Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
الأصح؛ لأن الناس يتوسعون فيه ويعدون المنع من الدناءة، وليس له أن يسقي أرضه ونخله وشجره من نهر هذا الرجل وبئره وقناته إلا بإذنه نصا، وله أن يمنعه من ذلك؛ لأن الماء متى دخل في المقاسم انقطعت شركة الشرب بواحدة؛ لأن في إبقائه قطع شرب صاحبه، ولأن المسيل حق صاحب النهر، والضفة تعلق بها حقه فلا يمكنه التسييل فيه ولا شق الضفة، فإن أذن له صاحبه في ذلك أو أعاره فلا بأس به؛ لأنه حقه فتجرى فيه الإباحة كالماء المحرز في إنائه، والله سيحانه وتعالى أعلم بالصواب.
стр. 1052
فصل: في كري الأنهار
قال ﵁: الأنهار ثلاثة: نهر غير مملوك لأحد ولم يدخل ماؤه في المقاسم بعد كالفرات ونحوه، ونهر مملوك دخل ماؤه في القسمة إلا أنه عام. ونهر مملوك دخل ماؤه في القسمة وهو خاص. والفاصل بينهما استحقاق الشفة به وعدمه. فالأول كريه على السلطان من بيت مال المسلمين؛ لأن منفعة الكري لهم فتكون مؤنته عليهم، ويصرف إليه من مؤنة الخراج والجزية دون العشور والصدقات؛ لأن الثاني للفقراء والأول للنوائب، فإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على كريه إحياء لمصلحة العامة إذ هم لا يقيمونها بأنفسهم، وفي مثله قال عمر ﵁:: لو تركتم لبعتم أولادكم، إلا أنه يخرج له من كان يطيقه ويجعل مؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأنفسهم.
وأما الثاني: فكريه على أهله على بيت المال؛ لأن الحق لهم والمنفعة تعود إليهم على الخصوص والخلوص، ومن أبى منهم يجبر على كريه دفعا للضرر العام وهو ضرر بقية الشركاء وضرر الآبي خاص ويقابله عوض فلا يعارض به؛ ولو أرادوا أن يحصنوه خيفة الانبثاق وفيه ضرر عام كغرق الأراضي وفساد الطرق يجبر الآبي، وإلا فلا لأنه موهوم بخلاف الكري؛ لأنه معلوم.
وأما الثالث: وهو الخاص من كل وجه فكريه على أهله لما بينا ثم قيل يجبر الآبي كما في الثاني. وقيل لا يجبر؛ لأن كل واحد من الضررين خاص. ويمكن دفعه عنهم بالرجوع على الآبي بما أنفقوا فيه إذا كان بأمر القاضي فاستوت الجهتان، بخلاف ما تقدم، ولا يجبر لحق الشفة كما إذا امتنعوا جميعا ومؤنة كري النهر المشترك عليهم من أعلاه، فإذا جاوز أرض رجل رفع عنه وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: هي عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب والأرضين؛ لأن لصاحب الأعلى حقا في الأسفل لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه. وله أن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي، وقد حصل
стр. 1053
لصاحب الأعلى فلا يلزمه إنفاع غيره، وليس على صاحب السيل عمارته كما إذا كان له مسيل على سطح غيره، كيف وأنه يمكنه دفع الماء عن أرضه بسده من أعلاه، ثم إنما يرفع عنه إذا جاوز أرضه كما ذكرناه، وقيل إذا جاوز فوهة نهره، وهو مروي عن محمد ﵀. والأول أصح؛ لأن له رأيا في اتخاذ الفوهة من أعلاه وأسفله، فإذا جاوز الكري أرضه حتى سقطت عنه مؤنته قيل له أن يفتح الماء ليسقي أرضه لانتهاء الكري في حقه، وقيل ليس له ذلك ما لم يفرغ شركاؤه نفيا لاختصاصه، وليس على أهل الشفة من الكري شيء؛ لأنهم لا يحصون ولأنهم أتباع.
стр. 1054
فصل: في الدعوى والاختلاف والتصرف فيه
قال: "وتصح دعوى الشرب بغير أرض استحسانا"؛ لأنه قد يملك بدون الأرض إرثا، وقد يبيع الأرض ويبقى الشرب له وهو مرغوب فيه فيصح فيه الدعوى.
قال: "وإذا كان نهر لرجل يجري في أرض غيره فأراد صاحب الأرض أن لا يجرى النهر في أرضه ترك على حاله"؛ لأنه مستعمل له بإجراء مائه. فعند الاختلاف يكون القول قوله، فإن لم يكن في يده، ولم يكن جاريا فعليه البينة أن هذا النهر له، أو أنه قد كان مجراه له في هذا النهر يسوقه إلى أرضه ليسقيها فيقضي له لإثباته بالحجة ملكا له أو حقا مستحقا فيه، وعلى هذا المصب في نهر أو على سطح أو الميزاب أو الممشى في دار غيره، فحكم الاختلاف فيها نظيره في الشرب.
قال: "وإذا كان نهر بين قوم واختصموا في الشرب كان الشرب بينهم على قدر أراضيهم"؛ لأن المقصود الانتفاع بسقيها فيتقدر بقدره، بخلاف الطريق؛ لأن المقصود التطرق وهو في الدار الواسعة والضيقة على نمط واحد، فإن كان الأعلى منهم لا يشرب حتى يسكر النهر لم يكن له ذلك لما فيه من إبطال حق الباقين، ولكنه يشرب بحصته، فإن تراضوا على أن يسكر الأعلى النهر حتى يشرب بحصته أو اصطلحوا على أن يسكر كل رجل منهم في نوبته جاز؛ لأن الحق له، إلا أنه إذا تمكن من ذلك بلوح لا يسكر بما ينكبس به النهر من غير تراض لكونه إضرارا بهم، وليس لأحدهم أن يكري منه نهرا أو ينصب عليه رحى ماء إلا برضا أصحابه؛ لأن فيه كسر ضفة النهر وشغل موضع مشترك بالبناء، إلا أن يكون رحى لا يضر بالنهر ولا بالماء، ويكون موضعها في أرض صاحبها؛ لأنه تصرف في ملك نفسه ولا ضرر في حق غيره. ومعنى الضرر بالنهر ما بيناه من كسر ضفته، وبالماء أن يتغير عن سننه الذي كان يجري عليه، والدالية والسانية نظير الرحى، ولا يتخذ عليه جسرا ولا قنطرة بمنزلة طريق خاص
стр. 1055
بين قوم، بخلاف ما إذا كان لواحد نهر خاص يأخذ من نهر خاص بين قوم فأراد أن يقنطر عليه ويستوثق منه له ذلك، أو كان مقنطرا مستوثقا فأراد أن ينقض ذلك ولا يزيد ذلك في أخذ الماء حيث يكون له ذلك لأنه يتصرف في خالص ملكه وضعا ورفعا. ولا ضرر بالشركاء بأخذ زيادة الماء، ويمنع من أن يوسع فم النهر؛ لأنه يكسر ضفة النهر، ويزيد على مقدار حقه في أخذ الماء، وكذا إذا كانت القسمة بالكوى، وكذا إذا أراد أن يؤخرها عن فم النهر فيجعلها في أربعة أذرع منه لاحتباس الماء فيه فيزداد دخول الماء فيه. بخلاف ما إذا أراد أن يسفل كواه أو يرفعها حيث يكون له ذلك في الصحيح؛ لأن قسمة الماء في الأصل باعتبار سعة الكوة وضيقها من غير اعتبار التسفل والترفع وهو العادة فلم يكن فيه تغيير موضع القسمة، ولو كانت القسمة وقعت بالكوى فأراد أحدهم أن يقسم بالأيام ليس له ذلك؛ لأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فيه. ولو كان لكل منهم كوى مسماة في نهر خاص ليس لواحد أن يزيد كوة وإن كان لا يضر بأهله؛ لأن الشركة خاصة، بخلاف ما إذا كانت الكوى في النهر الأعظم؛ لأن لكل منهم أن يشق نهرا منه ابتداء فكان له أن يزيد في الكوى بالطريق الأولى.
قال: "وليس لأحد الشركاء في النهر أن يسوق شربه إلى أرض له أخرى ليس لها في ذلك شرب"؛ لأنه إذا تقادم العهد يستدل به على أنه حقه.
قال: "وكذا إذا أراد أن يسوق شربه في أرضه الأولى حتى ينتهي إلى هذه الأرض الأخرى"؛ لأنه يستوفي زيادة على حقه، إذ الأرض الأولى تنشف بعض الماء قبل أن تسقى الأرض الأخرى، وهو نظير طريق مشترك أراد أحدهم أن يفتح فيه بابا إلى دار أخرى ساكنها غير ساكن هذه الدار التي يفتحها في هذا الطريق، ولو أراد الأعلى من الشريكين في النهر الخاص وفيه كوى بينهما أن يسد بعضها دفعا لفيض الماء عن أرضه كي لا تنز ليس له ذلك لما فيه من الضرر بالآخر، وكذا إذا أراد أن يقسم الشرب مناصفة بينهما؛ لأن القسمة بالكوى تقدمت إلا أن يتراضيا؛ لأن الحق لهما، وبعض التراضي لصاحب الأسفل أن ينقض ذلك. وكذا لورثته من بعده؛ لأنه إعارة الشرب، فإن مبادلة الشرب بالشرب باطلة، والشرب مما يورث ويوصى بالانتفاع بعينه، بخلاف البيع والهبة والصدقة والوصية بذلك حيث لا تجوز العقود إما للجهالة أو للغرر، أو لأنه ليس بمال متقوم حتى لا يضمن إذا سقى من شرب غيره، وإذا بطلت العقود فالوصية بالباطل باطلة، وكذا لا يصلح مسمى في النكاح حتى يجب مهر المثل، ولا في الخلع حتى يجب رد ما قبضت من الصداق لتفاحش الجهالة. ولا يصلح بدل الصلح عن الدعوى؛ لأنه لا يملك بشيء من العقود. ولا يباع الشرب في دين
стр. 1056
صاحبه بعد موته بدون أرض كما في حال حياته، وكيف يصنع الإمام؟ الأصح أن يضمه إلى أرض لا شرب لها فيبيعها بإذن صاحبها، ثم ينظر إلى قيمة الأرض مع الشرب وبدونه فيصرف التفاوت إلى قضاء الدين، وإن لم يجد ذلك اشترى على تركة الميت أرضا بغير شرب، ثم ضم الشرب إليها وباعهما فيصرف من الثمن إلى ثمن الأرض ويصرف الفاضل إلى قضاء الدين "وإذا سقى الرجل أرضه أو مخرها ماء" أي ملأها "فسال من مائها في أرض رجل فغرقها أو نزت أرض جاره من هذا الماء لم يكن عليه ضمانها"؛ لأنه غير متعد فيه، والله أعلم.
стр. 1057
كتاب الأشربة
سمي بها وهي جمع شراب لما فيه من بيان حكمها.
قال: "الأشربة المحرمة أربعة: الخمر وهي عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه" وهو الطلاء المذكور في الجامع الصغير "ونقيع التمر وهو السكر، ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلى" أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع.
أحدها: في بيان مائيتها وهي النيء من ماء العنب إذا صار مسكرا وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم وقال بعض الناس: هو اسم لكل مسكر لقوله ﵊: "كل مسكر خمر": وقوله ﵊: "الخمر من هاتين الشجرتين" وأشار إلى الكرمة والنخلة، ولأنه مشتق من مخامرة العقل وهو موجود في كل مسكر ولنا أنه اسم خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه ولهذا اشتهر استعماله فيه وفي غيره غيره، ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها ظنية، وإنما سمي خمرا لتخمره لا لمخامرته العقل، على أن ما ذكرتم لا ينافي كون الاسم خاصا فيه فإن النجم مشتق من النجوم وهو الظهور، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين ﵀.
والثاني: أريد به بيان الحكم؛ إذ هو اللائق بمنصب الرسالة والثاني في حق ثبوت هذا الاسم وهذا الذي ذكره في الكتاب قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما إذا اشتد صار خمرا، ولا يشترط القذف بالزبد؛ لأن الاسم يثبت به، وكذا المعنى المحرم وهو المؤثر في الفساد بالاشتداد ولأبي حنيفة ﵀ أن الغليان بداية الشدة، وكمالها بقذف بالزبد وسكونه؛ إذ به يتميز الصافي من الكدر، وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار
стр. 1058
المستحل وحرمة البيع وقيل يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطا.
والثالث: أن عينها حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه: ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: إن السكر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد وهو الصد عن ذكر الله، وهذا كفر؛ لأنه جحود الكتاب فإنه تعالى سماه رجسا والرجس ما هو محرم العين، وقد جاءت السنة متواترة "أن النبي ﵊ حرم الخمر"؛ وعليه انعقد الإجماع، ولأن قليله يدعو إلى كثيره وهذا من خواص الخمر، ولهذا تزداد لشاربه اللذة بالاستكثار منه، بخلاف سائر المطعومات ثم هو غير معلول عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات، والشافعي ﵀ يعديه إليها، وهذا بعيد؛ لأنه خلاف السنة المشهورة وتعليله لتعدية الاسم، والتعليل في الأحكام لا في الأسماء.
والرابع: أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية على ما بينا.
والخامس: أنه يكفر مستحلها لإنكاره الدليل القطعي.
والسادس: لسقوط تقومها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها وغاصبها ولا يجوز بيعها؛ لأن الله تعالى لما نجسها فقد أهانها والتقوم يشعر بعزتها وقال ﵊: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها" واختلفوا في سقوط ماليتها والأصح أنه مال؛ لأن الطباع تميل إليها وتضن بها ومن كان له على مسلم دين فأوفاه ثمن خمر لا يحل له أن يأخذه، ولا للمديون أن يؤديه؛ لأنه ثمن بيع باطل وهو غصب في يده أو أمانة على حسب ما اختلفوا فيه كما في بيع الميتة ولو كان الدين على ذمي فإنه يؤديه من ثمن الخمر، والمسلم الطالب يستوفيه؛ لأن بيعها فيما بينهم جائز.
والسابع: حرمة الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرام، ولأنه واجب الاجتناب وفي الانتفاع به اقتراب.
والثامن: أن يحد شاربها وإن لم يسكر منها لقوله ﵊: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه" إلا أن حكم.
القتل قد انتسخ فبقي الجلد مشروعا، وعليه انعقد إجماع الصحابة ﵃، وتقديره ذكرناه في الحدود.
стр. 1059
والتاسع: أن الطبخ لا يؤثر فيها؛ لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها، إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه على ما قالوا؛ لأن الحد بالقليل في النيء خاصة، لما ذكرنا وهذا قد طبخ.
والعاشر: جواز تخليلها وفيه خلاف الشافعي وسنذكره من بعد إن شاء الله تعالى، هذا هو الكلام في الخمر.
وأما العصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى الباذق والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ فكل ذلك حرام عندنا إذا غلى واشتد وقذف بالزبد أو إذا اشتد على الاختلاف وقال الأوزاعي: إنه مباح، وهو قول بعض المعتزلة؛ لأنه مشروب طيب وليس بخمر ولنا أنه رقيق ملذ مطرب ولهذا يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه دفعا للفساد المتعلق به.
وأما نقيع التمر وهو السكر وهو النيء من ماء التمر: أي الرطب فهو حرام مكروه وقال شريك بن عبد الله: إنه مباح لقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] امتن علينا به، وهو بالمحرم لا يتحقق ولنا إجماع الصحابة ﵃، ويدل عليه ما روينا من قبل، والآية محمولة على الابتداء إذ كانت الأشربة مباحة كلها، وقيل أراد به التوبيخ، معناه والله أعلم: تتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا.
وأما نقيع الزبيب: وهو النيء من ماء الزبيب فهو حرام إذا اشتد وغلى ويتأتى فيه خلاف الأوزاعي، وقد بينا المعنى من قبل، إلى أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها، ويكفر مستحل الخمر؛ لأن حرمتها اجتهادية، وحرمة الخمر قطعية، ولا يجب الحد بشربها حتى يسكر، ويجب بشرب قطرة من الخمر، ونجاستها خفيفة في رواية وغليظة في أخرى، ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة، ويجوز بيعها، ويضمن متلفها عند أبي حنيفة خلافا لهما فيهما؛ لأنه مال متقوم، وما شهدت دلالة قطعية بسقوط تقومها، بخلاف الخمر، غير أن عنده يجب قيمتها لا مثلها على ما عرف، ولا ينتفع بها بوجه من الوجوه؛ لأنها محرمة وعن أبي يوسف أنه يجوز بيعها إذا كان الذاهب بالطبخ أكثر من النصف دون الثلثين.
"وقال في الجامع الصغير: وما سوى ذلك من الأشربة فلا بأس به" قالوا: هذا الجواب
стр. 1060
على هذا العموم والبيان لا يوجد في غيره، وهو نص على أن ما يتخذ من الحنطة والشعير والعسل والذرة حلال عند أبي حنيفة، ولا يحد شاربه عنده وإن سكر منه، ولا يقع طلاق السكران منه بمنزلة النائم ومن ذهب عقله بالبنج ولبن الرماك وعن محمد أنه حرام ويحد شاربه ويقع طلاقه إذا سكر منه كما في سائر الأشربة المحرمة "وقال فيه أيضا: وكان أبو يوسف يقول: ما كان من الأشربة يبقى بعد ما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد فإني أكرهه، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة" وقوله الأول مثل قول محمد إن كل مسكر حرام، إلا أنه تفرد بهذا الشرط، ومعنى قوله: يبلغ: يغلي ويشتد، ومعنى قوله ولا يفسد: لا يحمض ووجهه أن بقاءه هذه المدة من غير أن يحمض دلالة قوته وشدته فكان آية حرمته، ومثل ذلك يروى عن ابن عباس ﵄، وأبو حنيفة يعتبر حقيقة الشدة على الحد الذي ذكرناه فيما يحرم أصل شربه وفيما يحرم السكر منه على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأبو يوسف رجع إلى قول أبي حنيفة فلم يحرم كل مسكر، ورجع عن هذا الشرط أيضا.
"وقال في المختصر: ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال"، وإن اشتد إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لا يسكره من غير لهو ولا طرب وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد والشافعي حرام، والكلام فيه كالكلام في المثلث العنبي ونذكره إن شاء الله تعالى.
قال "ولا بأس بالخليطين" لما روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر ﵁ شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي فغدوت إليه من الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب وهذا نوع من الخليطين وكان مطبوخا؛ لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب وهو النيء منه، وما روي أنه ﵊: "نهى عن الجمع بين التمر والزبيب، والزبيب والرطب، والرطب والبسر" محمول على حالة الشدة، وكان ذلك في الابتداء.
قال: "ونبيذ العسل والتين ونبيذ الحنطة والذرة والشعير حلال وإن لم يطبخ" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إذا كان من غير لهو وطرب لقوله ﵊: "الخمر من هاتين الشجرتين"، وأشار إلى الكرمة والنخلة خص التحريم بهما والمراد بيان الحكم، ثم قيل يشترط الطبخ فيه لإباحته، وقيل لا يشترط وهو المذكور في الكتاب؛ لأن قليله لا يدعو إلى كثيره كيفما كان وهل يحد في المتخذ من الحبوب إذا سكر منه؟ قيل لا يحد وقد ذكرنا الوجه من قبل
стр. 1061
قالوا: والأصح أنه يحد، فإنه روي عن محمد فيمن سكر من الأشربة أنه يحد من غير تفصيل، وهذا؛ لأن الفساق يجتمعون عليه في زماننا اجتماعهم على سائر الأشربة، بل فوق ذلك، وكذلك المتخذ من الألبان إذا اشتد فهو على هذا وقيل: إن المتخذ من لبن الرماك لا يحل عند أبي حنيفة اعتبارا بلحمه؛ إذ هو متولد منه قالوا: والأصح أنه يحل؛ لأن كراهة لحمه لما في إباحته من قطع مادة الجهاد أو لاحترامه فلا يتعدى إلى لبنه.
قال: "وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه حلال وإن اشتد" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد ومالك والشافعي: حرام، وهذا الخلاف فيما إذا قصد به التقوي، أما إذا قصد به التلهي لا يحل بالاتفاق وعن محمد مثل قولهما، وعنه أنه كره ذلك، وعنه أنه توقف فيه لهم في إثبات الحرمة قوله ﵊: "كل مسكر خمر" وقوله ﵊: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" ويروى عنه ﵊: "ما أسكر الجرة منه فالجرعة منه حرام" ولأن المسكر يفسد العقل فيكون حراما قليله وكثيره كالخمر ولهما قوله ﵊: "حرمت الخمر لعينها" ويروى "بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب" خص السكر بالتحريم في غير الخمر؛ إذ العطف للمغايرة، ولأن المفسد هو القدح المسكر وهو حرام عندنا وإنما يحرم القليل منه؛ لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير فأعطي حكمه، والمثلث لغلظه لا يدعو وهو في نفسه غذاء فبقي على الإباحة: والحديث الأول غير ثابت على ما بيناه، ثم هو محمول على القدح الأخير إذ هو المسكر حقيقة والذي يصب عليه الماء بعد ما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرق ثم يطبخ طبخة حكمه حكم المثلث؛ لأن صب الماء لا يزيده إلا ضعفا، بخلاف ما إذا صب الماء على العصير ثم يطبخ حتى يذهب ثلثا الكل؛ لأن الماء يذهب أولا للطافته، أو يذهب منهما فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب ولو طبخ العنب كما هو ثم يعصر يكتفى بأدنى طبخة في رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية عنه لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ، وهو الأصح؛ لأن العصير قائم فيه من غير تغير فصار كما بعد العصر، ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر أو بين التمر والزبيب لا يحل حتى يذهب ثلثاه لأن التمر إن كان يكتفى فيه بأدنى طبخة فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه فيعتبر جانب العنب احتياطا، وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر لما قلنا.
ولو طبخ نقيع التمر والزبيب أدنى طبخة ثم أنقع فيه تمر أو زبيب، إن كان ما أنقع فيه شيئا يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله
стр. 1062
لا بأس به، وإن كان يتخذ النبيذ من مثله لم يحل كما إذا صب في المطبوخ قدح من النقيع والمعنى تغليب جهة الحرمة، ولا حد في شربه؛ لأن التحريم للاحتياط وهو للحد في درئه. ولو طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه لم يحل؛ لأن الحرمة قد تقررت فلا ترتفع بالطبخ.
قال: "ولا بأس بالانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير" لقوله ﵊ في حديث فيه طول بعد ذكر هذه الأوعية: "فاشربوا في كل ظرف، فإن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه ولا تشربوا المسكر" وقال ذلك بعد ما أخبر عن النهي عنه فكان ناسخا له، وإنما ينتبذ فيه بعد تطهيره، فإن كان الوعاء عتيقا يغسل ثلاثا فيطهر، وإن كان جديدا لا يطهر عند محمد لتشرب الخمر فيه بخلاف العتيق وعند أبي يوسف يغسل ثلاثا ويجفف في كل مرة وهي مسألة ما لا ينعصر بالعصر، وقيل عن أبي يوسف: يملأ ماء مرة بعد أخرى، حتى إذا خرج الماء صافيا غير متغير يحكم بطهارته.
قال: "وإذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها، ولا يكره تخليلها" وقال الشافعي: يكره التخليل ولا يحل الخل الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء فيه قولا واحدا، وإن كان بغير إلقاء شيء فيه فله في الخل الحاصل به قولان له أن في التخليل اقترابا من الخمر على وجه التمول، والأمر بالاجتناب ينافيه ولنا قوله ﵊: "نعم الإدام الخل" من غير فصل، وقوله ﵊: "خير خلكم خل خمركم" ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة، والتغذي به والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والاقتراب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة، والتخليل أولى لما فيه من إحراز مال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به، وإذا صار الخمر خلا يطهر ما يوازيها من الإناء، فأما أعلاه وهو الذي نقص منه الخمر قيل يطهر تبعا وقيل لا يطهر؛ لأنه خمر يابس إلا إذا غسل بالخل فيتخلل من ساعته فيطهر، وكذا إذا صب فيه الخمر ثم ملئ خلا يطهر في الحال على ما قالوا.
قال: "ويكره شرب دردي الخمر والامتشاط به"؛ لأن فيه أجزاء الخمر، والانتفاع بالمحرم حرام، ولهذا لا يجوز أن يداوي به جرحا أو دبرة دابة ولا أن يسقي ذميا ولا أن يسقي صبيا للتداوي، والوبال على من سقاه، وكذا لا يسقيها الدواب وقيل: لا تحمل الخمر
стр. 1063
إليها، أما إذا قيدت إلى الخمر فلا بأس به كما في الكلب والميتة ولو ألقي الدردي في الخل لا بأس به؛ لأنه يصير خلا لكن يباح حمل الخل إليه لا عكسه لما قلنا.
قال: "ولا يحد شاربه" أي شارب الدردي "إن لم يسكر" وقال الشافعي: يحد؛ لأنه شرب جزءا من الخمر ولنا أن قليله لا يدعو إلى كثيره لما في الطباع من النبوة عنه فكان ناقصا فأشبه غير الخمر من الأشربة ولا حد فيها إلا بالسكر، ولأن الغالب عليه الثفل فصار كما إذا غلب عليه الماء بالامتزاج "ويكره الاحتقان بالخمر وإقطارها في الإحليل"؛ لأنه انتفاع بالمحرم ولا يجب الحد لعدم الشرب وهو السبب، ولو جعل الخمر في مرقة لا تؤكل لتنجسها بها ولا حد ما لم يسكر منه؛ لأنه أصابه الطبخ "ويكره أكل خبز عجن عجينه بالخمر" لقيام أجزاء الخمر فيه.
стр. 1064
فصل: في طبخ العصير
والأصل أن ما ذهب بغليانه بالنار وقذفه بالزبد يجعل كأن لم يكن ويعتبر ذهاب ثلثي ما بقي ليحل الثلث الباقي، بيانه عشرة دوارق من عصير طبخ فذهب دورق بالزبد يطبخ الباقي حتى يذهب ستة دوارق ويبقى الثلث فيحل؛ لأن الذي يذهب زبدا هو العصير أو ما يمازجه، وأيا ما كان جعل كأن العصير تسعة دوارق فيكون ثلثها ثلاثة وأصل آخر أن العصير إذا صب عليه ماء قبل الطبخ ثم طبخ بمائه، إن كان الماء أسرع ذهابا لرقته ولطافته يطبخ الباقي بعد ما ذهب مقدار ما صب فيه من الماء حتى يذهب ثلثاه؛ لأن الذاهب الأول هو الماء والثاني العصير، فلا بد من ذهاب ثلثي العصير، وإن كانا يذهبان معا تغلى الجملة حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فيحل؛ لأنه ذهب الثلثان ماء وعصيرا والثلث الباقي ماء وعصير فصار كما إذا صب الماء فيه بعد ما ذهب من العصير بالغلي ثلثاه بيانه عشرة دوارق من عصير وعشرون دورقا من ماء ففي الوجه الأول يطبخ حتى يبقى تسع الجملة؛ لأنه ثلث العصير؛ وفي الوجه الثاني حتى يذهب ثلثا الجملة لما قلنا، والغلي بدفعة أو دفعات سواء إذا حصل قبل أن يصير محرما ولو قطع عنه النار فغلى حتى ذهب الثلثان يحل؛ لأنه أثر النار وأصل آخر أن العصير إذا طبخ فذهب بعضه ثم أهريق بعضه كم تطبخ البقية حتى يذهب الثلثان فالسبيل فيه أن تأخذ ثلث الجميع فتضربه في الباقي بعد المنصب ثم تقسمه على ما بقي بعد ذهاب ما ذهب بالطبخ قبل أن ينصب منه شيء فما يخرج بالقسمة فهو حلال بيانه عشرة أرطال عصير طبخ حتى ذهب رطل ثم أهريق منه ثلاثة أرطال تأخذ ثلث العصير كله، وهو
стр. 1065
ثلاثة وثلث وتضربه فيما بقي بعد المنصب هو ستة فيكون عشرين ثم تقسم العشرين على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ منه قبل أن ينصب منه شيء وذلك تسعة، فيخرج لكل جزء من ذلك اثنان وتسعان، فعرفت أن الحلال فيما بقي منه رطلان وتسعان، وعلى هذا تخرج المسائل ولها طريق آخر، وفيما اكتفينا به كفاية وهداية إلى تخريج غيرها من المسائل والله أعلم بالصواب.
стр. 1066
كتاب الصيد
الصيد: الاصطياد، ويطلق على ما يصاد، والفعل مباح لغير المحرم في غير الحرم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ولقوله ﵊ لعدي بن حاتم الطائي ﵁: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل منه فلا تأكل؛ لأنه إنما أمسك على نفسه، وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك" وعلى إباحته انعقد الإجماع ولأنه نوع اكتساب وانتفاع بما هو مخلوق لذلك، وفيه استبقاء المكلف وتمكينه من إقامة التكاليف فكان مباحا بمنزلة الاحتطاب ثم جملة ما يحويه الكتاب فصلان: أحدهما في الصيد بالجوارح والثاني في الاصطياد بالرمي.
стр. 1067
فصل: في الجوارح
قال: "ويجوز الاصطياد بالكلب المعلم والفهد والبازي وسائر الجوارح المعلمة وفي الجامع الصغير: وكل شيء علمته من ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فلا بأس بصيده، ولا خير فيما سوى ذلك إلا أن تدرك ذكاته" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] والجوارح: الكواسب قال في تأويل المكلبين: المسلطين، فيتناول الكل بعمومه، دل عليه ما روينا من حديث عدي ﵁ واسم الكلب في اللغة يقع على كل سبع حتى الأسد وعن أبي يوسف أنه استثني من ذلك الأسد والدب؛ لأنهما لا يعملان لغيرهما الأسد لعلو همته والدب لخساسته، وألحق بهما بعضهم الحدأة لخساستها، والخنزير مستثنى؛ لأنه نجس العين فلا يجوز الانتفاع به ثم لا بد من التعليم؛ لأن ما تلونا من النص ينطق باشتراط التعليم والحديث به وبالإرسال، ولأنه إنما يصير آلة بالتعليم ليكون عاملا له فيترسل بإرساله ويمسكه عليه.
قال: "تعليم الكلب أن يترك الأكل ثلاث مرات، وتعليم البازي أن يرجع ويجيب إذا
стр. 1068
دعوته" وهو مأثور عن ابن عباس ﵄، ولأن بدن البازي لا يحتمل الضرب، وبدن الكلب يحتمله فيضرب ليتركه، ولأن آية التعليم ترك ما هو ألوف عادة، والبازي متوحش متنفر فكانت الإجابة آية تعليمه وأما الكلب فهو مألوف يعتاد الانتهاب فكان آية تعليمه ترك مألوفه وهو الأكل والاستلاب ثم شرط ترك الأكل ثلاثا وهذا عندهما وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن فيما دونه مزيد الاحتمال فلعله تركه مرة أو مرتين شبعا، فإذا تركه ثلاثا دل على أنه صار عادة له، وهذا؛ لأن الثلاث مدة ضربت للاختبار وإبلاء الأعذار كما في مدة الخيار وفي بعض قصص الأخيار: ولأن الكثير هو الذي يقع أمارة على العلم دون القليل، والجمع هو الكثير وأدناه الثلاث فقدر بها وعند أبي حنيفة على ما ذكر في الأصل: لا يثبت التعليم ما لم يغلب على ظن الصائد أنه معلم، ولا يقدر بالثلاث؛ لأن المقادير لا تعرف اجتهادا بل نصا وسماعا ولا سمع فيفوض إلى رأي المبتلى به كما هو أصله في جنسها وعلى الرواية الأولى عنده يحل ما اصطاده ثالثا وعندهما لا يحل؛ لأنه إنما يصير معلما بعد تمام الثلاث وقبل التعليم غير معلم، فكان الثالث صيد كلب جاهل وصار كالتصرف المباشر في سكوت المولى وله أنه آية تعليمه عنده فكان هذا صيد جارحة معلمة، بخلاف تلك المسألة؛ لأن الإذن إعلام ولا يتحقق دون علم العبد وذلك بعد المباشرة.
قال: "وإذا أرسل كلبه المعلم أو بازيه وذكر اسم الله تعالى عند إرساله فأخذ الصيد وجرحه فمات حل أكله" لما روينا من حديث عدي ﵁، ولأن الكلب أو البازي آلة، والذبح لا يحصل بمجرد الآلة إلا بالاستعمال وذلك فيهما بالإرسال فنزل منزلة الرمي وإمرار السكين فلا بد من التسمية عنده ولو تركه ناسيا حل أيضا على ما بيناه، وحرمة متروك التسمية عامدا في الذبائح ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية ليتحقق الذكاة الاضطراري وهو الجرح في أي موضع كان من البدن بانتساب ما وجد من الآلة إليه بالاستعمال وفي ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] ما يشير إلى اشتراط الجرح؛ إذ هو من الجرح بمعنى الجراحة في تأويل فيحمل على الجارح الكاسب بنابه ومخلبه ولا تنافي، وفيه أخذ باليقين وعن أبي يوسف أنه لا يشترط رجوعا إلى التأويل الأول وجوابه ما قلنا.
قال: "فإن أكل منه الكلب أو الفهد لم يؤكل وإن أكل منه البازي أكل" والفرق ما بيناه في دلالة التعليم وهو مؤيد بما روينا من حديث عدي ﵁ وهو حجة على مالك والشافعي في قوله القديم في إباحة ما أكل الكلب منه.
قال: "ولو أنه صاد صيودا ولم يأكل منها ثم أكل من صيد لا يؤكل هذا الصيد" لأنه
стр. 1069
علامة الجهل، ولا ما يصيده بعده حتى يصير معلما على اختلاف الروايات كما بيناها في الابتداء وأما الصيود التي أخذها من قبل فما أكل منها لا تظهر الحرمة فيه لانعدام المحلية وما ليس بمحرز بأن كان في المفازة بأن لم يظفر صاحبه بعد تثبت الحرمة فيه بالاتفاق، وما هو محرز في بيته يحرم عنده خلافا لهما هما يقولان: إن الأكل ليس يدل على الجهل فيما تقدم؛ لأن الحرفة قد تنسى، ولأن فيما أحرزه قد أمضى الحكم فيه الاجتهاد فلا ينقض باجتهاد مثله؛ لأن المقصود قد حصل بالأول، بخلاف غير المحرز؛ لأنه ما حصل المقصود من كل وجه لبقائه صيدا من وجه لعدم الإحراز فحرمناه احتياطا وله أنه آية جهله من الابتداء؛ لأن الحرفة لا ينسى أصلها، فإذا أكل تبين أنه كان ترك الأكل للشبع لا للعلم، وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود؛ لأنه بالأكل فصار كتبدل اجتهاد القاضي قبل القضاء.
قال: "ولو أن صقرا فر من صاحبه فمكث حينا ثم صاد لا يؤكل صيده"؛ لأنه ترك ما صار به عالما فيحكم بجهله كالكلب إذا أكل من الصيد.
قال: "ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه أكل"؛ لأنه ممسك للصيد عليه، وهذا من غاية علمه حيث شرب ما لا يصلح لصاحبه وأمسك عليه ما يصلح له.
قال: "ولو أخذ الصيد من المعلم ثم قطع منه قطعة وألقاها إليه فأكلها يؤكل ما بقي"؛ لأنه لم يبق صيدا فصار كما إذا ألقى إليه طعاما غيره، وكذا إذا وثب الكلب فأخذه منه وأكل منه؛ لأنه ما أكل من الصيد، والشرط ترك الأكل من الصيد فصار كما إذا افترس شاته، بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يحرزه المالك؛ لأنه بقيت فيه جهة الصيدية.
قال: "ولو نهس الصيد فقطع منه بضعة فأكلها ثم أدرك الصيد فقتله ولم يأكل منه لم يؤكل"؛ لأنه صيد كلب جاهل حيث أكل من الصيد.
قال: "ولو ألقى ما نهسه واتبع الصيد فقتله ولم يأكل منه وأخذه صاحبه ثم مر بتلك البضعة فأكلها يؤكل الصيد"؛ لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لم يضره، فإذا أكل ما بان منه وهو لا يحل لصاحبه أولى، بخلاف الوجه الأول؛ لأنه أكل في حالة الاصطياد فكان جاهلا ممسكا لنفسه، ولأن نهس البضعة قد يكون ليأكلها وقد يكون حيلة في الاصطياد ليضعف بقطع القطعة منه فيدركه، فالأكل قبل الأخذ يدل على الوجه الأول، وبعده على الوجه الثاني فلا يدل على جهله.
قال: "وإن أدرك المرسل الصيد حيا وجب عليه أن يذكيه، وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل، وكذا البازي والسهم"؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، إذ المقصود
стр. 1070
هو الإباحة ولم تثبت قبل موته فبطل حكم البدل، وهذا إذا تمكن من ذبحه أما إذا وقع في يده ولم يتمكن من ذبحه وفيه من الحياة فوق ما يكون في المذبوح لم يؤكل في ظاهر الرواية وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يحل وهو قول الشافعي؛ لأنه لم يقدر على الأصل فصار كما إذا رأى الماء ولم يقدر على الاستعمال ووجه الظاهر أنه قدر اعتبارا؛ لأنه ثبت يده على حسب تفاوتهم في الكياسة والهداية في أمر الذبح فأدير الحكم على ما ذكرنا، بخلاف ما إذا بقي فيه من الحياة مثل ما يبقى في المذبوح؛ لأنه ميت حكما، ألا ترى أنه لو وقع في الماء وهو بهذه الحالة لم يحرم كما إذا وقع وهو ميت والميت ليس بمذبح وفصل بعضهم فيها تفصيلا وهو أنه إن لم يتمكن لفقد الآلة لم يؤكل، وإن لم يتمكن بضيق الوقت لم يؤكل عندنا خلافا للشافعي؛ لأنه إذا وقع في يده لم يبق صيدا فبطل حكم ذكاة الاضطرار، وهذا إذا كان يتوهم بقاؤه، أما إذا شق بطنه وأخرج ما فيه ثم وقع في يد صاحبه حل؛ لأن ما بقي اضطراب المذبوح فلا يعتبر كما إذا وقعت شاة في الماء بعدما ذبحت وقيل هذا قولهما، أما عند أبي حنيفة فلا يؤكل أيضا؛ لأنه وقع في يده حيا فلا يحل إلا بذكاة الاختيار رد إلى المتردية على ما نذكره إن شاء الله تعالى هذا الذي ذكرنا إذا ترك التذكية، فلو أنه ذكاه حل أكله عند أبي حنيفة، وكذا المتردية والنطيحة والموقوذة، والذي يبقر الذئب بطنه وفيه حياة خفية أو بينة، وعليه الفتوى لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] استثناه مطلقا من غير فصل وعند أبي يوسف إذا كان بحال لا يعيش مثله لا يحل؛ لأنه لم يكن موته بالذبح وقال محمد: إن كان يعيش فوق ما يعيش المذبوح يحل وإلا فلا؛ لأنه لا معتبر بهذه الحياة على ما قررناه.
قال: "ولو أدركه ولم يأخذه، فإن كان في وقت لو أخذه أمكنه ذبحه لم يؤكل"؛ لأنه صار في حكم المقدور عليه.
قال: "وإن كان لا يمكنه ذبحه أكل"؛ لأن اليد لم تثبت به، والتمكن من الذبح لم يوجد.
قال: "وإن أدركه فذكاه حل له"؛ لأنه إن كان فيه حياة مستقرة فالذكاة وقعت موقعها بالإجماع، وإن لم يكن فيه حياة مستقرة؛ فعند أبي حنيفة ﵀ ذكاته الذبح على ما ذكرناه وقد وجد، وعندهما لا يحتاج إلى الذبح.
стр. 1071
قال: "وإذا أرسل كلبه المعلم على صيد وأخذ غيره حل" وقال مالك: لا يحل؛ لأنه أخذه بغير إرسال؛ إذ الإرسال مختص بالمشار إليه ولنا أنه شرط غير مفيد؛ لأن مقصوده حصول الصيد إذ لا يقدر على الوفاء به؛ إذ لا يمكنه تعليمه على وجه يأخذ ما عينه فسقط اعتباره.
قال: "ولو أرسله على صيد كثير وسمى مرة واحدة حالة الإرسال، فلو قتل الكل يحل بهذه التسمية الواحدة"؛ لأن الذبح يقع بالإرسال على ما بيناه، ولهذا تشترط التسمية عنده والفعل واحد فيكفيه تسمية واحدة، بخلاف ذبح الشاتين بتسمية واحدة؛ لأن الثانية تصير مذبوحة بفعل غير الأول فلا بد من تسمية أخرى، حتى لو أضجع إحداهما فوق الأخرى، وذبحهما بمرة واحدة تحلان بتسمية واحدة.
قال: "ومن أرسل فهدا فكمن حتى يستمكن ثم أخذ الصيد فقتله يؤكل"؛ لأن مكثه ذلك حيلة منه للصيد لا استراحة فلا يقطع الإرسال.
قال: "وكذا الكلب إذا اعتاد عادته" "ولو أخذ الكلب صيدا فقتله ثم أخذ آخر فقتله وقد أرسله صاحبه أكلا جميعا"؛ لأن الإرسال قائم لم ينقطع، وهو بمنزلة ما لو رمى سهما إلى صيد فأصابه وأصاب آخر.
قال: "ولو قتل الأول فجثم عليه طويلا من النهار ثم مر به صيد آخر فقتله لا يؤكل الثاني" لانقطاع الإرسال بمكثه إذ لم يكن ذلك حيلة منه للأخذ وإنما كان استراحة، بخلاف ما تقدم.
قال: "ولو أرسل بازيه المعلم على صيد فوقع على شيء ثم اتبع الصيد فأخذه وقتله فإنه يؤكل" وهذا إذا لم يمكث زمانا طويلا للاستراحة، وإنما مكث ساعة للتمكين لما بيناه في الكلب.
قال: "ولو أن بازيا معلما أخذ صيدا فقتله ولا يدرى أرسله إنسان أم لا لا يؤكل" لوقوع الشك في الإرسال، ولا تثبت الإباحة بدونه.
قال: "وإن خنقه الكلب ولم يجرحه لم يؤكل"؛ لأن الجرح شرط على ظاهر الرواية على ما ذكرناه، وهذا يدلك على أنه لا يحل بالكسر وعن أبي حنيفة أنه إذا كسر عضوا فقتله لا بأس بأكله؛ لأنه جراحة باطنة فهي كالجراحة الظاهرة وجه الأول أن المعتبر جرح ينتهض سببا لإنهار الدم ولا يحصل ذلك بالكسر فأشبه التخنيق.
قال: "وإن شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه
стр. 1072
يريد به عمدا لم يؤكل" لما روينا في حديث عدي ﵁، ولأنه اجتمع المبيح والمحرم فيغلب جهة الحرمة نصا أو احتياطا "ولو رده عليه الكلب الثاني ولم يجرحه معه ومات بجرح الأول يكره أكله" لوجود المشاركة في الأخذ وفقدها في الجرح، وهذا بخلاف ما إذا رده المجوسي بنفسه حيث لا يكره؛ لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلا تتحقق المشاركة وتتحقق بين فعلي الكلبين لوجود المجانسة "ولو لم يرده الكلب الثاني على الأول لكنه أشد على الأول حتى اشتد على الصيد فأخذه وقتله لا بأس بأكله"؛ لأن فعل الثاني أثر في الكلب المرسل دون الصيد حيث ازداد به طلبا فكان تبعا لفعله؛ لأنه بناء عليه فلا يضاف الأخذ إلى التبع، بخلاف ما إذا كان رده عليه؛ لأنه لم يصر تبعا فيضاف إليهما.
قال: "وإذا أرسل المسلم كلبه فزجره مجوسي فانزجر بزجره فلا بأس بصيده" والمراد بالزجر الإغراء بالصياح عليه، وبالانزجار إظهار زيادة الطلب ووجهه أن الفعل يرفع بما هو فوقه أو مثله كما في نسخ الآي، والزجر دون الإرسال لكونه بناء عليه.
قال: "ولو أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر بزجره لم يؤكل"؛ لأن الزجر دون الإرسال ولهذا لم تثبت به شبهة الحرمة فأولى أن لا يثبت به الحل، وكل من لا تجوز ذكاته كالمرتد والمحرم وتارك التسمية عامدا في هذا بمنزلة المجوسي "وإن لم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر فأخذ الصيد فلا بأس بأكله"؛ لأن الزجر مثل الانفلات؛ لأنه إن كان دونه من حيث إنه بناء عليه فهو فوقه من حيث إنه فعل المكلف فاستويا فصلح ناسخا "ولو أرسل المسلم كلبه على صيد وسمى فأدركه فضربه ووقذه ثم ضربه فقتله أكل، وكذا إذا أرسل كلبين فوقذه أحدهما ثم قتله الآخر أكل"؛ لأن الامتناع عن الجرح بعد الجرح لا يدخل تحت التعليم فجعل عفوا "ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبا فوقذه أحدهما وقتله الآخر أكل" لما بينا "والملك للأول"؛ لأن الأول أخرجه عن حد الصيدية إلا أن الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيدية بجرح الكلب الأول.
стр. 1073
فصل: في الرمي
"ومن سمع حسا ظنه حس صيد فرماه أو أرسل كلبا أو بازيا عليه فأصاب صيدا، ثم تبين أنه حس صيد حل المصاب" أي صيد كان؛ لأنه قصد الاصطياد وعن أبي يوسف أنه خص من ذلك الخنزير لتغليظ التحريم؛ ألا ترى أنه لا تثبت الإباحة في شيء منه بخلاف السباع؛ لأنه يؤثر في جلدها وزفر خص منها ما لا يؤكل لحمه؛ لأن الإرسال فيه
стр. 1074
ليس للإباحة ووجه الظاهر أن اسم الاصطياد لا يختص بالمأكول فوقع الفعل اصطيادا وهو فعل مباح في نفسه، وإباحة التناول ترجع إلى المحل فتثبت بقدر ما يقبله لحما وجلدا، وقد لا تثبت إذا لم يقبله، وإذا وقع اصطيادا صار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره "وإن تبين أنه حس آدمي أو حيوان أهلي لا يحل المصاب"؛ لأن الفعل ليس باصطياد "والطير الداجن الذي يأوي البيوت أهلي والظبي الموثق بمنزلته" لما بينا "ولو رمى إلى طائر فأصاب صيدا ومر الطائر ولا يدري وحشي هو أو غير وحشي حل الصيد"؛ لأن الظاهر فيه التوحش "ولو رمى إلى بعير فأصاب صيدا ولا يدري ناد هو أم لا لا يحل الصيد"؛ لأن الأصل فيه الاستئناس "ولو رمى إلى سمكة أو جرادة فأصاب صيدا يحل في رواية عن أبي يوسف"؛ لأنه صيد، وفي أخرى عنه لا يحل؛ لأنه لا ذكاة فيهما "ولو رمى فأصاب المسموع حسه وقد ظنه آدميا فإذا هو صيد يحل"؛ لأنه لا معتبر بظنه مع تعينه "فإذا سمى الرجل عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرح السهم فمات"؛ لأنه ذابح بالرمي لكون السهم آلة له فتشترط التسمية عنده، وجميع البدن محل لهذا النوع من الذكاة، ولا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما بيناه.
قال: "وإذا أدركه حيا ذكاه" وقد بيناها بوجوهها، والاختلاف فيها في الفصل الأول فلا نعيده.
قال: "وإذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتا أكل، وإن قعد عن طلبه" ثم أصابه ميتا لم يؤكل، لما روي عن النبي ﵊ أنه كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي وقال: "لعل هوام الأرض قتلته" ولأن احتمال الموت بسبب آخر قائم فما ينبغي أن يحل أكله؛ لأن الموهوم في هذا كالمتحقق لما روينا، إلا أنا أسقطنا اعتباره ما دام في طلبه ضرورة أن لا يعرى الاصطياد عنه، ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه لإمكان التحرز عن توار يكون بسبب عمله، والذي رويناه حجة على مالك في قوله إن ما توارى عنه إذا لم يبت يحل فإذا بات ليلة لم يحل "ولو وجد به جراحة سوى جراحة سهمه لا يحل"؛ لأنه موهوم يمكن الاحتراز عنه فاعتبر محرما، بخلاف وهم الهوام والجواب في إرسال الكلب في هذا كالجواب في الرمي في جميع ما ذكرناه.
قال: "وإذا رمى صيدا فوقع في الماء أو وقع على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الأرض لم يؤكل"؛ لأنه المتردية وهي حرام بالنص، ولأنه احتمل الموت بغير الرمي؛ إذ الماء مهلك وكذا السقوط من عال، يؤيد ذلك قوله ﵊ لعدي ﵁: "وإن وقعت رميتك في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك" "وإن وقع على
стр. 1075
الأرض ابتداء أكل"؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وفي اعتباره سد باب الاصطياد بخلاف ما تقدم؛ لأنه يمكن التحرز عنه، فصار الأصل أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا وأمكن التحرز عما هو سبب الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطا، وإن كان مما لا يمكن التحرز عنه جرى وجوده مجرى عدمه؛ لأن التكليف بحسب الوسع، فمما يمكن التحرز عنه إذا وقع على شجر أو حائط أو آجرة ثم وقع على الأرض أو رماه، وهو على جبل فتردى من موضع إلى موضع حتى تردى إلى الأرض، أو رماه فوقع على رمح منصوب أو على قصبة قائمة أو على حرف آجرة لاحتمال أن حد هذه الأشياء قتله، ومما لا يمكن الاحتراز عنه إذا وقع على الأرض كما ذكرناه، أو على ما هو معناه كجبل أو ظهر بيت أو لبنة موضوعة أو صخرة فاستقر عليها؛ لأن وقوعه عليه وعلى الأرض سواء وذكر في المنتفى: لو وقع على صخرة فانشق بطنه لم يؤكل لاحتمال الموت بسبب آخر وصححه الحاكم الشهيد وحمل مطلق المروي في الأصل على غير حالة الانشقاق، وحمله شمس الأئمة السرخسي ﵀ على ما أصابه حد الصخرة فانشق بطنه بذلك، وحمل المروي في الأصل على أنه لم يصبه من الآجرة إلا ما يصيبه من الأرض لو وقع عليها وذلك عفو وهذا أصح وإن كان الطير مائيا، فإن كانت الجراحة لا تنغمس في الماء أكل، وإن انغمست لا يؤكل كما إذا وقع في الماء.
قال: "وما أصابه المعراض بعرضه لم يؤكل، وإن جرحه يؤكل" لقوله ﵊ فيه: "ما أصاب بحده فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل" ولأنه لا بد من الجرح ليتحقق معنى الذكاة على ما قدمناه.
قال: "ولا يؤكل ما أصابته البندقة فمات بها"؛ لأنها تدق وتكسر ولا تجرح فصار كالمعراض إذا لم يخزق، وكذلك إن رماه بحجر، وكذا إن جرحه قالوا: تأويله إذا كان ثقيلا وبه حدة لاحتمال أنه قتله بثقله، وإن كان الحجر خفيفا وبه حدة يحل لتعين الموت بالجرح، ولو كان الحجر خفيفا، وجعله طويلا كالسهم وبه حدة فإنه يحل؛ لأنه يقتله بجرحه، ولو رماه بمروة حديدة ولم تبضع بضعا لا يحل؛ لأنه قتله دقا، وكذا إذا رماه بها فأبان رأسه أو قطع أوداجه؛ لأن العروق تنقطع بثقل الحجر كما تنقطع بالقطع فوق الشك أو لعله مات قبل قطع الأوداج، ولو رماه بعصا أو بعود حتى قتله لا يحل؛ لأنه يقتله ثقلا لا جرحا، اللهم إلا إذا كان له حدة يبضع بضعا فحينئذ لا بأس به؛ لأنه بمنزلة السيف والرمح.
والأصل في هذه المسائل أن الموت إذا كان مضافا إلى الجرح بيقين كان الصيد حلالا، وإذا كان مضافا إلى الثقل بيقين كان حراما، وإن وقع الشك ولا يدري مات بالجرح
стр. 1076
أو بالثقل كان حراما احتياطا، وإن رماه بسيف أو بسكين فأصابه بحده فجرحه حل، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف لا يحل؛ لأنه قتله دقا، والحديد وغيره فيه سواء ولو رماه فجرحه ومات بالجرح، إن كان الجرح مدميا يحل بالاتفاق، وإن لم يكن مدميا فكذلك عند بعض المتأخرين سواء كانت الجراحة صغيرة أو كبيرة؛ لأن الدم قد يحتبس بضيق المنفذ أو غلظ الدم وعند بعضهم يشترط الإدماء لقوله ﵊: "ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل" شرط الإنهار، وعند بعضهم إن كانت كبيرة حل بدون الإدماء، ولو ذبح شاة ولم يسل منه الدم قيل لا تحل وقيل تحل ووجه القولين دخل فيما ذكرناه وإذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه، فإن أدماه حل وإلا فلا، وهذا يؤيد بعض ما ذكرناه.
قال: "وإذا رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد" لما بيناه "ولا يؤكل العضو" وقال الشافعي ﵀: أكلا إن مات الصيد منه؛ لأنه مبان بذكاة الاضطرار فيحل المبان والمبان منه كما إذا أبين الرأس بذكاة الاختيار بخلاف ما إذا لم يمت؛ لأنه ما أبين بالذكاة ولنا قوله ﵊: "ما أبين من الحي فهو ميت" ذكر الحي مطلقا فينصرف إلى الحي حقيقة وحكما، والعضو المبان بهذه الصفة؛ لأن المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة فيه، وكذا حكما؛ لأنه تتوهم سلامته بعد هذه الجراحة ولهذا اعتبره الشرع حيا، حتى لو وقع في الماء وفيه حياة بهذه الصفة يحرم وقوله أبين بالذكاة.
قلنا: حال وقوعه لم يقع ذكاة لبقاء الروح في الباقي، وعند زواله لا يظهر في المبان لعدم الحياة فيه، ولا تبعية لزوالها بالانفصال فصار هذا الحرف هو الأصل؛ لأن المبان من الحي حقيقة وحكما لا يحل، والمبان من الحي صورة لا حكما يحل وذلك بأن يبقى في المبان منه حياة بقدر ما يكون في المذبوح فإنه حياة صورة لا حكما، ولهذا لو وقع في الماء وبه هذا القدر من الحياة أو تردى من جبل أو سطح لا يحرم فتخرج عليه المسائل، فنقول: إذا قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس يحرم المبان ويحل المبان منه؛ لأنه يتوهم بقاء الحياة في الباقي "ولو قده بنصفين أو قطعه أثلاثا والأكثر مما يلي العجز أو قطع نصف رأسه أو أكثر منه يحل المبان والمبان منه"؛ لأن المبان منه حي صورة لا حكما؛ إذ لا يتوهم بقاء الحياة بعد هذا الجرح، والحديث وإن تناول السمك وما أبين منه فهو ميت، إلا أن ميتته حلال بالحديث الذي رويناه "ولو ضرب عنق شاة فأبان رأسها يحل لقطع الأوداج" ويكره هذا الصنيع لإبلاغه النخاع، وإن ضربه من قبل القفا، إن مات قبل قطع الأوداج لا يحل، وإن لم يمت حتى قطع الأوداج حل "ولو ضرب صيدا
стр. 1077
فقطع يدا أو رجلا ولم يبنه؛ إن كان يتوهم الالتئام والاندمال فإذا مات حل أكله"؛ لأنه بمنزلة سائر أجزائه، وإن كان لا يتوهم بأن بقي متعلقا بجلده حل ما سواه لوجود الإبانة معنى والعبرة للمعاني.
قال: "ولا يؤكل صيد المجوسي والمرتد والوثني"؛ لأنهم ليسوا من أهل الذكاة على ما بيناه في الذبائح، ولا بد منها في إباحة الصيد بخلاف النصراني واليهودي؛ لأنهما من أهل الذكاة اختيارا فكذا اضطرارا.
قال: "ومن رمى صيدا فأصابه ولم يثخنه ولم يخرجه عن حيز الامتناع فرماه آخر فقتله فهو للثاني ويؤكل"؛ لأنه هو الآخذ، وقد قال ﵊: "الصيد لمن أخذ" "وإن كان الأول أثخنه فرماه الثاني فقتله فهو للأول ولم يؤكل" لاحتمال الموت بالثاني، وهو ليس بذكاة للقدرة على ذكاة الاختيار، بخلاف الوجه الأول، وهذا إذا كان الرمي الأول بحال ينجو منه الصيد؛ لأنه حينئذ يكون الموت مضافا إلى الرمي الثاني وأما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح، كما إذا أبان رأسه يحل؛ لأن الموت لا يضاف إلى الرمي الثاني؛ لأن وجوده وعدمه بمنزلة، وإن كان الرمي الأول بحال لا يعيش منه الصيد إلا أنه بقي فيه من الحياة أكثر مما يكون بعد الذبح بأن كان يعيش يوما أو دونه؛ فعلى قول أبي يوسف لا يحرم بالرمي الثاني؛ لأن هذا القدر من الحياة لا عبرة بها عنده وعند محمد يحرم؛ لأن هذا القدر من الحياة معتبر عنده على ما عرف من مذهبه فصار الجواب فيه والجواب فيما إذا كان الأول بحال لا يسلم منه الصيد سواء فلا يحل.
قال: "والثاني ضامن لقيمته للأول غير ما نقصته جراحته"؛ لأنه بالرمي أتلف صيدا مملوكا له؛ لأنه ملكه بالرمي المثخن وهو منقوص بجراحته، وقيمة المتلف تعتبر يوم الإتلاف.
قال ﵁: تأويله إذا علم أن القتل حصل بالثاني بأن كان الأول بحال يجوز أن يسلم الصيد منه والثاني بحال لا يسلم الصيد منه ليكون القتل كله مضافا إلى الثاني وقد قتل حيوانا مملوكا للأول منقوصا بالجراحة فلا يضمنه كملا، كما إذا قتل عبدا مريضا إن علم أن الموت يحصل من الجراحتين أو لا يدري قال في الزيادات: يضمن الثاني ما نقصته جراحته ثم يضمنه نصف قيمته مجروحا بجراحتين ثم يضمن نصف قيمة لحمه أما الأول فلأنه جرح حيوانا مملوكا للغير وقد نقصه فيضمن ما نقصه أولا وأما الثاني:
стр. 1078
فلأن الموت حصل بالجراحتين فيكون هو متلفا نصفه وهو مملوك لغيره فيضمن نصف قيمته مجروحا بالجراحتين؛ لأن الأولى ما كانت بصنعه، والثانية ضمنها مرة فلا يضمنها ثانيا وأما الثالث فلأن بالرمي الأول صار بحال يحل بذكاة الاختيار لولا رمي الثاني، فهذا بالرمي الثاني أفسد عليه نصف اللحم فيضمنه، ولا يضمن النصف الآخر؛ لأنه ضمنه مرة فدخل ضمان اللحم فيه، وإن كان رماه الأول ثانيا فالجواب في حكم الإباحة كالجواب فيما إذا كان الرامي غيره، ويصير كما إذا رمى صيدا على قمة جبل فأثخنه ثم رماه ثانيا فأنزله لا يحل؛ لأن الثاني محرم، كذا هذا.
قال: "ويجوز اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان وما لا يؤكل" لإطلاق ما تلونا والصيد لا يختص بمأكول اللحم قال قائلهم:
صيد الملوك أرانب وثعالب … وإذا ركبت فصيدي الأبطال
ولأن صيده سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو ريشة أو لاستدفاع شره وكل ذلك مشروع والله أعلم بالصواب.
стр. 1079
كتاب الرهن
الرهن لغة: حبس الشيء بأي سبب كان وفي الشريعة: جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون، وهو مشروع بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وبما روي: "أنه ﵊ اشترى من يهودي طعاما ورهنه به درعه" وقد انعقد على ذلك الإجماع، ولأنه عقد وثيقة لجانب الاستيفاء فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب وهي الكفالة.
قال: "الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول ويتم بالقبض" قالوا: الركن الإيجاب بمجرده؛ لأنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع كالهبة والصدقة والقبض شرط اللزوم على ما نبينه إن شاء الله تعالى وقال مالك: يلزم بنفس العقد؛ لأنه يختص بالمال من الجانبين فصار كالبيع، ولأنه عقد وثيقة فأشبه الكفالة ولنا ما تلونا، والمصدر المقرون بحرف الفاء في محل الجزاء يراد به الأمر، ولأنه عقد تبرع لما أن الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئا ولهذا لا يجبر عليه فلا بد من إمضائه كما في الوصية وذلك بالقبض، ثم يكتفي فيه بالتخلية في ظاهر الرواية؛ لأنه قبض بحكم عقد مشروع فأشبه قبض المبيع وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل؛ لأنه قبض موجب للضمان ابتداء بمنزلة الغصب، بخلاف الشراء؛ لأنه ناقل للضمان من البائع إلى المشتري وليس بموجب ابتداء والأول أصح.
قال: "وإذا قبضه المرتهن محوزا مفرغا متميزا تم العقد فيه" لوجود القبض بكماله فلزم العقد "وما لم يقبضه فالراهن بالخيار إن شاء سلمه وإن شاء رجع عن الرهن" لما ذكرنا أن اللزوم بالقبض إذ المقصود لا يحصل قبله.
قال: "وإذا سلمه إليه فقبضه دخل في ضمانه" وقال الشافعي ﵀: هو أمانة في يده، ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه لقوله ﵊: "لا يغلق الرهن، قالها ثلاثة، لصاحبه غنمه وعليه غرمه" قال: ومعناه لا يصير مضمونا بالدين، ولأن الرهن وثيقة بالدين فبهلاكه لا يسقط الدين اعتبارا بهلاك الصك، وهذا؛ لأن بعد الوثيقة يزداد معنى الصيانة، والسقوط بالهلاك يضاد ما اقتضاه العقد إذا لحق به يصير بعرض الهلاك وهو ضد الصيانة ولنا قوله ﵊ للمرتهن بعد ما نفق فرس الرهن عنده "ذهب حقك"
стр. 1080
وقوله ﵊: "إذا غمى الرهن فهو بما فيه" معناه: على ما قالوا إذا اشتبهت قيمة الرهن بعد ما هلك وإجماع الصحابة والتابعين ﵃ على أن الراهن مضمون مع اختلافهم في كيفيته، والقول بالأمانة خرق له، والمراد بقوله ﵊: "لا يغلق الرهن" على ما قالوا الاحتباس الكلي والتمكن بأن يصير مملوكا له كذا ذكر الكرخي عن السلف ولأن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء وهو ملك اليد والحبس؛ لأن الرهن ينبئ عن الحبس الدائم، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وقال قائلهم:
وفارقتك برهن لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
والأحكام الشرعية تنعطف على الألفاظ على وفق الأنباء، ولأن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء وهو أن تكون موصلة إليه وذلك ثابت له بملك اليد والحبس ليقع الأمن من الجحود مخافة جحود المرتهن الرهن، وليكون عاجزا عن الانتفاع به فيتسارع إلى قضاء الدين لحاجته أو لضجره، وإذا كان كذلك يثبت الاستيفاء من وجه وقد تقرر بالهلاك، فلو استوفاه ثانيا يؤدي إلى الربا، بخلاف حالة القيام؛ لأنه ينقض هذا الاستيفاء بالرد على الراهن فلا يتكرر، ولا وجه إلى استيفاء الباقي بدونه؛ لأنه لا يتصور، والاستيفاء يقع بالمالية أما العين فأمانة حتى كانت نفقة المرهون على الراهن في حياته وكفنه بعد مماته، وكذا قبض الرهن لا ينوب عن قبض الشراء إذا اشتراه المرتهن؛ لأن العين أمانة فلا تنوب عن قبض ضمان، وموجب العقد ثبوت يد الاستيفاء وهذا يحقق الصيانة، وإن كان فراغ الذمة من ضروراته كما في الحوالة.
فالحاصل: أن عندنا حكم الرهن صيرورة الرهن محتبسا بدينه بإثبات يد الاستيفاء عليه وعنده تعلق الدين بالعين استيفاء منه عينا بالبيع، فيخرج على هذين الأصلين عدة من المسائل المختلف فيها بيننا وبينه عددناها في كفاية المنتهى جملة: منها أن الراهن ممنوع عن الاسترداد للانتفاع؛ لأنه يفوت موجبه وهو الاحتباس على الدوام، وعنده لا يمنع منه؛ لأنه لا ينافي موجبه وهو تعينه للبيع وسيأتيك البواقي في أثناء المسائل إن شاء الله تعالى.
قال: "ولا يصح الرهن إلا بدين مضمون"؛ لأن حكمه ثبوت يد الاستيفاء، والاستيفاء يتلو الوجوب قال ﵁: ويدخل على هذا اللفظ الرهن بالأعيان المضمونة بأنفسها، فإنه يصح الرهن بها ولا دين ويمكن أن يقال: إن الواجب الأصلي فيها هو القيمة ورد العين مخلص على ما عليه أكثر المشايخ وهو دين ولهذا تصح الكفالة بها، ولئن كان لا يجب إلا بعد الهلاك ولكنه يجب عند الهلاك بالقبض السابق، ولهذا تعتبر قيمته يوم
стр. 1081
القبض فيكون رهنا بعد وجود سبب وجوبه فيصح كما في الكفالة، ولهذا لا تبطل الحوالة المقيدة به بهلاكه، بخلاف الوديعة.
قال: "وهو مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فإذا هلك في يد المرتهن، وقيمته والدين سواء صار المرتهن مستوفيا لدينه، وإن كانت قيمة الرهن أكثر فالفضل أمانة في يده"؛ لأن المضمون بقدر ما يقع به الاستيفاء وذاك بقدر الدين "وإن كانت أقل سقط من الدين بقدره ورجع المرتهن بالفضل"؛ لأن الاستيفاء بقدر المالية.
وقال زفر ﵀: الرهن مضمون بالقيمة، حتى لو هلك الرهن، وقيمته يوم الرهن ألف وخمسمائة والدين ألف رجع الراهن على المرتهن بخمسمائة له حديث علي ﵁ قال: " يترادان الفضل في الرهن " ولأن الزيادة على الدين مرهونة لكونها محبوسة به فتكون مضمونة اعتبارا بقدر الدين ومذهبنا مروي عن عمر وعبد الله ابن مسعود ﵃، ولأن يد المرتهن يد الاستيفاء فلا توجب الضمان إلا بالقدر المستوفي كما في حقيقة الاستيفاء، والزيادة مرهونة به ضرورة امتناع حبس الأصل بدونها ولا ضرورة في حق الضمان والمراد بالتراد فيما يروى حالة البيع، فإنه روي عنه أنه قال: المرتهن أمين في الفضل.
قال: "وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه ويحبسه به"؛ لأن حقه باق بعد الرهن والرهن لزيادة الصيانة فلا تمتنع به المطالبة، والحبس جزاء الظلم، فإذا ظهر مطله عند القاضي يحبسه كما بيناه على التفصيل فيما تقدم "وإذا طلب المرتهن دينه يؤمر بإحضار الرهن"؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء فلا يجوز أن يقبض ماله مع قيام يد الاستيفاء؛ لأنه يتكرر الاستيفاء على اعتبار الهلاك في يد المرتهن وهو محتمل "وإذا أحضر أمر الراهن بتسليم الدين إليه أولا" ليتعين حقه كما تعين حق الراهن تحقيقا للتسوية كما في تسليم المبيع والثمن يحضر المبيع ثم يسلم الثمن أولا "وإن طالبه بالدين في غير البلد الذي وقع العقد فيه، إن كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة، فكذلك الجواب"؛ لأن الأماكن كلها في حق التسليم كمكان واحد فيما ليس له حمل ومؤنة؛ ولهذا لا يشترط بيان مكان الإيفاء فيه في باب السلم بالإجماع "وإن كان له حمل ومؤنة يستوفي دينه ولا يكلف إحضار الرهن"؛ لأن هذا نقل، والواجب عليه التسليم بمعنى التخلية، لا النقل من مكان إلى مكان؛ لأنه يتضرر به زيادة الضرر ولم يلتزمه. "ولو سلط الراهن العدل على بيع المرهون فباعه بنقد أو نسيئة جاز" لإطلاق الأمر "فلو طالب المرتهن بالدين لا يكلف المرتهن إحضار الرهن"؛ لأنه لا قدرة له على الإحضار "وكذا إذا أمر المرتهن ببيعه فباعه ولم يقبض الثمن"؛ لأنه صار دينا بالبيع بأمر الراهن، فصار كأن
стр. 1082
الراهن رهنه وهو دين "ولو قبضه يكلف إحضاره لقيام البدل مقام المبدل"؛ لأن الذي يتولى قبض الثمن هو المرتهن؛ لأنه هو العاقد فترجع الحقوق إليه، وكما يكلف إحضار الرهن لاستيفاء كل الدين يكلف لاستيفاء نجم قد حل لاحتمال الهلاك، ثم إذا قبض الثمن يؤمر بإحضاره لاستيفاء الدين لقيامه مقام العين، وهذا بخلاف ما إذا قتل رجل العبد الرهن خطأ حتى قضى به بالقيمة على عاقلته في ثلاث سنين لم يجبر الراهن على قضاء الدين حتى يحضر كل القيمة؛ لأن القيمة خلف عن الرهن فلا بد من إحضار كلها كما لا بد من إحضار كل عين الرهن وما صارت قيمة بفعله، وفيما تقدم صار دينا بفعل الراهن فلهذا افترقا "ولو وضع الرهن على يد العدل وأمر أن يودعه غيره ففعل ثم جاء المرتهن يطلب دينه لا يكلف إحضار الرهن"؛ لأنه لم يؤتمن عليه حيث وضع على يد غيره فلم يكن تسليمه في قدرته "ولو وضعه العدل في يد من في عياله وغاب وطلب المرتهن دينه والذي في يده يقول أودعني فلان ولا أدري لمن هو يجبر الراهن على قضاء الدين"؛ لأن إحضار الرهن ليس على المرتهن؛ لأنه لم يقبض شيئا. "وكذلك إذا غاب العدل بالرهن ولا يدرى أين هو" لما قلنا "ولو أن الذي أودعه العدل جحد الرهن وقال هو مالي لم يرجع المرتهن على الراهن بشيء حتى يثبت كونه رهنا"؛ لأنه لما جحد الرهن فقد توى المال والتوى على المرتهن فيتحقق استيفاء الدين ولا يملك المطالبة به.
قال: "وإن كان الرهن في يده ليس عليه أن يمكنه من البيع حتى يقضيه الدين"؛ لأن حكمه الحبس الدائم إلى أن يقضي الدين على ما بيناه "ولو قضاه البعض فله أن يحبس كل الرهن حتى يستوفي البقية" اعتبارا بحبس المبيع "فإذا قضاه الدين قيل له سلم الرهن إليه"؛ لأنه زال المانع من التسليم لوصول الحق إلى مستحقه "فلو هلك قبل التسليم استرد الراهن ما قضاه"؛ لأنه صار مستوفيا عند الهلاك بالقبض السابق، فكان الثاني استيفاء بعد استيفاء فيجب رده "وكذلك لو تفاسخا الرهن له حبسه ما لم يقبض الدين أو يبرئه، ولا يبطل الرهن إلا بالرد على الراهن على وجه الفسخ"؛ لأنه يبقى مضمونا ما بقي القبض والدين "ولو هلك في يده سقط الدين إذا كان به وفاء بالدين" لبقاء الرهن "وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن لا باستخدام، ولا بسكنى ولا لبس، إلا أن يأذن له المالك"؛ لأن له حق الحبس دون الانتفاع "وليس له أن يبيع إلا بتسليط من الراهن، وليس له أن يؤاجر ويعير"؛ لأنه ليس له ولاية الانتفاع بنفسه فلا يملك تسليط غيره عليه، فإن فعل كان متعديا، ولا يبطل عقد الرهن بالتعدي.
قال: "وللمرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله" قال ﵁: معناه أن يكون الولد في عياله أيضا، وهذا؛ لأن عينه أمانة في يده فصار
стр. 1083
كالوديعة "وإن حفظه بغير من في عياله أو أودعه ضمن" هل يضمن الثاني فهو على الخلاف، وقد بينا جميع ذلك بدلائله في الوديعة "وإذا تعدى المرتهن في الرهن ضمنه ضمان الغصب بجميع قيمته"؛ لأن الزيادة على مقدار الدين أمانة، والأمانات تضمن بالتعدي "ولو رهنه خاتما فجعله في خنصره فهو ضامن"؛ لأنه متعد بالاستعمال؛ لأنه غير مأذون فيه، وإنما الإذن بالحفظ واليمنى واليسرى في ذلك سواء؛ لأن العادة فيه مختلفة "ولو جعله في بقية الأصابع كان رهنا بما فيه"؛ لأنه لا يلبس كذلك عادة فكان من باب الحفظ، وكذا الطيلسان إن لبسه لبسا معتادا ضمن، وإن وضعه على عاتقه لم يضمن "ولو رهنه سيفين أو ثلاثة فتقلدها لم يضمن في الثلاثة وضمن في السيفين"؛ لأن العادة جرت بين الشجعان بتقلد السيفين في الحرب ولم تجر بتقلد الثلاثة، وإن لبس خاتما فوق خاتم، إن كان هو ممن يتجمل بلبس خاتمين ضمن، وإن كان لا يتجمل بذلك فهو حافظ فلا يضمن.
قال: "وأجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن على المرتهن وكذلك أجرة الحافظ وأجرة الراعي ونفقة الرهن على الراهن" والأصل أن ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن وتبقيته فهو على الراهن سواء كان في الرهن فضل أو لم يكن؛ لأن العين باق على ملكه، وكذلك منافعه مملوكة له فيكون إصلاحه وتبقيته عليه لما أنه مؤنة ملكه كما في الوديعة، وذلك مثل النفقة في مأكله ومشربه، وأجرة الراعي في معناه؛ لأنه علف الحيوان، ومن هذا الجنس كسوة الرقيق وأجرة ظئر ولد الرهن، وسقي البستان، وكري النهر وتلقيح نخيله وجذاذه، والقيام بمصالحه، وكل ما كان لحفظه أو لرده إلى يد المرتهن أو لرد جزء منه فهو على المرتهن مثل أجرة الحافظ؛ لأن الإمساك حق له والحفظ واجب عليه فيكون بدله عليه، وكذلك أجرة البيت الذي يحفظ الرهن فيه، وهذا في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أن كراء المأوى على الراهن بمنزلة النفقة؛ لأنه سعى في تبقيته، ومن هذا القسم جعل الآبق فإنه على المرتهن؛ لأنه محتاج إلى إعادة الاستيفاء التي كانت له ليرده فكانت مؤنة الرد فيلزمه، وهذا إذا كانت قيمة الرهن والدين سواء، وإن كانت قيمة الرهن أكثر فعليه بقدر المضمون وعلى الراهن بقدر الزيادة عليه؛ لأنه أمانة في يده والرد لإعادة اليد، ويده في الزيادة يد المالك إذ هو كالمودع فيها فلهذا يكون على المالك، وهذا بخلاف أجرة البيت الذي ذكرناه فإن كلها تجب على المرتهن، وإن كان في قيمة الرهن فضل؛ لأن وجوب ذلك بسبب الحبس، وحق الحبس في الكل ثابت له فأما الجعل إنما يلزمه لأجل الضمان فيتقدر بقدر المضمون.
قال: "ومداواة الجراحة والقروح ومعالجة الأمراض والفداء من الجناية تنقسم
стр. 1084
على المضمون والأمانة، والخراج على الراهن خاصة" لأنه من مؤن الملك.
قال: "والعشر فيما يخرج مقدم على حق المرتهن" لتعلقه بالعين ولا يبطل الرهن في الباقي؛ لأن وجوبه لا ينافي ملكه، بخلاف الاستحقاق.
قال: "وما أداه أحدهما مما وجب على صاحبه فهو متطوع، وما أنفق أحدهما مما يجب على الآخر بأمر القاضي رجع عليه" كأن صاحبه أمره به؛ لأن ولاية القاضي عامة وعن أبي حنيفة أنه لا يرجع إذا كان صاحبه حاضرا وإن كان بأمر القاضي وقال أبو يوسف إنه يرجع في الوجهين، وهي فرع مسألة الحجر، والله أعلم.
стр. 1085
باب ما يجوز ارتهانه والارتهان به وما لا يجوز
قال: "ولا يجوز رهن المشاع" وقال الشافعي: يجوز، ولنا فيه وجهان: أحدهما يبتني على حكم الرهن، فإنه عندنا ثبوت يد الاستيفاء، وهذا لا يتصور فيما يتناوله العقد وهو المشاع وعنده المشاع يقبل ما هو الحكم عنده وهو تعينه للبيع والثاني أن موجب الرهن هو الحبس الدائم؛ لأنه لم يشرع إلا مقبوضا بالنص، أو بالنظر إلى المقصود منه وهو الاستيثاق من الوجه الذي بيناه، وكل ذلك يتعلق بالدوام، ولا يفضي إليه إلا استحقاق الحبس، ولو جوزناه في المشاع يفوت الدوام؛ لأنه لا بد من المهايأة فيصير كما إذا قال رهنتك يوما ويوما لا، ولهذا لا يجوز فيما يحتمل القسمة وما لا يحتملها، بخلاف الهبة حيث يجوز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأن المانع في الهبة غرامة القسمة وهو فيما يقسم، أما حكم الهبة الملك والمشاع يقبله، وها هنا الحكم ثبوت يد الاستيفاء والمشاع لا يقبله وإن كان لا يحتمل القسمة، ولا يجوز من شريكه؛ لأنه لا يقبل حكمه على الوجه الأول وعلى الوجه الثاني يسكن يوما بحكم الملك ويوما بحكم الرهن فيصير كأنه رهن يوما ويوما لا والشيوع الطارئ يمنع بقاء الرهن في رواية الأصل، وعن أبي يوسف أنه لا يمنع؛ لأن حكم البقاء أسهل من حكم الابتداء فأشبه الهبة وجه الأول أن الامتناع لعدم المحلية وما يرجع إليه، فالابتداء والبقاء سواء كالمحرمية في باب النكاح، بخلاف الهبة؛ لأن المشاع يقبل حكمها وهو الملك، واعتبار القبض في الابتداء لنفي الغرامة على ما بيناه، ولا حاجة إلى اعتباره في حالة البقاء ولهذا يصح الرجوع في بعض الهبة، ولا يجوز فسخ العقد في بعض الرهن.
قال: "ولا رهن ثمرة على رءوس النخيل، ولا زرع الأرض دون الأرض
стр. 1086
ولا رهن النخيل في الأرض دونها"؛ لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون خلقة فكان في معنى الشائع.
قال: "وكذا إذا رهن الأرض دون النخيل أو دون الزرع أو النخيل دون الثمر"؛ لأن الاتصال يقوم بالطرفين، فصار الأصل أن المرهون إذا كان متصلا بما ليس بمرهون لم يجز؛ لأنه لا يمكن قبض المرهون وحده وعن أبي حنيفة أن رهن الأرض بدون الشجر جائز؛ لأن الشجر اسم للنابت فيكون استثناء الأشجار بمواضعها، بخلاف ما إذا رهن الدار دون البناء؛ لأن البناء اسم للمبنى فيصير راهنا جميع الأرض وهي مشغولة بملك الراهن.
قال: "ولو رهن النخيل بمواضعها جاز"؛ لأن هذه مجاورة وهي لا تمنع الصحة.
قال: "ولو كان فيه ثمر يدخل في الرهن"؛ لأنه تابع لاتصاله به فيدخل تبعا تصحيحا للعقد، بخلاف البيع؛ لأن بيع النخيل بدون الثمر جائز، ولا ضرورة إلى إدخاله من غير ذكر، وبخلاف المتاع في الدار حيث لا يدخل في رهن الدار من غير ذكره؛ لأنه ليس بتابع بوجه ما، وكذا يدخل الزرع والرطبة في رهن الأرض ولا يدخل في البيع لما ذكرنا في الثمرة "ويدخل البناء والغرس في رهن الأرض والدار والقرية" لما ذكرنا
قال: "ولو رهن الدار بما فيها جاز ولو استحق بعضه، إن كان الباقي يجوز ابتداء الرهن عليه وحده بقي رهنا بحصته وإلا بطل كله"؛ لأن الرهن جعل كأنه ما ورد إلا على الباقي، ويمنع التسليم كون الراهن أو متاعه في الدار المرهونة، وكذا متاعه في الوعاء المرهون، ويمنع تسليم الدابة المرهونة الحمل عليها فلا يتم حتى يلقي الحمل؛ لأنه شاغل لها، بخلاف ما إذا رهن الحمل دونها حيث يكون رهنا تاما إذا دفعها إليه؛ لأن الدابة مشغولة به فصار كما إذا رهن متاعا في دار أو في وعاء دون الدار والوعاء، بخلاف ما إذا رهن سرجا على دابة أو لجاما في رأسها ودفع الدابة مع السرج واللجام حيث لا يكون رهنا حتى ينزعه منها ثم يسلمه إليه؛ لأنه من توابع الدابة بمنزلة الثمرة للنخيل حتى قالوا يدخل فيه من غير ذكر.
قال: "ولا يصح الرهن بالأمانات" كالودائع والعواري والمضاربات.
قال: "ومال الشركة"؛ لأن القبض في باب الرهن قبض مضمون فلا بد من ضمان ثابت ليقع القبض مضمونا ويتحقق استيفاء الدين منه.
قال: "وكذلك لا يصح بالأعيان المضمونة بغيرها كالمبيع في يد البائع"؛ لأن الضمان ليس بواجب، فإنه إذا هلك العين لم يضمن البائع شيئا لكنه يسقط الثمن وهو حق البائع
стр. 1087
فلا يصح الرهن فأما الأعيان المضمونة بعينها وهو أن يكون مضمونا بالمثل أو بالقيمة عند هلاكه مثل المغصوب وبدل الخلع والمهر وبدل الصلح عن دم العمد يصح الرهن بها؛ لأن الضمان متقرر، فإنه إن كان قائما وجب تسليمه، وإن كان هالكا تجب قيمته فكان رهنا بما هو مضمون فيصح.
قال: "والرهن بالدرك باطل والكفالة بالدرك جائزة" والفرق أن الرهن للاستيفاء ولا استيفاء قبل الوجوب، وإضافة التمليك إلى زمان في المستقبل لا تجوز أما الكفالة فلالتزام المطالبة، والتزام الأفعال يصح مضافا إلى المآل كما في الصوم والصلاة، ولهذا تصح الكفالة بما ذاب له على فلان ولا يصح الرهن، فلو قبضه قبل الوجوب فهلك عنده يهلك أمانة؛ لأنه لا عقد حيث وقع باطلا، بخلاف الرهن بالدين الموعود وهو أن يقول رهنتك هذا لتقرضني ألف درهم وهلك في يد المرتهن حيث يهلك بما سمى من المال بمقابلته؛ لأن الموعود جعل كالموجود باعتبار الحاجة، ولأنه مقبوض بجهة الرهن الذي يصح على اعتبار وجوده فيعطى له حكمه كالمقبوض على سوم الشراء فيضمنه.
قال: "ويصح الرهن برأس مال السلم وبثمن الصرف والمسلم فيه" وقال زفر: لا يجوز؛ لأن حكمه الاستيفاء، وهذا استبدال لعدم المجانسة، وباب الاستبدال فيها مسدود ولنا أن المجانسة ثابتة في المالية فيتحقق الاستيفاء من حيث المال وهو المضمون على ما مر.
قال: "والرهن بالمبيع باطل" لما بينا أنه غير مضمون بنفسه.
قال: "فإن هلك ذهب بغير شيء"؛ لأنه لا اعتبار للباطل فبقي قبضا بإذنه.
قال: "وإن هلك الرهن بثمن الصرف ورأس مال السلم في مجلس العقد تم الصرف والسلم وصار المرتهن مستوفيا لدينه حكما" لتحقق القبض حكما.
قال: "وإن افترقا قبل هلاك الرهن بطلا" لفوات القبض حقيقة وحكما.
قال: "وإن هلك الرهن بالمسلم فيه بطل السلم بهلاكه" ومعناه: أنه يصير مستوفيا للمسلم فيه فلم يبق السلم.
قال: "ولو تفاسخا السلم وبالمسلم فيه رهن يكون ذلك رهنا برأس المال حتى يحبسه"؛ لأنه بدله فصار كالمغصوب إذا هلك وبه رهن يكون رهنا بقيمته.
قال: "ولو هلك الرهن بعد التفاسخ يهلك بالطعام المسلم فيه"؛ لأنه رهنه به، وإن كان محبوسا بغيره كمن باع عبدا وسلم المبيع وأخذ بالثمن رهنا ثم تقايلا البيع له أن يحبسه
стр. 1088
لأخذ المبيع؛ لأن الثمن بدله، ولو هلك المرهون يهلك بالثمن لما بينا؛ وكذا لو اشترى عبدا شراء فاسدا وأدى ثمنه له أن يحبسه ليستوفي الثمن، ثم لو هلك المشترى في يد المشتري يهلك بقيمته فكذا هذا.
قال: "ولا يجوز رهن الحر والمدبر والمكاتب وأم الولد"؛ لأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء، ولا يتحقق الاستيفاء من هؤلاء لعدم المالية في الحر وقيام المانع في الباقين، ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس، وكذا بالقصاص في النفس وما دونها لتعذر الاستيفاء، بخلاف ما إذا كانت الجناية خطأ لأن استيفاء الأرش من الرهن ممكن.
قال: "ولا يجوز الرهن بالشفعة"؛ لأن المبيع غير مضمون على المشتري.
قال: "ولا بالعبد الجاني والعبد المأذون والمديون"؛ لأنه غير مضمون على المولى، فإنه لو هلك لا يجب عليه شيء.
قال: "ولا بأجرة النائحة والمغنية، حتى لو ضاع لم يكن مضمونا"؛ لأنه لا يقابله شيء مضمون.
قال: "ولا يجوز للمسلم أن يرهن خمرا أو يرتهنه من مسلم أو ذمي" لتعذر الإيفاء والاستيفاء في حق المسلم، ثم الراهن إذا كان ذميا فالخمر مضمون عليه للذمي كما إذا غصبه، وإن كان المرتهن ذميا لم يضمنها للمسلم كما لا يضمنها بالغصب منه، بخلاف ما إذا جرى ذلك فيما بينهم؛ لأنها مال في حقهم، أما الميتة فليست بمال عندهم فلا يجوز رهنها وارتهانها فيما بينهم، كما لا يجوز فيما بين المسلمين بحال.
"ولو اشترى عبدا ورهن بثمنه عبدا أو خلا أو شاة مذبوحة ثم ظهر العبد حرا أو الخل خمرا أو الشاة ميتة فالرهن مضمون"؛ لأنه رهنه بدين واجب ظاهرا "وكذا إذا قتل عبدا ورهن بقيمته رهنا ثم ظهر أنه حر" وهذا كله على ظاهر الرواية "وكذا إذا صالح على إنكار ورهن بما صالح عليه رهنا ثم تصادقا أن لا دين فالرهن مضمون" وعن أبي يوسف خلافه، وكذا قياسه فيما تقدم من جنسه.
قال: "ويجوز للأب أن يرهن بدين عليه عبدا لابنه الصغير"؛ لأنه يملك الإيداع، وهذا أنظر في حق الصبي منه؛ لأن قيام المرتهن بحفظه أبلغ خيفة الغرامة "ولو هلك يهلك مضمونا، الوديعة تهلك أمانة والوصي بمنزلة الأب" في هذا الباب لما بينا وعن أبي يوسف وزفر أنه لا يجوز ذلك منهما، وهو القياس اعتبارا بحقيقة الإيفاء، ووجه الفرق على الظاهر وهو الاستحسان أن في حقيقة الإيفاء إزالة ملك الصغير من غير عوض يقابله في
стр. 1089
الحال، وفي هذا نصب حافظ لماله ناجزا مع بقاء ملكه فوضح الفرق "وإذا جاز الرهن يصير المرتهن مستوفيا دينه لو هلك في يده ويصير الأب" أو الوصي "موفيا له ويضمنه للصبي"؛ لأنه قضى دينه بماله، وكذا لو سلطا المرتهن على بيعه؛ لأنه توكيل بالبيع وهما يملكانه قالوا: أصل هذه المسألة البيع، فإن الأب أو الوصي إذا باع مال الصبي من غريم نفسه جاز وتقع المقاصة ويضمنه للصبي عندهما، وعند أبي يوسف لا تقع المقاصة، وكذا وكيل البائع بالبيع، والرهن نظير البيع نظرا إلى عاقبته من حيث وجوب الضمان.
"وإذا رهن الأب متاع الصغير من نفسه أو من ابن له صغير أو عبد له تاجر لا دين عليه جاز"؛ لأن الأب لوفور شفقته أنزل منزلة شخصين وأقيمت عبارته مقام عبارتين في هذا العقد كما في بيعه مال الصغير من نفسه فتولى طرفي العقد "ولو ارتهنه الوصي من نفسه أو من هذين أو رهنا عينا له من اليتيم بحق لليتيم عليه لم يجز"؛ لأنه وكيل محض، والواحد لا يتولى طرفي العقد في الرهن كما لا يتولاهما في البيع، وهو قاصر الشفقة فلا يعدل عن الحقيقة في حقه إلحاقا له بالأب، والرهن من ابنه الصغير وعبده التاجر الذي ليس عليه دين بمنزلة الرهن من نفسه، بخلاف ابنه الكبير وأبيه وعبده الذي عليه دين؛ لأنه لا ولاية له عليهم، بخلاف الوكيل بالبيع إذا باع من هؤلاء؛ لأنه متهم فيه ولا تهمة في الرهن؛ لأن له حكما واحدا. "وإن استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه فرهن به متاعا لليتيم جاز"؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة والرهن يقع إيفاء للحق فيجوز "وكذلك لو اتجر لليتيم فارتهن أو رهن"؛ لأن الأولى له التجارة تثميرا لمال اليتيم فلا يجد بدا من الارتهان والرهن؛ لأنه إيفاء واستيفاء "وإذا رهن الأب متاع الصغير فأدرك الابن ومات الأب ليس للابن أن يرده حتى يقضي الدين" لوقوعه لازما من جانبه؛ إذ تصرف الأب بمنزلة تصرفه بنفسه بعد البلوغ لقيامه مقامه "ولو كان الأب رهنه لنفسه فقضاه الابن رجع به في مال الأب"؛ لأنه مضطر فيه لحاجته إلى إحياء ملكه فأشبه معير الرهن "وكذا إذا هلك قبل أن يفتكه"؛ لأن الأب يصير قاضيا دينه بماله فله أن يرجع عليه "ولو رهنه بدين على نفسه وبدين على الصغير جاز" لاشتماله على أمرين جائزين "فإن هلك ضمن الأب حصته من ذلك للولد" لإيفائه دينه من ماله بهذا المقدار، وكذلك الوصي، وكذلك الجد أب الأب إذا لم يكن الأب أو وصي الأب.
"ولو رهن الوصي متاعا لليتيم في دين استدانه عليه وقبض المرتهن ثم استعاره الوصي لحاجة اليتيم فضاع في يد الوصي فإنه خرج من الرهن وهلك من مال اليتيم"؛ لأن فعل الوصي كفعله بنفسه بعد البلوغ؛ لأنه استعاره لحاجة الصبي والحكم فيه هذا على ما نبينه إن شاء الله تعالى "والمال دين على الوصي" معناه هو المطالب به "ثم يرجع بذلك على
стр. 1090
الصبي"؛ لأنه غير متعد في هذه الاستعارة؛ إذ هي لحاجة الصبي "ولو استعاره لحاجة نفسه ضمنه للصبي"؛ لأنه متعد؛ إذ ليس له ولاية الاستعمال في حاجة نفسه "ولو غصبه الوصي بعد ما رهنه فاستعمله لحاجة نفسه حتى هلك عنده فالوصي ضامن لقيمته"؛ لأنه متعد في حق المرتهن بالغصب والاستعمال، وفي حق الصبي بالاستعمال في حاجة نفسه، فيقضى به الدين إن كان قد حل "فإن كان قيمته مثل الدين أداه إلى المرتهن ولا يرجع على اليتيم"؛ لأنه وجب لليتيم عليه مثل ما وجب له على اليتيم فالتقيا قصاصا "وإن كانت قيمته أقل" من الدين "أدى قدر القيمة إلى المرتهن وأدى الزيادة من مال اليتيم"؛ لأن المضمون عليه قدر القيمة لا غير "وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين أدى قدر الدين من القيمة إلى المرتهن، والفضل لليتيم، وإن كان لم يحل الدين فالقيمة رهن"؛ لأنه ضامن للمرتهن بتفويت حقه المحترم فتكون رهنا عنده، ثم إذا حل الأجل كان الجواب على التفصيل الذي فصلناه.
"ولو أنه غصبه واستعمله لحاجة الصغير حتى هلك في يده يضمنه لحق المرتهن، ولا يضمنه لحق الصغير"؛ لأن استعماله لحاجة الصغير ليس بتعد، وكذا الأخذ؛ لأن له ولاية أخذ مال اليتيم، ولهذا قال في كتاب الإقرار: إذا أقر الأب أو الوصي بغصب مال الصغير لا يلزمه شيء؛ لأنه لا يتصور غصبه لما أن له ولاية الأخذ، فإذا هلك في يده يضمنه للمرتهن يأخذه بدينه إن كان قد حل، ويرجع الوصي على الصغير؛ لأنه ليس بمتعد بل هو عامل له، وإن كان لم يحل يكون رهنا عند المرتهن، ثم إذا حل الدين يأخذ دينه منه ويرجع الوصي على الصبي بذلك لما ذكرنا.
قال: "ويجوز رهن الدراهم والدنانير والمكيل والموزون"؛ لأنه يتحقق الاستيفاء منه فكان محلا للرهن "فإن رهنت بجنسها فهلكت هلكت بمثلها من الدين وإن اختلفا في الجودة"؛ لأنه لا معتبر بالجودة عند المقابلة بجنسها، وهذا عند أبي حنيفة؛ لأن عنده يصير مستوفيا باعتبار الوزن دون القيمة، وعندهما يضمن القيمة من خلاف جنسه ويكون رهنا مكانه.
"وفي الجامع الصغير: فإن رهن إبريق فضة وزنه عشرة بعشرة فضاع فهو بما فيه" قال ﵁: معناه أن تكون قيمته مثل وزنه أو أكثر هذا الجواب في الوجهين بالاتفاق؛ لأن الاستيفاء عنده باعتبار الوزن وعندهما باعتبار القيمة، وهي مثل الدين في الأول وزيادة عليه في الثاني فيصير بقدر الدين مستوفيا "فإن كان قيمته أقل من الدين فهو على الخلاف" المذكور لهما أنه لا وجه إلى الاستيفاء بالوزن لما فيه من الضرر بالمرتهن، ولا إلى اعتبار القيمة؛ لأنه يؤدي إلى الربا فصرنا إلى التضمين، بخلاف الجنس لينتقض القبض
следующие страницы →