← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والذي عليه جمهور العلماء أنّ كلاً منهما قياس، قد يكون قطعيّاً، وقد يكون ظنيّاً١. وطائفة يقولون: اسم القياس لا يستعمل إلا في الشمول؛ كما يقوله ابن حزم، ومن يقوله من المنطقيين. وطائفة٢ يقولون: لا يستعمل حقيقة إلا في التمثيل، ومن هؤلاء من يقول: ليس في العقليات قياس. وهذا مبسوطٌ في مواضع٣،

стр. 737

والمقصود [هنا] ١: التنبيهٌ على جنس الأدلة. وأيضاً: فالدليل قد يكون مطابقاً للمدلول عليه، ملازماً له، ليس أعمّ منه، ولا أخصّ منه؛ كالكواكب التي في السماء المتلازمة التي يستدلّ بكلّ منها على الآخر؛ وكالناطقيّة، والإنسانية التي يُستدلّ بثبوت كلّ منهما على ثبوت الآخر. وهذا خارج عن تقسيمهم؛ فإنّ هذا ليس استدلالاً بعامّ على خاصّ، ولا بخاصّ على عامّ، ولا بخاصّ على نظيره بطريق التمثيل، بل هو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر، قد [يكونان] ٢ عامَّين وخاصَّين؛ فالكواكب خاصة، [والعام] ٣ [كالاستدلال] ٤ بالحيوانية على الحس والحركة، إلا أنّه استدلال بعام على عامّ ملازم له. وكذلك الاستدلال بكونه جسماً على وجود جنس العرض، والاستدلال بوجود جنس العرض على وجود جنس الجسم: هو استدلال بأحد العامين المتلازمين على الآخر.

стр. 738

والمقصود هنا١: أنّ هذه المعيّنات؛ كالنجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلّها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لا زم لها في العادة. وكذلك قد يستدلّ على منزل الشخص بما هو ملازم؛ من دور الجيران، والباب، وغير ذلك، وشجرة هناك، وغير ذلك من العلامات التي يذكرها الناس يستدلّون بها، ويدلّون غيرهم بها. وسُمِّيَت الجبال أعلاماً؛ لأنّها مرتفعة عالية، والعالي يظهر، ويُعلم، ويُعرف قبل الشيء المنخفض، ولهذا يوصف العالي بالظهور؛ كقوله: ﴿ [فَمَا اسْتَطَاعُوا] ٢ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ ٣، ويقال ظهر الخطيب على المنبر. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ٤؛

стр. 739

فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأنّ الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يُعرف قبل غيره، ومنه قيل: عُرف الديك: أصله فُعل؛ بمعنى مفعول؛ أي معروف؛ كما يقال: كُره؛ بمعنى مكروه، ومنه الأعراف؛ وهي: أمكنة عالية بين الجنّة والنار١. وقد قيل في قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ﴾ ٢: إن العلامات هي النجوم؛ منها: ما يكون علامة لا يهتدي به، ومنها: ما يهتدى به٣. وقول الأكثرين أصحّ٤؛ فإنّ العلامات كلّها

стр. 740

يهتدى بها١، ولأنّه قد قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارَاً وَسُبُلاً [لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ٢ وَعَلامَاتٍ﴾ ٣. [فهذا] ٤ كلّه ممَّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب ب (ألقى) ، أو بفعل من جنسه؛ كما قال بعضهم؛ أي وجعل في الأرض أنهاراً؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل٥. وبسط ما في هذا من إعراب و [معان] ٦ له مقام آخر. لفظ العلامات والمقصود هنا: ذكرُ العلامات. والعلامات يدخل فيها ما تقدم من الرواسي والسبل؛ فإنّ كونها رواسي وسبلاً يسلكها الناس، غير كونها علامات. والعطف قد يكون لتغاير الصفات مع اتحاد الذات؛ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٧، وأمثاله. فكيف إذا كانت العلامات تتناول هذا وغيره؟؛ فإنّ الجبال أعلام، وهي علامات؛ وكذلك الطرق يستدلّ بها السالك فيها. ولهذا يسمّى الطريق إماماً؛ لأنّ السالك يأتمّ به. وكذلك يسمّون ما يستدلّ به المستدل طريقاً ومسلكاً. ويقال: لأصحاب هذا القول

стр. 741

عدّة طرق، ومسالك؛ حتى [أطلقوا] ١ [على] ٢ ما يُصنّف من الاحتجاج على مسائل النزاع: طريقة؛ لأنّه فيه أدلة المصنّف على موارد النزاع. ومن هذا الباب الاستدلال على المرض بعلامات له، والاستدلال بالأصوات؛ فإن كانت كلاماً، كانت الدلالة قصديّة إراديّة، قصد المتكلم أن يدلّ بها، وهي دلالة وضعية عقلية؛ وإن كانت غير كلام، كانت الدلالة عقليّة طبعيّة؛ كما يستدل بالأصوات التي هي بكاء، وانتحاب، وضحك، وقهقهة، ونحنحة، وتنخّم، ونحو ذلك، على أحوال المصوت٣. ومن الدلائل: الشعائر؛ مثل شعائر الإسلام الظاهرة، التي [تدلّ] ٤ على أن الدار دار الإسلام؛ كالأذان، والجُمَع، والأعياد. وفي الصحيحين: عن أنس ﵁ قال -: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح". هذا لفظ البخاري٥، ولفظ مسلم٦: "كان يغير

стр. 742

إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ : "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: "خرجت من النار". وعن عصام المزني١، قال: كان النبي ﷺ إذا بعث السرية يقول: "إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم منادياً، فلا تقتلوا أحداً". رواه أبو داود٢، والترمذي٣، وابن ماجه٤. ومن هذا النوع: دلائل الجهات. ومنه: دلائل القبلة؛ يستدل عليها بالنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والطرق، وغير ذلك من الدلائل؛ كما قد ذكر الناس ما ذكروه من دلائل القبلة.

стр. 743

فصل القسم الثاني الدلالة القصدية والنوع الثاني١: ما يدلّ بقصد الدالّ به؛ كالكلام، وكالعقد باليد، والإشارة بها، أو بالعين، أو الحاجب، أو غير ذلك من الأعضاء - وقد يُسمّى ذلك رمزاً، ووحياً، وكذلك الخطّ خط الكتابة، بخلاف الاستدلال بآثار خطى الإنسان؛ فإن هذا من النوع الأول، وكذلك القيافة٢؛ [و] ٣ هي من النوع الأول؛ وهو الاستدلال بالشبه على النسب، وكذلك القايف: قد يعرف بالأثر: من هو الواطىء، وأين ذهب؟ ومن هذا النوع: [الأميال] ٤

стр. 744

التي جعلت علامات على حدود الحرم، و [الأميال] ١ التي تجعل في الطرقات؛ فإنّه قصد بها الدلالة على الطريق؛ أي قصد الناس بها ذلك. الدلالة القصدية نوعان: النوع الأول: وهذا النوع قسمان: منه ما يكون بالاتفاق والمواطأة بين اثنين فصاعداً؛ كما يتفق الرجل مع وكيله على علامة لمن يرسله إليه؛ مثل وضع خنصره في خنصره٢؛ ومثل وضع يده على ترقوته؛ كما روي أنّ النبيّ ﷺ جعل ذلك علامة مع بعض الناس٣؛ وكما يجعل الملوك وغيرهم لهم علامات عند بعض الناس: من جاء بها، عرفوا أنّه مرسل من جهته.

стр. 745

ومن هذا الباب: شعائر الناس في الحرب؛ كلّ طائفة يُعرف أصحابها بشعارها. ولهذا قال الفقهاء: ويُجعل لكلّ طائفة شعار يتداعون به؛ كما كان للمهاجرين شعار١، وللأنصار شعار. ومن هذا الباب: الأعلام والرايات للمقدّمين؛ فإنّ الراية تُرى، فيُعلم صاحبها، [وكذلك العلم يُعلم، فيُعلم صاحبه. وقد تميّز راية عن راية لما يختص به صاحبها] ٢، ويُسمّى ذلك رنكاً٣، [وقد يكون ذلك اسم الشخص] ٤، وقد يكون غير ذلك، لكن قد اتفق مع غيره على أنّ هذا علامة وآية له، فمتى [رُؤي] ٥ استدلّ به على أنّه هو المضاف إليه ذلك العلم، ويجعل هذا على الدور، والثياب، والدوابّ. ومنه: الوسم٦ الذي يعلم به إبل الصدقة، وإبل الجزية؛ فإنّ الوسم علامة مقصودة للواسم.

стр. 746

لفظ السيما وأما السيما: فهي علامة بنفسها، لم يقصدها؛ مثل سيما المؤمنين، وسيما المنافقين؛ قال تعالى في المؤمنين: ﴿سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ١، وقال في المنافقين: ﴿ [فَلَعَرَفْتَهُمْ] ٢ بِسِيمَاهُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم﴾ ٤؛ قيل: له زنمة من الشر يعرف بها٥. ومنه: سيما المؤمنين يوم القيامة؛ التي بها يعرفهم نبيهم؛ وهو أنَّهم [غُرّ] ٦ مُحَجَّلون من آثار الوضوء٧؛ فهذه علامة وآية، لكنّها من النوع الأول، لم يقصد المسلمون أن يتوضؤوا ليُعرفوا بالوضوء، لكن من اللوازم لهم الوضوء للصلاة، وقد جعل الله أثرَ ذلك نوراً في وجوههم وأيديهم، [وليس هذا لغيرهم؛ فإنّ هذا الوضوء] ٨ لم يكن لغيرهم. والحديث الذي

стр. 747

يُروى: "هذا وضوئي ووضوء النبيّين من قبلي" ١: ضعيفٌ٢، بخلاف الصلاة في المواقيت الخمس؛ فإنّ الأنبياء كانوا يصلون في هذه المواقيت؛ كما قال: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك"٣. والوسم والسيما: من الوسم؛ متفقان في الاشتقاق الأوسط؛ فإنّ أصل سيما: سُوما. فلما سكنت الواو، انكسر ما قبلها، قُلبت ياءً؛ مثل: ميقات، وميعاد، ونحو ذلك.

стр. 748

والاسم أيضاً من هذا الباب، وهو علم على المسمّى، ودليلٌ عليه، وآية عليه. وهذا المعنى ظاهرٌ فيه؛ فلذلك قال الكوفيون: [إنّه] ١ مشتق من الوسم، والسمة؛ وهي: العلامة. وقال البصريون: بل هو مشتق من السموّ؛ فإنه يقال في تصغيره: [سمي] ٢، لا وُسَيْم، وفي جمعه: أسماء، لا أوسام، وفي تصريفه: سميت، لا [وسمت] ٣. وكلا القولين حقّ، لكنّ قول البصريين أتمّ؛ فإنّه مشتق منه على قولهم في الاشتقاق الأصغر؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف وتأليفها، وعلى قول الكوفيين: هو مشتق منه من الاشتقاق الأوسط؛ وهو: اتفاق اللفظين في الحروف، لا في ترتيبها؛ كما قلنا في الوسم، والسيما. والسموّ: هو العلوّ، والسامي: هو العالي، والعلوّ مستلزم للظهور كما تقدم٤؛ فالعالي ظاهرٌ، والظاهر عالٍ؛ فكان الاسم بعلوّه يظهر، فيدلّ على المسمّى؛ لأنّه يظهر باللسان والخطّ، ويظهر للسمع المسمّى، فيُعرف بالقلب. وقد تقدم٥ أنّهم يُسمّون الجبال أعلاماً، لما فيها من الظهور. ودلالة الاسم على مُسمّاه دلالة قصدية؛ فإنّ المسمّى يُسمّى بالاسم، ليُعرف به المسمّى، وليدلّ عليه؛ تارة يقصد به الدلالة على مجرد نفسه؛ كالأسماء الأعلام للأشخاص، وتارة يقصد به الدلالة على ما في اللفظ من المعنى؛ كالأسماء المشتقة؛ مثل: العالم، والحيّ، والقادر.

стр. 749

ومن هذا الباب: تسمية المعبودين آلهة؛ سمّوها بما لا [تستحقّه] ١؛ كما يُسمّى الجاهل عالماً، والعاجز قادراً، والكذَّاب نبيّاً؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهًا مِنْ سُلْطَان﴾ ٢ النوع الثاني من الدلالة القصدية والنوع الثاني من هذه الدلالة القصدية٣: أن يقصد الدالّ الدلالة من غير مواطأة مع المستدلين على أنّه دليل، لكن هم يعلمون أَنْ قَصَدَ الدلالة؛ لعلمهم بأحواله؛ مثل: ما يرسل الرجل شيئاً من ملابسه المختصّ به مع شخص، فيعلمون أنّه أرسلها علامة على أنه أرسله. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤: قال: العلامة تكون بين الرجل وأهله. راوه ابن المنذر٥: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم٦: ثنا أبو سعيد؛ ابن يحيى بن سعيد القطان، ثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، عن سماك، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لآيَة﴾ : قال: علامة، ألم تر إلى الرجل إذا أراد أن يرسل إلى أهله في حاجة، أرسل بخاتمه، أو بثوبه، فعرفوا أنّه حق٧؛

стр. 750

فتارة يرسل خاتمه معه، فيعلمون أنه أرسله، ليعلموا أنه أرسله؛ إذ كانوا قد علموا [أنّ] ١ الخاتم معه، وأنّه ليس في إرساله مع ذلك الشخص الذي لا يعرفونه مقصود له، إلا أن يكون علامة على أنّه أرسله إليهم، فيصدقونه فيما أخبر عنه؛ وتارة يرسل معه عمامته، أو نعليه، وقد علموا أنه لا يخلع عمامته ويبعثها مع ذلك الشخص، إلا لتكون علامة على صدقه؛ كما فعل النبيّ ﷺ في غزاة الفتح: لمّا كانت راية الخزرج مع [سعد] ٢ بن عبادة٣، وكان فيه حِدّة، وقال: لا قريش بعد اليوم، اليوم يوم الملحمة، اليوم يستحل الحرمة. قيل للنبي ﷺ إنّه يُخاف منه أن يضع السيف في أهل مكة، فقال: "قولوا له يُعطي الراية لابنه قيس". فقال: إنّه لا يقبل منه. فقال: "هذه عمامتي، قولوا له: قد أَمَرَ رسول الله ﷺ بذلك"٤. فلمّا رأى عمامته مع من جاء بها، [علم أنه] ٥ ليس له في إعطائه عمامته مقصود إلا أن تكون علامة، ولم يكن قبل ذلك قد واطأه على ذلك.

стр. 751

وكذلك لما أعطى أبا هريرة نعليه ليخرج فيبشر الناس بما ذكره له١، فإنّهم إذا رأوا معه نعليه، علموا أنّه لم يعطه [النعلين] ٢ إلا علامة. وكذلك قد يكون بين الشخص وبين غيره سر لم يطلع عليه المرسَل، فيقول له: أعطني علامة. فيقول: قل له: بعلامة ما تكلمتَ أنت وهو في كذا وكذا، أو ما فعلت أنت وهو كذا وكذا؛ فيعلم المرسَل إليه أنَ المرسِل هو أعلم هذا الرسول بهذا الأمر؛ إذ كان غيره لم يعلمه، ويعلم أنه ليس له في إعلامه به مقصود إلا أن يكون علامة له على تصديقه. ثم أكثر هذه الآيات التي هي علامات للناس يرسلونها مع من يرسلونه ليعرف صدقه: هي قطيعة عند المستدلّ بها المرسَل إليه؛ من الأهل، والأصدقاء، والوكلاء، والنواب، وغيرهم: يأتيهم الرجل بعلامة وهي مستدلة [بصاحبهم] ٣؛ فيعلمون قطعاً أنّ هذا جاء من عنده، ويعلمون قطعاً أنّه لم يرسله بتلك العلامة إلا ليعلموا صدقه. لا يخطر لسعد بن عبادة حين رأى عمامة النبيّ ﷺ معهم أنهم أخذوها بغير قصده؛ بأن [تكون] ٤ [وقعت] ٥ منه، ونحو ذلك. بل قد عُلِم أنّها كانت على رأسه، وهو راكب في الجيش، وقد أرسلها مع هذا.

стр. 752

وكذلك خاتم الشخص الذي يعلمون أنه لا ينزع خاتمه من يده، ويعطيها لغيره، ليعبث بها عنه، وهو لا يختم بها شيئاً إلا لذلك. وقد يقع في مثل ذلك احتمالات، فيستعمل المستدلّون التقسيم؛ فإنّ الاستدلال مداره على أنّه أرسله بالعلامة، وأنّه إنّما أرسله بها ليبيّن صدقه؛ فقد يعرض في المقدمة الأولى أنّه أخذها بغير اختياره، أو أنّ الخاتم سقط منه، أو إن كان مسافراً أنّه قُتِل، أو مات؛ فقد يقع مثل ذلك، وقد يؤخذ خاتم الرجل بغير أمره، ويُختَم به كتابُه؛ كما حُكِي أنّ مروان١ فعل مثل ذلك بعثمان٢. والمقدّمة الثانية: أنه قد يرسله بالخاتم ليختم به شيئا، أو ليصلحه، ونحو ذلك. [فإذا عرض مثل هذا الاحتمال وقوي توقفوا] ٣، وإن عرفوا انتفاء ذلك؛ مثل: أن يكون قد ذهب من عندهم قريباً، وليس له ما يختم به، ونحو ذلك، قطعوا بأنّه أرسله علامة، ثمّ بعد هذا قد يعلمون أنّه أرسله، لكن قد [يَكْذِبُ] ٤ عليه، ولكن العهدة في هذا على المرسِل؛ فإنّ إرسال العلامة هو إعلام منه لهم بأني أرسلته إليكم. فهذا الفعل هو مثل هذا القول، يجري مجرى إعلامهم وإخبارهم بأنّه أرسله، وتصديقه في قوله: هو أرسلني. والإخبار تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالعمل؛ كما يُعلم الرجلُ غيرَه بالإشارة بيده، ورأسه، وعينه، وغير ذلك، وإن لم يتقدّم بينهما

стр. 753

مواضعة، لكن يعلم قصده ضرورة؛ مثل أن يسأله عن شيء: هل كان؟ فيرفع رأسه، أو يخفضه، أو يشير بيده، أو يكون قائماً؛ فيشير إليه: اجلس، أو قاعداً مطلوباً؛ فيشير إليه: أن اهرب، فقد جاء عدوك، أو نحو ذلك من الإشارات التي هي أعمال بالأعضاء؛ وهي تدلّ دلالة ضرورية، تُعلم من قصد الدالّ، كما يدلّ القول، وقد [تكون] ١ أقوى من دلالة القول، لكن دلالة القول أعمّ وأوسع؛ فإنّه يدلّ على الأمور الغائبة، وعلى الأمور المعضلة. وهذه الأدلة العيانية هي أقوى من وجه، ولكن ليس فيها من السعة للمعاني الكثيرة ما في الأقوال.

стр. 754

فصل الدليل مستلزم للمدلول [وخاصة] ١ الدليل أن يكون مستلزماً للمدلول٢. فكلّ ما استلزم شيئاً كان دليلاً عليه، ولا يكون دليلاً إلا إذا كان مستلزماً [له] ٣. ثمّ دلالة الدليل [تعلم] ٤، كما يُعلم لزوم اللازم للملزوم. وهذا لا بُدّ أن يُعلم بالضرورة، أو بدليل ينتهي إلى الضرورة. وعلى هذا: فآيات الأنبياء هي أدلة صدقهم، وبراهين صدقهم، وهي ما يستلزم صدقهم، ويمتنع وجوده بدون صدقهم؛ فلا يمكن أن يكون ما يدل على النبوّة موجوداً بدون النبوة. ثمّ كونه مستلزماً للنبوة، ودليلاً عليها، يُعلم بالضرورة، أو بما ينتهي إلى الضرورة. فآيات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا تُحَدّ بحدود يدخل فيها غير آياتهم؛ كحدّ بعضهم كالمعتزلة وغيرهم بأنّها٥ خرق العادة، ولم يعرف مسمّى هذه العبارة، بل ظنّ أن خوارق السحرة، والكهان، والصالحين:

стр. 755

خرقٌ للعادة؛ فكذّبها١؛ وحدّ بعضهم٢ بأنّها٣ الخارق للعادة، إذا لم يُعارضه أحد. وجعل٤ هذا فصلاً احترز به عن تلك الأمور؛ فقال٥: المعجزة هي الخارق المقرون بالتحدي بالمثل، مع عدم المعارضة. وجوَّزَ أن يأتي غير الأنبياء بمثل ما أتوا به٦ سواء مع المعارضة. [وجعل] ٧ ما يأتي به الساحر والكاهن معجزات، مع عدم المعارضة. وحقيقة المعجز هذا ما لم يعارض، ولا حاجة إلى كونه خارقاً للعادة، بل الأمور المعتادة إذا لم تُعارض كانت آية. وهذا باطلٌ قطعاً. ثمّ مسيلمة، والأسود العنسي، وغيرهما، لم يُعارَضوا٨.

стр. 756

[ثمّ يُقال: ما يعني بعدم المعارضة] ١ في ذلك المكان والزمان؛ فالسحرة والكهان لا يُعارَضون، والعنسي، ومسيلمة لم يعارَضا في مكانهم، ووقت [إغوائهم] ٢. وإن قال: لا يُعارَض البتة. فمن أين يعلم هذا العدم؟ فإن قيل: فما آيات الأنبياء؟ قيل: هي آيات الأنبياء التي [يُعلم] ٣ أنّها مختصة بالأنبياء، وأنّها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بُدّ أن تكون خارقةً للعادة، خارجةً عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحداً أن يعارضها. لكن كونها خارقة للعادة، ولا تمكن معارضتها: هو من لوازمها ليس هو حداً مطابقاً لها. والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضرورياً؛ كانشقاق القمر، وجعل العصا حية، وخروج الناقة. فمجرد العلم بهذه الآيات يُوجب علماً ضرورياً بأنّ الله جعلها آيةً لصدق هذا الذي استدلّ بها، وذلك يستلزم أنّها خارقة للعادة، وأنّه لا يمكن معارضتها. فهذا٤ من جملة صفاتها، لا أنّ هذا وحده كافٍ فيها. وهذا إذا قال مَنْ قال: إنّ فلاناً أرسلني إليكم؛ فإنّه يأتي بما يعلم أنّه علامة. والعلامة، والدليل، والآية، حدّها: أنّها تدلّ على المطلوب. وآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم. وهذا لا يكون إلا مع كونها مستلزمةً

стр. 757

لصدقهم؛ فيمتنع أن تكون معتادة لغيرهم، ويمتنع أن يأتي من يعارضهم بمثلها، ولا يمتنع أن يأتي نبي آخر بمثلها، ولا أن يأتي من يصدّقهم بمثلها؛ فإنّ تصديقه لهم يتضمن صدقهم، فلم يأت إلا مع صدقهم. وقد تكون الآيات تدلّ على جنس الصدق؛ وهو صدق صاحبها؛ فيلزم صدقه إذا قال: أنا نبي، ولكن يمتنع أن يكون لكاذب. فهذا ونحوه مما ينكشف به حقيقة هذا الباب١، وهو من أهم الأمور. وإذا فُسِّر خرق العادة: بأنها خرق لعادات غير الأنبياء؛ أي لا يكون لغير جنسهم، وجنس من صدَّقهم، وفسَّر عدم المعارضة: بأنّه لا يقدر أن يأتي بها من ليس بنبيّ، أو متبع لنبي، كان المعنى واحداً، واتَّحدت التفاسير الثلاثة٢.

стр. 758

فصل الله سبحانه دل عباده بالدلالة العيانية والدلالات المسموعة والله سبحانه دلّ عباده بالدلالات العيانية المشهودة، والدلالات المسموعة١؛ وهي كلامه. لكنّ عامّتهم تعذَّر عليهم أن يسمعوا كلامه منه، فأرسل إليهم بكلامه رسلاً، وأنزل إليهم كتباً. والمخلوق إذا قصد إعلام من يتعذَّر أن يسمع منه، أرسل إليه رسلاً، وكتب إليه كتباً؛ كما يفعل الناس؛ ولاة الأمور، وغيرهم: يُرسلون إلى من بَعُد عنهم رسولاً، ويكتبون إليه كتباً.

стр. 759

ثم إنّه سبحانه جعل مع الرسل آيات؛ [هنّ] ١ علامات وبراهين؛ هي أفعال يفعلها مع الرسل، يخصُّهم بها، لا [توجد] ٢ لغيرهم؛ فيعلم العباد - لاختصاصهم بها - أنّ ذلك إعلام منه للعباد، وإخبار لهم أنّ هؤلاء رسلي؛ كما يُعلّمهم بكلامه المسموع منه، ومن رسوله. ولهذا قد يعلم برسالة رسول بإخبار رسولٍ أخبر عنه٣. وقد يُخبر عن إرساله بكلامه، لمن سمع كلامه منه؛ كما أخبر موسى، وغيره بالوحي الذي يوحيه إليهم. تعريف المعجزة عند شيخ الإسلام فآيات الأنبياء هي علامات وبراهين من الله، [تتضمّن] ٤ إعلام الله لعباده وإخباره. [فالدليل] ٥؛ وهو الآية، والعلامة: لا تدل إلا إذا كان مختصّاً بالمدلول عليه، مستلزماً له؛ إمّا مساوٍ له، وإما أخصّ منه، لا يكون أعمّ منه غير مستلزم له، فلا يتصوّر أن يوجد الدليل بدون المدلول عليه. فالآيات التي أعلم الله بها رسالة رسله، وصدّقهم، لا بُدّ أن تكون مختصةً بهم، مستلزمةً لصدقهم؛ فإنّ الإعلام والإخبار بأنّ هذا رسول، وتصديقه في قوله: إنّ الله أرسلني، لا يُتصوّر أن يوجد لغير رسول.

стр. 760

والآيات التي جعلها الله علامات: هي إعلامٌ بالفعل الذي قد يكون أقوى من القول، فلا يُتصوّر أن تكون آيات الرسل إلا دالّة على صدقهم، ومدلولها أنّهم صادقون، لا يجوز أن توجد بدون صدق الرسل البتة. وكون الرب أراد بها إعلام عباده بصدقهم، وصدَّقهم بها في إخبارهم أنه [أرسلهم] ١، وكونها آية وعلامة على صدقهم: أمرٌ يُعلم؛ كما [تعلم] ٢ دلالة سائر الأدلة؛ كما يَعْلَمُ [مِنَ] ٣ [الرَّجُلِ أصدقاؤُهُ] ٤، ووكلاؤه أنّه [أرسل] ٥ هذا بهذه العلامات؛ فتارة يعلم ذلك بالضرورة بعد تصور الأمر، وتارة يحتاج إلى نظر: هل هذه العلامة منه، أو من غيره؟ وهل هو أرسله بها، أو غيره؟ وهل قصد بها الإعلام، [والتصديق، أم لا] ٦؟ وهل يعلم من حال الذاكر أنّه أرسله أنّه صادق؟ فقد يُرسل من يعلمون هم صدقه، وأنّه لا يكذب؛ فيعلمون صدقه بمجرّد قوله: هو أرسلني، من غير آية، ولا علامة. ولهذا إذا قال مَنْ صَدَّقه: إنّه رأى رؤيا: صدّقه، وجزم بصدقه من قد خَبَرَ٧ صدقه. والرؤ يا جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوّة٨.

стр. 761

وكذلك لو أخبر بغير ذلك؛ كما أخبر عمران بن حصين١ أنّ الملائكة تسلم عليه٢، فلم يشكّ الذين أخبرهم في صدقه، من غير آية. فمن كان يعلم صدق موسى، والمسيح، ومحمد، وغيرهم، وأنّهم لا يكذبون في أخفّ الأمور، فكيف بالكذب على الله؟ إذا أخبرهم أحدهم بما جاءه من الوحي والرسالة، وما غاب من الملائكة؛ فإنّه قد يجزم بصدقه، من غير آية، لا سيما إن كان ما يقوله لهم مما يؤيّد صدقه. ولهذا لم يكن من شرط الإيمان بالأنبياء وجود الآيات، بل قد يعلم صدقهم بدون ذلك؛ كما قد بُيِّن في موضعٍ آخر٣. وتارة يحتاجون إلى العلامة، وتارة يعلمون كذبه بأن يذكر عن صاحبهم ما يعلمون هم خلافه، ويصفه بما علموا نقيضه. وقد يظهر لهم من قصده أنّه كذّاب، ملبِّس، طالب أغراض له؛ إمّا مال يعطونه، أو ولاية يولّونه، أو

стр. 762

امرأة يزوجونه بها، أو غير ذلك من أغراض النفوس؛ فيسألونه عن مقصوده، فإذا عرفوا مقصوده، فقد يعلمون كذبه أو صدقه. ومثل هذا كثيرٌ في عادات الناس؛ فكثيراً ما يجيء الرجل بما يزعم أنّه علامة، وتكون مشتركة١. فيقال له: ما تريد؟ فيذكر مراده، فيعلمون كذبه. فدلائل الصدق والكذب لا تنحصر كدلائل الحب والبغض، هي كثيرة جداً، وهذا يعرفه من جرَّب عادات الناس.

стр. 763

فصل آيات الأنبياء دليل وبرهان فالآيات التي تكون آيات للأنبياء: هي دليلٌ وبُرهان. والله تعالى سمّاها برهاناً في قوله لموسى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١؛ وهي العصا واليد٢. وسماها برهاناً [و] ٣آيات في مواضع كثيرة من القرآن٤. فحدّها حدّ الدليل والبرهان؛ وهي أن تكون مستلزمة لصدق النبيّ، فلا يتصور أن [توجد] ٥ مع انتفاء [صدق] ٦ من أخبر أنّ الله أرسله. فليس له إلاَّ حالان: إمّا أن يكون الله أرسله، فيكون صادقاً، أو لا يكون أرسله، فلا يكون صادقاً. فآيات الصدق لا توجد إلا مع أحد النقيضين؛ وهو الصدق، لا [توجد] ٧

стр. 764

قطّ مع الآخر؛ وهو انتفاء الصدق؛ كسائر الأدلة؛ التي هي: البراهين، والآيات، والعلامة؛ فإنّها لا توجد إلا مع تحقّق المدلول عليه، لا توجد مع عدمه قط؛ إذ كانت مستلزمة له؛ يلزم من وجود الدليل، وجود المدلول عليه؛ فلا يوجد الدليل مع عدم المدلول عليه؛ فلا توجد آياتهم مع عدم صدقهم. فيجب أن يُتصوَّر هذا الموضع؛ فإنّه حقٌ، معلومٌ بعد تصوّره لكل العقلاء بالضرورة، فلا يمكن أحداً كذَّب النبي أن يأتي بمثلها؛ فإنّه لو أتى بمثلها، مع تكذيب النبيّ، لكانت قد وجدت مع قوله: إنّي صادق، ومع قول هذا المكذِّب: إنّه كاذب؛ فلم [تختصّ] ١ بصدقه، ولم تستلزمه؛ فلا يلزم إذا قال: إني صادق، أن يكون صادقاً، وهذا قد أتى بمثل ما أتى به، وقال: إنّه كاذب. ولا يكون إعلاماً من الله لعباده، وإخباراً لهم: بأنّي أرسلته، ولا تصديقاً له؛ كما لو قال رجلٌ: إنّ فلاناً أرسلني، وجاء بعلامةٍ ذكر أنّه خصّه بها؛ مثل أن يقول: العلامة أنه أعطاني خاتمه، فيقول المكذِّب: وأنا أيضاً أعطاني خاتمه الأخرى لأصلحها له، أو لأختم بها كذا، وأنت إنّما أعطاك خاتمه لتصلحها، أو [تختم] ٢ بها. فإذا أتى المكذِّب له بمثل ما أتى به، امتنع كونها آية. ولكن لو كان قد [جاءهم] ٣ بالخاتم غيره لأمرٍ آخرَ أرسله [له] ٤، لم

стр. 765

يمتنع ذلك، بل قد جرت عادته معهم: بأنّه من أرسله، يُرسل معه خاتمه؛ فقد صار إرسال الخاتم عادة له، يدلّ على صدق من أرسله؛ فهو يُميِّز رسله بالخاتم، لا يخصّ بها واحداً منهم، وهي عادة منه لرسله، ليست لغيرهم؛ لا عادة، ولا غير عادة. فهذا شأن الآيات والعلامات التي يقصد الدالّ بها أن يدلّ بها.

стр. 766

فصل الله تعالى سماها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات ... فصل الله تعالى سمها آيات وبراهين ولم يسمها معجزات والله تعالى سمّاها آيات وبراهين١، وهو اسمٌ مطابق لمسمّاه، مطّرد لا ينتقض، فلا [تكون] ٢ قطّ إلاّ آيات لهم وبراهين. أقوال الناس في تسمية آيات الأنبياء خوارق وأما تسميتها بخرق العادة: فللنّاس في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ ذلك حدّ لها مطّرد منعكس؛ فكلّ خرق [هو] ٣ معجزة للنبي، فهو خرق عادة٤. والثاني٥: أنّ خرق العادة شرطٌ فيها، وليس بحدّ لها، فيجب أن [تكون] ٦ خارقة لعادة، ولكن ليس كلّ خارق للعادة يكون آيةً لنبيّ؛

стр. 767

كأشراط الساعة، بل أن يقع على وجه مخصوص؛ مثل دعوى النبوة، والاستدلال بها، والتحدي بمثلها، مع عجز الناس عن معارضته. والقول الثالث: أنّ كونها خارقة للعادة ليس بحدّ، ولا شرط١. قال القاضي أبو بكر في مناظرته في الكرامات٢: ويقال لهم أيضاً: إنّ من الناس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقة للعادة، ويقول: إنّما [تكون] ٣ آية إذا كانت من فعل الله، مع التحدي بمثلها، ودعوى النبوة. فدلالتها على وجه لا يمكن أن يشترك في ادّعائه الصادق والكاذب، فإذا ظهرت على هذا الوجه، كانت آية لمن فُعِلت على يده. قال المجيبون بهذا٤، ولهذا لم تكن أشراط الساعة آيةً لأحد، وإن خرقت العادة؛ إذ لم يكن معها دعوى نبوة، ولأنّ موتَ زيد عند قول الرسول: آيتي أن يميت الله زيداً عند دعائي: موتُه. فإذا مات عند دعوته، صار ذلك آية له، وإن كان فعل الموت في الإنسان وغيره من الحيوان معتاداً. قال٥: [أو إن] ٦ قالوا: لو كان كذلك، لكان من قال: آيتي أن

стр. 768

[تطلع] ١ الشمس وتغرب، ويأتي الليل والنهار والضياء والظلام، وفَعَلَ ذلك مع دعواه الرسالة، كان آية له، وإن لم يكن المفعول من ذلك خارقاً للعادة. فلمّا لم يكن كذلك، وإن كان [واقعاً] ٢ من فعل الله مع دعوى النبوة؛ لكونه غير خارق للعادة، بطل ما قلتموه؟ يقال لهم: قد أجبنا عن هذا حين قلنا: ويكون الواقع من فعل الله مع دعوى النبوة، مما لا يشترك فيه الصادق والكاذب، ويستوي مع ظهوره دعوى المحق والمبطل، وطلوع الشمس وغروبها. ولو قال النبي: آيتي أن يظلّنا السحاب الساعة، و [تزلزل] ٣ الأرض، وتحدث الأمطار، بدعوى، فحدث ذلك، لكان آيةً له. وإن كان مثل ذلك قد يحدث في العصر ويُشاهد، فإذا قال المتنبي: [إنّني] ٤ مُعَارِضُه، وآيتي في كوني نبيّاً ظهور مثل ذلك، مُنع منه ولم يحدث٥.

стр. 769

مناقشة شيخ الإسلام للباقلاني قلت١: هذا الذي ذكروه، هو أيضاً خرق للعادة؛ فإنّ ظهور مثل ذلك على هذا الوجه مّما لم تَجْرِ بِهِ العادة، وهو نفسه القاضي أبو بكر في هذا الكتاب؛ ((كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل و [الكهانة] ٢ والسحر والنيرنجيّات)) ، قد قال: قيل: هذا باب القول في معنى العادة وانخراقها، والعادة التي إذا انخرقت دلّت على صدق الرسل، والاعتياد للأمر، وتفصيل ذلك وتنزيله٣: اعلموا رحمكم الله٤ أنّ الكل من سائر الأمم قد شرطوا في صفة [المعجز: أن] ٥ يكون خارقا للعادة. وإذا٦ كان ذلك واجباً، وجب معرفة هذه العادة، ومعرفة انخراقها٧.

стр. 770

فقد [حكى] ١ هنا الإجماع، وهناك صرّح بالاختلاف٢، وقوَّى ذلك القول. وسبب ذلك: اضطرابهم في معنى العادة وانخراقها؛ فإنّ كلّ قوم يفهمون غير ما يفهمه الآخرون، والله تعالى إنما سماها آيات٣. وهذا القول الذي ذكره وقوّاه، وهو: لا يشترط فيها أن تكون خارقة للعادة: هو حقيقة قول القاضي٤، وأمثاله؛ من المتكلمين الأشعرية، ومن وافقهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله؛ فإن المعجزات عندهم لا تختص بجنس من الأجناس المقدورات، بل خاصّتها أنّ النبي يحتجّ بها، ويتحدّى بمثلها، فلا يمكن معارضته؛ فاشترطوا لها٥ [وصفين] ٦: أن تكون مقترنة بدعوى النبوة، وجعلوا المدلول جزءاً من الدليل، وأنّها لا تعارض. وبالأول: فرّقوا بينها وبين الكرامات. وبه٧ وبالثاني: فرّقوا بينها وبين السحر والكهانة.

стр. 771

وصرّحوا بأنّ جميع خوارق السحرة والكهان يجوز أن تكون معجزة لنبيّ، لكن إذا كانت معجزة لم تمكن معارضتها. فلو ادّعى ساحر أو كاهن النبوة، لكان الله يعجزه عن تلك الخوارق١، قد عُلم أنّ غيره من السحرة والكهّان يفعل مثلها، وليس بنبيّ. وما يأتي به الأنبياء من المعجزات جوّزوا أن [يأتي] ٢ بمثله الساحر والكاهن، إلا ما منع منه السمع؛ للإجماع٣ على أنّ الساحر لا يقلب العصا حية٤. وهذا الفرق ليس لما يختص به أحد النوعين، ولا ضابط له. وصرّحوا بأنه لا يستثنى من الخوارق، إلا ما انعقد عليه الإجماع٥. وصرّحوا بأن العجائب [الطبيعية] ٦؛ مثل جذب حجر المغناطيس الحديدَ: يجوز أن يكون معجزة، لكن بشرط أن لا يعارض٧. وكذلك الطلاسم، وكذلك الأمور المعتادة: يجوز أن تكون معجزة بشرط أن يمنع غيره منها، فتكون المعجزة منع المعتاد٨. فالخاصة عندهم فيها٩: أنّها لا تعارض، وأنها تقترن بدعوى النبوة.

стр. 772

وقد يشترطون أن تكون خارقة للعادة، لكن يكتفون بمنع المعارض١؛ فهو وحده خرق للعادة؛ فلا يشترطون هذا وهذا. وقد اشترط القاضي أبو بكر أن يكون مما يختص الربّ بالقدرة عليه٢. ولا حقيقة له؛ فإن جميع الحوادث كذلك عندهم٣، وكل ما [خرج] ٤ عن محل قدرة العبد، فالرب عندهم مختصّ بفعله؛ كخوارق السحرة والكهان٥. وحقيقة الأمر: أنّه لا فرق عندهم بين المعجزات والكرامات، والسحر والكهانة، لكنّ هذه إذا لم تقترن بدعوى النبوة لم [تكن] ٦ آية، وإذا اقترنت بها كانت آية، بشرط أن لا تعارض٧. حقيقة قول الأشاعرة في النبوة ثمّ إنّه٨ لمّا أثبت النبوة، قال: إنّه يجوز على النبي فعل كل شيء من

стр. 773

الكبائر، إلا أن يمنع من ذلك سمع١. كما قال: كلّ ما كان معجزة للأنبياء، يجوز أن يأتي به الساحر، إلا أن يمنع منه سمع٢؛ إذ كان في نفس الأمر لا فرق بين فعل وفعل، بل يجوز من الربّ كلّ شيء؛ فيجوز أن يبعث كلّ أحد، ولا يقيم على نبوته دليلاً٣. هذا حقيقة قولهم: إنّه يجوز أن يبعث كلّ أحد، وأنّه إذا بعثه لا يُقيم دليلاً على نبوته، بل يُلزِم العباد بتصديقه، بلا دليلٍ يدلهم على صدقه. تعريف الأشاعرة للمعجزة، ورد شيخ الإسلام عليهم بجوابين فإن غاية هذا: تكليف ما لا يطاق، وهم يجوّزونه٤. وهذا الذي قالوه: باطلٌ من وجوه متعددة، قد بُسطت في غير هذا الموضع٥.

стр. 774

منها: أنّهم جعلوا المدلول عليه؛ وهو إخبار النبي بنبوته، وشهودها، وثبوتها: جزءاً من الدليل؛ قالوا: لأنّها لو كانت معجزة لجنسها، لم تقع إلا معجزة، والخوارق التي تكون أمام الساعة، ليست معجزة لأحد. فعُلِم أن الدليل هو مجموع دعوى النبوة، والخارق١. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنّ تلك من آيات الله تعالى؛ فالخوارق التي لا يقدر عليها العباد: كلّها آيات [لله] ٢ تعالى، وهي دالة على ما يظهر دلالتها عليه؛ تارة [تكون] ٣ تخويفاً؛ [كما] ٤ قال النبي ﷺ : "إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنّهما لا [ينكسفان] ٥ لموت أحدٍ، ولا لحياته، ولكنّهما آيتان من آيات الله يُخوّف الله بهما عباده" ٦. والتخويف يتضمن: الأمر [بطاعته، والنهي] ٧ عن معصيته. وأشراط الساعة آيات على قربها، وعلى جزاء الأعمال، وهو يتضمن الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية٨.

стр. 775

والثاني: أن يقال: هي آيات على صدق الأنبياء؛ فإنهم أخبروا بها، وهي آية على ما أخبروا به، وعلى صدقهم. عامة معجزات الرسول ﷺ لم يكن يتحدى بها وأيضا: فإنّ عامّة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها، ويقول ائتوا بمثلها. والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه [افتراه] ١، ولم يتحدّاهم به ابتداءً، وسائر المعجزات لم يتحدّ بها، وليس فيما نقل تحدّ إلا بالقرآن٢، لكن قد عُلم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء. فهذا لازمٌ لها، لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره. آيات الأنبياء منها ما يكون قبل ولادتهم ومنها ما يكون بعد موتهم وأيضا: فمن آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل أنبيائهم، وما يكون بعد موتهم٣؛ فإن الآية [هي] ٤ دليل على صدق الخبر بأنّه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص؛ لا بمكان، ولا زمان، ولا يكون هذا الدليل إلا من جنسٍ لا يقدر عليه الإنس كلهم، ولا الجنّ، فلا بُدّ أن يكون جنسه معجزاً أعجز الإنس والجنّ. وأما قولهم: خاصّة المعجز عدم المعارضة٥: فهذا باطلٌ، وإن كان عدم المعارضة لازماً له، فإنّ هذا العدم لا يعلم، إذ يمكن أن يعارضه من ليس هناك إذا كان مما يعلم أنّه معتاد؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ فإنّه
следующие страницы →