المجلد الأول
المقدمة
رحمة الله بأمة محمد ﷺ
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد فهذا كتاب الفتن والملاحم فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ القيامة مما يجب الإِيمان به لإِخبار الصادق المصدوق عنها الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يوحى.
رَحْمَةَ الله بِأمَّةِ مُحمَّدٍ ﵊
قَالَ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا المسعودي١ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أمّتي هذه أمّة مَرْحُومةٌ ليس عليها عذابٌ في الآخرة عذابُهَا في الدنيا الْفِتَنً والزلازلُ والقتل" ٢.
وقد ذكرنا فيما تقدم إِخْبَارُهُ ﷺ عَنِ الْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَبَسَطْنَاهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وأيام الناس إلى زمانه وأتبعنا ذلك بذكر سيرته ﵊ وأيامه وذكرنا شمائله ودلائل نبوته وأردفناها بما أخبر به عن الْغُيُوبِ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَهُ ﷺ ، وقد طابق ذلك إِخْبَارِهِ كَمَا شُوهِدَ ذَلِكَ عِيَانًا قَبْلَ زَمَانِنَا هذا، وقد أوردنا جملة فِي آخِرِ كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ سِيرَتِهِ ﷺ
стр. 2
وَذَكَرْنَا عِنْدَ كُلِّ زَمَانٍ مَا وَرَدَ فِيهِ من الحديث الخاص به عند ذكرنا حوادث وَوَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ كَمَا بَسَطْنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ ما حدث للخلفاء والوزراء والأمراء والفقهاء والصلحاء والشعراء والتجار وَالْأُدَبَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ذَوِي الْآرَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النُّبَلَاءِ، ولو أعدنا ذكر الأحاديث المتقدمة هاهنا مبسوطاً لَطَالَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ إِشَارَةً لطيفة ثم نعود إلى ما قصدنا إليه هاهنا وبالله المستعان.
стр. 3
بعض ما أخبر الرسول ﵇ بأنه سيقع
...
No pages
стр. 4
بعض ما أخبَرَ الرُّسُولُ ﵇ بِأَنَّهُ سَيَقَع
إشارة نبوية إلى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ سيلي أمر الأمة بعد الرسول ﵇:
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لتلك المرأة التي قال لها: ارجعي فقالت: أرَأَيْتَ إن لم أَجدكَ؟ كَأَنَّهَا تُعَرِّضُ بِالْمَوْتِ فَقَالَ: "إِنْ لَمْ تجدِيني فَأْتِي أَبَا بكرٍ" ١ رواه البخاري فكان القائم بعده بالأمر أَبُو بَكْرٍ، وَقَوْلُهُ ﷺ حِينَ أَراد أَن يَكْتُبَ لِلصِّدِّيقِ كِتَابًا بِالْخِلَافَةِ فتركه لعلمه أَن أَصحابه لا يعدلون عنه لعلمهم بسابقته وفضله ﵁ فَقَالَ: "يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلا أبا بكر" ٢ فوقع كذلك وهو في الصحيح
стр. 5
أيضَاً، وقوله: "بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْيَمَانِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابن عمر وأبي الدرداء، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي فَضَائِلِ الصحيحين وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ولِّي أَبُو بكر الصِّدِّيقُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الخلافة ثم وليها بعده عمر بن الخطاب كَمَا أَخْبَرَ ﷺ سَوَاءً بسواء.
стр. 6
إشارة نبوية إلى أن المسلمين يفتحون مصر
...
إشارة نبوية إلى أن المسلمين يفتتحون مصر:
وَرَوَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنٍ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إِذَا افْتَتَحْتمُ مِصْرَ فاستوْصوا بالقِبْط" وَفِي رِوَايَةٍ: "فَاستَوصُوا بِأَهْلِها خَيْراً فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً".
وقد افْتَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
"إِنَّكُمْ سَتَفتَحُونَ أَرْضًا يذْكَر فِيهَا القيراطُ فاستَوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمةً ١ ورحماً٢ ".
стр. 7
إشارة نبوية إلى أن دولتي فارس والروم ستذهبان إلى غير عودة:
وَقَالَ ﷺ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ١:
"إِذا هَلك قَيْصر فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتُنْفِقُنَّ كنوزَهما فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ سواء بسواء، فإنه فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ وَعُثْمَانَ انْزَاحَتْ يَدُ قَيْصَرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاسْمُهُ هِرَقْلُ عَنْ بِلَادِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَثَبَتَ مُلْكُهُ مَقْصُورًا عَلَى بِلَادِ الرُّومِ فَقَطُّ وَالْعَرَبُ إِنَّمَا كَانُوا يُسَمُّونَ قيصر لمن ملك الرُّومِ مَعَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بشارة عظيمة لأهل الشام وهي أَنَّ يَدَ مَلِكِ الرُّومِ لَا تَعُودُ إِلَيْهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وسنورد هذا الحديث قريباً إن شاء الله بإسناده ومتنه، وَأَمَّا كِسْرَى فَإِنَّهُ سُلِبَ عَامَّةَ مُلْكِهِ فِي زمن عمر ثم استأصل ما في يده في خلافة عثمان، وقيل في سنة اثنتين وَثَلَاثِينَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ مطولاً فيما سلف وقد دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بلغه أنه مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه بِأَنْ يُمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَوَقَعَ الْأَمْرُ كذلك.
"وَيْحَك أيفتح الباب أمْ يكسر? فقلت: بَلْ يُكْسَرُ, قَالَ: إِذًا لَا يغلقُ أَبَدًا قُلْتُ: أجَلْ فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: فَكَانَّ عمرَ يَعْلَمُ مِنَ الْبَابُ?".
قَالَ: نَعَمْ إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا ليس بالأغاليط فقال: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ فَقُلْنَا المسروق فسأله فقال: عمر هكذا وقع الأمر سواء بعدما قتل فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَقَعَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ الناس وكان قتله سبب انتشارها بينهم١.
стр. 10
إشارة نبوية إلى ما سيصيب عثمان بن عفان ﵁ من المحنة:
وَأَخْبَرَ ﷺ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى بلوى تصيبه، فوقع الأمر كذلك حصر في الدار كما بسط ذلك في موضعه وَقُتِلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا شَهِيدًا ﵁، وقد ذكرنا عند مقتله ما ورد من الأحاديث في الإنذار لذلك والإِعلام بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ فَوَقَعَ طِبْقَ ذَلِكَ سواء بسواء، وذكرنا في يومي الجمل وصفين ما ورد من الأحاديث بكون ذلك وما وقع فيهما من الفتنة والأخبار والله المستعان.
стр. 11
إشارة نبوية إلى أن عمار بن ياسر ﵁ سيقتل
وكذلك الإِخبار بمقتل عمار، وأما ذكر الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ومقتهم وبعث ذي الندبة منهم، فالأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداً وقد حررنا ذلك فيما سلف ولله الحمد والمنة وقد ذكرنا عن مقتل علي الحديث المذكور الوارد في ذلك بطرقه وألفاظه.
стр. 12
تحديد الرسول مدة الخلافة من بعده بثلاثين سنة وإشارته إلى أنها ستتحول بعد ذلك إلى ملك عضوض:
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جهمان عَنْ سَفِينَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا١".
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ الْفَارُوقِ وَعُثْمَانَ الشَّهِيدِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الشهيد أيضاً، وكان ختامها وتمامها بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِيَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ أَبِيهِ، وَعِنْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِينَ نَزَلَ عَنِ الْأَمْرِ لمعاوية بن
стр. 13
أبي سفيان سنة أربعين وأصفقت١ البيعة لمعاوية بن أبي سفيان وَسُمِّيَ ذَلِكَ عَامَ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فيما تقدم.
стр. 14
إشارة نبوية إلى أن الله سيصلح بالحسن ﵁ بين فئتين عظيمتين من المسلمين
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ يَقُولُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى المنبر:
"ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فئتين عظيمتين من المسلمين" وهكذا وقع سواء.
стр. 15
إشارة نبوية إلى أن أم حرام بنت ملحان ﵂ ستموت في غزوة بحرية
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ ملحان أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذكر أن غزواته في البحر تكون فرقتين وتكون أم حرام مع الأولين، وقد كان ذلك في سنة سبع وعشرين مع معاوية حين استأذن عثمان في غزو قبرص فأذن له فركب بالمسلمين في المراكب حتى دخلها وفتحها قَسْرًا، وَتُوُفِّيَتْ أُمُّ حَرَامٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ في البحر وقد كانت مع زوجة معاوية فأخته بنت قرظة، وأما الثانية فكانت في سنة اثنتين وخمسين في أَيام ملك معاوية وقد أمّر معاوية ابنه يزيد على الجيش إلى غزو القسطنطينية، وكان معه سادات الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري وخالد بن يزيد ﵁ فَمَاتَ هُنَالِكَ وَأَوْصَى إِلَى يزيد بن معاوية وأمره أَنْ يَدْفِنَهُ تَحْتَ سَنَابِكِ الْخَيْلِ وَأَنْ يُوغِلَ بِهِ إِلَى أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ به إلى جهة نهر الْعَدُوِّ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَتَفَرَّدَ الْبُخَارِيُّ بِمَا رَوَاهُ من طريق ثور بن يزيد بن خالد بن معدان عن عمر بْنِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ عَنْ أُمُّ حَرَامٍ أَنَّهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
стр. 16
"أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ١" قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أنا فيهم? قال: "إنك فيهم" قالت: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قيصر مغفور لهم" قلت: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: "لا".
стр. 17
إشارة نبوية إلى أن الجيش المسلم سيصل إلى الهند والسند
وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أنا البراء، عن الحسن، عن أبي هريرة. وحدثني خَلِيلِي الصَّادِقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْثٌ إِلَى السِّنْدِ وَالْهِنْدِ" فَإِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُ واستشهدت فَذَاكَ وَإِنْ أَنَا فَذَكَرَ كَلِمَةً رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنَ النَّارِ١" وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ سَيَّارٍ عن جبر بن أبي عَبِيدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ الْهِنْدِ فَإِنِ اسْتُشْهِدْتُ كُنْتُ مِنْ خَيْرِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ من حديث هشام وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ جابر، ويقال هذا خبر عن أبي هريرة فذكروه، وَقَدْ غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْهِنْدَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وأربعين في إمارة مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ فجرت هناك أمور فذكرناها مبسوطة، وقد غزاها الملك الكبير السعيد المحمود بن شنكنكير صاحب بلاد غَزْنَةَ٢ وَمَا وَالَاهَا فِي حُدُودِ أَرْبَعِمِائَةٍ فَفَعَلَ هنالك أفعالاً مشهورة وأموراً مشكورة وكسر الصنم الأعظم المسمى بسومنات وأخذ قلائده وسيوفه ورجع إلى بلاده سالماً غانماً، وَقَدْ كَانَ نُوَّابُ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَاتِلُونَ الْأَتْرَاكَ فِي أَقْصَى بِلَادِ السِّنْدِ وَالصِّينِ. وَقَهَرُوا مَلِكَهُمْ القال الْأَعْظَمَ وَمَزَّقُوا عَسَاكِرَهُ وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذِكْرِ صِفَتِهِمْ وَنَعْتِهِمْ وَلْنَذْكُرْ شيئاً من ذلك على سبيل الإيجاز.
"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا حوراً وَكِرْمَانَ مِنَ الْأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ"، وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عيينة، ورواه مسلم مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وهم أهل البارز كذا يقول سفيان، ولعل البارز هو سوق الفسوق الذي لهم، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازم سمعت الحسن، حدثنا عمرو بن ثعلب، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
"إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التُّرْكَ قَاتَلَهُمُ الصَّحَابَةُ فَهَزَمُوهُمْ وَغَنِمُوهُمْ وسبوا نساءهم وأبناءهم، وظاهر هذا الحديثَ يقتضي أن يكون هذا من أشراط الساعة، فإن كانت أشراط الساعة لا تكون إلا بين يديها قريباً فقد يكون هذا أيضاً واقعاً مرة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك حتى يكون آخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج كما سيأتي ذكر أمرهم، وإن كانت أشراط الساعة أعم من أن تكون بين يديها قريباً منها فإنها تكون مما يقع في الحملة وَلَوْ تَقْدَّمَ قَبْلَهَا بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، إِلَّا أَنَّهُ مما وقع بَعْدَ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ بَعْدَ تَأَمُّلِ الْأَحَادِيثِ الواردة في هذا الباب كما سترى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى، وذكرنا مَا وَرَدَ فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِكَرْبَلَاءَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ كَمَا سلف، وما ورد في الأحاديث من ذكر خلفاء بني أمية وغلمة بني عبد المطلب.
стр. 20
إشارة نبوية إلى ما سيكون من تولي بعض الصبية لأمر المسلمين وما سيكون في ذلك من فساد وإفساد
وقال أحمد، حدثنا روح، حدثنا أبو أمية هم وابن يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَخْبَرَنِي جَدِّي سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
стр. 21
"هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ١" فَقَالَ مَرْوَانُ وما معنا في الحلقة أحد قَبْلَ أَنْ يَلِيَ: شَيْئًا: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غلمة. قال وأنا والله لو شئت أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ. قال: فكنت أخرج مع أبي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ بَعْدَ مَا مَلَكُوا فَإِذَا هُمْ يُبَايِعُونَ الصِّبْيَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُبَايَعُ لَهُ وهو في حزامه، فقلت هَلْ عَسَى أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا الَّذِينَ سمعت أبا هريرة، قال لنا عنهم أَنَّ هَذِهِ الْمُلُوكَ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا وَقَدْ حَرَّرْنَاهَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي ذِكْرِ الْكَذَّابِ وَالْمُبِيرِ من ثقيف، والكذاب هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الَّذِي ظَهَرَ بالكوفة أيام عبد الله بن الزبير، والمبير هو الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ الَّذِي قَتَلَ عَبْدَ الله بن الزبير كما تقدّم، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الرَّايَاتِ السُّودِ الَّتِي جَاءَ بِهَا بنو العباس حين اسْتَلَبُوا الْمُلْكَ مِنْ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ وَذَلِكَ في سنة اثنتين وثلاثمائة حيث انتقلت الْخِلَافَةَ مِنْ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بن أبي العاص، ويعرف بمروان الحمار ومروان الجعدي لتعلمه عَلَى الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ الْمُعْتَزِلِيِّ، وَكَانَ آخِرَ خلفاء بني أمية وصارت للسفاح المصرح بذكره في حديث رواه أحمد بن حنبل في مسنده، وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أول خفاء بني العباس كما تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ هَذَا الْأَمْرَ نُبُوَّةً ورحمة وسيكون خلافة ورحمة وسيكون عزاً وحرمة وسيكون ملكاً عضوضاً وفساداً في الأمة يستحلون به الْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ وَالْحَرِيرَ وَيُنْصَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُرْزَقُونَ أبداً حتى يلقوا الله ". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيِّ، عَنْ سهل بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
إشارة نبوية إلى أن اثني عشر خليفة قرشياً سيلون أمر الأمة الإسلامية
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
"يَكُونَ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ١". رواه أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرِ بن سمرة سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول:
стр. 24
"لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مُسْتَقِيمًا أَمْرُهَا ظَاهِرَةً عَلَى عَدْوِهَا حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ" قَالُوا: ثم يكون ماذا? قال: "ثم تكون الفرج" فهؤلاء المبشر بهم في الحديثين ليسوا الاثني عشر الذين زعم فيهم الروافض ما يزعمون من الكذب والبهتان وأنهم معصومون، لِأَنَّ أَكْثَرَ أُولَئِكَ لَمْ يَلِ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي خِلَافَةٍ، بل ولا في قطر من الأقطار ولا بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَإِنَّمَا وَلِىَ مِنْهُمْ عَلَيٌّ وابنه الحسن بن علي ﵄.
стр. 25
ليس المقصود بالخلفاء القرشيين الاثني عشر أولئك الذين تتابعوا بعد الرسول ﵇ سرداً
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ الَّذِينَ تَتَابَعَتْ وِلَايَتُهُمْ سَرْدًا إِلَى أَثَنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ لِأَنَّ حَدِيثَ سَفِينَةَ: "الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سنة١" يمنع من هذا الملك، وَإِنْ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَجَّحَهُ وَقَدْ بَحَثَنَا معه في كتاب دلائل النبوة في كِتَابِنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وُجِدَ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا هُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الأمة
لم يصح عن الرسول أنه لا يمكث في الأرض قبل الساعة ألف سنة ولم يحدد الرسول مدة معينة لقيام الساعة
فأما ما يورده كثير من العامة من أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُؤَلَّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ
стр. 31
فليس لَهُ أَصْلٌ. وَلَا ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ وَلَا سَمِعْنَاهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَبْسُوطَاتِ ولا شيء من المختصرات، ولا ثبت في حديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حدد وقتَ السَّاعَةَ بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَشْرَاطِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَعَلَامَاتِهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ظهور النار في المدينة واستمرارها شهراً عام ٦٥٤ للهجرة
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ، وَكَانَ شَيْخَ الْمُحَدِّثِينَ فِي زَمَانِهِ وَأُسْتَاذَ الْمُؤَرِّخِينَ في أوانه أنه فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِي يَوْمِ الجمعة خامس جمادى الآخرة ظهرت نار بأرض الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ
стр. 34
طُولَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ وَعَرْضَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ تُسِيلُ الصَّخْرُ حَتَّى يَبْقَى مِثْلَ الْآنُكِ١، ثُمَّ يَصِيرُ كالفحم الأسود وإن ضوءها كان الناس يسيرون عليه بِاللَّيْلِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ شَهْرًا، وَقَدْ ضَبَطَ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَمِلُوا فِيهَا أَشْعَارًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْبَرَنِي قَاضِي الْقُضَاةِ صدر الدين علي بن الْقَاسِمِ الْحَنَفِيُّ قَاضِيهِمْ بِدِمَشْقَ عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ صَفِيِّ الدِّينِ مُدَرِّسِ الْحَنَفِيَّةِ بِبُصْرَى أَنَّهُ أَخْبَرَهُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْرَابِ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِمَّنْ كَانَ بِحَاضِرَةِ بَلَدِ بُصْرَى أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَعْنَاقَ الإِبل فِي ضَوْءِ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ أرض الحجاز.
стр. 35
ذكرُ إِخْبَارِهِ ﷺ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةَ بَعْدَ زَمَانَنَا هَذَا
قَالَ الإِمام أَحْمَدَ بن حنبل: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عروة عن ثابت، حدثنا عليان بن أحمد البكري، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ:
"صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظهر ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَحَدَّثَنَا بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا". وَقَدْ رَوَاهُ مسلم منفرداً فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، وَحَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ النَّبِيلِ عَنْ عروة عن علي عن أبي يزيد وَهُوَ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيِّ.
стр. 36
إشارات نبوية إلى الأحداث الماضية والمستقبلة حتى قيام الساعة
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ صحيحه، وروى عن عيسى بن موسى عنجار عن رقية عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ:
стр. 37
قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا.
"فأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْق حَتَّى دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وأهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُم حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفَظَهُ ونَسِيَهُ مَنْ نَسِيَه".
هكذا ذكره البخاري تعليقاً بصيغة التمريض، عن عيسى بن موسى عنجار، عن أبي حمزة عن رقية فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّلِ كتاب الفتن من سننه: حدثنا عثمان عن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:
"قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا".
"فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يكونُ فِي مقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَهُ حَفِظَه مَنْ حَفِظَهُ ونسيَه مَنْ نَسِيه قَدْ عَلمَه أَصْحَابِي هؤلاء وإِنَّهُ ليكون الشيءُ فأذكُرة كَمَا يَذْكُرُ الرجلُ وجهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَه".
стр. 38
شهادة حذيفة بحدوث بعض ما أخبر به الرسول ﵇ لم يبق من الدنيا إلا اليسير
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نصرة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:
"صَلَّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الْعَصْرِ ِذَاتَ يَوم ثُمَّ قامَ فَخَطَبَنَا إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئاً مِمَّا يَكُونُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ حَدَّثَنَاه حَفِظَ ذلِكَ مِن حَفِظَه ونَسِيَ ذلِكَ مَنْ نَسِيَهُ فَكَانَ مِمَّا قالَ:
стр. 39
"يَا أَيها النَّاس إِنَّ الدُّنْيَا خضرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَفَكمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا واتَّقوا النِّسَاءَ إِلى أَنْ قَالَ وَقَدْ دَنَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ وَإِنَّ مَا بَقِيَ مِن الدُّنْيَا فِيما مَضى مِثل مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْه".
علي بن زيد بن حدجان التَّيْمِيُّ لَهُ غَرَائِبُ وَمُنْكَرَاتٌ، وَلَكِنْ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ من طريق أبي نصرة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بَعْضُهُ وَفِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى مِنْهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا وَمَعَ هَذَا لَا يَعْلَمُ مقداره على التبيين والتحديد إلا الله .
стр. 40
لا أساس للإسرائيليات التي تحمد ما مضى وما بقي من الدنيا
كما لا يعلم مقدار ما مضى إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي فِي كُتُبِ الإِسرائيليين وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ تَحْدِيدِ مَا سَلَفَ بألوف ومئات مِنَ السِّنِينَ قَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ العلماء على تخبطهم فيه وتغليطهم، وهم جديرون بذلك حقيقيون بِهِ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ: "الدُنْيَا جُمْعَة مِنْ جُمَع الآخِرَة".
ولا يصح إسناده أيضاً، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد وقت يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى التَّعْيِينِ لَا يَثْبُتُ إِسْنَادُهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْألُونَكَ عَن السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْسَاهَا، فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَاهَا، إِلَى ربِّكَ مُنْتَهَاهَا، إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا، كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاها﴾ .
وقال: ﴿يَسألُونَكَ عَن السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قل إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَت في