

стр. 705

عدمه عدم خالقه؛ فلهذا كانت المخلوقات كلّها آيات للربّ؛ فما من مخلوق إلا وهو آية له١؛ هو دليل، وبرهان، وعلامة على ذاته وصفاته ووحدانيته. وإذا عُدم كان غيره من المخلوقات [تدلّ] ٢ على ما دل عليه، ويجتمع على المعلوم الواحد من الأدلّة ما لا يحصيه إلا الله. كل مخلوق هو علامة على ذاته سبحانه وصفاته ووحدانيته وقد يكون الشيء مستلزماً لدليلٍ معيّن. فإذا عُدم عرف انتفاؤه. وهذا مِمّا يكون لازماً ملزوماً؛ فتكون [الملازمة] ٣ من الطرفين؛ فيكون كلّ منهما دليلاً.

стр. 706

وإذا قُدّر [انتفاؤه كان دليلاً على] ١ انتفاء الآخر؛ كالأدلّة على الأحكام الشرعيّة؛ فما من حكمٍ إلاَّ جعل الله عليه دليلاً. وإذا قُدِّر انتفاء جميع الأدلة الشرعيّة على حكمٍ، عُلِم أنّه ليس حكماً شرعيّاً٢، وكذلك ما تتوفّر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنّه إذا نُقل دلّ التواتر على وجوده، وإذا لم يُنقل مع توفّر الهمم والدواعي على نقله لو كان موجوداً، عُلِم أنّه لم يوجد؛ كالأمور الظاهرة التي يشترك فيها الناس؛ مثل موت ملك، وتبدّل ملك، وتبدّل ملك بملك، وبناء مدينة ظاهرة، وحدوث حادث عظيم في المسجد أو البلد؛ فمثل هذه الأمور لا بدّ أن ينقلها الناس إذا وقعت. فإذا لم تنقل نقلاً عامّاً، بل نقلها واحد، عُلِمَ أنّه قد كذب. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع٣. وقد بسط في غير هذا الموضع: الفرق بين الآية التي هي علامة تدل على نفس المعلوم، وبين القياس الشمولي الذي لا يدلّ [إلاَّ] ٤ على قدرٍ كليّ مشترك، لا يدلّ على شيء معين؛ إذ كان لا بدّ فيه من قضية كليّة، وأنّ ذلك القياس لا يفيد العلم بأعيان الأمور الموجودة، ولا يفيد معرفة شيء؛ لا الخالق، ولا نبي من أنبيائه، ولا نحو ذلك. بل إذا قيل: كلّ محدَث فلا بدّ له من [محدِث] ٥، دلّ على محدِثٍ مطلق، لا يدلّ على عينه، بخلاف آيات الله؛ فإنّها تدل على عينه.

стр. 707

وبيَّنَّا أنّ القرآن ذكر الاستدلال بآيات الله. وقد يستدل بالقياس الشمولي، والتمثيلي، لكن دلالة الآيات أكمل وأتمّ١. وتبيَّن غلط من عظَّم دلالة القياس الشمولي المنطقي، وأنّهم من أبعد الناس عن العلم والبيان. وذكرنا أيضاً٢ غلط من فضَّل الشمولي [على] ٣ التمثيلي، وأنّها من جنس واحد، والتمثيليّ أنفع، وإنَّما الآيات تكون أحسن. ثلاثة أقوال في معنى الآية وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي ما ذكره [أبو بكر] ٤ ابن الأنباري٥، وغيره في الآيات آيات القرآن؛ مثل قوله: ﴿قَدْ [كَانَتْ] ٦ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكُصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ﴾ ٧: ثلاثة أقوال؛ قال: "في معنى الآية ثلاثة [أقوال] ٨:

стр. 708

القول الأول أحدها: أنّها العلامة؛ فمعنى آية: علامة؛ لانقطاع الكلام الذي قبلها وبعدها١. قال الشاعر٢: ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يُحبّون الطعاما٣

стр. 709

وقال النابغة١: توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع٢ قال: وهذا اختيار أبي عبيد٣"٤. قلت٥: أما أن الآية هي العلامة في اللغة. فهذا صحيح، وما استشهد به من الشعر يشهد لذلك. وأما تسمية الآية من القرآن آية؛ لأنّها علامة: صحيح، لكن قول القائل: إنها علامة؛ لانقطاع الكلام الذي قبلها وبعدها: ليس بطائل؛ فإنّ هذا المعنى الحدّ والفصل؛ فالآية مفصولة عمّا قبلها، وعمّا بعدها.

стр. 710

وليس معنى كونها آية هو هذا، وكيف؟ وآخر الآيات آية؛ مثل آخر سورة الناس، وكذلك آخر آية من السورة، وليس بعدها شيء، وأول الآيات آية، وليس قبلها شيء؛ مثل أول آية من القرآن، ومن السورة، وإذا قُرئت الآية وحدها، كانت [آية] ١، وليس معها غيرها. وقد قام النبيّ ﷺ بآية يُردّدها حتى أصبح٢: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرَ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣؛ فهي آية في نفسها، لا لكونها منقطعة مما قبلها وما بعدها. وأيضاً: فكونه علامة على هذا الانقطاع: قدر مشترك بين جميع الأشياء التي يتميّز بعضها عن بعض، ولا تسمى آيات. والسورة متميزة عمّا قبلها وما بعدها، وهي آيات كثيرة. وأيضاً فالكلام الذي قبلها منقطع، وما قبلها آية. فليست دلالة الثانية على الانقطاع بأولى من دلالة الأولى عليه.

стр. 711

وأيضاً: فكيف يكون كونها آية علامةً للتمييز بينها وبين غيرها، والله سمَّاها آياته؛ فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ ١. والصواب: أنَّها آية من آيات الله؛ أي علامة من علاماته، ودلالة من أدلة الله، وبيان من بيانه؛ فإنّ كلّ آية قد بيَّن فيها من أمره وخبره، ما هي دليل عليه، وعلامة عليه؛ فهي آية من آياته؛ وهي أيضاً دالّة على كلام الله المباين لكلام المخلوقين؛ فهي دلالة على الله سبحانه، وعلى ما أرسل بها رسوله. ولمَّا كانت كل آية مفصولة بمقاطع الآي التي يختم بها كلّ آية، صارت كلّ جملة مفصولة بمقاطع الآي: آيةً. صفة قراءة النبي ﷺ .. ولهذا كان النبي ﷺ يقف على رؤوس الآي؛ كما نعتت قراءته: الحمد لله رب العالمين، وتقف. الرحمن الرحيم، وتقف. مالك يوم الدين، وتقف٢. ويسمّي أصحاب الوقف: وقف السنة؛ لأنّ كل آية لها فصل ومقطع تتميز عن الأخرى٣. القول الثاني قال٤: "والوجه الثاني٥: أنّها سمّيت آية؛ لأنها جماعة حروف من

стр. 712

القرآن، وطائفة منه. قال [أبو عمرو] ١ الشيباني٢: يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي بجماعتهم، وأنشدوا٣: خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآياتنا ترجى اللقاح المطافلا) ٤. قلت٥: هذا فيه نظرٌ؛ فإن قولهم: خرج القوم بآيتهم: قد يراد به بالعلامة التي تجمعهم؛ مثل الراية، واللواء؛ فإنّ العادة أنّ كل قوم لهم أمير، [يكون] ٦ له آية يُعرفون [بها] ٧، فإذا [أخرج] ٨ الأمير آيتهم،

стр. 713

اجتمعوا إليه. ولهذا سمي ذلك عَلَمَاً. والعلم هي العلامة والآية، ويسمّى راية؛ لأنّه يُرى. فخروجهم بآيتهم: أي بالعلم والآية التي تجمعهم؛ فيستدل [بها] ١ على خروجهم جميعهم؛ فإنّ الأمير المطاع إذا خرج، لم يتخلّف أحدٌ، بخلاف ما إذا خرج بعض امرائه. وإلاَّ، فلفظ الآية: هي العلامة. وهذا معلومٌ بالإضطرار، والإشتراك في اللفظ، لا يَثْبُتُ بأمرٍ محتمل. القول الثالث قال٢: "والثالث: أنّها سُمِّيت آية؛ لأنها عَجَبٌ؛ وذلك: أنّ قارئها يستدلّ إذا قرأها على مباينتها لكلام المخلوقين. وهذا كما [تقول] ٣: فلانٌ آية من الآيات: أي عجبٌ من العجائب. ذكره ابن الأنباري"٤. قلت٥: هذا القول هو داخل في معنى كونها آية من آيات الله؛ فإنّ آيات الله كلّها عجيبة؛ فإنها خارجة عن قدرة البشر، و [عمّا] ٦ قد يُشَبَّه بها من مقدور البشر. والقرآن كلّه عَجَبٌ؛ تعجّبت به الجنّ؛ كما حكى عنهم تعالى أنّهم

стр. 714

قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدَاً﴾ ١؛ فإنَّه كلام خارج عن المعهود من الكلام، وهو كما في الحديث: لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلق عن [كثرة] ٢ الردّ٣.

стр. 715

وكلّ آية لله خرجت عن المعتاد، فهي عجب؛ كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَاً﴾ ١. فالآيات: العلامات والدلالة. ومنها: مألوف معتاد، ومنها: خارج عن المألوف المعتاد. آيات القرآن.. وآيات القرآن من هذا الباب؛ فالقرآن عجب، لا لأنّ مسمّى الآية هو مسمّى العجب، بل مسمّى الآية أعمّ، [ولهذا] ٢ قال: ﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَاً﴾ . معنى الآية في العرف ولكنّ لفظ الآية قد يُخصّ في العرف بما يحدثه الله، و [أنّها] ٣ غير المعتاد دائماً؛ كما قال النبي ﷺ : "إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، و [إنهما] ٤ لا تُخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته، ولكنّهما آيتان من آيات الله يُخوِّف بهما عباده"٥. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفَاً﴾ ٦. وفي الحديث الصحيح: لمّا دخلت أسماء على عائشة وهي في

стр. 716

الصلاة، فسألتها فقالت: سبحان الله، فقالت آية؟ فأشارت أي نعم١. صلاة الكسوف وتُسمّى صلاة الكسوف صلاة الآيات٢، وهي مشروعة في أحد القولين في مذهب أحمد، في جميع الآيات٣ التي يحصل بها

стр. 717

التخويف١؛ كانتثار الكواكب، والظلمة الشديدة، وتُصلّى للزلزلة، نصّ عليه٢، كما جاء الأثر بذلك٣. فهذه الآيات أخصّ من مطلق الآيات، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمِ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ٤، وقال ﷺ : "ثلاث آيات يتعلمهنّ [من القرآن] ٥ خيرٌ له من ثلاث خلفات سِمانٍ"٦.

стр. 718

فصل الدليل ينقسم إلى قسمين: ١- ما يدل بنفسه ٢- ما يدل بدلالة الدال به والدليل الذي هو الآية والعلامة ينقسم إلى ما يدلّ بنفسه، وإلى ما يدلّ بدلالة الدالّ به؛ فيكون الدليل في الحقيقة هو الدالّ به الذي قصد أن يدلّ به. وقد جعل ذلك علامةً وآيةً ودليلاً. والذي يدلّ بنفسه١ يُعلَم أنّه يدلّ بنفسه، وإن لم يُعلم أنّ أحداً جعله دليلاً، وإن كان في نفس الأمر كلّ مخلوقٍ قد جعله الله آية ودلالة. وهو سبحانه عليمٌ مريدٌ، فلا يمكن أن يُقال: لم يرد بالمخلوقات أن تكون أدلة له، ولا أنّها ليست دليلاً يجعلها أدلة، كما قد يطلقه طائفة من النّظّار. ولكن يستدلّ بها مع عدم النظر في كونها جعلت أدلة؛ كما قد يطلقه؛ إذ كان فيها مقاصد كثيرة غير الدلالة. الأدلة العقلية والأدلة الوضعية والذي جعلها دليلاً؛ وهو الله، جعل ذاتها يستدلّ بها، مع قطع النظر عن [كونها] ٢ هي دليلاً؛ فما من مخلوقٍ، إلا ويمكن الاستدلال به على

стр. 719

الخالق، والمحدَث نفسه يُعلم بصريح العقل أنّ له محدِثاً. وهذه الأدلة التي [تدلّ] ١ بنفسها قد تُسمّى الأدلة العقلية، ويسمّى النوع الآخر٢ الأدلة الوضعية؛ لكونها إنّما دلّت بوضع واضع. والتحقيق: أنّ كلاهما عقلي، إذا نظر فيه العقل علم مدلوله٣. لكنّ هذه تدلّ بنفسها، وتلك تدلّ بقصد الدالّ بها؛ فيعلم بها قصده. وقصده هو الدالّ بها؛ كالكلام؛ فإنّه يدلّ بقصد المتكلم به، وإرادته، وهو يدلّ على مراده، وهو يدلنا بالكلام على ما أراد، ثم يستدلّ بإرادته على لوازمها؛ فإن اللازم أبداً مدلولٌ عليه بملزومه. والآيات التي [تدلّ] ٤ بنفسها مجرّدة نوعان؛ منها: ما هو ملزومٌ مدلولٌ عليه بذاته، لا يمكن وجود ذاته دون وجود لازمه المدلول عليه؛ مثل دلالة المخلوقات على الخالق.

стр. 720

ومنها: ما هو مستلزم له مدّة طويلة، أو قصيرة؛ [فتدلّ] ١ عليه تلك المدة؛ مثل نجوم [السموات] ٢؛ فإنّه يستدلّ بها على الجهات، والأمكنة، وعلى غيرها من النجوم، وعلى الزمان ماضيه وغابره، ما دام العالم على هذه الصورة؛ قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٤. ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي [أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] ٥ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ٦، ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرَاً﴾ ، إلى قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكُمْ [لآيَاتٍ] ٧ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٨، وقوله: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ﴾ ٩؛ هي علامات ألقاها في الأرض، وهذا قول الأكثرين١٠؛ قالت طائفة: هي معالم الطرق يُستدلّ بها بالنهار،

стр. 721

ويستدلّ بالنجم بالليل؛ وقالت طائفة: هي الجبال، وهي أيضاً مما يُستدلّ به١، ولهذا سمّاها الله أعلاماً في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ في البَحْرِ كَالأَعْلام﴾ ٢، ﴿فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣؛ أي كالجبال. والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يعلم به كالعلامة. [ومنه] ٤: أعلام الطرق المنصوبة٥، ومنه: يُقال لدلائل النبوة: أعلام النبوة، ويقال للراية المرفوعة: إنّها علم٦، وأنّها

стр. 722

جُعلت علامة لصاحبها وأتباعه. والعالَم [بالفتح] ١ مثل الخاتَم٢: ما يعلم به؛ كما أن الخاتم ما يختم به، وهو بمعنى العالَم٣. ويسمّى كل صنفٍ من المخلوقات عالَمَاً٤؛ لأنّه عَلَمٌ وبرهان على الخالق تعالى، بخلاف العالِم بالكسر؛ فإنه الذي يَعْلَم٥؛ كالخاتِم بالكسر فإنّه الذي يختم٦؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وخاتِمَ٧ النَّبِيِّين﴾ ٨؛ لأنّه ختمهم؛ كما يُسمّى الماحي، والحاشر، والعاقب٩. وقد قُرِىء: ﴿وَخَاتمَ﴾ ١٠؛ أي خُتِمُوا به.

стр. 723

فالجبال: أعلامٌ١، وهي علاماتٌ لمن في البّر والبحر، يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجوداً، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان؛ فيكون علماً عليهم، ثم قد [تخرب] ٢ القرية، ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم. وهذا كلّه ممَّا يُبيِّن أنّ الدليل قد يكون معيناً، بل الآيات كلّها معيّنة، و [أنّه] ٣ يكون مطابقاً ملازماً لمدلوله، ليس أحدهما أعمّ من الآخر؛ كالثريا٤ مع الدبران، وكالجدي مع بنات نعش٥، ونحو ذلك.

стр. 724

فتبيَّن غلط من ذكر أنّه يحصر الأدلّة١. فيقال: إما أن يُستدلّ بالعام على الخاص، أو بالخاصّ على العام، أو

стр. 725

بأحد الخاصين على الآخر. والأول هو القياس الشمولي١، والثاني هو الاستقراء٢، والثالث هو التمثيل٣.

стр. 726

وقد بيَّنا ما في هذا الكلام من الغلط؛ في حصره، وفي حكم أقسامه؛ فإنّ هؤلاء المقسمين للأمور العامة كثيراً ما يغلطون في هذا وهذا؛ إذ كان المقسم يجب أن يستوفي جميع الأقسام، ولا يُدخل فيها ما ليس منها؛ كالحادّ١. وهم يغلطون فيها كثيراً؛ لعدم إحاطتهم بأقسام المقسوم؛ كما يقسّمون أقسام الموجودات، أو أقسام مدارك العلم، أو أقسام العلوم، أو غير ذلك، وليس معهم دليل على الحصر، إلاَّ عدم العلم. وحصر الأقسام في المقسوم هو من الاستقراء. ثمّ إذا حكموا على تلك الأقسام بأحكام فقد يغلطون أيضاً؛ كما قد ذُكِر هذا في غير هذا الموضع٢؛ مثل غلط من حصر الأدلة في هذه الأنواع؛ من أهل المنطق، ومن تبعهم.

стр. 727

وقد بسط هذا في مواضع١. وذلك: مثل قولهم: الدليل إما أن يستدل بالعام على الخاص، أو بالخاص على العام، أو بأحد الخاصين على الآخر؛ فإنّ الدليل أولاً لا يكون قطّ أعمّ من المدلول عليه؛ إمّا مساوياً له، وإمّا أخصّ منه؛ فإنّ الدليل ملزومٌ للمدلول عليه، والملزوم حيث تحقّق، [تحقّق] ٢ اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم؛ فحيث تحقّق الدليل، تحقّق المدلول عليه٣. فإذا

стр. 728

كان مساوياً له، أو أخصّ، كان حيث تحقّق المدلول؛ كما أنّه حيث تحقق ما هو ناطق النطق الذي يختص الإنسان، تحقّق الإنسان، وتحقّق أيضاً ما هو أعمّ من الإنسان؛ وهو ثبوت حيوان، وجسم حسّاس [نام] ١ متحرّك بالإرادة؛ بمعنى أنّه تحقّق مطلق هذا الجنس، وإلاَّ فلم يوجد شيء أعمّ من الإنسان بمجرّد وجوده، لكن وجد من صفاته ما يشبّه به غيره، ويصحّ إطلاقه عليه، وعلى غيره؛ وهو مسمّى الجسم، والحيوان، ونحو ذلك. وكذلك إذا وجد آية، [أو خبر] ٢ يدلّ على الإيجاب، أو التحريم، لزم ثبوت الإيجاب أو التحريم. وقد ثبت الإيجاب والتحريم بآية أخرى، أو خبر آخر، فلهذا قيل: الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه٣. و [إذا] ٤ كان الدليل لا يكون أعمّ من المدلول عليه، فقولهم: إمّا أن يستدل بالعام على الخاص: إنّما أرادوا به القياس الشمولي٥ الذي هو مقدمتان: صغرى، وكبرى٦؛ كقولنا: النبيذ المتنازع فيه مسكر، وكل

стр. 729

مسكر حرام، أو كل مسكر خمر؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"١؛ بيَّن أنّ المسكر موصوف بأنّه خمر، وبأنّه حرام، ولم يقصد القياس الشمولي؛ وهو أن يستدلّ على أن المسكر حرام؛ فالرسول ﷺ أجلّ من هذا شرعاً وعقلاً؛ فإنّه بكلامه يثبت الأحكام، وغيره إذا قال: كل مسكر خمر أو حرام، احتاج أن يستدلّ عليه، وأما هو فيستدلّ بنفس كلامه. الدليل قد يكون أكثر من مقدمة والنظم الشمولي المنطقي لا يوجد في كلام فصيح، بل هو طويل لا يحتاج إليه؛ كما قد بسط في مواضع٢، وبُيِّن أن الدليل قد يكون مقدمة واحدة، وقد يكون مقدمتين، وقد يكون ثلاث مقدمات، وأربع، وأكثر؛ بحسب ما يحتاج إليه المستدلّ الطالب لدلالة نفسه، أو الطالب ليدلّ غيره٣؛ فإنّه قد لا يحتاج إلاَّ إلى مقدمة واحدة؛ مثل من عرف أنّ الخمر حرام، لكن لم يعرف أنّ كل مسكر هو خمر. فإذا عرف بالنصّ أنّ كلّ مسكر

стр. 730

خمر، عرف أنّ كل مسكر حرام، وكان علمه موقوفاً على مقدّمة واحدة، بخلاف من لم يكن عرف بعد أنّ الخمر حرام؛ فيحتاج إلى مقدمة ثانية. ثم إن كان عرف أنّ محمداً رسولُ الله بنصوصه المتواترة، [كفاه ذلك] ١. وإن كان لم يقرّ بنبوته، احتاج إلى مقدمة ثالثة؛ وهو الإيمان بأنّه رسول الله، لا يقول على الله إلا الحق، ويذكر له من دلائل النبوة وأعلامها ما يعرف به ذلك؛ فيهتدي إن كان طالب علم، و [تقوم] ٢ عليه الحجة إن لم يكن. كذلك: فقول هؤلاء٣ في مثل هذا٤: أنَّا استدللنا بالعام على الخاص: [لبسٌ] ٥ عظيم؛ فإن المدلول عليه؛ وهو [تحريم] ٦ النبيذ المتنازع فيه مثلاً، وإن كان أخصّ من تحريم المسكر والخمر. فالدليل ليس هو القضية العامة، بل [هي] ٧ الدليل: أنّ النبيذ المتنازع فيه مسكرٌ؛ وهو إحدى المقدمتين، وهذه قضية خاصة أخصّ من مسمى المسكر؛ فإنّ المسكر يتناول المتفق على تحريمه، والمتنازع فيه؛ وهذا هو الحد الأوسط٨، وهو المتكرر في المقدمتين الذي هو محمول

стр. 731

في الصغرى، موضوع في الكبرى؛ فالاستدلال وقع [بإسكاره] ١ على أنّه خمرٌ، ومحرم. ومسكر النبيذ المتنازع فيه أخصّ من مسمّى المسكر، والخمر. والمقدّمة الثانية: الكبرى؛ وهي قولنا: وكلّ مسكر خمر: ليست هي الدليل، بل لا بدّ من الصغرى معها، وهي خاصة. فالمدلول عليه إن كان تحريم النبيذ المتنازع فيه، فهذا إنما يدل على تحريمه: أنّه مسكر، وليس [إسكاره] ٢ أعمّ منه، بل يلزم من ثبوت [إسكاره] ٣، ثبوته؛ فإنّ ثبوت الموصوف بدون الصفة ممتنع؛ [فإسكاره] ٤ دلّ على تحريمه، وليس تحريمه أعمّ من [إسكاره] ٥، بل جنس [الإسكار] ٦ والحرام أعمّ من هذا المسكر، [وهذا] ٧ المحرم. لكن هذا العام ليس هو الدليل بدون الخاص، بل قوله: كل مسكر حرام: يدلّ على تحريم كلّ مسكرٍ مطلقاً، من غير تعيين؛ فيكون [الإسكار] ٨ مستلزماً للتحريم، والمسكر أخص من الحرام.

стр. 732

a وهذا استدلال بالخاصّ على العام؛ فوجود المسكر أخصّ من وجود الحرام، حيث كان [سكر] ١ كان الحرام موجوداً، وليس إذا كان الحرام موجوداً يجب وجود المسكر؛ لأنّ المحرّمات كثيرة؛ كالدم، والميتة، ولحم الخنزير٢. فالحد الأوسط؛ وهو المسكر دلّ على ثبوت الأعم؛ وهو التحريم، من الأخص في الأخص؛ وهو النبيذ المتنازع فيه. فالمدلول عليه التحريم، وهو أعمّ من المسكر؛ فهو استدلال بالخاصّ على العام، لكن المعنى العامّ الكلّي لا يوجد في الخارج عامّاً كليّاً، بل معيّناً؛ فهو استدلال على نوع من أنواعه؛ وهو التحريم الثابت في النبيذ المتنازع فيه، وهذا أخص من مطلق التحريم؛ كما أنّ مسكره أخص من مطلق المسكر. ومن هنا ظنّوا أنّهم استدلوا بالعامّ على الخاص؛ حيث استدلّوا بتحريم كلّ مسكر على تحريم هذا المسكر. وليس الأمر كذلك، بل الذي دلّ على تحريم هذا المسكر ليس هو مجرد القضية العامة الكلية، بل لا بُدّ معها من قضية أخص منها جزئية؛ مثل قولنا: هذا النبيذ مسكر. وبهذا الخاص يعلم ثبوت ذلك لا بمجرد [العامّ] ٣. والدليل هنا ليس هو أعم من المدلول عليه، ولا يمكن ذلك قط. وأما قولهم: إن الاستدلال بالخاص على العام، هو الاستقراء٤. فمجرد الخاصّ إن لم يستلزم العامّ، لا يدل عليه. والمستقرئ إن لم يحصر

стр. 733

الإفراد، لا يعلم أنّ ذلك المعنى شامل لها. فما استدل بخاص على عام، [بل بعام] ١ مثله مطابق له. وقولهم في قياس التمثيل: إنّه استدلال بخاصّ على خاصّ٢، ليس كذلك؛ فإنّ مجرّد ثبوت الحكم في صورة، لا يستلزم ثبوته في أخرى، إن لم يكن بينهما قدر مشترك، ولا يثبت بذلك حتى يقوم دليل على أنّ ذلك المشترك مستلزم للحكم. والمشترك٣: هو الذي يُسمّى في قياس التمثيل: الجامع٤، والوصف٥، والعلة٦، والمناط٧، ونحو ذلك. فإن لم يقم دليل على أن الحكم متعلق به، لازم له، لم يصح الاستدلال.

стр. 734

وهذا١ المشترك في قياس التمثيل هو الحدّ الأوسط في قياس الشمول بعينه. فالمعنى في القياسين: واحدٌ٢، ولكنّ التأليف والنظم متنوّع إذا أراد أن يثبت تحريم النبيذ بقياس الشمول، [قال] ٣: هذا هو حرام؛ لأنّه شراب مسكر؛ فيكون حراماً، قياساً على المسكر من العنب. فالدليل هو المسكر، وهو المشترك، وهو الحد الأوسط. ثم لا يكفي ذلك حتى يُبيّن أنّ العلة في الأصل، هي المشترك؛ فيقول: وعصير العنب حَرُمَ؛ لكونه مسكراً. وهذا الوصف موجود في الفرع الذي هو صورة النزاع، فيجب اشتراكهما في التحريم. وقوله: إنّه [حَرُمَ] ٤؛ لكونه مسكراً: هي المقدمة الكبرى في قياس الشمول؛ وهي قولنا: كلّ مسكر حرام؛ فثبت أنّ علة التحريم هي [السكر] ٥؛ إما بالنص؛ وهو قوله: "كلّ مسكر حرام"؛ وإما بدلالة القرآن؛ وهو أنّه يُوقع العداوة والبغضاء، ويصدّ عن ذكر الله، وعن

стр. 735

الصلاة؛ وإما بالمناسبة؛ وإما بالدوران١؛ وإما [بالسبر] ٢ والتقسيم٣؛ كما قد عُرِف في موضعه٤، وهو نظير ما يُستدلّ به على ثبوت القضيّة الكبرى. ثمّ الدليل قد يكون قطعياً، وقد يكون ظنيّاً؛ لخصوص المادّة، لا تعلّق لذلك بصورة القياس. فمن جعل قياس الشمول هو القطعي، دون قياس التمثيل [فقد] ٥ غلط؛ كما أنّ من جعل مسمّى القياس هو التمثيل، دون الشمول، فلم يفهم معناه.

стр. 736

والذي عليه جمهور العلماء أنّ كلاً منهما قياس، قد يكون قطعيّاً، وقد يكون ظنيّاً١. وطائفة يقولون: اسم القياس لا يستعمل إلا في الشمول؛ كما يقوله ابن حزم، ومن يقوله من المنطقيين. وطائفة٢ يقولون: لا يستعمل حقيقة إلا في التمثيل، ومن هؤلاء من يقول: ليس في العقليات قياس. وهذا مبسوطٌ في مواضع٣،

стр. 737

والمقصود [هنا] ١: التنبيهٌ على جنس الأدلة. وأيضاً: فالدليل قد يكون مطابقاً للمدلول عليه، ملازماً له، ليس أعمّ منه، ولا أخصّ منه؛ كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدلّ بكلّ منها على الآخر؛ وكالناطقيّة، والإنسانية التي يُستدلّ بثبوت كلّ منهما على ثبوت الآخر. وهذا خارج عن تقسيمهم؛ فإنّ هذا ليس استدلالاً بعامّ على خاصّ، ولا بخاصّ على عامّ، ولا بخاصّ على نظيره بطريق التمثيل، بل هو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، قد [يكونان] ٢ عامَّين وخاصَّين؛ فالكواكب خاصة، [والعام] ٣ [كالاستدلال] ٤ بالحيوانية على الحس والحركة، إلا أنّه استدلال بعام على عامّ ملازم له. وكذلك الاستدلال بكونه جسماً على وجود جنس العرض، والاستدلال بوجود جنس العرض على وجود جنس الجسم: هو استدلال بأحد العامين المتلازمين على الآخر.

стр. 738

والمقصود هنا١: أنّ هذه المعيّنات؛ كالنجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلّها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لا زم لها في العادة. وكذلك قد يستدلّ على منزل الشخص بما هو ملازم؛ من دور الجيران، والباب، وغير ذلك، وشجرة هناك، وغير ذلك من العلامات التي يذكرها الناس يستدلّون بها، ويدلّون غيرهم بها. وسُمِّيَت الجبال أعلاماً؛ لأنّها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويُعلم، ويُعرف قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: ﴿ [فَمَا اسْتَطَاعُوا] ٢ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ ٣، ويقال ظهر الخطيب على المنبر. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ٤؛

стр. 739

فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأنّ الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يُعرف قبل غيره، ومنه قيل: عُرف الديك: أصله فُعل؛ بمعنى مفعول؛ أي معروف؛ كما يقال: كُره؛ بمعنى مكروه، ومنه الأعراف؛ وهي: أمكنة عالية بين الجنّة والنار١. وقد قيل في قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ﴾ ٢: إن العلامات هي النجوم؛ منها: ما يكون علامة لا يهتدي به، ومنها: ما يهتدى به٣. وقول الأكثرين أصحّ٤؛ فإنّ العلامات كلّها

стр. 740

يهتدى بها١، ولأنّه قد قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ٢ وَعَلامَاتٍ﴾ ٣. [فهذا] ٤ كلّه ممَّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب ب (ألقى) ، أو بفعل من جنسه؛ كما قال بعضهم؛ أي وجعل في الأرض أنهاراً؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل٥. وبسط ما في هذا من إعراب و [معان] ٦ له مقام آخر. لفظ العلامات والمقصود هنا: ذكرُ العلامات. والعلامات يدخل فيها ما تقدم من الرواسي والسبل؛ فإنّ كونها رواسي وسبلاً يسلكها الناس، غير كونها علامات. والعطف قد يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات؛ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٧، وأمثاله. فكيف إذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره؟؛ فإنّ الجبال أعلام، وهي علامات؛ وكذلك الطرق يستدلّ بها السالك فيها. ولهذا يسمّى الطريق إماماً؛ لأنّ السالك يأتمّ به. وكذلك يسمّون ما يستدلّ به المستدل طريقاً ومسلكاً. ويقال: لأصحاب هذا القول
следующие страницы →