حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سئل: أيجامع أهل الجنة? فقال:
"دَحْمًا دَحْمًا وَلَكِنْ لَا مَنِيَّ وَلَا مَنِيَّةَ".
لما كَانَ الْمَنِيُّ يَقْطَعُ لَذَّةَ الْجِمَاعِ، وَالْمَنِيَّةُ تَقْطَعُ لذة الحياة، كانا منفيين من الجنة.
قال الطبراني: أخبرنا عثمان بن أحمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، أخبرنا صدقة، عن هاشم بن البريد، عَنْ سُلَيْمٍ أَبِي يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سئل- هل يَتَنَاكَحُ أَهْلُ الْجَنَّةِ? قَالَ: "نَعَمْ بِذَكَرٍ لَا يمل، وشهوة لا تنقطع".
стр. 1002
ما قيل من منح الأطفال ولادة لأهل الجنة
فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُولَدَ لَهُ، كما كان في الدنيا حب الْأَوْلَادَ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عبيد، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ١، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ٢، عَنْ أَبِي سعيد، إِنْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ، كان حمله، ووضعه، وسنه، في ساعة كما يشتهي".
стр. 1003
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، جَمِيعًا، عَنْ محمد بن يسار، عن معاذ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ المقدسي: وهذا عندي على شرط مسلم.
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ: عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عيسى، عن سلام بن سليمان، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، به، وضعفه البيهقي.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُولَدُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ مِنْ تَمَامِ السُّرُورِ? فَقَالَ:
"نَعَمْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا هُوَ إِلَّا كَقَدْرِ مَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ، فَيَكُونُ حَمْلُهُ وَرَضَاعُهُ وَشَبَابُهُ".
وَهَذَا السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَقَعُ، خلافاً لما رواه البخاري، والترمذي: عن إسحاق بن راهويه، من أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذلك، وَلَكِنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، وَنُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التابعين، كطاووس وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ: "أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يولد فِيهَا".
وَهَذَا صَحِيحٌ: وَذَلِكَ أَنَّ جِمَاعَهُمْ لَا يَقْتَضِي وَلَدًا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي الدُّنْيَا، فإن الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأما الجنة فالمراد بقاء الملك، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ فِي جِمَاعِهِمْ مَنِيٌّ يَقْطَعُ لذة الجماع، ولكن إذا أحب أحدهم الولد يقع كما يريد، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبهِمْ ذلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ﴾ . [٣٩- الزمر-٣٤] .
стр. 1004
ذِكْرُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا لكمال حياتهم وكما فهم فِي ازْدِيَادٍ مِنْ قُوَّةِ الشَّبَابِ
وَنَضْرَةِ الْوُجُوهِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ وَطِيبِ الْعَيْشِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ لِئَلَّا يَشْتَغِلُوا بالنوم عن الملاذ والحياة الهنية، جعلنا الله منهم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيم﴾ . [٤٤- الدخان-٥٦] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَملوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِردَوْس نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ . [١٨- الْكَهْفِ- ٥٦] .
أَيْ لَا يَخْتَارُونَ غَيْرَهَا، بَلْ هُمْ أرغب شيء فيها، وَلَيْسَ يَعْتَرِيهِمْ فِيهَا مَلَلٌ وَلَا ضَجَرٌ، كَمَا قد يسأم أهل الدنيا بعض أحوالهم، وإن كانت لذيذة.
وما أحسن ما قال فيها الشعراء، وفصحاء الأدباء:
فحلت سويدا الْقَلْبِ لَا أَنَا بَاغِيًا ... سِوَاهَا وَلَا عَنْ حالها أتحولُ
ولقد تَقَدَّمَ حَدِيثُ ذَبْحِ الْمَوْتِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ: "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ": وَقَالَ الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَيُنَادَى مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تبأسوا أبداً، قال: ينادى بهذه الأربع".
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "جنتان من ذهب نبتهما وما فيهما، وجنتان من فضة نبتهما وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكبرياء على وجهه في جنات عدن ".
أخرجاه في الحديث الآخر عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنِ ابْنِ عمر: "وأعلاهم من ينظر إلى الله فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ".
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ: عن جرير، مَرْفُوعًا، عِنْدَ ذِكْرِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ".
ثم بعد ذلك: "فإن استطعتم ألا تغفلوا عن الصلاة قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا".
ثُمَّ قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْس وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [٥٠- ق: ٣٩] .
وفي صحيح البخاري: "إنكم سترون ر بكم عياناً". فأرشد هذا السياق أإلى أن الرؤية تقع في مثل أوقات العبادة، فكأن المريدين من الْأَخْيَارِ يَرَوْنَ اللَّهَ فِي مِثْلِ طرفي النهار غدوة وعشية،
стр. 1015
وهذا مقام عال، حتى إنهم يرون ربهم وهم على أرائكهم وسررهم كما يرى القمرفي الدنيا في مثل هذه الأحوال، يرون الله تعالى أيضاً في المجمع الأعم الأشمل، وهو في مثل أيام الجمع، حَيْثُ يَجْتَمِعُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي وادٍ أَفْيَحَ- أي متسع- من مسك أبيض، ويجلسون فيه على قدر منازلهم، فمنهم من يجلسى عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْلِسُ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أنواع الجواهر وغيرها، ثم تفاض عليهم الخلع، وتوضع بين أيديهم الموائد بأنواع الأطعمة والأشربة، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ثُمَّ يُطَيَّبُونَ بأنواع الطيب كذلك، ويباشرون من أنواع الإكرام ما لم يخطر في بال أحد قبل ذلك، ثم يتجلى لهم الحق ﷻ ، وَيُخَاطِبُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، كَمَا دَلَّتْ على ذلك الأحاديث، كما سيأتي إيرادها قريباً إن شاء الله تعالى.
وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي النِّسَاءِ: هل يرين الله كما يراه الرجال فقيل: لا، لأنهن مقصورات في الخيام، وقيل: بلى، لأنه لا مانع من رؤيته تعالى في الخيام وغيرها: وقد قال تَعَالَى: ﴿إنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيم عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرونَ﴾ . [٨٣- المطففين- ٢٢-٢٣] .
وقال تعالى: ﴿هُمْ وَأزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُون﴾ . [٣٦-يس-٥٦] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ ، كَمَا تَرَوْنَ هذا القمر، لا تمارون في رؤيته، فإن استطعتم فداوموا على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
وَهَذَا عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1016
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلًا ثَالِثًا: وَهُوَ أَنَّهُنَّ يرين الله في مثل أيام الأعياد، فإنه تعالى يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تَجَلِّيًا عَامًّا، فَيَرَيْنَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ دون غيرها، وهذا القول يحتاج إلى دليل خاص عليه، والله أعلم.
وقال الله تعالى: ﴿للذِينَ أحْسَنُوا الْحُسنْى وَزِيَادَة﴾ . [١٠-يونس-٢٦] .
وقد روي عن جماعة من الصحابة تَفْسِيرُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباس، وسعيد بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ، وَالْحَسَنُ، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف، والخلف، ﵏، وأكرم مثواهم أجمعين.
وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ: عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصحابة، منهم أبو بكرالصديق ﵁ وقد تقدم حديثه مطولاً.
ومنهم عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ. وقد روى حديثه يعقوب بن سفيان.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ وسول اللَّهِ ﷺ : "يَرَى أَهْلُ الْجَنَّةِ الرَّبَّ تَعَالَى فِي كُلِّ جُمُعَةٍ"..
стр. 1017
وذكر تمام الحديث: وفيه: "إذا كشف الحجاب كأنه لم ير قبل ذلك".
وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ .
ومنهم ابي بن كعب، وأنى بْنُ مَالِكٍ، وَبُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُذَيْفَةُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ، وأبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وعبد الله بن عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبُو مُوسَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر. وعمارة بن رويبة، وأبو رزين العقيلي، وأبو هريرة رجل مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي ذكر شيء منها مِمَّا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
يوم الجمعة يوم المزيد
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عن عبد الرحمن بن أبي سلمة، عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيادةٌ﴾ .
وقال: "إذا أدخل أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله وعداً يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ?
стр. 1018
ألم تثقل موازيننا، وتبيض وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ? قَالَ: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ".
وَهَكَذَا رواه مسلم: من حديث حماد ابن سلمة.
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الألقاني، أَخْبَرَنِي أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة: يقول: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَلَكًا إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: هَلْ أنجزكم الله ما وعدكم? فينظرون ويرون الحلى والحلل وَالْأَنْهَارَ وَالْأَزْوَاجَ الْمُطَهَّرَةَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، قَدْ أَنْجَزَنَا ما وعدنا، يقولون ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَقُولُ: قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لِلّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيَادةٌ﴾ .
ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله . وهذا موقوف.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: من حَدِيثَ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ منادياً ينادي: يا أَهْلَ الْجَنَّةِ- بِصَوْتٍ يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ- إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النظر إلى وجه الرحمن".
وروى أيضاً: مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ: عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةِ يقول: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ قَوْلِ الله : ﴿لِلّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وزِيَادة﴾ .
стр. 1019
قال: "الحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله ".
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عن إبراهيم بن المختار، عن ابن جرير، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿لِلّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادة﴾ .
قَالَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا الْحُسْنَى، وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ، النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ . مسلم وشيخه نوح مُتَكَلَّمٌ فِيهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الإِمام أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ فِي كتاب الحجة مِنْ مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ مُعَاوِيَةُ بن إسحاق بن طلحة، عن عبيد، عن عُمَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا هَذِهِ? فَقَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ، فُضِّلْتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، والناس لكم فيها تبع، اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها من يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَهُوَ عندنا يوم المزيد"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا جِبْرِيلُ: مَا يَوْمُ الْمَزِيدِ? قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْفِرْدَوْسِ وَادِيًا أَفْيَحَ، فِيهِ كُثُبُ مسك، فإذا كان يوم الجمعة نزل ، وأنزل اللَّهُ مَا شَاءَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، وَحَوْلَهُ مَنَابِرُ من نور، عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بكراسي من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء
стр. 1020
وَالصِّدِّيقُونَ، فَجَلَسُوا مِنْ وَرَائِهِمْ، عَلَى تِلْكَ الْكُثُبِ، فيقول الله : أنا ربكم أنا ربكم، وقد صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ، فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ، وَلَكُمْ عليَّ مَا تَمَنَّيْتُمْ، وَلَدَيَّ مَزِيدٌ فَهُمْ يُحِبُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ مِنَ الْخَيْرِ، وهو اليوم الذي استوى فيه ربهم عَلَى الْعَرْشِ، وَفِيهِ خَلَقَ آدَمَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ".
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ: مِنْ حَدِيثِ جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ عثمان بن عمير، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"أتاني جبريل في يَدِهِ مِرْآةٌ بَيْضَاءُ، فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ? قَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ، يعرضها عليك ربك، فتكون لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ، تَكُونُ أَنْتَ الأول، ويكون الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: مَا لَنَا فيها? قال لكم فيها ساعة ما دعا فيها مؤمن ربه بِخَيْرٍ هُوَ لَهُ قِسْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وما دعاه بخير لم يقسم إِلَّا ادَّخَرَ لَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وما تعوذ مِنْ شَرٍّ هُوَ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ إِلَّا أَعَاذَهُ مِنْ أَعْظَمَ مِنْهُ قَالَ: قُلْتُ: مَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ? قَالَ: هِيَ السَّاعَةُ، تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ الأيامِ عِنْدَنَا، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ في الآخرة يوم المزيد: قال: وما يوم المزيد? قال: إن ربك اتخذ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ، مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ نَزَلَ تَعَالَى مِنْ عِلِّيِّينَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ حُفَّ الْكُرْسِيُّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، وَجَاءَ النَّبِيُّونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ حُفَّ الْمَنَابِرُ بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جَاءَ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ يَجِيءُ أَهْلُ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الْكُثُبِ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، هَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي فَسَلُونِي، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيبيح لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر على قلب بشر، ثم