← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقال الزجاج١: هو الاجتهاد، معناه: أي دأب هؤلاء، وهو اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي، كتظاهر آل فرعون على موسى٢. وقال عطاء٣، والكسائي٤، وأبو عبيدة٥: كسنّة آل فرعون٦.

стр. 947

وقال النضر بن شميل١: "كعادة آل فرعون٢؛ يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسل وجحود الحق كعادة آل فرعون". وقال طائفة٣: "نظم الآية: إنّ الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم". وفي تفسير أبي روق٤: عن الضحاك٥، عن ابن عباس: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : قال: كصنيع آل فرعون٦.

стр. 948

قال ابن أبي [حاتم] ١: وروي عن مجاهد، والضحاك، وأبي مالك، وعكرمة، نحو ذلك٢. قال: وروي عن الربيع بن أنس٣ كشبه آل فرعون٤. وعن السدي قال: ذكر الذين كفروا كمثل الذين من قبلهم في [التكذيب] ٥ والجحود٦. قلت: فهؤلاء جعلوا الشبيه في العمل؛ فإن لفظ الدأب يدلّ عليه: قال الجوهري٧: دأب فلان في عمله، أي: جدَّ، وتعب دَأْبَاً ودُؤوباً، فهو دَئِبٌ. وأدأبتُه أنا. والدائبان: الليل والنهار. قال: والدَّأْبُ يعني بالتسكين: العادة والشأن، وقد يُحَرَّكُ٨.

стр. 949

قال الفراء١: أصله من دأبت، إلا أن العرب حوّلت معناه إلى الشأن٢. قلت: الزَّجَّاج جعل ما في القرآن من الدأب، الذي هو الاجتهاد٣. والصواب: ما قاله الجمهور؛ أنَّ الدأب - بالتسكين -: هو العادة، وهو غير الدأب بالتحريك؛ إذا زاد اللفظ زاد المعنى، والذي في القرآن مُسَكَّنٌ، ما علمنا أحداً قرأه بالتحريك، وهذا معروف في اللغة؛ يقال: فلانٌ دَأْبُهُ كذا وكذا: أي هذا عادته وعمله اللازم له، وإن لم يكن في ذلك تعبٌ واجتهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ ٤، والدائب نظير الدائم، والباء والميم متقاربتان؛ ومنه: اللازب واللازم. قال ابن عطية٥: "دائبين، أي: متماديين، ومنه قول النبي ﷺ لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: "إنَّ هذا الجمل شكى إلي أنك تُجيعه وتُدئبُه٦"٧؛ أي

стр. 950

تديمه في العمل [له] ١ والخدمة٢". قال٣: "وظاهر الآية أن معناه دائبين في الطلوع والغروب، وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثيرة٤"٥. قال٦: "وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال: معناه دائبين في طاعة الله" ٧. قال٨: "وهذا قول إن كان يراد به أن الطاعة: [انقيادهما للتسخير] ٩، فذلك موجود في [طاعة] ١٠ قوله: [و] ١١ ﴿سخَّر﴾ . وإن كان يراد أنها طاعة [مقدورة] ١٢، كطاعة العبادة من البشر، فهذا [بعيد] ١٣" ١٤.

стр. 951

قلت١: ليس هذا ببعيد، بل عليه دلت الأدلة الكثيرة، كما هو مذكور في مواضع٢. وقالت طائفة، منهم البغوي: وهذا لفظه دائبين يجريان فيما يعود إلى مصالح [عباد] ٣ الله لا يفتران. قال ابن عباس: دؤوبهما في طاعة الله٤. ولفظ أبي الفرج: "دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران. قال: ومعنى الدؤوب: مرور [الشيء على] ٥ عادة جارية فيه"٦. قلت: وإذا كان دأبهم هو عادتهم وعملهم الذي كانوا مصرين عليه، فالمقصود أن هؤلاء أشبهوهم في العمل، فيشبهونهم في الجزاء، فيحيق بهم ما حاق بأولئك. هذا هو المقصود ليس المقصود التشبيه في [الجزاء كقوله] ٧: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئَاً

стр. 952

وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار [كَدَأْبِ] ١ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَاب﴾ ٢؛ أي فهؤلاء لا [تدفع] ٣ عنهم أموالهم وأولادهم عذاب الله إذ جاءهم، كدأب آل فرعون. وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيق ذَلكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبِيد﴾ ٤، [إلى قوله:] ٥ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٦. فهذا كله يقتضي التشبيه في العذاب. وأما الطائفة الأخرى: فجعلوا الدأب نفس فعل الرب بهم، وعقوبته لهم: قال مكي بن أبي طالب٧: "الكاف [في] ٨ (كدأب) في [مواضع] ٩

стр. 953

نصب نعت لمحذوف تقديره: [غيّرناهم] ١ [كما] ٢ غيّروا تغييراً، مثل عادتنا في آل فرعون. ومثلها الآية الأولى، إِلاَّ أنّ الأولى للعادة في العذاب، تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلاً مثل عادتنا في آل فرعون"٣. وقد جمع بعضهم بين المعنيين، فقال أبو الفرج: " ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : أي كعادتهم، والمعنى: [كذّب هؤلاء كما] ٤ كذَّب أولئك، فنزل بهم العذاب، كما نزل بأولئك" ٥. قلت: الدأب: العادة، وهو مصدر يُضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، فإذا أضيف إلى الفاعل، كان المعنى: كفعل آل فرعون، وإذا أضيف إلى المفعول، كان المعنى: كعادتهم في العذاب والمصائب التي نزلت بهم؛ يقال: [هذه] ٦ عادة هؤلاء لما فعلوه، ولما يصيبهم، وهي عادة الرب وسنته فيهم. والتحقيق: أنّ اللفظ يتناول الأمرين [جميعاً] ٧. وقد تقدم عن الفراء والجوهري: أنَّ الدأب: العادة والشأن٨، وهذا كقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِين﴾ ٩:

стр. 954

روى ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن مجاهد: " ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ : [من] ١ الكفار، والمؤمنين [في] ٢ الخير والشر"٣. وعن أبي إسحاق٤: "أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك [بي] ٥ عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، [فَرُؤُوا٦ مثلات] ٧ قد مضت [مني] ٨ فيهم" ٩؛ فقد فسّرت السنن: بأعمالهم وبجزائهم. قال البغوي: "معنى الآية: قد مضت، وسلفت مني [سنن] ١٠ فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بإمهالي [واستدراجي] ١١ إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم وإدالة أنبيائي [عليهم] ١٢، ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ : أي

стр. 955

[آخر] ١ المكذبين [منهم] ٢. قال: وهذا في [حزب واحد] ٣، يقول [ ] ٤: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي [أجلت من] ٥ نصرة النبي [ ﷺ ] ٦ وأوليائه، وهلاك أعدائه) ٧. قلت: ونظير هذا: قوله تعالى: ﴿ [أَفَلَمْ] ٨ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكون لَهُمْ قُلُوبٌ [يَعْقِلُونَ] ٩ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُور﴾ ١٠، وقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ [كَانُوا] ١١ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١٢، وقوله في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارَاً في الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا

стр. 956

رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُون﴾ ١. فهذا كلّه يُبيِّن أن سنة الله وعادته مطردة، لا تنتقض في إكرام مصدقي الرسل، وإهانة مكذّبيهم٢.

стр. 957

فصل آيات الأنبياء يلزم من وجودها وجود الأنبياء آيات الأنبياء كما قد عُرف١ هي مستلزمة لثبوت النبوة، وصدق المخبر بها، والشاهد بها؛ فيلزم من وجودها وجود النبوة، وصدق المخبر بها، ويمتنع أن تكون مع التكذيب بها، وكذب المخبر بها؛ فلا يجوز وجودها لمن كذّب الأنبياء، ولا لمن أقرّ بنبوة كذّاب؛ سواء كان هو نفسه المدعي للنبوة، أو ادعى نبوّة غيره. وهذان الصنفان هما المذكوران في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله﴾ ٢. وهؤلاء كلهم من أظلم الكاذبين، كما قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَم مِمَّن كَذبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيسَ في جَهَنَّمَ مَثوَى للكَافِرِين﴾ ٣، ثم قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلئِكَ هُمُ المُتَّقُون﴾ ٤. فالمخبر بالنبوّة مع ثبوتها هو الذي جاء بالصدق وصدّق به، والمخبر بها مع انتفائها هو الذي كذب على الله، والمكذّب بها مع ثبوتها هو الذي كذّب بالحق لما جاءه.

стр. 958

الدليل مستلزم للمدلول فدلائل النبوة هي مستلزمة لصدق من أثبت نبوة هي نبوّة حق، يمتنع أن تكون لمن نفى هذه، أو أثبت نبوّة ليست بنبوة. وكذلك كل دليل على إثبات الصانع، دلّ على صدق المؤمنين به، المخبرين بما دل عليه الدليل، وعلى كذب من نفى ذلك. ويمتنع أن تكون تلك الأدلة دالّة على نفي ذلك، أو على صدق الخبر بنفي ذلك، أو على صدق من جعل صفات الرب ثابتة لغيره. وما دلّ على أن هذه الدار ملك لزيد، يدلّ على صدق المخبر بذلك، وكذب النافي له، ويمتنع أن يدل مع انتفاء الملك. وما دلّ على علم شخص وعدله، فإنه مستلزم لذلك، ولصدق المخبر به. وكذلك النافي له يمتنع أن يدلّ على صدق النافي، أو يدل مع انتفاء العلم والعدل؛ فإنّ ما استلزم ثبوت شيء وصدقه، استلزم كذب نقيضه، وكان عدم اللازم مستلزماً لعدم الملزوم؛ فما كان مستلزماً لثبوت النبوة، وصدق المخبر بها، كان مستلزماً لكذب من نفاها. فامتنع أن يكون موجودا مع من نفاها، وامتنع أن يكون موجوداً مع انتفائها؛ فإنّ ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين. فدليل كل مدلول عليه يمتنع ثبوته مع عدم المدلول عليه؛ فإنه مستلزم لثبوته. فلو وجد مع عدمه، للزم الجمع بين النقيضين. التلازم بين نبوة العين وجنس النبوة فما كان دليلاً على نبوة شخص، فهو دليل على جنس النبوة؛ فإن نبوة الشخص لا [تثبت] ١ إلا مع ثبوت جنس النبوة؛ فيمتنع وجود ذلك الدليل مع عدم النبوة.

стр. 959

وثبوت أحد النقيضين مستلزم لنفي الآخر؛ فثبوت صدق المخبر بثبوتها، مستلزم لكذب المخبر بانتفائها. دليل عقلي فهذا أمر عقلي مقطوع به، معلوم بالبديهة بعد تصوره في جميع الأدلة؛ أدلة النبوة وغيرها١، فلا يجوز أن يكون ما دلّ على النبوة، وعلى صدق

стр. 960

المخبر بها، وكذب المكذب بها، دليلاً للمكذب بها، ولا دليلاً مع انتفائها؛ كالمتنبي الذي يدعي النبوة ولا نبوة معه، فلا يتصور أن يكون معه ولا مع المصدق بنبوته شيء من دلائل النبوة. وأما كون دليل من دلائل النبوة مع المصدق بها كائناً من كان، فهذا حقّ، بل هذا هو الواجب. فمن صدّق بها بلا دليل، كان متكلماً بلا علم. فكلّ من صدّق بالنبوة بعلمٍ فمعه دليل من أدلتها. العلم الضروري والنظري وأخبار أهل التواتر بما جاءت به الأنبياء من الآيات: هو من أدلة ثبوتها؛ فكل من آمن بالرسول عن بصيرة، فلا بُدّ أن يكون في قلبه علمٌ بأنّه نبيّ حقّ؛ إمّا علمٌ ضروري١، أو علم نظريّ٢ بدليل من الأدلة.

стр. 961

والعلوم النظرية مع أدلّتها تبقى ضروريّة١، وقد تكون في نفس الأمر علوم ضرورية، ولا يمكنه التعبير عما يدلّ عليها؛ كالذي يجده الإنسان في نفسه ويعلمه من العلوم البديهية والضرورية وغير ذلك؛ فإنّ كثيراً من الناس لا يمكنهم بيان الأدلة لغيرهم على وجود ذلك عندهم. وإذا عُرف هذا، فقولنا: دلائل النبوة مختصة بالأنبياء لا تكون لغيرهم: له معنيان: أحدهما: أنّه لا يشاركهم فيها من يكذّب بنبوتهم، ولا من يدّعي نبوّة كاذبة. وهذا ظاهرٌ بَيِّنٌ؛ فإنّ الدليل على الشيء لا يكون دليلاً على وجوده وعلى عدمه، فلا يكون ما يدلّ على النبوة أو غيرها، وعلى صدق المخبر بذلك دليلاً على كذب المخبر بذلك، ولا دليلاً على النبوة مع انتفاء النبوة. والمعنى الثاني: أنها لا توجد إلا مع النبيّ.

стр. 962

فهذا إن أريد به أنها لا توجد إلا والنبوة ثابتة، فهو صحيح، وإن كانت مع ذلك دليلاً على نبيّ، فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد دليلاً على أمور كثيرة، لكن يمتنع أن يوجد مع انتفاء مدلوله. فما دلّ على النبوة قد يدلّ على أمور أخرى من أمور الرب ﵎، لكن لا يمكن أن يدل مع انتفاء النبوة؛ أي مع كون النبوة المدلول عليها باطلة لا حقيقة لها، ولكن قد يدلّ مع موت النبي ومع غيبته؛ فإن موته وغيبته لا ينفي نبوته. وليس من شرط دليل النبي أن يكون [موجوداً] ١ في محل المدلول عليه، ولا في مكانه ولا زمانه. وقول من اشترط في آيات الأنبياء أن تكون مقترنة بالدعوى: في غاية الفساد والتناقض، كما قد بُسط٢، لا سيما والآيات قد تكون مخلوقة [نائية] ٣ عن النبي، وعن مكانه، وكذلك سائر الأدلة، لا سيّما ما يجري مجرى الخبر. فالأخبار الدالة على وجود المخبر به لا يجب أن تكون مقارنة للمخبر به؛ لا في محله، ولا زمانه، ولا مكانه. آيات الأنبياء شهادة من الله بنبوتهم وآيات الأنبياء: هي شهادة من الله، وإخبار منه بنبوتهم، فلا [يجب] ٤ أن تكون في محلّ النبوة، ولا زمانها ولا مكانها، لكن يجوز ذلك؛ فلا يمتنع أن يكون الدليل في محل المدلول عليه، [ولا] ٥ في زمانه، [ولا] ٦ في

стр. 963

مكانه، لكن [يجوز] ١ ذلك فيه؛ فالإنسان قد تقوم به أمور تدل على بعض الأمور التي فيه، وقد [تُعلم] ٢ أموره بخبر غيره، وببعض آثاره المنفصلة عنه. فإذا أريد بأن آيات الأنبياء مختصة بهم، وأنها لا تكون لغيرهم: أنّها لا تكون مع انتفاء النبوة المدلول عليها: فهذا صحيح؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين. وأما إذا أريد أنها لا توجد إلا في ذات النبي، أو مقترنة بخبره عن نبوته، أو في المكان الذي كان فيه، أو في الزمان: فهذا كله غلطٌ وخطأ ممّن ظنّه، وجهلٌ بَيِّنٌ بحقائق الأدلة، إن كان من الأدلة وآيات النبوة ما [يكون] ٣ في ذات النبي، ويكون مقترناً بقوله: إني رسول الله، ويكون في المكان الذي هو فيه، وفي زمانه، فهذا يمكن، وهو الواقع؛ فإن النبي ﷺ ، بل وغيره من الأنبياء كان في نفس أقوالهم وأفعالهم وصفاتهم وأخلاقهم [وسيرهم] ٤ أمور كثيرة تدل على نبوتهم٥.

стр. 964

وكذلك لما قال: إنِّي رسول الله، [أتى] ١ مع ذلك بآيات دلّت على صدقه. وكذلك في مكانه وزمانه، ظهر من انشقاق القمر وغيره ما دلّ على نبوته. لكنّ آيات الأنبياء أعمّ من ذلك، كما أن دليل كلّ شيء أعمّ من أن يختص بمعنى المدلول وزمانه ومكانه. وبهذا يظهر خطأ كثير من الناس في عدم معرفتهم بجنس آيات الأنبياء، لعدم تحقيقهم جنس الأدلة والبراهين٢. وإنّ خاصة الدليل: أنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول عليه فقط، سواء كان مقارناً للمدلول عليه، أو كان حالاً في محله، أو مجاوزاً لمحله، أو لم يكن كذلك. هل النبوة صفة ثبوتية أم لا؟ والنبوّة قد قال طائفة من الناس: إنّها صفة في النبي٣.

стр. 965

وقال طائفة: ليست صفة ثبوتية في النبي، بل [هي] ١ مجرد تعلق الخطاب الإلهي به٢؛ يقول الرب: إني أرسلتك، فهي عندهم صفة إضافية كما يقولونه في الأحكام الشرعية إنها صفات إضافية للأفعال لا صفات حقيقية٣.

стр. 966

قول أهل السنة في النبوة والصحيح: أن النبوة تجمع هذا وهذا١؛ فهي تتضمن صفة ثبوتية في

стр. 967

النبي١، وصفة إضافية هي مجرد تعلق الخطاب الإلهي، به٢. لكن على الأقوال الثلاثة: ليس من شرط أدلتها أن تكون حالة في ذات النبي، ولكن يجوز أن تكون لها أدلة قائمة بذات النبي، كما كان في محمد ﷺ عدة أدلة من دلائل النبوة، كما هو مبسوط في دلائل نبوته٣؛ إذ المقصود هنا الكلام على جنس آيات الأنبياء، لا على شيء معين، [و] ٤ لا دليل معين، ولا نبيّ معيّن. فإذا عرف أن دلائل النبوة يمتنع ثبوتها لشخص لا نبوة فيه إذا ادّعاها، أو ادعيت له كذباً، ويمتنع ثبوتها مع المكذب بالنبوة الصادقة، وأنها لا توجد إلا والنبوة ثابتة، وأنها دليل على صدق المخبر بالنبوة من جميع الخلق.

стр. 968

فكلّ من آمن [بأنّ] ١ محمداً رسول الله، فقد أخبر عن نبوته؛ كما أخبر هو عن نبوّة نفسه بما أمره الله به؛ حيث قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُمْ جَمِيعَاً﴾ ٢. فهذا الخبر؛ وهو الشهادة بأنه رسول الله إلى الناس جميعاً، سواء وجد منه، أو من غيره، هو مدلول عليه لجميع دلائل النبوة. فإذا وُجد هذا الخبر في غير النبيّ، ووجد ما يدلّ على صدق هذا الخبر، كان ذلك من دلائل النبوة، كما وجد هذا في خلق كثير من المؤمنين. ومن دلائل النبوة: وجود العلم الضروري بخبر أهل التواتر، الذين أخبروا بالآيات. فهذا العلم الضروري هو بمنزلة المشاهدة [للآيات] ٣. وكذلك ما يوجد لأهل الإيمان مما يستلزم صدق خبرهم بأنّ محمّداً رسول، كما يوجد لأمته من الآيات الكثيرة عند تحقيق [أمره] ٤ ونصره وطاعته، والجهاد عن دينه، والذبّ عنه، وبيان ما أرسل به، كما وجد أمثال ذلك للصحابة، والتابعين، وسائر المؤمنين إلى يوم القيامة٥.

стр. 969

فصل خوارق السحرة والكهان مناقضة للنبوة ولا تخرج عن مقدور الجن والإنس فجميع ما يختص بالسحرة والكهان هو مناقض للنبوة١، فوجود ذلك يدلّ على أنّ صاحبه ليس بنبيّ. ويمتنع أن [يكون] ٢ شيءٌ من ذلك دليلاً على النبوة؛ فإنّ ما استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده. وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم٣ وعبادة الكواكب٤ ومخاطبتها،

стр. 970

كلّ ذلك مناقضٌ للنبوة؛ فإنّ النبي لا يكون إلا مؤمناً، وهؤلاء كفار؛ فوجود ما يناقض الإيمان هو مناقض للنبوة بطريق الأولى، وهو آيةٌ، ودليلٌ، وبرهان على عدم النبوة، فيمتنع أن يكون دليلاً على وجودها. وجميع ما يختص بالسحرة والكهان وغيرهم ممّن ليس بنبيّ، لا يخرج عن مقدور الإنس والجن١. وأعني بالمقدور: ما يمكنهم التوصل إليه بطريق من الطرق٢؛ فإنّ من الناس من يقول: إنّ المقدور لا بُدّ أن يكون في محلّ القدرة٣.

стр. 971

وليس هذا هو لغة العرب، ولا غيرهم من الأمم؛ لا لغة القرآن والحديث، ولا غيرهما، وإنّما يدّعون ذلك من جهة العقل. وقولهم في ذلك باطل من جهة العقل. لكن المقصود هنا التكلم باللغة المعروفة؛ لغة العرب، وغيرهم التي كان نبينا ﷺ وغيره يخاطب بها الناس؛ كقوله في الحديث الصحيح لأبي مسعود١ لما ضرب غلامه: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا" ٢؛ فجعل نفس المملوك مقدورا عليه [لسيده] ٣،

стр. 972

كما يقول الناس: القوّة على الضعيف ضعفٌ في القوة، [ويقولون] ١: فلانٌ قادر على فلان، وفلانٌ عاجز عن فلان، ويقولون: فلانٌ ناسج هذا الثوب، و [بَنَى] ٢ هذه الدار. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ ٣؛ فجعل الفلك مصنوعة لنوح. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤؛ أي والأصنام التي تعملونها، وتنحتونها؛ فجعل ما في الأصنام من التأليف معمولاً لهم، كما جعل تأليف السفينة مصنوعاً لهم. وهذا كثير٥. والمقصود هنا: أنّ ما يأتي به السحرة والكهان ونحوهم، هو ممّا يصنعه الإنس والجنّ، لا يخرج ذلك عنهم. والإنس والجنّ قد أُرسلت إليهم الرسل٦، فآيات الأنبياء خارجة عن قدرة الإنس والجن؛ لا يقدر عليها لا الإنس ولا الجن، ولله الحمد والمنة. مقدورات الجن والإنس ومقدورات الجن هي من جنس مقدورات الإنس، لكن يختلف في المواضع؛ فإنّ الإنسي يقدر على أن يضرب غيره حتّى يمرض أو يموت، بل يقدر أن يكلمه بكلام يمرض به أو يموت. فما يقدر عليه الساحر من سحر بعض الناس حتى يمرض أو يموت، هو من مقدور الجن، وهو من جنس مقدور الإنس.

стр. 973

ومنعه من الجماع هو من جنس المرض المانع له من ذلك. والحب والبغض لبعض الناس، كما يفعله الساحر، هو من استعانته بالشياطين، وهو من جنس مقدور الإنس. بل شياطين الإنس قد يؤثرون من البغض والحب أعظم مما تؤثره شياطين الجن. والجنّ [تقدر] ١ على الطيران في الهواء، وهو من الأعمال. والطيور تطير، فهو من جنس مقدور الإنس. لكن يختلف المحل [بأنّ] ٢ هؤلاء سيرهم في الهواء، والإنس سيرهم على الأرض. وكذلك المشي على الماء، وطيّ الأرض؛ وهو قطع المسافة البعيدة في زمان قريب: هو من هذا الجنس، هو مما تفعله الجن، وهو مما تفعله الجن ببعض الناس. وقد أخبر الله عن العفريت أنه قال لسليمان عن عرش بلقيس وهو باليمن وسليمان بالشام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٣. ولهذا يوجد كثيرٌ من الكفار والفساق والجهال تطير بهم الجن في الهواء، وتمشي بهم على الماء، وتقطع بهم المسافة البعيدة في المدة القريبة. وليس شيءٌ من ذلك من آيات الأنبياء٤، ولله الحمد والمنة؛ إذ كان مقدور الإنس والجنّ، والإخبار ببعض الأمور الغائبة التي يأتي بها الكهّان، هو أيضاً من مقدور الجنّ؛ فإنهم تارة يرون الغائب فيخبرون به، وتارة يسترقون السمع من السماء فيخبرون به، وتارة

стр. 974

يسترقون وهم يكذبون في ذلك؛ كما أخبر النبيّ ﷺ عنهم١. وما تخبر به الأنبياء من الغيب، لا يقدر عليه إنس، ولا جنّ، ولا كذب فيه. وأخبار الكهان وغيرهم كذبها أكثر من صدقها، وكذلك كل من تعود الإخبار عن الغائب؛ فأخبار الجن لا بد أن [تكذب] ٢، فإنه من طلب منهم الإخبار بالمغيّب كان من جنس الكهان، وكذبوه في بعض ما يخبرون به، وإن كانوا صادقين في البعض. وقد ثبت في الصحيح: أنّ النبي ﷺ سُئل عن الكهّان؟ فقيل له: إنّ منا قوماً يأتون الكهان؟ قال: "فلا يأتوهم" ٣. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من أتى عرافاً، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً"٤.

стр. 975

وفي السنن عنه أنه قال: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"١. والنبي ﷺ لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد [الأقصى] ٢، لم يكن المقصود مجرّد وصوله إلى الأقصى، بل المقصود ما ذكره الله [بقوله] ٣: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ٤، كما قال في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنَّة المَأوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ٥. وما رآه مختص بالأنبياء، لا يكون ذلك لمن خالفهم، ولا يريه الله تعالى ما أراه محمدا حين أسرى به. وكذلك صلاته بالأنبياء في المسجد الأقصى، وركوبه على البراق؛ هذا كله من خصائص الأنبياء. بعض خوارق الشياطين لأوليائهم والذين تحملهم الجن، وتطير بهم من مكان إلى مكان، أكثرهم لا يدري كيف حُمِل، بل يُحمَل الرجل إلى عرفات، ويرجع، وما يدري كيف حملته الشياطين، ولا يدعونه يفعل ما أمر الله به كما أمر الله به، بل قد يقف بعرفات من غير إحرام ولا إتمام مناسك الحج، وقد يذهبون به إلى مكة،

стр. 976

ويطوف بالبيت من غير إحرام إذا حاذى الميقات١. [وذلك] ٢ واجب في أحد قولي العلماء، ومستحب في الآخر٣، فيفوته المشروع، أو يوقعونه في الذنب، ويُغرونه بأنّ هذا من كرامات الصالحين. وليس هو مما يكرم الله به وليّه، بل هو ممّا أضلته به الشياطين، وأوهمته أن ما فعله قربة وطاعة٤، أو يكون صاحبه له عند الله منزلة عظيمة.

стр. 977

وليس هو قربةٌ وطاعةٌ، وصاحبه لا يزداد بذلك منزلة عند الله؛ فإنّ التقرّب إلى الله إنّما يكون بواجبٍ أو مستحب، وهذا ليس بواجب ولا مستحب، بل يُضلّون صاحبه، ويصدّونه عن تكميل ما يحبه الله منه؛ من عبادته، وطاعته، وطاعة رسوله، ويوهمونه أن هذا من أفضل الكرامات، حتى يبقى طالباً له، عاملاً عليه. وهم بسبب إعانتهم له على ذلك، قد استعملوه في بعض ما يريدون، ممّا ينقص قدره عند الله، أو وقوعه في ذنوب، وإن لم يعرف أنها ذنوب؛ فيكون ضالاً ناقصاً، وإن غُفِر له ذلك لعدم علمه؛ فإنّه نقصُ درجته، وخفض [منزلته] ١ بذلك الذي أوهموه أنه رَفَعَ درجته وأعلا منزلته. وهذا من جنس ما [يفعله] ٢ السحرة؛ فإنّ الساحر قد يصعد في الهواء والناس ينظرونه، وقد يركب شيئا من الجمادات؛ إما قصبة، وإما خابية، وإما مكنسة٣، وإما غير ذلك؛ فيصعد به في الهواء، وذلك أن الشياطين تحمله. وتفعل الشياطين هذا ونحوه بكثيرٍ من العبّاد والضلال؛ من عبّاد المشركين، وأهل الكتاب، والضُلاّل من المسلمين؛ [فتحملهم] ٤ من مكان إلى مكان.

стр. 978

وقد يرى أحدهم بما يركبه إما فرس، وإما غيره، وهو شيطانٌ تصوّر له في صورة مركوب. وقد يرى أنه يمشي في الهواء من غير مركوب، والشيطان قد حمله. والحكايات في هذا كثيرة معروفة عند من يعرف هذا الباب، ونحن نعرف من هذا أموراً يطول وصفها١.

стр. 979

وكذلك المشي على الماء: قد [تجعل] ١ له الجن ما يمشي عليه، وهو يظن أنّه يمشي على الماء. وقد يُخيّلون إليه أنه التقى طرفا النهر ليعبر، والنهر لم يتغيّر في نفسه، ولكن خيّلوا إليه ذلك. وليس في هذا - ولله الحمد - شيءٌ من جنس معجزات الأنبياء. كرامات الصالحين من جهة السبب والغاية وقد يمشي على الماء قوم بتأييد الله لهم، وإعانته إياهم بالملائكة؛ كما يحكى عن المسيح٢، وكما جرى للعلاء بن الحضرمي٣، ولأبي مسلم الخولاني في عبور الجيش٤، وذلك إعانة على الجهاد في سبيل [الله] ٥، كما يؤيّد الله المؤمنين بالملائكة، ليس هو من فعل الشياطين. والفرق بينهما؛ من جهة السبب، ومن جهة الغاية. أما السبب: فإنّ الصالحين يُسمّون الله، ويذكرونه، ويفعلون ما يحبه الله؛ من توحيده، وطاعته، فييسر لهم بذلك ما ييسره، ومقصودهم به: نصر الدين، والإحسان إلى المحتاجين٦.

стр. 980

وما تفعله الشياطين يحصل بسبب الشرك، والكذب، والفجور١، والمقصود به: الإعانة على مثل ذلك. والجن فيهم مسلمٌ وكافر، فالمسلمون منهم يعاونون الإنس المسلمين، كما يعاون المسلمون بعضهم بعضاً، والكفّار مع الكفّار. أصناف طاعة الجن للإنس والجن الذين يطيعون الإنس، وتستخدمهم الإنس ثلاثة أصناف٢: أعلاها: أن [يأمروهم] ٣ بما أمر الله به، ورسله؛ فيأمرونهم بعبادة الله وحده، وطاعة رسله؛ فإنّ الله أوجب على الجنّ طاعة الرسل، كما أوجب ذلك على الإنس، وقال تعالى: ﴿وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ [فِيهَا] ٤ إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً [بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ٥ يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيكُمْ [آيَاتِي] ٦

стр. 981

وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَومِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَشَهِدُوا على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُم كَانُوا كَافِرين ذَلكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١؛ فالرسل تكون من الإنس إلى الثقلين، والنذر من الجنّ باتفاق العلماء٢. هل يكون من الجنّ رسلاً؟! واختلفوا: هل يكون في الجن رسل؟ والأكثرون على أنّه لا رسل فيهم٣، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ ٤.

стр. 982

وعن الحسن البصري قال: لم يبعث الله نبيّاً من أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء. ذكره عنه طائفة، منهم: البغوي١، وابن الجوزي٢. إسلام الجن واجتماعهم برسول الله ﷺ وقال قتادة: ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط، إلا من أهل القرى؛ لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمور. رواه ابن أبي حاتم، وذكره طائفة٣. ونبينا محمد ﷺ قد أرسل إلى الثقلين٤، وقد آمن به مَنْ آمن مِنْ جنّ نصيبين٥، فسمعوا القرآن، وولّوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا فبايعوه على الإسلام بشعب معروف بمكة٦ بين

стр. 983

الأبطح١، وبين جبل حراء٢، وسألوه الطعام لهم ولدوابهم، فقال: "لكم كلّ عظم ذُكِر اسم [الله] ٣ عليه أوفر ما يكون لحماً، وكلّ بعرة علف لدوابكم"، قال النبي ﷺ :"فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" ٤. والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة٥ في الصحيح، والسنن،

стр. 984

والمسند، وكتب التفسير والفقه، وغيرها١. وقد روى الترمذي وغيره أنّه قرأ عليهم سورة الرحمن، وهي خطاب للثقلين٢.

стр. 985

وقد [اتفق] ١ العلماء على أنّ كفارهم يدخلون النار٢، كما أخبر الله بذلك في قوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا في أممٍ قَدْ خَلَتْ من قَبلِكُمْ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ في النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٣، وقال الله تعالى: ﴿لأمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ ٤، وقال: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ ٥.
следующие страницы →