← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11820

الهداية في شرح بداية المبتدي

المرغيناني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فصل في الخيل "إذا كانت الخيل سائمة ذكورا وإناثا فصاحبها بالخيار إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم" وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول زفر ﵀ وقالا لا زكاة في الخيل لقوله ﵊ "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" وله قوله ﵊ "في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم" وتأويل ما روياه فرس الغازي وهو المنقول عن زيد بن ثابت ﵁ والتخيير بين الدينار والتقويم مأثور عن عمر ﵁ "وليس في ذكورها منفردة زكاة" لأنها لا تتناسل "وكذا في الإناث المنفردات في رواية" وعنه الوجوب فيها لأنها تتناسل بالفحل المستعار بخلاف الذكور وعنه أنها تجب في الذكور المنفردة أيضا "ولا شيء في البغال والحمير" لقوله ﵊ "لم ينزل علي فيهما شيء" والمقادير تثبت سماعا "إلا أن تكون للتجارة" لأن الزكاة حينئذ تتعلق بالمالية كسائر أموال التجارة والله أعلم.

стр. 142

فصل "وليس في الفصلان والحملان والعجاجيل صدقة" عند أبي حنيفة ﵀ إلا أن يكون معها كبار وهذا آخر أقواله وهو قول محمد ﵀. وكان يقول أولا يجب فيها ما يجب في المسان وهو قول زفر ومالك رحمهما الله ثم رجع وقال فيها واحدة منها وهو قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله. وجه قوله الأول: أن الاسم المذكور في الخطاب ينتظم الصغار والكبار ووجه الثاني تحقيق النظر من الجانبين كما يجب في المهازيل واحد منها ووجه الأخير أن المقادير

стр. 143

لا يدخلها القياس فإذا امتنع إيجاب ما ورد به الشرع امتنع أصلا وإذا كان فيها واحد من المسان جعل الكل تبعا له في انعقادها نصابا دون تأدية الزكاة ثم عند أبي يوسف ﵀ لا يجب فيما دون الأربعين من الحملان وفيما دون الثلاثين من العجاجيل شيء ويجب في خمس وعشرين من الفصلان واحد ثم لا يجب شيء حتى تبلغ مبلغا لو كانت مسان يثنى الواجب ثم لا يجب شيء حتى تبلغ مبلغا لو كانت مسان يثلث الواجب ولا يجب فيما دون خمس وعشرين في الرواية وعنه أنه يجب في الخمس خمس فصيل وفي العشر خمسا فصيل على هذا الاعتبار وعنه أنه ينظر إلى قيمة خمس فصيل وسط وإلى قيمة شاة في الخمس فيجب أقلهما وفي العشر إلى قيمة شاتين وإلى قيمة خمسي فصيل على هذا الاعتبار. قال: "ومن وجب عليه سن فلم توجد أخذ المصدق أعلى منها ورد الفضل أو أخذ دونها وأخذ الفضل" وهذا يبتني على أن أخذ القيمة في باب الزكاة جائز عندنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى إلا أن في الوجه الأول له أن لا يأخذ ويطالب بعين الواجب أو بقيمته لأنه شراء وفي الوجه الثاني يجبر لأنه لا بيع فيه بل هو إعطاء بالقيمة "ويجوز دفع القيم في الزكاة" عندنا وكذا في الكفارات وصدقة الفطر والعشر والنذر. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز اتباعا للمنصوص كما في الهدايا والضحايا ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير إيصال الرزق الموعود إليه فيكون إبطالا لقيد الشاة فصار كالجزية بخلاف الهدايا لأن القربة فيها إراقة لدم وهو لا يعقل ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول "وليس في العوامل والحوامل والعلوفة صدقة" خلافا لمالك ﵀ له ظواهر النصوص ولنا قوله ﵊ "ليس في الحوامل والعوامل ولا في البقرة المثيرة صدقة" ولأن السبب هو المال النامي ودليله الإسامة أو الإعداد للتجارة ولم يوجد ولأن في العلوفة تتراكم المؤنة فينعدم النماء معنى ثم السائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول حتى لو علفها نصف الحول أو أكثر كانت علوفة لأن القليل تابع للأكثر "ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته ويأخذ الوسط" لقوله ﵊ "لا تأخذوا من حزرات أموال الناس أي كرائمها وخذوا من حواشي أموالهم" أي أوساطها ولأن فيه نظرا من الجانبين. قال: "ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إليه وزكاه به" وقال الشافعي ﵀ لا يضم لأنه أصل في حق الملك فكذا في وظيفته بخلاف الأولاد والأرباح لأنها تابعة في الملك حتى ملكت بملك الأصل ولنا أن المجانسة هي العلة في

стр. 144

الأولاد والأرباح لأن عندها يتعسر الميز فيعسر اعتبار الحول لكل مستفاد وما شرط الحول إلا للتيسير. قال: "والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في النصاب دون العفو" وقال محمد وزفر رحمهما الله فيهما حتى لو هلك العفو وبقي النصاب بقي كل الواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد وزفر يسقط بقدره لمحمد وزفر رحمهما الله أن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال والكل نعمة ولهما قوله ﵊ "وفي خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشرا" وهكذا قال في كل نصاب ونفى الوجوب عن العفو لأن العفو تبع للنصاب فيصرف الهلاك أولا إلى التبع كالربح في مال المضاربة ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ يصرف الهلاك بعد العفو إلى النصاب الأخير ثم إلى الذي يليه إلى أن ينتهي لأن الأصل هو النصاب الأول وما زاد عليه تابع وعند أبي يوسف ﵀ يصرف إلى العفو أولا ثم إلى النصاب شائعا "وإذا أخذ الخوارج الخراج وصدقة السوائم لا يثنى عليهم" لأن الإمام لم يحمهم والجناية بالحماية وأفتوا بأن يعيدوها دون الخراج فيما بينهم وبين الله تعالى لأنهم مصارف الخراج لكونهم مقاتلة والزكاة مصرفها الفقراء فلا يصرفونها إليهم وقيل إذا نوى بالدفع التصدق عليهم سقط عنه وكذا ما دفع إلى كل جائر لأنهم بما عليهم من التبعات فقراء والأول أحوط "وليس على الصبي من بني تغلب في سائمته شيء وعلى المرأة منهم ما على الرجل" لأن الصلح قد جرى على ضعف ما يؤخذ من المسلمين ويؤخذ من نساء المسلمين دون صبيانهم "وإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة". وقال الشافعي ﵀: يضمن إذا هلك بعد التمكن من الأداء لأنه الواجب في الذمة فصار كصدقة الفطر ولأنه منعه بعد الطلب فصار كالاستهلاك ولنا أن الواجب جزء من النصاب تحقيقا للتيسير فيسقط بهلاك محله كدفع العبد الجاني بالجناية يسقط بهلاكه والمستحق فقير يعينه المالك ولم يتحقق منه الطلب وبعد طلب الساعي قيل يضمن وقيل لا يضمن لانعدام التفويت وفي الاستهلاك وجد التعدي وفي هلاك البعض يسقط بقدره اعتبارا له بالكل "وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز" لأنه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز كما إذا كفر بعد الجرح وفيه خلاف مالك ﵀ "ويجوز التعجيل لأكثر من سنة" لوجود السبب ويجوز لنصب إذا كان في ملكه نصاب واحد خلافا لزفر ﵀ لأن النصاب الأول هو الأصل في السببية والزائد عليه تابع له والله أعلم.

стр. 145

باب زكاة المال فصل في الفضة "ليس فيما دون مائتي درهم صدقة" لقوله ﵊ "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" والأوقية أربعون درهما "فإذا كانت مائتين وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم" لأنه ﵊ كتب إلى معاذ ﵁ "أن خذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم ومن كل عشرين مثقالا من ذهب نصف مثقال". قال: "ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما فيكون فيها درهم ثم في كل أربعين درهما درهم" وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه وهو قول الشافعي ﵀ لقوله ﵊ في حديث علي ﵁ "وما زاد على المائتين فبحسابه" ولأن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال واشتراط النصاب في الابتداء لتحقق الغنى وبعد النصاب في السوائم تحرزا عن التشقيص ولأبي حنيفة ﵀ قوله عليه الصلاة السلام في حديث معاذ ﵁ "لا تأخذ من الكسور شيئا" وقوله في حديث عمرو بن حزم "وليس فيما دون الأربعين صدقة" ولأن الحرج مدفوع في إيجاب الكسور ذلك لتعذر الوقوف والمعتبر في الدراهم وزن سبعة وهو أن تكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل بذلك جرى التقدير في ديوان عمر ﵁ واستقر الأمر عليه "وإذا كان الغالب على الورق الفضة فهو في حكم الفضة وإذا كان الغالب عليها الغش فهو في حكم العروض يعتبر أن تبلغ قيمته نصابا" لأن الدراهم لا تخلو عن قليل غش لأنها لا تنطبع إلا به وتخلو عن الكثير فجعلنا الغلبة فاصلة وهو أن يزيد على النصف اعتبارا للحقيقة وسنذكره في الصرف إن شاء الله تعالى إلا أن في غالب الغش لا بد من نية التجارة كما في سائر العروض إلا إذا كان تخلص منها فضة تبلغ نصابا لأنه لا يعتبر في عين الفضة القيمة ولا نية التجارة والله أعلم.

стр. 146

فصل في الذهب "ليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب صدقة فإذا كانت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال" لما روينا. والمثقال ما يكون كل سبعة منها وزن عشرة دراهم وهو المعروف "ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان" لأن الواجب ربع العشر وذلك فيما قلنا إذ كل مثقال عشرون قيراطا "وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقة" عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما تجب

стр. 147

بحساب ذلك وهي مسألة الكسور وكل دينار عشرة دراهم في الشرع فيكون أربعة مثاقيل في هذا كأربعين درهما. قال: "وفي تبر الذهب والفضة وحليهما وأوانيهما الزكاة" وقال الشافعي ﵀ لا تجب في حلي النساء وخاتم الفضة للرجال لأنه مبتذل في مباح فشابه ثياب البذلة ولنا أن السبب مال نام ودليل النماء موجود وهو الإعداد للتجارة خلقة والدليل هو المعتبر بخلاف الثياب.

стр. 148

فصل في العروض "الزكاة واجبة في عروض التجارة كائنة ما كانت إذا بلغت قيمتها نصابا من الورق أو الذهب" لقوله ﵊ فيها "يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم" ولأنها معدة للاستنماء بإعداد العبد فأشبه المعد بإعداد الشرع وتشترط نية التجارة ليثبت الإعداد. ثم قال: "يقومها بما هو أنفع للمساكين" احتياطا لحق الفقراء قال ﵁ وهذا رواية عن أبي حنيفة ﵀ وفي الأصل خيره لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء وتفسير الأنفع أن يقومها بما يبلغ نصابا. وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشترى إن كان الثمن من النقود لأنه أبلغ في معرفة المالية وإن اشتراها بغير النقود قومها بالنقد الغالب. وعن محمد ﵀ أنه يقومها النقد الغالب على كل حال كما في المغصوب والمستهلك "وإذا كان النصاب كاملا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة" لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه أما لا بد منه في ابتدائه للانعقاد وتحقق الغنى وفي انتهائه للوجوب ولا كذلك فيما بين ذلك لأنه حالة البقاء بخلاف ما لو هلك الكل حيث يبطل حكم الحول ولا تجب الزكاة لانعدام النصاب في الجملة ولا كذلك في المسألة الأولى لأن بعض النصاب باق فيبقى الانعقاد. قال: "وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب" لأن الوجوب في الكل باعتبار التجارة وإن افترقت جهة الإعداد "ويضم الذهب إلى الفضة" للمجانسة من حيث الثمنية ومن هذا الوجه صار سببا ثم يضم بالقيمة عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما بالأجزاء وهو رواية عنه حتى إن من كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب تبلغ قيمتها مائة درهم فعليه الزكاة عنده خلافا لهما هما يقولان المعتبر فيهما القدر دون القيمة حتى

стр. 149

لا تجب الزكاة في مصوغ وزنه أقل من مائتين وقيمته فوقها وهو يقول إن الضم للمجانسة وهي تتحقق باعتبار القيمة دون الصورة فيضم بها والله أعلم.

стр. 150

باب فيمن يمر على العاشر "إذا مر على العاشر بمال فقال أصبته منذ أشهر أو علي دين وحلف صدق" والعاشر من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار فمن أنكر منهم تمام الحول أو الفراغ من الدين كان منكرا للوجوب والقول قول المنكر مع اليمين "وكذا إذا قال أديتها إلى عاشر آخر" ومراده إذا كان في تلك السنة عاشر آخر لأنه ادعى وضع الأمانة موضعها بخلاف ما إذا لم يكن عاشر آخر في تلك السنة لأنه ظهر كذبه بيقين "وكذا إذا قال أديتها أنا" يعني إلى الفقراء في المصر لأن الأداء كان مفوضا إليه فيه وولاية الأخذ بالمرور لدخوله تحت الحماية وكذا الجواب في صدقة السوائم في ثلاثة فصول. وفي الفصل الرابع: وهو ما إذا قال أديت بنفسي إلى الفقراء في المصر لا يصدق وإن حلف وقال الشافعي ﵁ يصدق لأنه أوصل الحق إلى المستحق ولنا أن حق الأخذ للسلطان فلا يملك إبطاله بخلاف الأموال الباطنة ثم قيل الزكاة هو الأول والثاني سياسة وقيل هو الثاني والأول ينقلب نفلا وهو الصحيح ثم فيما يصدق في السوائم وأموال التجارة لم يشترط إخراج البراءة في الجامع الصغير وشرطه في الأصل وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لأنه ادعى ولصدق دعواه علامة فيجب إبرازها وجه الأول أن الخط يشبه الخط فلا يعتبر علامة. قال: "وما صدق فيه المسلم صدق فيه الذمي" لأن ما يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم فتراعى تلك الشرائط تحقيقا للتضعيف "ولا يصدق الحربي إلا في الجواري يقول هن أمهات أولادي أو غلمان معه يقول هم أولادي" لأن الأخذ منه بطريق الحماية وما في يده من المال يحتاج إلى الحماية غير أن إقراره بنسب من في يده منه صحيح فكذا بأمومية الولد لأنها تبتني عليه فانعدمت صفة المالية فيهن والأخذ لا يجب إلا من المال. قال: "ويؤخذ من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر" هكذا أمر عمر ﵁ سعاته "وإن مر حربي بخمسين درهما لم يؤخذ منه شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثلها" لأن الأخذ منهم بطريق المجازاة بخلاف المسلم والذمي لأن المأخوذ زكاة أو ضعفها فلا بد من النصاب وهذا في الجامع الصغير وفي كتاب الزكاة:

стр. 151

لا نأخذ من القليل وإن كانوا يأخذون منا منه لأن القليل لم يزل عفوا ولأنه لا يحتاج إلى الحماية. قال: "وإن مر حربي بمائتي درهم ولا يعلم كم يأخذون منا نأخذ منه العشر" لقول عمر ﵁ فإن أعياكم فالعشر "وإن علم أنهم يأخذون منا ربع عشر أو نصف عشر نأخذ بقدره وإن كانوا يأخذون الكل لا يأخذ الكل" لأنه غدر "وإن كانوا لا يأخذون أصلا لا نأخذ" ليتركوا الأخذ من تجارنا ولأنا أحق بمكارم الأخلاق. قال: "وإن مر الحربي على عاشر فعشره ثم مر مرة أخرى لم يعشره حتى يحول الحول" لأن الأخذ في كل مرة استئصال المال وحق الأخذ لحفظه ولأن حكم الأمان الأول باق وبعد ا لحول يتجدد الأمان لأنه لا يمكن من الإقامة إلا حولا والأخذ بعده لا يستأصل المال "وإن عشره فرجع إلى دار الحرب ثم خرج من يومه ذلك عشره أيضا" لأنه رجع بأمان جديد وكذا الأخذ بعده لا يفضي إلى الاستئصال "وإن مر ذمي بخمر أو خنزير عشر الخمر دون الخنزير" وقوله عشر الخمر: أي من قيمتها. وقال الشافعي ﵀: لا يعشرهما لأنه لا قيمة لهما وقال زفر ﵀ يعشرهما لاستوائهما في المالية عندهم وقال أبو يوسف ﵀ يعشرهما إذا مر بهما جملة كأنه جعل الخنزير تبعا للخمر فإن مر بكل واحد على الانفراد عشر الخمر رده الخنزير ووجه الفرق على الظاهر أن القيمة في ذوات القيم لها حكم العين والخنزير منها وفي ذوات الأمثال ليس لها هذا الحكم والخمر منها ولأن حق الأخذ للحماية والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل فكذا يحميها على غيره ولا يحمي خنزير نفسه بل يجب تسبيبه بالإسلام فكذا لا يحميه على غيره "ولو مر صبي أو امرأة من بني تغلب بمال فليس على الصبي شيء وعلى المرأة ما على الرجل" لما ذكرنا في السوائم "ومن مر على عاشر بمائة درهم وأخبره أن له في منزله مائة أخرى قد حال عليها الحول لم يزك التي مر بها" لقلتها وما في بيته لم يدخل تحت حمايته "ولو مر بمائتي درهم بضاعة لم يعشرها" لأنه غير مأذون بأداء زكاته. قال: "وكذا المضاربة" يعني إذا مر المضارب به على العاشر. وكان أبو حنيفة ﵀ يقول: أولا يعشرها لقوة حق المضارب حتى لا يملك رب المال نهيه عن التصرف فيه بعد ما صار عروضا فنزل منزلة المالك ثم رجع إلى ما ذكرنا في الكتاب وهو قولهما لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه في أداء الزكاة إلا أن يكون في المال ربح يبلغ نصيبه نصابا فيؤخذ منه لأنه مالك له "ولو مر عبد مأذون له بمائتي درهم وليس عليه

стр. 152

دين عشره" وقال أبو يوسف ﵀ لا أدري أن أبا حنيفة ﵀ رجع عن هذا أم لا وقياس قوله الثاني في المضاربة وهو قولهما إنه لا يعشره لأن الملك فيما في يده للمولى وله التصرف فصار كالمضارب وقيل في الفرق بينهما أن العبد يتصرف لنفسه حتى لا يرجع بالعهدة على المولى فكان هو المحتاج إلى الحماية والمضارب يتصرف بحكم النيابة حتى يرجع بالعهدة على رب المال فكان رب المال هو المحتاج فلا يكون الرجوع في المضارب رجوعا منه في العبد وإن كان مولاه معه يؤخذ منه لأن الملك له إلا إذا كان على العبد دين يحيط بماله لانعدام الملك أو للشغل. قال: "ومن مر على عاشر الخوارج في أرض قد غلبوا عليها فعشره يثني عليه الصدقة" معناه إذا مر على عاشر أهل العدل لأن التقصير جاء من قبله من حيث أنه مر عليه.

стр. 153

باب في المعادن والركاز قال: "معدن ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص أو صفر وجد في أرض خراج أو عشر ففيه الخمس" عندنا. وقال الشافعي ﵀ لا شيء عليه فيه لأنه مباح سبقت يده إليه كالصيد إلا إذا كان المستخرج ذهبا أو فضة فيجب فيه الزكاة ولا يشترط الحول في قول لأنه نماء كله والحول للتنمية ولنا قوله ﵊ "وفي الركاز الخمس" وهو من الركز فأطلق على المعدن ولأنها كانت في أيدي الكفرة فحوتها أيدينا غلبة فكانت غنيمة وفي الغنائم الخمس بخلاف الصيد لأنه لم يكن في يد أحد إلا أن للغانمين يدا حكمية لثبوتها على الظاهر وأما الحقيقية فللواجد فاعتبرنا الحكمية في حق الخمس والحقيقية في حق الأربعة الأخماس حتى كانت للواجد "ولو وجد في داره معدنا فليس فيه شيء" عند أبي حنيفة ﵀ وقالا فيه الخمس لإطلاق ما روينا وله أنه من أجزاء الأرض مركب فيها ولا مؤنة في سائر الأجزاء فكذا في هذا الجزء لأن الجزء لا يخالف الجملة بخلاف الكنز لأنه غير مركب فيها. قال: "وإن وجده في أرضه فعن أبي حنيفة ﵀ فيه روايتان" ووجه الفرق على إحداهما وهو رواية الجامع الصغير أن الدار ملكت خالية عن المؤن دون الأرض ولهذا وجب العشر والخراج في الأرض دون الدار فكذا هذه المؤنة "وإن وجد ركازا" أي كنزا "وجب فيه الخمس" عندهم لما روينا واسم الركاز يطلق على الكنز لمعنى الركز وهو الإثبات ثم إن كان على ضرب أهل الإسلام كالمكتوب عليه كلمة الشهادة فهو بمنزلة اللقطة وقد عرف حكمها في موضعه وإن كان على ضرب أهل الجاهلية كالمنقوش عليه

стр. 154

الصنم ففيه الخمس على كل حال لما بينا ثم إن وجده في أرض مباحة فأربعة أخماسه للواجد لأنه تم الإحراز منه إذ لا علم به للغانمين فيختص هو به وإن وجده في أرض مملوكة فكذا الحكم عند أبي يوسف ﵀ لأن الاستحقاق بتمام الحيازة وهي منه وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله هو للمختط له وهو الذي ملكه الإمام هذه البقعة أول الفتح لأنه سبقت يده إليه وهي يد الخصوص فيملك بها ما في الباطن وإن كانت على الظاهر كمن اصطاد سمكة في بطنها درة ملك الدرة ثم بالبيع لم تخرج عن ملكه لأنه مودع فيها بخلاف المعدة لأنه من أجزائها فينتقل إلى المشتري وإن لم يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك يعرف في الإسلام على ما قالوا ولو اشتبه الضرب يجعل جاهليا في ظاهر المذهب لأنه الأصل وقيل يجعل إسلاميا في زماننا لتقادم العهد "ومن دخل دار الحرب بأمان فوجد في دار بعضهم ركازا رده عليهم" تحرزا عن الغدر لأن ما في الدار في يد صاحبها خصوصا "وإن وجده في الصحراء فهو له" لأنه ليس في يد أحد على الخصوص فلا يعد غدرا ولا شيء فيه لأنه بمنزلة متلصص غير مجاهر "وليس في الفيروزج الذي يوجد في الجبال خمس" لقوله ﵊ "لا خمس في الحجر" "وفي الزئبق الخمس" في قول أبي حنيفة ﵀ آخرا وهو قول محمد ﵀ خلافا لأبي يوسف "ولا خمس في اللؤلؤ والعنبر" عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀ فيهما وفي كل حلية تخرج من البحر خمس لأن عمر ﵁ أخذ الخمس من العنبر ولهما أن قعر البحر لم يرد عليه القهر فلا يكون المأخوذ منه غنيمة وإن كان ذهبا أو فضة والمروي عن عمر ﵁ فيما دسره البحر وبه نقول "متاع وجد ركازا فهو للذي وجده وفيه الخمس" معناه إذا وجد في أرض لا مالك لها لأنه غنيمة بمنزلة الذهب والفضة والله أعلم.

стр. 155

باب زكاة الزروع والثمار "قال أبو حنيفة ﵀ في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سقى سيحا أو سقته السماء إلا الحطب والقصب والحشيش وقالا لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﵊ وليس في الخضروات عندهما عشر" فالخلاف في موضعين: في اشتراط النصاب وفي اشتراط البقاء لهما في الأول قوله ﵊ "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ولأنه صدقة فيشترط فيه النصاب لتحقق الغنى ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊ "ما أخرجت الأرض ففيه العشر من غير فصل" وتأويل ما روياه زكاة التجارة، لأنهم كانوا

стр. 156

يتبايعون بالأوساق وقيمة الوسق أربعون درهما ولا معتبر بالمالك فيه فكيف بصفته وهو الغني ولهذا لا يشترط الحول لأنه للاستنماء وهو كله نماء ولهما في الثاني قوله ﵊ "ليس في الخضروات صدقة" والزكاة غير منفية فتعين العشر وله ما روينا ومرويهما محمول على صدقة بأخذها العاشر وبه أخذ أبو حنيفة ﵀ فيه ولأن الأرض قد تستنمي بما لا يبقى والسبب هي الأرض النامية ولهذا يجب فيها الخراج. اما الحطب والقصب والحشيش فلا تستنبت في الجنان عادة بل تنقى عنها حتى لو اتخذها مقصبة أو مشجرة أو منبتا للحشيش يجب فيها العشر والمراد بالمذكور القصب الفارسي. أما قصب السكر وقصب الذريرة ففيهما العشر لأنه يقصد بهما استغلال الأرض بخلاف السعف والتبن لأن المقصود الحب والتمر دونهما قال: "وما سقي بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشر على القولين" لأن المؤنة تكثر فيه وتقل فيما يسقى بالسماء أو سيحا وإن سقي سيحا وبدالية فالمعتبر أكثر السنة كما مر في السائمة "وقال أبو يوسف ﵀ فيما لا يوسق كالزعفران والقطن يجب فيه العشر إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يوسق" كالذرة في زماننا لأنه لا يمكن التقدير الشرعي فيه فاعتبرت قيمته كما في عروض التجارة "وقال محمد ﵀ يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أعداد من أعلى ما يقدر به نوعه فاعتبر في القطن خمسة أحمال كل حمل ثلثمائة منء وفي الزعفران خمسة أمناء" لأن التقدير بالوسق كان باعتبار أنه أعلى ما يقدر به نوعه "وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر" وقال الشافعي ﵀ لا يجب لأنه متولد من الحيوان فأشبه الإبريسم ولنا قوله ﵊ "في العسل العشر" ولأن النحل يتناول من الأنوار والثمار وفيهما العشر فكذا فيما يتولد منهما بخلاف دود القز لأنه يتناول الأوراق ولا عشر فيها ثم عند أبي حنيفة ﵀ يجب فيه العشر قل أو كثر لأنه لا يعتبر النصاب وعن أبي يوسف ﵀ أنه يعتبر فيه قيمة خمسة أوسق كما هو أصله وعنه أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب لحديث بني شبابة أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ كذلك وعنه خمسة أمناء وعن محمد ﵀ خمسة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا لأنه أقصى ما يقدر به وكذا في قصب السكر وما يوجد في الجبال من العسل والثمار ففيه العشر وعن أبي يوسف أنه لا يجب لانعدام السبب وهو الأرض النامية وجه الظاهر أن المقصود حاصل وهو الخارج.

стр. 157

قال: "وكل شيء أخرجته الأرض مما فيه العشر لا يحتسب فيه أجر العمال ونفقة البقر" لأن النبي ﵊ حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة فلا معنى لرفعها. قال: "تغلبي له أرض عشر فعليه العشر مضاعفا" عرف ذلك بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم وعن محمد ﵀ أن فيما اشتراه التغلبي من المسلم عشرا واحدا لأن الوظيفة عنده لا تتغير بتغير المالك "فإن اشتراها منه ذمي فهي على حالها عندهم" لجواز التصحيف عليه في الجملة كما إذا مر على العاشر "وكذا إذا اشتراها منه مسلم أو أسلم التغلبي عند أبي حنيفة ﵀" سواء كان التضعيف أصليا أو حادثا لأن التضعيف صار وظيفة لها فتنتقل إلى المسلم بما فيها كالخراج "وقال أبو يوسف ﵀ يعود إلى عشر واحد" لزوال الداعي إلى التضعيف. قال في الكتاب وهو قول محمد فيما صح عنه قال ﵁ اختلفت النسخ في بيان قوله والأصح أنه مع أبي حنيفة في بقاء التضعيف إلا أن قوله لا يتأتى إلا في الأصل لأن التضعيف الحادث لا يتحقق عنده لعدم تغير الوظيفة "ولو كانت الأرض لمسلم باعها من نصراني" يريد به ذميا غير تغلبي "وقبضها فعليه الخراج عند أبي حنيفة ﵀" لأنه أليق بحال الكافر "وعند أبي يوسف ﵀ عليه العشر مضاعفا" ويصرف مصارف الخراج اعتبارا بالتغلبي وهذا أهون من التبديل "وعند محمد ﵀ هي عشرية على حالها" لأنه صار مؤنة لها فلا يتبدل كالخراج ثم في رواية يصرف مصارف الصدقات وفي رواية يصرف مصارف الخراج "فإن أخذها منه مسلم بالشفعة أو ردت على البائع لفساد البيع فهي عشرية كما كانت" أما الأول فلتحول الصفقة إلى الشفيع كأنه اشتراها من المسلم وأما الثاني فلأنه بالرد والفسخ بحكم الفساد جعل البيع كأن لم يكن ولأن حق المسلم لم ينقطع بهذا الشراء لكونه مستحق الرد. قال: "وإذا كانت لمسلم دار خطة فجعلها بستانا فعليه العشر" معناه إذا سقاه بماء العشر وأما إذا كانت تسقى بماء الخراج ففيها الخراج لأن المؤنة في مثل هذا تدور مع الماء "وليس على المجوسي في داره شيء" لأن عمر ﵁ جعل المساكن عفوا "وإن جعلها بستانا فعليه الخراج" وإن سقاها بماء العشر لتعذر إيجاب العشر إذ فيه معنى القربة فيتعين الخراج وهو عقوبة تليق بحاله وعلى قياس قولهما يجب العشر في الماء العشري إلا أن عند محمد ﵀ عشر واحد وعند أبي يوسف عشران وقد مر الوجه فيه،

стр. 158

ثم الماء العشري ماء السماء والآبار والعيون والبحار التي لا تدخل تحت ولاية أحد والماء الخراجي ماء الأنهار التي شقها الأعاجم وماء جيحون وسيحون ودجلة والفرات عشري عند محمد ﵀ لأنه لا يحميها أحد كالبحار وخراجي عند أبي يوسف ﵀ لأنه يتخذ عليها القناطر من السفن وهذا يدل عليها "وفي أرض الصبي والمرأة التغلبيين ما في أرض الرجل التغلبي" يعني العشر المضاعف في العشرية والخراج الواحد في الخراجية لأن الصلح قد جرى على تضعيف الصدقة دون المؤنة المحضة ثم على الصبي والمرأة إذا كانا من المسلمين العشر فيضعف ذلك إذا كانا منهم. قال: "وليس في عين القبر والنفط في أرض العشر شيء" لأنه ليس من إنزال الأرض وإنما هو عين فوارة كعين الماء "وعليه في أرض الخراج خراج" وهذا "إذا كان حريمه صالحا للزراعة" لأن الخراج يتعلق بالتمكن من الزراعة.

стр. 159

باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز قال ﵀: "الأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية فهذه ثمانية أصناف وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم" وعلى ذلك انعقد الإجماع "والفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء له" وهذا مروي عن أبي حنيفة ﵀ وقد قيل على العكس ولكل وجه ثم هما صنفان أو صنف واحد سنذكره في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى. "والعامل يدفع الإمام إليه إن عمل بقدر عمله فيعطيه ما يسعه وأعوانه غير مقدر بالثمن" خلافا للشافعي ﵀ لأن استحقاقه بطريق الكفاية ولهذا يأخذ وإن كان غنيا إلا أن فيه شبهة الصدقة فلا يأخذها العامل الهاشمي تنزيها لقرابة الرسول ﵊ عن شبهة الوسخ والغني لا يوازيه في استحقاق الكرامة فلم تعتبر الشبهة في حقه. قال: "وفي الرقاب يعان المكاتبون منها في فك رقابهم" وهو المنقول "والغارم من لزمه دين ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه" وقال الشافعي: من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين وإطفاء الثائرة بين القبيلتين "وفي سبيل الله منقطع الغزاة عند أبي يوسف ﵀" لأنه هو المتفاهم عند الإطلاق "وعند محمد ﵀ منقطع الحاج" لما روي أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله فأمره رسول الله ﵊ أن يحمل عليه الحاج ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا لأن المصرف هو الفقراء "وابن السبيل من كان له مال في وطنه" وهو في مكان آخر لا شيء له فيه.

стр. 160

قال: "فهذه جهات الزكاة فللمالك أن يدفع إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد" وقال الشافعي: لا يجوز أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الإضافة بحرف اللام للاستحقاق ولنا أن الإضافة لبيان أنهم مصارف لا لإثبات الاستحقاق وهذا لما عرف أن الزكاة حق الله تعالى وبعلة الفقر صاروا مصارف فلا يبالي باختلاف جهاته والذي ذهبنا إليه مروي عن عمر وابن عباس ﵃ "ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي" لقوله ﵊ لمعاذ ﵁ "خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم". قال: "ويدفع" إليه "ما سوى ذلك من الصدقة" وقال الشافعي ﵀: لا يدفع وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ اعتبارا بالزكاة ولنا قوله ﵊ "تصدقوا أهل الأديان كلها" ولولا حديث معاذ ﵁ لقلنا بالجواز في الزكاة "ولا يبنى بها مسجد ولا يكفن بها ميت" لانعدام التمليك وهو الركن "ولا يقضى بها دين ميت" لأن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه لا سيما من الميت "ولا تشترى بها رقبة تعتق" خلافا لمالك حيث ذهب إليه في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] ولنا أن الإعتاق إسقاط الملك وليس بتمليك "ولا تدفع إلى غني" لقوله ﵊ "لا تحل الصدقة لغني" وهو بإطلاقه حجة على الشافعي ﵀ في غني الغزاة وكذا حديث معاذ ﵁ على ما روينا. قال: "ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل" لأن منافع الأملاك بينهم متصلة فلا يتتحقق التمليك على الكمال "ولا إلى امرأته" للاشتراك في المنافع عادة "ولا تدفع المرأة إلى زوجها" عند أبي حنيفة ﵀ لما ذكرنا. وقالا: تدفع إليه لقوله ﵊ "لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة" قاله لامرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وقد سألته عن التصدق عليه قلنا هو محمول على النافلة. قال: "ولا يدفع إلى مدبره ومكاتبه وأم ولده" لفقدان التمليك إذ كسب المملوك لسيده وله حق في كسب مكاتبه فلم يتم التمليك "ولا إلى عبد قد أعتق بعضه" عند أبي حنيفة ﵀ لأنه بمنزلة المكاتب عنده وقالا يدفع إليه لأنه حر مديون عندهما "ولا يدفع إلى مملوك غني" لأن الملك واقع لمولاه "ولا إلى ولد غني إذا كان صغيرا" لأنه يعد غنيا بيسار أبيه بخلاف ما إذا كان كبيرا فقيرا لأنه لا يعد غنيا بيسار أبيه وإن كانت

стр. 161

نفقته عليه وبخلاف امرأة الغني لأنها إن كانت فقيرة لا تعد غنية بيسار زوجها وبقدر النفقة لا تصير موسرة "ولا تدفع إلى بني هاشم" لقوله ﵊ "يا بني هاشم إن الله تعالى حرم عليكم غسالة الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس" بخلاف التطوع لأن المال ههنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض أما التطوع فبمنزلة التبرد بالماء. قال: "وهم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم" أما هؤلاء فلأنهم ينسبون إلى هاشم بن عبد مناف ونسبة القبيلة إليه وأما مواليهم فلما روي أن مولى لرسول الله ﷺ سأله أتحل لي الصدقة فقال: "لا أنت مولانا" بخلاف ما إذا أعتق القرشي عبدا نصرانيا حيث تؤخذ منه الجزية ويعتبر حال المعتق لأنه القياس والإلحاق بالمولى بالنص وقد خص الصدقة "قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا دفع الزكاة إلى رجل يظنه فقيرا ثم بان أنه غني أو هاشمي أو كافر أو دفع في ظلمة فبان أنه أبوه أو ابنه فلا إعادة عليه وقال أبو يوسف ﵀ عليه الإعادة" لظهور خطئه بيقين وإمكان الوقوف على هذه الأشياء وصار كالأواني والثياب ولهما حديث معن بن يزيد فإنه ﵊ قال فيه "يا يزيد لك ما نويت ويا معن لك ما أخذت" وقد دفع إليه وكيل أبيه صدقته ولأن الوقوف على هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع فيبتنى الأمر فيها على ما يقع عنده كما إذا اشتبهت عليه القبلة وعن أبي حنيفة ﵀ في غير الغني أنه لا يجزئه والظاهر هو الأول وهذا إذا تحرى فدفع وفي أكبر رأيه أنه مصرف أما إذا شك ولم يتحر أو تحرى فدفع وفي أكبر رأيه أنه ليس بمصرف لا يجزئه إلا إذا علم أنه فقير هو الصحيح "ولو دفع إلى شخص ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لا يجزئه" لانعدام التمليك لعدم أهلية الملك وهو الركن على ما مر "ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصابا من أي مال كان" لأن الغني الشرعي مقدر به والشرط أن يكون فاضلا عن الحاجة الأصلية وإنما النماء شرط الوجوب "ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحا مكتسبا" لأنه فقير والفقراء هم المصارف ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب "ويكره أن يدفع إلى واحد مائتي درهم فصاعدا وإن دفع جاز" وقال زفر ﵀ لا يجوز لأن الغني قارن الأداء فحصل الأداء إلى الغني ولنا أن الغني حكم الأداء فيتعقبه لكنه يكره لقرب الغني منه كمن صلى وبقربه نجاسة قال "وأن يغنى بها إنسانا أحب إلي" معناه الإغناء عن السؤال يومه ذلك لأن ا لإغناء مطلقا مكروه. قال: "ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد" وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم لما روينا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه وفيه رعاية حق الجوار "إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته

стр. 162

أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده" لما فيه من الصلة أو زيادة دفع الحاجة ولو نقل إلى غيرهم أجزأه وإن كان مكروها لأن المصرف مطلق الفقراء بالنص والله أعلم.

стр. 163

باب صدقة الفطر قال ﵀: "صدقة الفطر واجبة على الحر المسلم إذا كان مالكا لمقدار النصاب فاضلا عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه وعبيده" أما وجوبها فلقوله ﵊ في خطبته "أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير" رواه ثعلبة بن صعير العدوي أو صعير العذري وبمثله يثبت الوجوب لعدم القطع وشرط الحرية ليتحقق التمليك والإسلام ليقع قربة واليسار لقوله ﵊ "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله تجب على من يملك زيادة عن قوت يومه لنفسه وعياله وقدر اليسار بالنصاب لتقدير الغني في الشرع به فاضلا عما ذكر من الأشياء لأنها مستحقة بالحاجة الأصلية والمستحق بالحاجة الأصلية كالمعدوم ولا يشترط فيه النمو ويتعلق بهذا النصاب حرمان الصدقة ووجوب الأضحية والفطرة. قال: "يخرج ذلك عن نفسه" لحديث ابن عمر ﵄ قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الذكر والأنثى الحديث "و"يخرج عن "أولاده الصغار" لأن السبب رأس يمونه ويلي عليه لأنها تضاف إليه يقال زكاة الرأس وهي أمارة السببية والإضافة إلى الفطر باعتبار أنه وقته ولهذا تتعدد بتعدد الرأس مع اتحاد اليوم والأصل في الوجوب رأسه وهو يمونه ويلي عليه فيلحق به ما هو في معناه كأولاده الصغار لأنه يمونهم ويلي عليهم "ومماليكه" لقيام الولاية والمؤنة وهذا إذا كانوا للخدمة ولا مال للصغار فإن كان لهم مال يؤدي من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله خلاف لمحمد ﵀ لأن الشرع أجراه مجرى المؤنة فأشبه النفقة "ولا يؤدي عن زوجته" لقصور الولاية والمؤنة فإنه لا يليها في غير حقوق النكاح ولا يمونها في غير الرواتب كالمداواة "ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا في عياله" لانعدام الولاية ولو أدى عنهم أو عن زوجته بغير أمرهم أجزأه استحسانا لثبوت الإذن عادة "ولا" يخرج "عن مكاتبه" لعدم الولاية "ولا المكاتب عن نفسه" لفقره وفي المدبر وأم الولد ولاية المولى ثابتة فيخرج عنهما "ولا" يخرج "عن مماليكه للتجارة" خلافا للشافعي ﵀ فإن عنده وجوبها على العبد ووجوب الزكاة على المولى فلا تنافي وعندنا وجوبها على المولى بسببه كالزكاة فيؤدي إلى الثني "والعبد بين شريكين

стр. 164

لا فطرة على واحد منهما" لقصور الولاية والمؤنة في حق كل واحد منهما "وكذا العبيد بين اثنين عند أبي حنيفة ﵀" وقالا على كل واحد منهما ما يخصه من الرءوس دون الأشقاص بناء على أنه لا يرى قسمة الرقيق وهما يريانها وقيل هو بالإجماع لأنه لا يجتمع النصيب قبل القسمة فلم تتم الرقبة لكل واحد منهما "ويؤدي المسلم الفطر عبده الكافر" لإطلاق ما روينا ولقوله ﵊ في حديث ابن عباس ﵄ "أدوا عن كل حر وعبد يهودي أو نصراني أو مجوسي" الحديث ولأن السبب قد تحقق والمولى من أهله وفيه خلاف الشافعي ﵀ لأن الوجوب عنده على العبد وهو ليس من أهله ولو كان على العكس فلا وجوب بالاتفاق. قال: "ومن باع عبدا وأحدهما بالخيار ففطرته على من يصير له" معناه أنه إذا مر يوم الفطر والخيار باق وقال زفر ﵀ على من له الخيار لأن الولاية له وقال الشافعي ﵀ على من له الملك لأنه من وظائفه كالنفقة ولنا أن الملك موقوف لأنه لو رد يعود إلى قديم ملك البائع ولو أجيز يثبت الملك للمشتري من وقت العقد فيتوقف ما يبتني عليه بخلاف النفقة لأنها للحاجة الناجزة فلا تقبل التوقف وزكاة التجارة على هذا الخلاف.

стр. 165

فصل في مقدار الواجب ووقته "الفطرة تصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو زبيب أو صاع من تمر أو شعير" وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الزبيب بمنزلة الشعير وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ والأول رواية الجامع الصغير وقال الشافعي ﵁ من جميع ذلك صاع لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال كنا نخرج ذلك على عهد رسول الله ﷺ ولنا ما روينا وهو مذهب جماعة من الصحابة وفيهم الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم أجمعين وما رواه محمول على الزيادة تطوعا ولهما في الزبيب أنه والتمر يتقاربان في المقصود وله أنه والبر يتقاربان في المعنى لأنه يؤكل كل واحد منهما بجميع أجزائه بخلاف الشعير والتمر لأن كل واحد منهما يؤكل ويلقى من التمر النواة ومن الشعير النخالة وبهذا ظهر التفاوت بين البر والتمر ومراده من الدقيق والسويق ما يتخذ من البر أما دقيق الشعير فكالشعير والأولى أن يراعى فيهما القدر والقيمة احتياطا وإن نص على الدقيق في بعض الأخبار ولم يبين ذلك في الكتاب اعتبارا للغالب والخبز تعتبر فيه القيمة هو الصحيح ثم يعتبر نصف صاع من بر وزنا فيما يروى عن أبي حنيفة ﵀. وعن

стр. 166

محمد ﵀ أنه يعتبر كيلا والدقيق أولى من البر والدراهم أولى من الدقيق فيما يروى عن أبي يوسف ﵀ وهو اختيار الفقيه أبي جعفر ﵀ لأنه أدفع للحاجة وأعجل به وعن أبي بكر الأعمش ﵀ تفضيل الحنطة لأنه أبعد من الخلاف إذ في الدقيق والقيمة خلاف الشافعي ﵀. قال: "والصاع عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ثمانية أرطال بالعراقي" وقال أبو يوسف ﵀ خمسة أرطال وثلث رطل وهو قول الشافعي ﵀ لقوله ﵊ "صاعنا أصغر الصيعان" ولنا ما روي أنه ﵊ كان يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وهكذا كان صاع عمر ضي الله عنه وهو أصغر من الهاشمي وكانوا يستعملون الهاشمي. قال: "ووجوب الفطرة يتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر" وقال الشافعي ﵀ بغروب الشمس في اليوم الأخير من رمضان حتى إن من أسلم أو ولد ليلة الفطر تجب فطرته عندنا وعنده لا تجب وعلى عكسه من مات فيها من مماليكه أو ولده له أن يختص بالفطر وهذا وقته ولنا أن الإضافة للاختصاص واختصاص الفطر باليوم دون الليل "والمستحب أن يخرج الناس الفطرة يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى" لأنه ﵊ كان يخرج قبل أن يخرج للمصلى ولأن الأمر بالإغناء كي لا يتشاغل الفقير بالمسئلة عن الصلاة وذلك بالتقديم "فإن قدموها على يوم الفطر جاز" لأنه أدى بعد تقرر السبب فأشبه التعجيل في الزكاة ولا تفصيل بين مدة ومدة هو الصحيح وقيل يجوز تعجيلها في النصف الأخير من رمضان وقيل في العشر الأخير "وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط وكان عليهم إخراجها" لأن وجه القربة فيها معقول فلا يتقدر وقت الأداء فيها بخلاف الأضحية والله أعلم.

стр. 167

كتاب الصوم قال ﵀: "الصوم ضربان واجب ونفل والواجب ضربان منه ما يتعلق بزمان بعينه كصوم رمضان والنذر المعين فيجوز بنية من الليل وإن لم ينو حتى أصبح أجزأته النية ما بينه وبين الزوال" وقال الشافعي ﵁ لا يجزيه. اعلم أن صوم رمضان فريضة لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وعلى فرضيته انعقد الإجماع ولهذا يكفر جاحده والمنذور واجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وسبب الأول الشهر ولهذا يضاف إليه ويتكرر بتكرره وكل يوم سبب لوجوب صومه وسبب الثاني النذر والنية من شرطه وسنبينه ونفسره إن شاء الله تعالى وجه قوله في الخلافية قوله ﵊ "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل" ولأنه لما فسد الجزء الأول لفقد النية فسد الثاني ضرورة أنه لا يتجزأ بخلاف النفل لأنه متجزئ عنده. ولنا قوله ﷺ بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال "ألا من أكل فلا يأكلن بقية يومه ومن لم يأكل فليصم" وما رواه محمول على نفي الفضيلة والكمال أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل ولأنه يوم صوم فيتوقف الإمساك في أوله على النية المتأخرة المقترنة بأكثره كالنفل وهذا لأن الصوم ركن واحد ممتد والنية لتعيينه لله تعالى فتترجح بالكثرة جنبة الوجود بخلاف الصلاة والحج لأن لهما أركانا فيشترط قرانها بالعقد على أدائهما وبخلاف القضاء لأنه يتوقف على صوم ذلك اليوم وهو النفل وبخلاف ما بعد الزوال لأنه لم يوجد اقترانها بالأكثر فترجحت جنبة الفوات ثم قال في المختصر ما بينه وبين الزوال وفي الجامع الصغير قبل نصف النهار وهو الأصح لأنه لا بد من وجود النية في أكثر النهار ونصفه من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى لا إلى وقت الزوال فتشترط النية قبلها لتتحقق في الأكثر ولا فرق بين المسافر والمقيم عندنا خلافا لزفر ﵀ لأنه لا تفصيل فيما ذكرنا من الدليل وهذا الضرب من الصوم يتأدى بمطلق النية وبنية النفل وبنية واجب آخر وقال الشافعي ﵀ في نية النفل عابث وفي مطلقها له قولان لأنه بنية النفل معوض عن الفرض فلا يكون له الفرض.

стр. 168

ولنا أن الفرض متعين فيه فيصاب بأصل النية كالمتوحد في الدار يصاب باسم جنسه وإذا نوى النفل أو واجبا آخر فقد نوى أصل الصوم وزيادة جهة وقد لغت الجهة فبقي الأصل وهو كاف ولا فرق بين المسافر والمقيم والصحيح والسقيم عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لأن الرخصة كي لا تلزم المعذور مشقة فإذا تحملها التحق بغير المعذور وعند أبي حنيفة ﵀ إذا صام المريض والمسافر بنية واجب آخر يقع عنه لأنه شغل الوقت بالأهم لتحتمه للحال وتخيره في صوم رمضان إلى إدراك العدة وعنه في نية التطوع روايتان والفرق على إحداهما أنه ما صرف الوقت إلى الأهم. قال: "والضرب الثاني ما ثبت في الذمة كقضاء شهر رمضان والنذر المطلق وصوم الكفارة فلا يجوز إلا بنية من الليل" لأنه غير متعين ولا بد من التعيين من الابتداء "والنفل كله يجوز بنية قبل الزوال" خلافا لمالك ﵀ فإنه يتمسك بإطلاق ما روينا. ولنا قوله ﷺ بعد ما كان يصبح غير صائم "إني إذا لصائم" ولأن المشروع خارج رمضان هو النفل فيتوقف الإمساك في أول اليوم على صيرورته صوما بالنية على ما ذكرنا ولو نوى بعد الزوال لا يجوز وقال الشافعي ﵀ يجوز ويصير صائما من حين نوى إذ هو متجزئ عنده لكونه مبنيا على النشاط ولعله ينشط بعد الزوال إلا أن من شرطه الإمساك في أول النهار وعندنا يصير صائما من أول النهار لأنه عبادة قهر النفس وهي إنما تتحقق بإمساك مقدر فيعتبر قران النية بأكثره.

стр. 169

فصل في رؤية الهلال قال: "وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان فإن رأوه صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا" لقوله ﷺ "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ولأن الأصل بقاء الشهر فلا ينتقل عنه إلا بدليل ولم يوجد "ولا يصومون يوم الشك إلا تطوعا" لقوله ﷺ "لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعا" وهذه المسئلة على وجوه: أحدها: أن ينوي صوم رمضان وهو مكروه لما روينا ولأنه تشبه بأهل الكتاب لأنهم زادوا في مدة صومهم ثم إن ظهر أن اليوم من رمضان يجزئه لأنه شهد الشهر وصامه وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعا وإن أفطر لم يقضه لأنه في معنى المظنون. والثاني: أن ينوي عن واجب آخر وهو مكروه أيضا لما روينا إلا أن هذا دون الأول في الكراهة ثم إن ظهر أنه من رمضان يجزئه لوجود أصل النية وإن ظهر أنه من شعبان

стр. 170

فقد قيل يكون تطوعا لأنه منهي عنه فلا يتأدى به الواجب وقيل يجزئه عن الذين نراه وهو الأصح لأن المنهي عنه وهو التقدم على رمضان بصوم رمضان لا يقوم بكل صوم بخلاف يوم العيد لأن المنهي عنه وهو ترك الإجابة يلازم كل صوم والكراهية ههنا لصورة النهي. والثالث: أن ينوي التطوع وهو غير مكروه لما روينا وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله يكره على سبيل الابتداء والمراد بقوله ﷺ "لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين" الحديث التقدم بصوم رمضان لأنه يؤديه قبل أوانه ثم إن وافق صوما كان يصومه فالصوم أفضل بالإجماع وكذا إذا صام ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعدا وإن أفرده فقد قيل الفطر أفضل احترازا عن ظاهر النهي وقد قيل الصوم أفضل اقتداء بعلي وعائشة ﵄ فإنهما كانا يصومانه والمختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذا بالاحتياط ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالإفطار نفيا للتهمة. والرابع: أن يضجع في أصل النية بأن ينوي أن يصوم غدا إن كان من رمضان ولا يصومه إن كان من شعبان وفي هذا الوجه لا يصير صائما لأنه لم يقطع عزيمته فصار كما إذا نوى أنه إن وجد غدا غذاء يفطر وإن لم يجد يصوم. والخامس: أن يضجع في وصف النية بأن ينوي إن كان غدا من رمضان يصوم عنه وإن كان من شعبان فعن واجب آخر وهذا مكروه لتردده بين أمرين مكروهين ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه لعدم التردد في أصل النية وإن ظهر أنه من شعبان لا يجزيه عن واجب آخر لأن الجهة لم تثبت للتردد فيها وأصل النية لا يكفيه لكنه يكون تطوعا غير مضمون بالقضاء لشروعه فيه مسقطا وإن نوى عن رمضان إن كان غدا منه وعن التطوع إن كان من شعبان يكره لأنه ناو للفرض من وجه ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما مر وإن ظهر أنه من شعبان جاز عن نفله لأنه يتأدى بأصل النية ولو أفسده يجب أن لا يقضيه لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه. قال: "ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم يقبل الإمام شهادته" لقوله ﵊ "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وقد رأى ظاهرا وإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة وقال الشافعي ﵀ عليه الكفارة إن أفطر بالوقاع لأنه أفطر في رمضان حقيقة لتيقنه به وحكما لوجوب الصوم عليه. ولنا أن القاضي رد شهادته بدليل شرعي وهو تهمة الغلط فأورث شبهة وهذ الكفارة تندرئ بالشبهات ولو أفطر قبل أن يرد الإمام شهادته اختلف المشايخ فيه ولو أكمل هذا

стр. 171

الرجل ثلاثين يوما لم يفطر إلا مع الإمام لأن الوجوب عليه للاحتياط الاحتياط بعد ذلك من تأخير الإفطار ولو أفطر لا كفارة عليه اعتبارا للحقيقة التي عنده. قال: "وإذا كان بالسماء علة قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا" لأنه أمر ديني فأشبه رواية الأخبار ولهذا لا يختص بلفظة الشهادة وتشترط العدالة لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول وتأويل قول الطحاوي عدلا كان أو غير عدل أن يكون مستورا والعلة غيم أو غبار أو نحوه وفي إطلاق جواب الكتاب يدخل المحدود في القذف بعد ما تاب وهو ظاهر الرواية لأنه خبر ديني وعن أبي حنيفة ﵀ أنها لا تقبل لأنها شهادة من وجه وكان الشافعي في أحد قوليه يشترط المثنى والحجة عليه ما ذكرنا وقد صح أن النبي ﵊ قبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان ثم إذا قبل الإمام شهادة الواحد وصاموا ثلاثين يوما لا يفطرون فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ للاحتياط ولأن الفطر لا يثبت بشهادة الواحد وعن محمد ﵀ أنهم يفطرون ويثبت الفطر بناء على ثبوت الرمضانية بشهادة الواحد وإن كان لا يثبت بهذا ابتداء كاستحقاق الإرث بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة. قال: "وإذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم" لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة يوهم الغلط فيجب التوقف فيه حتى يكون جمعا كثيرا بخلاف ما إذا كان بالسماء علة لأنه قد ينشق الغيم عن موضع القمر فيتفق للبعض النظر ثم قيل في حد الكثير أهل المحلة وعن أبي يوسف ﵀ خمسون رجلا اعتبارا بالقسامة ولا فرق بين أهل المصر ومن ورد من خارج المصر وذكر الطحاوي أنه تقبل شهادة الواحد إذا جاء من خارج المصر لقلة الموانع وإليه الإشارة في كتاب الاستحسان وكذا إذا كان على مكان مرتفع في المصر. قال: "ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر احتياطا وفي الصوم الاحتياط في الإيجاب. قال: "وإذا كان بالسماء علة لم يقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين" لأنه تعلق به نفع العبد وهو الفطر فأشبه سائر حقوقه والأضحى كالفطر في هذا في ظاهر الرواية وهو الأصح خلافا لما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه كهلال رمضان لأنه تعلق به نفع العباد وهو التوسع بلحوم الأضاحي "وإن لم يكن بالسماء علة لم يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بخبرهم" كما ذكرنا.

стр. 172

قال: "ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس" لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والخيطان بياض النهار وسواد الليل "والصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهارا مع النية" لأنه في حقيقة اللغة هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع لورود الاستعمال فيه إلا أنه زيد على النية في الشرع لتتميز بها العبادة من العادة واختص بالنهار لما تلونا ولأنه لما تعذر الوصال كان تعيين النهار أولى ليكون على خلاف العادة وعليه مبنى العبادة والطهارة عن الحيض والنفاس شرط لتحقق الأداء في حق النساء.

стр. 173

باب ما يوجب القضاء والكفارة قال: "وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع نهارا ناسيا لم يفطر" والقياس أن يفطر وهو قول مالك ﵀ لوجود ما يضاد الصوم فصار كالكلام ناسيا في الصلاة ووجه الاستحسان قوله ﵊ الذي أكل وشرب ناسيا "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك" وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية بخلاف الصلاة لأن هيئة الصلاة مذكرة فلا يغلب النسيان ولا مذكر في الصوم فيغلب ولا فرق بين الفرض والنفل لأن النص لم يفصل "ولو كان مخطئا أو مكرها فعليه القضاء" خلافا للشافعي ﵀ فإنه يعتبر بالناسي ولنا أنه لا يغلب وجوده وعذر النسيان غالب ولأن النسيان من قبل من له الحق والإكراه من قبل غيره فيفترقان كالمقيد والمريض في قضاء الصلاة. قال: "فإن نام فاحتلم لم يفطر" لقوله ﷺ "ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام" ولأنه لم توجد صورة الجماع ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بالمباشرة "وكذا إذا نظر إلى امرأة فأمنى" لما بينا فصار كالمتفكر إذا أمنى وكالمستمني بالكف على ما قالوا "ولو ادهن لم يفطر" لعدم المنافي "وكذا إذا احتجم" لهذا ولما روينا "ولو اكتحل لم يفطر" لأنه ليس بين العين والدماغ منفذ والدمع يترشح كالعرق والداخل من المسام لا ينافي كما لو اغتسل بالماء البارد "ولو قبل امرأة لا يفسد صومه" يريد به إذا لم ينزل لعدم المنافي صورة ومعنى بخلاف الرجعة والمصاهرة لأن الحكم هناك أدير على السبب على ما يأتي في موضعه إن شاء الله "ولو أنزل بقبلة أو لمس فعليه القضاء دون الكفارة" لوجود معنى الجماع ووجود المنافي صورة أو معنى يكفي لإيجاب القضاء

стр. 174

احتياطا، أما الكفارة فتفتقر إلى كمال الجناية لأنها تندرئ بالشبهات كالحدود "ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه" أي الجماع أو الإنزال "ويكره إذا لم يأمن" لأن عينه ليس بمفطر وربما يصير فطرا بعاقبته فإن أمن يعتبر عينه وأبيح له وإن لم يأمن تعتبر عاقبته وكره له والشافعي ﵀ أطلق فيه في الحالين والحجة عليه ما ذكرنا والمباشرة الفاحشة مثل التقبيل في ظاهر الرواية وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة لأنها قلما تخلو عن الفتنة "ولو دخل حلقه ذباب هو ذاكر لصومه لم يفطر" وفي القياس يفسد صومه لوصول المفطر إلى جوفه وإن كان لا يتغذى به كالتراب والحصاة ووجه الاستحسان أنه لا يستطاع الاحتراز عنه فأشبه الغبار والدخان. واختلفوا في المطر والثلج والأصح أنه يفسد لإمكان الامتناع عنه إذا آواه خيمة أو سقف "ولو أكل لحما بين أسنانه فإن كان قليلا لم يفطر وإن كان كثيرا يفطر" وقال زفر يفطر في الوجهين لأن الفم له حكم الظاهر حتى لا يفسد صومه بالمضمضة. ولنا أن القليل تابع لأسنانه بمنزلة ريقه بخلاف الكثير لأنه لا يبقى فيما بين الأسنان والفاصل مقدار الحمصة وما دونها قليل "وإن أخرجه وأخذه بيده ثم أكله ينبغي أن يفسد صومه" لما روي عن محمد ﵀ أن الصائم إذا ابتلع سمسمة بين أسنانه لا يفسد صومه ولو أكلها ابتداء يفسد صومه ولو مضغها لا يفسد لأنها تتلاشى وفي مقدار الحمصة عليه القضاء دون الكفارة عند أبي يوسف ﵀ وعند زفر ﵀ عليه الكفارة أيضا لأنه طعام متغير ولأبي يوسف ﵀ أنه يعافه الطبع "فإن ذرعه القيء لم يفطر" لقوله ﷺ "من قاء فلا قضاء عليه ومن استقاء عامدا فعليه القضاء" ويستوي فيه ملء الفم فما دونه فلو عاد وكان ملء الفم فسد عند أبي يوسف ﵀ لأنه خارج حتى انتقض به الطهارة وقد دخل وعند محمد ﵀ لا يفسد لأنه لم توجد صورة الفطر وهو الابتلاع وكذا معناه لأنه لا يتغذى به عادة وإن أعاده فسد بالإجماع لوجود الإدخال بعد الخروج فتتحقق صورة الفطر وإن كان أقل من ملء الفم فعاد لم يفسد صومه لأنه غير خارج ولا صنع له في الإدخال وإن أعاده فكذلك عند أبي يوسف ﵀ لعدم الخروج وعند محمد ﵀ يفسد صومه لوجود الصنع منه في الإدخال "فإن استقاء عمدا ملء فيه فعليه القضاء" لما روينا والقياس متروك به ولا كفارة عليه لعدم الصورة وإن كان أقل من ملء الفم فكذلك عند محمد ﵀ لإطلاق الحديث وعند أبي يوسف ﵀ لا يفسد لعدم الخروج حكما ثم إن عاد لم يفسد عنده لعدم سبق الخروج وإن أعاده فعنه أنه لا يفسده لما ذكرنا وعنه أنه يفسد فألحقه بملء الفم لكثرة الصنع.

стр. 175

قال: "ومن ابتلع الحصاة أو الحديد أفطر" لوجود صورة الفطر "ولا كفارة عليه" لعدم المعنى "ومن جامع في أحد السبيلين عامدا فعليه القضاء" استدراكا للمصلحة الفائتة "وللكفارة" لتكامل الجناية ولا يشترط الإنزال في المحلين اعتبارا بالاغتسال وهذا لأن قضاء الشهوة يتحقق دونه وإنما ذلك شبع وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه اعتبارا بالحد عنده والأصح أنها تجب لأن الجناية متكاملة لقضاء الشهوة "ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة أنزل أو لم ينزل" خلافا للشافعي ﵀ لأن الجناية تكاملها بقضاء الشهوة في محل مشتهى ولم يوجد ثم عندنا كما تجب الكفارة بالوقاع على الرجل تجب على المرأة وقال الشافعي ﵀ في قول لا تجب عليها لأنها متعلقة بالجماع وهو فعله وإنما هي محل الفعل وفي قول تجب ويتحمل الرجل عنها اعتبارا بماء الاغتسال. ولنا قوله ﷺ "من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر" وكلمة "من" تنتظم الذكور أو الإناث ولأن السبب جناية الإفساد لا نفس الوقاع وقد شاركته فيها ولا يتحمل لأنها عبادة أو عقوبة ولا يجري فيها التحمل "ولو أكل أو شرب ما يتغذى به أو ما يداوى به فعليه القضاء والكفارة" وقال الشافعي ﵀ لا كفارة عليه لأنها شرعت في الوقاع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة فلا يقاس عليه غيره. ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار في رمضان على وجه الكمال وقد تحققت وبإيجاب الإيمان تكفيرا عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية. ثم قال: "والكفارة مثل كفارة الظهار" لما روينا ولحديث الأعرابي فإنه قال يا رسول الله هلكت وأهلكت فقال ماذا صنعت قال واقعت امرأتي في نهار رمضان متعمدا فقال ﷺ "أعتق رقبة" فقال لا أملك إلا رقبتي هذه فقال "صم شهرين متتابعين" فقال وهل جاءني ما جاءني إلا من الصوم فقال "أطعم ستين مسكينا" فقال لا أجد فأمر رسول الله ﷺ أن يؤتى بفرق من تمر ويروى بعرق فيه خمسة عشر صاعا وقال "فرقها على المساكين" فقال والله ما بين لابتي المدينة أحد أحوج مني ومن عيالي فقال "كل أنت وعيالك يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك" وهو حجة على الشافعي في قوله يخير لأن مقتضاه الترتيب وعلى مالك في نفي التتابع للنص عليه "ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء" لوجود الجماع معنى "ولا كفارة عليه" لانعدامه صورة "وليس في إفساد صوم غير رمضان كفارة" لأن الإفطار في رمضان أبلغ في الجناية فلا يحلق به غيره

стр. 176

"ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه أفطر" لقوله ﷺ "الفطر مما دخل" ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف "ولا كفارة عليه" لانعدامه صورة "ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخلهما لا يفسد صومه" لانعدام المعنى والصورة بخلاف ما إذا دخله الدهن "ولو داوى جائفة أو آمة بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر" عند أبي حنيفة ﵀ والذي يصل هو الرطب وقالا لا يفطر لعدم التيقن بالوصول لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى كما في اليابس من الدواء وله أن رطوبة الدواء تلاقي رطوبة الجراحة فيزداد ميلا إلى الأسفل فيصل إلى الجوف بخلاف اليابس لأنه ينشف رطوبة الجراحة فينسد فمها "ولو أقطر في إحليله لم يفطر" عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ﵀ يفطر وقول محمد ﵀ مضطرب فيه فكأنه وقع عند أبي يوسف ﵀ أن بينه وبين الجوف منفذا ولهذا يخرج منه البول ووقع عند أبي حنيفة ﵀ أن المثانة بينهما حائل والبول يترشح منه وهذا ليس من باب الفقه "ومن ذاق شيئا بفمه لم يفطر" لعدم الفطر صورة ومعنى "ويكره له ذلك" لما فيه من تعريض الصوم على الفساد "ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد" لما بينا "ولا بأس إذا لم تجد منه بدا" صيانة للولد ألا ترى أن لها أن تفطر إذا خافت على ولدها "ومضغ العلك لا يفطر الصائم" لأنه لا يصل إلى جوفه وقيل إذا لم يكن ملتئما يفسد لأنه يصل إليه بعض أجزائه وقيل إذا كان أسود يفسد وإن كان ملتئما لأنه يتفتت "إلا أنه يكره للصائم" لما فيه من تعريض الصوم للفساد ولأنه يتهم بالإفطار ولا يكره للمرأة إذا لم تكن صائمة لقيامه مقام السواك في حقهن ويكره للرجال على ما قيل إذا لم يكن من علة وقيل لا يستحب لما فيه من التشبه بالنساء "ولا بأس بالكحل ودهن الشارب" لأنه نوع ارتفاق وهو ليس من محظورات الصوم وقد ندب النبي ﷺ إلى الاكتحال يوم عاشوراء وإلى الصوم فيه ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصد به التداوي دون الزينة ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة لأنه يعمل عمل الخضاب ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة "ولا بأس بالسواك الرطب بالغداة والعشي للصائم" لقوله ﷺ "خير حلال الصائم السواك من غير فصل" وقال الشافعي يكره بالعشي لما فيه من إزالة الأثر المحمود وهو الخلوف فشابه دم الشهيد قلنا هو أثر العبادة والأليق به الإخفاء بخلاف دم الشهيد لأنه أثر الظلم ولا فرق بين الرطب الأخضر وبين المبلول بالماء لما روينا.

стр. 177

فصل "ومن كان مريضا في رمضان فخاف إن صام ازداد مرضه أفطر وقضى" وقال

стр. 178

الشافعي ﵀: لا يفطر هو يعتبر خوف الهلاك أو فوات العضو كما يعتبر في التيمم ونحن نقول إن زيادة المرض وامتداده قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه "وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل وإن أفطر جاز" لأن السفر لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه عذرا بخلاف المرض فإنه قد يخف بالصوم فشرط كونه مفضيا إلى الحرج وقال الشافعي ﵀ الفطر أفضل لقوله ﷺ "ليس من البر الصيام في السفر". ولنا أن رمضان أفضل الوقتين فكان الأداء فيه أولى وما رواه محمول على حالة الجهد "وإذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء" لأنهما لم يدركا عدة من أيام أخر "ولو صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة" لوجود الإدراك بهذا المقدار وفائدته وجوب الوصية بالإطعام وذكر الطحاوي خلافا فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وبين محمد ﵀ وليس بصحيح وإنما الخلاف في النذر والفرق لهما أن النذر سبب فيظهر الوجوب في حق الخلف وفي هذه المسئلة السبب إدارك العدة فيتقدر بقدر ما أدرك "وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه" لإطلاق النص لكن المستحب المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب "وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني" لأنه في وقته "وقضى الأول بعده" لأنه وقت القضاء "ولا فدية عليه" لأن وجوب القضاء على التراخي حتى كان له أن يتطوع "والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما أفطرتا وقضتا" دفعا للحرج "ولا كفارة عليهما" لأنه إفطار بعذر "ولا فدية عليهما" خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا خافت على الولد هو يعتبره بالشيخ الفاني. ولنا أن الفدية بخلاف القياس في الشيخ الفاني والفطر بسبب الولد ليس في معناه لأنه عاجز بعد الوجوب والولد لا وجوب عليه أصلا "والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا كما يطعم في الكفارات" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قيل معناه لا يطيقونه ولو قدر على الصوم يبطل حكم الفداء لأن شرط الخلفية استمرار العجز "ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل مسكينا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير" لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني ثم لا بد من الإيصاء عندنا خلافا للشافعي ﵀ وعلى هذا الزكاة هو يعتبره بديون العباد إذ كل ذلك حق مالي تجري فيه النيابة. ولنا أنه عبادة ولا بد فيه من الاختيار وذلك في الإيصاء دون الوراثة لأنها جبرية، ثم

стр. 179

هو تبرع ابتداء حتى يعتبر من الثلث والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ وكل صلاة تعتبر بصوم يوم هو الصحيح "ولا يصوم عنه الولي ولا يصلي" لقوله ﷺ "لا يصوم احد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد" "ومن دخل في صلاة التطوع أو في صوم التطوع ثم أفسده قضاه" خلافا للشافعي ﵀ له أنه تبرع بالمؤدى فلا يلزمه مالم يتبرع به. ولنا أن المؤدي قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا ويباح بعذر والضيافة عذر لقوله ﷺ "أفطر واقض يوما مكانه" "وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما" قضاء لحق الوقت بالتشبه "ولو أفطرا فيه لا قضاء عليهما" لأن الصوم غير واجب فيه "وصاما ما بعده" لتحقق السبب والأهلية "ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى" لعدم الخطاب وهذا بخلاف الصلاة لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء فوجدت الأهلية عنده وفي صوم الجزء الأول والأهلية منعدمة عنده وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا زال الكفر أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء لأنه أدرك وقت النية وجه الظاهر أن الصوم لا يتجزأ وجوبا وأهلية الوجوب منعدمة في أوله إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة دون الكافر على ما قالوا لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا والصبي أهل له "وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه" لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب ولا صحة الشروع "وإن كان في رمضان فعليه أن يصوم" لزوال المرخص في وقت النية ألا ترى أنه لو كان مقيما في أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحا لجانب الإقامة لهذا أولى إلا أنه إذا أفطر في المسئلتين لا تلزمه الكفارة لقيام شبهة المبيح "ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء" لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية إذ الظاهر وجودها منه "وقضى ما بعده" لانعدام النية "وإن أغمي عليه أول ليلة منه قضاه كله غير يوم تلك الليلة" لما قلنا. وقال مالك ﵀ لا يقضي ما بعده لأن صوم رمضان عنده يتأدى بنية واحدة بمنزلة الاعتكاف وعندنا لا بد من النية لكل يوم لأنها عبادات متفرقة لأنه يتخلل بين كل يومين ما ليس بزمان لهذه العبادة بخلاف الاعتكاف "ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه" لأنه نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجى فيصير عذرا في التأخير لا في الإسقاط "ومن جن في رمضان كله لم يقضه" خلافا لمالك ﵀ هو يعتبره بالإغماء. ولنا أن المسقط هو الحرج والإغماء لا يستوعب الشهر عادة فلا حرج والجنون يستوعبه فيتحقق الحرج "وإن أفاق المجنون في بعضه مضى ما قضى" خلافا لزفر والشافعي

стр. 180

رحمهما الله هما يقولان لم يجب عليه الأداء لانعدام الأهلية والقضاء مرتب عليه وصار كالمستوعب. ولنا أن السبب قد وجد وهو الشهر والأهلية بالذمة وفي الوجوب فائدة وهو صيرورة مطلوبا على وجه لا يحرج في أدائه بخلاف المستوعب لأنه يحرج في الأداء فلا فائدة وتماما في الخلافيات ثم لا فرق بين الأصلي والعارض قيل هذا في ظاهر الرواية وعن محمد ﵀ أنه فرق بينهما لأنه إذا بلغ مجنونا التحق بالصبي فانعدم الخطاب بخلاف ما إذا بلغ عاقلا ثم جن وهذا مختار بعض المتأخرين "ومن لم ينو في رمضان كله لا صوما ولا فطرا فعليه قضاؤه" وقال زفر ﵀ يتأدى صوم رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم لأن الإمساك مستحق عليه فعلى أي وجه يؤديه يقع عنه كما إذا وهب كل النصاب من الفقير. ولنا أن المستحق الإمساك بجهة العبادة ولا عبادة إلا بالنية وفي نية النصاب وجد نية القربة على ما مر في الزكاة "ومن أصبح غير ناو للصوم فأكل لا كفارة عليه" عند أبي حنيفة ﵀ وقال زفر ﵀ عليه الكفارة لأنه يتأدى بغير النية عنده وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أكل قبل الزوال تجب الكفارة لأنه فوت إمكان التحصيل فصار كغاصب الغاصب ولأبي حنيفة ﵀ أن الكفارة تعلقت بالإفساد وهذا امتناع إذ لا صوم إلا بالنية "وإذا حاضت المرأة أو نفست أفطرت وقضت" بخلاف الصلاة لأنها تحرج في قضائها وقد مر في الصلاة "وإذا قدم المسافر أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا بقية يومهما" وقال الشافعي ﵀ لا يجب الإمساك وعلى هذا الخلاف كل من صار أهلا للزوم ولم يكن كذلك في أول اليوم هو يقول التشبه خلف فلا يجب إلا على من يتحقق الأصل في حقه كالمفطر متعمدا أو مخطئا. ولنا أنه وجب قضاء لحق الوقت لا خلفا لأنه وقت معظم بخلاف الحائض والنفساء والمريض والمسافر حيث لا يجب عليهم حال قيام هذه الأعذار لتحقق المانع عن التشبه حسب تحققه عن الصوم. قال: "وإذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه" قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو نفيا للتهمة "وعليه القضاء" لأنه حق مضمون بالمثل كما في المريض والمسافر
следующие страницы →