Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
كلمة دار إحياء التراث العربي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً، وَاتَّقُوا اللَّه الذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سديداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم، ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧١ - ٧٠].
أما بعد فهذا كتاب «الهداية» (١) شرح بداية المبتدي في الفقه الحنفي لأبي الحسن، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن برهان الدين المرغيناني، الرشداني (ت ٥٩٣ هـ) الذي تحدث فيه عن الكتب الفقهية بدأه بالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغيرها وانتهى به بكتاب السير.
وهو شرح متن «البداية في الفقه» له ولكنه في الحقيقة كالشرح ل «مختصر القدوري»، و «الجامع الصغير» لمحمد، وعادته أن يحرر كلام الإمامين من المدعي والدليل، ثم يحرر مدعي الإمام الأعظم ويبسط دليله، بحيث يخرج الجواب من أدلتهما، فإذا كان تحريره مخالفاً لهذه العادة، يفهم منه الميل إلى ما ادعى الإمامان، ووظيفته أنْ يَشْرَحَ مسائل «الجامع الصغير» و «القدوري».
_________
(١) طبع بالقاهرة في أربعة أجزاء تقع في مجلدين عام ١٣٥٥ هـ/ ١٩٣٥ م، وهي الطبعة التي كانت أصلاً لعملنا. وقد شرح الكمال ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) «الهداية» في كتابه «شرح فتح القدير»، غير أن المنية اخترمته قبل إتمام هذا الشرح، فأكمله شمس الدين أحمد بن قودر المعروف بقاضي زاده بما سماه «نتائج الأفكار» وطبع الجميع في ثمانية أجزاء، (٦) لابن الهمام و (٢) لقاضي زاده في المكتبة التجارية بالقاهرة وتصور وتنشر طبعاته دار إحياء التراث العربي. انظر لمحات في المكتبة والبحث والمصادر للدكتور محمد عجاج الخطيب (٢٤٦)، وكتابه البحث العلمي للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الصفحة (٣٣٨).
стр. 2
ثم إنه اصطلح في كتابه على أُمور:
منها: إذا قال في الكتاب» أراد القدوري. ومنها: أنه يذكر لفظ «قال» في أول كل مسألة، إذا كانت مسألة «القدوري»، أو «الجامع الصغير»، أو كانت مذكورة في «البداية»، وإن كانت مذكورة في غيرها لم يذكرها.
ومنها: أنه يذكر مسائل القدوري أولاً، ومسائل الجامع الصغير في آخر الأبواب، وإذا كان نوع مخالفة بينها يُصَرِّح بلفظ «الجامع الصغير».
ومنها: أنه إذا قال: «الحديث محمول على المعنى الفلاني» يريد به حمل أئمة الحديث، وإذا قال «نحمله» يريد حمل نفسه عليه دون الأئمة.
ومنها: أنه يقول في الدليل العقلي: «لما بينا»، وفي الثابت بالكتاب «لما تلونا» وفي الثابت بالسنة لما روينا» وفي الثابت يقول الصحابة: «للأثر»، وقد لا يفرق بين الأثر والخبر ويقول: «لما روينا»، ويقول «لما ذكر» فيما هو أعم.
ومنها: أنه يشير إلى المسألة التي أورد لها النظير بأسماء الإشارة التي للقرب، وإلى نظيرها
بأسماء الإشارة التي للبعد.
ومنها: أنه يُعبِّر عن الدليل العقلي بالفقه حيث يقول: «والفقه فيه كذا».
ومنها: أنه إذا قال: «عن فلان»، يريد به الرواية عنه، وإذا قال «عند فلان» يريد به أنه مذهبه. ومنها: أنه إذا ذكر خاصته وتصرفه لا يقول «قلت» احترازاً عما فيه من الافتيات والأنانية بل يقول: «قال العبد الضعيف عفي عنه».
ونظراً لأهمية هذا الكتاب الفقهية عند سادتنا الأحناف، فقد رأت «دار إحيار التراث العربي» أن تعيد نشره بحلة قشيبة جديدة ومصححة بعد تخريج آياته القرآنية وتصحيح أخطاء الطبعة السابقة، وقد عزت هذا الأمر لفضيلة الأستاذ باسم حسين عيتاني الذي تكرم مشكوراً بالاعتناء بهذا الكتاب الجليل وتصحيح ألفاظه بما قدر الله به وأعان. هذا ويجد القارئ ترجمة للمؤلف في الصفحات التي تلي هذه مباشرة.
ربنا تقبل منا هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم، وانفع به عبادك، وصل اللهم على سيدنا محمد الأمي وعلى آله وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
دار إحياء التراث العربي
بيروت ٢١ ذو الحجة ١٤١٥ هـ
الموافق ٢٠ أيار ١٩٩٥ م
стр. 3
ترجمة مؤلف الهداية
مذيلة ببيان موجز لبعض اصطلاحاته في كتابه
نسبه
هو شيخ الإسلام الإمام برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، الفرغاني، المرغيناني، من أولاد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه. كان إماماً فقيهاً حافظاً محدثاً مفسراً جامعاً للعلوم، ضابطاً للفنون، متقناً محققاً، نظاراً مدققاً، زاهداً ورعاً، بارعاً فاضلاً ماهراً، أصولياً أديباً شاعراً، لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب اه.
والفرغاني: نسبة إلى فرغانة ناحية بالمشرق والمرغيناني: نسبة إلى مرغينان، بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وياء ساكنة ونونين بينهما ألف: مدينة
بفرغانة.
مولده ووفاته
قال العلامة محمد عبد الحي اللكنوي: وكتب بعض أجدادي نقلاً عن خط علاء الدين: أن صاحب الهداية ولد عقيب صلاة العصر يوم الاثنين الثامن من رجب سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ووفق لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول ﷺ في سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء الرابع عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، و دفن بسمرقند.
شيوخه
تفقه على الأئمة المشهورين منهم مفتي الثقلين نجم الدين أبو حفص عمر النسفي صاحب العقائد النسفية في التوحيد والإمام الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز والإمام ضياء الدين محمد بن الحسين البندنيجي تلميذ صاحب التحفة علاء الدين السمرقندي والإمام قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد البخاري والد صاحب خلاصة الفتاوى.
стр. 4
كلام أهل عصره في شأنه
وأقر له بالفضل والتقدم أهل عصره: كالإمام فخر الدين قاضيخان، والصدر الكبير برهان الدين صاحب المحيط البرهاني، والشيخ الإمام ظهير الدين محمد بن أحمد البخاري صاحب الفتاوي الظهيرية، والشيخ زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتابي وغيرهم.
مؤلفاته
وله مؤلفات منها كتاب مجموع النوازل. وكتاب التجنيس والمزيد. وكتاب في الفرائض. وكتاب المنتقى. وكتاب بداية المبتدي. وكتاب كفاية المنتهى. وكتاب الهداية. ومناسك الحج.
أما بداية المبتدي، فقد قال المؤلف ﵀: كان يخطر ببالي عند ابتداء حالي أن يكون كتاب في الفقه فيه من كل نوع، صغير الحجم كبير الرسم؛ وحيث وقع الاتفاق بتطواف الطرق، وجدت المختصر المنسوب إلى القدوري أجمل كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب، ورأيت كبراء الدهر يرغبون الصغير والكبير في حفظ الجامع الصغير، فهممت أن أجمع بينهما ولا أتجاوز فيه عنهما إلا ما دعت الضرورة إليه، وسميته: [بداية المبتدي] وقد اختار في ترتيب أبوابه ترتيب الجامع الصغير تبركاً بما اختاره الإمام محمد بن الحسن. وقال المؤلف ولو وفقت لشرحها أرسمه ب [كفاية المنتهى] ثم وفق لشرحها ورسمه بكفاية المنتهى، وهو كتاب عزيز الوجود يقع في ثمانين مجلداً كما نقله اللكنوي عن مفتاح السعادة.
ولما تبين فيه الإطناب وخشي أن يهجر منه الكتاب شرح المتن ثانياً مختصراً حاوياً نافعاً وافياً، سماه بالهداية؛ جمع فيه بين عيون الرواية، ومتون الدراية، وافتتح بتأليفه ظهر يوم الأربعاء من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو مقبول بين الأنام من الخواص والعوام. وقد أنشد الإمام عماد الدين ابن شيخ الإسلام صاحب الهداية في حقها:
كِتَابُ الهِدَايَةِ يَهْدِي الهُدَى … إِلَى حَافِظِيهِ وَيَجْلُو العَمَى
فَلَازِمْهُ وَاحْفَظْهُ يَاذَا الحِجَى … فَمَنْ نَالَهُ نَالَ أَقْصَى المُنَى
стр. 5
وقال غيره:
إن الهداية كالقرآن قد نسخت ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب.
قال محمد عبد الحي اللكنوي: وهل هذا للقبول إلا بما روي أن صاحب الهداية بقي في تصنيفها ثلاث عشرة سنة، وكان صائماً في تلك المدة لا يفطر أصلاً، وكان يجتهد أن لا يطلع على صومه أحد، فإذا أتى خادمه بطعام يقول له خله ورح، فإذا راح كان يطعمه أحد الطلبة أو غيرهم، فإذا أتى الخادم ووجد الإناء فارغاً يظن أنه أكله بنفسه.
وأول من قرأ الهداية على مؤلفها شمس الأئمة الكردري.
وقد اعتنى جم غفير من العلماء، وجمع كثير من الفضلاء بتحرير الحواشي والشروح على الهداية.
وقد طعن بعض حاسديه عليه بأنه أورد فيها الأحاديث التي ليست بتلك، ولهذا عُني كثير من العلماء بتخريج الأحاديث التي استند إليها صاحب الهداية؛ منهم الإمام محيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي المصري، فقد وضع كتاباً في ذلك سماه [العناية بمعرفة أحاديث الهداية]، والشيخ علاء الدين ألف كتاباً سماه [الكفاية في معرفة أحاديث الهداية]، والشيخ جمال الدين بن عبد الله بن يوسف الزيلعي وضع كتاباً سماه [نصب الراية لأحاديث الهداية].
درجته بين علماء المذهب
قال الإمام محمد عبد الحي اللكنوي في الفوائد البهية في تراجم الحنفية: واعلم أنهم قسموا أصحابنا الحنفية على ست طبقات. الأولى: طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام. والثانية: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف والطحاوي والكرخي والسرخسي والحلواني والبزدوي وغيرهم، وهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم في الفروع والأصول، لكنهم يستنبطون الأحكام التي لا رواية فيها على حسب الأصول. والثالثة: طبقة أصحاب التخريج القادرين على تفصيل قول مجمل، وتكميل قول محتمل من دون قدرة على الاجتهاد. والرابعة: طبقة أصحاب الترجيح كالقدوري، وصاحب الهداية، القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض بحسن الدراية. والخامسة: طبقة المقلدين، القادرين على التمييز بين القوي والضعيف، والمرجح والسخيف، كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة. والسادسة: من
стр. 6
دونهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين، والشمال واليمين انتهى.
وكتب أبو فراس الغساني صاحب التعاليق على الفوائد البهية في ترجمة مؤلف الهداية ما نصه: ذكره ابن كمال باشا من طبقة أصحاب الترجيح القادرين على تفضيل بعض الروايات على بعض برأيهم النجيح. وتعقب بأن شأنه ليس أدون من قاضيخان، وله في نقد الدلائل واستخراج المسائل شأن أي شأن، فهو أحق بالاجتهاد في المذهب، وعده من المجتهدين في المذهب إلى العقل السليم أقرب.
آدابه وعاداته في كتابه
اعلم أن له فيها آداباً وعادات لزوماً أو غلبة: منها إذا قال (قال ﵁ يريد نفسه، كذا قال الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، وقال أبو السعود: إن صاحب الهداية إذا ذكر خاصة تصرفه يقول: قال العبد الضعيف عفا الله عنه، إلا أن بعض تلامذته بعد وفاته قدس سره غير هذه العبارة إلى: قال ﵁ اه.
وإنما لم يذكر نفسه بصيغة المتكلم تحرزاً عن توهم الأنانية، وهذا من العادات المستمرة لسادات الفقهاء والمحدثين رحمهم الله تعالى.
ومنها أنه يؤخر دليل المذهب المختار عنده على عكس ما صنعه الإمام قاضيخان في الخانية. وفي نتائج الأفكار: من عادة المصنف المستمرة أن يؤخر القوي عند ذكر الأدلة على الأقوال المختلفة، ليقع المؤخر بمنزلة الجواب عن المقدم وإن كان قدم القوي في الأكثر عند نقل الأقوال.
ومنها إذا قال (مشايخنا) يريد به علماء ما وراء النهر من بخارى وسمرقند كذا في العناية. ونقل في وقف النهر عن العلامة قاسم أن المراد بالمشايخ في الاصطلاح من لم يدرك الإمام.
ومنها إذا قال (في ديارنا) يريد به المدن التي وراء النهر، كذا يفهم من فتح القدير.
ومنها أنه يعبر عن الآية التي ذكرها فيما قبل (بما تلونا) وعن الدليل العقلي الذي ذكره فيما قبل (بما ذكرنا وما بينا) وعن الحديث الذي ذكره فيما قبل (بما روينا) كذا في نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، وربما يقول (لما بينا) مشيراً إلى الكتاب والسنة والمعقول، كذا يفهم من الكفاية في باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه. وفي مفتاح السعادة أنه يقول (لما ذكرنا) فيما هو أعم، ويعبر عن قول الصحابي رضي الله تعالى عنه
стр. 7
بالأثر؛ وقد لا يفرق بين الخبر والأثر، ويقول فيهما (لما روينا) كذا في مفتاح السعادة.
ومنها أنه كثيراً ما يجعل علة النص دليلاً مستقلاً عقلياً على أصل المسألة إفادة للفائدتين كذا في نتائج الأفكار.
ومنها أنه يعبر عن الدليل العقلي بالفقه ويقول (الفقه فيه كذا) كذا في مفتاح السعادة.
ومنها أنه ربما يذكر الدليل العقلي بعد الدليل العقلي كأنه يومئ إلى لمه.
قال في نتائج الأفكار: دأب المصنف أنه يقول بعد ذكر دليل على مدعي (وهذا لأن الخ) يريد به ذكر دليل لمي بعد أن ذكر دليلاً إنّياً.
ومنها أنه حيث ذكر الأصل أراد به المبسوط للإمام أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني.
ومنها أنه حيث يذكر لفظ المختصر يريد به مختصر القدوري، وحيث يذكر لفظ الكتاب يريد به الجامع الصغير.
ومنها أنه يذكر مسائل القدوري أولاً، ثم يذكر مسائل الجامع الصغير في آخر الباب.
منها إذا كان هناك نوع مخالفة بين عبارة القدوري وعبارة الجامع الصغير يصرح بلفظ (وفي الجامع الصغير) وإلا يذكر عبارة الجامع في الآخر من غير تصريح بهذا اللفظ، بل يقول قال فقط، وتارة لا يصرح بلفظ قال.
ومنها أن لفظ (قالوا) إنما يستعمله فيما فيه اختلاف.
ومنها أنه إذا قال (هذا الحديث محمول على كذا) فمراده أن أهل الحديث حملوه على ذلك، وإذا قال (نحمله) أراد أنه يحمله هو نفسه دون أهل الحديث.
ومنها أنه إذا قال (عن فلان) يريد الرواية عنه، وإذا قال عند فلان يريد أنه مذهبه.
ومنها أنه لا يذكر الفاء في جواب أما جرياً على بعض أقوال النحاة.
ومنها أنه يسقط الواو من إن الوصلية، لكن هذه العادة والتي قبلها لم تراع في النسخ الموجودة إلا في مواضع قليلة.
ومنها أنه يورد النظير لمسألة ثم يشير إلى النظير باسم الإشارة المستعمل للبعيد، وإلى الأول بما يستعمل للقريب.
ومنها أنه يجيب عن السؤال المقدر ولا يصرح بالسؤال ولا يقول (فإن قيل كذا قلنا) إلا في ثلاثة مواضع: في موضعين من كتاب أدب القاضي وفي موضع من كتاب الغصب.
стр. 8
المسامحات التي وقعت في النصف الأخير من كتابه
منها ما قال في المسائل المنثورة من كتاب البيوع لقوله ﵊ في ذلك الحديث «فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين») اه.
هذه الإشارة وقعت سهواً من قلم الناسخ. قال الزيلعي: لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف ﵀ ولم يتقدم في هذا المعنى إلا حديث معاذ وهو في كتاب الزكاة، وحديث بريدة وهو في كتاب السير وليس فيهما ذلك اه.
ومنها ما قال في كتاب الكفالة في آخر فصل الضمان (والشافعي ﵀ ألحق الثاني بالأول، وأبو يوسف ﵀ فيما يروى عنه ألحق الأول بالثاني) اه. في الكفاية تبعاً لما في النهاية. هذا ليس بصحيح، بل الصحيح عكسه؛ وهو أن يقال: والشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبو يوسف فيما يروى عنه ألحق الثاني بالأول اه.
وفي العناية: فمن الشارحين من حمله على الرواية عن كل واحد منهما، ومنهم من حمله على الغلط من الناسخ ولعله أظهر اه. وفي فتح القدير أن هذا سهو من الكاتب.
ومنها ما قال في كتاب القسمة في باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها في فصل بيان الاستحقاق وهكذا ذكر في الأسرار) وهذا من المسامحات، فإن وضع المسألة في الأسرار في استحقاق بعض شائع، وها هنا الكلام في استحقاق بعض بعينه، كذا في الكفاية.
ومنها ما قال في كتاب الذبائح (فإنه أي الحلقوم مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس) وهذا ليس بجيد والحق عكسه؛ فإن الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى العلف والماء كذا في الإيضاح والمغرب وغيرهما.
ومنها ما قال في كتاب الذبائح (والنخاع: عرق أبيض في عظم الرقبة) نسبه صاحب النهاية إلى السهو، وقال: هو خيط أبيض في جوف عظم الرقبة يمتد إلى الصلب.
ومنها ما قال في كتاب الديات في فصل بعد فصل الشجاج (وقالا وزفر والحسن الخ) هذا التركيب غير جائز، ولو قال وقالاهما وزفر والحسن الخ كان صواباً، كذا في العناية.
ومنها ما قال في كتاب الوصايا في آخر باب العتق في مرض الموت (فعنده الوديعة أقوى وعندهما سواء) هذا من المسامحات، فإن الكبار القدماء ذكروا الخلاف على العكس؛ فالفقيه أبو الليث السمرقندي في كتاب مختلف الرواية، والقدوري في كتاب
стр. 9
التقريب، وفخر الإسلام في شرح الجامع الصغير، وغيرهم قالوا: إن عندهما الوديعة أقوى وعنده هما سواء، والتفصيل في غاية البيان نقله اللكنوي.
ومنها ما قال في كتاب الوصايا في الفصل التالي لباب العتق في مرض الموت (وهو قول محمد ﵀ قال اللكنوي: أقول: لعل المصنف ﵀ وجد رواية، وإلا فالقدوري في شرح مختصر الكرخي وشمس الأئمة البيهقي في الكفاية وصاحب التحفة والشيخ أبو نصر في شرح الأقطع جعلوا قول محمد ﷺ تقديم الزكاة على الحج كذا في غاية البيان.
ومنها ما قال في كتاب الوصايا في باب الوصية للأقارب وغيرهم (لما روي أن النبي ﷺ لما تزوج صفية (الخ) والصواب جويرية بدل صفية، كما يفهم من رواية أبي داود وغيره اهـ. لكنوي.
стр. 10
"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"
حديث شريف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أعلى معالم العلم وأعلامه وأظهر شعائر الشرع وأحكامه وبعث رسلا وأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين إلى سبل الحق هادين وأخلفهم علماء إلى سنن سنتهم داعين يسلكون فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد مسترشدين منه في ذلك وهو ولي الإرشاد وخص أوائل المستنبطين بالتوفيق حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ.
وقد جرى علي الوعد في مبدإ بداية المهتدي أن أشرحها بتوفيق الله تعالى شرحا أرسمه بكفاية المنتهى فشرعت فيه والوعد يسوغ بعض المساغ وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ تبينت فيه نبذا من الإطناب وخشيت أن يهجر لأجله الكتاب فصرفت العنان والعناية إلى شرح آخر موسوم بالهداية أجمع فيه بتوفيق الله تعالى بين عيون الرواية ومتون الدراية تاركا للزوائد في كل باب معرضا عن هذا النوع من الإسهاب مع ما أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامها ويختم لي بالسعادة بعد اختتامنها حتى أن من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني فافتتحه مستعينا بالله تعالى في تحرير ما أقاوله متضرعا إليه في التيسير لما أحاوله إنه الميسر لكل عسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 11
كتاب الطهارات
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، "ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس" بهذا النص والغسل هو الإسالة والمسح هو الإصابة وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها "والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل" عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى هو يقول الغاية لا تدخل تحت المغيا كالليل في باب الصوم.
ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل وفي باب الصوم لمد الحكم إليها إذ الاسم يطلق على الإمساك ساعة والكعب هو العظم الناتئ هو الصحيح ومنه الكاعب.
قال: "والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس" لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه والكتاب مجمل فالتحق بيانا به وهو حجة على الشافعي في التقدير بثلاث شعرات وعلى مالك في اشتراط الاستيعاب وفي بعض الروايات قدره بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى بثلاث أصابع من أصابع اليد لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح.
قال: "وسنن الطهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه" لقوله ﵊: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" ولأن اليد آلة التطهير فتسن البداءة بتنظيفها وهذا الغسل إلى الرسغ لوقوع الكفاية به في التنظيف.
قال: "وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء" لقوله ﵊: "لا وضوء لمن لم يسم الله" والمراد به نفي الفضيلة. والأصح أنها مستحبة وإن سماها في الكتاب سنة ويسمى قبل الاستنجاء وبعده هو الصحيح.
قال: "والسواك" لأنه ﵊ كان يواظب عليه وعند فقده يعالج
стр. 12
بالأصبع، لأنه ﵊ فعل كذلك والأصح أنه مستحب.
قال: "والمضمضة والاستننشاق" لأنه ﵊ فعلهما على المواظبة.
وكيفيته أن يمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك هو المحكي عن وضوئه ﷺ "ومسح الأذنين" وهو سنة بماء الرأس عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى لقوله ﵊: "الأذنان من الرأس" والمراد بيان الحكم دون الخلقة.
قال: "وتخليل اللحية" لأن النبي ﵊ أمره جبريل ﵇ بذلك وقيل هو سنة عند أبي يوسف ﵀ جائز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأن السنة إكمال الفرض في محله والداخل ليس بمحل الفرض.
قال: "وتخليل الأصابع" لقوله ﵊: "خللوا أصابعكم كي لا تتخللها نار جهنم" ولأنه إكمال الفرض في محله.
قال: "وتكرار الغسل إلى الثلاث" لأن النبي ﵊ توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به" وتوضأ مرتين مرتين وقال: "هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين" وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم" والوعيد لعدم رؤيته سنة.
قال: "ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة" فالنية في الوضوء سنة عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى فرض لأنه عبادة فلا تصح بدون النية كالتيمم ولنا أنه لا يقع قربة إلا بالنية ولكنه يقع مفتاحا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم لأن التراب غير مطهر إلا في حال إرادة الصلاة أو هو ينبئ عن القصد "ويستوعب رأسه بالمسح" وهو سنة. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة التثليث بمياه مختلفة اعتبارا بالمغسول ولنا أن أنسا ﵁ توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه مرة واحدة وقال هذا وضوء رسول الله ﷺ والذي يروى من التثليث محمول عليه بماء واحد وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولأن المفروض هو المسح وبالتكرار يصير غسلا ولا يكون مسنونا فصار كمسح الخف بخلاف الغسل لأنه لا يضره التكرار.
قال: "ويرتب الوضوء فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن" فالترتيب في الوضوء سنة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى فرض لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية والفاء للتعقيب ولنا أن المذكور فيها حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فتقتضي إعقاب غسل جملة الأعضاء والبداءة بالميامن
стр. 13
فضيلة لقوله ﵊: "إن الله تعالى يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل".
стр. 14
فصل في نواقض الوضوء
"المعاني الناقضة للوضوء كل ما يخرج من السبيلين" لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وقيل لرسول الله ﷺ ما الحدث قال: "ما يخرج من السبيلين" وكلمة ما عامة فتتناول المعتاد وغيره "والدم والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم التطهير والقي ملء الفم" وقال الشافعي ﵀: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء لما روي أنه ﵊ قاء فلم يتوضأ ولأن غسل غير موضع الإصابة أمر تعبدي فيقتصر على مورد الشرع وهو المخرج المعتاد ولنا قوله ﵊: "الوضوء من كل دم سائل" وقوله ﵊: "من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته مالم يتكلم" ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة وهذا القدر في الأصل معقول والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول لكنه يتعدى ضرورة تعدي الأول غير أن الخروج إنما يتحقق بالسيلان إلى موضع يلحقه حكم التطهير وبملء الفم في القيء لأن بزوال القشرة تظهر النجاسة في محلها فتكون بادية لا خارجة بخلاف السبيلين لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة فيستدل بالظهور على الانتقال والخروج وملء الفم أن يكون بحال لا يمكن ضبطه إلا بتكلف لأنه يخرج ظاهرا فاعتبر خارجا وقال زفر رحمه الله تعالى قليل الفيء وكثيره سواء وكذا لا يشترط السيلان عنه اعتبارا بالمخرج المعتاد ولإطلاق قوله ﵊: "القلس حدث" ولنا قوله ﵊: "ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا" وقول علي رضي الله تعالى عنه حين عد الأحداث جملة أو دسعة تملأ الفم وإذا تعارضت الأخبار يحمل ما رواه الشافعي ﵀ على القليل وما رواه زفر ﵀ على الكثير والفرق بين المسلكين قد بيناه ولو قاء متفرقا بحيث لو جمع يملأ الفم فعند أبي يوسف ﵀ يعتبر اتحاد المجلس وعند محمد ﵀ يعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان ثم مالا يكون حدثا لا يكون نجسا يروى ذلك عن أبي يوسف رحمه الله تعالى وهو الصحيح لأنه ليس بنجس حكما حيث لم تنتقض به الطهارة "وهذا إذا قاء مرة أو طعاما أو ماء فإن قاء بلغما فغير ناقض" عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف ﵀: ناقض إذا كان ملء الفم والخلاف في المرتقى من الجوف أما النازل من الرأس فغير ناقض بالاتفاق لأن الرأس ليس بموضع النجاسة لأبي يوسف ﵀ أنه نجس بالمجاورة
стр. 15
ولهما أنه لزج لا تتخلله النجاسة وما يتصل به قليل والقليل في القيء غير ناقض "ولو قاء دما هو علق يعتبر فيه ملء الفم لأنه سودءا محترقة" وإن كان مائعا فكذلك عند محمد ﵀ اعتبارا بسائر أنواعه وعندهما إن سال بقوة نفسه ينتقض الوضوء وإن كان قليلا لأن المعدة ليست بمحل الدم فيكون من قرحه في الجوف "ولو نزل" من الرأس "إلى ما لأن من الأنف نقض بالإتفاق" لوصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير فيتحقق الخروج "والنوم مضطجعا أو متطئا أو مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط" لأن الاضطجاع سبب لاسترخاء المافصل فلا يعرى عن خروج شيء عادة والثابت عادة كالمتيقن به والاتكاء يزيل مسكة اليقظة لزوال المقعد عن الأرض ويبلغ الاسترخاء عايته بهذا النوع من الاستناد غير أن السند يمنعه من السقوط بخلاف النوم حالة القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرهما في الصحيح لأن بعض الاستمساك باق إذ لو زال لسقط فلم يتم الإسترخاء والأصل فيه قوله ﵊: "لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا" فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصلة "والغلبة على العقل بالإغماء والجنون" لأنه فوق النوم مضطجعا في الاسترخاء والإغماء حدث في الأحوال كلها وهو القياس في النوم إلا أنا عرفناه بالأثر والإغماء فوقه فلا يقاس عليه "والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود" والقياس أنها لا تنقض وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لأنه ليس بخارج نجس ولهذا لم يكن حدثا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وخارج الصلاة ولنا قوله ﵊: "ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا" وبمثله يترك القياس والأثر ورد في صلاة مطلقة فيقتصر عليها والقهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه وهو على ما قيل يفسد الصلاة دون الوضوء "والدابة تخرج من الدبر ناقضة فإن خرجت من رأس الجرح أو سقط اللحم لا تنقض" والمراد بالدابة الدودة وهذا لأن النجس ما عليها وذلك قليل وهو حدث في السبيلين دون غيرهما فأشبه الجشاء والفساء بخلاف الريح الخارجة من قبل المرأة وذكر الرجل لأنها لا تنبعث عن محل النجاسة حتى لو كانت المرأة مفضاة يستحب لها الوضوء لاحتمال خروجها من الدبر "فإن قشرت نقطة فسال منها ماء أو صديد أو غيره إن سال عن رأس الجرح نقض وإن لم يسل لا ينقض" وقال زفر رحمه الله تعالى ينقض في الوجهين. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا ينقض في الوجهين وهي مسألة الخارج من غير السبيلين، وهذه الجملة نجسة لأن الدم ينضج فيصير قيحا ثم يزداد نضجا فيصير صديدا ثم يصير ماء، هذا
стр. 16
إذا قشرها فخرج بنفسه أما إذا عصرها فخرج بعصره لا ينقض لأنه مخرج وليس بخارج والله أعلم.
стр. 17
فصل في الغسل
"وفرض الغسل: المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن" وعند الشافعي رحمه الله تعالى هما سنتان فيه لقوله ﵊: "عشر من الفطرة" أي من السنة وذكر منها "المضمضة والاستنشاق" ولهذا كانا سنتين في الوضوء ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وهو أمر بتطهير جميع البدن إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه خارج عن النص بخلاف الوضوء لأن الواجب فيه غسل الوجه والمواجهة فيهما منعدمة والمواد بما روي حالة الحدث بدليل قوله ﵊: "إنهما فرضان في الجنابة سنتان في الوضوء".
قال: "وسنته أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويزيل نجاسة إن كانت على بدنه ثم يتوضأوضوءه للصلاة إلا رجليه ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه" هكذا حكت ميمونة ﵂ اغتسال رسول الله ﷺ وإنما يؤخر غسل رجليه لأنهما في مستنقع الماء المستعمل فلا يفيد الغسل حتى لو كان على لوح لا يؤخر وإنما يبدأ بإزالة النجاسة الحقيقية كيلا تزداد بإصابة الماء "وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر" لقوله ﵊ لأم سلمة ﵂: "أما يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك" وليس عليها بل ذوائبها هو الصحيح بخلاف اللحية لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثنائها.
قال: "والمعاني الموجبة للغسل إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة" وعند الشافعي رحمه الله تعالى خروج المني كيفما كان يوجب الغسل لقوله ﵊: "الماء من الماء" أي الغسل من المني ولنا أن الأمر بالتطهير يتناول الجنب والجنابة في اللغة خروج المني على وجه الشهوة يقال أجنب الرجل إذا قضى شهوته من المرأة والحديث محمول على خروج المني عن شهوة ثم المعتبر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى انفصاله عن مكانه على وجه الشهوة وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى ظهوره أيضا اعتبارا للخروج بالمزايلة إذ الغسل يتعلق بهما ولهما أنه مني وجب من وجه فالاحتياط في الإيجاب "والتقاء الختانين من غير إنزال" لقوله ﵊: "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل"
стр. 18
ولأنه سبب الإنزال ونفسه يتغيب عن بصره وقد يخفى عليه لقلته فيقام مقامه وكذا الإيلاج في الدبر لكمال السببية ويجب على المفعول به احتياطا بخلاف البهيمة وما دون الفرج لأن السببية ناقصة. قال: "والحيض" لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بالتشديد وكذا النفاس للإجماع.
قال: "وسن رسول الله ﷺ الغسل للجمعة والعيدين وعرفة والإحرام" نص على السنية وقيل هذه الأربعة مستحبة وسمى محمد رحمه الله تعالى الغسل يوم الجمعة حسنا في الأصل وقال مالك ﵀ هو واجب لقوله ﵊: " من أتى الجمعة فليغتسل" ولنا قوله ﵊: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل" وبهذا يحمل ما رواه على الاستحباب أو على النسخ ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى هو الصحيح لزيادة فضيلتها على الوقت واختصاص الطهارة بها وفيه خلاف الحسن والعيدان بمنزلة الجمعة لأن فيهما الاجتماع فيستحب الاغتسال دفعا للتأذي بالرائحة وأما في عرفة والإحرام فسنبينه في المناسك إن شاء الله تعالى قال: "وليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء" لقوله ﵊: "كل فحل يمذي وفيه الوضوء"، والودي الغليظ من البول يتعقب الرقيق منه خروجا فيكون معتبرا به. والمني خاثر أبيض ينكسر منه الذكر والمذي رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله والتفسير مأثور عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
стр. 19
باب الماء الذي يجوز به الوضوء ومالا يجوز
"الطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية والعيون والآبار والبحار" لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله ﵊ "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" وقوله ﵊ في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ومطلق الاسم ينطلق على هذه المياه قال: "ولا يجوز بما اعتصر من الشجر والثمر" لأنه ليس بماء مطلق والحكم عند فقده منقول إلى التيمم والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية فلا تتعدى إلى غير المنصوص عليه وأما الماء الذي يقطر من الكرم فيجوز التوضي به لأنه ماء يخرج من غير علاج ذكره في جوامع أبي يوسف ﵀ وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار. قال: "ولا" يجوز "بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء كالأشربة والخل وماء الباقلا والمرق وماء الورد وماء
стр. 20
الزردج" لأنه لا يسمى ماء مطلقا والمراد بماء الباقلا وغيره ما تغير بالطبخ فإن تغير بدون الطبخ يجوز التوضي به.
قال: "وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي اختلط به اللبن أو الزعفران أو الصابون أو الأشنان" قال الشيخ الإمام: أجري في المختصر ماء الزردج مجرى المرق والمروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه بمنزلة ماء الزعفران وهو الصحيح كذا اختاره الناطفي والإمام السرخسي رحمه الله تعالى وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز التوضي بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض لأنه ماء مقيد ألا ترى أنه يقال ماء الزعفران بخلاف أجزاء الأرض لأن الماء لا يخلو عنها عادة ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة وإضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين ولأن الخلط القليل لا معتبر به لعدم إمكان الإحتراز عنه كما في أجزاء الأرض فيعتبر الغالب والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح "فإن تغير بالطبخ بعدما خلط به غيره لا يجوز التوضي به" لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء إذ النار غيرته إلا إذا طبخ فيه ما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان ونحوه لأن الميت قد يغسل بالماء الدي أغلى بالسدر بذلك وردت السنة إلا أنيغلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط لزوال اسم الماء عنه "وكل ماء وقعت فيها لنجاسة لم يجز الوضوء به قليلا كانت النجاسة أو كثيرا" وقال مالك ﵀: يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه لما روينا وقال الشافعي ﵀ يجوز إذا كان الماء قلتين لقوله ﵊ "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ولنا حديث المستيقظ من منامه، وقوله ﵊ "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة" من غير فصل والذي رواه مالك رحمه الله تعالى ورد في بئر بضاعة وماؤها كان جاريا في البساتين وما رواه الشافعي ﵀ ضعفه أبو داود وهو يضعف عن احتمال النجاسة "والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر لأنها لا تستقر مع جريان الماء" والأثر: هو الرائحة أو الطعم أو اللون والجاري: مالا يتكرر استعماله، وقيل ما يذهب بتبنة قال: "والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه" إذ أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة ثم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يعتبر التحريك بالاغتسال وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وعنه التحريك باليد وعن محمد رحمه الله تعالى بالتوضي ووجه الأول أن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد منها إلى التوضي،
стр. 21
وبعضهم قدروا بالمساحة عشرا في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف هو الصحيح وقوله في الكتاب جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه كالماء الجاري.
قال: "وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها" وقال الشافعي رحمه الله تعالى يفسده لأن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة بخلاف دود الخل وسوس الثمار لأن فيه ضرورة ولنا قوله ﵊ فيه "هذا هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه" ولأن المنجس هو اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت حتى حل المذكى لانعدام الدم فيه ولا دم فيها والحرمة ليست من ضرورتها النجاسة كالطين. قال: "وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان" وقال الشافعي رحمه اله يفسده إلا السمك لما مر ولنا أنه مات في معدنه فلا يعطى له حكم النجاسة كبيضة حال محها دما ولأنه لا دم فيها إذ الدموي لا يسكن الماء والدم هو المنجس وفي غير الماء قيل غير السمك يفسده لانعدام المعدن وقيل لا يفسده لعدم الدم وهو الأصح والضفدع البحري والبري فيه سواء وقيل البري مفسد لوجود الدم وعدم المعدن وما يعيش في الماء ما يكون توالده ومثواه في الماء ومائي المعاش دون مائي المولد مفسد.
قال: "والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث" خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله هما يقولان إن الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع وقال زفر ﵀ وهو أحد قولي الشافعي ﵀ إن كان المستعمل متوضئا فهو طهور وإن كان محدثا فهو طاهر غير طهور لأن العضو طاهر حقيقة وباعتباره يكون الماء طاهرا لكنه نجس حكما وباعتباره يكون الماء نجسا فقلنا بانتفاء الطهورية وبقاء الطهارة عملا بالشبهين وقال محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو طاهر غير طهور لأن ملاقاة الطاهر لا توجب التنجس إلا أنه أقيمت به قربة فتغيرت به صفته كمال الصدقة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى هو نجس، لقوله ﵊ "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" الحديث، ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية فيعتبر بماء أزيلت به النجاسة الحقيقية ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه نجس نجاسة غليظة اعتبارا بالماء المستعمل في النجاسة الحقيقية وفي رواية أبي يوسف عنه رحمه الله تعالى وهو قوله إنه نجس نجاسة خفيفة لمكان الاختلاف.
стр. 22
قال: "والماء المستعمل: هو ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة" قال ﵁: وهذا عند أبي يوسف ﵀ وقيل هو قول أبي حنيفة ﵀ أيضا وقال محمد ﵀ لا يصير مستعملا إلا بإقامة القربة لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام إليه وأنها تزال بالقرب وأبو يوسف ﵀ يقول إسقاط الفرض مؤثر أيضا فيثبت الفساد بالأمرين ومتى يصير الماء مستعملا الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملا لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة ولا ضرورة بعده والجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى الرجل بحاله لعدم الصب وهو شرط عنده لإسقاط الفرض والماء بحاله لعدم الأمرين وعند محمد رحمه الله تعالى كلاهما طاهران الرجل لعدم اشتراط الصب والماء لعدم نية القربة وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كلاهما نجسان الماء لإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة والرجل لبقاء الحدث في بقية الأعضاء وقيل عنده نجاسة الرجل بنجاسة الماء المستعمل وعنه أن الرجل طاهر لأن الماء لا يعطى له حكم الاستعمال قبل الانفصال وهو أوفق الروايات عنه.
قال: "وكل إهاب دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه إلا جلد الخنزير والآدمي" لقوله ﵊ "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وهو بعمومه حجة على مالك ﵀ في جلد الميتة ولا يعارض بالنهي الوارد عن الإنتفاع من الميتة بإهاب وهو قوله ﵊ "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" لأنه اسم لغير المدبوغ وحجة على الشافعي رحمه الله تعالى في جلد الكلب وليس الكلب بنجس العين ألا يرى أنه ينتفع به حراسة واصطيادا بخلاف الخنزير لأنه نجس العين إذ الهاء في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] منصرف إليه لقربه وحرمة الإنتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته فخرجا عما روينا ثم ما يمنع النتن والفساد فهو دباغ وإن كان تشميسا أو تتريبا لأن المقصود يحصل به فلا معنى
لاشتراط غيره ثم ما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة وكذلك يطهر لحمه هو الصحيح وإن لم يكن مأكولا. قال: "وشعر الميتة وعظمها طاهر" وقال الشافعي رحمه الله تعالى نجس لأنه من أجزاء الميتة ولنا أنه لا حياة فيهما ولهذا لا يتألم بقطعهما فلا يحلهما الموت إذ الموت زوال الحياة "وشعر الإنسان وعظمه طاهر" وقال الشافعي نجس لأنه لا ينتفع به ولا يجوز بيعه ولنا أن عدم الإنتفاع والبيع لكرامته فلا يدل على نجاسته والله أعلم.
стр. 23
فصل في البئر
"وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها" بإجماع السلف ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس "فإن وقعت فيها بعرة أو بعرتان من بعر الإبل أو الغنم لم تفسد الماء" استحسانا. والقياس أن تفسده لوقوع النجاسة في الماء القليل وجه الاستحسان أن آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة والمواشي تبعر حولها فتلقيها الريح فيها فجعل القليل عفوا للضرورة ولا ضرورة في الكثير وهو ما يستكثره الناظر إليه في المروي عن أبي حنيفة ﵀ وعليه الاعتماد ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والروث والخثى والبعر لأن الضرورة تشمل الكل وفي الشاة تبعر في المحلب بعرة أو بعرتين قالوا ترمى البعرة ويشرب اللبن لمكان الضرورة ولا يعفى القليل في الإناء على ما قيل لعدم الضرورة وعن أبي حنيفة ﵀ له أنه كالبئر في حق البعرة والبعرتين "فإن وقع فيها خرء الحمام أو العصفور لا يفسده" خلافا للشافعي ﵀ له أنه استحال إلى نتن وفساد فأشبه خرء الدجاج ولنا إجماع المسلمين على اقتناء الحمامات في المساجد مع ورود الأمر بتطهيرها واستحالته لا إلى نتن رائحة فأشبه الحمأة "فإن بالت فيها شاة نزح الماء كله عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀ لا ينزح إلا إذا غلب على الماء فيخرج من أن يكون طهورا" وأصله أن بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده نجس عندهما له أن النبي ﵊ أمر العرنيين بشرب ابوال الإبل وألبانها ولهما قوله ﵊ "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" من غير فصل ولأنه يستحيل إلى نتن وفساد فصار كبول مالا يؤكل لحمه وتأويل ما روي أنه ﵊ عرف شفاءهم فيه وحيا ثم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحل شربه للتداوي ولا لغيره لأنه لا يتيقن بالشفاء فيه فلا يعرض عن الحرمة وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يحل للتداوي للقصة وعند محمد يحل للتداوي وغيره لطهارته عنده، قال: "وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها" يعني بعد إخراج الفأرة لحديث أنس ﵁ أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها نزح منها عشرون دلوا والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة فأخذت حكمها والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب. قال: "فإن ماتت فيها حمامة أو نحوها كالدجاجة والسنور نزح منها ما بين أربعين دلوا إلى ستين وفي الجامع الصغير أربعون أو خمسون" وهو الأظهر، لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه
стр. 24
قال في الدجاجة: إذا ماتت في البئر نزح منها أربعون دلوا وهذا لبيان الإيجاب والخمسون بطريق الاستحباب ثم المعتبر في كل بئر دلوها الذي يستقى به منها وقيل دلو يسع فيها صاع ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز لحصول المقصود. قال: "وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمي نزح جميع ما فيها من الماء" لأن ابن عباس وابن الزبير ﵄ أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم "فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر" لانتشار البلة في أجزاء الماء. قال: "وإن كانت البئر معينا لا يمكن نزحها أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء" وطريق معرفته أن تحفر حفرة مثل موضع الماء من البئر ويصب فيها ما ينزح منها إلى أن تمتلئ أو ترسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشر دلاء مثلا ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص فينزح لكل قدر منها عشر دلاء وهذان عن أبي يوسف ﵀ وعن محمد ﵀ نزح مائتا دلو إلى ثلثمائة فكأنه بنى قوله على ما شاهد في بلده وعن أبي حنيفة ﵀ في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدر الغلبة بشيء كما هو دأبه وقيل يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء وهذا أشبه بالفقه. قال: "وإن وجدوا في البئر فأرة أو غيرها ولا يدري متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها وإن كانت قد إنتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا ليس عليهم إعادة شيء حتى يتتحققوا متى وقعت" لأن اليقين لا يزول بالشك وصار كن رأى في ثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن للموت سببا ظاهرا وهو الوقوع في الماء فيحال به عليه إلا أن الانتفاخ والتفسخ دليل التقادم فيقدر بالثلاث وعدم الإنتفاخ والتفسخ دليل قرب العهد فقدرناه بيوم وليلة لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها وأما مسألة النجاسة فقد قال المعلى هي على الخلاف فيقدر بالثلاث في البالي وبيوم وليلة في الطري ولو سلم فالثوب بمرأى عينه والبئر عائبة عن بصره فيفترقان.
стр. 25
فصل في الأسآر وغيرها
"وعرق كل شيء معتبر بسؤره" لأنهما يتولدان من لحمه فأخذ أحدهما حكم صاحبه.
قال: "وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر" لأن المختلط به اللعاب وقد تولد من لحم طاهر فيكون طاهرا ويدخل في هذا الجواب الجنب والحائض والكافر "وسؤر الكلب نجس" ويغسل الإناء من ولوغه ثلاثا لقوله ﵊ "يغسل الإناء من ولوغ
стр. 26
الكلب ثلاثا" ولسانه يلاقي الماء دون الإناء فلما تنجس الإناء فالماء أولى وهذا يفيد النجاسة والعدد في الغسل وهو حجة على الشافعي ﵀ في اشتراط السبع ولأن ما يصيبه بوله يطهر بالثلاث فما يصيبه سؤره وهو دونه أولى والأمر الوارد بالسبع محمول على ابتداء الإسلام "وسؤر الخنزير نجس" لأنه نجس العين على ما مر "وسؤر سباع البهائم نجس" خلافا للشافعي ﵀ فيما سوى الكلب والخنزير لأن لحمها نجس ومنه يتولد اللعاب وهو المعتبر في الباب "وسؤر الهرة طاهر مكروه" وعن أبي يوسف ﵀ أنه غير مكروه لأن النبي ﵊ كان يصغي لها الإناء فتشرب منه ثم يتوضأ به ولهما قوله ﵊ "الهرة سبع" والمراد بيان الحكم دون الخلقة والصورة إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطوف فبقيت الكراهة وما رواه محمول على ما قبل التحريم ثم قيل كراهته لحرمة اللحم وقيل لعدم تحاميها النجاسة وهذا يشير إلى التنزه والأول إلى القرب من التحريم ولو أكلت فأرة ثم شربت على فوره الماء تنجس إلا إذا مكثت ساعة لغسلها فمها بلعابها والاستثناء على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ويسقط اعتبار الصب للضرورة "و"سؤر "الدجاجة المخلاة" مكروه لأنها تخالط النجاسة ولو كانت محبوسة بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها لا يكره لوقوع الأمن عن المخالطة "و" كذا سؤر "سباع الطير" لأنها تأكل الميتات فأشبه المخلاة وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها إذا كانت محبوسة ويعلم صاحبها أنه لا قذر على منقارها لا يكره واستحسن المشايخ هذه الرواية "و"سؤر "ما يسكن البيوت كالحية والفأرة مكروه" لأن حرمة اللحم أوجبت نجاسة السؤر إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطوف فبقيت الكراهة والتنبيه على العلة في الهرة. قال "وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه" قيل الشك في طهارته لأنه لو كان طاهرا لكان طهورا ما لم يغلب اللعاب على الماء وقيل الشك في طهوريته لأنه لو وجد الماء المطلق لا يجب عليه غسل رأسه وكذا لبنه طاهر وعرقه لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش فكذا سؤره وهو الأصح ويروى نص محمد ﵀ على طهارته وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته وعن أبي حنيفة ﵀ أنه نجس ترجيحا للحرمة والنجاسة والبغل من نسل الحمار فيكون بمنزلته "فإن لم يجد غيرهما يتوضأ بهما ويتيمم ويجوز أيهما قدم" وقال زفر ﵀: لا يجوز إلا أن يقدم الوضوء لأنه ماء واجب الاستعمال فأشبه الماء المطلق ولنا أن المطهر أحدهما فيفيد الجمع دون الترتيب "وسؤر الفرس طاهر عندهما" لأن لحمه مأكول "وكذا عنده في الصحيح" لأن الكراهة لإظهار شرفه "فإن لم يجد
стр. 27
إلا نبيذ التمر. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يتوضأبه ولا يتيمم" لحديث ليلة الجن فإن النبي ﵊ توضأ به حين لم يجد الماء وقال أبو يوسف ﵀ يتيمم ولا يتوضأ به وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبه قال الشافعي ﵀ عملا بآية التيمم لأنها أقوى أو هو منسوخ بها لأنها مدنية وليلة الجن كانت مكية وقال محمد رحمه الله تعالى يتوضأبه ويتيمم لأن في الحديث اضطرابا وفي التاريخ جهالة فوجب الجمع احتياطا قلنا ليلة الجن كانت غير واحدة فلا يصح دعوى النسخ والحديث مشهور عملت به الصحابة ﵃ وبمثله يزاد على الكتاب وأما الاغتسال به فقد قيل يجوز عنده اعتبارا بالوضوء وقيل لا يجوز لأنه فوقه والنبيذ المختلف فيه أن يكون حلوا رقيقا يسيل على الأعضاء كالماء وما اشتد منها صار حراما لا يجوز التوضي به وإن غيرته النار فما دام حلوا رقيقا فهو على الخلاف وإن اشتد فعند أبي حنيفة ﵀ يجوز التوضي به لأنه يحل شربه عنده وعند محمد ﵀ لا يتوضأبه لحرمة شربه عنده ولا يجوز التوضي بما سواه من الأبنذة جريا على قضية القياس.
стр. 28
باب التيمم
"ومن لم يجد ماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر يتيمم بالصعيد" لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] وقوله ﵊ "التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء" والميل هو المختار في المقدار لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر والماء معدوم حقيقة والمعتبر المسافة دون خوف الفوت لأن التفريط يأتي من قبله "ولو كان يجد الماء إلا أنه مريض يخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه يتيمم" لما تلونا، ولأن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء وذلك يبيح التيمم فهذا أولى ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك أو بالاستعمال واعتبر الشافعي رحمه الله تعالى خوف التلف وهو مردود بظاهر النص "ولو خاف الجنب إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه يتيمم بالصعيد" وهذا إذا كان خارج المصر لما بينا ولو كان في المصر فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما هما يقولان إن تحقق هذه الحالة نادر في المصر فلا يعتبر وله أن العجز ثابت حقيقة فلا بد من اعتباره.
"والتيمم ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين" لقوله ﵊ "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين" وينفض يديه بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة ولا بد من الإستيعاب في ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء ولهذا
стр. 29
قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح "والحديث والجنابة فيه سواء" وكذا الحيض والنفاس لما روي أن قوما جاءوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا إنا قوم نسكن هذه الرمال ولا نجد الماء شهرا أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء فقال ﵊ "عليكم بأرضكم".
"ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ وقال أبو يوسف لا يجوز إلا بالتراب والرمل" وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا بالتراب المنبت وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] أي ترابا منبتا قاله ابن عباس ﵁ غير أن أبا يوسف زاد عليه الرمل بالحديث الذي رويناه ولهما أن الصعيد اسم لوجه الأرض سمي به لصعوده والطيب يحتمل الطاهر فحمل عليه لأنه
أليق بموضع الطهارة أو هو مراد بالإجماع "ثم لا يشترط أن يكون عليه غبار عند أبي حنيفة ﵀" لإطلاق ما تلونا "وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله" لأنه تراب رقيق.
"والنية فرض في التيمم" وقال زفر رحمه الله تعالى: ليست بفرض لأنه خلف عن الوضوء فلا يخالفه في وصفه ولنا أنه ينبئ عن القصد فلا يتحقق دونه أو جعل طهورا في حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه على ما مر "ثم إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة أجزأه ولا يشترط نية التيمم للحدث أو للجنابة" هو الصحيح من المذهب "فإن تيمم نصراني يريد به الإسلام ثم أسلم لم يكن متيمما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀ هو متيمم" لأنه نوى قربة مقصودة بخلاف التيمم لدخول المسجد ومس المصحف لأنه ليس بقربة مقصودة ولهما أن التراب ما جعل طهورا إلا في حال إرادة قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة والإسلام قربة مقصودة تصح بدونها بخلاف سجدة التلاوة لأنها قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة "وإن توضأ لا يريد به الإسلام ثم أسلم فهو متوضئ" خلافا للشافعي ﵀ بناء على اشتراط النية "فإن تيمم مسلم ثم ارتد ثم أسلم فهو على تيممه" وقال زفر ﵀: بطل تيممه لأن الكفر ينافيه فيستوي فيه الإبتداء والبقاء كالمحرمية في النكاح ولنا أن الباقي بعد التيمم صفة كونه طاهرا فاعتراض الكفر عليه لا ينافيه كما لو اعترض على الوضوء وإنما لا يصح من الكافر ابتداء لعدم لعدم النية منه.
"وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء" لأنه خلف عنه فأخذ حكمه "وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله" لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غاية لطهورية
стр. 30
التراب، وخائف السبع والعدو والعطش عاجز حكما والنائم عند أبي حنيفة ﵀ قادر تقديرا حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه عنده والمراد ماء يكفي للوضوء لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء "ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر" لأن الطيب أريد به الطاهر في النص ولأنه آلة التطهير فلا بد من طهارته في نفسه كالماء.
"ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد الماء توضأ وإلا تيمم وصلى" ليقع الأداء بأكمل الطهارتين فصار كالطامع في الجماعة وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى في غير رواية الأصول أن التأخير حتم لأن غالب الرأي كالمتحقق وجه الظاهر أن العجز ثابت حقيقة فلا يزول حكمه إلا بيقين مثله "ويصلى بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل" وعند الشافعي رحمه الله تعالى يتيمم لكل فرض لأنه طهارة ضرورية ولنا أنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما بقي شرطه.
"ويتيمم الصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة" لأنها لا تقضى فيتحقق العجز "وكذا من حضر العبد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن يفوته العيد يتيمم" لأنها لا تعاد وقوله والولي غيره إشارة إلى أنه لا يجوز للولي وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو الصحيح لأن للولي حق الإعادة فلا فوات في حقه "وإن أحدث الإمام أو المقتدي في صلاة العيد تيمم وبنى عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يتيمم" لأن اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام فلا يخاف الفوت وله أن الخوف باق لأنه يوم زحمة فيعتريه عارض يفسد عليه صلاته والخلاف فيما إذا شرع بالوضوء ولو شرع بالتيمم تيمم وبنى بالاتفاق لأنا لو أوجبنا الوضوء يكون واجدا للماء في صلاته فيفسد "ولا يتيمم للجمعة وإن خاف الفوت لو توضأ فإن أدرك الجمعة صلاها وإلا صلى الظهر أربعا" لأنها تفوت إلى خلف وهو الظهر بخلاف العيد "وكذا إذا خاف فوت الوقت لو توضأ لم يتيمم ويتوضأ ويقضي ما فاته" لأن الفوات إلى خلف وهو القضاء.
"والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء لم يعدها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: يعيدها" والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمره وذكره في الوقت وبعده سواء له أنه واجد للماء فصار كما إذا كان في رحله ثوب فنسيه ولأن رحل المسافر معدن للماء عادة فيفترض الطلب عليه ولهما أنه لا قدرة بدون العلم وهو المراد بالوجود وماء الرحل معد للشرب لا للاستعمال ومسألة الثوب على الاختلاف ولو كان على الاتفاق ففرض الستر يفوت
стр. 31
لا إلى خلف والطهارة بالماء تفوت إلى خلف وهو التيمم "وليس على المتيمم طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء" لأن الغالب عدم الماء في الفلوات ولا دليل على الوجود فلم يكن واجدا للماء "وإن غلب على ظنه أن هناك ماء لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه" لأنه واجد للماء نظرا إلى الدليل ثم يطلب مقدار الغلوة ولا يبلغ ميلا كيلا ينقطع عن رفقته "وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيمم" لعدم المنع غالبا فإن منعه منه تيمم لتحق العجز "ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى" لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير وقالا لا يجزئه لأن الماء مبذول عادة "ولو أبي أن يعطيه إلا بثمن المثل وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم" لتحقق القدرة ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش لأن الضرر مسقط والله أعلم.
стр. 32
من الأصابع استحباب اعتبارا بالأصل وهو الغسل "وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد" وقال الكرخي رحمه الله تعالى من أصابع الرجل والأول أصح اعتبارا لآلة المسح "ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل فإن كان أقل من ذلك جاز" وقال زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لا يجوز وإن قل لأنه لما وجب غسل البادي وجب غسل الباقي ولنا أن الخفاف لا تخلو عن قليل خرق عادة فيلحقهم الحرج في النزع وتخلو عن الكبير فلا حرج والكبير أن ينكشف قدر ثلاثة أصابع من أصابع الرجل أصغرها هو الصحيح لأن الأصل في القدم هو الأصابع والثلاث أكثرها فيقام مقام الكل واعتبار الأصغر للاحتياط ولا معتبر بدخول الأنامل إذا كان لا ينفرج عند المشي ويعتبر هذا المقدار في كل خف على حدة فيجمع الخرق في خف واحد ولا يجمع في خفين لأن الخرق في أحدهما لا يمنع قطع السفر بالآخر بخلاف النجاسة المتفرقة لأنه حامل للكل وانكشاف العورة نظير النجاسة.
"ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل" لحديث صفوان بن عسال ﵁ أنه قال كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها لا عن جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم ولأن الجنابة لا تتكرر عادة فلا حرج في النزع بخلاف الحدث لأنه يتكرر.
"وينقض المسح كل شيء ينقض الوضوء" لأنه بعض الوضوء "وينقضه أيضا نزع الخف" لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع "وكذا نزع أحدهما" لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة "وكذا مضي المدة" لما روينا "وإذا تمت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقية الوضوء" وكذا إذا نزع قبل المدة لأن عند النزع يسري الحدث السابق إلى القدمين كأنه لم يغسلهما وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق لأنه لا معتبر به في حق المسح وكذا بأكثر القدم هو الصحيح "ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها" عملا بإطلاق الحديث ولأنه حكم متعلق بالوقت فيعتبر فيه آخره بخلاف ما إذا استكمل المدة للإقامة ثم سافر لأن الحدث قد سرى إلى القدم والخلف ليس برافع "ولو أقام وهو مسافر إن استكمل مدة الاقامة نزع" لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه "وإن لم يستكمل أتمها" لأن هذه مدة الاقامة وهو مقيم.
قال: "ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه" خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فإنه يقول البدل لا يكون له بدل.
стр. 33
ولنا أن النبي ﵊ مسح على الجرموقين ولأنه تبع للخف استعمالا وغرضا فصارا كخف ذي طاقين وهو بدل عن الرجل لا عن الخف بخلاف ما إذا لبس الجرموق بعد ما أحدث لأن الحدث حل بالخف فلا يتحول إلى غيره ولو كان الجرموق من كرباس لا يجوز المسح عليه لأنه لا يصلح بدلا عن الرجل إلا أن تنفد البلة إلى الخف "ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين وقالا يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفان" لما روي أن النبي ﵊ مسح على جوربيه ولأنه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخينا وهو أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف وله أنه ليس في معنى الخف لأنه لا يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلا وهو محمل الحديث وعنه أنه رجع إلى قولهما وعليه الفتوى "ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين" لأنه لا حرج في نزع هذه الأشياء والرخصة لدفع الحرج "ولا يجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء" لأنه ﵊ فعله وأمر عليا ﵁ به ولأن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف فكان أولى بشرع المسح ويكتفى بالمسح على أكثرها ذكره الحسن رحمه الله تعالى ولا يتوقت لعدم التوقيف بالتوقيت "وإن سقطت الجبيرة عن غير برء لا يبطل المسح" لأن العذر قائم والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقيا وإن سقطت عن برء بطل لزوال العذر وإن كان في الصلاة استقبل لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل والله أعلم.
стр. 34
باب الحيض والاستحاضة
"أقل الحيض ثلاثة ايام ولياليها وما نقص من ذلك فهو استحاضة" قوله ﵊ "أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام" وهو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في التقدير بيوم وليلة.
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه يومان والأكثر من اليوم الثالث إقامة للأكثر مقام الكل قلنا هذا نقص عن تقدير الشرع "وأكثره عشرة أيام ولياليها والزائد استحاضة" لما روينا وهو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في التقدير بخمسة عشر يوما ثم الزائد والناقص استحاضة لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به "وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض" حتى ترى البياض خالصا "وقال أبو يوسف ﵀: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم" لأنه لو كان من الرحم لتأخر خروج الكدر عن الصافي ولهما ما روي أن عائشة ﵂ جعلت ما سوى البياض الخالص حيضا وهذا لا يعرف
стр. 35
إلا سماعا، وفم الرحم منكوس فيخرج الكدر أولا كالجرة إذا ثقب أسفلها.
وأما الخضرة فالصحيح أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء تكون حيضا ويحمل على فساد الغداء وإن كانت كبيرة لا ترى غير الخضرة تحمل على فساد المنبت فلا تكون حيضا "والحيض يسقط عن الحائض الصلاة ويحرم عليها الصوم وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة" لقول عائشة ﵂ كانت إحدانا على عهد رسول الله ﵊ إذا طهرت من حيضها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ولأن في قضاء الصلاة حرجا لتضاعفها ولا حرج في قضاء الصوم "ولا تدخل المسجد" وكذا الجنب لقوله ﵊ "فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" وهو بإطلاقه حجة على الشافعي ﵀ في إباحة الدخول على وجه العبور والمرور "ولا تطوف بالبيت" لأن الطواف في المسجد "ولا يأتيها زوجها" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] "وليس للحائض والجنب والنفساء قراءة القرآن" لقوله ﷺ "لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن" وهو حجة على مالك ﵀ في الحائض وهو بإطلاقه يتناول ما دون الآية فيكون حجة على الطحاوي في إباحته "وليس لهم مس المصحف إلا بغلافه ولا أخذ درهم فيه سورة من القرآن إلا بصرته وكذا المحدث لا يمس المصحف إلا بغلافه" لقوله ﵊ "لا يمس القرآن إلا طاهر" ثم الحدث والجنابة حلا اليد فيستويان في حكم المس والجنابة حلت الفم دون الحدث فيفترقان في حكم القراءة وغلافه ما يكون متجافيا عنه دون ما هو متصل به كالجلد المشرز هو ا لصحيح ويكره مسه بالكم هو الصحيح لأنه تابع له بخلاف كتب الشريعة لأهلها حيث يرخص في مسها بالكم لأن فيه ضرورة ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان لأن في المنع تضييع حفظ القرآن وفي الأمر بالتطهير حرجا بهم وهذا هو الصحيح.
قال: "وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يحل وطؤها حتى تغتسل" لأن الدم يدر تارة وينقطع أخرى فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع "ولو لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة بقدر أن تقدر على الاغتسال والتحريمة حل وطؤها" لأن الصلاة صارت دينا في ذمتها فطهرت حكما "ولو كان انقطع الدم دون عادتها فوق الثلاث لم يقربها حتى تمضي عادتها وإن إغتسلت" لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب "وإن انقطع الدم لعشرة أيام حل وطؤها قبل الغسل" لأن الحيض لا مزيد له على العشرة إلا أنه لا يستحب قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد.
قال: "والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم المتوالي". قال
стр. 36
رضي الله تعالى عنه: وهذه إحدى الروايات عن أبي حنيفة ﵀ ووجهه أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع فيعتبر أوله وآخره كالنصاب في باب الزكاة وعن أبي يوسف ﵀ وهو روايته عن أبي حنيفة ﵀ وقيل هو آخر أقواله إن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل وهو كله كالدم المتوالي لأنه طهر فاسد فيكون بمنزلة الدم والأخذ بهذا القول أيسر وتمامه يعرف في كتاب الحيض "وأقل الطهر خمسة عشر يوما" هكذا نقل عن إبراهيم النخعي وأنه لا يعرف إلا توقيفا "ولا غاية لأكثره" لأنه يمتد إلى سنة وسنتين فلا يتقدر بتقدير إلا إذا استمر بها الدم فاحتيج إلى نصب العادة ويعرف ذلك في كتاب الحيض "ودم الاستحاضة كالرعاف الدائم لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء" لقوله ﵊ "توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير" وإذا عرف حكم الصلاة ثبت حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع "ولو زاد الدم على عشرة أيام ولها عادة معروفة دونها ردت إلى أيام عادتها والذي زاد استحاضة" لقوله ﵊ "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها" ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة لأنا عرفناه حيضا فلا يخرج عنه بالشك والله أعلم.
стр. 37
فصل في الاستحاضة
"والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضئون لوقت كل صلاة فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل" وقال الشافعي ﵀ تتوضأ المستحاضة لكل مكتوبة لقوله ﵊ "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" ولأن اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة فلا تبقى بعد الفراغ منها.
ولنا قوله ﵊ "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" وهو المراد بالأول لأن اللام تستعار للوقت يقال آتيك لصلاة الظهر أي وقتها ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرا فيدار الحكم عليه "وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى" وهذا عند أصحابنا الثلاثة ﵃ وقال زفر ﵁ استأنفوا إذا دخل الوقت "فإن توضئوا حين تطلع الشمس أجزأهم عن فرض الوقت حتى يذهب وقت الظهر" وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف وزفر رحمهما الله أجزأهم حتى يدخل وقت الظهر.
وحاصله: أن طهارة المعذور تنتقض بخروج الوقت أي عنده بالحدث السابق عند
стр. 38
أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وبدخوله عند زفر وبأيهما كان عند أبي يوسف ﵀ وفائدة الاختلاف لا تظهر إلا فيمن توضأ قبل الزوال كما ذكرنا أو قبل طلوع الشمس لزفر ﵀ أن اعتبار الطهارة مع المنافي للحاجة إلى الأداء ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر ولأبي يوسف أن الحاجة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده ولهما أنه لا بد من تقديم الطهارة على الوقت ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت وخروج الوقت دليل زوال الحاجة فظهر اعتبار الحدث عنده والمراد بالوقت وقت المفروضة حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به عندهما وهو الصحيح لأنها بمنزلة صلاة الضحى ولو توضأ مرة للظهر في وقته وأخرى فيه للعصر فعندهما ليس له أن يصلي العصر به لانتقاضه بخروج وقت المفروضة والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه وكذا كل من هو في معناها وهو من ذكرناه ومن به استطلاق بطن وانفلات ريح لأن الضرورة بهذا تتحقق وهي تعمم الكل.
стр. 39
فصل في النفاس
"النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة" لأنه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم أو من خروج النفس بمعنى الولد "أو بمعنى الدم والدم الذي تراه الحامل ابتداء أو حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضة" وإن كان ممتدا وقال الشافعي ﵀ حيض اعتبارا بالنفاس إذ هما جميعا من الرحم.
ولنا أن بالحبل ينسد فم الرحم كذا العادة والنفاس بعد انفتاحه بخروج الولد ولهذا كان نفاسا بعد خروج بعض الولد فيما روي عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأنه ينفتح فيتنفس به "والسقط الذي استبان بعد خلقه ولد" حتى تصير المرأة به نفساء وتصير الأمة أم ولد به وكذا العدة تنقضي به "وأقل النفاس لا حد له" لأن تقدم الولد علم الخروج من الرحم فأغنى عن امتداد جعل علما عليه كما في الحيض "وأكثره أربعون يوما والزائد عليه استحاضة" لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﵊ وقت للنفساء أربعين يوما وهو حجة على الشافعي ﵀ في اعتبار الستين "فإن جاوز الدم الأربعين وقد كانت ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها" لما بينا في الحيض "وإن لم تكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون يوما" لأنه أمكن جعله نفاسا "فإن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وإن كان بين الولدين اربعون يوما وقال محمد ﵀ من الولد الأخير" وهو قول زفر ﵀، لأنها
стр. 40
حامل بعد وضع الأول فلا تصير نفساء كما أنها لا تحيض ولهذا تنقضي العدة بالولد الأخير بالاجماع ولهما أن الحامل إنما لا تحيض لانسداد فم الرحم على ما ذكرنا وقد انفتح بخروج الأول وتنفس بالدم فكان نفاسا والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها فيتناول الجميع.
следующие страницы →