وصرّحوا بأنّ جميع خوارق السحرة والكهان يجوز أن تكون معجزة لنبيّ، لكن إذا كانت معجزة لم تمكن معارضتها. فلو ادّعى ساحر أو كاهن النبوة، لكان الله يعجزه عن تلك الخوارق١، قد عُلم أنّ غيره من السحرة والكهّان يفعل مثلها، وليس بنبيّ.
وما يأتي به الأنبياء من المعجزات جوّزوا أن [يأتي] ٢ بمثله الساحر والكاهن، إلا ما منع منه السمع؛ للإجماع٣ على أنّ الساحر لا يقلب العصا حية٤.
وهذا الفرق ليس لما يختص به أحد النوعين، ولا ضابط له.
وصرّحوا بأنه لا يستثنى من الخوارق، إلا ما انعقد عليه الإجماع٥.
وصرّحوا بأن العجائب [الطبيعية] ٦؛ مثل جذب حجر المغناطيس الحديدَ: يجوز أن يكون معجزة، لكن بشرط أن لا يعارض٧.
وكذلك الطلاسم، وكذلك الأمور المعتادة: يجوز أن تكون معجزة بشرط أن يمنع غيره منها، فتكون المعجزة منع المعتاد٨.
فالخاصة عندهم فيها٩: أنّها لا تعارض، وأنها تقترن بدعوى النبوة.
стр. 772
وقد يشترطون أن تكون خارقة للعادة، لكن يكتفون بمنع المعارض١؛ فهو وحده خرق للعادة؛ فلا يشترطون هذا وهذا.
وقد اشترط القاضي أبو بكر أن يكون مما يختص الربّ بالقدرة عليه٢.
ولا حقيقة له؛ فإن جميع الحوادث كذلك عندهم٣، وكل ما [خرج] ٤ عن محل قدرة العبد، فالرب عندهم مختصّ بفعله؛ كخوارق السحرة والكهان٥.
وحقيقة الأمر: أنّه لا فرق عندهم بين المعجزات والكرامات، والسحر والكهانة، لكنّ هذه إذا لم تقترن بدعوى النبوة لم [تكن] ٦ آية، وإذا اقترنت بها كانت آية، بشرط أن لا تعارض٧.
حقيقة قول الأشاعرة في النبوة
ثمّ إنّه٨ لمّا أثبت النبوة، قال: إنّه يجوز على النبي فعل كل شيء من
стр. 773
الكبائر، إلا أن يمنع من ذلك سمع١. كما قال: كلّ ما كان معجزة للأنبياء، يجوز أن يأتي به الساحر، إلا أن يمنع منه سمع٢؛ إذ كان في نفس الأمر لا فرق بين فعل وفعل، بل يجوز من الربّ كلّ شيء؛ فيجوز أن يبعث كلّ أحد، ولا يقيم على نبوته دليلاً٣.
هذا حقيقة قولهم: إنّه يجوز أن يبعث كلّ أحد، وأنّه إذا بعثه لا يُقيم دليلاً على نبوته، بل يُلزِم العباد بتصديقه، بلا دليلٍ يدلهم على صدقه.
تعريف الأشاعرة للمعجزة، ورد شيخ الإسلام عليهم بجوابين
فإن غاية هذا: تكليف ما لا يطاق، وهم يجوّزونه٤.
وهذا الذي قالوه: باطلٌ من وجوه متعددة، قد بُسطت في غير هذا الموضع٥.
стр. 774
منها: أنّهم جعلوا المدلول عليه؛ وهو إخبار النبي بنبوته، وشهودها، وثبوتها: جزءاً من الدليل؛ قالوا: لأنّها لو كانت معجزة لجنسها، لم تقع إلا معجزة، والخوارق التي تكون أمام الساعة، ليست معجزة لأحد. فعُلِم أن الدليل هو مجموع دعوى النبوة، والخارق١.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنّ تلك من آيات الله تعالى؛ فالخوارق التي لا يقدر عليها العباد: كلّها آيات [لله] ٢ تعالى، وهي دالة على ما يظهر دلالتها عليه؛ تارة [تكون] ٣ تخويفاً؛ [كما] ٤ قال النبي ﷺ : "إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنّهما لا [ينكسفان] ٥ لموت أحدٍ، ولا لحياته، ولكنّهما آيتان من آيات الله يُخوّف الله بهما عباده" ٦.
والتخويف يتضمن: الأمر [بطاعته، والنهي] ٧ عن معصيته.
وأشراط الساعة آيات على قربها، وعلى جزاء الأعمال، وهو يتضمن الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية٨.
стр. 775
والثاني: أن يقال: هي آيات على صدق الأنبياء؛ فإنهم أخبروا بها، وهي آية على ما أخبروا به، وعلى صدقهم.
عامة معجزات الرسول ﷺ لم يكن يتحدى بها
وأيضا: فإنّ عامّة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها، ويقول ائتوا بمثلها. والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه [افتراه] ١، ولم يتحدّاهم به ابتداءً، وسائر المعجزات لم يتحدّ بها، وليس فيما نقل تحدّ إلا بالقرآن٢، لكن قد عُلم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء. فهذا لازمٌ لها، لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره.
آيات الأنبياء منها ما يكون قبل ولادتهم ومنها ما يكون بعد موتهم
وأيضا: فمن آيات الأنبياء ما كان قبل ولادتهم، وقبل أنبيائهم، وما يكون بعد موتهم٣؛ فإن الآية [هي] ٤ دليل على صدق الخبر بأنّه رسول الله، وهذا الدليل لا يختص؛ لا بمكان، ولا زمان، ولا يكون هذا الدليل إلا من جنسٍ لا يقدر عليه الإنس كلهم، ولا الجنّ، فلا بُدّ أن يكون جنسه معجزاً أعجز الإنس والجنّ.
وأما قولهم: خاصّة المعجز عدم المعارضة٥: فهذا باطلٌ، وإن كان عدم المعارضة لازماً له، فإنّ هذا العدم لا يعلم، إذ يمكن أن يعارضه من ليس هناك إذا كان مما يعلم أنّه معتاد؛ مثل خوارق السحرة، والكهان؛ فإنّه
стр. 776
وإن لم [يمكن] ١ أن يُعارض في هذا الموضع، ففي السحرة والكهان من يفعل مثلها، مع أنه ليس بنبي.
تعريف الأشاعرة لدليل النبوة
ودليل النبوة يمتنع ثبوته بدون النبوة، وإذا قالوا: الدليل هو: مجموع الدعوى، والدليل٢: تَبين [خطؤهم] ٣، وأنّ القوم لم يعرفوا دلائل النبوة، ولا أقاموا دليلاً على نبوّة الأنبياء، كما لم يقيموا دليلاً على وجود الرب؛ فليس في كتبهم ما يدل على الربّ تعالى، ولا على رسوله، مع أنّ هذا هو المقصود من أصول الدين٤.
الأشاعرة لم يقيموا دليلاً على ثبوت الأنبياء ووجود الرب تعالى
وأيضاً: فمسيلمة، والعنسي: لم يكن عندهما من يعارضهما.
وأيضاً: فالمعارض إن اعتبروه في المدعوين، وهذا مقتضى في خرق
العادة، وأن العادات تختلف، فلكل قوم عادة. قالوا٥: فالمعتبر خرق عادة من أُرسِل إليهم.
وعلى هذا: فإذا أرسل إلى بني إسرائيل، ففعل ما لم يقدروا عليه، كان آية، وإن كان ذلك مما يقدر عليه العرب، ويقدر عليه السحرة والكهان.
وصرحوا بأنّ السحر الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٦: يجوز أن يكون من معجزات الأنبياء إذا لم
стр. 777
يعارض١، وقد قال الرازي: إنّ السمعيات لا يُحتجّ بها؛ لأنّ دلالتها مشروطة بعدم المعارض العقلي، وذلك غير معلوم٢.
وكذلك يقال في معجزات هؤلاء أنّ خاصتها عدم المعارضة. فإن اعتبروا أنّ أحداً من الخلق لا يُعارض، فهذا لا يُعلم. وإن اكتفوا بأن لا يعارض في ذلك المكان والزمان، فكثير من الصناعات، والعجائب، والعلوم من هذا الباب. وهم لا ينكرون هذا، بل يقولون: المعجز هو هذا، مع دعوى النبوة.
وقد تبيَّن أنَّ الشيء في نفسه إذا لم يكن دليلاً، لم يصر دليلاً باستدلال المستدلّ به، بل هو في نفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ [إذ] ٣ كان الدليل هو المستلزم للمدلول؛ فدليل صدق النبيّ هو يدلّ على أنّه نبيّ، وأنّ الخبر بنبوته صدق، وإن كان هو لا يستدلّ بذلك، ولا يتحدى بمثلها، وقد لا يخبره بنبوة نفسه، ويكون له دلائل تدلّ على نبوته؛ كما كانت قبل أن يولد، وفي الأمكنة البعيدة.
فتبين أنّ قول هؤلاء [هو] ٤: أنّه لا يُعلم ما يُستدلّ به على نبوة الأنبياء٥.
стр. 778
وهذا إذا انضمّ إلى أصلهم؛ وهو: أنّ الرب يجوز عليه فعل كلّ شيء١، صارا شاهدين: بانّه على أصلهم لا دليل على النبوة؛ [إذ] ٢ كان عندهم لا فرق بين فعل من الرب وفعل. وعندهم: لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، فليس في أجناس المعقولات ما يكون آيةً تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم. بل ما كان لهم قد يكون [عند غيرهم] ٣، حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم. فَرّقوا بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم، وهو مجرد دعوى.
الفرق بين النبي والساحر عند الأشاعرة
قالوا: لو ادّعى الساحر والكاهن النبوّة، لكان الله يُنسيه الكهانة والسحر، ولكان له من يعارضه٤؛ لأنّ السحر والكهانه هي معجزة عندهم.
وفي هذه الأقوال من الفساد عقلاً وشرعاً، ومن المناقضة لدين الإسلام، وللحق ما يطول وصفه.
ولا ريب أنّ قول من أنكر وجود هذه الخوارق٥ أقلّ فساداً من هذا.
ولهذا يشنع عليهم ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة٦.
стр. 779
الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة
ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقاً؛ إذ لا فرق عندهم في نفس الأمر١.
стр. 780
قول شيخ الإسلام في آيات الأنبياء
والتحقيق: أنّ آيات الأنبياء مستلزمة للنبوّة، ولصدق الخبر بالنبوّة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنّه رسول، لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه؛ لا الإنس، ولا الجنّ؛ فإنّ ما يقدر عليه الإنس والجنّ يفعلونه، فلا يكون مختصاً بالأنبياء.
ومعنى كونها خارقةً للعادة: أنّها لا توجد إلاّ للنبوّة؛ لا مرّة، ولا أقلّ، ولا أكثر. فالعادة هنا تثبتُ بمرّة. والقاضي أبو بكر يقول: إنّ ما فعل مرّات يسيرة لا يكون معتاداً١.
стр. 781
وفي كلامه في هذا الباب١ من الاضطراب ما يطول وصفه. وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم.
وما يأتي به السحرة والكهان، يمتنع أن يكون آيةً لنبيّ، بل هو آية على الكفر، فكيف يكون آيةً للنبوّة، وهو مقدور للشياطين؟.
وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جنّ ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها، فحيث كانت آيةً لله، تدلّ على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئتَ قلت٢: هي أيات لله، يُدلّ بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة.
وما يكون للسحرة والكهان، لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء مختصة بهم.
الفرق بين المعجزات والكرامات
وأما كرامات الأولياء٣: فهي أيضاً من آيات الأنبياء؛ فإنّها إنّما تكون
стр. 782
لمن [يشهد] ١ لهم بالرسالة، فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوّة.
وأيضاً: فإنّ كرامات الأولياء معتادةٌ من الصالحين، ومعجزات الأنبياء فوق ذلك؛ فانشقاق القمر، والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حيّة، وخروج الدابة من صخرة٢، لم يكن مثله للأولياء؛ وكذلك خلق الطير من
стр. 783
الطين، ولكنّ آياتِهم صغارٌ، وكبارٌ؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الكُبْرَى﴾ ١؛ فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيّه محمّد: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ٢، فالآيات الكبرى مختصة بهم.
الآيات قسمان: كبرى وصغرى
الآيات الكبرى مختصة بالأنبياء
الآيات الصغرى قد تكون للصالحين
وأما الآيات الصغرى: فقد [تكون] ٣ للصالحين؛ مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحدٍ من الصالحين٤، لكن لم يوجد كما وجد للنبيّ ﷺ أنّه أطعم الجيش من شيء يسير٥. فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا يماثلون في قدره؛ فهم مختصون إمّا بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم؛ كالاتيان بالقرآن، وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين كهيئة الطير؛ وإمّا بقدرها، وكيفيتها؛ كنار الخليل٦؛ فإنّ أبا مسلم [الخولاني] ٧، وغيره صارت النار عليهم برداً وسلاماً٨، لكن
стр. 784
لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها١، فهو مشاركٌ للخليل في جنس الآية؛ كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده. ومعلومٌ أنّ الذي امتاز به الخليل من هذا، لا يماثله فيه أبو مسلم، وأمثاله.
وكذلك الطيران في الهواء؛ فإنّ الجن لا تزال تحمل ناساً، وتطير بهم من مكان إلى مكان؛ كالعفريت الذي قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٢، لكن قول الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ٣: لا يقدر عليه العفريت.
ومسرى النبيّ ﷺ إلى بيت المقدس ليريه الله من آياته الكبرى٤: أمرٌ اختص به، بخلاف من يُحمل من مكان إلى مكان، لا ليريه الله من آياته الكبرى٥، أمرٌ اختصّ به، ولا يعرج إلى السماء.
فهؤلاء كثيرون، وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع٦.
стр. 785
نقد شيخ الإسلام للأشاعرة في النبوات
والمقصود هنا: أنّ هؤلاء حقيقة قولهم: أنّه ليس للنبوة آية تختص بها؛ كما أنّ حقيقة قولهم: أنّ الله لا يقدر أن يأتي بآية تختص بها، وإنه لو كان قادراً على ذلك، لم يلزم أن يفعله، بل ولم يفعله. فهذان أمران متعلقان بالرب؛ إذ هو عندهم لا يقدر أن يفعل شيئاً لشيء١.
والآية إنما تكون آية: إذا فعلها [ليدلّ] ٢. ولو قُدِّر أنه قادر، فهم يجوّزون عليه فعل كل شيء؛ فيمكن أنه لم يجعل على صدق النبي دليلاً.
وأمّا الذي ذكرناه عنهم هنا، فإنّه يقتضي أنّه لا دليل عندهم على نبوّة النبيّ، بل كلّ ما قُدّر دليلاً، فإنّه يمكن وقوعه مع عدم النبوة، فلا يكون دليلاً.
فهم هناك٣ حقيقة قولهم: إنّا لا نعلم على النبوّة دليلاً. وهنا حقيقة قولهم٤: أنّه لا دليل على النبوة.
стр. 786
ولهذا كان كلامهم في هذا الباب١ منتهاه التعطيل.
الغزالي عدل عن طريقة الأشاعرة في الاستدلال بالمعجزات
ولهذا عدل الغزالي وغيره عن طريقهم في الاستدلال بالمعجزات٢؛ لكون المعجزات على أصلهم٣ لا تدلّ على نبوة نبيّ. وليس عندهم في نفس الأمر معجزات، وإنما يقولون: المعجزات عِلمُ الصدق؛ لأنّها في نفس الأمر كذلك٤.
وهم صادقون في هذا، لكن على أصلهم ليست دليلاً على الصدق، ولا دليلَ على الصدق.
فآيات الأنبياء تدلّ على صدقهم دلالة معلومة بالضرورة تارةً، وبالنظر أخرى.
وهم قد يقولون: إنّه يحصل العلم الضروري بأنّ الله صدّقه بها؛ وهي الطريقة التي سلكها أبو المعالي، والرازي، وغيرهما٥؛ وهي طريقة صحيحة في نفسها، لكن [تناقض] ٦ بعض أصولهم.
стр. 787
فالقدح ليس في آيات الأنبياء، لكن في الأقوال الفاسدة التي تناقض ما هو معلوم بالضرورة عقلاً، وما هو أصل الإيمان شرعاً. ومن عرف تناقضهم في الاستدلال يعرف أن الآفة في فساد قولهم، لا في جهة صحة الدلالة؛ فقد يظهر بلسانه ما ليس في قلبه؛ كالمنافقين الذين يقولون: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١.
قول الإمام أحمد في علماء الكلام
ولقد صدق الإمام أحمد في قوله: علماء الكلام زنادقة٢.
وطريقة القرآن فيها الهدى، والنور، والشفاء؛ سماها آيات، وبراهين.
فآيات الأنبياء مستلزمة لصدقهم، وصدق من صدّقهم، وشهد لهم بالنبوة.
الأنبياء قد يتماثلون في الآيات
والآيات التي يبعث الله بها أنبياء، قد يكون مثلها لأنبياء أُخَر؛ مثل إحياء الموتى؛ فقد كان لغير واحد من الأنبياء٣.
وقد يكون إحياء الموتى على يد اتباع الأنبياء؛ كما قد وقع لطائفة من
стр. 788
هذه الأمة١، ومن اتباع عيسى٢؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنّما أحيى الله الموتى على أيدينا؛ [لاتّباع محمد، أو المسيح، فبإيماننا بهم، وتصديقنا لهم أحيى الله الموتى على أيدينا] ٣، فكان إحياء الموتى مستلزماً [لصدق] ٤ عيسى، و [محمّدٍ] ٥، لم يكن قطّ مع تكذيبهما، فصار آية لنبوّتهم، وهو أيضاً آية لنبوّة موسى، وغيره من أنبياء بني [إسرائيل] ٦ الذين أحيي الله الموتى على أيديهم.
стр. 789
وليس مدلول الآيات هو مجرّد دعواه أنّ الله أرسلني، وإخباره عن نفسه بذلك؛ لأن ذلك معلوم بالحسّ لمن سمعه، وبالتواتر لمن لم يسمعه، بل صدّقه في هذا الخبر؛ وهو ثبوت نبوته.
الآية مستلزمة لصدق النبي وثبوت نبوته
فالآية مستلزمة لصدقه، وثبوت نبوته. ومن أخبر غيره عن إرسال الله له، وأتى هذا المخبر بآية، كانت أيضاً آية على صدق هذا المخبر، وثبوت نبوّة النبيّ؛ فإنّ من أخبر عن نبوّة نبيّ من الأنبياء، وأتى بآيةٍ على صدقه في خبره، كانت تلك آية ودليلاً على نبوّة النبيّ، وأنّ إخبار المخبر بنبوته صدق. بل [كون] ١ غيره هو المخبر، الآتي بالعلامة أبلغ. ولهذا كانت من أعظم آيات النبي: إخبار غيره من الأنبياء بنبوّته.
فإن قال آخر: إنّه كذب، وأتى بمثل تلك الآية، بطلت الدلالة المعينة، ولا يلزم من بطلان دليل معين، بطلان سائر الأدلة؛ فإنّ الدليل يجب طرده، ولا يجب عكسه٢.
ولو جاء من قال: إنّ فلانا أرسلني، ومعه شخص، فصدّقه، وقال: إنّه أمرني أن أخبركم بأنّه رسوله بعلامة كيت وكيت، لكان ذلك أبلغ.
وكلّ من عَلِمَ صِدْقَ النبيّ، فقد صدقه أنّه [..................] ٣ أن يعلم الناس أنّ الله يشهد له بالنبوة، ويحكم بينه وبين منازعيه بتصديقه وتكذيبهم، وذلك بآياته وعلاماته يُبيّن بها أنّه مصدّق للرسول.
وقد يُصدقه بكلامه الذي قد بَيَّن أنّه كلامه؛ فكونه في نفسه آية وعلامة؛
стр. 790
إذ كان لا يُمكن الجن [والإنس] ١ أن ياتوا
بمثله، فهو من أعظم الآيات.
وبغير ذلك؛ فالآيات كلّها شهادة بالنبوة، وإخبارٌ بها، وتصديق للمخبر؛ فهي تستلزم ثبوت النبوّة في نفسها، وأنّ صاحب الآيات قد نبأه الله، وأوحى إليه؛ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وتستلزم أيضاً: صدق الإخبار بأنّه نبيّ؛ فهو إذا قال: إنّي نبيّ، كان صادقاً، وكذلك كل من أخبر بنبوته، فإنّه يكون صادقاً.
وثبوت الشيء، وصدق من أخبر به: متلازمان؛ فكلّ حقّ ثابت، إذا أخبر به مخبرٌ، فهو صادق، وكلّ خبرٍ صادق، فقد تحقق مخبره.
[فالخبر] ٢ الصادق هو ومخبره متلازمان؛ يلزم من صدق الخبر، تحقق مخبره.
ومن تحقق الشيء، صدّق المخبر به؛ بخلاف الكذّاب، فإنّه ومخبره ليسا متلازمين، بل الخبر الكذب يوجد مع انتفاء مخبره، والمخبر به يتحقق على صفة خلاف ما في الخبر الكاذب٣.
فلهذا كانت الآيات، والعلامات، والدلائل، ونحو هذا كما تدلّ على المدلول، وأنّه حقّ ثابت، فهي أيضاً تدلّ على صدق من أخبر به كائناً من كان.
فمن قال: إنّي ابن فلان، وقامت بيّنة بنسبه، فهي تثبت صدقه،
وصدق كلّ من قال: هو ابن فلان.
стр. 791
وكذلك البينة التي تشهد برؤية الهلال، وهي تشهد بصدق كلّ من أخبر بطلوعه.
وكذلك كلّ دليلٍ دلّ على مدلول، فهو دليل على صدق كلّ من أخبر بذلك المدلول عليه.
وكذلك إذا قال الصادق: إنّ الله أرسلني، فهذا خبرٌ منه عن إرسال الله؛ فالآية الدالة على صدقه، تدلّ على صدق كلّ من قال: إنّ الله أرسله.
فالآيات الدالة على صدق محمّد، إذا قال ما أمره الله به في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعَاً﴾ ١، هي دالة على صدق كلّ من قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله.
فجميع آياته، وآيات الأنبياء الذين أخبروا بنبوّته؛ كموسى، والمسيح [﵉] ، وأنبياء بني إسرائيل، وغيرهم: كلّها آيات، ومعجزات [تُبيِّن] ٢ صدق كل واحد من المؤمنين به، الذين يقول أحدهم: أشهد أن محمدا رسول الله؛ سواء قالها مجرّدة، أو قالها في صلاته، أو عقب طهارته، أو متى ما قالها.
ليست آيات النبوّة دالّة على أنّه وحده هو الصادق في قوله: إنّي
رسول الله إليكم جميعاً، بل الآيات تصدّقه، وتصدّق كلّ من شهد له بالرسالة.
وهكذا سائر الأدلة الدالّة على مدلول؛ فإنّها تدلّ على صدق من أخبر بذلك المدلول عليه من جميع الخلق.
стр. 792
وقد عرف أن الدليل لا بدّ أن [يكون] ١ مختصّاً بالمدلول عليه، مستلزماً له.
فآيات الأنبياء، وسائر أنواع الآيات والأدلة، لا تكون مع نقيض المدلول عليه؛ أي مع عدمه؛ فإنّها إذا كانت مع وجوده وعدمه، لم تكن دالَّةً [لا] ٢ على وجوده، ولا على عدمه، [ولم يكن الاستدلال به على وجوده، ولا على عدمه] ٣، ولم يكن الاستدلال به على وجوده أولى به من الاستدلال على عدمه؛ كالأمور المعتادة التي توجد مع الصادق والكاذب؛ كطلوع الشمس، وغروبها؛ فإنّ هذه لا تدلّ على صدق أحد، ولا كذبه.
وكذلك خوارق السحرة والكهان، هي معتادة، مع صدق أحدهم، ومع كذبه؛ فلا تدلّ على الصدق، [ولا على الكذب، والاستدلال بها على صدقه؛ كالاستدلال بها على كذبه، وهي على الكذب أدلّ] ٤؛ [إذ] ٥ كان كذبهم أكثر من صدقهم؛ كالذين يُخبرون بكلمة صدق، وعشرة كذب؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ [أَكْثَرُهُمْ] ٦ كَاذِبُونَ﴾ ٧، فكيف إذا كان مع الصدق مائة كذبة؛ كما قال النبي ﷺ لمّا سُئِل عن الكُهَّان؛ كما روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: سأل ناسٌ رسولَ الله ﷺ عن الكُهَّان،
стр. 793
فقال لهم رسول الله ﷺ : "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله فإنّهم يحدّثون أحياناً بشيء يكون حقّاً. فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحقّ يحفظها الجنيّ، فيقرها في أذن وليّه قرّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"١.
فيلزم من هذا: أنّ آيات الأنبياء لا يكون مثلها لمن يكذّبهم، وهو الذي يخبر بكذبهم.
والناس فيهم رجلان: إمّا مصدّق، وإمّا مكذّب. فالمكذّب لهم يمتنع أن يأتي بمثل آياتهم. ومتى كذب مكذب لمدعي النبوة، وأتى بمثل آيته سواء، دلّ على أنّ تلك ليست من آيات الأنبياء، ولا تدلّ على صدق النبيّ، لكن لا يلزم أن يدلّ على كذبه؛ فإنَّ الدليل المعيَّن إذا بطل، لا يستلزم انتفاء المدلول عليه؛ فقد تكون له آيات أخر تدل على نبوّته.
وصدق الصادق، وكذب الكاذب يُعرف بوجوهٍ كثيرةٍ جداً٢.
وكذلك النبوّة: لها آثار مستلزمة لها، بدون إخبار النبيّ بأنّه نبيّ.
وكذب المتنبي الذي يُزيّن له الشيطان أن يقول: إنّه نبيّ، له آثار [تستلزم] ٣ انتفاء النبوة، وأنّه كاذبٌ؛ إمّا عمداً، وإمّا أنّ الشيطان قد لبّس عليه.
стр. 794
فإنّ الخبر عند كثيرٍ من النّاس ينقسم إلى صدقٍ وكذبٍ؛ فالمطابق هو الصدق، والمخالف هو الكذب١.
أثبت بعضهم واسطة بين الصدق والكذب
وأثبت بعضهم واسطةً بين الصدق والكذب؛ وهو ما لم يتعمّده الإنسان ٢؛ قال ٣: فهذا ليس بصدق؛ [لأنّه] ٤ غير مطابق، وليس بكذب؛ لأنّ صاحبه لم يتعمّد الكذب، بل أخطأ. وليس كلّ من أخطأ يُقال: إنّه كاذب؛ كالناسي في الصلاة، إذا قال: صلّيتُ أربعاً، ولم يُصلّ إلاَّ ثلاثاً؛ كما قال النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أقُصِرَت الصلاة، أم نسيتَ؟ [فقال: "لم أنس، ولم تقتصر". فقال: بلى قد نسيت] ٥. فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم٦.
كل من تكلم بلا علم فهو كاذب
والذي يدل عليه القرآن: أنّ كل من تكلّم بلا علم، فأخطا، فهو كاذب؛ كالذين حرّموا، وحلّلوا، وأوجبوا، وإن كان الشيطان قد زيَّن لهم ذلك، وأوهمهم أنّه حقّ، ولهذا [قال] ٧: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ
стр. 795
الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ١، وهي تنزل على من يُظَنّ أنّه يصدّقها؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانَاً فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطانُ لَما قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَق وَوَعَدْتُكُم فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ ٣.
كل من أخبر بخبر غير مطابق فهو كاذب
وكذلك الذي يدلّ عليه الشرع: أنّ كلّ من أخبر بخبر ليس له أن يُخبر به، وهو غير مطابق، فإنّه يُسمّى كاذباً، وإن كان لم يتعمّد الكذب٤؛ كقول النبيّ ﷺ لما قيل له: إنّ أبا السنابل٥ قال: ما أنت بناكحة، حتى [تمرّ] ٦ عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ. فقال: "كذب أبو السنابل"٧.
стр. 796
ولما قيل له: إنّ عامر بن الأكوع حبِط عمله؛ لأنّه قتل نفسه، فقال: ((كذب من قالها، إنّ له لأجرين، إنّه جاهد مجاهد"١.
ولما قال [سعد] ٢ بن عبادة في يوم الفتح: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. وحكاه أبو سفيان لرسول الله ﷺ قال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة"٣.
стр. 797
وكذلك قال عبادة بن الصامت، لما قيل له: إنّ أبا محمد١ يقول: الوتر واجب. فقال: كذب أبو محمد٢.
وكذلك ابن عباس لما قيل له: إن نوفاً٣ يقول: إنّ موسى [﵇] نبيّ إسرائيل، ليس هو موسى الخضر. فقال: كذب نوف٤.
стр. 798
وأيضاً: من أخبر الناس خبراً، طلب أن يصدّقوه فيه، وقد نُهوا عن تصديقه إلا ببينة، فإنّه أيضاً كاذب؛ كما قال تعالى في القرآن: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بَأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [فَإِذْ] ١ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهدَاءِ فَأوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُون﴾ ٢.
وقال في القاذفين: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذين تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
وكذلك: إنَّ القاذف، وإن كان قد رأى الفاحشة بعينه، لكنه إذا أخبر بها الناس، فهو يطلب منهم أن يصدّقوه بمجرد خبره، وليس لهم ذلك، بل ليس لهم أن يصدّقوه حتى يأتي بأربعة شهداء، وهو لا يخبر الناس ليكذّبوه، بل يخبرهم ليعتقدوا ثبوت ما أخبرهم به، ويعتقدوا أن المقذوف قد فعل الفاحشة، وهم ليس لهم أن يقولوا ذلك إلا بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء، فهو عند الله كاذبٌ؛ لأنّه أخبر الناس بأنّ هذا فعل الفاحشة، وقال خبراً طلب به تصديقهم، وإن يظهر أنّ هذا فعلها.
فحقيقة خبره أنّ هذا فعل فاحشةً ظاهرةً يرتب عليها هذا. بل إن كان فعل شيئاً، فقد فعله سراً، لم يُعلم به الناس.
الذنب إذا كتم لم يضر إلا صاحبه
وقد علم أن الذنب إذا كُتِمَ لم يضرّ إلا صاحبه، ولكن إذا أُعلن، فلم يُنكر، ضرّ الناس٤. وهذا لم يُعلنه.
стр. 799
وأكثر المسلمين إذا فعل أحدهم فاحشةً باطنةً، تاب منها ومن إعلانها. [يتشبه] ١ النّاس بعضهم ببعض في ذلك.
فلهذا نهى الله عن فعلها، وعن التكلّم بها؛ صدقاً، وغير صدق؛ فإنّها إذا فُعِلَتْ، وكُتِمَتْ، خَفَّ أَمْرُهَا، وإذا أُظْهِرَتْ، كان فيها مفاسد كثيرة؛ قال النبي ﷺ : "من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء، فليستتر بستر الله؛ فإنَّ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عليه كتاب الله" ٢، وقال: "كلّ أمتي معافى، إلا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله، فيُصبح يقول: يا فلان فعلتُ البارحة كذا، وكذا"٣.
فقد نهى الله تعالى صاحبها أن يظهرها ويعلنها، فكيف القاذف؟.
بخلاف ما إذا أقرّ بها عند ولي أمر، ليقيم عليه الحد، أو يشهد بها نصاب تامّ لإقامة الحدّ٤، فذاك فيه منفعة وصلاح.
وقد يُخبر بها بعض الناس سراً؛ لمن يعلمه كيف يتوب؟ ويستفتيه، ويستشيره فيما يفعل؟ فعلى ذلك المفتي والمشير أن يكتم عليه ذلك، ولا
يشيع الفاحشة. وبسط هذا له موضع آخر٥.
стр. 800
الناس فيمن قال إني رسول قسمان: إما مصدق وإما غير مصدق
والمقصود هنا: أنّ الناس [في من] ١ قال: [إني] ٢ رسول: قسمان: إمّا مصدّق، وإمّا غير مصدّق.
فمن ليس بمصدق: لا يمكنه أن يأتي بمثل آيات الأنبياء؛ سواء قال: إنّه كاذب، أو توقّف في التصديق والتكذيب.
وكذلك المؤمنون؛ أتباع الأنبياء: إذا أتوا بآية، كانت دليلاً على نبوّة النبيّ الذي اتبعوه، فلا يمكن من لا يصدّق النبي أن يعارضهم. ومتى عارضهم، لم يكن من آيات الأنبياء.
ولهذا كان أبو مسلم، لمّا قال له الأسود العنسي: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمّداً رسول؟ قال: نعم. فألقاه في النار، فصارت عليه برداً وسلاماً٣.
فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم: إنّ محمّداً رسولٌ، ولثبوت نبوته. فهي من جملة آيات الأنبياء.
وآياتهم٤، وما خصهم الله به، لا يكون لغير الأنبياء٥.
وإذا قال القائل: معجزات الأنبياء، وآياتهم، وما خصّهم الله به: فهذا كلامٌ مجملٌ؛ فإنّه لا ريب أنّ الله خصّ الأنبياء بخصائص، لا توجد لغيرهم.
стр. 801
بعض الآيات التي يختص بها كل نبي عن غيره من الأنبياء
ولا ريب أنّ من آياتهم، ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء.
بل النبيّ الواحد له آيات، لم يأت بها غيره من الأنبياء؛ كالعصا، واليد لموسى [﵇] ، وفرق البحر؛ فإنّ هذا لم يكن لغير موسى١؛ وكانشقاق القمر، والقرآن، وتفجير الماء من بين الأصابع، وغير ذلك٢ من الآيات التي لم تكن لغير محمّد [﵊] من الأنبياء؛ وكالناقة التي لصالح [﵇] ؛ فإنّ تلك الآية لم تكن مثلها لغيره؛ وهو خروج ناقة من الأرض٣.
بعض الآيات التي اشترك فيها كثير من الأنبياء
بخلاف إحياء الموتى: فإنّه اشترك فيه [كثيرٌ] ٤ من الأنبياء، بل ومن الصالحين٥.
стр. 802
وملك سليمان [﵇] ، لم يكن لغيره؛ كما قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ١؛ فطاعة الجن والطير، وتسخير الريح تحمله من مكان إلى مكان؛ له، ولمن معه. [لم] ٢ يكن مثل هذه الآية لغير سليمان.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنّه قال: " ما من نبيّ من الأنبياء، إلا وقد أُوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"٣.
وهو من حين أتى بالقرآن، وهو بمكة يقرأ على الناس: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ ٤.
стр. 803
فقد ظهر أنّ من آيات الأنبياء ما يختصّ به النبيّ، ومنها [ما] ١ يأتي به عددٌ من الأنبياء، ومنها ما يشترك فيه الأنبياء كلّهم ويختصّون به؛ وهو الإخبار عن الله بغيبه الذي لا يعلمه إلا الله؛ قال: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدَاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِم وَأَحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَدَاً﴾ ٢.
لكن ما يظهر على المؤمنين بهم من الآيات؛ بسبب الإيمان بهم: فيه قولان:
كرامات الأولياء: هل هي من آيات الأنبياء أم لا فيه قولان:
قال طائفة٣: ليس ذلك من آياتهم. وهذا قول من يقول: من شرط المعجزة أن [يقارن] ٤ دعوى النبوة، لا يتقدّم عليها، ولا يتأخّر عنها؛ كما قاله هؤلاء٥ الذين يجعلون خاصّة المعجزة: التحدّي بالمثل، وعدم المعارضة، ولا يكون إلا مع الدعوى، كما تقدم. وهو قولٌ قد عرف فساده من وجوه.
والقول الثاني: وهو القول الصحيح: أنّ آيات الأولياء هي من جملة آيات الأنبياء٦؛ فإنّها مستلزمة لنبوّتهم، ولصدق الخبر بنبوّتهم؛ فإنه لولا
стр. 804
ذلك، لما كان هؤلاء أولياء، ولم [يكن] ١ لهم كرامات.
لكن يحتاج أن يفرق بين كرامات الأولياء، وبين خوارق السحرة والكهّان، وما يكون للكفّار، والفسّاق، وأهل الضلال والغي بإعانة الشياطين لهم؛ كما يُفرّق بين ذلك، وبين آيات الأنبياء.
والفروق بين ذلك كثيرة، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع٢.
стр. 805
فصل
فقد تبيّن أن من آيات الأنبياء ما يظهر مثله على أتباعهم، ويكون ما يظهر على أتباعهم: من آياتهم؛ فإنّ ذلك مختصّ بمن يشهد بنبوتهم؛ فهو مستلزم له: لا [تكون] ١ تلك الآيات إلاّ لمن أخبر بنبوتهم، [وإذا لم يخبر بنبوتهم] ٢، لم تكن له تلك الآيات.
وهذا حد الدليل؛ وهو: أن يكون مستلزماً للمدلول عليه؛ فإذا وُجد الدليل، وجد المدلول عليه، وإذا عُدم المدلول عليه، عُدِم الدليل.
ولهذا من السلف من يأتي بالآيات دلالة على صحة الإسلام، وصدق الرسول٣؛ كما ذُكِر أنّ خالد بن الوليد شرب السم لما طُلب منه آية، ولم يضرّه٤.
стр. 806
فصل خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة
...
فصل
في معنى خرق العادة، وأن الإعتبار أن تكون خارقة لعادة غير الأنبياء مطلقا؛ بحيث [تختص] ١ بالأنبياء، فلا [توجد] ٢ إلا مع الإخبار بنبوتهم.
خوارق الكهان والسحرة ليست من خوارق العادات وإنما من العجائب الغريبة
وأما إخبار الكهان ببعض الأمور الغائبة؛ لإخبار الشياطين لهم بذلك، وسحر السحرة؛ بحيث يموت الإنسان من السحر، أو [يمرض] ٣، [ويُمنع] ٤ من النكاح، ونحو ذلك مما هو بإعانة الشياطين: فهذا أمرٌ موجودٌ في العالم، كثيرٌ، معتادٌ، يعرفه الناس، ليس هذا من خرق العادة، بل هو من العجائب الغريبة التي يختص بها بعض الناس؛ كما يختصّ قوم بخفة اليد، [والشعبذة] ٥؛ وقومٌ بالسباحة الغريبة، حتى يضطجع أحدهم على الماء٦؛ وكما يختص قومٌ بالقيافة٧، حتى يُباينوا بها غيرهم؛ وكما
стр. 807
يختص قومٌ بالعيافة١، ونحو ذلك مما هو موجود.
مكذبوا الرسل يجعلون آيات الرسل من جنس السحر
ولهذا كان [مكذّبوا] ٢ الرسل يجعلون آياتهم من جنس السحر، وهذا مستقرٌ في نفوسهم: أنّ الساحر ليس برسولٍ، ولا نبيّ؛ كما في قصة موسى لما قالوا: ﴿إِنَّ [هَذَا] ٣ لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُون﴾ ٤، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون﴾ ٥؛ وهذا لحيرتهم، وضلالتهم؛ تارةً يُنسبون إلى الجنون، وعدم العقل؛ وتارة إلى الحذق، والخبرة التي [يُنال] ٦ بها السحر؛ فإنّ السحر لا يقدر عليه، ولا يُحسنه كلّ أحد، لكن العجائب، والخوارق المقدورة للناس٧؛ منها ما سببه من الناس بحذقهم في ذلك الفنّ؛ كما يحذق الرجل
стр. 808
في صناعة من الصناعات؛ وكما يحذق الشاعر، والخطيب [في] ١ شعره، وخطابته، وعلمه؛ وكما يحذق بعض الناس في رمي النشاب٢، وعمل الرمح، وركوب الخيل.
فهذه كلّها قد يأتي الشخص منها بما لا يقدر عليه أهل البلد، بل أهل الإقليم، لكنها مع ذلك مقدورة، مكتسبة، معتادة بدون النبوة، قد فعل مثلها ناس آخرون قبلهم، أو في مكان أخر؛ فليست هي خارقة لعادة غير الأنبياء مطلقاً، بل [توجد] ٣ معتادة لطائفة من الناس، وهم لا يقولون إنّهم أنبياء، ولا يخبر أحد عنهم بأنهم أنبياء.
سبب الغلط في آيات الأنبياء
ومن هنا دخل الغلط على كثير من الناس؛ فإنّهم لما رأوا آيات الأنبياء خارقة للعادة، لم يعتد الناس مثلها، أخذوا مسمّى خرق العادة٤، ولم يميّزوا بين ما يختص به الأنبياء، ومن أخبر بنبوتهم، وبين ما يوجد معتاداً لغيرهم.
لم يسم الله آيات الأنبياء معجزات وإنما آيات وبراهين
واضطربوا في مسمّى هذا الاسم؛ كما اضطربوا في مسمّى المعجزات، ولهذا لم يُسمّها الله في كتابه، إلا آيات، وبراهين؛ فإنّ ذلك اسمٌ يدلّ على مقصودها، ويختصّ بها، لا يقع على غيرها؛ لم يُسمّها معجزة، ولا خرق عادة، وإن كان ذلك من بعض صفاتها؛ فهي لا تكون آيةً وبرهاناً حتى تكون قد خرقت العادة، وعجز الناس عن الإتيان بمثلها. لكن هذا بعض صفاتها، وشرط فيها، وهو من لوازمها.
стр. 809
لكن شرط الشيء، ولازمه قد يكون أعمّ منه١.
وهؤلاء جعلوا مسمّى المعجزة وخرق العادة، هو: الحدّ المطابق لها طرداً وعكساً٢.كما أن بعض النّاس يجعل اسمها أنّها عجائب.
وآيات الأنبياء إذا وصفت بذلك، فينبغي أن يُقيّد بما يختصّ بها؛ فيقال: العجائب التي أتت بها الأنبياء، وخوارق العادات، والمعجزات التي ظهرت على أيديهم، أو التي لا يقدر عليها البشر، أو لا يقدر عليها أحد بحيلة واكتساب؛ كما يقدرون على السحر والكهانة، فبذلك تتميّز آياتهم عما ليس من آياتهم.
وإلاّ فلفظ العجائب قد يدخل فيه بعض الناس الشعبذة٣ ونحوها.
стр. 810
معنى التعجب
والتعجب في اللغة يكون من أمرٍ خرج عن نظائره١. وما خرج عن نظائره فقد خرق تلك العادة المعيّنة في نظائره، فهو أيضاً خارق للعادة.
آيات الأنبياء لا نظير لها لغيرهم
وهذا شرطٌ في آيات الأنبياء؛ أن لا يكون لها نظير لغير الأنبياء، ومَنْ يُصدقهم. فاذا وجد نظيرها من كل وجه لغير الأنبياء، ومن شهد لهم بالنبوة، لم تكن تلك من آياتهم، بل كانت مشتركة بين من يخبر بنبوتهم، ومن لا يخبر بنبوتهم، كما يشترك هؤلاء وهؤلاء في الطبّ والصناعات.
السحر والكهانة من إعانة الشياطين لبني آدم
وأمّا السحر والكهانة: فهو من إعانة الشياطين لبني آدم، فإنّ الكاهن [تُخْبِره] ٢ الجن، وكذلك الساحر إنما يُقتل، ويُمرِض، ويَصْعَدُ في الهواء، ونحو ذلك، بإعانة الشياطين له؛ فأمورهم خارجة عما اعتاده الإنس بإعانة الشياطين لهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ [يَحْشُرُهُمْ] ٣ جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَال أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا [الَّذِي] ٤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النارُ مَثْوَاكُمْ خالِدِينَ [فِيهَا] ٥ إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ ٦؛ فالجن والإنس قد استمتع بعضهم ببعض, فاستخدم هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء في أمور كثيرة، كُلّ منهم فعل للآخر ما هو غرضه، ليعينه على