Полный текст (1 246 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
"ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه أفطر" لقوله ﷺ "الفطر مما دخل" ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف "ولا كفارة عليه" لانعدامه صورة "ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخلهما لا يفسد صومه" لانعدام المعنى والصورة بخلاف ما إذا دخله الدهن "ولو داوى جائفة أو آمة بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر" عند أبي حنيفة ﵀ والذي يصل هو الرطب وقالا لا يفطر لعدم التيقن بالوصول لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى كما في اليابس من الدواء وله أن رطوبة الدواء تلاقي رطوبة الجراحة فيزداد ميلا إلى الأسفل فيصل إلى الجوف بخلاف اليابس لأنه ينشف رطوبة الجراحة فينسد فمها "ولو أقطر في إحليله لم يفطر" عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ﵀ يفطر وقول محمد ﵀ مضطرب فيه فكأنه وقع عند أبي يوسف ﵀ أن بينه وبين الجوف منفذا ولهذا يخرج منه البول ووقع عند أبي حنيفة ﵀ أن المثانة بينهما حائل والبول يترشح منه وهذا ليس من باب الفقه "ومن ذاق شيئا بفمه لم يفطر" لعدم الفطر صورة ومعنى "ويكره له ذلك" لما فيه من تعريض الصوم على الفساد "ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد" لما بينا "ولا بأس إذا لم تجد منه بدا" صيانة للولد ألا ترى أن لها أن تفطر إذا خافت على ولدها "ومضغ العلك لا يفطر الصائم" لأنه لا يصل إلى جوفه وقيل إذا لم يكن ملتئما يفسد لأنه يصل إليه بعض أجزائه وقيل إذا كان أسود يفسد وإن كان ملتئما لأنه يتفتت "إلا أنه يكره للصائم" لما فيه من تعريض الصوم للفساد ولأنه يتهم بالإفطار ولا يكره للمرأة إذا لم تكن صائمة لقيامه مقام السواك في حقهن ويكره للرجال على ما قيل إذا لم يكن من علة وقيل لا يستحب لما فيه من التشبه بالنساء "ولا بأس بالكحل ودهن الشارب" لأنه نوع ارتفاق وهو ليس من محظورات الصوم وقد ندب النبي ﷺ إلى الاكتحال يوم عاشوراء وإلى الصوم فيه ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصد به التداوي دون الزينة ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة لأنه يعمل عمل الخضاب ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة "ولا بأس بالسواك الرطب بالغداة والعشي للصائم" لقوله ﷺ "خير حلال الصائم السواك من غير فصل" وقال الشافعي يكره بالعشي لما فيه من إزالة الأثر المحمود وهو الخلوف فشابه دم الشهيد قلنا هو أثر العبادة والأليق به الإخفاء بخلاف دم الشهيد لأنه أثر الظلم ولا فرق بين الرطب الأخضر وبين المبلول بالماء لما روينا.
стр. 177
فصل
"ومن كان مريضا في رمضان فخاف إن صام ازداد مرضه أفطر وقضى" وقال
стр. 178
الشافعي ﵀: لا يفطر هو يعتبر خوف الهلاك أو فوات العضو كما يعتبر في التيمم ونحن نقول إن زيادة المرض وامتداده قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه "وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل وإن أفطر جاز" لأن السفر لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه عذرا بخلاف المرض فإنه قد يخف بالصوم فشرط كونه مفضيا إلى الحرج وقال الشافعي ﵀ الفطر أفضل لقوله ﷺ "ليس من البر الصيام في السفر".
ولنا أن رمضان أفضل الوقتين فكان الأداء فيه أولى وما رواه محمول على حالة الجهد "وإذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء" لأنهما لم يدركا عدة من أيام أخر "ولو صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة" لوجود الإدراك بهذا المقدار وفائدته وجوب الوصية بالإطعام وذكر الطحاوي خلافا فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وبين محمد ﵀ وليس بصحيح وإنما الخلاف في النذر والفرق لهما أن النذر سبب فيظهر الوجوب في حق الخلف وفي هذه المسئلة السبب إدارك العدة فيتقدر بقدر ما أدرك "وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه" لإطلاق النص لكن المستحب المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب "وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني" لأنه في وقته "وقضى الأول بعده" لأنه وقت القضاء "ولا فدية عليه" لأن وجوب القضاء على التراخي حتى كان له أن يتطوع "والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما أفطرتا وقضتا" دفعا للحرج "ولا كفارة عليهما" لأنه إفطار بعذر "ولا فدية عليهما" خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا خافت على الولد هو يعتبره بالشيخ الفاني.
ولنا أن الفدية بخلاف القياس في الشيخ الفاني والفطر بسبب الولد ليس في معناه لأنه عاجز بعد الوجوب والولد لا وجوب عليه أصلا "والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا كما يطعم في الكفارات" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قيل معناه لا يطيقونه ولو قدر على الصوم يبطل حكم الفداء لأن شرط الخلفية استمرار العجز "ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل مسكينا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير" لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني ثم لا بد من الإيصاء عندنا خلافا للشافعي ﵀ وعلى هذا الزكاة هو يعتبره بديون العباد إذ كل ذلك حق مالي تجري فيه النيابة.
ولنا أنه عبادة ولا بد فيه من الاختيار وذلك في الإيصاء دون الوراثة لأنها جبرية، ثم
стр. 179
هو تبرع ابتداء حتى يعتبر من الثلث والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ وكل صلاة تعتبر بصوم يوم هو الصحيح "ولا يصوم عنه الولي ولا يصلي" لقوله ﷺ "لا يصوم احد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد" "ومن دخل في صلاة التطوع أو في صوم التطوع ثم أفسده قضاه" خلافا للشافعي ﵀ له أنه تبرع بالمؤدى فلا يلزمه مالم يتبرع به.
ولنا أن المؤدي قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا ويباح بعذر والضيافة عذر لقوله ﷺ "أفطر واقض يوما مكانه" "وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما" قضاء لحق الوقت بالتشبه "ولو أفطرا فيه لا قضاء عليهما" لأن الصوم غير واجب فيه "وصاما ما بعده" لتحقق السبب والأهلية "ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى" لعدم الخطاب وهذا بخلاف الصلاة لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء فوجدت الأهلية عنده وفي صوم الجزء الأول والأهلية منعدمة عنده وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا زال الكفر أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء لأنه أدرك وقت النية وجه الظاهر أن الصوم لا يتجزأ وجوبا وأهلية الوجوب منعدمة في أوله إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة دون الكافر على ما قالوا لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا والصبي أهل له "وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه" لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب ولا صحة الشروع "وإن كان في رمضان فعليه أن يصوم" لزوال المرخص في وقت النية ألا ترى أنه لو كان مقيما في أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحا لجانب الإقامة لهذا أولى إلا أنه إذا أفطر في المسئلتين لا تلزمه الكفارة لقيام شبهة المبيح "ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء" لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية إذ الظاهر وجودها منه "وقضى ما بعده" لانعدام النية "وإن أغمي عليه أول ليلة منه قضاه كله غير يوم تلك الليلة" لما قلنا. وقال مالك ﵀ لا يقضي ما بعده لأن صوم رمضان عنده يتأدى بنية واحدة بمنزلة الاعتكاف وعندنا لا بد من النية لكل يوم لأنها عبادات متفرقة لأنه يتخلل بين كل يومين ما ليس بزمان لهذه العبادة بخلاف الاعتكاف "ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه" لأنه نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجى فيصير عذرا في التأخير لا في الإسقاط "ومن جن في رمضان كله لم يقضه" خلافا لمالك ﵀ هو يعتبره بالإغماء.
ولنا أن المسقط هو الحرج والإغماء لا يستوعب الشهر عادة فلا حرج والجنون يستوعبه فيتحقق الحرج "وإن أفاق المجنون في بعضه مضى ما قضى" خلافا لزفر والشافعي
стр. 180
رحمهما الله هما يقولان لم يجب عليه الأداء لانعدام الأهلية والقضاء مرتب عليه وصار كالمستوعب.
ولنا أن السبب قد وجد وهو الشهر والأهلية بالذمة وفي الوجوب فائدة وهو صيرورة مطلوبا على وجه لا يحرج في أدائه بخلاف المستوعب لأنه يحرج في الأداء فلا فائدة وتماما في الخلافيات ثم لا فرق بين الأصلي والعارض قيل هذا في ظاهر الرواية وعن محمد ﵀ أنه فرق بينهما لأنه إذا بلغ مجنونا التحق بالصبي فانعدم الخطاب بخلاف ما إذا بلغ عاقلا ثم جن وهذا مختار بعض المتأخرين "ومن لم ينو في رمضان كله لا صوما ولا فطرا فعليه قضاؤه" وقال زفر ﵀ يتأدى صوم رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم لأن الإمساك مستحق عليه فعلى أي وجه يؤديه يقع عنه كما إذا وهب كل النصاب من الفقير.
ولنا أن المستحق الإمساك بجهة العبادة ولا عبادة إلا بالنية وفي نية النصاب وجد نية القربة على ما مر في الزكاة "ومن أصبح غير ناو للصوم فأكل لا كفارة عليه" عند أبي حنيفة ﵀ وقال زفر ﵀ عليه الكفارة لأنه يتأدى بغير النية عنده وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أكل قبل الزوال تجب الكفارة لأنه فوت إمكان التحصيل فصار كغاصب الغاصب ولأبي حنيفة ﵀ أن الكفارة تعلقت بالإفساد وهذا امتناع إذ لا صوم إلا بالنية "وإذا حاضت المرأة أو نفست أفطرت وقضت" بخلاف الصلاة لأنها تحرج في قضائها وقد مر في الصلاة "وإذا قدم المسافر أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا بقية يومهما" وقال الشافعي ﵀ لا يجب الإمساك وعلى هذا الخلاف كل من صار أهلا للزوم ولم يكن كذلك في أول اليوم هو يقول التشبه خلف فلا يجب إلا على من يتحقق الأصل في حقه كالمفطر متعمدا أو مخطئا.
ولنا أنه وجب قضاء لحق الوقت لا خلفا لأنه وقت معظم بخلاف الحائض والنفساء والمريض والمسافر حيث لا يجب عليهم حال قيام هذه الأعذار لتحقق المانع عن التشبه حسب تحققه عن الصوم.
قال: "وإذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه" قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو نفيا للتهمة "وعليه القضاء" لأنه حق مضمون بالمثل كما في المريض والمسافر
стр. 181
"ولا كفارة عليه" لأن الجناية قاصرة لعدم القصد وفيه قال عمر ﵁ ما تجانفنا لإثم قضاء يوم علينا يسير والمراد بالفجر الفجر الثاني وقد بيناه في الصلاة "ثم التسحر مستحب" لقوله ﵊ "تسحروا فإن في السحور بركة" والمستحب تأخيره لقوله ﵊ "ثلاث من أخلاق المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور والسواك" "إلا أنه إذا شك في الفجر" ومعناه تساوي الظنين "الأفضل أن يدع الأكل تحرزا عن المحرم ولا يجب عليه ذلك ولو أكل فصومه تام" لأن الأصل هو الليل وعن أبي حنيفة ﵀ إذا كان في موضع لا يستبين الفجر أو كانت الليلة مقمرة أو متغيمة أو كان ببصره علة وهو يشك لا يأكل ولو أكل فقد أساء لقوله ﵊ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجر طالع فعليه قضاؤه عملا بغالب الرأي وفيه الاحتياط وعلى ظاهر الرواية لاقضاء عليه لأن اليقين لا يزال إلا بمثله "ولو ظهر أن الفجر طالع لا كفارة عليه" لأنه بنى الأمر على الأصل فلا تتحقق العمدية "ولو شك في غروب الشمس لا يحل له الفطر" لأن الأصل هو النهار "ولو أكل فعليه القضاء" عملا بالأصل وإن كان أكبر رأيه أنه أكل قبل الغروب فعليه القضاء رواية واحدة لأن النهار هو الأصل ولو كان شاكا فيه وتبين أنها لم تغرب ينبغي أن تجب الكفارة نظرا إلى ما هو الأصل وهو النهار "ومن أكل في رمضان ناسيا وظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك متعمدا عليه القضاء دون الكفارة" لأن الاشتباه استند إلى القياس فتحقق الشبهة وإن بلغه الحديث وعلمه فكذلك في ظاهر الرواية وعن أبي حنيفة ﵀ أنها تجب وكذا عنهما لأنه لا اشتباه فلا شبهة وجه الأول قيام الشبهة الحكمية بالنظر إلى القياس فلا ينتفي بالعلم كوطء الأب جارية ابنه "ولو احتجم وظن أن ذلك يفطره ثم أكل متعمدا عليه القضاء والكفارة" لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي إلا إذا أفتاه فقيه بالفساد لأن الفتوى دليل شرعي في حقه ولو بلغه الحديث فاعتمده فكذلك عند محمد ﵀ لأن قول الرسول ﵊ لا ينزل عن قول المفتي وعن أبي يوسف ﵀ خلاف ذلك لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث وإن عرف تأويله تجب الكفارة لانتفاء الشبهة وقول الأوزاعي ﵀ لا يورث الشبهة لمخالفتة القياس "ولو أكل بعد ما اغتاب متعمدا فعليه القضاء والكفارة كيفما كان" لأن الفطر يخالف القياس والحديث مؤول بالإجماع "وإذا جومعت النائمة أو المجنونة وهي صائمة عليها القضاء دون الكفارة" وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا قضاء عليهما اعتبارا بالناسي والعذر هنا أبلغ لعدم القصد ولنا أن النسيان يغلب وجوده وهذا نادر ولا تجب الكفارة لانعدام الجناية.
стр. 182
فصل فيما يوجبه على نفسه
"وإذا قال لله علي صوم يوم النحر أفطر وقضى" فهذا النذر صحيح عندنا خلافة لزفر والشافعي رحمهما الله هما يقولان إنه نذر بما هو معصية لورود النهي عن صوم هذه الأيام.
ولنا أنه نذر بصوم مشروع والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح نذره لكنه يفطر احترازا عن المعصية المجاورة ثم يقضي اسقاطا للواجب وإن صام فيه يخرج عن العهدة لأنه أداه كما التزمه "وإن نوى يمينا فعليه كفارة يمين" يعني إذا أفطر وهذه المسئلة على وجوه ستة إن لم ينو شيئا أو نوى النذر لا غير أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا يكون نذرا لأنه نذر بصيغته كيف وقد قرره بعزيمته وإن نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا لأن اليمين محتمل كلامه وقد عينه ونفى غيره وإن نواهما يكون نذرا ويمينا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف ﵀ يكون نذرا ولو نوى اليمين فكذلك عندهما وعنده يكون يمينا لأبي يوسف أن النذر فيه حقيقة واليمين مجاز حتى لا يتوقف الأول على النية ويتوقف الثاني فلا ينتظمهما ثم المجاز يتعين بنيته وعند نيتهما تترجح الحقيقة ولهما أنه لا تتنافى بين الجهتين لأنهما يقتضيان الوجوب إلا أن النذر يقتضيه لعينه واليمين لغيره فجمعنا بينهما عملا بالدليلين كما جمعنا بين جهتي التبرع والمعارضة في الهبة بشرط العوض "ولو قال لله علي صوم هذه السنة أفطر يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق وقضاها" لأن النذر بالسنة المعينة نذر بهذه الأيام وكذا إذا لم يعين لكنه شرط التتابع لأن المتابعة لا تعرى عنها لكن يقضيها في هذا الفصل موصولة تحقيقا للتتابع بقدر الإمكان ويأتي في هذا خلاف زفر والشافعي رحمهما الله للنهي عن الصوم فيها وهو قوله ﵊ "ألا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال" وقد بينا الوجه فيه والعذرعنه ولو لم يشترط التتابع لم يجزه صوم هذه الأيام لأن الأصل فيما يلتزمه الكمال والمؤدى ناقص لمكان النهي بخلاف ما إذا عينها لأنه التزم بوصف النقصان فيكون الأداء بالوصف الملتزم.
قال: "وعليه كفارة يمين إن أراد به يمينا" وقد سبقت وجوهه "ومن أصبح يوم النحر صائما ثم أفطر لا شيء عليه وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في النوادر أن عليه القضاء" لأن الشروع ملزوم كالنذر وصار كالشرع في الصلاة في الوقت المكروه والفرق لأبي حنيفة ﵀ وهو ظاهر الرواية أن بنفس الشروع في الصوم يسمى صائما حتى يحنث
стр. 183
به الحالف على العموم فيصير مرتكبا للنهي فيجب إبطاله فلا تجب صيانته ووجوب القضاء يبنى عليه ولا يصير مرتكبا للنهي بنفس النذر وهو الموجب ولا بنفس الشروع في الصلاة حتى يتم ركعة ولهذا لا يحنث به الحالف على الصلاة فتجب صيانه المؤدي ويكون مضمونا بالقضاء وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجب القضاء في فضل الصلاة أيضا والأظهر هو الأول والله أعلم بالصواب.
стр. 184
باب الاعتكاف
قال: "الاعتكاف مستحب" والصحيح أنه سنة مؤكدة لأن النبي ﵊ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان والمواظبة دليل السنة "وهو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف" أما اللبث فركنه لأنه ينبئ عنه فكان وجوده به والصوم من شرطه عندنا خلافا للشافعي ﵀ والنية شرط في سائر العبادات هو يقول إن الصوم عبادة وهو أصل بنفسه فلا يكون شرطا لغيره.
ولنا قول ﵊ "لا إعتكاف إلا بالصوم" والقياس في مقابلة النص المنقول غير مقبول ثم الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لظاهر ما روينا وعلى هذه الرواية لا يكون أقل من يوم وفي رواية الأصل وهو قول محمد ﵀ أقله ساعة فيكون من غير صوم لأن مبنى النفي على المساهلة ألا ترى أن يقعد في صلاة النفل مع القدرة على القيام ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل لأنه غير مقدر فلم يكن القطع إبطالا وفي رواية الحسن يلزمه لأنه مقدر باليوم كالصوم ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة لقول حذيفة ﵁ لا اعتكاف الا في مسجد جماعة وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس لأنه عبادة إنتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها لأنه هو الموضع لصلاتها فيتحقق انتظارها فيه ولو لم يكن لها في البيت مسجد تجعل موضعا فيه فتعتكف فيه "ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة" أما الحاجة فلحديث عائشة ﵂ كان النبي ﵊ لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان ولأنه معلوم وقوعها ولا بد من الخروج في تقضيتها فيصير الخروج لها مستثنى ولا يمكث بعد فراغه من الطهور لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه وهي معلوم وقوعها وقال الشافعي ﵀ الخروج إليها مفسد لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع ونحن نقول
стр. 185
الاعتكاف في كل مسجد مشروع وإذا صح الشروع فالضرورة مطلقة في الخروج ويخرج حين تزول الشمس لأن الخطاب يتوجه بعده وإن كان منزله بعيدا عنه يخرج في وقت يمكنه إدراكها ويصلي قبلها أربعا وفي رواية ستا الأربع سنة والركعتان تحية المسجد وبعدها أربعا أو ستا على حسب الاختلاف في سنة الجمعة وسننها توابع لها فألحقت بها ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك لا يفسد اعتكافه لأنه موضع اعتكاف إلا أنه لا يستحب لأنه إلتزم أداءه في مسجد واحد فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة "ولو خرج من المسجد ساعة بغير عذر فسد اعتكافه" عند أبي حنيفة ﵀ لوجود المنافى وهو القياس وقالا لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم وهو الاستحسان لأن في القليل ضرورة قال "وأما الأكل والشرب والنوم يكون في معتكفه" لأن النبي ﵊ لم يكن لمأوى إلا المسجد ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد فلا ضرورة إلى الخروج "ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة" لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته إلا أنهم قالوا يكره إحضار السلعة للبيع والشراء لأن المسجد محرز من حقوق العباد وفيه شغله بها ويكره لغير المعتكف البيع والشراء فيه لقوله ﵊ "جنبوا مساجدكم صبيانكم" إلى أن قال "وبيعكم وشراءكم".
قال: "ولا يتكلم إلا بخير ويكره له الصمت" لأن صوم الصمت ليس بقربة في شريعتنا لكنه يتجانب ما يكون مأثما "ويحرم على المعتكف الوطء" لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] "و" كذا "اللمس والقبلة" لأنه من دواعيه فيحرم عليه إذ هو محظوره كما في الإحرام بخلاف الصوم لأن الكف ركنه لا محظوره فلم يتعد إلى دواعيه "فإن جامع ليلا أو نهارا عامدا أو ناسيا بطل اعتكافه" لأن الليل محل الاعتكاف بخلاف الصوم وحالة العاكفين مذكرة فلا يعذر بالنسيان "ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل أو قبل أو لمس فأنزل بطل اعتكافه" لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم ولو لم ينزل لا يفسد إن كان محرما لأنه ليس في معنى الجماع وهو المفسد ولهذا لا يفسد به الصوم.
قال: "ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمه اعتكافها بلياليها" لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بازائها من الليالي يقال ما رأيتك منذ أيام والمراد بلياليها وكانت "متتابعة وان لم يشترط التتابع" لأن مبنى الاعتكاف على التتابع لأن الأوقات كلها قابلة له بخلاف الصوم لأن مبناه على التفرق لأن الليالي غير قابلة للصوم فيجب على التفرق حتى ينص على التتابع "وإن نوى الأيام خاصة صحت نيته" لأنه نوى الحقيقة "ومن أوجب على
стр. 186
نفسه اعتكاف يومين يلزمه بليلتيهما قال أبو يوسف ﵀ لا تدخل الليلة الأولى" لأن المثنى غير الجمع وفي المتوسطة ضرورة الاتصال وجه الظاهر أن في المثنى معنى الجمع فيلحق به احتياطا لأمر العبادة والله أعلم.
стр. 187
كتاب الحج
"الحج واجب على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة فاصلا عن المسكن وما لا بد منه وعن نفقة عياله إلى حين عوده وكان الطريق آمنا" وصفه بالوجوب وهو فريضة محكمة ثبتت فرضيته بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية "ولا يجب في العمر الا مرة واحدة" لأنه ﵊ قيل له الحج في كل عام أم مرة واحدة فقال "لا بل مرة واحدة فما زاد فهو تطوع" ولأن سببه البيت وإنه لا يتعدد فلا يتكرر الوجوب ثم هو واجب على الفور عند أبي يوسف ﵀ وعن أبي حنيفة ﵀ ما يدل عليه وعند محمد والشافعي رحمهما الله على التراخي لأنه وظيفة العمر فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة وجه الأول أنه يختص بوقت خاص والموت في سنة واحدة غير نادر فيتضيق احتياطا ولهذا كان التعجيل أفضل بخلاف وقت الصلاة لأن الموت في مثله نادر وإنما شرط الحرية والبلوغ لقوله ﵊ "أيما عبد حج عشر حجج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام وأيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام" ولأنه عبادة والعبادات بأسرها موضوعة عن الصبيان والعقل شرط لصحة التكليف وكذا صحة الجوارح لأن العجز دونها لازم والأعمى إذا وجد من يكفيه مؤنة سفره ووجد زادا وراحلة لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما وقد مر في كتاب الصلاة وأما المقعد فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يجب لأنه مستطيع بغيره فأشبه المستطيع بالراحلة وعن محمد ﵀ أنه لا يجب لأنه غير قادر على الأداء بنفسه بخلاف الأعمى لأنه لو هدى يؤدي بنفسه فأشبه الضال عنه ولا بد من القدرة على الزاد والراحلة وهو قدر ما يكترى به شق محمل أو رأس زاملة وقدر النفقة ذاهبا وجائيا لأنه ﵊ سئل عن السبيل إليه فقال "الزاد والراحلة" وإن أمكنه أن يكترى عقبة فلا شئ عليه لأنهما إذا كانا يتعاقبان لم توجد الراحلة في جميع السفر ويشترط أن يكون فاضلا عن المسكن وعما لا بد منه كالخادم وأثاث البيت وثيابه لأن هذه الأشياء مشغولة بالحاجة الأصلية ويشترط أن يكون فاضلا عن نفقة عياله إلى حين عوده لأن النفقة حق مستحق للمرأة وحق العبد مقدم على حق الشرع بأمره وليس من شرط
стр. 188
الوجوب على أهل مكة ومن حولهم الراحلة لأنه لا تلحقهم مشقة زائدة في الأداء فأشبه السعي الى الجمعة ولا بد من أمن الطريق لأن الاستطاعة لا تثبت دونه ثم قيل هو شرط الأداء دون الوجوب لأن النبي ﵊ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير.
قال: "ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم تحج به أو زوج ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام" وقال الشافعي ﵀ يجوز لها الحج إذا خرجت في رفقة ومعها نساء ثقات لحصول الأمن بالمرافقة.
ولنا قوله ﵊ "لا تحجن امرأة الا ومعها محرم" ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة وتزداد بانضمام غيرها اليها ولهذا تحرم الخلوة بالأجنبية وإن كان معها غيرها بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام لأنه يباح لها الخروج إلى ما دون السفر بغير محرم "وإذا وجدت محرما لم يكن للزوج منعها" وقال الشافعي ﵀ له أن يمنعها لأن في الخروج تفويت حقه.
ولنا أن حق الزوج لا يظهر في حق الفرائض والحج منها حتى لو كان الحج نفلا له أن يمنعها ولو كان المحرم فاسقا قالوا لا يجب عليها لأن المقصود لا يحصل به "ولها أن تخرج مع كل محرم إلا أن يكون مجوسيا" لأنه يعتقد إباحة مناكحتها ولا عبرة بالصبي والمجنون لأنه لا تتأتى منهما الصيانة والصبية التي بلغت حد الشهوة بمنزلة البالغة حتى لا يسافر بها من غير محرم ونفقة المحرم عليها لأنها تتوسل به إلى أداء الحج.
واختلفوا في أن المحرم شرط الوجوب أو شرط الأداء على حسب اختلافهم في أمن الطريق "وإذا بلغ الصبي بعدما أحرم أو أعتق العبد فمضيا لم يجزهما عن حجة الاسلام" لأن إحرامهما إنعقد لأداء النفل فلا ينقلب لأداء الفرض "ولو جدد الصبي الاحرام قبل الوقوف ونوى حجة الاسلام جاز والعبد لو فعل ذلك لم يجز" لأن إحرام الصبي غير لازم لعدم الأهلية أما إحرام العبد لازم فلا يمكنه الخروج عنه بالشروع في غيره والله أعلم.
стр. 189
فصل
"والمواقيت التي لا يجوز أن يجاوزها الإنسان إلا محرما خمسة لأهل المدينة ذو الحليفة ولأهل العراق ذات عرق ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم" هكذا وقت رسول الله ﵊ هذه المواقيت لهؤلاء.
وفائدة التأقيت المنع عن تأخير الإحرام عنها لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق "ثم
стр. 190
الأفاقى إذا إنتهى إليها على قصد دخول مكة عليه أن يحرم قصد الحج أو العمرة أو لم يقصد عندنا" لقوله ﵊ "لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما" ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما "ومن كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته" لأنه يكثر دخوله مكة وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بين فصار كأهل مكة حيث يباح لهم الخروج منها ثم دخولها بغير إحرام لحاجتهم بخلاف ما إذا قصد أداء النسك لأنه يتحقق أحيانا فلا حرج "فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز" لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله كذا قاله علي وابن مسعود ﵄ والأفضل التقديم عليها لأن إتمام الحج مفسر به والمشقة فيه أكثر والتعظيم أوفر وعن أبي حنيفة ﵀ إنما يكون أفضل إذا كان يملك نفسه أن لا يقع في محظور "ومن كان داخل الميقات فوقته الحل معناه الحل" الذي بين المواقيت وبين الحرم لأنه يجوز إحرامه من دويرة أهله وما وراء الميقات إلى الحرم مكان واحد ومن كان بمكة فوقته في الحج الحرم وفي العمرة الحل لأن النبي ﵊ أمر أصحابه ﵃ أن يحرموا بالحج من جوف مكة وأمر أخا عائشة ﵄ أن يعمرها من التنعيم وهو في الحل ولأن أداء الحج في عرفة وهي في الحل فيكون الاحرام من الحرم ليتحقق نوع سفر وأداء العمرة في الحرم فيكون الإحرام من الحل لهذا إلا أن التنعيم أفضل لورود الأثر به والله أعلم.
стр. 191
باب الإحرام
"وإذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ والغسل أفضل" لما روي أنه ﵊ اغتسل لإحرامه إلا أنه للتنظيف حتى تؤمر به الحائض وإن لم يقع فرضها عنها فيقوم الوضوء مقامه كما في الجمعة لكن الغسل أفضل لأن معنى النظافة فيه أتم ولأنه ﵊ اختاره.
قال: "ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزارا ورداء" لأنه ﵇ ائتزر وارتدى عند إحرامه ولأنه ممنوع عن لبس المخيط ولا بد من ستر العورة ودفع الحر والبرد وذلك فيما عيناه والجديد أفضل لأنه أقرب إلى الطهارة.
قال: "ومس طيبا إن كان له" وعن محمد ﵀ أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام ووجه المشهور حديث عائشة ﵂ قالت كنت أطيب رسول الله ﵊
стр. 192
لإحرامه قبل أن يحرم والممنوع عنه التطيب بعد الإحرام والباقي كالتابع له لاتصاله به بخلاف الثوب لأنه مباين عنه.
قال: "وصلى ركعتين" لما روى جابر ﵁ أن النبي ﵊ صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه قال: "وقال اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني" لأن أداءه في أزمنة متفرقة وأماكن متباينة فلا يعرى عن المشقة عادة فيسأل التيسير وفي الصلاة لم يذكر مثل هذا الدعاء لأن مدتها يسيرة وأداءها عادة متيسر.
قال: "ثم يلبي عقيب صلاته" لما روى أن النبي ﵊ لبى في دبر صلاته وإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز ولكن الأول أفضل لما روينا "وإن كان مفردا بالحج ينوي بتلبيته الحج" لأنه عبادة والأعمال بالنيات "والتلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وقوله: إن الحمد بكسر الألف لا بفتحها ليكون ابتداء لا بناء إذ الفتحة صفة الأولى وهو إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه على ما هو المعروف في القصة "ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات" لأنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص عنه "ولو زاد فيها جاز" خلافا للشافعي ﵀ في رواية الربيع ﵀ عنه هو اعتبره بالأذان واستشهد من حيث إنه ذكر منظوم.
ولنا أن أجلاء الصحابة كابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة ﵃ زادوا على المأثور ولأن المقصود الثناء وإظهار العبودية فلا يمنع من الزيادة عليه.
قال: "وإذا لبى فقد أحرم" يعني إذا نوى لأن العبادة لا تتأدى إلا بالنية إلا أنه لم يذكرها لتقدم الإشارة إليها في قوله اللهم إني أريد الحج "ولا يصير شارعا في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية" خلافا للشافعي ﵀ لأنه عقد على الأداء فلا بد من ذكركما في تحريمة الصلاة ويصير شارعا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو عربية هذا هو المشهور عن أصحابنا ﵏ والفرق بينه وبين الصلاة على أصلهما أن باب الحج أوسع من باب الصلاة حتى يقام غير الذكر مقام الذكر كتقليد البدن فكذا غير التلبية وغير العربية.
قال: "ويتقى ما نهى الله تعالى عنه من الرفث والفسوق والجدال" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فهذا نهي بصيغة النفي والرفث الجماع أو الكلام الفاحش أو ذكر الجماع بحضرة النساء والفسوق: المعاصي
стр. 193
وهو في حال الإحرام أشد حرمة والجدال أن يجادل رفيقه وقيل مجادلة المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره "ولا يقتل صيدا" لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] "ولا يشير إليه ولا يدل عليه" لحديث أبي قتادة ﵁ أنه أصاب حمار وحش وهو حلال وأصحابه محرمون فقال النبي ﵊ لأصحابه "أهل أشرتم هل دللتم هل أعنتم" فقالوا لا فقال "إذا فكلوا" ولأنه إزالة الأمن عن الصيد لأنه آمن بتوحشه وبعده عن الأعين.
قال: "ولا يلبس قميصا ولا سراويل ولا عمامة ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين" لما روى أن النبي ﵊ نهى أن يلبس المحرم هذه الأشياء وقال في آخره "ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين" والكعب هنا المفصل الذي في وسط القدم عند مقعد الشراك دون الناتيء فيما روى هشام عن محمد ﵀.
قال: "ولا يغطي وجهه ولا رأسه" وقال الشافعي يجوز للرجل تغطية الوجه لقوله ﵇ "إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها".
ولنا قوله ﵊ "لا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" قاله في محرم توفى ولأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة فالرجل بالطريق الأولى وفائدة ما روى الفرق في تغطية الرأس.
قال: "ولا يمس طيبا" لقوله ﵊ "الحاج الشعث التفل" "وكذا لا يدهن" لما روينا "ولا يحلق رأسه ولا شعر بدنه" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية "ولا يقص من لحيته" لأنه في معنى الحلق ولأن فيه إزالة الشعث وقضاء التفث.
قال: "ولا يلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران ولا عصفر" لقوله ﵊ "لا يلبس المحرم ثوبا مسه زعفران ولا ورس".
قال: "إلا أن يكون غسيلا لا ينفض" لأن المنع للطيب لا للون وقال الشافعي ﵀ لا بأس بلبس المعصفر لأنه لون لا طيب له ولنا أن له رائحة طيبة.
قال: "ولا بأس بأن يغتسل ويدخل الحمام" لأن عمر ﵁ اغتسل وهو محرم و لا بأس بأن "يستظل بالبيت والمحمل" وقال مالك ﵀ يكره أن يستظل بالفسطاط وما أشبه ذلك لأنه يشبه تغطية الرأس.
стр. 194
ولنا أن عثمان ﵁ كان يضرب له فسطاط في إحرامه ولأنه لا يمس بدنه فأشبه البيت "ولو دخل تحت أستار الكعبة حتى غطته إن كان لا يصيب رأسه ولا وجهة فلا بأس به" لأنه استظلال "و" لا بأس بأن "يشد في وسطه الهميان" وقال مالك ﵀ يكره إذا كان فيه نفقة غيره لأنه لا ضرورة.
ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان "ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمى" لأنه نوع طيب ولأنه يقتل هوام الرأس.
قال: "ويكثر من التلبية عقيب الصلوات وكلما علا شرفا أو هبط واديا أو لقي ركبا وبالأسحار" لأن أصحاب رسول الله ﵇ ﵃ كانوا يلبون في هذه الأحوال والتلبية في الإحرام على مثال التكبير في الصلاة فيؤتى بها عند الإنتقال من حال إلى حال "ويرفع صوته بالتلبية" لقوله ﵊ "أفضل الحج العج والثج" فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج إسالة الدم.
قال: "فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام" لما روى أن النبي ﵊ كما دخل مكة دخل المسجد ولأن المقصود زيارة البيت وهو فيه ولا يضره ليلا دخلها أو نهارا لأنه دخول بلدة فلا يختص بأحدهما "وإذا عاين البيت كبر وهلل" وكان ابن عمر ﵄ يقول إذا لقي البيت باسم الله والله أكبر ومحمد ﵀ لم يعين في الأصل لمشاهد الحج شيئا من الدعوات لأن التوقيت يذهب بالرقة وإن تبرك بالمنقول منها فحسن.
قال: "ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر وهلل" لما روى أن النبي ﵊ دخل المسجد فابتدأ بالحجر فاستقبله وكبر وهلل.
قال: "ويرفع يديه" لقوله ﵇ "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن وذكر من جملتها استلام الحجر".
قال: "واستلمه إن استطاع من غير أن يؤذي مسلما" لما روى أن النبي ﵊ قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه وقال لعمر ﵁ "إنك رجل أيد تؤذي الضعيف فلا تزاحم الناس على الحجر ولكن إن وجدت فرجة فاستلمه وإن لا فاستقبله وهلل وكبر" ولأن الإستلام سنة والتحرز عن أذى المسلم واجب.
قال: "وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده" كالعرجون وغيره "ثم قبل ذلك فعل" لما روى أنه ﵊ طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه وإن لم
стр. 195
يستطع شيئا من ذلك استقبله وكبر وهلل وحمد الله وصلى على النبي ﵊.
قال: "ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب وقد اضطبع رداءه قبل ذلك فيطوف بالبيت سبعة أشواط" لما روى أنه عليه الصلاة و السلام استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب فطاف سبعة أشواط "والاضطباع أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على كتفه الأيسر" وهو سنة وقد نقل ذلك عن رسول الله ﵊.
قال: "ويجعل طوافه من وراء الحطيم" وهو اسم لموضع فيه الميزاب سمي به لأنه حطم من البيت أي كسر وسمي حجرا لأنه حجر منه أي منع وهو من البيت لقوله عليه الصلاة و السلام في حديث عائشة ﵂ "فإن الحطيم من البيت" فلهذا يجعل الطواف من ورائه حتى لو دخل الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده لا تجزيه الصلاة لأن فرضية التوجه ثبتت بنص الكتاب فلا تتأدى بما ثبت بخبر الواحد احتياطا والاحتياط في الطواف أن يكون وراءه.
قال: "ويرمل في الثلاثة الأول من الأشواط" والرمل أن يهز في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين وذلك مع الاضطباع وكان سببه إظهار الجلد للمشركين حين قالوا أضناهم حمى يثرب ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن النبي ﵇ وبعده.
قال: "ويمشي في الباقي على هينته" على ذلك اتفق رواة نسك رسول الله ﵇ "والرمل من الحجر إلى الحجر" وهو المنقول من رمل النبي ﵇ "فإن زحمه الناس في الرمل قام فإذا وجد مسلكا رمل" لأنه لا بدل له فيقف حتى يقيمه على وجه السنة بخلاف الإستلام لأن الاستقبال بدل له.
قال: "ويستلم الحجر كلما مر به إن استطاع" لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير يفتتح كل شوط باستلام الحجر وإن لم يستطع الإستلام استقبل وكبر وهلل على ما ذكرنا "ويستلم الركن اليماني" وهو حسن في ظاهر الرواية وعن محمد ﵀ أنه سنة "ولا يستلم غيرهما" فإن النبي ﵊ كان يستلم هذين الركنين ولا يستلم غيرهما "ويختم الطواف بالإستلام" يعني استلام الحجر.
قال: "ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين أو حيث تيسر من المسجد" وهي واجبة عندنا وقال الشافعي ﵀ سنة لإنعدام دليل الوجوب ولنا قوله ﵊ "وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين" والأمر للوجوب "ثم يعود إلى الحجر فيستلمه" لما روى أن النبي ﵊ لما صلى ركعتين عاد إلى الحجر، والأصل أن كل طواف
стр. 196
بعده سعي يعود إلى الحجر لأن الطواف لما كان يفتتح بالإستلام فكذا السعي يفتتح به بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي.
قال: "وهذا الطواف طواف القدوم" ويسمى طواف التحية "وهو سنة وليس بواجب" وقال مالك ﵀ إنه واجب لقوله ﵊ "من أتى البيت فليحيه بالطواف".
ولنا أن الله تعالى أمر بالطواف والأمر المطلق لا يقتضي التكرار وقد تعين طواف الزيارة بالإجماع وفيما رواه سماه تحية وهو دليل الاستحباب "وليس على أهل مكة طواف القدوم" لانعدام القدوم في حقهم.
قال: "ثم يخرج إلى الصفا فيصعد عليه ويستقبل البيت ويكبر ويهلل ويصلي على النبي ﷺ ويرفع يديه ويدعو الله لحاجته" لما روى أن النبي ﵊ صعد الصفا حتى إذا نظر إلى البيت قام مستقبل القبلة يدعو الله ولأن الثناء والصلاة يقدمان على الدعاء تقريبا إلى الإجابة كما في غيره مع الدعوات والرفع سنة الدعاء وإنما يصعد بقدر ما يصير البيت بمرأى منه لأن الاستقبال هو المقصود بالصعود ويخرج إلى الصفا من أي باب شاء وإنما خرج النبي ﷺ من باب بني مخزوم وهو الذي يسمى باب الصفا لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا إلا أنه سنة.
قال: "ثم ينحط نحو المروة ويمشي على هينته فإذا بلغ بطن الوادي يسعى بين الميلين الأخضرين سعيا ثم يمشي على هينته حتى يأتي المروة فيصعد عليها ويفعل كما فعل على الصفا" لما روى أن النبي ﵊ نزل من الصفا وجعل يمشي نحو المروة وسعى في بطن الوادي حتى إذا خرج من بطن الوادي مشى حتى صعد المروة وطاف بينهما سبعة أشواط.
قال: "وهذا شوط واحد فيطوف سبعة أشواط يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ويسعى في بطن الوادي في كل شوط" لما روينا وإنما يبدأ بالصفا لقوله ﵊ فيه "ابدءوا بما بدأ الله تعالى به" ثم السعي بين الصفا والمروة واجب وليس بركن وقال الشافعي ﵀ إنه ركن لقوله ﵊ "إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا".
ولنا قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ومثله يستعمل للإباحة فينفي الركنية والإيجاب إلا أنا عدلنا عنه في الإيجاب ولأن الركنية لا تثبت
стр. 197
إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد ثم معنى ما روى كتب استحبابا كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية.
قال: "ثم يقيم بمكة حراما" لأنه محرم بالحج فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله قال "ويطوف بالبيت كلما بدا له" لأنه يشبه الصلاة قال ﵊ "الطواف بالبيت صلاة والصلاة خير موضوع" فكذا الطواف إلا أنه لا يسعى عقيب هذه إلا طوفة في هذه المدة لأن السعي لا يجب فيه إلا مرة والتنقل بالسعي غير مشروع ويصلى لكل أسبوع ركعتين وهي ركعتا الطواف على ما بينا.
قال: "فإذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الامام خطبة يعلم فيها الناس الخروج إلى منى والصلاة بعرفات والوقوف والافاضة".
والحاصل أن في الحج ثلاث خطب أولها ما ذكرنا والثانية بعرفات يوم عرفة والثالثة بمنى في اليوم الحادي عشر فيفصل بين كل خطبتين بيوم وقال زفر ﵀ يخطب في ثلاثة أيام متوالية أولها يوم التروية لأنها أيام الموسم ومجتمع الحاج.
ولنا أن المقصود منها التعليم ويوم التروية ويوم النحر يوما اشتغال فكان ما ذكرناه أنفع وفي القلوب أنجع "فإذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى فيقيم بها حتى يصلي الفجر من يوم عرفة" لما روى أن النبي ﵊ صلى الفجر يوم التروية بمكة فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم راح إلى عرفات "ولو بات بمكة ليلة عرفة وصلى بها الفجر ثم غدا إلى عرفات ومر بمنى أجزأه" لأنه لا يتعلق بمنى في هذا اليوم إقامة نسك ولكنه أساء بتركه الاقتداء برسول الله ﵊.
قال: "ثم يتوجه إلى عرفات فيقيم بها" لما روينا وهذا بيان الأولوية أما لو دفع قبله جاز لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم قال في الأصل وينزل بها مع الناس لأن الانتباذ تجبر والحال حال تضرع والإجابة في الجمع أرجى وقيل مراده أن لا ينزل على الطريق كيلا يضيق على المارة.
قال: "وإذا زالت الشمس يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر فيبتديء بالخطبة فيخطب خطبة يعلم فيها الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة" هكذا فعله رسول الله عليه الصلاة
стр. 198
والسلام، وقال مالك ﵀ يخطب بعد الصلاة لأنها خطبة وعظ وتذكير فأشبه خطبة العيد.
ولنا ما روينا ولأن المقصود منها تعليم المناسك والجمع منها وفي ظاهر المذهب إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة وعن أبي يوسف ﵀ أنه يؤذن قبل خروج الإمام وعنه أنه يؤذن بعد الخطبة والصحيح ما ذكرنا لأن النبي ﵊ لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذنون بين يديه ويقيم المؤذن بعد الفراغ من الخطبة لأنه أوان الشروع في الصلاة فأشبه الجمعة.
قال: "ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين" وقد ورد النقل المستفيض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتين وفيما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلاهما بأذان وإقامتين ثم بيانه أنه يؤذن للظهر ويقيم للظهر ثم يقيم للعصر لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود فيفرد بالإقامة إعلاما للناس ولا يتطوع بين الصلاتين تحصيلا لمقصود الوقوف ولهذا قدم العصر على وقته فلو أنه فعل فعل مكروها وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية خلافا لما روى عن محمد ﵀ لأن الاشتغال بالتطوع أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول فيعيده للعصر فإن صلى بغير خطبة أجزأه لأن هذه الخطبة ليست بفريضة.
قال: "ومن صلى الظهر في رحله وحده صلى العصر في وقته عند أبي حنيفة ﵀ وقالا يجمع بينهما المنفرد لأن جواز الجمع للحاجة إلى امتداد الوقوف والمنفرد محتاج إليه ولأبي حنيفة ﵀ أن المحافظة على الوقت فرض بالنصوص فلا يجوز تركه إلا فيما ورد الشرع به وهو الجمع بالجماعة مع الإمام والتقديم لصيانة الجماعة لأنه يعسر عليهم الاجتماع للعصر بعد ما تفرقوا في الموقف لا لما ذكراه إذ لا منافاة ثم عند أبي حنيفة ﵀ الإمام شرط في الصلاتين جميعا وقال زفر ﵀ في العصر خاصة لأنه هو المغير عن وقته وعلى هذا الخلاف الاحرام بالحج ولأبي حنيفة ﵀ أن التقديم على خلاف القياس عرفت شرعيته فيما إذا كانت العصر مرتبة على ظهر مؤدى بالجماعة مع الإمام في حالة الإحرام بالحج فيقتصر عليه ثم لا بد من الإحرام بالحج قبل الزوال في رواية تقديما للاحرام على وقت الجمع وفي أخرى يكتفي بالتقديم على الصلاة لأن المقصود هو الصلاة.
قال: "ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل والقوم معه عقيب انصرافهم من
стр. 199
الصلاة" لأن النبي ﵊ راح إلى الموقف عقيب الصلاة والجبل يسمى جبل الرحمة والموقف الموقف الأعظم.
قال: "وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة" لقوله ﵊ "عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن وادي محسر".
قال: "وينبغي للامام أن يقف بعرفة على راحلته" لأن النبي ﵊ وقف على ناقته "وإن وقف على قدميه جاز" والأول أفضل لما بينا "وينبغي أن يقف مستقبل القبلة" لأن النبي ﵇ وقف كذلك وقال النبي ﵇ "خير المواقف ما استقبلت به القبلة" "ويدعو ويعلم الناس المناسك" لما روى أن النبي ﵇ كان يدعو يوم عرفة مادا يديه كالمستطعم المسكين "ويدعو بما شاء" وإن ورد الآثار ببعض الدعوات وقد أوردنا تفصيلها في كتابنا المترجم بعدة الناسك في عدة من المناسك بتوفيق الله تعالى.
قال: "وينبغي للناس أن يقفوا بقرب الإمام" لأنه يدعو ويعلم فيعوا ويسمعوا وينبغي أن يقف وراء الإمام ليكون مستقبل القبلة وهذا بيان الأفضلية لأن عرفات كلها موقف على ما ذكرنا.
قال: "ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفة ويجتهد في الدعاء" أما الإغتسال فهو سنة وليس بواجب ولو اكتفى بالوضوء جاز كما في الجمعة والعيدين وعند الإحرام وأما الاجتهاد فلأنه ﵊ اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم "ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة" وقال مالك ﵀ يقطع التلبية كما يقف بعرفة لأن الإجابة باللسان قبل الاشتغال بالأركان ولنا ما روى أن النبي ﵊ ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة ولأن التلبية فيه كالتكبير في الصلاة فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام.
قال: "وإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى يأتوا المزدلفة" لأن النبي ﵊ دفع بعد غروب الشمس ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين وكان النبي ﵊ يمشي على راحلته في الطريق على هيئته فإن خاف الزحام فدفع قبل الإمام ولم يجاوز حدود عرفة أجزأه لأنه لم يفض من عرفة والأفضل أن يقف في مقامه كي لا يكون آخذا في الأداء قبل وقتها "فلو مكث قليلا بعد غروب الشمس وإفاضة الإمام لخوف الزحام فلا بأس به" لما روى أن عائشة ﵂ بعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت ثم أفاضت.
стр. 200
قال: "وإذا أتى مزدلفة فالمستحب أن يقف بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له قزح" لأن النبي ﵊ وقف عند هذا الجبل وكذا عمر ﵁ ويتحرز في النزول عن الطريق كي لا يضر بالمارة فينزل عن يمينه أو يساره ويستحب أن يقف وراء الإمام لما بينا في الوقوف بعرفة.
قال: "ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة" وقال زفر ﵀ بأذان وإقامتين اعتبارا بالجمع بعرفة ولنا رواية جابر ﵁ أن النبي ﵊ جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة ولأن العشاء في وقته فلا يفرد بالإقامة علاما بخلاف العصر بعرفة لأنه مقدم على وقته فأفرد بها لزيادة الإعلام.
"ولا يتطوع بينهما" لأنه يخل بالجمع. ولو تطوع أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل وكان ينبغي أن يعيد الأذان كما في الجمع الأول بعرفة إلا أنا اكتفينا بإعادة الإقامة لما روى أن النبي ﵊ صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى ثم أفرد الإقامة للعشاء "ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع عند أبي حنيفة ﵀" لأن المغرب مؤخرة عن وقتها بخلاف الجمع بعرفة لأن العصر مقدم على وقته.
قال: "ومن صلى المغرب في الطريق لم تجزه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر" وقال أبو يوسف ﵀ يجزيه وقد أساء وعلى هذا الخلاف إذا صلى بعرفات لأبي يوسف ﵀ أنه أداها في وقتها فلا تجب إعادتها كما بعد طلوع الفجر إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئا بتركه ولهما ما روى أنه ﵊ قال لأسامة ﵁ في طريق المزدلفة "الصلاة أمامك" معناه وقت الصلاة وهذا إشارة إلى أن التأخير واجب وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعا بينهما وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة.
قال: "وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس" لرواية ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵊ صلاها يومئذ بغلس ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز كتقديم العصر بعرفة "ثم وقف ووقف معه الناس ودعا" لأن النبي ﵊ وقف في هذا الموضع يدعو حتى روى في حديث ابن عباس ﵄ فاستجيب له دعاؤه لأمته حتى الدماء والمظالم ثم هذا الوقوف واجب عندنا وليس بركن حتى لو تركه بغير عذر يلزمه الدم وقال الشافعي ﵀ إنه ركن لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا
стр. 201
اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وبمثله تثبت الركنية.
ولنا ما روى أنه ﵊ قدم ضعفة أهله بالليل ولو كان ركنا لما فعل ذلك والمذكور فيما تلا الذكر وهو ليس بركن بالإجماع وإنما عرفنا الوجوب بقوله ﵊ "من وقف معنا هذا الموقف وقد كان أفاض قبل ذلك من عرفات فقد تم حجه" علق به تمام الحج وهذا يصلح أمارة للوجوب غير أنه إذا تركه بعذر بأن يكون به ضعف أو علة أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شيء عليه لما روينا.
قال: "والمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر" لما روينا من قبل قال: "فإذا طلعت الشمس أفاض الإمام والناس معه حتى يأتوا منى" قال العبد الضعيف عصمه الله تعالى هكذا وقع في نسخ المختصر وهذا غلط والصحيح أنه إذا أسفر أفاض الإمام والناس لأن النبي ﵊ دفع قبل طلوع الشمس.
قال: "فيبتديء بجمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف" لأن النبي ﵊ لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة وقال ﵊ "عليكم بحصى الخذف لا يؤذي بعضكم بعضا" "ولو رمى بأكبر منه جاز" لحصول الرمي غير أنه لا يرمي بالكبار من الأحجار كيلا يتأذى به غيره "ولو رماها من فوق العقبة أجزأه" لأن ما حولها موضع النسك والأفضل أن يكون من بطن الوادي لما روينا "ويكبر مع كل حصاة" كذا روى ابن مسعود وابن عمر ﵃ "ولو سبح مكان التكبير أجزأه" لحصول الذكر وهو من آداب الرمي "ولا يقف عندها" لأن النبي ﵊ لم يقف عندها ويقطع التلبية مع أول حصاة لما روينا عن ابن مسعود ﵁ وروى جابر أن النبي ﵊ قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة ثم كيفية الرمي أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة ومقدار الرمي أن يكون بين الرامي وبين موضع السقوط خمسة أذرع فصاعدا كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لأن ما دون ذلك يكون طرحا "ولو طرحها طرحا أجزأه" لأنه رمى إلى قدميه إلا أنه مسيء لمخالفته السنة "ولو وضعها وضعا لم يجزه" لأنه ليس برمي "ولو رماها فوقعت قريبا من الجمرة يكفيه" لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه "ولو وقعت بعيدا منها لا يجزئه" لأنه لم يعرف قربة إلا في مكان مخصوص "ولو رمى بسبع حصيات جملة فهذه واحدة" لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال "ويأخذ الحصى من أي موضع شاء إلا من عند الجمرة فإن ذلك يكره" لأن ما عندها من الحصى مردود هكذا جاء في الأثر فيتشاءم به ومع هذا لو فعل أجزأه لوجود فعل الرمي "ويجوز الرمي بكل ما كان من
стр. 202
أجزاء الأرض عندنا" خلافا للشافعي ﵀ لأن المقصود فعل الرمي وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة لأنه يسمى نثرا لا رميا.
قال: "ثم يذبح إن أحب ثم يحلق أو يقصر" لما روى عن رسول الله ﵊ أنه قال "إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نرمي ثم نذبح ثم نحلق" ولأن الحلق من أسباب التحلل وكذا الذبح حتى يتحلل به المحصر فيقدم الرمي عليهما ثم الحلق من محظورات الإحرام فيقدم عليه الذبح وإنما علق الذبح بالمحبة لأن الدم الذي يأتي به المفرد تطوع والكلام في المفرد "والحلق أفضل" لقوله ﵊ "رحم الله المحلقين" الحديث ظاهر بالترحم عليهم ولأن الحلق أكمل في قضاء التفث وهو المقصود وفي التقصير بعض التقصير فأشبه الاغتسال مع الوضوء ويكتفي في الحلق بربع الرأس اعتبارا بالمسح وحلق الكل أولى اقتداء برسول الله ﵊ والتقصير أن يأخذ من رءوس شعره مقدار الأنملة "وقد حل له كل شيء إلا النساء" وقال مالك ﵀ وإلا الطيب أيضا لأنه من دواعي الجماع ولنا قوله ﵊ "فيه حل له كل شيء إلا النساء" وهو مقدم على القياس "ولا يحل له الجماع فيما دون الفرج عندنا" خلافا للشافعي ﵀ لأنه قضاء الشهوة بالنساء فيؤخر إلى تمام الإحلال "ثم الرمي ليس من أسباب التحلل عندنا" خلافا للشافعي ﵀ هو يقول إنه يتوقت بيوم النحر كالحلق فيكون بمنزلته في التحليل ولنا أن ما يكون محللا يكون جناية في غير أوانه كالحلق والرمي ليس بجناية في غير أوانه بخلاف الطواف لأن التحلل بالحلق السابق لا به.
قال: "ثم يأتي مكة من يومه ذلك أو من الغد أو من بعد الغد فيطوف بالبيت طواف الزيارة سبعة أشواط" لما روى أن النبي ﵊ لما حلق أفاض إلى مكة فطاف بالبيت ثم عاد إلى منى وصلى الظهر بمنى "ووقته أيام النحر" لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فكان وقتهما واحدا "وأول وقته بعد طلوع الفجر من يوم النحر" لأن ما قبله من الليل وقت الوقوف بعرفة والطواف مرتب عليه وأفضل هذه الأيام أولها كما في التضحية وفي الحديث: "أفضلها أولها" "فإن كان قد سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف ولا سعي عليه وإن كان لم يقدم السعي رمل في هذا الطواف وسعى بعده" لأن السعي لم يشرع إلا مرة والرمل ما شرع إلا مرة في طواف بعده سعي "ويصلي ركعتين بعد هذا الطواف" لأن ختم كل طواف بركعتين فرضا كان الطواف أو نفلا لما بيناه.
стр. 203
قال: "وقد حل له النساء" ولكن بالحلق السابق إذ هو المحلل لا بالطواف إلا أنه أخر عمله في حق النساء.
قال: "وهذا الطواف هو المفروض في الحج" وهو ركن فيه إذ هو المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ويسمى طواف الإفاضة وطواف يوم النحر ويكره تأخيره عن هذه الأيام لما بينا أنه موقت بها وإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة ﵀ وسنبينه في باب الجنايات إن شاء الله تعالى.
قال: "ثم يعود إلى منى فيقيم بها" لأن النبي ﵊ رجع إليها كما روينا ولأنه بقي عليه الرمي وموضعه بمنى "فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر رمى الجمار الثلاث فيبدأ بالتي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها" هكذا روى جابر ﵁ فيما نقل من نسك رسول الله ﵊ مفسرا "ويقف عند الجمرتين في المقام الذي يقف فيه الناس ويحمد الله ويثني عليه ويهلل ويكبر ويصلي على النبي ﵊ ويدعو بحاجته ويرفع يديه" لقوله ﵊ "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن" وذكر من حملتها عند الجمرتين والمراد رفع الأيدي بالدعاء وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذه المواقف لأن النبي ﵊ قال "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج" ثم الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضا.
قال: "وإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك وإن أراد أن يتعجل النفر إلى مكة نفر وإن أراد أن يقيم رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس" لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] "والأفضل أن يقيم" لما روى أن النبي ﵊ صبر حتى رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع فإذا طلع الفجر لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي وفيه خلاف الشافعي ﵀ "وإن قدم الرمي في هذا اليوم" يعني اليوم الرابع "قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة ﵀" وهذا استحسان وقالا لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام وإنما التفاوت في
стр. 204
رخصة النفر فإذا لم يترخص التحق بها ومذهبه مروي عن ابن عباس ﵄ ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى بخلاف اليوم الأول والثاني حيث لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية لأنه لا يجوز تركه فيهما فبقي على الأصل المروي "فأما يوم النحر فأول وقت الرمي فيه من وقت طلوع الفجر" وقال الشافعي أوله بعد نصف الليل لما روي أن النبي ﵊ رخص للرماء أن يرموا ليلا.
ولنا قوله ﵊ "لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين" ويروى "حتى تطلع الشمس" فيثبت أصل الوقت بالأول والأفضلية بالثاني وتأويل ما روى الليلة الثانية والثالثة ولأن ليلة النحر وقت الوقوف والرمي يترتب عليه فيكون وقته بعده ضرورة ثم عند أبي حنيفة يمتد هذا الوقت إلى غروب الشمس لقوله ﵊ "إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي" جعل اليوم وقتا له وذهابه بغروب الشمس وعن أبي يوسف أنه يمتد إلى وقت الزوال والحجة عليه ما روينا "وإن أخر إلى الليل رماه ولا شيء عليه" لحديث الدعاء "وإن أخر إلى الغد رماه" لأنه وقت جنس الرمي "وعليه دم" عند أبي حنيفة ﵀ لتأخيره عن وقته كما هو مذهبه.
قال: "فإن رماها راكبا أجزأه" لحصول فعل الرمي "وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيا وإلا فيرميه راكبا" لأن الأول بعده وقوف ودعاء على ما ذكرنا فيرميه ماشيا ليكون أقرب إلى التضرع وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف ﵀ "ويكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي" لأن النبي ﵊ بات بها وعمر ﵁ كان يؤدب على ترك المقام بها "ولو بات في غيرها متعمدا لا يلزمه شيء عندنا" خلافا للشافعي ﵀ لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن من أفعال الحج فتركه لا يوجب الجابر.
قال: "ويكره أن يقدم الرجل ثقله إلى مكة ويقيم حتى يرمي" لما روى أن عمر ﵁ كان يمنع منه ويؤدب عليه ولأنه يوجب شغل قلبه "وإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب" وهو الأبطح وهو اسم موضع قد نزل به رسول الله ﷺ وكان نزوله قصدا هو الأصح حتى يكون النزول به سنة على ما روى أنه ﵊ قال لأصحابه "إنا نازلون غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم" يشير إلى عهدهم على هجران بني هاشم فعرفنا أنه نزل به إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به فصار سنة كالرمل في الطواف.
стр. 205
قال: "ثم دخل مكة وطاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها وهذا طواف الصدر" ويسمى طواف الوداع وطواف آخر عهده بالبيت لأنه يودع البيت ويصدر به "وهو واجب عندنا" خلافا للشافعي لقوله ﵊ "من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف" ورخص للنساء الحيض تركه "إلا على أهل مكة" لأنهم لا يصدرون ولا يودعون ولا رمل فيه لما بينا أنه شرع مرة واحدة ويصلي ركعتي الطواف بعده لما قدمنا "ثم يأتي زمزم ويشرب من مائها" لما روي أن النبي ﵊ استقى دلوا بنفسه فشرب منه ثم أفرغ باقي الدلو في البئر "ويستحب أن يأتي الباب ويقبل العتبة ثم ياتي الملتزم" وهو ما بين الحجر إلى الباب "فيضع صدره ووجهه عليه ويتشبث بالأستار ساعة ثم يعود إلى أهله" هكذا روى أن النبي ﵊ فعل بالملتزم ذلك قالوا وينبغي أن ينصرف وهو يمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فراق البيت حتى يخرج من المسجد فهذا بيان تمام الحج.
стр. 206
فصل
"وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها" على ما بينا "سقط عنه طواف القدوم" لأنه شرع في ابتداء الحج على وجه يترتب عليه سائر الأفعال فلا يكون الإتيان به على غير ذلك الوجه سنة "ولا شيء عليه بتركه" لأنه سنة وبترك السنة لا يجب الجابر "ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج" فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا لما روى أن النبي ﵊ وقف بعد الزوال وهذا بيان أول الوقت وقال ﵊ "من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج" وهذا بيان آخر الوقت ومالك ﵀ إن كان يقول إن أول وقته بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس فهو محجوج عليه بما روينا "ثم إذا وقف بعد الزوال وأفاض من ساعته أجزأه" عندنا لأنه ﵊ ذكره بكلمة أو فإنه قال "الحج عرفة فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه" وهي كلمة التخيير وقال مالك ﵀ لا يجزئه إلا أن يقف في اليوم وجزء من الليل ولكن الحجة عليه ما رويناه "ومن اجتاز بعرفات نائما أو مغمى عليه أو لا يعلم أنها عرفات جاز عن الوقوف" لأن ما هو الركن قد وجب وهو الوقوف ولا يمتنع ذلك بالإغماء والنوم كركن الصوم بخلاف الصلاة لأنها لا تبقى مع الإغماء والجهل يخل بالنية وهي ليست بشرط لكل ركن "ومن أغمي عليه فأهل عنه رفقاؤه جاز عند أبي حنيفة ﵀" وقالا
стр. 207
"لا يجوز، ولو أمر إنسانا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه أو نام فأحرم المأمور عنه صح" بالإجماع حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز لهما أنه لم يحرم بنفسه ولا أذن لغيره به وهذا لأنه لم يصرح بالإذن والدلالة تقف على العلم وجواز الإذن به لا يعرفه كثير من الفقهاء فكيف يعرفه العوام بخلاف ما إذا أمر غيره بذلك صريحا وله أنه لما عاقدهم عقد الرفقة فقد استعان بكل واحد منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه والإحرام هو المقصود بهذا السفر فكان الإذن به ثابتا دلالة والعلم ثابت نظرا إلى الدليل والحكم يدار عليه.
قال: "والمرأة في جميع ذلك كالرجل" لأنها مخاطبة كالرجل "غير أنها لا تكشف رأسها" لأنه عورة "وتكشف وجهها" لقوله ﵊ "إحرام المرأة في وجهها" "ولو سدلت شيئا على وجهها وجافته عنه جاز" هكذا روى عن عائشة ﵂ ولأنه بمنزلة الاستظلال بالمحمل "ولا ترفع صوتها بالتلبية" لما فيه من الفتنة "ولا ترمل ولا تسعى بين الميلين" لأنه مخل بستر العورة "ولا تحلق ولكن تقصر" لما روي أن النبي ﵊ نهى النساء عن الحلق وأمرهن بالتقصير ولأن حلق الشعر في حقها مثله كحلق اللحية في حق الرجل وتلبس من المخيط ما بدا لها لأن في لبس غير المخيط كشف العورة قالوا ولا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع لأنها ممنوعة عن مماسة الرجال إلا أن تجد الموضع خاليا.
قال: "ومن قلد بدنة تطوعا أو نذرا أو جزاء صيد أو شيئا من الأشياء وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم" لقوله ﵊ "من قلد بدنة فقد أحرم" ولأن سوق الهدى في معنى التلبية في إظهار الإجابة لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول فيصير به محرما لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام.
وصفة التقليد أن يربط على عنق بدنته قطعة نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجرة "فإن قلدها وبعث بها ولم يسقها لم يصر محرما" لما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت كنت أفتل قلائد هدى رسول الله ﵊ فبعث بها وأقام في أهله حلالا "فإن توجه بعد ذلك لم يصر محرما حتى يلحقها" لأن عند التوجه إذا لم يكن بين يديه هدى يسوقه لم يوجد منه إلا مجرد النية وبمجرد النية لا يصير محرما "فإذا أدركها وساقها أو أدركها فقد اقترنت نيته بعمل هو من خصائص الإحرام فيصير محرما" كما لو ساقها في الابتداء.
стр. 208
قال: "إلا في بدنة المتعة فإنه محرم حين توجه" معناه إذا نوى الإحرام وهذا استحسان وجه القياس فيه ماذكرنا ووجه الاستحسان أن هذا الهدى مشروع على الابتداء نسكا من مناسك الحج وضعا لأنه مختص بمكة ويجب شكرا للجمع بين أداء النسكين وغيره قد يجب بالجناية وإن لم يصل إلى مكة فلهذا اكتفى فيه بالتوجه وفي غيره توقف على حقيقة الفعل "فإن جلل بدنة أو اشعرها أو قلد شاة لم يكن محرما" لأن التجليل لدفع الحر والبرد والذباب فلم يكن من خصائص الحج والإشعار مكروه عند أبي حنيفة ﵀ فلا يكون من النسك في شيء وعندهما إن كان حسنا فقد يفعل للمعالجة بخلاف التقليد لأنه يختص بالهدى وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة أيضا.
قال: "والبدن من الإبل والبقر" وقال الشافعي ﵀ من الإبل خاصة لقوله ﵊ في حديث الجمعة فالمتعجل منهم كالمهدي بدنة والذين يليه كالمهدي بقرة فصل بينهما.
ولنا أن البدنة تنبئ عن البدانة وهي الضخامة وقد اشتركا في هذا المعنى ولهذا يجزئ كل واحد منهما عن سبعة والصحيح من الرواية في الحديث كالمهدي جزورا والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 209
باب القران
"القران أفضل من التمتع والإفراد" وقال الشافعي ﵀ الإفراد أفضل وقال مالك ﵀ التمتع أفضل من القران لأن له ذكرا في القرآن ولا ذكر للقران فيه وللشافعي ﵀ قوله ﵊ "القران رخصة" ولأن في الإفراد زيادة التلبية والسفر والحلق.
ولنا قوله ﵊ "يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا" ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم مع الاعتكاف والحراسة في سبيل الله مع صلاة الليل والتلبية غير محصورة والسفر غير مقصود والحلق خروج عن العبادة فلا يترجح بما ذكر والمقصود بما روي نفي قول أهل الجاهلية إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وللقران ذكر في القرآن لأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن يحرم بهما من دويرة أهله على ما روينا من قبل ثم فيه تعجيل الإحرام واستدامة إحرامهما من الميقات إلى إن يفرغ منهما ولا كذلك التمتع فكان القران أولى منه وقيل الاختلاف بيننا
стр. 210
وبين الشافعي بناء على أن القارن عندنا يطوف طوافين ويسعى سعيين وعنده طوافا واحدا وسعيا واحدا.
قال: "وصفة القران أن يهل بالعمرة والحج معا من الميقات ويقول عقيب الصلاة اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني" لأن القران هو الجمع بين الحج والعمرة من قولك قرنت الشيء بالشيء إذا جمعت بينهما وكذا إذا أدخل حجة على عمرة قبل أن يطوف لها أربعة أشواط لأن الجمع قد تحقق إذ الأكثر منها قائم ومتى عزم على أدائهما يسأل التيسير فيهما وقدم العمرة على الحج فيه ولذلك يقول لبيك بعمرة وحجة معا لأنه يبدأ بأفعال العمرة فكذلك يبدأ بذكرها وإن أخر ذلك في الدعاء والتلبية لا بأس به لأن الواو للجمع ولو نوى بقلبه ولم يذكرهما في التلبية أجزأه اعتبارا بالصلاة "فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة وهذه أفعال العمرة ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما بينا في المفرد ويقدم أفعال العمرة" لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ٩٦] والقران في معنى المتعة ولا يحلق بين العمرة والحج لأن ذلك جناية على إحرام الحج وإنما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد ويتحلل بالحلق عندنا لا بالذبح كما يتحلل المفرد ثم هذا مذهبنا وقال الشافعي ﵀ يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا لقوله ﵊ "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" ولأن مبنى القران على التداخل حتى اكتفي فيه بتلبية واحدة وسفر واحد وحلق واحد فكذلك في الأركان.
ولنا أنه لما طاف صبي بن معبد طوافين وسعى سعيين قال له عمر ﵁ هديت لسنة نبيك ولأن القران ضم عبادة إلى عبادة وذلك إنما يتحقق بأداء عمل كل واحد على الكمال ولأنه لا تداخل في العبادات المقصودة والسفر للتوسل والتلبية للتحريم والحلق للتحلل فليست هذه الأشياء بمقاصد بخلاف الأركان ألا ترى أن شفعي التطوع لا يتداخلان وبتحريمة واحدة يؤديان ومعنى ما رواه "دخل وقت العمرة في وقت الحج".
قال: "فإن طاف طوافين لعمرته وحجته وسعى سعيين يجزيه" لأنه أتى بما هو المستحق عليه وقد أساء بتأخير سعي العمرة وتقديم طواف التحية عليه ولا يلزمه شيء أما عندهما فظاهر لأن التقديم والتأخير في المناسك لا يوجب الدم عندهما وعنده طواف التحية سنة وتركه لا يوجب الدم فتقديمه أولى والسعي بتأخيره بالاشتغال بعمل آخر لا يوجب الدم فكذا بالاشتغال بالطواف "وإذا رمى الجمرة يوم النحر ذبح شاة أو بقرة أو بدنة
стр. 211
أو سبع بدنة فهذا دم القران" لأنه في معنى المتعة والهدي منصوص عليه فيهما والهدي من الإبل والبقر والغنم على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى وأراد بالبدنة ههنا البعير وإن كان اسم البدنة يقع عليه وعلى البقرة على ما ذكرنا وكما يجوز سبع البعير يجوز سبع البقرة "فإذا لم يكن له ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله" لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالنص وإن ورد في التمتع فالقران مثله لأنه مرتفق بأداء التسكين والمراد بالحج والله أعلم وقته لأن نفسه لا يصلح ظرفا إلا أن الأفضل أن يصوم قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة لأن الصوم يدل على الهدي فيستحب تأخيره إلى آخر وقته رجاء أن يقدر على الأصل "وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج جاز" ومعناه بعد مضي أيام التشريق لأن الصوم فيها منهي عنه وقال الشافعي ﵀ لا يجوز لأنه معلق بالرجوع إلا أن ينوي المقام فحينئذ يجزيه لتعذر الرجوع.
ولنا أن معناه رجعتم عن الحج أي فرغتم إذ الفراغ سبب الرجوع إلى أهله فكان الأداء بعد السبب فيجوز "فإن فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم" وقال الشافعي ﵀ يصوم بعد هذه الأيام لأنه صوم موقت فيقضي كصوم رمضان وقال مالك ﵀ يصوم فيها لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا وقته.
ولنا: النهي المشهور عن الصوم في هذه الأيام فيتقيد به النص أو يدخله النقص فلا يتأدى به ما وجب كاملا "ولا يؤدى بعدها" لأن الصوم بدل والأبدال لا تنصب إلا شرعا والنص خصه بوقت الحج وجواز الدم على الأصل وعن عمر ﵁ أنه أمر في مثله بذبح الشاة فلو لم يقدر على الهدي تحلل وعليه دمان دم التمتع ودم التحلل قبل الهدي "فإن لم يدخل القارن مكة وتوجه إلى عرفات فقد صار رافضا لعمرته بالوقوف" لأنه تعذر عليه أداؤها لأنه يصير باتيا أفعال العمرة على أفعال الحج وذلك خلاف المشروع ولا يصير رافضا بمجرد التوجه هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ﵀ أيضا والفرق
له بينه وبين مصلى الظهر يوم الجمعة إذا توجه إليها أن الأمر هنالك بالتوجه متوجه بعد أداء الظهر والتوجه في القران والتمتع منهي عنه قبل أداء العمرة فافترقا.
قال: "وسقط عنه دم القران" لأنه لما ارتفضت العمرة لم يرتفق بأداء التسكين "وعليه دم لرفض عمرته" بعد الشروع فيها "وعليه قضاؤها" لصحة الشروع فيها فأشبه المحصر والله أعلم.
стр. 212
باب التمتع
"التمتع أفضل من الإفراد عندنا" وعن أبي حنيفة ﵀ أن الإفراد أفضل لأن المتمتع سفره واقع لعمرته والمفرد سفره واقع لحجته وجه ظاهر الرواية أن في التمتع جمعا بين العبادتين فأشبه القران ثم فيه زيادة نسك وهي إراقة الدم وسفره واقع لحجته وإن تخللت العمرة لأنها تبع للحج كتخلل السنة بين الجمعة والسعي إليها "والمتمتع على وجهين متمتع يسوق الهدي ومتمتع لا يسوق الهدي" ومعنى التمتع الترفق بأداء التسكين في سفر واحد من غير أن يلم بأهله بينهما إلماما صحيحا ويدخله اختلافات نبينها إن شاء الله تعالى "وصفته أن يبتدئ من الميقات في أشهر الحج فيحرم بالعمرة ويدخل مكة فيطوف لها ويسعى ويحلق أو يقصر وقد حل من عمرته" وهذا هو تفسير العمرة وكذلك إذا اراد أن يفرد بالعمرة فعل ما ذكرنا هكذا فعل رسول الله ﵊ في عمرة القضاء وقال مالك ﵀ لا حلق عليه إنما العمرة الطواف والسعي وحجتنا عليه ما روينا وقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] الآية نزلت في عمرة القضاء ولأنها لما كان لها تحرم بالتلبية كان لها تحلل بالحلق كالحج "ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف" وقال مالك ﵀ كما وقع بصره على البيت لأن العمرة زيارة البيت وتتم به.
ولنا أن النبي ﵊ في عمرة القضاء قطع التلبية حين استلم الحجر ولأن المقصود هو الطواف فيقطعها عند افتتاحه ولهذا يقطعها الحاج عند افتتاح الرمي قال: "ويقيم بمكة حلالا" لأنه حل من العمرة.
قال: "فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج من المسجد" والشرط أن يحرم من الحرم أما المسجد فليس بلازم وهذا لأنه في معنى المكي وميقات المكي في الحج الحرم على ما بينا "وفعل ما يفعله الحاج المفرد" لأنه مؤد للحج إلا أنه يرمل في طواف الزيارة ويسعى بعده لأن هذا أول طواف له في الحج بخلاف المفرد لأنه قد سعى مرة ولو كان هذا المتمتع بعد ما أحرم بالحج طاف وسعى قبل أن يروح إلى منى لم يرمل في طواف الزيارة ولا يسعى بعده لأنه قد أتى بذلك مرة "وعليه دم التمتع" للنص الذي تلوناه "فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" على الوجه الذي بيناه في القران "فإن صام ثلاثة أيام من شوال ثم اعتمر لم يجزه عن الثلاثة" لأن سبب وجوب هذا الصوم التمتع لأنه بدل عن الهدي وهو في هذه الحالة غير متمتع فلا يجوز أداؤه قبل وجود سببه "وإن صامها" بمكة "بعد ما أحرم بالعمرة قبل أن يطوف جاز عندنا" خلافا للشافعي ﵀ له قوله تعالى:
стр. 213
﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولنا أنه أداء بعد انعقاد سببه والمراد بالحج المذكور في النص وقته على ما بينا "والأفضل تأخيرها إلى آخر وقتها وهو يوم عرفة" لما بينا في القران "وإن أراد المتمتع أن يسوق الهدي أحرم وساق هديه" وهذا أفضل لأن النبي ﵊ ساق الهدايا مع نفسه ولأن فيه استعدادا ومسارعة "فإن كانت بدنة قلدها بمزادة أو نعل" لحديث عائشة ﵂ على ما رويناه والتقليد أولى من التجليل لن له ذكرا في الكتاب ولأنه للإعلام والتجليل للزينة ويلبي ثم يقلد لأنه يصير محرما بتقليد الهدي والتوجه معه على ما سبق والأولى أن يعقد الإحرام بالتلبية ويسوق الهدي وهو أفضل من أن يقودها لأنه ﵊ أحرم بذي الحليفة وهداياه تساق بين يديه ولأنه أبلغ في التشهير إلا إذا كانت لا تنقاد فحينئذ يقودها.
قال: "وأشعر البدنة عند أبي يوسف ومحمد" رحمهما الله "ولا يشعر عند أبي حنيفة" ﵀ "ويكره" والإشعار هو الإدماء بالجرح لغة "وصفته أن يشق سنامها" بأن يطعن في أسفل السنام "من الجانب الأيمن أو الأيسر" قالوا: والأشبه هو الأيسر لأن النبي ﵊ طعن في جانب اليسار مقصودا وفي جانب الأيمن اتفاقا ويلطخ سنامها بالدم إعلاما وهذا الصنع مكروه عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما حسن وعند الشافعي ﵀ سنة لأنه مروي عن النبي ﵊ وعن الخلفاء الراشدين ﵃ ولهما أن المقصود من التقليد أن لا يهاج إذا ورد ماء أو كلأ أو يرد إذا ضل وأنه في الإشعار أتم لأنه ألزم فمن هذا الوجه يكون سنة إلا أنه عارضته جهة كونه مثلة فقلنا بحسنه ولأبي حنيفة ﵀ أنه مثلة وأنه منهي عنه ولو وقع التعارض فالترجيح للمحرم وإشعار النبي ﵊ كان لصيانة الهدي لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به وقيل إن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه لمبالغتهم فيه على وجه يخاف منه السراية وقيل إنما كره إيثاره على التقليد.
قال: "فإذا دخل مكة طاف وسعى" وهذا للعمرة على ما بينا في متمتع لا يسوق الهدي "إلا أنه لا يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التروية" لقوله ﵊ "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها" وهذا ينفي التحلل عند سوق الهدي "ويحرم بالحج يوم التروية" كما يحرم أهل مكة على ما بينا "وإن قدم الإحرام قبله جاز وما عجل المتمتع من الإحرام بالحج فهو أفضل" لما فيه من المسارعة وزيادة المشقة وهذه الأفضلية في حق من ساق الهدي وفي حق من لم يسق "وعليه دم" وهو دم
стр. 214
التمتع على ما بينا "وإذا حلق يوم النحر فقد حل من الإحرامين" لأن الحلق محلل في الحج كالسلام في الصلاة فيتحلل به عنهما.
قال: "وليس لأهل مكة تمتع ولا قران وإنما لهم الإفراد خاصة" خلافا للشافعي ﵀ والحجة عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأن شرعهما للترفه بإسقاط إحدى السفرتين وهذا في حق الأفاقي "ومن كان داخل المواقيت فهو بمنزلة المكي حتى لا يكون له متعة ولا قران" بخلاف المكي إذا خرج إلى الكوفة وقرن حيث يصح لأن عمرته وحجته ميقاتيتان فصار بمنزلة الأفاقي "وإذا عاد المتمتع إلى بلده بعد فراغه من العمرة ولم يكن ساق الهدي بطل تمتعه" لأنه ألم بأهله فيما بين النسكين إلماما صحيحا وبذلك يبطل التمتع كذا روي عن عدة من التابعين "وإذا ساق الهدي فإلمامه لا يكون صحيحا ولا يبطل تمتعه" عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀ يبطل لأنه أداهما بسفرتين ولهما أن العود مستحق عليه ما دام على نية التمتع لأن السوق يمنعه من التحلل فلم يصح إلمامه بخلاف المكي إذا خرج إلى الكوفة وأحرم بعمرة وساق الهدي حيث لم يكن متمتعا لأن العود هناك غير مستحق عليه فصح إلمامه بأهله "ومن أحرم بعمرة قبل أشهر الحج فطاف لها أقل من أربعة أشواط ثم دخلت أشهر الحج فتممها وأحرم بالحج كان متمتعا" لأن الإحرام عندنا شرط فيصح تقديمه على أشهر الحج وإنما يعتبر أداء الأفعال فيها وقد وجد الأكثر وللأكثر حكم الكل "وإن طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعدا ثم حج من عامه ذلك لم يكن متمتعا" لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج وهذا لأنه صار بحال لا يفسد نسكه بالجماع فصار كما إذا تحلل منها قبل اشهر الحج ومالك ﵀ يعتبر الإتمام في أشهر الحج والحجة عليه ما ذكرنا ولأن الترفق بأداء الأفعال والمتمتع المترفق بأداء النسكين في سفرة واحدة في أشهر الحج.
قال: "واشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" كذا روي عن العبادلة الثلاثة وعبد الله بن الزبير ﵃ أجمعين ولأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات وهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] شهران وبعض الثالث لا كله "فإن قدم الإحرام بالحج عليها جاز إحرامه وانعقد حجا" خلافا للشافعي ﵀ فإن عنده يصير محرما بالعمرة لأنه ركن عنده وهو شرط عندنا فأشبه الطهارة في جواز التقديم على الوقت ولأن الإحرام تحريم أشياء وإيجاب أشياء وذلك يصح في كل زمان فصار كالتقديم على المكان.
стр. 215
قال: "وإذا قدم الكوفي بعمرة في اشهر الحج وفرغ منها وحلق أو قصر ثم اتخذ مكة أو البصرة دارا وحج من عامه ذلك فهو متمتع" أما الأول فلأنه ترفق بنسكين في سفر واحد في أشهر الحج وأما الثاني فقيل هو بالاتفاق وقيل هو قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما لا يكون متمتعا لأن المتمتع من تكون عمرته ميقاتية وحجته مكية ونسكاه هذان ميقاتيان وله أن السفرة الأولى قائمة مالم يعد إلى وطنه وقد اجتمع له نسكان فيها فوجب دم التمتع "فإن قدم بعمرة فأفسدها وفرغ منها وقصر ثم اتخذ البصرة دارا ثم اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه لم يكن متمتعا عند أبي حنيفة" ﵀ "وقالا هو متمتع" لأنه إنشاء سفر وقد ترفق فيه بنسكين وله أنه باق على سفره مالم يرجع إلى وطنه "فإن كان رجع إلى أهله ثم اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه يكون متمتعا في قولهم جميعا" لأن هذا إنشاء سفر لانتهاء السفر الأول وقد اجتمع له نسكان صحيحان فيه "ولو بقي بمكة ولم يخرج إلى البصرة حتى اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه لا يكون متمتعا بالاتفاق" لأن عمرته مكية والسفر الأول انتهى بالعمرة الفاسدة ولا تمتع لأهل مكة "ومن اعتمر في أشهر الحج وحج من عامه فأيهما أفسد مضى فيه" لأنه لا يمكنه الخروج عن عهدة الإحرام إلا بالأفعال "وسقط دم المتعة" لأنه لم يترفق بأداء نسكين صحيحين في سفرة واحدة "وإذا تمتعت المرأة فضحت بشاة لم يجزها عن دم المتعة" لأنها أتت بغير الواجب وكذا الجواب في الرجل "وإذا حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر" لحديث عائشة ﵂ حين حاضت بسرف ولأن الطواف في المسجد والوقوف في المفازة وهذا الاغتسال للإحرام لا للصلاة فيكون مفيدا "فإن حاضت بعد الوقوف وطواف الزيارة انصرفت من مكة ولا شيء عليها لطواف الصدر لأنه ﵊ رخص للنساء الحيض في ترك طواف الصدر "ومن اتخذ مكة دارا فليس عليه طواف الصدر" لأنه على من يصدر إلا إذا اتخذها دارا بعد ما حل النفر الأول فيما يروى عن أبي حنيفة ﵀ ويرويه البعض عن محمد ﵀ لأنه وجب عليه بدخول وقته فلا يسقط بنية الإقامة بعد ذلك والله أعلم بالصواب.
следующие страницы →