Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ولا رهن النخيل في الأرض دونها"؛ لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون خلقة فكان في معنى الشائع.
قال: "وكذا إذا رهن الأرض دون النخيل أو دون الزرع أو النخيل دون الثمر"؛ لأن الاتصال يقوم بالطرفين، فصار الأصل أن المرهون إذا كان متصلا بما ليس بمرهون لم يجز؛ لأنه لا يمكن قبض المرهون وحده وعن أبي حنيفة أن رهن الأرض بدون الشجر جائز؛ لأن الشجر اسم للنابت فيكون استثناء الأشجار بمواضعها، بخلاف ما إذا رهن الدار دون البناء؛ لأن البناء اسم للمبنى فيصير راهنا جميع الأرض وهي مشغولة بملك الراهن.
قال: "ولو رهن النخيل بمواضعها جاز"؛ لأن هذه مجاورة وهي لا تمنع الصحة.
قال: "ولو كان فيه ثمر يدخل في الرهن"؛ لأنه تابع لاتصاله به فيدخل تبعا تصحيحا للعقد، بخلاف البيع؛ لأن بيع النخيل بدون الثمر جائز، ولا ضرورة إلى إدخاله من غير ذكر، وبخلاف المتاع في الدار حيث لا يدخل في رهن الدار من غير ذكره؛ لأنه ليس بتابع بوجه ما، وكذا يدخل الزرع والرطبة في رهن الأرض ولا يدخل في البيع لما ذكرنا في الثمرة "ويدخل البناء والغرس في رهن الأرض والدار والقرية" لما ذكرنا
قال: "ولو رهن الدار بما فيها جاز ولو استحق بعضه، إن كان الباقي يجوز ابتداء الرهن عليه وحده بقي رهنا بحصته وإلا بطل كله"؛ لأن الرهن جعل كأنه ما ورد إلا على الباقي، ويمنع التسليم كون الراهن أو متاعه في الدار المرهونة، وكذا متاعه في الوعاء المرهون، ويمنع تسليم الدابة المرهونة الحمل عليها فلا يتم حتى يلقي الحمل؛ لأنه شاغل لها، بخلاف ما إذا رهن الحمل دونها حيث يكون رهنا تاما إذا دفعها إليه؛ لأن الدابة مشغولة به فصار كما إذا رهن متاعا في دار أو في وعاء دون الدار والوعاء، بخلاف ما إذا رهن سرجا على دابة أو لجاما في رأسها ودفع الدابة مع السرج واللجام حيث لا يكون رهنا حتى ينزعه منها ثم يسلمه إليه؛ لأنه من توابع الدابة بمنزلة الثمرة للنخيل حتى قالوا يدخل فيه من غير ذكر.
قال: "ولا يصح الرهن بالأمانات" كالودائع والعواري والمضاربات.
قال: "ومال الشركة"؛ لأن القبض في باب الرهن قبض مضمون فلا بد من ضمان ثابت ليقع القبض مضمونا ويتحقق استيفاء الدين منه.
قال: "وكذلك لا يصح بالأعيان المضمونة بغيرها كالمبيع في يد البائع"؛ لأن الضمان ليس بواجب، فإنه إذا هلك العين لم يضمن البائع شيئا لكنه يسقط الثمن وهو حق البائع
стр. 1087
فلا يصح الرهن فأما الأعيان المضمونة بعينها وهو أن يكون مضمونا بالمثل أو بالقيمة عند هلاكه مثل المغصوب وبدل الخلع والمهر وبدل الصلح عن دم العمد يصح الرهن بها؛ لأن الضمان متقرر، فإنه إن كان قائما وجب تسليمه، وإن كان هالكا تجب قيمته فكان رهنا بما هو مضمون فيصح.
قال: "والرهن بالدرك باطل والكفالة بالدرك جائزة" والفرق أن الرهن للاستيفاء ولا استيفاء قبل الوجوب، وإضافة التمليك إلى زمان في المستقبل لا تجوز أما الكفالة فلالتزام المطالبة، والتزام الأفعال يصح مضافا إلى المآل كما في الصوم والصلاة، ولهذا تصح الكفالة بما ذاب له على فلان ولا يصح الرهن، فلو قبضه قبل الوجوب فهلك عنده يهلك أمانة؛ لأنه لا عقد حيث وقع باطلا، بخلاف الرهن بالدين الموعود وهو أن يقول رهنتك هذا لتقرضني ألف درهم وهلك في يد المرتهن حيث يهلك بما سمى من المال بمقابلته؛ لأن الموعود جعل كالموجود باعتبار الحاجة، ولأنه مقبوض بجهة الرهن الذي يصح على اعتبار وجوده فيعطى له حكمه كالمقبوض على سوم الشراء فيضمنه.
قال: "ويصح الرهن برأس مال السلم وبثمن الصرف والمسلم فيه" وقال زفر: لا يجوز؛ لأن حكمه الاستيفاء، وهذا استبدال لعدم المجانسة، وباب الاستبدال فيها مسدود ولنا أن المجانسة ثابتة في المالية فيتحقق الاستيفاء من حيث المال وهو المضمون على ما مر.
قال: "والرهن بالمبيع باطل" لما بينا أنه غير مضمون بنفسه.
قال: "فإن هلك ذهب بغير شيء"؛ لأنه لا اعتبار للباطل فبقي قبضا بإذنه.
قال: "وإن هلك الرهن بثمن الصرف ورأس مال السلم في مجلس العقد تم الصرف والسلم وصار المرتهن مستوفيا لدينه حكما" لتحقق القبض حكما.
قال: "وإن افترقا قبل هلاك الرهن بطلا" لفوات القبض حقيقة وحكما.
قال: "وإن هلك الرهن بالمسلم فيه بطل السلم بهلاكه" ومعناه: أنه يصير مستوفيا للمسلم فيه فلم يبق السلم.
قال: "ولو تفاسخا السلم وبالمسلم فيه رهن يكون ذلك رهنا برأس المال حتى يحبسه"؛ لأنه بدله فصار كالمغصوب إذا هلك وبه رهن يكون رهنا بقيمته.
قال: "ولو هلك الرهن بعد التفاسخ يهلك بالطعام المسلم فيه"؛ لأنه رهنه به، وإن كان محبوسا بغيره كمن باع عبدا وسلم المبيع وأخذ بالثمن رهنا ثم تقايلا البيع له أن يحبسه
стр. 1088
لأخذ المبيع؛ لأن الثمن بدله، ولو هلك المرهون يهلك بالثمن لما بينا؛ وكذا لو اشترى عبدا شراء فاسدا وأدى ثمنه له أن يحبسه ليستوفي الثمن، ثم لو هلك المشترى في يد المشتري يهلك بقيمته فكذا هذا.
قال: "ولا يجوز رهن الحر والمدبر والمكاتب وأم الولد"؛ لأن حكم الرهن ثبوت يد الاستيفاء، ولا يتحقق الاستيفاء من هؤلاء لعدم المالية في الحر وقيام المانع في الباقين، ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس، وكذا بالقصاص في النفس وما دونها لتعذر الاستيفاء، بخلاف ما إذا كانت الجناية خطأ لأن استيفاء الأرش من الرهن ممكن.
قال: "ولا يجوز الرهن بالشفعة"؛ لأن المبيع غير مضمون على المشتري.
قال: "ولا بالعبد الجاني والعبد المأذون والمديون"؛ لأنه غير مضمون على المولى، فإنه لو هلك لا يجب عليه شيء.
قال: "ولا بأجرة النائحة والمغنية، حتى لو ضاع لم يكن مضمونا"؛ لأنه لا يقابله شيء مضمون.
قال: "ولا يجوز للمسلم أن يرهن خمرا أو يرتهنه من مسلم أو ذمي" لتعذر الإيفاء والاستيفاء في حق المسلم، ثم الراهن إذا كان ذميا فالخمر مضمون عليه للذمي كما إذا غصبه، وإن كان المرتهن ذميا لم يضمنها للمسلم كما لا يضمنها بالغصب منه، بخلاف ما إذا جرى ذلك فيما بينهم؛ لأنها مال في حقهم، أما الميتة فليست بمال عندهم فلا يجوز رهنها وارتهانها فيما بينهم، كما لا يجوز فيما بين المسلمين بحال.
"ولو اشترى عبدا ورهن بثمنه عبدا أو خلا أو شاة مذبوحة ثم ظهر العبد حرا أو الخل خمرا أو الشاة ميتة فالرهن مضمون"؛ لأنه رهنه بدين واجب ظاهرا "وكذا إذا قتل عبدا ورهن بقيمته رهنا ثم ظهر أنه حر" وهذا كله على ظاهر الرواية "وكذا إذا صالح على إنكار ورهن بما صالح عليه رهنا ثم تصادقا أن لا دين فالرهن مضمون" وعن أبي يوسف خلافه، وكذا قياسه فيما تقدم من جنسه.
قال: "ويجوز للأب أن يرهن بدين عليه عبدا لابنه الصغير"؛ لأنه يملك الإيداع، وهذا أنظر في حق الصبي منه؛ لأن قيام المرتهن بحفظه أبلغ خيفة الغرامة "ولو هلك يهلك مضمونا، الوديعة تهلك أمانة والوصي بمنزلة الأب" في هذا الباب لما بينا وعن أبي يوسف وزفر أنه لا يجوز ذلك منهما، وهو القياس اعتبارا بحقيقة الإيفاء، ووجه الفرق على الظاهر وهو الاستحسان أن في حقيقة الإيفاء إزالة ملك الصغير من غير عوض يقابله في
стр. 1089
الحال، وفي هذا نصب حافظ لماله ناجزا مع بقاء ملكه فوضح الفرق "وإذا جاز الرهن يصير المرتهن مستوفيا دينه لو هلك في يده ويصير الأب" أو الوصي "موفيا له ويضمنه للصبي"؛ لأنه قضى دينه بماله، وكذا لو سلطا المرتهن على بيعه؛ لأنه توكيل بالبيع وهما يملكانه قالوا: أصل هذه المسألة البيع، فإن الأب أو الوصي إذا باع مال الصبي من غريم نفسه جاز وتقع المقاصة ويضمنه للصبي عندهما، وعند أبي يوسف لا تقع المقاصة، وكذا وكيل البائع بالبيع، والرهن نظير البيع نظرا إلى عاقبته من حيث وجوب الضمان.
"وإذا رهن الأب متاع الصغير من نفسه أو من ابن له صغير أو عبد له تاجر لا دين عليه جاز"؛ لأن الأب لوفور شفقته أنزل منزلة شخصين وأقيمت عبارته مقام عبارتين في هذا العقد كما في بيعه مال الصغير من نفسه فتولى طرفي العقد "ولو ارتهنه الوصي من نفسه أو من هذين أو رهنا عينا له من اليتيم بحق لليتيم عليه لم يجز"؛ لأنه وكيل محض، والواحد لا يتولى طرفي العقد في الرهن كما لا يتولاهما في البيع، وهو قاصر الشفقة فلا يعدل عن الحقيقة في حقه إلحاقا له بالأب، والرهن من ابنه الصغير وعبده التاجر الذي ليس عليه دين بمنزلة الرهن من نفسه، بخلاف ابنه الكبير وأبيه وعبده الذي عليه دين؛ لأنه لا ولاية له عليهم، بخلاف الوكيل بالبيع إذا باع من هؤلاء؛ لأنه متهم فيه ولا تهمة في الرهن؛ لأن له حكما واحدا. "وإن استدان الوصي لليتيم في كسوته وطعامه فرهن به متاعا لليتيم جاز"؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة والرهن يقع إيفاء للحق فيجوز "وكذلك لو اتجر لليتيم فارتهن أو رهن"؛ لأن الأولى له التجارة تثميرا لمال اليتيم فلا يجد بدا من الارتهان والرهن؛ لأنه إيفاء واستيفاء "وإذا رهن الأب متاع الصغير فأدرك الابن ومات الأب ليس للابن أن يرده حتى يقضي الدين" لوقوعه لازما من جانبه؛ إذ تصرف الأب بمنزلة تصرفه بنفسه بعد البلوغ لقيامه مقامه "ولو كان الأب رهنه لنفسه فقضاه الابن رجع به في مال الأب"؛ لأنه مضطر فيه لحاجته إلى إحياء ملكه فأشبه معير الرهن "وكذا إذا هلك قبل أن يفتكه"؛ لأن الأب يصير قاضيا دينه بماله فله أن يرجع عليه "ولو رهنه بدين على نفسه وبدين على الصغير جاز" لاشتماله على أمرين جائزين "فإن هلك ضمن الأب حصته من ذلك للولد" لإيفائه دينه من ماله بهذا المقدار، وكذلك الوصي، وكذلك الجد أب الأب إذا لم يكن الأب أو وصي الأب.
"ولو رهن الوصي متاعا لليتيم في دين استدانه عليه وقبض المرتهن ثم استعاره الوصي لحاجة اليتيم فضاع في يد الوصي فإنه خرج من الرهن وهلك من مال اليتيم"؛ لأن فعل الوصي كفعله بنفسه بعد البلوغ؛ لأنه استعاره لحاجة الصبي والحكم فيه هذا على ما نبينه إن شاء الله تعالى "والمال دين على الوصي" معناه هو المطالب به "ثم يرجع بذلك على
стр. 1090
الصبي"؛ لأنه غير متعد في هذه الاستعارة؛ إذ هي لحاجة الصبي "ولو استعاره لحاجة نفسه ضمنه للصبي"؛ لأنه متعد؛ إذ ليس له ولاية الاستعمال في حاجة نفسه "ولو غصبه الوصي بعد ما رهنه فاستعمله لحاجة نفسه حتى هلك عنده فالوصي ضامن لقيمته"؛ لأنه متعد في حق المرتهن بالغصب والاستعمال، وفي حق الصبي بالاستعمال في حاجة نفسه، فيقضى به الدين إن كان قد حل "فإن كان قيمته مثل الدين أداه إلى المرتهن ولا يرجع على اليتيم"؛ لأنه وجب لليتيم عليه مثل ما وجب له على اليتيم فالتقيا قصاصا "وإن كانت قيمته أقل" من الدين "أدى قدر القيمة إلى المرتهن وأدى الزيادة من مال اليتيم"؛ لأن المضمون عليه قدر القيمة لا غير "وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين أدى قدر الدين من القيمة إلى المرتهن، والفضل لليتيم، وإن كان لم يحل الدين فالقيمة رهن"؛ لأنه ضامن للمرتهن بتفويت حقه المحترم فتكون رهنا عنده، ثم إذا حل الأجل كان الجواب على التفصيل الذي فصلناه.
"ولو أنه غصبه واستعمله لحاجة الصغير حتى هلك في يده يضمنه لحق المرتهن، ولا يضمنه لحق الصغير"؛ لأن استعماله لحاجة الصغير ليس بتعد، وكذا الأخذ؛ لأن له ولاية أخذ مال اليتيم، ولهذا قال في كتاب الإقرار: إذا أقر الأب أو الوصي بغصب مال الصغير لا يلزمه شيء؛ لأنه لا يتصور غصبه لما أن له ولاية الأخذ، فإذا هلك في يده يضمنه للمرتهن يأخذه بدينه إن كان قد حل، ويرجع الوصي على الصغير؛ لأنه ليس بمتعد بل هو عامل له، وإن كان لم يحل يكون رهنا عند المرتهن، ثم إذا حل الدين يأخذ دينه منه ويرجع الوصي على الصبي بذلك لما ذكرنا.
قال: "ويجوز رهن الدراهم والدنانير والمكيل والموزون"؛ لأنه يتحقق الاستيفاء منه فكان محلا للرهن "فإن رهنت بجنسها فهلكت هلكت بمثلها من الدين وإن اختلفا في الجودة"؛ لأنه لا معتبر بالجودة عند المقابلة بجنسها، وهذا عند أبي حنيفة؛ لأن عنده يصير مستوفيا باعتبار الوزن دون القيمة، وعندهما يضمن القيمة من خلاف جنسه ويكون رهنا مكانه.
"وفي الجامع الصغير: فإن رهن إبريق فضة وزنه عشرة بعشرة فضاع فهو بما فيه" قال ﵁: معناه أن تكون قيمته مثل وزنه أو أكثر هذا الجواب في الوجهين بالاتفاق؛ لأن الاستيفاء عنده باعتبار الوزن وعندهما باعتبار القيمة، وهي مثل الدين في الأول وزيادة عليه في الثاني فيصير بقدر الدين مستوفيا "فإن كان قيمته أقل من الدين فهو على الخلاف" المذكور لهما أنه لا وجه إلى الاستيفاء بالوزن لما فيه من الضرر بالمرتهن، ولا إلى اعتبار القيمة؛ لأنه يؤدي إلى الربا فصرنا إلى التضمين، بخلاف الجنس لينتقض القبض
стр. 1091
ويجعل مكانه ثم يتملكه وله أن الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها، واستيفاء الجيد بالرديء جائز كما إذا تجوز به وقد حصل الاستيفاء بالإجماع ولهذا يحتاج إلى نقضه، ولا يمكن نقضه بإيجاب الضمان؛ لأنه لا يد له من مطالب ومطالب، وكذا الإنسان لا يضمن ملك نفسه وبتعذر التضمين يتعذر النقض، وقيل: هذه فريعة ما إذا استوفى الزيوف مكان الجياد فهلكت ثم علم بالزيافة يمنع الاستيفاء وهو معروف، غير أن البناء لا يصح ما هو المشهور؛ لأن محمدا فيها مع أبي حنيفة وفي هذا مع أبي يوسف والفرق لمحمد أنه قبض الزيوف ليستوفي من عينها، والزيافة لا تمنع الاستيفاء، وقد تم بالهلاك وقبض الرهن ليستوفي من محل آخر فلا بد من نقض القبض، وقد أمكن عنده بالتضمين، ولو انكسر الإبريق ففي الوجه الأول وهو ما إذا كانت قيمته مثل وزنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجبر على الفكاك؛ لأنه لا وجه إلى أن يذهب شيء من الدين؛ لأنه يصير قاضيا دينه بالجودة على الانفراد، ولا إلى أن يفتكه مع النقصان لما فيه من الضرر فخيرناه، إن شاء افتكه بما فيه وإن شاء ضمنه قيمته من جنسه أو خلاف جنسه، وتكون رهنا عند المرتهن، والمكسور للمرتهن بالضمان وعند محمد إن شاء افتكه ناقصا، وإن شاء جعله بالدين اعتبارا لحالة الانكسار بحالة الهلاك، وهذا؛ لأنه لما تعذر الفكاك مجانا صار بمنزلة الهلاك، وفي الهلاك الحقيقي مضمون بالدين بالإجماع فكذا فيما هو في معناه.
قلنا: الاستيفاء عند الهلاك بالمالية، وطريقه أن يكون مضمونا بالقيمة ثم تقع المقاصة، وفي جعله بالدين إغلاق الرهن وهو حكم جاهلي فكان التضمين بالقيمة أولى وفي الوجه الثالث وهو ما إذا كانت قيمته أقل من وزنه ثمانية يضمن قيمته جيدا من خلاف جنسه أو رديئا من جنسه وتكون رهنا عنده، وهذا بالاتفاق أما عندهما فظاهر وكذلك عند محمد؛ لأنه يعتبر حالة الانكسار بحالة الهلاك، والهلاك عنده بالقيمة وفي الوجه الثاني وهو ما إذا كانت قيمته أكثر من وزنه اثني عشر عند أبي حنيفة يضمن جميع قيمته وتكون رهنا عنده؛ لأن العبرة للوزن عنده لا للجودة والرداءة فإن كان باعتبار الوزن كله مضمونا يجعل كله مضمونا، وإن كان بعضه فبعضه، وهذا لأن الجودة تابعة للذات، ومتى صار الأصل مضمونا استحال أن يكون التابع أمانة وعند أبي يوسف يضمن خمسة أسداس قيمته، ويكون خمسة أسداس الإبريق له بالضمان وسدسه يفرز حتى لا يبقى الرهن شائعا، ويكون مع قيمته خمسة أسداس المكسور رهنا؛ فعنده تعتبر الجودة والرداءة، وتجعل زيادة القيمة كزيادة الوزن كأن وزنه اثنا عشر، وهذا لأن الجودة متقومة
стр. 1092
في ذاتها حتى تعتبر عند المقابلة، بخلاف جنسها، وفي تصرف المريض، وإن كانت لا تعتبر عند المقابلة بجنسها سمعا فأمكن اعتبارها، وفي بيان قول محمد نوع طول يعرف في موضعه من المبسوط والزيادات مع جميع شعبها.
قال: "ومن باع عبدا على أن يرهنه المشتري شيئا بعينه جاز استحسانا" والقياس أن لا يجوز، وعلى هذا القياس والاستحسان إذا باع شيئا على أن يعطيه كفيلا معينا حاضرا في المجلس فقبل وجه القياس أنه صفقة في صفقة وهو منهي عنه، ولأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحدهما، ومثله يفسد البيع وجه الاستحسان أنه شرط ملائم للعقد؛ لأن الكفالة والرهن للاستيثاق وأنه يلائم الوجوب، فإذا كان الكفيل حاضرا في المجلس والرهن معينا اعتبرنا فيه المعنى وهو ملائم فصح العقد، وإذا لم يكن الرهن ولا الكفيل معينا أو كان الكفيل غائبا حتى افترقا لم يبق معنى الكفالة والرهن للجهالة فبقي الاعتبار لعينه فيفسد، ولو كان غائبا فحضر في المجلس وقبل صح "ولو امتنع المشتري عن تسليم الرهن لم يجبر عليه" وقال زفر: يجبر؛ لأن الرهن إذا شرط في البيع صار حقا من حقوقه كالوكالة المشروطة في الرهن فيلزمه بلزومه ونحن نقول: الرهن عقد تبرع من جانب الراهن على ما بيناه ولا جبر على التبرعات "ولكن البائع بالخيار إن شاء رضي بترك الرهن وإن شاء فسخ البيع"؛ لأنه وصف مرغوب فيه وما رضي إلا به فيتخير بفواته "إلا أن يدفع المشتري الثمن حالا" لحصول المقصود "أو يدفع قيمة الرهن رهنا"؛ لأن يد الاستيفاء تثبت على المعنى وهو القيمة.
قال: "ومن اشترى ثوبا بدراهم فقال للبائع أمسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن فالثوب رهن"؛ لأنه أتى بما ينبئ عن معنى الرهن وهو الحبس إلى وقت الإعطاء، والعبرة في العقود للمعاني حتى كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة في ضد ذلك كفالة وقال زفر: لا يكون رهنا، ومثله عن أبي يوسف؛ لأن قوله: أمسك يحتمل الرهن ويحتمل الإيداع، والثاني أقلهما فيقضي بثبوته بخلاف ما إذا قال: أمسكه بدينك أو بمالك؛ لأنه لما قابله بالدين فقد عين جهة الرهن قلنا: لما مده إلى الإعطاء علم أن مراده الرهن.
стр. 1093
فصل: "ومن رهن عبدين بألف فقضى حصة أحدهما لم يكن له أن يقبضه حتى يؤدي باقي الدين"
وحصة كل واحد منهما ما يخصه إذا قسم الدين على قيمتهما، وهذا؛ لأن الرهن
стр. 1094
محبوس بكل الدين فيكون محبوسا بكل جزء من أجزائه مبالغة في حمله على قضاء الدين وصار كالمبيع في يد البائع، فإن سمى لكل واحد من أعيان الرهن شيئا من المال الذي رهنه به، فكذا الجواب في رواية الأصل: وفي الزيادات: له أن يقبضه إذا أدى ما سمى له وجه الأول أن العقد متحد لا يتفرق بتفرق التسمية كما في المبيع وجه الثاني أنه لا حاجة إلى الاتحاد؛ لأن أحد العقدين لا يصير مشروطا في الآخر؛ ألا يرى أنه لو قبل الرهن في أحدهما جاز.
قال: "فإن رهن عينا واحدة عند رجلين بدين لكل واحد منهما عليه جاز، وجميعها رهن عند كل واحد منهما"؛ لأن الرهن أضيف إلى جميع العين في صفقة واحدة ولا شيوع فيه، وموجبه صيرورته محتبسا بالدين، وهذا مما لا يقبل الوصف بالتجزي فصار محبوسا بكل واحد منها، وهذا بخلاف الهبة من رجلين حيث لا تجوز عند أبي حنيفة "فإن تهايآ فكل واحد منهما في نوبته كالعدل في حق الآخر والمضمون على كل واحد منهما حصته من الدين"؛ لأن عند الهلاك يصير كل واحد منهما مستوفيا حصته؛ إذ الاستيفاء مما يتجزأ.
قال: "فإن أعطى أحدهما دينه كان كله رهنا في يد الآخر"؛ لأن جميع العين رهن في يد كل واحد منهما من غير تفرق وعلى هذا حبس المبيع إذا أدى أحد المشتريين حصته من الثمن.
قال: "وإن رهن رجلان بدين عليهما رجلا رهنا واحدا فهو جائز والرهن رهن بكل الدين، وللمرتهن أن يمسكه حتى يستوفي جميع الدين"؛ لأن قبض الرهن يحصل في الكل من غير شيوع "فإن أقام الرجلان كل واحد منهما البينة على رجل أنه رهنه عبده الذي في يده وقبضه فهو باطل"؛ لأن كل واحد منهما أثبت ببينته أنه رهنه كل العبد، ولا وجه إلى القضاء لكل واحد منهما بالكل؛ لأن العبد الواحد يستحيل أن يكون كله رهنا لهذا وكله رهنا لذلك في حالة واحدة، ولا إلى القضاء بكله لواحد بعينه لعدم الأولوية، ولا إلى القضاء لكل واحد منهما بالنصف؛ لأنه يؤدي إلى الشيوع فتعذر العمل بهما وتعين التهاتر ولا يقال: إنه يكون رهنا لهما كأنهما ارتهناه معا إذا جهل التاريخ بينهما، وجعل في كتاب الشهادات هذا وجه الاستحسان لأنا نقول: هذا عمل على خلاف ما اقتضته الحجة؛ لأن كلا منهما أثبت ببينته حبسا يكون وسيلة إلى مثله في الاستيفاء، وبهذا القضاء يثبت حبس يكون وسيلة إلى شطره في الاستيفاء، وليس هذا عملا على وفق الحجة، وما ذكرناه وإن كان قياسا لكن محمدا أخذ به لقوته، وإذا وقع باطلا فلو هلك يهلك أمانة؛ لأن الباطل لا حكم له.
стр. 1095
قال: "ولو مات الراهن والعبد في أيديهما فأقام كل واحد منهما البينة على ما وصفناه كان في يد كل واحد منهما نصفه رهنا يبيعه بحقه استحسانا" وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وفي القياس: هذا باطل، وهو قول أبي يوسف؛ لأن الحبس للاستيفاء حكم أصلي لعقد الرهن فيكون القضاء به قضاء بعقد الرهن وأنه باطل للشيوع كما في حالة الحياة وجه الاستحسان أن العقد لا يراد لذاته، وإنما يراد لحكمه، وحكمه في حالة الحياة الحبس والشيوع يضره، وبعد الممات الاستيفاء بالبيع في الدين والشيوع لا يضره، وصار كإذا ادعى الرجلان نكاح امرأة أو ادعت أختان النكاح على رجل وأقاموا البينة تهاترت في حالة الحياة ويقضى بالميراث بينهم بعد الممات؛ لأنه يقبل الانقسام، والله أعلم.
стр. 1096
باب الرهن يوضع على يد العدل
قال: "وإذا اتفقا على وضع الرهن على يد العدل جاز وقال مالك: لا يجوز" ذكر قوله في بعض النسخ؛ لأن يد العدل يد المالك ولهذا يرجع العدل عليه عند الاستحقاق فانعدم القبض ولنا أن يده على الصورة يد المالك في الحفظ؛ إذ العين أمانة، وفي حق المالية يد المرتهن؛ لأن يده يد ضمان والمضمون هو المالية فنزل منزلة الشخصين تحقيقا لما قصداه من الرهن، وإنما يرجع العدل على المالك في الاستحقاق؛ لأنه نائب عنه في حفظ العين كالمودع.
قال: "وليس للمرتهن ولا للراهن أن يأخذه منه" لتعلق حق الراهن في الحفظ بيده وأمانته وتعلق حق المرتهن به استيفاء فلا يملك أحدهما إبطال حق الآخر "فلو هلك في يده هلك في ضمان المرتهن"؛ لأن يده في حق المالية يد المرتهن وهي المضمونة "ولو دفع العدل إلى الراهن أو المرتهن ضمن"؛ لأنه مودع الراهن في حق العين ومودع المرتهن في حق المالية وأحدهما أجنبي عن الآخر، والمودع يضمن بالدفع إلى الأجنبي "وإذا ضمن العدل قيمة الرهن بعد ما دفع إلى أحدهما وقد استهلكه المدفوع عليه أو هلك في يده لا يقدر أن يجعل القيمة رهنا في يده"؛ لأنه يصير قاضيا ومقتضيا وبينهما تناف، لكن يتفقان على أن يأخذاها منه ويجعلاها رهنا عنده أو عند غيره ولو تعذر اجتماعهما يرفع أحدهما إلى القاضي ليفعل كذلك، ولو فعل ذلك ثم قضى الراهن الدين وقد ضمن العدل القيمة بالدفع إلى الراهن فالقيمة سالمة له لوصول المرهون إلى الراهن ووصول الدين إلى المرتهن ولا يجتمع البدل والمبدل في ملك واحد "وإن كان ضمنها بالدفع إلى المرتهن فالراهن يأخذ
стр. 1097
القيمة منه"؛ لأن العين لو كانت قائمة في يده يأخذها إذا أدى الدين، فكذلك يأخذ ما قام مقامها، ولا جمع فيه بين البدل والمبدل.
قال: "وإذا وكل الراهن المرتهن أو العدل أو غيرهما ببيع الرهن عند حلول الدين فالوكالة جائزة"؛ لأنه توكيل ببيع ماله "وإن شرطت في عقد الرهن فليس للراهن أن يعزل الوكيل، وإن عزله لم ينعزل"؛ لأنها لما شرطت في ضمن عقد الرهن صار وصفا من أوصافه وحقا من حقوقه؛ ألا ترى أنه لزيادة الوثيقة فيلزم بلزوم أصله، ولأنه تعلق به حق المرتهن وفي العزل إتواء حقه وصار كالوكيل بالخصومة بطلب المدعي "ولو وكله بالبيع مطلقا حتى ملك البيع بالنقد والنسيئة ثم نهاه عن البيع نسيئة لم يعمل نهيه"؛ لأنه لازم بأصله، فكذا بوصفه لما ذكرنا، "وكذا إذا عزله المرتهن لا ينعزل؛ لأنه لم يوكله وإنما وكله غيره وإن مات الراهن لم ينعزل"؛ لأن الرهن لا يبطل بموته ولأنه لو بطل إنما يبطل لحق الورثة وحق المرتهن مقدم.
قال: "وللوكيل أن يبيعه بغير محضر من الورثة كما يبيعه في حال حياته بغير محضر منه، وإن مات المرتهن فالوكيل على وكالته"؛ لأن العقد لا يبطل بموتهما ولا بموت أحدهما فيبقى بحقوقه وأوصافه "وإن مات الوكيل انتقضت الوكالة ولا يقوم وارثه ولا وصيه مقامه"؛ لأن الوكالة لا يجري فيها الإرث، ولأن الموكل رضي برأيه لا برأي غيره وعن أبي يوسف إن وصي الوكيل يملك بيعه؛ لأن الوكالة لازمة فيملكه الوصي، كالمضارب إذا مات بعدما صار رأس المال أعيانا يملك وصي المضارب بيعها لما أنه لازم بعد ما صار أعيانا.
قلنا: التوكيل حق لازم لكن عليه، والإرث يجري فيما له بخلاف المضاربة؛ لأنها حق المضارب "وليس للمرتهن أن يبيعه إلا برضا الراهن"؛ لأنه ملكه وما رضي ببيعه "وليس للراهن أن يبيعه إلا برضا المرتهن"؛ لأن المرتهن أحق بماليته من الراهن فلا يقدر الراهن على تسليمه بالبيع.
قال: "فإن حل الأجل وأبى الوكيل الذي في يده الرهن أن يبيعه والراهن غائب أجبر على بيعه" لما ذكرنا من الوجهين في لزومه "وكذلك الرجل يوكل غيره بالخصومة وغاب الموكل فأبى أن يخاصم أجبر على الخصومة" للوجه الثاني وهو أن فيه إتواء الحق، بخلاف الوكيل بالبيع؛ لأن الموكل يبيع بنفسه فلا يتوي حقه.
أما المدعي لا يقدر على الدعوى والمرتهن لا يملك بيعه بنفسه، فلو لم يكن التوكيل
стр. 1098
مشروطا في عقد الرهن وإنما شرط بعده قيل لا يجبر اعتبارا بالوجه الأول، وقيل يجبر رجوعا إلى الوجه الثاني، وهذا أصح وعن أبي يوسف ﵀ أن الجواب في الفصلين واحد، ويؤيده إطلاق الجواب في الجامع الصغير وفي الأصل.
"وإذا باع العدل الرهن فقد خرج من الرهن، والثمن قائم مقامه فكان رهنا، وإن لم يقبض بعد" لقيامه مقام ما كان مقبوضا، وإذا توى كان مال المرتهن لبقاء عقد الرهن في الثمن لقيامه مقام المبيع المرهون، وكذلك إذا قتل العبد الرهن وغرم القاتل قيمته؛ لأن المالك لا يستحقه من حيث المالية، وإن كان بدل الدم فأخذ حكم ضمان المال في حق المستحق فبقي عقد الرهن، وكذلك لو قتله عبد فدفع به؛ لأنه قائم مقام الأول لحما ودما.
قال: "وإن باع العدل الرهن فأوفى المرتهن الثمن ثم استحق الرهن فضمنه العدل كان بالخيار، إن شاء ضمن الراهن قيمته، وإن شاء ضمن المرتهن الثمن الذي أعطاه، وليس له أن يضمنه غيره" وكشف هذا أن المرهون المبيع إذا استحق إما أن يكون هالكا أو قائما ففي الوجه الأول المستحق بالخيار إن شاء ضمن الراهن قيمته؛ لأنه غاصب في حقه، وإن شاء ضمن العدل؛ لأنه متعد في حقه بالبيع والتسليم فإن ضمن الراهن نفذ البيع وصح الاقتضاء؛ لأنه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه أمره ببيع ملك نفسه، وإن ضمن البائع ينفذ البيع أيضا؛ لأنه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه باع ملك نفسه وإذا ضمن العدل فالعدل بالخيار، إن شاء رجع على الراهن بالقيمة؛ لأنه وكيل من جهته عامل له فيرجع عليه بما لحقه من العهدة ونفذ البيع وصح الاقتضاء فلا يرجع المرتهن عليه بشيء من دينه، وإن شاء رجع على المرتهن بالثمن؛ لأنه تبين أنه أخذ الثمن بغير حق؛ لأنه ملك العبد بأداء الضمان ونفذ بيعه عليه فصار الثمن له، وإنما أداه إليه على حسبان أنه ملك الراهن، فإذا تبين أنه ملكه لم يكن راضيا به فله أن يرجع به عليه، وإذا رجع بطل الاقتضاء فيرجع المرتهن على الراهن بدينه وفي الوجه الثاني وهو أن يكون قائما في يد المشتري فللمستحق أن يأخذه من يده؛ لأنه وجد عين ماله ثم للمشتري أن يرجع على العدل بالثمن؛ لأنه العاقد فتتعلق به حقوق العقد، وهذا من حقوقه حيث وجب بالبيع، وإنما أداه ليسلم له المبيع ولم يسلم ثم العدل بالخيار إن شاء رجع على الراهن بالقيمة؛ لأنه هو الذي أدخله في هذه العهدة فيجب عليه تخليصه وإذا رجع عليه صح قبض المرتهن؛ لأن المقبوض سلم له، وإن شاء رجع على المرتهن؛ لأنه إذا انتقض العقد بطل الثمن وقد قبضه ثمنا فيجب نقض قبضه ضرورة، وإذا رجع عليه وانتقض قبضه عاد حقه في الدين كما كان فيرجع به على الراهن ولو أن المشتري سلم الثمن إلى المرتهن لم يرجع على العدل؛ لأنه في البيع عامل للراهن، وإنما
стр. 1099
يرجع عليه إذا قبض ولم يقبض فبقي الضمان على الموكل، ولو كان التوكيل بعد عقد الرهن غير مشروط في العقد فما لحق العدل من العهدة يرجع به على الراهن قبض الثمن المرتهن أم لا؛ لأنه لم يتعلق بهذا التوكيل حق المرتهن فلا رجوع، كما في الوكالة المفردة عن الرهن إذا باع الوكيل ودفع الثمن إلى من أمره الموكل ثم لحقه عهدة لا يرجع به على المقتضى، بخلاف الوكالة المشروطة في العقد؛ لأنه تعلق به حق المرتهن فيكون البيع لحقه.
قال ﵁: هكذا ذكر الكرخي، وهذا يؤيد قول من لا يرى جبر هذا الوكيل على البيع
قال: "وإن مات العبد المرهون في يد المرتهن ثم استحقه رجل فله الخيار، إن شاء ضمن الراهن، وإن شاء ضمن المرتهن"؛ لأن كل واحد منهما متعد في حقه بالتسليم أو بالقبض "فإن ضمن الراهن فقد مات بالدين"؛ لأنه ملكه بأداء الضمان فصح الإيفاء "وإن ضمن المرتهن يرجع على الراهن بما ضمن من القيمة وبدينه" أما بالقيمة فلأنه مغرور من جهة الراهن، وأما بالدين فلأنه انتقض اقتضاؤه فيعود حقه كما كان فإن قيل: لما كان قرار الضمان على الراهن برجوع المرتهن عليه، والملك في المضمون يثبت لمن عليه قرار الضمان فتبين أنه رهن ملك نفسه فصار كما إذا ضمن المستحق الراهن ابتداء.
قلنا: هذا طعن أبي خازم القاضي والجواب عنه أنه يرجع عليه بسبب الغرور والغرور بالتسليم كما ذكرناه، أو بالانتقال من المرتهن إليه كأنه وكيل عنه، والملك بكل ذلك متأخر عن عقد الرهن، بخلاف الوجه الأول؛ لأن المستحق يضمنه باعتبار القبض السابق على الرهن فيستند الملك إليه فتبين أنه رهن ملك نفسه وقد طولنا الكلام في كفاية المنتهى والله أعلم بالصواب.
стр. 1100
باب التصرف في الرهن والجناية عليه وجنايته على غيره
قال: "وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فالبيع موقوف" لتعلق حق الغير به وهو المرتهن فيتوقف على إجازته، وإن كان الراهن يتصرف في ملكه كمن أوصى بجميع ماله تقف على إجازة الورثة فيما زاد على الثلث لتعلق حقهم به "فإن أجاز المرتهن جاز"؛ لأن التوقف لحقه وقد رضي بسقوطه "وإن قضاه الراهن دينه جاز أيضا"؛ لأنه زال المانع من النفوذ والمقتضي موجود وهو التصرف الصادر من الأهل في المحل "وإذا نفذ البيع بإجازة المرتهن ينتقل حقه إلى بدله هو الصحيح"؛ لأن حقه تعلق بالمالية، والبدل له حكم المبدل فصار كالعبد المديون المأذون إذا بيع برضا الغرماء ينتقل حقهم إلى البدل؛ لأنهم رضوا
стр. 1101
بالانتقال دون السقوط رأسا فكذا هذا "وإن لم يجز المرتهن البيع وفسخه انفسخ في رواية، حتى لو افتك الراهن الرهن لا سبيل للمشتري عليه"؛ لأن الحق الثابت للمرتهن بمنزلة الملك فصار كالمالك له أن يجيز وله أن يفسخ "وفي أصح الروايتين لا ينفسخ بفسخه"؛ لأنه لو ثبت حق الفسخ له إنما يثبت ضرورة صيانة حقه، وحقه في الحبس لا يبطل بانعقاد هذا العقد فبقي موقوفا، فإن شاء المشتري صبر حتى يفتك الراهن الرهن؛ إذ العجز على شرف الزوال، وإن شاء رفع الأمر إلى القاضي، وللقاضي أن يفسخ لفوات القدرة على التسليم، وولاية الفسخ إلى القاضي لا إليه، وصار كما إذا أبق العبد المشترى قبل القبض فإنه يتخير المشتري لما ذكرنا كذلك هذا.
"ولو باعه الراهن من رجل ثم باعه بيعا ثانيا من غيره قبل أن يجيزه المرتهن فالثاني موقوف أيضا على إجازته"؛ لأن الأول لم ينفذ والموقوف لا يمنع توقف الثاني، فلو أجاز المرتهن البيع الثاني جاز الثاني
"ولو باع الراهن ثم أجر أو وهب أو رهن من غيره، وأجاز المرتهن هذه العقود جاز البيع الأول" والفرق أن المرتهن ذو حظ من البيع الثاني؛ لأنه يتعلق حقه ببدله فيصح تعيينه لتعلق فائدته به، أما لا حق له في هذه العقود؛ لأنه لا بدل في الهبة والرهن، والذي في الإجارة بدل المنفعة لا بدل العين، وحقه في مالية العين لا في المنفعة فكانت إجازته إسقاطا لحقه فزال المانع فنفذ البيع الأول فوضح الفرق.
قال: "ولو أعتق الراهن عبد الرهن نفذ عتقه" وفي بعض أقوال الشافعي لا ينفذ إذا كان المعتق معسرا؛ لأن في تنفيذه إبطال حق المرتهن فأشبه البيع، بخلاف ما إذا كان موسرا حيث ينفذ على بعض أقواله؛ لأنه لا يبطل حقه معنى بالتضمين، وبخلاف إعتاق المستأجر؛ لأن الإجارة تبقى مدتها؛ إذ الحر يقبلها، أما ما لا يقبل الرهن فلا يبقى ولنا أنه مخاطب أعتق ملك نفسه فلا يلغو بصرفه بعدم إذن المرتهن كما إذا أعتق العبد المشترى قبل القبض أو أعتق الآبق أو المغصوب، ولا خفاء في قيام ملك الرقبة لقيام المقتضي، وعارض الرهن لا ينبئ عن زواله ثم إذا زال ملكه في الرقبة بإعتاقه يزول ملك المرتهن في اليد بناء عليه كإعتاق العبد المشترك، بل أولى؛ لأن ملك الرقبة أقوى من ملك اليد، فلما لم يمنع الأعلى لا يمنع الأدنى بالطريق الأولى، وامتناع النفاذ في البيع والهبة لانعدام القدرة على التسليم، وإعتاق الوارث العبد الموصى برقبته لا يلغو بل يؤخر إلى أداء السعاية عند أبي حنيفة، وإذا نفذ الإعتاق بطل الرهن لفوات محله "ثم" بعد ذلك "إن كان الراهن موسرا، والدين حالا طولب بأداء الدين"؛ لأنه لو طولب بأداء القيمة تقع المقاصة بقدر الدين فلا فائدة فيه "وإن كان الدين مؤجلا أخذت منه قيمة العبد وجعلت رهنا مكانه حتى يحل
стр. 1102
الدين" لأن سبب الضمان متحقق، وفي التضمين فائدة فإذا حل الدين اقتضاه بحقه إذا كان من جنس حقه ورد الفضل "وإن كان معسرا سعى العبد في قيمته وقضى به الدين إلا إذا كان بخلاف جنس حقه"؛ لأنه لما تعذر الوصول إلى عين حقه من جهة المعتق يرجع إلى من ينتفع بعتقه وهو العبد؛ لأن الخراج بالضمان.
قال ﵁: وتأويله إذا كانت القيمة أقل من الدين، أما إذا كان الدين أقل نذكره إن شاء الله تعالى "ثم يرجع بما سعى على مولاه إذا أيسر"؛ لأنه قضى دينه وهو مضطر فيه بحكم الشرع فيرجع عليه بما تحمل عنه، بخلاف المستسعى في الإعتاق؛ لأنه يؤدي ضمانا عليه؛ لأنه إنما يسعى لتحصيل العتق عنده وعندهما لتكميله، وهنا يسعى في ضمان على غيره بعد تمام إعتاقه فصار كمعير الرهن ثم أبو حنيفة أوجب السعاية في المستسعى المشترك في حالتي اليسار والإعسار، وفي العبد المرهون شرط الإعسار؛ لأن الثابت للمرتهن حق الملك وأنه أدنى من حقيقته الثابتة للشريك الساكت فوجب السعاية هنا في حالة واحدة إظهار النقصان رتبته بخلاف المشترى قبل القبض إذا أعتقه المشتري حيث لا يسعى للبائع إلا رواية عن أبي يوسف والمرهون يسعى؛ لأن حق البائع في الحبس أضعف؛ لأن البائع لا يملكه في الآخرة ولا يستوفى من عينه، وكذلك يبطل حقه في الحبس بالإعارة من المشتري، والمرتهن ينقلب حقه ملكا، ولا يبطل حقه بالإعارة من الراهن حتى يمكنه الاسترداد، فلو أوجبنا السعاية فيهما لسوينا بين الحقين وذلك لا يجوز.
"ولو أقر المولى برهن عبده بأن قال له رهنتك عند فلان وكذبه العبد ثم أعتقه تجب السعاية" عندنا خلافا لزفر، وهو يعتبر، بإقراره بعد العتق ونحن نقول أقر بتعلق الحق في حال يملك التعليق فيه لقيام ملكه فيصح، بخلاف ما بعد العتق؛ لأنه حال انقطاع الولاية.
قال: "ولو دبره الراهن صح تدبيره بالاتفاق" أما عندنا فظاهر، وكذا عنده؛ لأن التدبير لا يمنع البيع على أصله "ولو كانت أمة فاستولدها الراهن صح الاستيلاد بالاتفاق"؛ لأنه يصح بأدنى الحقين وهو ما للأب في جارية الابن فيصح بالأعلى "وإذا صحا خرجا من الرهن" لبطلان المحلية؛ إذ لا يصح استيفاء الدين منهما "فإن كان الراهن موسرا ضمن قيمتهما" على التفصيل الذي ذكرناه في الإعتاق "وإن كان معسرا استسعى المرتهن المدبر وأم الولد في جميع الدين"؛ لأن كسبهما مال المولى، بخلاف المعتق حيث يسعى في الأقل من الدين ومن القيمة؛ لأن كسبه حقه، والمحتبس عنده ليس إلا قدر القيمة فلا يزاد عليه، وحق المرتهن بقدر الدين فلا تلزمه الزيادة ولا يرجعان بما يؤديان على المولى بعد يساره؛ لأنهما أدياه من مال
стр. 1103
المولى، والمعتق يرجع؛ لأنه أدى ملكه عنه وهو مضطر على ما مر وقيل الدين إذا كان مؤجلا يسعى المدبر في قيمته قنا؛ لأنه عوض الرهن حتى تحبس مكانه فيتقدر بقدر العوض، بخلاف ما إذا كان حالا؛ لأنه يقضي به الدين، ولو أعتق الراهن المدبر وقد قضى عليه بالسعاية أو لم يقض لم يسع إلا بقدر القيمة؛ لأن كسبه بعد العتق ملكه، وما أداه قبل العتق لا يرجع به على مولاه لأنه أداه من مال المولى.
قال: "وكذلك لو استهلك الراهن الرهن"؛ لأنه حق محترم مضمون عليه بالإتلاف، والضمان رهن في يد المرتهن لقيامه مقام العين "فإن استهلكه أجنبي فالمرتهن هو الخصم في تضمينه فيأخذ القيمة وتكون رهنا في يده"؛ لأنه أحق بعين الرهن حال قيامه فكذا في استرداد ما قام مقامه، والواجب على هذا المستهلك قيمته يوم هلك، فإن كانت قيمته يوم استهلكه خمسمائة ويوم رهن ألفا غرم خمسمائة وكانت رهنا وسقط من الدين خمسمائة فصار الحكم في الخمسمائة الزيادة كأنها هلكت بآفة سماوية، والمعتبر في ضمان الرهن القيمة يوم القبض لا يوم الفكاك؛ لأن القبض السابق مضمون عليه؛ لأنه قبض استيفاء، إلا أنه يتقرر عند الهلاك.
"ولو استهلكه المرتهن والدين مؤجل غرم القيمة"؛ لأنه أتلف ملك الغير "وكانت رهنا في يده حتى يحل الدين"؛ لأن الضمان بدل العين فأخذ حكمه "وإذا حل الدين وهو على صفة القيمة استوفى المرتهن منها قدر حقه"؛ لأنه جنس حقه "ثم إن كان فيه فضل يرده على الراهن"؛ لأنه بدل ملكه وقد فرغ عن حق المرتهن "وإن نقصت عن الدين بتراجع السعر إلى خمسمائة وقد كانت قيمته يوم الرهن ألفا وجب بالاستهلاك خمسمائة وسقط من الدين خمسمائة"؛ لأن ما انتقص كالهالك وسقط الدين بقدره، وتعتبر قيمته يوم القبض فهو مضمون بالقبض السابق لا بتراجع السعر، ووجب عليه الباقي بالإتلاف وهو قيمته يوم أتلف.
قال: "وإذا أعار المرتهن الرهن للراهن ليخدمه أو ليعمل له عملا فقبضه خرج من ضمان المرتهن" لمنافاة بين يد العارية ويد الرهن "فإن هلك في يد الراهن هلك بغير شيء" لفوات القبض المضمون "وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده"؛ لأن عقد الرهن باق إلا في حكم الضمان في الحال.
ألا ترى أنه لو هلك الراهن قبل أن يرده على المرتهن كان المرتهن أحق به من سائر الغرماء، وهذا؛ لأن يد العارية ليست بلازمة والضمان ليس من لوازم الرهن على كل حال؛ ألا ترى أن حكم الرهن ثابت في ولد الرهن وإن لم يكن مضمونا بالهلاك، وإذا بقي عقد
стр. 1104
الرهن فإذا أخذه عاد الضمان؛ لأنه عاد القبض في عقد الرهن فيعود بصفته "وكذلك لو أعاره أحدهما أجنبيا بإذن الآخر سقط حكم الضمان" لما قلنا "ولكل واحد منهما أن يرده رهنا كما كان"؛ لأن لكل واحد منهما حقا محترما فيه وهذا بخلاف الإجارة والبيع والهبة من أجنبي إذا باشرها أحدهما بإذن الآخر حيث يخرج عن الرهن فلا يعود إلا بعقد مبتدأ.
"ولو مات الراهن قبل الرد إلى المرتهن يكون المرتهن أسوة للغرماء"؛ لأنه تعلق بالرهن حق لازم بهذه التصرفات فيبطل به حكم الرهن، أما بالعارية لم يتعلق به حق لازم فافترقا.
"وإذا استعار المرتهن الرهن من الراهن ليعمل به فهلك قبل أن يأخذ في العمل هلك على ضمان الرهن" لبقاء يد الرهن "وكذا إذا هلك بعد الفراغ من العمل" لارتفاع يد العارية "ولو هلك في حالة العمل هلك بغير ضمان" لثبوت يد العارية بالاستعمال، وهي مخالفة ليد الراهن فانتفى الضمان "وكذا إذا أذن الراهن للمرتهن بالاستعمال" لما بيناه.
"ومن استعار من غيره ثوبا ليرهنه فما رهنه به من قليل أو كثير فهو جائز"؛ لأنه متبرع بإثبات ملك اليد فيعتبر بالتبرع بإثبات ملك العين واليد وهو قضاء الدين، ويجوز أن ينفصل ملك اليد عن ملك العين ثبوتا للمرتهن كما ينفصل زوالا في حق البائع، والإطلاق واجب الاعتبار خصوصا في الإعارة؛ لأن الجهالة فيها لا تفضي إلى المنازعة.
"ولو عين قدرا لا يجوز للمستعير أن يرهنه بأكثر منه، ولا بأقل منه"؛ لأن التقييد مفيد، وهو ينفي الزيادة؛ لأن غرضه الاحتباس بما تيسر أداؤه، وينفي النقصان أيضا؛ لأن غرضه أن يصير مستوفيا للأكثر بمقابلته عند الهلاك ليرجع به عليه "وكذلك التقييد بالجنس وبالمرتهن وبالبلد"؛ لأن كل ذلك مفيد لتيسر البعض بالإضافة إلى البعض وتفاوت الأشخاص في الأمانة والحفظ "فإذا خالف كان ضامنا، ثم إن شاء المعير ضمن المستعير ويتم عقد الرهن فيما بينه وبين المرتهن"؛ لأنه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه رهن ملك نفسه "وإن شاء ضمن المرتهن، ويرجع المرتهن بما ضمن وبالدين على الراهن" وقد بيناه في الاستحقاق "وإن وافق" بأن رهنه بمقدار ما أمره به "إن كانت قيمته مثل الدين أو أكثر فهلك عند المرتهن يبطل المال عن الراهن" لتمام الاستيفاء بالهلاك "ووجب مثله لرب الثوب على الراهن"؛ لأنه صار قاضيا دينه بماله بهذا القدر وهو الموجب للرجوع دون القبض بذاته؛ لأنه برضاه، وكذلك إن أصابه عيب ذهب من الدين بحسابه ووجب مثله لرب الثوب على الراهن على ما بيناه. "وإن كانت قيمته أقل من الدين ذهب بقدر القيمة وعلى الراهن بقية دينه للمرتهن"؛ لأنه لم يقع الاستيفاء بالزيادة على قيمته وعلى الراهن لصاحب الثوب ما صار به موفيا لما
стр. 1105
بيناه "ولو كانت قيمته مثل الدين فأراد المعير أن يفتكه جبرا عن الراهن لم يكن للمرتهن إذا قضى دينه أن يمتنع"؛ لأنه غير متبرع حيث يخلص ملكه ولهذا يرجع على الراهن بما أدى المعير فأجبر المرتهن على الدفع "بخلاف الأجنبي إذا قضى الدين"؛ لأنه متبرع؛ إذ هو لا يسعى في تخليص ملكه ولا في تفريغ ذمته فكان للطالب أن لا يقبله.
"ولو هلك الثوب العارية عند الراهن قبل أن يرهنه أو بعد ما افتكه فلا ضمان عليه"؛ لأنه لا يصير قاضيا بهذا، وهو الموجب على ما بينا "ولو اختلفا في ذلك فالقول للراهن" لأنه ينكر الإيفاء بدعواه الهلاك في هاتين الحالتين. "كما لو اختلفا في مقدار ما أمره بالرهن به فالقول للمعير"؛ لأن القول قوله في إنكار أصله فكذا في إنكار وصفه "ولو رهنه المستعير بدين موعود وهو أن يرهنه به ليقرضه كذا فهلك في يد المرتهن قبل الإقراض والمسمى والقيمة سواء يضمن قدر الموعود المسمى" لما بينا أنه كالموجود ويرجع المعير على الراهن بمثله؛ لأن سلامة مالية الرهن باستيفائه من المرتهن كسلامته ببراءة ذمته عنه.
"ولو كانت العارية عبدا فأعتقه المعير جاز" لقيام ملك الرقبة "ثم المرتهن بالخيار إن شاء رجع بالدين على الراهن"؛ لأنه لم يستوفه "وإن شاء ضمن المعير قيمته"؛ لأن الحق قد تعلق برقبته برضاه وقد أتلفه بالإعتاق "وتكون رهنا عنده إلى أن يقبض دينه فيردها إلى المعير"؛ لأن استرداد القيمة كاسترداد العين
"ولو استعار عبدا أو دابة ليرهنه فاستخدم العبد أو ركب الدابة قبل أن يرهنهما ثم رهنهما بمال مثل قيمتهما ثم قضى المال فلم يقبضهما حتى هلكا عند المرتهن فلا ضمان على الراهن"؛ لأنه قد برئ من الضمان حين رهنهما، فإنه كان أمينا خالف ثم عاد إلى الوفاق "وكذا إذا افتك الرهن ثم ركب الدابة أو استخدم العبد فلم يعطب ثم عطب بعد ذلك من غير صنعه لا يضمن"؛ لأنه بعد الفكاك بمنزلة المودع لا بمنزلة المستعير لانتهاء حكم الاستعارة بالفكاك وقد عاد إلى الوفاق فيبرأ عن الضمان، وهذا بخلاف المستعير؛ لأن يده يد نفسه فلا بد من الوصول إلى يد المالك، أما المستعير في الرهن فيحصل مقصود الآمر وهو الرجوع عليه عند الهلاك وتحقق الاستيفاء.
قال: "وجناية الراهن على الرهن مضمونة"؛ لأنه تفويت حق لازم محترم، وتعلق مثله بالمال يجعل المالك كالأجنبي في حق الضمان كتعلق حق الورثة بمال المريض مرض الموت يمنع نفاذ تبرعه فيما وراء الثلث، والعبد الموصى بخدمته إذا أتلفه الورثة ضمنوا قيمته ليشترى بها عبد يقوم مقامه.
قال: "وجناية المرتهن عليه تسقط من دينه بقدرها" ومعناه أن يكون الضمان على
стр. 1106
صفة الدين، وهذا؛ لأن العين ملك المالك، وقد تعدى عليه المرتهن فيضمنه لمالكه.
قال: "وجناية الرهن على الراهن والمرتهن وعلى مالهما هدر" وهذا عند أبي حنيفة وقالا: جنايته على المرتهن معتبرة، والمراد بالجناية على النفس ما يوجب المال، أما الوفاقية فلأنها جناية المملوك على المالك؛ ألا ترى أنه لو مات كان الكفن عليه، بخلاف جناية المغصوب على المغصوب منه؛ لأن الملك عند أداء الضمان يثبت للغاصب مستندا حتى يكون الكفن عليه، فكانت جناية على غير المالك فاعتبرت ولهما في الخلافية أن الجناية حصلت على غير مالكه وفي الاعتبار فائدة وهو دفع العبد إليه بالجناية فتعتبر ثم إن شاء الراهن والمرتهن أبطلا الرهن ودفعاه بالجناية إلى المرتهن، وإن قال المرتهن لا أطلب الجناية فهو رهن على حاله وله أن هذه الجناية لو اعتبرنا للمرتهن كان عليه التطهير من الجناية؛ لأنها حصلت في ضمانه فلا يفيد وجوب الضمان له مع وجوب التخليص عليه، وجنايته على مال المرتهن لا تعتبر بالاتفاق إذا كانت قيمته والدين سواء؛ لأنه لا فائدة في اعتبارها؛ لأنه لا يتملك العبد وهو الفائدة، وإن كانت القيمة أكثر من الدين؛ فعن أبي حنيفة أنه يعتبر بقدر الأمانة؛ لأن الفضل ليس في ضمانه فأشبه جناية العبد الوديعة على المستودع وعنه أنها لا تعتبر؛ لأن حكم الرهن وهو الحبس فيه ثابت فصار كالمضمون، وهذا بخلاف جناية الرهن على ابن الراهن أو ابن المرتهن؛ لأن الأملاك حقيقة متباينة فصار كالجناية على الأجنبي.
قال: "ومن رهن عبدا يساوي ألفا بألف إلى أجل فنقص في السعر فرجعت قيمته إلى مائة ثم قتله رجل وغرم قيمته مائة ثم حل الأجل فإن المرتهن يقبض المائة قضاء عن حقه ولا يرجع على الراهن بشيء" وأصله أن النقصان من حيث السعر لا يوجب سقوط الدين عندنا خلافا لزفر، وهو يقول: إن المالية قد انتقصت فأشبه انتقاص العين ولنا أن نقصان السعر عبارة عن فتور رغبات الناس وذلك لا يعتبر في البيع حتى لا يثبت به الخيار ولا في الغصب حتى لا يجب الضمان، بخلاف نقصان العين؛ لأن بفوات جزء منه يتقرر الاستيفاء فيه؛ إذ اليد يد الاستيفاء، وإذا لم يسقط شيء من الدين بنقصان السعر بقي مرهونا بكل الدين، فإذا قتله حر غرم قيمته مائة؛ لأنه تعتبر قيمته يوم الإتلاف في ضمان الإتلاف؛ لأن الجابر بقدر الفائت، وأخذه المرتهن؛ لأنه بدل المالية في حق المستحق وإن كان مقابلا بالدم على أصلنا حتى لا يزاد على دية الحر؛ لأن المولى استحقه بسبب المالية وحق المرتهن متعلق بالمالية فكذا فيما قام مقامه، ثم لا يرجع على الراهن بشيء؛ لأن يد الرهن يد الاستيفاء من الابتداء وبالهلاك يتقرر، وقيمته كانت في الابتداء ألفا فيصير مستوفيا
стр. 1107
الكل من الابتداء. أو نقول: لا يمكن أن يجعل مستوفيا الألف بمائة؛ لأنه يؤدي إلى الربا فيصير مستوفيا المائة وبقي تسعمائة في العين، فإذا هلك يصير مستوفيا تسعمائة بالهلاك، بخلاف ما إذا مات من غير قتل أحد؛ لأنه يصير مستوفيا الكل بالعبد؛ لأنه لا يؤدي إلى الربا.
قال: "وإن كان أمره الراهن أن يبيعه فباعه بمائة وقبض المائة قضاء من حقه فيرجع بتسعمائة"؛ لأنه لما باعه بإذن الراهن صار كأن الراهن استرده وباعه بنفسه، ولو كان كذلك يبطل الرهن ويبقى الدين إلا بقدر ما استوفى، وكذا هذا.
قال: "وإن قتله عبد قيمته مائة فدفع مكانه افتكه بجميع الدين" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: هو بالخيار إن شاء افتكه بجميع الدين، وإن شاء سلم العبد المدفوع إلى المرتهن بماله وقال زفر: يصير رهنا بمائة له أن يد الرهن يد استيفاء وقد تقرر بالهلاك، إلا أنه أخلف بدلا بقدر العشر فيبقى الدين بقدره ولأصحابنا على زفر أن العبد الثاني قائم مقام الأول لحما ودما، ولو كان الأول قائما وانتقض السعر لا يسقط شيء من الدين عندنا لما ذكرنا، فكذلك إذا قام المدفوع مكانه ولمحمد في الخيار أن المرهون تغير في ضمان المرتهن فيخير الراهن كالمبيع إذا قتل قبل القبض والمغصوب إذا قتل في يد الغاصب يخير المشتري، والمغصوب منه كذا هذا ولهما أن التغير لم يظهر في نفس العبد لقيام الثاني مقام الأول لحما ودما كما ذكرناه مع زفر، وعين الرهن أمانة عندنا فلا يجوز تمليكه منه بغير رضاه، ولأن جعل الرهن بالدين حكم جاهلي، وأنه منسوخ، بخلاف البيع؛ لأن الخيار فيه حكمه الفسخ وهو مشروع وبخلاف الغصب؛ لأن تملكه بأداء الضمان مشروع، ولو كان العبد تراجع سعره حتى صار يساوي مائة ثم قتله عبد يساوي مائة فدفع به فهو على هذا الخلاف "وإذا قتل العبد الرهن قتيلا خطأ فضمان الجناية على المرتهن وليس له أن يدفع"؛ لأنه لا يملك التمليك.
قال: "ولو فدي طهر المحل فبقي الدين على حاله ولا يرجع على الراهن بشيء من الفداء"؛ لأن الجناية حصلت في ضمانه فكان عليه إصلاحها.
قال: "ولو أبى المرتهن أن يفدي قيل للراهن ادفع العبد أو افده بالدية"؛ لأن الملك في الرقبة قائم له، وإنما إلى المرتهن الفداء لقيام حقه.
قال: "فإذا امتنع عن الفداء يطالب الراهن بحكم الجناية ومن حكمها التخيير" بين الدفع والفداء.
стр. 1108
قال: "فإن اختار الدفع سقط الدين"؛ لأنه استحق لمعنى في ضمان المرتهن فصار كالهلاك.
قال: "وكذلك إن فدى"؛ لأن العبد كالحاصل له بعوض كان على المرتهن، وهو الفداء، بخلاف ولد الرهن إذا قتل إنسانا أو استهلك مالا حيث يخاطب الراهن بالدفع أو الفداء في الابتداء؛ لأنه غير مضمون على المرتهن، فإن دفع خرج من الرهن ولم يسقط شيء من الدين كما لو هلك في الابتداء، وإن فدى فهو رهن مع أمه على حالهما.
قال: "ولو استهلك العبد المرهون مالا يستغرق رقبته، فإن أدى المرتهن الدين الذي لزم العبد فدينه على حاله كما في الفداء، وإن أبى قيل للراهن بعه في الدين إلا أن يختار أن يؤدي عنه، فإن أدى بطل دين المرتهن" كما ذكرنا في الفداء.
قال: "وإن لم يؤد وبيع العبد فيه يأخذ صاحب دين العبد دينه"؛ لأن دين العبد مقدم على دين المرتهن وحق ولي الجناية لتقدمه على حق المولى.
قال: "فإن فضل شيء ودين غريم العبد مثل دين المرتهن أو أكثر فالفضل للراهن وبطل دين المرتهن"؛ لأن الرقبة استحقت لمعنى هو في ضمان المرتهن فأشبه الهلاك.
قال: "وإن كان دين العبد أقل سقط من دين المرتهن بقدر دين العبد وما فضل من دين العبد يبقى رهنا كما كان، ثم إن كان دين المرتهن قد حل أخذه به"؛ لأنه من جنس حقه.
قال: "وإن كان لم يحل أمسكه حتى يحل، وإن كان ثمن العبد لا يفي بدين الغريم أخذ الثمن ولم يرجع بما بقي على أحد حتى يعتق العبد"؛ لأن الحق في دين الاستهلاك يتعلق برقبته وقد استوفيت فيتأخر إلى ما بعد العتق.
قال: "وإن كانت قيمة العبد ألفين وهو رهن بألف وقد جنى العبد يقال لهما افدياه"؛ لأن النصف منه مضمون، والنصف أمانة، والفداء في المضمون على المرتهن، وفي الأمانة على الراهن، فإن أجمعا على الدفع دفعاه وبطل دين المرتهن، والدفع لا يجوز في الحقيقة من المرتهن لما بينا، وإنما منه الرضا به.
قال: "فإن تشاحا فالقول لمن قال أنا أفدي راهنا كان أو مرتهنا" أما المرتهن فلأنه ليس في الفداء إبطال حق الراهن، وفي الدفع الذي يختاره الراهن إبطال المرتهن، وكذا في جناية الرهن إذا قال المرتهن أنا أفدي له ذلك وإن كان المالك يختار الدفع؛ لأنه إن لم يكن مضمونا فهو محبوس بدينه وله في الفداء غرض صحيح، ولا ضرر على الراهن، فكان له أن يفدي، وأما الراهن فلأنه ليس للمرتهن ولاية الدفع لما بينا فكيف يختاره.
стр. 1109
قال: "ويكون المرتهن في الفداء متطوعا في حصة الأمانة حتى لا يرجع على الراهن"؛ لأنه يمكنه أن لا يختاره فيخاطب الراهن، فلما التزمه، والحالة هذه كان متبرعا، وهذا على ما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يرجع مع الحضور، وسنبين القولين إن شاء الله تعالى.
قال: "ولو أبى المرتهن أن يفدي وفداه الراهن فإنه يحتسب على المرتهن نصف الفداء من دينه"؛ لأن سقوط الدين أمر لازم فدى أو دفع فلم يجعل الراهن في الفداء متطوعا، ثم ينظر إن كان نصف الفداء مثل الدين أو أكثر بطل الدين، وإن كان أقل سقط من الدين بقدر نصف الفداء، وكان العبد رهنا بما بقي؛ لأن الفداء في نصف كان عليه، فإذا أداه الراهن، وهو ليس بمتطوع كان له الرجوع عليه فيصير قصاصا بدينه كأنه أوفى نصفه فيبقى العبد رهنا بما بقي.
قال: "ولو كان المرتهن فدى، والراهن حاضر فهو متطوع، وإن كان غائبا لم يكن متطوعا" وهذا قول أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ومحمد والحسن وزفر ﵏: المرتهن متطوع في الوجهين؛ لأنه فدى ملك غيره بغير أمره فأشبه الأجنبي وله أنه إذا كان الراهن حاضرا أمكنه مخاطبته، فإذا فداه المرتهن فقد تبرع كالأجنبي، فأما إذا كان الراهن غائبا تعذر مخاطبته، والمرتهن يحتاج إلى إصلاح المضمون، ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح الأمانة فلا يكون متبرعا.
قال: "وإذا مات الراهن باع وصيه الرهن وقضى الدين"؛ لأن الوصي قائم مقامه، ولو تولى الموصى حيا بنفسه كان له ولاية البيع بإذن المرتهن فكذا لوصيه.
قال: "وإن لم يكن له وصي نصب القاضي له وصيا وأمره ببيعه"؛ لأن القاضي نصب ناظرا لحقوق المسلمين إذا عجزوا عن النظر لأنفسهم، والنظر في نصب الوصي ليؤدي ما عليه لغيره ويستوفي ماله من غيره.
قال: "وإن كان على الميت دين فرهن الوصي بعض التركة عند غريم من غرمائه لم يجز وللآخرين أن يردوه"؛ لأنه آثر بعض الغرماء بالإيفاء الحكمي فأشبه الإيثار بالإيفاء الحقيقي.
قال: "فإن قضى دينهم قبل أن يردوه جاز" لزوال المانع بوصول حقهم إليهم.
قال: "ولو لم يكن للميت غريم آخر جاز الرهن" اعتبارا بالإيفاء الحقيقي.
قال: "وبيع في دينه"؛ لأنه يباع فيه قبل الرهن فكذا بعده.
قال: "وإذا ارتهن الوصي بدين للميت على رجل جاز"؛ لأنه استيفاء وهو يملكه.
стр. 1110
قال ﵁: وفي رهن الوصي تفصيلات نذكرها في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى.
стр. 1111
فصل: قال: "ومن رهن عصيرا بعشرة قيمته عشرة فتخمر ثم صار خلا يساوي عشرة فهو رهن بعشرة"؛
لأن ما يكون محلا للبيع يكون محلا للرهن، إذ المحلية بالمالية فيهما، والخمر وإن لم يكن محلا للبيع ابتداء فهو محل له بقاء حتى إن من اشترى عصيرا فتخمر قبل القبض يبقى العقد إلا أنه يتخير في البيع لتغير وصف المبيع بمنزلة ما إذا تعيب.
قال: "ولو رهن شاة قيمتها عشرة بعشرة فماتت فدبغ جلدها فصار يساوي درهما فهو رهن بدرهم"؛ لأن الرهن يتقرر بالهلاك، فإذا حيي بعض المحل يعود حكمه بقدره، بخلاف ما إذا ماتت الشاة المبيعة قبل القبض فدبغ جلدها حيث لا يعود البيع؛ لأن البيع ينتقض بالهلاك قبل القبض والمنتقض لا يعود، أما الرهن يتقرر بالهلاك على ما بيناه ومن مشايخنا من يمنع مسألة البيع ويقول: يعود البيع.
قال: "ونماء الرهن للراهن وهو مثل الولد والثمر واللبن والصوف"؛ لأنه متولد من ملكه ويكون رهنا مع الأصل؛ لأنه تبع له، والرهن حق لازم فيسري إليه.
قال: "فإن هلك يهلك بغير شيء"؛ لأن الأتباع لا قسط لها مما يقابل بالأصل؛ لأنها لم تدخل تحت العقد مقصودا؛ إذ اللفظ لا يتناولها.
قال: "وإن هلك الأصل وبقي النماء افتكه الراهن بحصته يقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض وقيمة النماء يوم الفكاك"؛ لأن الرهن يصير مضمونا بالقبض، والزيادة تصير مقصودة بالفكاك إذا بقي إلى وقته، والتبع يقابله شيء إذا صار مقصودا كولد المبيع، فما أصاب الأصل يسقط من الدين؛ لأنه يقابله الأصل مقصودا، وما أصاب النماء افتكه الراهن لما ذكرنا وصور المسائل على هذا الأصل تخرج، وقد ذكرنا بعضها في كفاية المنتهى، وتمامه في الجامع والزيادات.
قال: "ولو رهن شاة بعشرة وقيمتها عشرة وقال الراهن للمرتهن: احلب الشاة فما حلبت فهو لك حلال فحلب وشرب فلا ضمان عليه في شيء من ذلك" أما الإباحة فيصح تعليقها بالشرط والخطر؛ لأنها إطلاق وليس بتمليك فتصح مع الخطر.
قال: "ولا يسقط شيء من الدين"؛ لأنه أتلفه بإذن المالك.
стр. 1112
قال: "فإن لم يفتك الشاة حتى ماتت في يد المرتهن قسم الدين على قيمة اللبن الذي شرب وعلى قيمة الشاة، فما أصاب الشاة سقط، وما أصاب اللبن أخذه المرتهن من الراهن"؛ لأن اللبن تلف على ملك الراهن بفعل المرتهن والفعل حصل بتسليط من قبله فصار كأن الراهن أخذه وأتلفه فكان مضمونا عليه فيكون له حصته من الدين فبقي بحصته، وكذلك ولد الشاة إذا أذن له الراهن في أكله، وكذلك جميع النماء الذي يحدث على هذا القياس.
قال: "وتجوز الزيادة في الرهن ولا تجوز في الدين" عند أبي حنيفة ومحمد ولا يصير الرهن رهنا بها وقال أبو يوسف: تجوز الزيادة في الدين أيضا وقال زفر والشافعي: لا تجوز فيهما، والخلاف معهما في الرهن، والثمن والمثمن والمهر والمنكوحة سواء، وقد ذكرناه في البيوع ولأبي يوسف في الخلافية الأخرى أن الدين في باب الرهن كالثمن في البيع، والرهن كالمثمن فتجوز الزيادة فيهما كما في البيع، والجامع بينهما الالتحاق بأصل العقد للحاجة والإمكان ولهما وهو القياس أن الزيادة في الدين توجب الشيوع في الرهن، وهو غير مشروع عندنا، والزيادة في الرهن توجب الشيوع في الدين، وهو غير مانع من صحة الرهن؛ ألا ترى أنه لو رهن عبدا بخمسمائة من الدين جاز، وإن كان الدين ألفا وهذا شيوع في الدين، والالتحاق بأصل العقد غير ممكن في طرف الدين؛ لأنه غير معقود عليه ولا معقود به بل وجوبه سابق على الرهن، وكذا يبقى بعد انفساخه، والالتحاق بأصل العقد في بدلي العقد، بخلاف البيع؛ لأن الثمن بدل يجب بالعقد، ثم إذا صحت الزيادة في الرهن وتسمى هذه زيادة قصدية يقسم الدين على قيمة الأول يوم القبض، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضت، حتى لو كانت قيمة الزيادة يوم قبضها خمسمائة، وقيمة الأول يوم القبض ألفا والدين ألفا يقسم الدين أثلاثا، في الزيادة ثلث الدين، وفي الأصل ثلثا الدين اعتبارا بقيمتهما في وقتي الاعتبار، وهذا؛ لأن الضمان في كل واحد منهما يثبت بالقبض فتعتبر قيمة كل واحد منهما وقت القبض "وإذا ولدت المرهونة ولدا ثم إن الراهن زاد مع الولد عبدا، وقيمة كل واحد ألف فالعبد رهن مع الولد خاصة يقسم ما في الولد عليه وعلى العبد الزيادة"؛ لأنه جعله زيادة مع الولد دون الأم "ولو كانت الزيادة مع الأم يقسم الدين على قيمة الأم يوم العقد وعلى قيمة الزيادة يوم القبض، فما أصاب الأم قسم عليها وعلى ولدها"؛ لأن الزيادة دخلت على الأم.
قال: "فإن رهن عبدا يساوي ألفا بألف ثم أعطاه عبدا آخر قيمته ألف رهنا مكان الأول، فالأول رهن حتى يرده إلى الراهن، والمرتهن في الآخر أمين حتى يجعله مكان الأول"؛ لأن الأول إنما دخل في ضمانه بالقبض والدين وهما باقيان فلا يخرج عن الضمان إلا بنقض
стр. 1113
القبض ما دام الدين باقيا، وإذا بقي الأول في ضمانه لا يدخل الثاني في ضمانه؛ لأنهما رضيا بدخول أحدهما فيه لا بدخولهما فإذا رد الأول دخل الثاني في ضمانه ثم قيل: يشترط تجديد القبض؛ لأن يد المرتهن على الثاني يد أمانة ويد الرهن بعد استيفاء وضمان فلا ينوب عنه، كمن له على آخر جياد فاستوفى زيوفا ظنها جيادا ثم علم بالزيافة وطالبه بالجياد وأخذها فإن الجياد أمانة في يده ما لم يرد الزيوف ويجدد القبض وقيل لا يشترط؛ لأن الرهن تبرع كالهبة على ما بيناه من قبل وقبض الأمانة ينوب عن قبض الهبة، ولأن الرهن عينه أمانة، والقبض يرد على العين فينوب قبض الأمانة عن قبض العين.
"ولو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين أو وهبه منه ثم هلك الرهن في يد المرتهن يهلك بغير شيء استحسانا" خلافا لزفر،؛ لأن الرهن مضمون بالدين أو بجهته عند توهم الوجود كما في الدين الموعود ولم يبق الدين بالإبراء أو الهبة ولا جهته لسقوطه، إلا إذا أحدث منعا؛ لأنه يصير به غاصبا إذا لم تبق له ولاية المنع
"وكذا إذا ارتهنت المرأة رهنا بالصداق فأبرأته أو وهبته أو ارتدت والعياذ بالله قبل الدخول أو اختلعت منه على صداقها ثم هلك الرهن في يدها يهلك بغير شيء في هذا كله ولم تضمن شيئا" لسقوط الدين كما في الإبراء، "ولو استوفى المرتهن الدين بإيفاء الراهن أو بإيفاء متطوع ثم هلك الرهن في يده يهلك بالدين ويجب عليه رد ما استوفى إلى ما استوفى منه وهو من عليه أو المتطوع بخلاف الإبراء" ووجه الفرق أن بالإبراء يسقط الدين أصلا كما ذكرنا، وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب، إلا أنه يتعذر الاستيفاء لعدم الفائدة؛ لأنه يعقب مطالبة مثله، فأما هو في نفسه فقائم، فإذا هلك يتقرر الاستيفاء الأول فانتقض الاستيفاء الثاني. "وكذا إذا اشترى بالدين عينا أو صالح عنه على عين"؛ لأنه استيفاء "وكذلك إذا أحال الراهن المرتهن بالدين على غيره ثم هلك الرهن بطلت الحوالة ويهلك بالدين"؛ لأنه في معنى البراءة بطريق الأداء؛ لأنه يزول به عن ملك المحيل مثل ما كان له على المحتال عليه، أو ما يرجع عليه به إن لم يكن للمحيل على المحتال عليه دين؛ لأنه بمنزلة الوكيل "وكذا لو تصادقا على أن لا دين ثم هلك الرهن يهلك بالدين" لتوهم وجوب الدين بالتصادق على قيامه فتكون الجهة باقية بخلاف الإبراء، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 1114
كتاب الجنايات
قال: "القتل على خمسة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب" والمراد بيان قتل تتعلق به الأحكام.
قال: "فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب وليطة القصب والمروة المحددة والنار"؛ لأن العمد هو القصد، ولا يوقف عليه إلا بدليله وهو استعمال الآلة القاتلة فكان متعمدا فيه عند ذلك "وموجب ذلك المأثم" لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وقد نطق به غير واحد من السنة، وعليه انعقد إجماع الأمة.
قال: "والقود" لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلا أنه تقيد بوصف العمدية لقوله ﵊: "العمد قود" أي موجبه، ولأن الجناية بها تتكامل وحكمة الزجر عليها تتوفر، والعقوبة المتناهية لا شرع لها دون ذلك.
قال: "إلا أن يعفو الأولياء أو يصالحوا"؛ لأن الحق لهم ثم هو واجب عينا، وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل وهو أحد قولي الشافعي، إلا أن له حق العدول إلى المال من غير مرضاة القاتل؛ لأنه تعين مدفعا للهلاك فيجوز بدون رضاه، وفي قول الواجب أحدهما لا بعينه ويتعين باختياره؛ لأن حق العبد شرع جابرا وفي كل واحد نوع جبر فيتخير ولنا ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة، ولأن المال لا يصلح موجبا لعدم المماثلة، والقصاص يصلح للتماثل، وفيه مصلحة الأحياء زجرا وجبرا فيتعين، وفي الخطإ وجوب المال ضرورة صون الدم عن الإهدار، ولا يتيقن بعدم قصد الولي بعد أخذ المال فلا يتعين مدفعا للهلاك، ولا كفارة فيه عندنا: وعند الشافعي ﵀ تجب؛ لأن الحاجة إلى التكفير في العمد أمس منها إليه في الخطأ فكان أدعى إلى إيجابها ولنا أنه كبيرة محضة، وفي الكفارة معنى العبادة فلا تناط بمثلها، ولأن الكفارة من المقادير، وتعينها في الشرع لدفع الأدنى لا يعينها لدفع الأعلى ومن حكمه حرمان الميراث لقوله ﵊ "لا ميراث لقاتل".
стр. 1115
قال: "وشبه العمد عند أبي حنيفة أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح" وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول الشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا؛ لأنه يتقاصر معنى العمدية باستعمال آلة صغيرة لا يقتل بها غالبا لما أنه يقصد بها غيره كالتأديب ونحوه فكان شبه العمد، ولا يتقاصر باستعمال آلة لا تلبث؛ لأنه لا يقصد به إلا القتل كالسيف فكان عمدا موجبا للقود وله قوله ﵊: "ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، وفيه مائة من الإبل" ولأن الآلة غير موضوعة للقتل ولا مستعملة فيه؛ إذ لا يمكن استعمالها على غرة من المقصود قتله، وبه يحصل القتل غالبا فقصرت العمدية نظرا إلى الآلة، فكان شبه العمد كالقتل بالسوط والعصا الصغيرة.
قال: "وموجب ذلك على القولين الإثم"؛ لأنه قتل وهو قاصد في الضرب "والكفارة" لشبهه بالخطأ "والدية مغلظة على العاقلة" والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد فهي على العاقلة اعتبارا بالخطأ، وتجب في ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب ﵁، وتجب مغلظة، وسنبين صفة التغليظ من بعد إن شاء الله تعالى "ويتعلق به حرمان الميراث"؛ لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في سقوط القصاص دون حرمان الميراث ومالك وإن أنكر معرفة شبه العمد فالحجة عليه ما أسلفناه.
قال: "والخطأ على نوعين: خطأ في القصد، وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا، فإذا هو آدمي، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم وخطأ في الفعل، وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا، وموجب ذلك الكفارة، والدية على العاقلة" لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] الآية، وهي على عاقلته في ثلاث سنين، لما بيناه.
قال: "ولا إثم فيه" يعني في الوجهين قالوا: المراد إثم القتل، فأما في نفسه فلا يعرى عن الإثم من حيث ترك العزيمة والمبالغة في التثبت في حال الرمي، إذ شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى "ويحرم عن الميراث"؛ لأن فيه إثما فيصح تعليق الحرمان به، بخلاف ما إذا تعمد الضرب موضعا من جسده فأخطأ فأصاب موضعا آخر فمات حيث يجب القصاص؛ لأن القتل قد وجد بالقصد إلى بعض بدنه، وجميع البدن كالمحل الواحد.
قال: "وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجل فيقتله فحكمه حكم الخطأ في الشرع، وأما القتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه، وموجبه إذا تلف فيه آدمي الدية على العاقلة"؛ لأنه سبب التلف وهو متعد فيه فأنزل موقعا دافعا فوجبت
стр. 1116
الدية "ولا كفارة فيه ولا يتعلق به حرمان الميراث" وقال الشافعي: يلحق بالخطإ في أحكامه؛ لأن الشرع أنزله قاتلا ولنا أن القتل معدوم منه حقيقة فألحق به في حق الضمان فبقي في حق غيره على الأصل، وهو إن كان يأثم بالحفر في غير ملكه لا يأثم بالموت على ما قالوا، وهذه كفارة ذنب القتل وكذا الحرمان بسببه "وما يكون شبه عمد في النفس فهو عمد فيما سواها"؛ لأن إتلاف النفس يختلف باختلاف الآلة، وما دونها لا يختص إتلافه بآلة دون آلة، والله أعلم.
стр. 1117
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
قال: "القصاص واجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد إذا قتل عمدا" أما العمدية فلما بيناه، وأما حقن الدم على التأبيد فلتنتفي شبهة الإباحة وتتحقق المساواة.
قال: "ويقتل الحر بالحر والحر بالعبد" للعمومات وقال الشافعي ﵀: لا يقتل الحر بالعبد لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ومن ضرورة هذه المقابلة أن لا يقتل حر بعبد، ولأن مبنى القصاص على المساواة وهي منتفية بين المالك والمملوك ولهذا لا يقطع طرف الحر بطرفه، بخلاف العبد بالعبد؛ لأنهما يستويان، وبخلاف العبد حيث يقتل بالحر؛ لأنه تفاوت إلى نقصان ولنا أن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين وبالدار ويستويان فيهما، وجريان القصاص بين العبدين يؤذن بانتفاء شبهة الإباحة، والنص تخصيص بالذكر فلا ينفي ما عداه.
قال: "والمسلم بالذمي" خلافا للشافعي له قوله ﵊ "لا يقتل مؤمن بكافر" ولأنه لا مساواة بينهما وقت الجناية، وكذا الكفر مبيح فيورث الشبهة ولنا ما روي "أن النبي ﷺ قتل مسلما بذمي" ولأن المساواة في العصمة ثابتة نظرا إلى التكليف والدار والمبيح كفر المحارب دون المسالم، والقتل بمثله يؤذن بانتفاء الشبهة، والمراد بما روى الحربي لسياقه "ولا ذو عهد في عهده" والعطف للمغايرة.
قال: "ولا يقتل بالمستأمن"؛ لأنه غير محقون الدم على التأبيد، وكذلك كفره باعث على الحراب؛ لأنه على قصد الرجوع "ولا يقتل الذمي بالمستأمن" لما بينا "ويقتل المستأمن بالمستأمن" قياسا للمساواة، ولا يقتل استحسانا لقيام المبيح "ويقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالأعمى والزمن وبناقص الأطراف وبالمجنون" للعمومات، ولأن في اعتبار التفاوت فيما وراء العصمة امتناع القصاص وظهور التقاتل والتفاني.
قال: "ولا يقتل الرجل بابنه" لقوله ﵊: "لا يقاد الوالد بولده" وهو
стр. 1118
بإطلاقه حجة على مالك ﵀ في قوله يقاد إذا ذبحه ذبحا، ولأنه سبب لإحيائه، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه ولهذا لا يجوز له قتله، وإن وجده في صف الأعداء مقاتلا أو زانيا وهو محصن، والقصاص يستحقه المقتول ثم يخلفه وارثه، والجد من قبل الرجال أو النساء، وإن علا في هذا بمنزلة الأب، وكذا الوالدة والجدة من قبل الأب أو الأم قربت أو بعدت لما بينا، ويقتل الولد بالوالد لعدم المسقط.
قال: "ولا يقتل الرجل بعبده ولا مدبره ولا مكاتبه ولا بعبد ولده"؛ لأنه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه، وكذا لا يقتل بعبد ملك بعضه؛ لأن القصاص لا يتجزأ.
قال: "ومن ورث قصاصا على أبيه سقط" لحرمة الأبوة، قال: "ولا يستوفى القصاص إلا بالسيف" وقال الشافعي: يفعل به مثل ما فعل إن كان فعلا مشروعا، فإن مات وإلا تحز رقبته؛ لأن مبنى القصاص على المساواة ولنا قوله ﵊: "لا قود إلا بالسيف" والمراد به السلاح، ولأن فيما ذهب إليه استيفاء الزيادة لو لم يحصل المقصود بمثل ما فعل فيحز فيجب التحرز عنه كما في كسر العظم.
قال: "وإذا قتل المكاتب عمدا وليس له وارث إلا المولى وترك وفاء فله القصاص عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لا أرى في هذا قصاصا"؛ لأنه اشتبه سبب الاستيفاء فإنه الولاء إن مات حرا والملك إن مات عبدا، وصار كمن قال لغيره بعني هذه الجارية بكذا، وقال المولى زوجتها منك لا يحل له وطؤها لاختلاف السبب كذا هذا ولهما أن حق الاستيفاء للمولى بيقين على التقديرين وهو معلوم والحكم متحد، واختلاف السبب لا يفضي إلى المنازعة ولا إلى اختلاف حكم فلا يبالى به، بخلاف تلك المسألة؛ لأن حكم ملك اليمين يغاير حكم النكاح "ولو ترك وفاء وله وارث غير المولى فلا قصاص، وإن اجتمعوا مع المولى"؛ لأنه اشتبه من له الحق؛ لأنه المولى إن مات عبدا، والوارث إن مات حرا إذ ظهر الاختلاف بين الصحابة ﵃ في موته على نعت الحرية أو الرق، بخلاف الأولى؛ لأن المولى متعين فيها "وإن لم يترك وفاء وله ورثة أحرار وجب القصاص للمولى في قولهم جميعا"؛ لأنه مات عبدا بلا ريب لانفساخ الكتابة، بخلاف معتق البعض إذا مات ولم يترك وفاء؛ لأن العتق في البعض لا ينفسخ بالعجز "وإذا قتل عبد الرهن في يد المرتهن لم يجب القصاص حتى يجتمع الراهن والمرتهن"؛ لأن المرتهن لا ملك له فلا يليه، والراهن لو تولاه لبطل حق المرتهن في الدين فيشترط اجتماعهما ليسقط حق المرتهن برضاه.
стр. 1119
قال: "وإذا قتل ولي المعتوه فلأبيه أن يقتل"؛ لأنه من الولاية على النفس شرع لأمر راجع إليها وهو تشفي الصدر فيليه كالإنكاح "وله أن يصالح"؛ لأنه أنظر في حق المعتوه، وليس له أن يعفو؛ لأن فيه إبطال حقه "وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمدا" لما ذكرنا "والوصي بمنزلة الأب في جميع ذلك إلا أنه لا يقتل"؛ لأنه ليس له ولاية على نفسه وهذا من قبيله، ويندرج تحت هذا الإطلاق الصلح عن النفس واستيفاء القصاص في الطرف فإنه لم يستثن إلا القتل وفي كتاب الصلح أن الوصي لا يملك الصلح؛ لأنه تصرف في النفس بالاعتياض عنه فينزل منزلة الاستيفاء ووجه المذكور هاهنا أن المقصود من الصلح المال وأنه يجب بعقده كما يجب بعقد الأب بخلاف القصاص؛ لأن المقصود التشفي وهو مختص بالأب ولا يملك العفو؛ لأن الأب لا يملكه لما فيه من الإبطال فهو أولى وقالوا القياس ألا يملك الوصي الاستيفاء في الطرف كما لا يملكه في النفس؛ لأن المقصود متحد وهو التشفي وفي الاستحسان يملكه؛ لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فإنها خلقت وقاية للأنفس كالمال على ما عرف فكان استيفاؤه بمنزلة التصرف في المال، والصبي بمنزلة المعتوه في هذا، والقاضي بمنزلة الأب في الصحيح؛ ألا ترى أن من قتل ولا ولي له يستوفيه السلطان، والقاضي بمنزلته فيه.
قال: "ومن قتل وله أولياء صغار وكبار فللكبار أن يقتلوا القاتل عند أبي حنيفة وقالا ليس لهم ذلك حتى يدرك الصغار"؛ لأن القصاص مشترك بينهم ولا يمكن استيفاء البعض لعدم التجزي، وفي استيفائهم الكل إبطال حق الصغار فيؤخر إلى إدراكهم كما إذا كان بين الكبيرين وأحدهما غائب أو كان بين الموليين وله أنه حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ وهو القرابة، واحتمال العفو من الصغير منقطع فيثبت لكل واحد منهما كملا كما في ولاية الإنكاح، بخلاف الكبيرين؛ لأن احتمال العفو من الغائب ثابت ومسألة الموليين ممنوعة.
قال: "ومن ضرب رجلا بمر فقتله، فإن أصابه بالحديد قتل به وإن أصابه بالعود فعليه الدية" قال ﵁: وهذا إذا أصابه بحد الحديد لوجود الجرح فكمل السبب، وإن أصابه بظهر الحديد فعندهما يجب، وهو رواية عن أبي حنيفة اعتبارا منه للآلة، وهو الحديد وعنه إنما يجب إذا جرح، وهو الأصح على ما نبينه إن شاء الله تعالى، وعلى هذا الضرب بسنجات الميزان؛ وأما إذا ضربه بالعود فإنما تجب الدية لوجود قتل النفس المعصومة وامتناع القصاص حتى لا يهدر الدم، ثم قيل: هو بمنزلة العصا الكبيرة فيكون قتلا بالمثقل، وفيه خلاف أبي حنيفة على ما نبين، وقيل هو بمنزلة السوط، وفيه خلاف
стр. 1120
الشافعي وهي مسألة الموالاة له أن الموالاة في الضربات إلى أن مات دليل العمدية فيتحقق الموجب ولنا ما روينا: "ألا إن قتيل خطإ العمد" ويروى "شبه العمد" الحديث ولأن فيه شبهة عدم العمدية؛ لأن الموالاة قد تستعمل للتأديب أو لعله اعتراه القصد في خلال الضربات فيعرى أول الفعل عنه وعساه أصاب المقتل، والشبهة دارئة للقود فوجب الدية.
قال: "ومن غرق صبيا أو بالغا في البحر فلا قصاص" عند أبي حنيفة، وقال: يقتص منه وهو قول الشافعي، غير أن عندهما يستوفى حزا وعنده يغرق كما بيناه من قبل لهم قوله ﵊: "من غرق غرقناه" ولأن الآلة قاتلة فاستعمالها أمارة العمدية، ولا مراء في العصمة وله قوله ﵊: "ألا إن قتيل خطإ العمد قتيل السوط والعصا" وفيه "وفي كل خطإ أرش"؛ لأن الآلة غير معدة للقتل، ولا مستعملة فيه لتعذر استعماله فتمكنت شبهة عدم العمدية ولأن القصاص ينبئ عن المماثلة، ومنه يقال: اقتص أثره، ومنه القصة للجلمين، ولا تماثل بين الجرح والدق لقصور الثاني عن تخريب الظاهر، وكذا لا يتماثلان في حكمة الزجر؛ لأن القتل بالسلاح غالب وبالمثقل نادر، وما رواه غير مرفوع أو هو محمول على السياسة، وقد أومت إليه إضافته إلى نفسه فيه وإذا امتنع القصاص وجبت الدية، وهي على العاقلة، وقد ذكرناه واختلاف الروايتين في الكفارة.
قال: "ومن جرح رجلا عمدا فلم يزل صاحب فراش حتى مات فعليه القصاص" لوجود السبب وعدم ما يبطل حكمه في الظاهر فأضيف إليه.
قال: "وإذا التقى الصفان من المسلمين والمشركين فقتل مسلم مسلما ظن أنه مشرك فلا قود عليه وعليه الكفارة"؛ لأن هذا أحد نوعي الخطإ على ما بيناه، والخطأ بنوعيه لا يوجب القود ويوجب الكفارة، وكذا الدية على ما نطق به نص الكتاب ولما اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة قضى رسول الله ﵊ بالدية قالوا: إنما تجب الدية إذا كانوا مختلطين، فإن كان في صف المشركين لا تجب لسقوط عصمته بتكثير سوادهم قال ﵊: "من كثر سواد قوم فهو منهم".
قال: "ومن شج نفسه وشجه رجل وعقره أسد وأصابته حية فمات من ذلك كله فعلى الأجنبي ثلث الدية"؛ لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لكونه هدرا في الدنيا والآخرة، وفعله بنفسه هدر في الدنيا معتبر في الآخرة حتى يأثم عليه وفي النوادر أن عند أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلى عليه وعند أبي يوسف يغسل ولا يصلى عليه، وفي
стр. 1121
شرح السير الكبير ذكر في الصلاة عليه اختلاف المشايخ على ما كتبناه في كتاب التجنيس والمزيد فلم يكن هدرا مطلقا وكان جنسا آخر، وفعل الأجنبي معتبر في الدنيا والآخرة فصارت ثلاثة أجناس فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال فيكون التالف بفعل كل واحد ثلثه فيجب عليه ثلث الدية، والله أعلم بالصواب.
стр. 1122
فصل: قال "ومن شهر على المسلمين سيفا فعليهم أن يقتلوه"
لقوله ﵊: "من شهر على المسلمين سيفا فقد أطل دمه" ولأنه باغ فتسقط عصمته ببغيه، ولأنه تعين طريقا لدفع القتل عن نفسه فله قتله وقوله فعليهم وقول محمد في الجامع الصغير فحق على المسلمين أن يقتلوه إشارة إلى الوجوب، والمعنى وجوب دفع الضرر وفي سرقة الجامع الصغير: ومن شهر على رجل سلاحا ليلا أو نهارا أو شهر عليه عصا ليلا في مصر أو نهارا في طريق في غير مصر فقتله المشهور عليه عمدا فلا شيء عليه لما بينا، وهذا؛ لأن السلاح لا يلبث فيحتاج إلى دفعه بالقتل والعصا الصغيرة، وإن كانت تلبث ولكن في الليل لا يلحقه الغوث فيضطر إلى دفعه بالقتل، وكذا في النهار في غير المصر في الطريق لا يلحقه الغوث فإذا قتله كان دمه هدرا قالوا: فإن كان عصا لا تلبث يحتمل أن تكون مثل السلاح عندهما.
قال: "وإن شهر المجنون على غيره سلاحا فقتله المشهور عليه عمدا فعليه الدية في ماله" وقال الشافعي: لا شيء عليه، وعلى هذا الخلاف الصبي والدابة وعن أبي يوسف أنه يجب الضمان في الدابة ولا يجب في الصبي والمجنون للشافعي أنه قتله دافعا عن نفسه فيعتبر بالبالغ الشاهر، ولأنه يصير محمولا على قتله بفعله فأشبه المكره ولأبي يوسف أن فعل الدابة غير معتبر أصلا حتى لو تحقق لا يوجب الضمان أما فعلهما معتبر في الجملة حتى لو حققناه يجب عليهما الضمان، وكذا عصمتهما لحقهما وعصمة الدابة لحق مالكها فكان فعلهما مسقطا للعصمة دون فعل الدابة، ولنا أنه قتل شخصا معصوما أو أتلف مالا معصوما حقا للمالك وفعل الدابة لا يصلح مسقطا وكذا فعلهما، وإن كانت عصمتهما حقهما لعدم اختيار صحيح ولهذا لا يجب القصاص بتحقق الفعل منهما، بخلاف العاقل البالغ؛ لأن له اختيارا صحيحا، وإنما لا يجب القصاص لوجود المبيح وهو دفع الشر فتجب الدية.
قال: "ومن شهر على غيره سلاحا في المصر فضربه ثم قتله الآخر فعلى القاتل
стр. 1123
القصاص" معناه: إذا ضربه فانصرف؛ لأنه خرج من أن يكون محاربا بالانصراف فعادت عصمته.
قال: "ومن دخل عليه غيره ليلا وأخرج السرقة فاتبعه وقتله فلا شيء عليه" لقوله ﵊: "قاتل دون مالك" ولأنه يباح له القتل دفعا في الابتداء فكذا استردادا في الانتهاء، وتأويل المسألة إذا كان لا يتمكن من الاسترداد إلا بالقتل، والله أعلم.
стр. 1124
باب القصاص فيما دون النفس
قال: "ومن قطع يد غيره عمدا من المفصل قطعت يده وإن كانت يده أكبر من اليد المقطوعة" لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وهو ينبئ عن المماثلة، فكل ما أمكن رعايتها فيه يجب فيه القصاص وما لا فلا، وقد أمكن في القطع من المفصل فاعتبر، ولا معتبر بكبر اليد وصغرها لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك، وكذلك الرجل ومارن الأنف والأذن لإمكان رعاية المماثلة. قال: "ومن ضرب عين رجل فقلعها لا قصاص عليه" لامتناع المماثلة في القلع، وإن كانت قائمة فذهب ضوءها فعليه القصاص لإمكان المماثلة على ما قال في الكتاب: تحمى له المرآة ويجعل على وجهه قطن رطب وتقابل عينه بالمرآة فيذهب ضوءها، وهو مأثور عن جماعة من الصحابة ﵃.
قال: "وفي السن القصاص" لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] "وإن كان سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر" لأن منفعة السن لا تتفاوت بالصغر والكبر.
قال: "وفي كل شجة تتحقق فيها المماثلة القصاص" لما تلونا.
قال: "ولا قصاص في عظم إلا في السن" وهذا اللفظ مروي عن عمر وابن مسعود ﵄، وقال ﵊: "لا قصاص في العظم" والمراد غير السن، ولأن اعتبار المماثلة في غير السن متعذر لاحتمال الزيادة والنقصان، بخلاف السن لأنه يبرد بالمبرد، ولو قلع من أصله يقلع الثاني فيتماثلان.
قال: "وليس فيما دون النفس شبه عمد إنما هو عمد أو خطأ" لأن شبه العمد يعود إلى الآلة، والقتل هو الذي يختلف باختلافها دون ما دون النفس لأنه لا يختلف إتلافه باختلاف الآلة فلم يبق إلا العمد والخطأ. "ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد، ولا بين العبدين" خلافا للشافعي في جميع ذلك إلا في الحر يقطع طرف العبد. ويعتبر الأطراف بالأنفس لكونها تابعة لها. ولنا أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فينعدم التماثل بالتفاوت في القيمة، وهو معلوم قطعا بتقويم الشرع فأمكن اعتباره
стр. 1125
بخلاف التفاوت في البطش لأنه لا ضابط له فاعتبر أصله، وبخلاف الأنفس لأن المتلف إزهاق الروح ولا تفاوت فيه. "ويجب القصاص في الأطراف بين المسلم والكافر" للتساوي بينهما في الأرش.
قال: "ومن قطع يد رجل من نصف الساعد أو جرحه جائفة فبرأ منها فلا قصاص عليه" لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، إذ الأول كسر العظم ولا ضابط فيه، وكذا البرء نادر فيفضي الثاني إلى الهلاك ظاهرا.
قال: "وإذا كانت يد المقطوع صحيحة ويد القاطع شلاء أو ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار إن شاء قطع اليد المعيبة ولا شيء له غيرها وإن شاء أخذ الأرش كاملا" لأن استيفاء الحق كاملا متعذر فله أن يتجوز بدون حقه وله أن يعدل إلى العوض كالمثلي إذا انصرم عن أيدي الناس بعد الإتلاف ثم إذا استوفاها ناقصا فقد رضي به فيسقط حقه كما إذا رضي بالرديء مكان الجيد "ولو سقطت المؤنة قبل اختيار المجني عليه أو قطعت ظلما فلا شيء له" عندنا لأن حقه متعين في القصاص، وإنما ينتقل إلى المال باختياره فيسقط بفواته، بخلاف ما إذا قطعت بحق عليه من قصاص أو سرقة حيث يجب عليه الأرش لأنه أوفى به حقا مستحقا فصارت سالمة له معنى.
قال: "ومن شج رجلا فاستوعبت الشجة ما بين قرنيه وهي لا تستوعب ما بين قرني الشاج فالمشجوج بالخيار، إن شاء اقتص بمقدار شجته يبتدئ من أي الجانبين شاء، وإن شاء أخذ الأرش" لأن الشجة موجبة لكونها مشينة فقط فيزداد الشين بزيادتها، وفي استيفائه ما بين قرني الشاج زيادة على ما فعل، ولا يلحقه من الشين باستيفائه قدر حقه ما يلحق المشجوج فينتقص فيخير كما في الشلاء والصحيحة، وفي عكسه يخير أيضا لأنه يتعذر الاستيفاء كاملا للتعدي إلى غير. حقه، وكذا إذا كانت الشجة في طول الرأس وهي تأخذ من جبهته إلى قفاه ولا تبلغ إلى قفا الشاج فهو بالخيار لأن المعنى لا يختلف.
قال: "ولا قصاص في اللسان ولا في الذكر" وعن أبي يوسف أنه إذا قطع من أصله يجب لأنه يمكن اعتبار المساواة. ولنا أنه ينقبض وينبسط فلا يمكن اعتبار المساواة "إلا أن تقطع الحشفة" لأن موضع القطع معلوم كالمفصل، ولو قطع بعض الحشفة أو بعض الذكر فلا قصاص فيه لأن البعض لا يعلم مقداره، بخلاف الأذن إذا قطع كله أو بعضه لأنه لا ينقبض ولا ينبسط وله حد يعرف فيمكن اعتبار المساواة، والشفة إذا استقصاها بالقطع يجب القصاص لإمكان اعتبار المساواة، بخلاف ما إذا قطع بعضها لأنه يتعذر اعتبارها.
следующие страницы →