فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ تِلْكَ الطيور الناعمة? فَقَالَ: "آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا يَا عُمَرُ".
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ: عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عن أبيه، عن أنس.
رواية ابن عمر
قال أحمد: حدثنا ابن حَفْصٍ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"الْكَوْثَرُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ والماء يجري على اللؤلؤ، إن ماءه أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ" ١.
وقد رواه إسماعيل بن عُلَيَّةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ: عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا:
"الكوثر نهر في الجنة، حافتاه الذهب، مجراه الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، ماؤه أشد بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، واللبن الزُّبْدِ".
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 948
رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوْثَرِ: "هُوَ الْخَيْرُ الَّذِي أعطاه الله إياه".
قال ابن بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ".
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ? عن عطاء بن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
"الْكَوْثَرُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ، حَافَتَاهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، يَجْرِي عَلَى الْيَاقُوتِ وَالدُّرِّ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الثلج، وأحلى من العسل".
كذا رواه العوفي، عن ابن عباس.
رواية عائشة
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عائشة، قَالَ: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فقالت: "الكوثر نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه در مجوف آنيته كعدد النجوم"١.
стр. 949
ثم قال البخاري: وقد رواه زكريا، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَمُطَرِّفٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين: حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: "هو الْجَنَّةِ".
وَقَالَتْ عَائِشَةُ:
"هُوَ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ لَيْسَ أَحَدٌ يُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ إِلَّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَهَرِ".
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ، خَرِيرَ الكوثر- أي صوت سير مياهه- فإنه لا يسمعه بعينه، بل إن دويه كدوي ما يسمع إذا وضع الإِنسان إصبعيه في أذنيه".
стр. 950
ذكر نهر البيدخ فِي الْجَنَّةِ
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ فَرُبَّمَا قَالَ:
"هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا?" قَالَ: فَإِذَا رَأَى الرجل رؤيا، يسأل عنه، فإذا كان ليس به بأس، أعجب برؤياه إِلَيْهِ، قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ وَجْبَةً انتحب لها أهل الْجَنَّةُ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا قَدْ جِيءَ بِفُلَانِ ابْنِ فلان، وفلان ابن فلان، حتى عددت اثني عشر رجلاً، وقد بعثت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً قبل ذلك، قال: فَجِيءَ بِهِمْ، عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُمْ فقيل: اذهبوا بهم إلى البيدخ قال: نهر البيدخ- قال: فغمسوا فيه، فخرجوا وجوههم
فَصل ثِمَار الْجَنَّة
نَسأل الله تَعالى أن يُطْعِمَنا مِنْها بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِين
قال الله تعالى:
﴿فِيهِمَا فاكِهَة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ . [٥٥- الرحمن- ٦٨] .
وَقَالَ: ﴿فِيهِمَا مِنْ كل فاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ . [٥٥- الرحمن- ٥٢] .
وقال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُثس بَطَائِنُها مِنْ إسْتَبْرَق وَجَنى الجنَّتَيْن دَانٍ﴾ . [٥٥- الرحمن- ٥٤] .
أَيْ قَرِيبٌ مِنَ المتناول كما قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قطوفهَا تَذْلِيلاً﴾ . [٧٦- الإنسان- ١٤] .
стр. 966
وقال تعالى:
﴿وأَصحَابُ الْيَمِين مَا أَصْحَابُ الْيَمِين فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْح مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكوبٍ وَفاكَهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلاَ ممْنُوعَةٍ﴾ . [٥٦- الواقعة- ٢٧- ٣٣] .
أي لا تنقطع في بعض الْأَزْمَانِ، بَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ أَوَانٍ، كما قال تعالى:
﴿أكُلًهَا دَائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ . [١٣- الرعد- ٣٥] .
أي ليس كالدنيا، التي تأتي ثمارها في بعض الفصول، وتفقد فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَتَكْتَسِي أَشْجَارُهَا الْأَوْرَاقَ فِي وقت، وتخلعها في وقت آخر، ولا ممنوعة: أي من أرادها فإنها ليس دونها حجاب، ولا مانع، بل من أرادها فهي موجودة، سهلة، منالها قريب، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي أَعْلَى الشَّجَرَةِ، فأراد أخذها، اقتربت منه وتدلت إليه.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: عَنِ الْبَرَاءِ، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفهَا تَذْلِيلاً﴾ أدنيت حتى يتناولوها وهم نيام.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . [٢- البقرة- ٢٥]
стр. 967
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَل وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ . [٧٧- المرسلات- ٤١- ٤٤] .
وقال تَعَالَى:
﴿وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [٥٦- الواقعة- ٢٠-٢٤] .
وَقَدْ سَبَقَ فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ تربة الجنة من مسك وزعفران، وأنه ما في الجنة شجرة إلا ولها ساق من ذهب فإذا كانت تربة الجنة هذه، والأصول كما ذكرنا، فما ظنك بما يتولد منها، من الثمرة الرائقة، الناضجة، الأنيقة، التي ليس في الدنيا منها إلا الأسماء? قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: "لَيْسَ في الجنة من الدنيا إِلَّا الْأَسْمَاءُ".
وَإِذَا كَانَ السِّدْرُ الَّذِي فِي الدُّنْيَا وَهُوَ لَا يُثْمِرُ إِلَّا ثَمَرَةً ضَعِيفَةً وهو النبق، وشوكه كثير، والطلح الذي لا يراد منه في الدنيا إلا الظل، يكونان في الجنة في غابة من كَثْرَةِ الثِّمَارِ وَحُسْنِهَا، حَتَّى إِنَّ الثَّمَرَةَ الْوَاحِدَةَ منها تنفتق عَنْ سَبْعِينَ نَوْعًا مِنَ الطُّعُومِ، وَالْأَلْوَانِ، الَّتِي يشبه بعضها بعضاً، فما ظنك بِثِمَارِ الْأَشْجَارِ، الَّتِي تَكُونُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةَ الثمار، كالتفاح، والنخل، والعنب، وغير ذلك? وما ظنك بأنواع الرياحين، والأزاهير? وبالجملة، فإن فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، نَسْأَلُ الله منها فَضْلِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي حَدِيثِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ.
وقال تعالى:
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأكْوَابٍ كَانَتْ قَوَاريرا قَوَاريرا مِنْ فضَّةٍ قدَّروهَا تَقْدِيراً﴾ .. [٧٦- الْإِنْسَانِ- ١٥- ١٦] .
أَيْ فِي صفاءَ الزُّجَاجِ، وَهِيَ مِنْ فضة، وهذا مما لا نظير له في الدنيا، وهي مقدارة على قدر كفاية ولي الله في شربه، لا يزيد عليه، ولا ينقص من كفايته شيئاً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ وَالشَّرَفِ.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَيُسقَوْنَ فِيهَا كَأساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجبِيلاً عَيْناً فِيهَا تسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ . [٧٦- الإنسان- ١٧- ١٨] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿كُلّمَا رزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رزْقاً قَالُوا هذَا الَّذِي رزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ . [٢- البقرة- ٢٥] .
أي كلما جاءتهم الخدم بشيء من ثمار وغيرها، حسبوه الذي أتوا به قبل هذا، لِمُشَابَهَتِهِ لَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلَافُهُ، فَتَشَابَهَتِ الْأَشْكَالُ وَاخْتَلَفَتِ الْحَقَائِقُ، وَالطُّعُومُ، وَالرَّوَائِحُ.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مسكين بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ الضَّرِيرُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إن أدنى أهل الجنة منزلة، من له سبع درجات، وثلاثمائة خادم، يغدون عليه ويروحون كُلَّ يَوْمٍ بِثَلَاثِمِائَةِ صَحْفَةٍ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قال: من ذهب صَحْفَةٍ لَوْنٌ، لَيْسَ فِي الْأُخْرَى، وَإِنَّهُ، لَيَلَذُّ أَوَّلَهُ، كَمَا يَلَذُّ آخِرَهُ، وَمِنَ الْأَشْرِبَةِ ثَلَاثُمِائَةِ إناء، في كُلِّ إِنَاءٍ لَوْنٌ، لَيْسَ فِي الْآخَرِ، وَإِنَّهُ ليلذ أوله،
стр. 972
كَمَا يَلَذُّ آخِرَهُ، وَإِنَّهُ لَيَقُولُ: يَا رَبِّ: لو أذنت، لأطعمت أهل الجنة، وسقيتهم، لم ينقص ذلك مما عندي شيئاً، وأنه له من الحور العين، اثنتين وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سِوَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِنَّ الواحدة لتأخذ مَقْعَدُهَا قَدْرَ مِيلٍ مِنَ الْأَرْضِ".
تَفَرَّدَ بِهِ أحمد، وهو غريب وفيه انقطاع.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يأكلون فيها ويشربون? وكان قد قال لأصحابه: إن أقر لي بهذا خصمته- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ والشهوة والجماع"، قال: فقال اليهودي: إن الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ: قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ، فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ".
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ: عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ثُمَامَةَ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، فَذَكَرَهُ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو جعفر الرازي: عن الأعمش، فذكره.
قال اليهودي: فإِن يأكل ويشرب تكن لَهُ الْحَاجَةُ، وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ أَذًى? فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"تَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ".
قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ ثُمَامَةَ ثِقَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
стр. 973
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حدثنا مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"أَهْلُ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا، وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ، وَلَا يَبْزُقُونَ، طَعَامُهُمْ جُشَاءٌ، وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ".
وَقَدْ رواه مسلم: من حديث أبي طلحة. عن نَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَهُ قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ? قَالَ: "جُشَاءٌ، وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التسبيح والتحميد"١.
وكذا أخرجه من حديث أبي جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَهُ وَقَالَ:
"طَعَامُهُمْ ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرِيحِ الْمِسْكِ، وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ".
طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ عَنْ جَابِرٍ
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نافع، حدثنا إسماعيل بن عباس، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التيمي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سُئِلَ النبي ﷺ : أَيَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ? فقال:
"نَعَمْ: وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَبُولُونَ فِيهَا، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، ولا يتنخمون، إنما يكون ذلك سحماً ورشحاً كرشح المسك، يلهمون التسبيح، والتحميد، كما يلهمون النفس" ٢.
стр. 974
طريق رابعة عَنْ جَابِرٍ
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ- وَهُوَ يُعْرَفُ بِعَبْدَانَ-، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يأكلون، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، يلهمون التسبيح، والحمد، كما يلهمون النفس". عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ وَسَمَاعُهُ مِنْ أَبِي صَالِحٍ صَحِيحٌ.
أَحَادِيثُ أُخَرُ ى شَتَّى
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن خليفة، عن حمد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فَتَشْتَهِيهِ، فَيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مشوياً".
يشتهي بعض أهل الجنة أن يزرع فيجيبه الله إلى ما يطلب، وكلمة مستملحة من أعرابي بدوي يضحك لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ فليح بن هلال، عن علي بن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال يَوْمًا وَهُوَ يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ:
"إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ ربه: ألست فيما شئت? قال: بلى، ولكن أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ
стр. 975
الطرف نباته، واستواؤه، واستحضاره، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ : دونك يا ابن آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ، قَالَ: فَقَالَ الأعرابي: ما نجده إِلَّا قُرَشِيًّا، أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وأما نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِهِ"، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: مِنْ حديث أبي عامر العقدي: عن عبد الملك بن عمرو، به.
стр. 976
ذكر أول طَعام يَأكُله أهل الجنَة
وروى أحمد: عن إسماعيل بن علقمة، عَنْ حُمَيْدٍ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: مِنْ حَدِيثِهِ، عَنْ أنس بن عبد الله بن سلام، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، عَنْ أَشْيَاءَ مِنْهَا:
"وما أول شيء يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ? فَقَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "زِيَادَةُ كبد حوت".
قال: فما غذاؤهم على أثرها? قال: "يخر لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا".
قلت: وقد وصف الله خَمْرَ الْجَنَّةِ بِصِفَاتٍ جَمِيلَةٍ حَسَنَةٍ، لَيْسَتْ فِي خمور الدنيا، فَذَكَرَ أَنَّهَا أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿فِيهَا عَيْن جَارِيَةٌ﴾ . [٨٨- الغاشية- ١٢] .
وكما قال الله تعالى:
﴿فِيهَا أنهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْر آسِن، وَأنْهِاز مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِبِينَ وَأنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفى﴾ . [٤٧- محمد- ١٥] .
فهذه الخمرة أنهار جارية، مستمدة من بحار كبار هناك، ومن عيون تنبع من تحت كثبان المسك، ومما يشاء الله ، وليست بأرجل الرجال فِي أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا لَذَّةٌ لِلشَّارِبِينَ، لا كما توصف به خمرة الدنيا من كراهة المطعم، وَسُوءِ الْفِعْلِ فِي الْعَقْلِ، وَمَغْصِ الْبَطْنِ، وَصُدَاعِ الرأس وقد نزهها تعالى عن ذلك في الجنة فقال تَعَالَى:
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأس مِن مَّعِين بَيْضَاء﴾ . [٣٧- الصافات- ٤٥] .
أي حسنة المنظر. ﴿لذّةٍ لِلشَّارِبِينَ طَيبة الطعم لاَ فِيهَا غَول﴾ وَهُوَ وجع البطن: ﴿وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفونَ﴾ أَيْ لَا تُذْهِبُ عُقُولَهُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ من الخمر: إنما هو الشدة المطربة، وهي الحالة البهجة التي يحصل بها السرور للنفس، وهذا حاصل في خمر الجنة، فأما إذهاب العقل، بحيث يبقى شاربها كالحيوان أو الجماد، فهذا نقص، إنما ينشأ من خَمْرِ الدُّنْيَا، فَأَمَّا خَمْرُ الْجَنَّةِ فَلَا تُحْدِثُ هذا، إنما يحصل عنها السرور والابتهاج ولهذا قال:
стр. 979
﴿لاَ فِيَها غَوْلٌ وَلاَ همْ عَنْهَا يَنْزِفُونَ﴾ .
أي ولا هم عنها أي بسببها تنزف عقولهم، فتذهب بالكلية.
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿يَطُوف عَليْهِمْ وِلدَانٌ مُخَلدونَ بأكْوابٍ وَأبَارِيق وَكَأس مِنْ مَعِينٍ لاَ يُصَدّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾ . [٥٦- الواقعة- ١٧- ١٩] . أي لا يورث لهم صداعاً في رؤوسهم، وَلَا تُنْزِفُ عُقُولَهُمْ.
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تسْنِيم عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرّبون﴾ . [٨٣- المطففين- ٢٧-٢٨] .
وقد ذكرنا التفسير: عن عبد الله بن عباسٌ:
"أن الجماعة من أصحاب الجنة، يجتمعون عَلَى شَرَابِهِمْ، كَمَا يَجْتَمِعُ أَهْلُ الدُّنْيَا، فَتَمُرُّ بهم السحابة، فلا يسألون شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ من يقول: أمطرينا كواعب أتراب، فتمطرهم كواهب أتراباً".
وتقدم أنهم يجتمعون عن شَجَرَةِ طُوبَى، فَيَذْكُرُونَ لَهْوَ الدُّنْيَا- وَهُوَ الطَّرَبُ- فَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا.
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ:
إِنَّ الْجَمَاعَةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يجتازون وهم ركبان على نجائب الجنة وهم صف بالأشجار، فتتفرق الأشجار عن طريقهم ذات اليمين، وذات الشمال، لئلا يفرق بينهم.