Полный текст (1 246 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
رضي الله تعالى عنه: وهذه إحدى الروايات عن أبي حنيفة ﵀ ووجهه أن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع فيعتبر أوله وآخره كالنصاب في باب الزكاة وعن أبي يوسف ﵀ وهو روايته عن أبي حنيفة ﵀ وقيل هو آخر أقواله إن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يفصل وهو كله كالدم المتوالي لأنه طهر فاسد فيكون بمنزلة الدم والأخذ بهذا القول أيسر وتمامه يعرف في كتاب الحيض "وأقل الطهر خمسة عشر يوما" هكذا نقل عن إبراهيم النخعي وأنه لا يعرف إلا توقيفا "ولا غاية لأكثره" لأنه يمتد إلى سنة وسنتين فلا يتقدر بتقدير إلا إذا استمر بها الدم فاحتيج إلى نصب العادة ويعرف ذلك في كتاب الحيض "ودم الاستحاضة كالرعاف الدائم لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء" لقوله ﵊ "توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير" وإذا عرف حكم الصلاة ثبت حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع "ولو زاد الدم على عشرة أيام ولها عادة معروفة دونها ردت إلى أيام عادتها والذي زاد استحاضة" لقوله ﵊ "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها" ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة لأنا عرفناه حيضا فلا يخرج عنه بالشك والله أعلم.
стр. 37
فصل في الاستحاضة
"والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضئون لوقت كل صلاة فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل" وقال الشافعي ﵀ تتوضأ المستحاضة لكل مكتوبة لقوله ﵊ "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" ولأن اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة فلا تبقى بعد الفراغ منها.
ولنا قوله ﵊ "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" وهو المراد بالأول لأن اللام تستعار للوقت يقال آتيك لصلاة الظهر أي وقتها ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرا فيدار الحكم عليه "وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى" وهذا عند أصحابنا الثلاثة ﵃ وقال زفر ﵁ استأنفوا إذا دخل الوقت "فإن توضئوا حين تطلع الشمس أجزأهم عن فرض الوقت حتى يذهب وقت الظهر" وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف وزفر رحمهما الله أجزأهم حتى يدخل وقت الظهر.
وحاصله: أن طهارة المعذور تنتقض بخروج الوقت أي عنده بالحدث السابق عند
стр. 38
أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وبدخوله عند زفر وبأيهما كان عند أبي يوسف ﵀ وفائدة الاختلاف لا تظهر إلا فيمن توضأ قبل الزوال كما ذكرنا أو قبل طلوع الشمس لزفر ﵀ أن اعتبار الطهارة مع المنافي للحاجة إلى الأداء ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر ولأبي يوسف أن الحاجة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده ولهما أنه لا بد من تقديم الطهارة على الوقت ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت وخروج الوقت دليل زوال الحاجة فظهر اعتبار الحدث عنده والمراد بالوقت وقت المفروضة حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به عندهما وهو الصحيح لأنها بمنزلة صلاة الضحى ولو توضأ مرة للظهر في وقته وأخرى فيه للعصر فعندهما ليس له أن يصلي العصر به لانتقاضه بخروج وقت المفروضة والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه وكذا كل من هو في معناها وهو من ذكرناه ومن به استطلاق بطن وانفلات ريح لأن الضرورة بهذا تتحقق وهي تعمم الكل.
стр. 39
فصل في النفاس
"النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة" لأنه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم أو من خروج النفس بمعنى الولد "أو بمعنى الدم والدم الذي تراه الحامل ابتداء أو حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضة" وإن كان ممتدا وقال الشافعي ﵀ حيض اعتبارا بالنفاس إذ هما جميعا من الرحم.
ولنا أن بالحبل ينسد فم الرحم كذا العادة والنفاس بعد انفتاحه بخروج الولد ولهذا كان نفاسا بعد خروج بعض الولد فيما روي عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأنه ينفتح فيتنفس به "والسقط الذي استبان بعد خلقه ولد" حتى تصير المرأة به نفساء وتصير الأمة أم ولد به وكذا العدة تنقضي به "وأقل النفاس لا حد له" لأن تقدم الولد علم الخروج من الرحم فأغنى عن امتداد جعل علما عليه كما في الحيض "وأكثره أربعون يوما والزائد عليه استحاضة" لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﵊ وقت للنفساء أربعين يوما وهو حجة على الشافعي ﵀ في اعتبار الستين "فإن جاوز الدم الأربعين وقد كانت ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها" لما بينا في الحيض "وإن لم تكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون يوما" لأنه أمكن جعله نفاسا "فإن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وإن كان بين الولدين اربعون يوما وقال محمد ﵀ من الولد الأخير" وهو قول زفر ﵀، لأنها
стр. 40
حامل بعد وضع الأول فلا تصير نفساء كما أنها لا تحيض ولهذا تنقضي العدة بالولد الأخير بالاجماع ولهما أن الحامل إنما لا تحيض لانسداد فم الرحم على ما ذكرنا وقد انفتح بخروج الأول وتنفس بالدم فكان نفاسا والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها فيتناول الجميع.
стр. 41
باب الأنجاس وتطهيرها
"تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه" لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقال ﵊ "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء، ولا يضرك أثره" وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب وجب في البدن والمكان فإن الإستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل "ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد ونحوه مما إذا عصر إنعصر" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد وزفر والشافعي ﵏ لا يجوز إلا بالماء لأنه يتنجس بأول الملاقاة والنجس لا يفيد الطهارة إلا أن هذا القياس ترك في الماء للضرورة ولهما أن المائع قالع والطهورية بعلة القلع والإزالة والنجاسة للمجاورة فإذا إنتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهرا وجواب الكتاب لا يفرق بين الثوب والبدن وهذا قول أبي حنيفة ﵀ وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀ وعنه أنه فرق بينهما فلم يجوز في البدن بغير الماء "وإذا أصاب الخف نجاسة لها جرم كالروث والعذرة والدم والمني فجفت فدلكه بالأرض جاز" وهذا استحسان "وقال محمد ﵀: لا يجوز" وهو القياس "إلا في المني خاصة" لأن المتداخل في الخف لا يزيله الجفاف والدلك بخلاف المني على ما نذكره ولهما قوله ﵊ "فإن كان بهما أذى فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهور" ولأن الجلد لصلابته لا تتداخله أجزاء النجاسة إلا قليلا ثم يجتذبه الجرم إذا جف فإذا زال زال ما قام به "وفي الرطب لا يجوز حتى يغسله" لأن المسح بالأرض يكثره ولا يطهره وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا مسحه بالأرض حتى لم يبق أثر النجاسة يطهر لعموم البلوى وإطلاق ما يروى وعليه مشايخنا ﵏ "فإن أصابه بول فيبس لم يجز حتى يغسله" وكذا كل ما لا جرم له كالخمر لأن الأجزاء تتشرب فيه ولا جاذب يجذبها وقيل ما يتصل به من الرمل والرماد جرم له "والثوب لا يجزي فيه إلا الغسل وإن يبس" لأن الثوب لتخلخله يتداخله كثير من أجزاء النجاسة فلا يخرجها إلا الغسل "والمني نجس يجب غسله إن كان رطبا فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك" لقوله ﵊ لعائشة ﵂ "فاغسليه إن كان رطبا وافركيه إن كان
стр. 42
يابسا" وقال الشافعي ﵀ المني طاهر والحجة عليه ما رويناه وقال ﵊ إنما يغسل الثوب من خمس وذكر منها المني ولو أصاب البدن.
قال مشايخنا ﵏: يطهر بالفرك لأن البلوى فيه أشد وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يطهر إلا بالغسل لأن حرارة البدن جاذبة فلا يعود إلى الجرم والبدن لا يمكن فركه "والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف إكتفى بمسحهما" لأنه لا تتداخله النجاسة وما على ظاهره يزول بالمسح "وإن أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها" وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا تجوز لأنه لم يوجد المزيل "و" لهذا "لا يجوز التيمم به" ولنا قوله ﵊ "زكاة الأرض يبسها" وإنما لا يجوز التيمم به لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطا بنص الكتاب فلا تتأذى بما ثبت بالحديث "وقدر الدرهم وما دونه من النجس المغلظ كالدم والبول والخمر وخرء الدجاجة وبول الحمار جازت الصلاة معه وإن زاد لم تجز" وقال زفر والشافعي رحمهما الله: قليل النجاسة وكثيرها سواء لأن النص الموجب للتطهير لم يفصل ولنا أن القليل لا يمكن التحرز عنه فيجعل عفوا وقدرناه بقدر الدرهم أخذا عن موضع الاستنجاء ثم يروى اعتبار الدرهم من حيث المساحة وهو قدر عرض الكف في الصحيح ويروى من حيث الوزن وهو الدرهم الكبير المثقال وهو ما يبلغ وزنه مثقالا وقيل في التوفيق بينهما إن الأولى في الرقيق والثانية في الكثيف وإنما كانت نجاسة هذه الأشياء مغلظة لأنها ثبتت بدليل مقطوع به "وإن كانت مخففة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه حتى يبلغ ربع الثوب" يروى ذلك عن أبي حنيفة ﵀ لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش والربع ملحق بالكل في حق بعض الأحكام وعنه ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر وقيل ربع الموضع الذي اصابه كالذيل والدخريص وعن أبي يوسف ﵀ شبر في شبر وإنما كان مخففا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لمكان الاختلاف في نجاسته أو لتعارض النصين على اختلاف الأصلين "وإذا أصاب الثوب من الروث أو" من "أخثاء البقر أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه عند أبي حنيفة ﵀" لأن النص الوارد في نجاسته وهو ما روي أنه ﵊ رمى بالروثة وقال "هذا رجس أو ركس" لم يعارضه غيره وبهذا يثبت التغليظ عنده والتخفيف بالتعارض "وقالا يجزئه حتى يفحش" لأن للاجتهاد فيه مساغا وبهذا يثبت التخفيف عندهما ولأن فيه ضرورة لامتلاء الطرق بها هي مؤثرة في التخفيف بخلاف بول الحمار لأن الأرض تنشفه.
قلنا الضرورة في النعال قد أثرت في التخفيف مرة حتى تطهر بالمسح فتكفي مؤنتها.
стр. 43
ولا فرق بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم. وزفر ﵀ فرق بينما فوافق أبا حنيفة ﵀ في غير مأكول اللحم ووافقهما في المأكول وعن محمد ﵀ أنه لما دخل الري ورأى البلوى أفتى بأن الكثير الفاحش لا يمنع أيضا وقاسوا عليه طين بخارى وعند ذلك رجوعه في الخف يروى "وإن أصابه بول الفرس لم يفسده حتى يفحش عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محد ﵀ لا يمنع وإن فحش" لأن بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده مخفف نجاسته عند أبي يوسف ﵀ ولحمه مأكول عندهما وأما عند أبي حنيفة ﵀ فالتخفيف لتعارض الآثار "وإن أصابه خرء مالا يؤكل لحمه من الطيور أكثر من قدر الدرهم جازت الصلاة فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا تجوز" فقد قيل إن الاختلاف في النجاسة وقد قيل في المقدار وهو الأصح هو يقول إن التخفيف للضرورة ولا ضرورة لعدم المخالطة فلا يخفف ولهما أنها تذرق من الهواء والتخامي عنه متعذر فتحققت الضرورة ولو وقع في الإناء قيل يفسده وقيل لا يفسده لتعذر صون الأواني عنه "وإن أصابه من دم السمك أو" من "لعاب البغل أو الحمار أكثر من قدر الدرهم أجزأت الصلاة فيه" أما دم السمك فلأنه ليس بدم على التحقيق فلا يكون نجسا وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش فاعتبره نجسا وأما لعاب البغل والحمار فلأنه مشكوك فيه فلا يتنجس به الطهر "فإن انتضح عليه البول مثل رءوس الإبر فذلك ليس بشيء" لأنه لا يستطاع الامتناع عنه.
قال: "والنجاسة ضربان مرئية وغير مرئية فما كان منها مرئيا فطهارته زوال عينها" لأن النجاسة حلت المحل باعتبار العين فتزول بزوالها "إلا أن يبقى من أثرها ما تشق إزالته" لأن الحرج مدفوع وهذا يشير إلى أنه لا يشترط الغسل بعد زوال العين وإن زال بالغسل مرة واحدة و فيه كلام "وما ليس بمرئي فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر" لأن التكرار لا بد منه للاستخراج ولا يقطع بزواله فاعتبر غالب الظن كما في أمر القبلة وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده فأقيم السبب لظاهر مقامه تيسيرا ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية لأنه هو المستخرج.
стр. 44
فصل في الاستنجاء
"الاستنجاء سنة" لأن النبي ﵊ واظب عليه "ويجوز فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه" لأن المقصود هو الإنقاء فيعتبر ما هو المقصود وليس فيه
стр. 45
عدد مسنون" وقال الشافعي ﵀: لا بد من الثلاث لقوله ﵊: "وليستنج بثلاثة أحجار".
ولنا قوله ﵊ "من استجمر فليوتر فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج" والإيتار يقع على الواحد وما رواه متروك الظاهر فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع "وغسله بالماء أفضل" لقوله تعالى: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] نزلت في أقوام كانوا يتبعون الحجارة الماء ثم هو أدب وقيل هو سنة في زماننا ويستعمل الماء إلى أن يقع في غالب ظنه أنه قد طهر ولا يقدر بالمرات إلا إذا كان موسوسا فيقدر بالثلاث في حقه وقيل بالسبع "ولو جاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء" وفي بعض النسخ إلا المائع وهذا يقق اختلاف الروايتين في تطهير العضو بغير الماء على ما بينا وهذا لأن المسح غير مزيل إلا أنه اكتفي به في موضع الاستنجاء فلا يتعداه ثم يعتبر المقدار المانع وراء موضع الاستنجاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لسقوط اعتبار ذلك الموضع وعند محمد ﵀ مع موضع الاستنجاء اعتبارا بسائر المواضع "ولا يستنجى بعظم ولا بروث" لأن النبي ﵊ نهى عن ذلك ولو فعل يجزيه لحصول المقصود ومعنى النهي في الروث النجاسة وفي العظم كونه زاد الجن، "ولا" يستنجى "بطعام" لأنه إضاعة وإسراف "ولا بيمينه" لأن النبي ﵊ نهى عن الاستنجاء باليمين.
стр. 46
كتاب الصلاة
باب المواقيت
"أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس" لحديث إمامة جبريل ﵇ فإنه أم رسول الله ﵊ فيها في اليوم الأول حين طلع الفجر وفي اليوم الثاني حين أسفر جدا وكادت الشمس أن تطلع ثم قال في آخر الحديث "ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك" ولا معتبر بالفجر الكاذب وهو البياض الذي يبدو طولا ثم يعقبه الظلام لقوله ﵊ "لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، وإنما الفجر المستطير في الأفق" أي المنتشر فيه "وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس" لإمامة جبريل ﵇ في اليوم الأول حين زالت الشمس "وآخر وقتها عند أبي حنيفة ﵀ إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال وقالا إذا صار الظل مثله" وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ وفيء الزوال هو الفيء الذي يكون للأشياء وقت الزوال لهما إمامة جبريل ﵇ في اليوم الأول في هذا الوقت ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊ "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" وأشد الحر في ديارهم في هذا الوقت وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك "وأول وقت العصر إذ خرج وقت الظهر على القولين وآخر وقتها مالم تغرب الشمس" لقوله ﵊ "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" "وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها مالم يغب الشفق" وقال الشافعي ﵀ مقدار ما يصلى فيه ثلاث ركعات لأن جبريل ﵇ أم في اليومين في وقت واحد.
ولنا قوله ﵊ "أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخر وقتها حين يغيب الشفق" وما رواه كان للتحرز عن الكراهة "ثم الشفق هو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما هو الحمرة" وهو رواية عن أبي حنيفة وهو قول الشافعي لقوله ﵊ "الشفق الحمرة" ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله ﵊ "وآخر وقت المغرب إذا اسود الأفق" وما رواه موقوف على
стр. 47
ابن عمر ﵄ ذكره مالك ﵀ في الموطأ وفيه اختلاف الصحابة "وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وآخر وقتها مالم يطلع الفجر الثاني" لقوله ﵊ "وآخر وقت العشاء حين يطلع الفجر" وهو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في تقديره بذهاب ثلث الليل "وأول وقت الوتر بعد العشاء وآخره مالم يطلع الفجر" لقوله ﵊ في الوتر "فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" قال ﵁: هذا عندهما وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقته وقت العشاء إلا أنه لا يقدم عليه عند التذكر للترتيب.
стр. 48
فصل
"ويستحب الإسفار بالفجر" لقوله ﵊ "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال الشافعي ﵀ يستحب التعجيل في كل صلاة والحجة عليه ما رويناه وما نرويه.
قال: "والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمه في الشتاء "لما روينا ولرواية أنس ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا كان في الشتاء بكر بالظهر وإذا كان في الصيف أبرد بها "وتأخير العصر مالم تتغير الشمس في الصيف والشتاء" لما فيه من تكثير النوافل لكراهتها بعده والمعتبر تغير القرص وهو أن يصير بحال لا تحار فيه الأعين هو الصحيح والتأخير إليه مكروه "و" يستحب "تعجيل المغرب" لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود وقال ﵊ "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء" قال "وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل" لقوله ﵊ "لولا أن اشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل" ولأن فيه قطع السمر المنهي عنه بعده وقيل في الصيف تعجل كيلا تتقلل الجماعة والتأخير إلى نصف الليل مباح لأن دليل الكراهة وهو تقليل الجماعة عارضه دليل الندب وهو قطع السمر بواحدة فتثبت الإباحة وإلى النصف الأخير مكروه لما فيه من تقليل الجماعة وقد انقطع السمر قبله "ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخره إلى آخر الليل فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم" لقوله ﵊ "من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره" "فإذا كان يوم غيم فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب تأخيرها وفي العصر والعشاء تعجيلهما" لأن في تأخير العشاء تقليل الجماعة على اعتبار المطر، وفي
стр. 49
تأخير العصر توهم الوقوع في الوقت المكروه ولا توهم في الفجر لأن تلك المدة مديدة وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى التأخير في الكل للاحتياط ألا ترى أنه يجوز الأداء بعد الوقت لا قبله.
стр. 50
فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة
"لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروبها" لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﵊ أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند زوالها حتى تزول وحين تضيف للغروب حتى تغرب والمراد بقوله وأن نقبر صلاة الجنازة لأن الدفن غير مكروه والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في تخصيص الفرائض وبمكة في حق النوافل وحجة على أبي يوسف رحمه الله تعالى في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال. قال: "ولا صلاة جنازة" لما روينا "ولا سجدة تلاوة" لأنها في معنى الصلاة إلا عصر يومه عند الغروب لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت لأنه لو تعلق بالكل لوجب الأداء بعده ولو تعلق بالجزء الماضي فالمؤدى في آخر الوقت قاض وإذا كان كذلك فقد أداها كما وجبت بخلاف غيرها من الصلوات لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالنقص.
قال ﵁: والمراد بالنفي المذكور في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة الكراهة حتى لو صلاها فيه أو تلا فيه آية السجدة فسجدها جاز لأنها أديت ناقصة كما وجبت إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة.
"ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب" لما روي أنه ﵊ نهى عن ذلك "ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة" لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت فلم تظهر في حق الفرائض وفيما وجب لعينه كسجدة التلاوة وظهرت في حق المنذور لأنه تعلق وجوبه بسبب من جهته وفي حق ركعتي الطواف وفي الذي شرع فيه ثم أفسده لأن الوجوب لغيره وهو ختم الطواف وصيانة المؤدي عن البطلان "ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر" لأنه ﵊ لم يزد عليهما مع حرصه على الصلاة "ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض" لما فيه من تأخير المغرب "ولا إذا
стр. 51
خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة إلى أن يفرغ من خطبته" لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة.
стр. 52
باب الأذان
"الأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها" للنقل المتواتر "وصفة الأذان معروفة" وهو كما أذن الملك النازل من السماء "ولا ترجيع فيه" وهو أن يرجع فيرفع صوته بالشهادتين بعد ما خفض بهما وقال الشافعي رحمه الله تعالى فيه ذلك لحديث أبي محذورة ﵁ أن النبي ﵊ أمره بالترجيع ولنا أنه لا ترجيع في المشاهير وكان ما رواه تعليما فظنه ترجيعا "ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين" لأن بلالا ﵁ قال الصلاة خير من النوم مرتين حين وجد النبي ﵊ راقدا فقال ﵊ "ما أحسن هذا يا بلال اجعله في أذانك" وخص الفجر به لأنه وقت نوم وغفلة "والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح قد قامت الصلاة مرتين" هكذا فعل الملك النازل من السماء وهو المشهور ثم هو حجة على الشافعي رحمه الله تعالى في قوله إنها فرادى فرادى إلا قوله قد قامت الصلاة مرتين "ويترسل في الأذان ويحدر في الإقامة" لقوله ﵊ لبلال "إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر" وهذا بيان الاستحباب "ويستقبل بهما القبلة" لأن الملك النازل من السماء أذن مستقبل القبلة ولو ترك الاستقبال جاز لحصول المقصود ويكره لمخالفته السنة "ويحول وجهه للصلاة والفلاح يمنة ويسرة" لأنه خطاب للقوم فيواجههم به "وإن استدار في صومعته فحسن" مراده إذا لم يستطع تحويل الوجه يمينا وشمالا "مع ثبات قدميه" مكانهما كما هو السنة بأن كانت الصومعة متسعة فأما من غير حاجة فلا "والأفضل للمؤذن أن يجعل أصبعيه في أذنيه" بذلك أمر النبي ﵊ بلالا ﵁ ولأنه أبلغ في الإعلام "فإن لم يفعل فحسن" لأنها ليست بسنة أصلية "والتثويب في الفجر: حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة حسن" لأنه وقت نوم وغفلة "وكره في سائر الصلوات" ومعناه العود إلى الإعلام بعد الإعلام وهو على حسب ما تعرفوه وهذا التثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة ﵃ لتغير أحوال الناس وخصوا الفجر به لما ذكرنا والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها لظهور التواني في الأمور الدينية.
وقال أبو يوسف ﵀: لا أرى بأسا أن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها:
стр. 53
السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يرحمك الله واستبعده محمد ﵀ لأن الناس سواسية في أمر الجماعة. وأبو يوسف ﵀ خصهم بذلك لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين كيلا تفوتهم الجماعة وعلى هذا القاضي والمفتي "ويجلس بين الأذان والإقامة إلا في المغرب وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا يجلس في المغرب أيضا جلسة خفيفة" لأنه لا بد من الفصل إذ الوصل مكروه ولا يقع الفصل بالسكتة لوجودها بين كلمات الأذان فيفصل بالجلسة كما بين الخطبتين ولأبي حنيفة ﵀ أن التأخير مكروه فيكتفى بأدنى الفصل احترازا عنه والمكان في مسألتنا مختلف وكذا النغمة فيقع الفصل بالسكتة ولا كذلك الخطبة وقال الشافعي ﵀ يفصل بركعتين اعتبارا بسائر الصلوات والفرق قد ذكرناه "قال يعقوب رأيت أبا حنيفة ﵀ يؤذن في المغرب ويقيم ولا يجلس بين الأذان والإقامة" وهذا يفيد ما قلناه وأن المستحب كون المؤذن عالما بالسنة لقوله ﵊ "ويؤذن لكم خياركم" "ويؤذن للفائتة ويقيم" لأنه ﵊ قضى الفجر غداة ليلة التعريس بأذان وإقامة وهو حجة على الشافعي ﵀ في اكتفائه بالإقامة "فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام" لما روينا "وكان مخيرا في الباقي إن شاء أذن وأقام" ليكون القضاء على حسب الأداء "وإن شاء اقتصر على الإقامة" لأن الأذان للاستحضار وهم حضور.
قال ﵁: وعن محمد ﵀ أنه يقيم لما بعدها ولا يؤذن قالوا يجوز أن يكون هذا قولهم جميعا "وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر فإن أذن على غير وضوء جاز" لأنه ذكر وليس بصلاة فكان الوضوء فيه استحبابا كما في القراءة "ويكره أن يقيم على غير وضوء" لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة.
ويروى أنه لا تكره الإقامة أيضا لأنها أحد الأذانين ويروى أنه يكره الأذان أيضا لأنه صير داعيا إلى مالا يجيب بنفسه "ويكره أن يؤذن وهو جنب" رواية واحدة ووجه الفرق على إحدى الروايتين أن للأذان شبها بالصلاة فتشترط الطهارة عن أغلظ الحدثين لا دون أخفهما عملا بالشبهين.
وفي الجامع الصغير: إذا أذن وأقام على غير وضوء لا يعيد والجنب أحب إلى أن يعيد "ولو لم يعد أجزأه" أما الأول فلخفة الحدث وأما الثاني ففي الإعادة بسبب الجنابة روايتان والأشبه أن يعاد الأذان دون الإقامة لأن تكرار الأذان مشروع دون الإقامة وقوله لو لم يعد أجزأه يعني الصلاة لأنها جائزة بدون الأذان والإقامة. قال "وكذلك المرأة تؤذن" معناه يستحب أن يعاد ليقع على وجه السنة.
стр. 54
"ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ويعاد في الوقت" لأن الأذان للإعلام وقبل الوقت تجهيل "وقال ابو يوسف" وهو قول الشافعي ﵀ "يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل" لتوارث أهل الحرمين. والحجة على الكل قوله ﵊ لبلال ﵁ "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ومد يده عرضا" "والمسافر يؤذن ويقيم" لقوله ﵊ لابني أبي مليكة ﵄ "إذا سافرتما فأذنا وأقيما" "فإن تركهما جميعا يكره" ولو اكتفى بالإقامة جاز لأن الأذان لاستحضار الغائبين والرفقة حاضرون والإقامة لإعلام الإفتتاح وهم إليه محتاجون "فإن صلى في بيته في المصر يصلي بأذان وإقامة" ليكون الأداء على هيئة الجماعة "وإن تركهما جاز" لقول ابن مسعود ﵁ أذان الحي يكفينا.
стр. 55
باب شروط الصلاة التي تتقدمها
"يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه" قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] "ويستر عورته" لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [لأعراف: ٣١] أي ما يواري عورتكم عند كل صلاة وقال ﵊ "لا صلاة لحائض إلا بخمار" أي لبالغة "وعورة الرجل ما تحت السرة إلى الركبة" لقوله ﵊ "عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته" ويروى "ما دون سرته حتى تجاوز ركبته" وبهذا تبين أن السرة ليست من العورة خلافا لما يقول الشافعي ﵀ "والركبة من العورة" خلافا له أيضا وكلمة إلى تحملها على كلمة مع عملا بكلمة حتى أو عملا بقوله ﵊ "الركبة من العورة".
"وبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها" لقوله ﵊ "المرأة عورة مستورة" واستثناء العضوين للابتلاء بإبدائهما.
قال ﵁: وهذا تنصيص على أن القدم عورة ويروى أنها ليست بعورة وهو الأصح "فإن صلت وربع ساقها أو ثلثه مكشوف تعيد الصلاة" عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله "وإن كان أقل من الربع لا تعيد وقال أبو يوسف ﵀ لا تعيد إن كان أقل من النصف" لأن الشيء إنما يوصف بالكثرة إذا كان ما يقابله أقل منه إذ هما من أسماء المقابلة "وفي النصف عنه روايتان" فاعتبر الخروج عن حد القلة أو عدم الدخول في ضده ولهما أن الربع يحكي حكاية الكمال كما في مسح الرأس والحلق في الإحرام. ومن رأى
стр. 56
وجه غيره يخبر عن رؤيته وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربعة "والشعر والبطن والفخذ كذلك" يعني على هذا الاختلاف لأن كل واحد عضو على حدة والمراد به النازل من الرأس هو الصحيح وإنما وضع غسله في الجنابة لمكان الحرج والعورة الغليظة على هذا الاختلاف والذكر يعتبر بانفراده وكذا الأنثيان وهذا هو الصحيح دون الضم "وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة وبطنهاه وظهرها عورة وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة" لقول عمر ﵁ ألق عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر ولأنها تخرج لحاجة مولاها في ثياب مهنتها عادة فاعتبر حالها بذوات المحارم في حق جميع الرجال دفعا للحرج.
قال: "ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد" وهذا على وجهين إن كان ربع الثوب أو أكثر منه طاهرا يصلي فيه ولو صلى عريانا لا يجزئه لأن ربع الشيء يقوم مقام كله وإن كان الطاهر أقل من الربع فكذلك عند محمد ﵀ وهوأحد قولي الشافعي ﵀ لأن في الصلاة فيه ترك فرض واحد وفي الصلاة عريانا ترك لفروض وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يتخير بين أن يصلي عريانا وبين أن يصلى فيه وهو الأفضل لأن كل واحد منهما مانع جواز الصلاة حالة الاختيار ويستويان في حق المقدار فيستويان في حكم الصلاة وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا والأفضلية لعدم اختصاص الستر بالصلاة واختصاص الطهارة بها "ومن لم يجد ثوبا صلى عريانا قاعدا يومئ بالركوع والسجود" هكذا فعله أصحاب رسول الله ﵊ "فإن صلى قائما أجزأه" لأن في القعود ستر العورة الغليظة وفي القيام أداء هذه الأركان فيميل إلى أيهما شاء "إلا أن الأول أفضل" لأن الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس ولأنه لا خلف له والإيماء خلف عن الأركان.
قال: "وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل" والأصل فيه قوله ﵊ "الأعمال بالنيات" ولأن ابتداء الصلاة بالقيام وهو متردد بين العادة والعبادة ولا يقع التمييز بالنية والمتقدم على التكبير كالقائم عنده إذا لم يوجد ما يقطعه وهو عمل لا يليق بالصلاة ولا معتبرة بالمتأخرة منها عنه لأن ما مضى لا يقع عبادة لعدم النية وفي الصوم جوزت للضرورة والنية هي الإرادة والشرط أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي أما الذكر باللسان فلا معتبر به ويحسن ذلك لاجتماع عزيمته ثم إن كانت الصلاة نفلا يكفيه مطلق النية وكذا إن كانت سنة في الصحيح وإن كانت فرضا فلا بد من تعيين الفرض كالظهر مثلا لاختلاف الفروض "وإن كان مقتديا بغيره ينوي الصلاة ومتابعته" لأنه يلزمه فساد الصلاة من جهته فلا بد من التزامه.
стр. 57
قال: "ويستقبل القبلة" لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ثم من كان بمكة ففرضه إصابة عينها ومن كان غائبا ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح لأن التكليف بحسب الوسع ومن كان خائفا يصلي إلى أي جهة قدر لتحقق العذر فأشبه حالة الاشتباه "فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى" لأن الصحابة رضوان الله عليهم تحروا وصلوا ولم ينكر عليهم رسول الله ﵊ ولأن العمل بالدليل الظاهر واجب عند انعدام دليل فوقه والاستخبار فوق التحري "فإن علم أنه أخطأ بعد ما صلى لا يعيدها" وقال الشافعي رحمه الله تعالى يعيدها إذا استدبر لتيقنه بالخطأ ونحن نقول ليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري والتكليف مقيد بالوسع "وإن علم ذلك في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليه" لأن أهل قباء لما سمعوا بتحول القبلة استداروا كهيئتهم في الصلاة واستحسنه النبي ﵊ وكذا إذا تحول رأيه إلى جهة أخرى توجه إليها لوجوب العمل بالاجتهاد فيما يستقبل من غير نقض المؤدي قبله.
قال: "ومن أم قوما في ليلة مظلمة فتحرى القبلة وصلى إلى المشرق وتحرى من خلفه فصلى كل واحد منهم إلى جهة وكلهم خلفه ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم" لوجود التوجه إلى جهة التحري وهذه المخالفة غير مانعة كما في جوف الكعبة "ومن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته" لأنه اعتقد أن إمامه على الخطأ "وكذا لو كان متقدما على الإمام" لتركه فرض المقام.
стр. 58
باب صفة الصلاة
"فرائض الصلاة ستة: التحريمة" لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] والمراد تكبيرة الافتتاح "والقيام" لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] "والقراءة" لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والركوع والسجود لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] "والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد" لقوله ﵊ لابن مسعود ﵁ حين علمه التشهد "إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك" علق التمام بالفعل قرأ أو لم يقرأ.
قال: "وما سوى ذلك فهو سنة" أطلق اسم السنة وفيها واجبات كقراءة الفاتحة وضم السورة إليها ومراعاة الترتيب فيما شرع مكررا من الأفعال والقعدة الأولى وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة والقنوت في الوتر وتكبيرات العيدين والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه ولهذا تجب عليه سجدتا السهو بتركها هذا هو الصحيح
стр. 59
وتسميتها سنة في الكتاب لما أنه ثبت وجوبها بالسنة.
قال: "وإذا شرع في الصلاة كبر" لما تلونا وقال ﵊ "تحريمها التكبير" وهو شرط عندنا خلافا للشافعي ﵀ حتى إن من تحرم للفرض كان له أن يؤدي بها التطوع عندنا وهو يقول إنه يشترط لها ما يشترط لسائر الأركان وهذا آية الركنية ولنا أنه عطف الصلاة عليه في قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] ومقتضاه المغايرة ولهذا لا يتكرر كتكرار الأركان ومراعاة الشرائط لما يتصل به من القيام "ويرفع يديه مع التكبير وهو سنة" لأن النبي ﵊ واظب عليه وهذا اللفظ يشير إلى اشتراط المقارنة وهو المروي عن أبي يوسف والمحكي عن الطحاوي والأصح أنه يرفع يديه أولا ثم يكبر لأن فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى والنفي مقدم على الإثبات "ويرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه" وعند الشافعي ﵀ يرفع إلى منكبيه وعلى هذا تكبيرة القنوت والأعياد والجنازة له حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال كان النبي ﵊ إذا كبر رفع يديه إلى منكبيه ولنا رواية وائل بن حجر والبراء وأنس ﵃ أن النبي ﵊ كان إذا كبر رفع يديه حذاء أذنيه ولأن رفع اليد لإعلام الأصم وهو بما قلناه وما رواه يحمل على حالة العذر "والمرأة ترفع يديها حذاء منكبيها" هو الصحيح لأنه أستر لها "فإن قال بدل التكبير الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر أو لا إله إلا الله أو غيره من أسماء الله تعالى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى إن كان يحسن التكبير لم يجزئه إلا قوله الله أكبر أو الله الأكبر أو الله الكبير "وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا بالأولين وقال مالك رحمه الله تعالى لا يجوز إلا بالأول لأنه هو المنقول والأصل فيه التوقيف والشافعي ﵀ يقول إدخال الألف واللام فيه أبلغ في الثناء فقام مقامه وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول إن أفعل وفعيلا في صفات الله تعالى سواء بخلاف ما إذا كان لا يحسن لأنه لا يقدر إلا على المعنى ولهما أن التكبير هو التعظيم لغة وهو حاصل "فإن افتتح الصلاة بالفارسية أو قرأ فيها بالفارسية أو ذبح وسمى بالفارسية وهو يحسن العربية أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يجزئه إلا في الذبيحة وإن لم يحسن العربية أجزأه"، أما الكلام في الافتتاح فمحمد مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى في العربية ومع أبي يوسف في الفارسية لأن لغة العرب لها من المزية ما ليس لغيرها.
وأماالكلام في القراءة فوجه قولهما إن القرآن اسم لمنظوم عربي كما نطق به النص إلا أن عند العجز يكتفى بالمعنى كالإيماء بخلاف التسمية لأن الذكر يحصل بكل لسان.
стр. 60
ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ولم يكن فيها بهذه اللغة ولهذا يجوز عند العجز إلا أنه يصير مسيئا لمخالفته السنة المتوارثة ويجوز بأي لسان كان سوى الفارسية هو الصحيح لما تلونا.
والمعنى: لا يختلف باختلاف اللغات والخلاف في الاعتداد ولا خلاف في أنه لا فساد ويروى رجوعه في أصل المسألة إلى قولهما وعليه الاعتماد والخطبة والتشهد على هذا الاختلاف وفي الأذان يعتبر التعارف "ولو افتتح الصلاة باللهم اغفر لي لا يجوز" لأنه مشوب بحاجته فلم يكن تعظيما خالصا ولو افتتح بقوله اللهم فقد قيل يجزئه لأن معناه يا الله وقيل لا يجزئه لأن معناه ياألله آمنا بخير فكان سؤالا.
قال: "ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى تحت السرة" لقوله ﵊ "إن من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة" وهو حجة على مالك رحمه الله تعالى في الإرسال وعلى الشافعي رحمه الله تعالى في الوضع على الصدر لأن الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم وهو المقصود ثم الاعتماد سنة القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى حتى لا يرسل حالة الثناء والأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه ومالا فلا هو الصحيح فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة ويرسل في القومة وبين تكبيرات الأعياد "ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره" وعن أبي يوسف ﵀ أنه يضم إليه قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] إلى آخره لرواية علي ﵁ أن النبي ﵊ كان يقول ذلك ولهما رواية أنس ﵁ أن النبي ﵊ كان إذا افتتح الصلاة كبر وقرأ سبحانك الله وبحمدك إلى آخره ولم يزد على هذا وما رواه محمول على التهجد وقوله وجل ثناؤك لم يذكر في المشاهير فلا يأتي به في الفرائض والأولى أن لا يأتي بالتوجه قبل التكبير لتتصل النية به هو الصحيح "ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم" لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] معناه إذا أردت قراءة القرآن والأولى أن يقول أستعيذ بالله ليوافق القرآن ويقرب منه أعوذ بالله ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لما تلونا حتى يأتي به المسبوق دون المقتدي ويؤخر عن تكبيرات العيد خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى.
قال: "ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" هكذا نقل في المشاهير "ويسر بهما" لقول ابن مسعود ﵁ أربع يخفيهن الإمام وذكر منها التعوذ والتسمية وآمين وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجهر بالتسمية عند الجهر بالقراءة لما روي أن النبي عليه الصلاة
стр. 61
والسلام جهر في صلاته بالتسمية" قلنا: هو محمول على التعليم لأن أنسا ﵁ أخبر أنه ﵊ كان لا يجهر بها ثم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يأتي بها في أول كل ركعة كالتعوذ وعنه أنه يأتي بها احتياطا وهو قولهما ولا يأتي بها بين السورة والفاتحة إلا عند محمد رحمه الله تعالى فإنه يأتي بها في صلاة المخافتة "ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء" فقراءة الفاتحة لا تتعين ركنا عندنا وكذا ضم السورة إليها خلافا للشافعي رحمه الله تعالى في الفاتحة ولمالك رحمه الله تعالى فيهما له قوله ﵊ "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها" وللشافعي رحمه الله تعالى قوله ﵊ "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما "وإذا قال الإمام ولا الضالين قال آمين ويقولها المؤتم" لقوله ﵊ "إذا أمن الإمام فأمنوا" ولا متمسك لمالك رحمه الله تعالى في قوله ﵊ "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين" من حيث القسمة لأنه قال في آخره "فإن الإمام يقولها".
قال: "ويخفونها" لما روينا من حديث ابن مسعود ﵁ ولأنه دعاء فيكون مبناه على الإخفاء والمد والقصر فيه وجهان والتشديد فيه خطأ فاحش قال: "ثم يكبر ويركع" وفي الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط لأن النبي ﵊ كان يكبر عند كل خفض ورفع "ويحذف التكبير حذفا" لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين لكونه استفهاما وفي آخره لحن من حيث اللغة "ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه" لقوله ﵊ لأنس ﵁ "إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك" ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة ليكون أمكن من الأخذ ولا إلى الضم إلا في حالة السجود وفيما وراء ذلك يترك على العادة "ويبسط ظهره" لأن النبي ﵊ كان إذا ركع بسط ظهره "ولا يرفع رأسه ولا ينكسه" لأن النبي ﵊ كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه ويقول "سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه" لقوله ﵊ "إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه" أي أدنى كمال الجمع "ثم يرفع رأسه ويقول سمع الله لمن حمده ويقول المؤتم ربنا لك الحمد ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا يقولها في نفسه" لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﵊ كان يجمع بين الذكرين
стр. 62
ولأنه حرض غيره فلا ينسى نفسه. لأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله ﵊ "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" هذه قسمة وإنها تنافي الشركة ولهذا لا يأتي المؤتم بالتسميع عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى ولأنه يقع تحميده بعد تحميد المقتدي وهو خلاف موضوع الإمامة وما رواه محمول على حالة الانفراد "والمنفرد يجمع بينهما في الأصح" وإن كان يروى الاكتفاء بالتسميع ويروى بالتحميد والإمام بالدلالة عليه آت به معنى.
قال: "ثم إذا استوى قائما كبر وسجد" أما التكبير والسجود فلما بينا وأما الاستواء قائما فليس بفرض وكذا الجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع والسجود وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف يفترض ذلك كله وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لقوله ﵊ "قم فصل فإنك لم تصل" قاله لأعرابي حين أخف الصلاة ولهما أن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض لغة فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما وكذا في الانتقال إذ هو غير مقصود وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال "وما نقصت من هذا شيئا فقد نقصت من صلاتك" ثم القومة والجلسة سنة عندهما
وكذا الطمأنينة في تخريج الجرجاني رحمه الله تعالى وفي تخريج الكرخي ﵀ واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيا عنده "ويعتمد بيديه على الأرض" لأن وائل بن حجر ﵁ وصف صلاة رسول الله ﷺ فسجد وأدعم على راحتيه ورفع عجيزته قال: "ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه" لما روي أنه ﵊ فعل كذلك.
قال: "وسجد على أنفه وجبهته" لأن النبي ﵊ واظب عليه "فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر" وهو رواية عنه لقوله ﵊ "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وعد منها الجبهة" ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه وهو المأمور به إلا أن الخد والذقن خارج بالإجماع والمذكور فيما روي الوجه في المشهور ووضع اليدين والركبتين سنة عندنا لتحقق السجود بدونهما وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري رحمه الله تعالى أنه فريضة في السجود.
قال: "فإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز" لأن النبي ﵊ كان يسجد على كور عمامته ويروى أنه ﵊ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها "ويبدي ضبعيه" لقوله ﵊ "وأبد ضبعيك" ويروى "وأبد" من الإبداد وهو المد والأول من الإبداء وهو الإظهار "ويجافي بطنه عن
стр. 63
فخذيه" لأنه ﵊ كان إذا سجد جافى حتى إن بهمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت وقيل إذا كان في الصف لا يحافي كيلا يؤذي جاره "ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة" لقوله ﵊ "إذا سجد المؤمن سجد كل عضو منه فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع" "ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه" لقوله ﵊ "وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه" أي أدنى كمال الجمع.
ويستحب أن يزيد على الثلاث في الركوع والسجود بعد أن يختم بالوتر لأنه ﵊ كان يختم بالوتر وإن كان إماما لا يزيد على وجه يمل القوم حتى لا يؤدي إلى التنفير ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة لأن النص تناولهما دون تسبيحاتهما فلا يزاد على النص "والمرأة تنخفض في سجودها وتلزق بطنها بفخذيها" لأن ذلك استر لها.
قال: "ثم يرفع رأسه ويكبر" لما روينا "فإذا اطمأن جالسا كبر وسجد" لقوله ﵊ في حديث الأعرابي "ثم ارفع رأسك حتى تستوي جالسا" ولو لم يستو جالسا وكبر وسجد أخرى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقد ذكرناه وتكلموا في مقدار الرفع والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز لأنه يعد ساجدا وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد جالسا فتتحقق الثانية.
قال: "فإذا اطمأن ساجدا كبر" وقد ذكرناه "واستوى قائما على صدور قدميه ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض".
وقال الشافعي ﵀: يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض معتمدا على الأرض لما روي أن النبي ﵊ فعل ذلك ولنا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه وما رواه محمول على حالة الكبر ولأن هذه قعدة استراحة والصلاة ما وضعت لها "ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في" الركعة "الأولى" لأنه تكرار الأركان "إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ" لأنهما لم يشرعا إلا مرة واحدة "ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى" خلافا للشافعي ﵀ في الركوع وفي الرفع منه لقوله ﵊ "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن تكبيرة الافتتاح وتكبيرة القنوت وتكبيرات العيدين وذكر الأربع في الحج" والذي يرو من الرفع محمول على الابتداء كذا نقل عن ابن الزبير ﵁ "وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصبا ووجه أصابعه نحو
стр. 64
القبلة" هكذا وصفت عائشة ﵂ قعود رسول الله ﵊ في الصلاة "ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد" يروى ذلك في حديث وائل بن حجر ﵁ ولأن فيه توجيه أصابع يديه إلى القبلة "فإن كانت امرأة جلست على أليتها اليسرى وأخرجت رجليها من الجانب الأيمن" لأنه أستر لها.
"والتشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي إلى آخره" وهذا تشهد عبد الله بن مسعود ﵁ فإنه قال أخذ رسول الله ﵊ بيدي وعلمني التشهد كما كان يعلمني سورة من القرآن وقال "قل التحيات لله إلى آخره" والأخذ بهذا أولى من الأخذ بتشهد ابن عباس ﵄ وهو قوله التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا إلى آخره لأن فيه الأمر وأقله الاستحباب والألف واللام وهما للاستغراق وزيادة الواو وهي لتجديد الكلام كما في القسم وتأكيد التعليم "ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى" لقول ابن مسعود ﵁ علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وآخرها فإذا كان وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد وإذا كان آخر الصلاة دعا لنفسه بما شاء "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وحدها" لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﵊ قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وهذا بيان الأفضل هو الصحيح لأن القراءة فرض في الركعتين على ما يأتيك من بعد إن شاء الله تعالى "وجلس في الأخيرة كما جلس في الأولى" لما روينا من حديث وائل وعائشة ﵄ ولأنها أشق على البدن فكان أولى من التورك الذي يميل إليه مالك ﵀ والذي يرويه أنه ﵊ قعد متوركا ضعفه الطحاوي ﵀ أو يحمل على حالة الكبر "وتشهد" وهو واجب عندنا "وصلى على النبي ﵊" وهو ليس بفريضة عندنا خلافا للشافعي ﵀ فيهما لقوله ﷺ "إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد" والصلاة على النبي ﵊ خارج الصلاة واجبة إما مرة واحدة كما قاله الكرخي أو كلما ذكر النبي ﵊ كما اختاره الطحاوي فكفينا مؤنة الأمر والفرض المروي في التشهد هو التقدير.
قال: "ودعاء بماشاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة" لما روينا من حديث ابن مسعود ﵁ قال له النبي ﵊ "ثم اختر من الدعاء أطيبه وأعجبه إليك" ويبدأ بالصلاة على النبي ﵊ ليكون أقرب إلى الإجابة "ولا يدعو بما يشبه كلام الناس" تحرزا عن الفساد ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ،
стр. 65
ومالا يستحيل سؤاله من العباد كقوله اللهم زوجني فلأنه يشبه كلامهم وما يستحيل كقوله اللهم اغفر ليس ليس من كلامهم وقوله اللهم ارزقني من قبيل الأول هو الصحيح لاستعمالها فيما بين العباد يقال رزق الأمير الجيش "ثم يسلم عن يمينه فيقول السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره مثل ذلك" لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵊ كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر "وينوي بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة وكذلك في الثانية" لأن الأعمال بالنيات ولا ينوي النساء في زماننا ولا من لا شركة له في صلاته هو الصحيح لأن الخطاب حظ الحاضرين "ولا بد للمقتدي من نية إمامه فإن كان الإمام من الجانب الأيمن أو الأيسر نواه فيهم" وإن كان بحذائه نواه في الأولى عند أبي يوسف ﵀ ترجيحا للجانب الأيمن وعند محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ نواه فيهما لأنه ذو حظ من الجانبين "والمنفرد ينوي الحفظة لا غير" لأنه ليس معه سواهم "والإمام ينوي بالتسليمتين" هو الصحيح ولا ينوي في الملائكة عددا محصورا لأن الأخبار في عددهم قد اختلفت فأشبه الإيمان بالأنبياء ﵈ ثم إصابة لفظة السلام واجبة عندنا وليست بفرض خلافا للشافعي ﵀ هو يتمسك بقوله ﵊ "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ولنا ما رويناه من حديث ابن مسعود ﵁ والتخبير ينافي الفرضية والوجوب إلا أنا أثبتنا الوجوب بما رواه احتياطا وبمثله لا تثبت الفرضية والله أعلم.
стр. 66
فصل في القراءة
قال: "ويجهر بالقراءة في الفجر وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماما ويخفى في الأخريين" هذا هو المأثور المتوارث "وإن كان منفردا فهو مخير إن شاء جهر وأسمع نفسه" لأنه إمام في حق نفسه "وإن شاء خافت" لأنه ليس خلفه من يسمعه والأفضل هو الجهر ليكون الأداء على هيئة الجماعة "ويخفيها الإمام في الظهر والعصر وإن كان بعرفة" لقوله ﵊ "صلاة النهار عجماء" أي ليست فيها قراءة مسموعة وفي عرفة خلاف مالك ﵀ والحجة عليه ما رويناه "ويجهر في الجمعة والعيدين" لورود النقل المستفيض بالجهر وفي التطوع بالنهار يخافت وفي الليل يتخير اعتبارا بالفرد في حق المنفرد وهذا لأنه مكمل له فيكون تبعا له "ومن فاتته العشاء فصلاها بعد طلوع الشمس إن أم فبها جهر" كما فعل رسول الله ﷺ حين قضى الفجر غداة ليلة التعريس بجماعة "وإن كان وحده خافت حتما ولا يتخير هو الصحيح" لأن الجهر يختص إما بالجماعة حتما، أو
стр. 67
بالوقت في حق المنفرد على وجه التخيير ولم يوجد أحدهما "ومن قرأ في العشاء في الأوليين السورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يعد في الأخريين وإن قرأ الفاتحة ولم يزد عليها قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة وجهر" وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀ لا يقضي واحدة منهما لأن الواجب إذا فات عن وقته لا يقضى إلا بدليل ولهما وهو الفرق بين الوجهين أن قراءة الفاتحة شرعت على وجه يترتب عليها السورة فلو قضاها في الأخريين تترتب الفاتحة على السورة وهذا خلاف الموضوع بخلاف ما إذا ترك السورة لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع ثم ذكر ههنا ما يدل على الوجوب وفي الأصل بلفظة الاستحباب لأنها إن كانت مؤخرة فغير موصولة بالفاتحة فلم يمكن مراعاة موضوعها من كل وجه "ويجهر بهما" هو الصحيح لأن الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة شنيع وتغيير النقل وهو الفاتحة أولى ثم المخافتة أن يمسع نفسه والجهر أن يسمع غيره وهذا عند الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀ لأن مجرد حركة اللسان لا يسمى قراءة بدون الصوت وقال الكرخي أدنى الجهر أن يسمع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف لأن القراءة فعل اللسان دون الصماخ وفي لفظ ا لكتاب إشارة إلى هذا وعلى هذا الأصل كل ما يتعلق بالنطق كالطلاق والعتاق والاستثناء وغير ذلك "وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة آية عند أبي حنيفة ﵀ وقالا ثلاث آيات قصار أو آية طويلة" لأنه لا يسمى قارئا بدونه فأشبه قراءة ما دون الآية وله قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] من غير فصل إلا أن ما دون الآية خارج والآية ليست في معناه "وفي السفر يقرأ بفاتحة الكتاب وأي سورة شاء" لما روي أن النبي عليه الصلا والسلام قرأ في صلاة الفجر في سفر بالمعوذتين ولأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة فلأن يؤثر في تخفيف القراءة أولى وهذا إذا كان على عجلة من السير وإن كان في أمنة وقرار يقرأ في الفجر نحو سورة البروج وانشقت لأنه يمكنه مراعاة السنة مع التخفيف "ويقرأ في الحضر في الفجر في الركعتين بأربعين آية أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب". ويروى من أربعين إلى ستين ومن ستين إلى مائة وبكل ذلك ورد الأثر ووجه التوفيق أنه يقرأ بالراغبين مائة وبالكسالى أربعين وبالأوساط ما بين خمسين إلى ستين وقيل ينظر إلى طول الليالي وقصرها وإلى كثرة الأشغال وقلتها.
قال: "وفي الظهر مثل ذلك" لاستوائهما في سعة الوقت وقال في الأصل أو دونه لأنه وقت الاشتغال فينقص عنه تحرزا عن الملال "والعصر والعشاء سواء يقرأ فيهما بأوساط المفصل وفي المغرب دون ذلك يقرأ فيها بقصار المفصل" والأصل فيه كتاب عمر رضي
стр. 68
الله عنه إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل وفي المغرب بقصار المفصل ولأن مبنى المغرب على العجلة والتخفيف أليق بها والعصر والعشاء يستحب فيهما التأخير وقد يقعان بالتطويل في وقت غير مستحب فيوقت فيهما بالأوساط "ويطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية" إعانة للناس على إدراك الجماعة.
قال: "وركعتا الظهر سواء" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد ﵀ أحب إلي أن يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها لما روي أن النبي ﵊ كان يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها ولهما أن الركعتين استويا في استحقاق القراءة فيستويان في المقدار بخلاف الفجر لأنه وقت نوم وغفلة والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات لعدم إمكان الاحتراز عنه من غير حرج "وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها" بحيث لا تجوز بغيرها لإطلاق ما تلونا.
"ويكره أن يوقت بشيء من القرآن لشيء من الصلوات" لما فيه من هجر الباقي وإبهام التفضيل "ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام" خلافا للشافعي ﵀ في الفاتحة له أن القراءة ركن من الأركان فيشتركان فيه.
ولنا قوله ﵊ "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" وعليه إجماع الصحابة ﵃ وهو ركن مشترك بينهما لكن حظ المقتدي الإنصات والاستماع قال ﵊ "وإذا قرأالإمام فأنصتوا" ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد ﵀ ويكره عندهما لما فيه من الوعيد "ويستمع وينصت وإن قرأالإمام آية الترغيب والترهيب" لأن الاستماع والإنصات فرض بالنص والقراءة وسؤال الجنة والتعوذ من النار كل ذلك مخل به "وكذلك في الخطبة وكذلك إن صلى على النبي ﵊" لفرضية الاستماع إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية فيصلي السامع في نفسه واختلفوا في النائي عن المنبر، والأحوط هو السكوت إقامة لفرض الإنصات، والله أعلم بالصواب.
стр. 69
باب الإمامة
"الجماعة سنة مؤكدة" لقوله ﵊ "الجماعة سنة من سنن الهدى لا يتخلف عنها إلا منافق" "وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة".
стр. 70
وعن أبي يوسف ﵀: أقرؤهم لأن القراءة لا بد منها والحاجة إلى العلم إذا نئبت نائبة ونحن نقول القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان "فإن تساووا فأقرؤهم" لقوله ﵊ "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة وأقرؤهم كان أعلمهم" لأنهم كانوا يتلقونه بأحكامه فقدم في الحديث ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم "فإن تساووا فأورعهم" لقوله ﵊ "من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي" "فإن تساووا فأسنهم" لقوله ﵊ لابني أبي مليكة "وليؤمكما أكبركما سنا" ولأن في تقديمه تكثير الجماعة "ويكره تقديم العبد" لأنه لا يتفرغ للتعلم "والأعرابي" لأن الغالب فيهم الجهل "والفاسق" لأنه لا يهتم لأمر دينه "والأعمى" لأنه لا يتوقى النجاسة "وولد الزنا" لأنه ليس له أب يثقفه فيغلب عليه الجهل ولأن في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة فيكره "وإن تقدموا جاز" لقوله ﵊ "صلوا خلف كل بر وفاجر" "ولا يطول الإمام بهم الصلاة" لقوله ﵊ "من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة" "ويكره للنساء أن يصلين وحدهن الجماعة" لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم وهو قيام الإمام وسط الصف فيكره كالعراة "فإن فعلن قامت الإمام وسطهن" لأن عائشة ﵂ فعلت كذلك وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام ولأن في التقدم زيادة الكشف "ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه" لحديث ابن عباس ﵄ فإنه ﵊ صلى به وأقامه عن يمينه ولا يتأخر عن الإمام وعن محمد ﵀ أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام والأول هو الظاهر فإن صلى خلفه أو في يساره جاز وهو مسيء لأنه خالف السنة "وإن أم اثنين تقدم عليهما" وعن أبي يوسف ﵀ يتوسطهما ونقل ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁.
ولنا أنه ﵊ تقدم على أنس واليتيم حين صلى بهما فهذا للأفضلية والأثر دليل الإباحة "ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة أو صبي".
أما المرأة فلقوله ﵊ "أخروهن من حيث أخرهن الله" فلا يجوز تقديمها وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجوز اقتداء المفترض به وفي التراويح والسنن المطلقة جوزه مشايخ بلخ ﵏ ولم يجوزه مشايخنا ﵏ ومنهم من حقق الخلاف في النفل المطلق بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله والمختار أنه لا يجوز في الصلوات كلها لأن نفل الصبي دون نفل البالغ حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع ولا يبني القوي على الضعيف بخلاف المظنون لأنه مجتهد فيه فاعتبر العارض عدما.
стр. 71
وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي لأن الصلاة متحدة "ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء" لقوله ﵊ "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى" ولأن المحاذاة مفسدة فيؤخرن "وإن حاذته امرأة وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته إن نوى الإمام إمامتها" والقياس أن لا تفسد وهو قول الشافعي ﵀ اعتبارا بصلاتها حيث لا تفسد وجه الاستحسان ما رويناه وأنه من المشاهير وهو المخاطب به دونهها فيكون هو التارك لفرض المقام فتفسد صلاته دون صلاتها كالمأموم إذا تقدم على الإمام "وإن لم ينو إمامتها لم تضره ولا تجوز صلاتها" لأن الاشتراك لا يثبت دونها عندنا خلافا لزفر ﵀.
ألا ترى أنه يلزمه الترتيب في المقام فيتوقف على التزامه كالاقتداء وإنما يشترط نية الإمامة إذا ائتمت محاذية وإن لم يكن بجنبها رجل ففيه روايتان والفرق على إحداهما أن الفساد في الأول لازم وفي الثاني محتمل.
"ومن شرائط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة وأن تكون مطلقة وأن تكون المرأة من أهل الشهوة وأن لا يكون بينهما حائل" لأنها عرفت مفسدة بالنص بخلاف القياس فيراعى جميع ما ورد به النص "ويكره لهن حضور الجماعات" يعني الشواب منهن لما فيه من خوف الفتنة "ولا بأس للعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء" وهذا عند أبي حنيفة ﵀ "وقالا يخرجن في الصلوات كلها" لأنه لا فتنة لقلة الرغبة إليها فلا يكره كما في العيد وله أن فرط الشبق حامل فتقع الفتنة غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة أما في الفجر والعشاء فهم نائمون وفي المغرب بالطعام مشغولون والجبانة متسعة فيمكنها الاعتزال عن الرجال فلا يكره.
قال: "ولا يصلي الطاهر خلف من هو في معنى المستحاضة ولا الطاهرة خلف المستحاضة" لأن الصحيح أقوى حالا من المعذور والشيء لا يتضمن ما هو فوقه والإمام ضامن بمعنى أنه تضمن صلاته صلاة المقتدي "ولا" يصلي "القارئ خلف الأمي ولا المكتسي خلف العاري" لقوة حالهما "ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد ﵀: لا يجوز لأنه طهارة ضرورية والطهارة بالماء أصلية ولهما أنه طهارة مطلقة ولهذا لا يتقدر بقدر الحاجة "ويؤم الماسح الغاسلين" لأن الخلف مانع سراية الحدث في القدم وما حل بالخف يزيله المسح بخلاف المستحاضة لأن الحدث لم يعتبر شرعا مع قياسه حقيقة "ويصلي القائم خلف القاعد" وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يجوز
стр. 72
وهو القياس لقوة حال القائم ونحن تركناه بالنص وهو ما روي أن النبي ﵊ صلى آخر صلاته قاعدا والقوم خلفه قيام "ويصلي المومئ خلف مثله" لاستوائهما في الحال إلا أن يومئ المؤتم قاعدا والإمام مضطجعا لأن القعود معتبر فتثبت به القوة "ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ" لأن حال المقتدي أقوى، وفيه خلاف زفر رحمه الله تعالى "ولا يصلي المفترض خلف المتنفل" لأن الاقتداء بناء ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام فلا يتحقق البناء على المعدوم.
قال: "ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر" لأن الاقتداء شركة وموافقة فلا بد من الاتحاد وعند الشافعي رحمه الله تعالى يصح في جميع ذلك لأن الاقتداء عنده أداء على سبيل الموافقة وعندنا معنى التضمن مراعى "ويصلي المتنفل خلف المفترض" لأن الحاجة في حقه إلى أصل الصلاة وهو موجود في حق الإمام فيتحقق البناء "ومن اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث أعاد" لقوله ﵊ "من أم قوما ثم ظهر أنه كان محدثا أو جنبا أعاد صلاته وأعادوا" وفيه خلاف الشافعي رحمه الله تعالى بناء على ما تقدم ونحن نعتبر معنى التضمن وذلك في الجواز والفساد "وإذا صلى أمي بقوم يقرءون وبقوم أميين فصلاتهم فاسدة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى" وقالا صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة لأنه معذور أم قوما معذورين وغير معذورين فصار كما إذا أم العاري عراة ولابسين وله أن الإمام ترك فرض القراءة مع القدرة عليها فتفسد صلاته وهذا لأنه لو اقتدى بالقارئ تكون قراءته قراءة له بخلاف تلك المسئلة وأمثالها لأن الموجود في حق الإمام لا يكون موجودا في حق المقتدي "ولو كان يصلي الأمي وحده والقارئ وحده جاز" هو الصحيح لأنه لم تظهر منهما رغبة في الجماعة "فإن قرأ الإمام في الأوليين ثم قدم في الأخريين أميا فسدت صلاتهم" وقال زفر رحمه الله تعالى لا تفسد لتأدي فرض القراءة.
ولنا أن كل ركعة صلاة فلا تخلى عن القراءة إما تحقيقا أو تقديرا ولا تقدير في حق الأمي لانعدام الأهلية وكذا على هذا لو قدمه في التشهد والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 73
باب الحدث في الصلاة
"ومن سبقه الحدث في الصلاة انصرف فإن كان إماما استخلف وتوضأ وبنى" والقياس أن يستقبل وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لأن الحدث ينافيها والمشي والانحراف يفسدانها فأشبه الحدث العمد.
ولنا قوله ﵊ "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف
стр. 74
وليتوضأ وليبن على صلاته مالم يتكلم" وقال ﵊ "إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق بشيء" والبلوى فيما يسبق دون ما يعتمده فلا يلحق به "والاستئناف أفضل" تحرزا عن شبهة الخلاف وقيل إن المنفرد يستقبل والإمام والمقتدي يبني صيانة لفضيلة الجماعة "والمنفرد إن شاء أتم في منزله وإن عاد إلى مكانه" والمقتدي يعود إلى مكانه إلا أن يكون إمامه قد فرغ أولا يكون بينهما حائل "ومن ظن أنه أحدث فخرج من المسجد ثم علم أنه لم يحدث استقبل الصلاة وإن لم يكن خرج من المسجد يصلي ما بقي" والقياس فيهما الاستقبال وهو رواية عن محمد ﵀ لوجود الانصراف من غير عذر وجه الاستحسان أنه انصرف على قصد الإصلاح ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه بنى على صلاته فألحق قصد الإصلاح بحقيقته مالم يختلف المكان بالخروج وإن كان استخلف فسدت لأنه عمل كثير من غير عذر وهذا بخلاف ما إذا ظن أنه افتتح الصلاة على غير وضوء فانصرف ثم علم أنه على وضوء حيث تفسد وإن لم يخرج لأن الانصراف على سبيل الرفض ألا ترى أنه لو تحقق ما توهمه يستقبله فهذا هو الحرف ومكان الصفوف في الصحراء له حكم المسجد ولو تقدم قدامه فالحد هو السترة وإن لم تكن فمقدار الصفوف خلفه وإن كان منفردا فموضع سجوده من كل جانب "وإن جن أو نام فاحتلم أو أغمي عليه استقبل" لأنه يندر وجود هذه العوارض فلم يكن معنى ما ورد به النص وكذلك إذا قهقه لأنه بمنزلة الكلام وهو قاطع "وإن حصر الإمام عن القراءة فقدم غيره أجزأهم عند أبي حنيفة ﵀ وقالا لا يجزئهم" لأنه يندر وجوده فأشبه الجنابة في الصلاة وله أن الاستخلاف لعلة العجز وهو هنا ألزم والعجز عن القراءة غير نادر فلا يلحق بالجنابة "ولو قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة لا يجوز الاستخلاف بالإجماع" لعدم الحاجة إلى الاستخلاف "وإن الحدث بعد التشهد توضأوسلم" لأن التسليم واجب فلا بد من التوضي ليأتي به "وإن لحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة تمت صلاته" لأنه يتعذر البناء لوجود القاطع لكن لا إعادة عليه لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان "فإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت" وقد مر من قبل "وإن رآه بعد ما قعد قدر التشهد أو كان ماسحا فانقضت مدة مسحه او خلع خفيه بعمل يسير أو كان أميا فتعلم سورة أو عريانا فوجد ثوبا أو موميا فقدر على الركوع والسجود أو تذكر فائتة عليه قبل هذه أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أميا أو طلعت الشمس في الفجر أو دخل وقت العصر وهو في الجمعة أو كان ماسحا على الجبيرة فسقطت عن برء أو كان صاحب عذر فانقطع عذره كالمستحاضة ومن بمعناها بطلت صلاته في قول أبي حنيفة ﵀ وقالا
стр. 75
تمت صلاته" وقيل الأصل فيه أن الخروج عن الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة ﵀ وليس بفرض عندهما فاعتراض هذه العوارض عنده في هذه الحالة كاعتراضها في خلال الصلاة وعندهما كاعتراضها بعد التسليم لهما ما روينا من حديث ابن مسعود ﵁ وله أنه لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضا ومعنى قوله تمت قاربت التمام والاستخلاف ليس بمفسد حتى يجوز في حق القارى ء وإنما الفساد ضرورة حكم شرعي وهو عدم صلاحية الإمامة "ومن اقتدى بإمام بعد ما صلى ركعة فأحدث الإمام فقدمة أجزأه" لوجود المشاركة في التحريمة والأولى للإمام أن يقدم مدركا لأنه أقدر على إتمام صلاته وينبغي لهذا المسبوق أن لا يتقدم لعجزه عن التسليم "فلو تقدم يبتدئ من حيث انتهى إليه الإمام" لقيامه مقامه "وإذا إنتهى إلى السلام يقدم مدركا يسلم بهم فلو أنه حين أتم صلاة الإمام قهقه أو أحدث متعمدا أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته وصلاة القوم تامة" لأن المفسد في حقه وجد في خلال الصلاة وفي حقهم بعد تمام أركانها "والإمام الأول إن كان فرغ لا تفسد صلاته وإن لم يفرغ تفسد" وهو الأصح "فإن لم يحدث الإمام الأول وقعد قدر التشهد ثم قهقه أو أحدث متعمدا فسدت صلاة الذي لم يدرك أول صلاته عند أبي حنيفة ﵀ وقالا لا تفسد وإن تكلم أو خرج من المسجد لم تفسد في قولهم جميعا" لهما أن صلاة المقتدى بناء على صلاة الإمام جوازا وفسادا ولم تفسد صلاة الإمام فكذا صلاته وصار كالسلام والكلام وله أن القهقهة مفسدة الجزء الذي يلاقيه من صلاة الإمام فيفسد مثله من صلاة المقتدى غير أن الإمام لا يحتاج إلى البناء والمسبوق محتاج إليه والبناء على الفاسد فاسد بخلاف السلام لأنه منه والكلام في معناه وينتقض وضوء الإمام لوجود القهقهة في حرمة الصلاة "ومن أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى ولا يعتد بالتي أحدث فيها" لأن إتمام الركن بالانتقال ومع الحدث لا يتحقق فلا بد من الاعادة ولو كان إمام فقدم غيره دام المقدم على الركوع لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة "ولو تذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة فانحط من ركوعه أو رفع رأسه من سجوده فسجدها يعيد الركوع والسجود" وهذا بيان الأولى لتقع أفعال الصلاة مرتبة بالقدر الممكن وإن لم يعد أجزأه لأن الإنتقال مع الطهارة شرط وقد وجد وعن أبي يوسف ﵀ أنه تلزمه إعادة الركوع لأن القومة فرض عنده.
قال: "ومن أم رجلا واحدا فأحدث وخرج من المسجد فالمأموم إمام نوى أو لم ينو" لما فيه من صيانة الصلاة وتعيين الأول لقطع المزاحمة ولا مزاحمة ههنا ويتم الأول صلاته
следующие страницы →