← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11820

الهداية في شرح بداية المبتدي

المرغيناني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يستحق له وعليه دينا كان أو عينا لأن المقضي له وعليه إنما هو الميت في الحقيقة وواحد من الورثة يصلح خليفة عنه في ذلك، بخلاف الاستيفاء لنفسه لأنه عامل فيه لنفسه فلا يصلح نائبا عن غيره، ولهذا لا يستوفي إلا نصيبه وصار كما إذا قامت البينة بدين الميت، إلا أنه إنما يثبت استحقاق، الكل على أحد الورثة إذا كان الكل في يده. ذكره في الجامع لأنه لا يكون خصما بدون اليد فيقتصر القضاء على ما في يده. قال: "ومن قال مالي في المساكين صدقة فهو على ما فيه الزكاة، وإن أوصى بثلث ماله فهو على كل شيء" والقياس أن يلزمه التصدق بالكل، وبه قال زفر ﵀ لعموم اسم المال كما في الوصية. وجه الاستحسان أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى فينصرف إيجابه إلى ما أوجب الشارع فيه الصدقة من المال. أما الوصية فأخت الميراث لأنها خلافة كهي فلا يختص بمال دون مال، ولأن الظاهر التزام الصدقة من فاضل ماله وهو مال الزكاة، أما الوصية تقع في حال الاستغناء فينصرف إلى الكل وتدخل فيه الأرض العشرية عند أبي يوسف ﵀ لأنها سبب الصدقة، إذ جهة الصدقة في العشرية راجحة عنده، وعند محمد ﵀ لا تدخل لأنها سبب المؤنة، إذ جهة المؤنة راجحة عنده، ولا تدخل أرض الخراج بالإجماع لأنه يتمحض مؤنة. ولو قال ما أملكه صدقة في المساكين فقد قيل يتناول كل مال لأنه أعم من لفظ المال. والمقيد إيجاب الشرع وهو مختص بلفظ المال فلا مخصص في لفظ الملك فبقي على العموم، والصحيح أنهما سواء لأن الملتزم باللفظين الفاضل عن الحاجة على ما مر، "ثم إذا لم يكن له مال سوى ما دخل تحت الإيجاب يمسك من ذلك قوته، ثم إذا أصاب شيئا تصدق بمثل ما أمسك" لأن حاجته هذه مقدمة ولم يقدر محمد بشيء لاختلاف أحوال الناس فيه. وقيل المحترف يمسك قوته ليوم وصاحب الغلة لشهر وصاحب الضياع لسنة على حسب التفاوت في مدة وصولهم إلى المال، وعلى هذا صاحب التجارة يمسك بقدر ما يرجع إليه ماله. قال: "ومن أوصى إليه ولم يعلم الوصية حتى باع شيئا من التركة فهو وصي والبيع جائز، ولا يجوز بيع الوكيل حتى يعلم". وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يجوز في الفصل الأول أيضا لأن الوصاية إنابة بعد الموت فتعتبر بالإنابة قبله وهي الوكالة. ووجه الفرق على الظاهر أن الوصاية خلافة لإضافتها إلى زمان بطلان الإنابة فلا يتوقف على العلم كما في تصرف الوارث. أما الوكالة فإنابة لقيام ولاية المنوب عنه فيتوقف على العلم، وهذا لأنه لو توقف لا يفوت النظر لقدرة الموكل، وفي الأول يفوت لعجز الموصي "ومن

стр. 702

أعلمه من الناس بالوكالة يجوز تصرفه" لأنه إثبات حق لا إلزام أمر. قال: "ولا يكون النهي عن الوكالة حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل" وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: هو والأول سواء لأنه من المعاملات وبالواحد فيها كفاية. وله أنه خبر ملزم فيكون شهادة من وجه فيشترط أحد شطريها وهو العدد أو العدالة، بخلاف الأول، وبخلاف رسول الموكل لأن عبارته كعبارة المرسل للحاجة إلى الإرسال، وعلى هذا الخلاف إذا أخبر المولى بجناية عبده والشفيع والبكر والمسلم الذي لم يهاجر إلينا. قال: "وإذا باع القاضي أو أمينه عبدا للغرماء وأخذ المال فضاع واستحق العبد لم يضمن" لأن أمين القاضي قائم مقام القاضي والقاضي مقام الإمام وكل واحد منهم لا يلحقه ضمان كي لا يتقاعد عن قبول هذه الأمانة فيضيع الحقوق ويرجع المشتري على الغرماء، لأن البيع واقع لهم فيرجع عليهم عند تعذر الرجوع على العاقد، كما إذا كان العاقد محجورا عليه ولهذا يباع بطلبهم "وإن أمر القاضي الوصي ببيعه للغرماء ثم استحق أو مات قبل القبض وضاع المال رجع المشتري على الوصي" لأنه عاقد نيابة عن الميت وإن كان بإقامة القاضي عنه فصار كما إذا باعه بنفسه. قال: "ورجع الوصي على الغرماء" لأنه عامل لهم، وإن ظهر للميت مال يرجع الغريم فيه بدينه. قالوا: ويجوز أن يقال يرجع بالمائة التي غرمها أيضا لأنه لحقه في أمر الميت، والوارث إذا بيع له بمنزلة الغريم لأنه إذا لم يكن في التركة دين كان العاقد عاملا له.

стр. 703

فصل آخر: "وإذا قال القاضي قد قضيت على هذا بالرجم فارجمه أو بالقطع فاقطعه أو بالضرب فاضربه وسعك أن تفعل" وعن محمد ﵀ أنه رجع عن هذا وقال: لا تأخذ بقوله حتى تعاين الحجة، لأن قوله يحتمل الغلط والخطأ والتدارك غير ممكن، وعلى هذه الرواية لا يقبل كتابه. واستحسن المشايخ هذه الرواية لفساد حال أكثر القضاة في زماننا إلا في كتاب القاضي للحاجة إليه. وجه ظاهر الرواية أنه أخبر عن أمر يملك إنشاءه فيقبل لخلوه عن التهمة، ولأن طاعة أولي الأمر واجبة، وفي تصديقه طاعة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن كان عدلا عالما يقبل قوله لانعدام تهمة الخطإ والخيانة، وإن كان عدلا جاهلا يستفسر، فإن أحسن التفسير وجب تصديقه وإلا فلا، وإن كان جاهلا فاسقا أو عالما فاسقا لا يقبل إلا أن يعاين سبب الحكم لتهمة الخطإ والخيانة. قال: "وإذا عزل القاضي فقال لرجل أخذت منك ألفا ودفعتها إلى فلان قضيت بها

стр. 704

عليك فقال الرجل أخذتها ظلما فالقول قول القاضي، وكذا لو قال قضيت بقطع يدك في حق، هذا إذا كان الذي قطعت يده والذي أخذ منه المال مقرين أنه فعل ذلك وهو قاض" ووجهه أنهما لما توافقا أنه فعل ذلك في قضائه كان الظاهر شاهدا له. إذ القاضي لا يقضي بالجور ظاهرا "ولا يمين عليه" لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق ولا يمين على القاضي. "ولو أقر القاطع والآخذ بما أقر به القاضي لا يضمن أيضا" لأنه فعله في حال القضاء ودفع القاضي صحيح كما إذا كان معاينا. "ولو زعم المقطوع يده أو المأخوذ ماله أنه فعل قبل التقليد أو بعد العزل فالقول للقاضي أيضا" هو الصحيح لأنه أسند فعله إلى حالة معهودة منافية للضمان فصار كما إذا قال طلقت أو أعتقت وأنا مجنون والجنون منه كان معهودا. "ولو أقر القاطع أو الآخذ في هذا الفصل بما أقر به القاضي بضمان" لأنهما أقرا بسبب الضمان، وقول القاضي مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إبطال سبب الضمان على غيره، بخلاف الأول لأنه ثبت فعله في قضائه بالتصادق "ولو كان المال في يد الآخذ قائما وقد أقر بما أقر به القاضي والمأخوذ منه المال صدق القاضي في أنه فعله في قضائه أو ادعى أنه فعله في غير قضائه يؤخذ منه" لأنه أقر أن اليد كانت له فلا يصدق في دعوى تملكه إلا بحجة، وقول المعزول فيه ليس بحجة.

стр. 705

كتاب الشهادات قال: "الشهادة فرض تلزم الشهود ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي" لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وإنما يشترط طلب المدعي لأنها حقه فيتوقف على طلبه كسائر الحقوق. "والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار" لأنه بين حسبتين إقامة الحد والتوقي عن الهتك "والستر أفضل" لقوله ﷺ للذي شهد عنده "لو سترته بثوبك لكان خيرا لك" وقال ﵊ "من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" وفيما نقل من تلقين الدرء عن النبي ﵊ وأصحابه ﵃ دلالة ظاهرة على أفضلية الستر "إلا أنه يجب أن يشهد بالمال في السرقة فيقول: أخذ" إحياء لحق المسروق منه "ولا يقول سرق" محافظة على الستر، ولأنه لو ظهرت السرقة لوجب القطع والضمان لا يجامع القطع فلا يحصل إحياء حقه. "والشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا يعتبر فيها أربعة من الرجال" لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] "ولا تقبل فيها شهادة النساء" لحديث الزهري ﵁: مضت السنة من لدن رسول الله ﵊ والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص، ولأن فيها شبهة البدلية لقيامها مقام شهادة الرجال فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات "ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص تقبل فيها شهادة رجلين" لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] "ولا تقبل فيها شهادة النساء" لما ذكرنا. قال: "وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان الحق مالا أو غير مال" مثل: النكاح والطلاق والعتاق والعدة والحوالة والوقف والصلح "والوكالة والوصية" والهبة والإقرار والإبراء والولد والولاد والنسب

стр. 706

ونحو ذلك. وقال الشافعي ﵀: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها لأن الأصل فيها عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط وقصور الولاية فإنها لا تصلح للإمارة ولهذا لا تقبل في الحدود، ولا تقبل شهادة الأربع منهن وحدهن إلا أنها قبلت في الأموال ضرورة، والنكاح أعظم خطرا وأقل وقوعا فلا يلحق بما هو أدنى خطرا وأكثر وجودا. ولنا أن الأصل فيها القبول لوجود ما يبتنى عليه أهلية الشهادة وهو المشاهدة والضبط والأداء، إذ بالأول يحصل العلم للشاهد، وبالثاني يبقى، وبالثالث يحصل العلم للقاضي ولهذا يقبل إخبارها في الأخبار، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة فلهذا لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات وعدم قبول الأربع على خلاف القياس كي لا يكثر خروجهن. قال: "وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة" لقوله ﵊: "شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه" والجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس فيتناول الأقل. وهو حجة على الشافعي ﵀ في اشتراط الأربع، ولأنه إنما سقطت الذكورة ليخف النظر لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف فكذا يسقط اعتبار العدد إلا أن المثنى والثلاث أحوط لما فيه من معنى الإلزام "ثم حكمها في الولادة شرحناه في الطلاق" وأما حكم البكارة فإن شهدن أنها بكر يؤجل في العنين سنة ويفرق بعدها لأنها تأيدت بمؤيد إذ البكارة أصل، وكذا في رد المبيعة إذا اشتراها بشرط البكارة، فإن قلن إنها ثيب يحلف البائع لينضم نكوله إلى قولهن والعيب يثبت بقولهن فيحلف البائع، وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة ﵀ في حق الإرث لأنه مما يطلع عليه الرجال إلا في حق الصلاة لأنها من أمور الدين. وعندهما تقبل في حق الإرث أيضا لأنه صوت عند الولادة ولا يحضرها الرجال عادة فصار كشهادتهن على نفس الولادة. قال: "ولا بد في ذلك كله من العدالة ولفظة الشهادة، فإن لم يذكر الشاهد لفظة الشهادة وقال أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته" أما العدالة فلقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولأن العدالة هي المعينة للصدق، لأن من يتعاطى غير الكذب قد يتعاطاه. وعن أبي يوسف ﵀ أن الفاسق إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة تقبل شهادته لأنه لا يستأجر لوجاهته ويمتنع عن الكذب لمروءته، والأول أصح، إلا أن القاضي لو قضى بشهادة الفاسق يصح عندنا. وقال الشافعي ﵀: لا يصح، والمسألة معروفة.

стр. 707

وأما لفظة الشهادة فلأن النصوص نطقت باشتراطها إذ الأمر فيها بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة توحيد، فإن قوله أشهد من ألفاظ اليمين كقوله أشهد بالله فكان الامتناع عن الكذب بهذه اللفظة أشد. وقوله في ذلك كله إشارة إلى جميع ما تقدم حتى يشترط العدالة، ولفظة الشهادة في شهادة النساء في الولادة وغيرها هو الصحيح لأنها شهادة لما فيه من معنى الإلزام حتى اختص بمجلس القضاء ولهذا يشترط فيه الحرية والإسلام. "قال أبو حنيفة ﵀: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم" لقوله ﵊: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا محدودا في قذف" ومثل ذلك مروي عن عمر ﵁، ولأن الظاهر هو الانزجار عما هو محرم دينه، وبالظاهر كفاية إذ لا وصول إلى القطع. "إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود" لأنه يحتال لإسقاطها فيشترط الاستقصاء فيها، ولأن الشبهة فيها دارئة، وإن طعن الخصم فيهم سأل عنهم لأنه تقابل الظاهران فيسأل طلبا للترجيح "وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق" لأن القضاء مبناه على الحجة وهي شهادة العدول فيتعرف عن العدالة، وفيه صون قضائه عن البطلان. وقيل هذا اختلاف عصر وزمان والفتوى على قولهما في هذا الزمان. قال: "ثم التزكية في السر أن يبعث المستورة إلى المعدل فيها النسب والحلي والمصلى ويردها المعدل" كل ذلك في السر كي لا يظهر فيخدع أو يقصد "وفي العلانية لا بد أن يجمع بين المعدل والشاهد" لتنتفي شبهة تعديل غيره، وقد كانت العلانية وحدها في الصدر الأول، ووقع الاكتفاء بالسر في زماننا تحرزا عن الفتنة. ويروى عن محمد ﵀: تزكية العلانية بلاء وفتنة. ثم قيل: لا بد أن يقول المعدل هو عدل جائز الشهادة لأن العبد قد يعدل، وقيل يكتفي بقوله هو عدل لأن الحرية ثابتة بالدار وهذا أصح. قال: "وفي قول من رأى أن يسأل عن الشهود لم يقبل قول الخصم إنه عدل" معناه قول المدعى عليه وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنه يجوز تزكيته، لكن عند محمد يضم تزكية الآخر إلى تزكيته لأن العدد عنده شرط. ووجه الظاهر أن في زعم المدعي وشهوده أن الخصم كاذب في إنكاره مبطل في إصراره فلا يصلح معدلا، وموضوع المسألة إذا قال هم عدول إلا أنهم أخطئوا أو نسوا، أما إذا قال صدقوا أو هم عدول صدقة فقد اعترف بالحق.

стр. 708

قال: "وإذا كان رسول القاضي الذي يسأل عن الشهود واحدا جاز والاثنان أفضل" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ﵀: لا يجوز إلا اثنان، والمراد منه المزكي، وعلى هذا الخلاف رسول القاضي إلى المزكي والمترجم عن الشاهد له أن التزكية في معنى الشهادة لأن ولاية القضاء تنبني على ظهور العدالة وهو بالتزكية فيشترط فيه العدد كما تشترط العدالة فيه، وتشترط الذكورة في المزكي والحدود والقصاص. ولهما أنه ليس في معنى الشهادة ولهذا لا يشترط فيه لفظة الشهادة ومجلس القضاء، واشتراط العدد أمر حكمي في الشهادة فلا يتعداها "ولا يشترط أهلية الشهادة في المزكي في تزكية السر" حتى صلح العبد مزكيا، فأما في تزكية العلانية فهو شرط، وكذا العدد بالإجماع على ما قاله الخصاف ﵀ لاختصاصها بمجلس القضاء. قالوا: يشترط الأربعة في تزكية شهود الزنا عند محمد ﵀.

стр. 709

فصل: وما يتحمله الشاهد على ضربين: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه وسعه أن يشهد به وإن لم يشهد عليه" لأنه علم ما هو الموجب بنفسه وهو الركن في إطلاق الأداء. قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وقال النبي ﵊: "إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع" قال: "ويقول أشهد أنه باع ولا يقول أشهدني" لأنه كذب، "ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد، ولو فسر للقاضي لا يقبله" لأن النغمة تشبه النغمة فلم يحصل العلم "إلا إذا كان دخل البيت وعلم أنه ليس فيه أحد سواه ثم جلس على الباب وليس في البيت مسلك غيره فسمع إقرار الداخل ولا يراه له أن يشهد" لأنه حصل العلم في هذه الصورة. "ومنه ما لا يثبت الحكم فيه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة، فإذا سمع شاهدا يشهد بشيء لم يجز له أن يشهد على شهادته إلا أن يشهد عليها" لأن الشهادة غير موجبة بنفسها، وإنما تصير موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء فلا بد من الإنابة والتحميل ولم يوجد "وكذا لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع للسامع أن يشهد" لأنه ما حمله وإنما حمل غيره. "ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يتذكر الشهادة" لأن الخط يشبه الخط فلم يحصل العلم. قيل هذا على قول أبي حنيفة ﵀. وعندهما يحل له أن يشهد. وقيل هذا بالاتفاق، وإنما الخلاف فيما إذا وجد القاضي شهادته في ديوانه أو قضيته، لأن ما يكون

стр. 710

في قمطره فهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان فحصل له العلم بذلك ولا كذلك الشهادة في الصك لأنه في يد غيره، وعلى هذا إذا تذكر المجلس الذي كان فيه الشهادة أو أخبره قوم ممن يثق به أنا شهدنا نحن وأنت. قال: "ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به" وهذا استحسان. والقياس أن لا تجوز لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة وذلك بالعلم ولم يحصل فصار كالبيع. وجه الاستحسان أن هذه أمور تختص بمعاينة أسبابها خواص من الناس، ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون، فلو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامع أدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام، بخلاف البيع لأنه يسمعه كل أحد، وإنما يجوز للشاهد أن يشهد بالاشتهار وذلك بالتواتر أو بإخبار من يثق به كما قال في الكتاب. ويشترط أن يخبره رجلان عدلان أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم. وقيل في الموت يكتفي بإخبار واحد أو واحدة لأنه قلما يشاهد غير الواحد إذ الإنسان يهابه ويكرهه فيكون في اشتراط العدد بعض الحرج، ولا كذلك النسب والنكاح، وينبغي أن يطلق أداء الشهادة. أما إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع لم تقبل شهادته كما أن معاينة اليد في الأملاك تطلق الشهادة، ثم إذا فسر لا تقبل كذا هذا. ولو رأى إنسانا جلس مجلس القضاء يدخل عليه الخصوم حل له أن يشهد على كونه قاضيا وكذا إذا رأى رجلا وامرأة يسكنان بيتا وينبسط كل واحد منهما إلى الآخر انبساط الأزواج كما إذا رأى عينا في يد غيره. ومن شهد أنه شهد دفن فلان أو صلى على جنازته فهو معاينة، حتى لو فسر للقاضي قبله ثم قصر الاستثناء في الكتاب على هذه الأشياء الخمسة ينفي اعتبار التسامع في الولاء والوقف. وعن أبي يوسف ﵀ آخرا أنه يجوز في الولاء لأنه بمنزلة النسب لقوله ﵊: "الولاء لحمة كلحمة النسب". وعن محمد ﵀ أنه يجوز في الوقف لأنه يبقى على مر الأعصار، إلا أنا نقول الولاء يبتنى على زوال الملك ولا بد فيه من المعاينة فكذا فيما يبتنى عليه. وأما الوقف فالصحيح أنه تقبل الشهادة بالتسامع في أصله دون شرائطه، لأن أصله هو الذي يشتهر. قال: "ومن كان في يده شيء سوى العبد والأمة وسعك أن تشهد أنه له" لأن اليد أقصى ما يستدل به على الملك إذ هي مرجع الدلالة في الأسباب كلها فيكتفي بها. وعن أبي يوسف ﵀ أنه يشترط مع ذلك أن يقع في قلبه أنه له. قالوا: ويحتمل أن يكون هذا تفسيرا لإطلاق محمد ﵀ في الرواية فيكون شرطا على الاتفاق.

стр. 711

وقال الشافعي ﵀: دليل الملك اليد مع التصرف، وبه قال بعض مشايخنا ﵏ لأن اليد متنوعة إلى إنابة وملك. قلنا: والتصرف يتنوع أيضا إلى نيابة وأصالة. ثم المسألة على وجوه: إن عاين المالك الملك حل له أن يشهد، وكذا إذا عاين الملك بحدوده دون المالك استحسانا لأن النسب يثبت بالتسامع فيحصل معرفته، وإن لم يعاينها أو عاين المالك دون الملك لا يحل له. وأما العبد والأمة، فإن كان يعرف أنهما رقيقان فكذلك لأن الرقيق لا يكون في يد نفسه، وإن كان لا يعرف أنهما رقيقان إلا أنهما صغيران لا يعبران عن أنفسهما فكذلك لأنه لا يد لهما، وإن كانا كبيرين فذلك مصرف الاستثناء لأن لهما يدا على أنفسهما فيدفع يد الغير عنهما فانعدم دليل الملك. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يحل له أن يشهد فيهما أيضا اعتبارا بالثياب، والفرق ما بيناه، والله أعلم بالصواب.

стр. 712

باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل قال: "ولا تقبل شهادة الأعمى". وقال زفر ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀: تقبل فيما يجري فيه التسامع لأن الحاجة فيه إلى السماع ولا خلل فيه. وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله: يجوز إذا كان بصيرا وقت التحمل لحصول العلم بالمعاينة، والأداء يختص بالقول ولسانه غير موف والتعريف يحصل بالنسبة كما في الشهادة على الميت. ولنا أن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه، ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة، وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر فصار كالحدود والقصاص. ولو عمي بعد الأداء يمتنع القضاء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن قيام أهلية الشهادة شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده وقد بطلت وصار كما إذا خرس أو جن أو فسق، بخلاف ما إذا ماتوا أو غابوا، لأن الأهلية بالموت قد انتهت وبالغيبة ما بطلت. قال: "ولا المملوك" لأن الشهادة من باب الولاية وهو لا يلي نفسه فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره "ولا المحدود في قذف وإن تاب" لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] ولأنه من تمام الحد لكونه مانعا فيبقى بعد التوبة كأصله، بخلاف المحدود في غير القذف لأن الرد للفسق وقد ارتفع بالتوبة. وقال الشافعي ﵀ تقبل إذا تاب لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] استثنى التائب. قلنا: الاستثناء ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾

стр. 713

[النور: ٤] أو هو استثناء منقطع بمعنى لكن. "ولو حد الكافر في قذف ثم أسلم تقبل شهادته" لأن للكافر شهادة فكان ردها من تمام الحد، وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى، بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق لأنه لا شهادة للعبد أصلا فتمام حده يرد شهادته بعد العتق. قال: "ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده، ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده" والأصل فيه قوله ﵊: "لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده ولا المولى لعبده ولا الأجير لمن استأجره" ولأن المنافع بين الأولاد والآباء متصلة ولهذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم فتكون شهادة لنفسه من وجه أو تتمكن فيه التهمة. قال العبد الضعيف: والمراد بالأجير على ما قالوا التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه، وهو معنى قوله ﵊: "لا شهادة للقانع بأهل البيت" وقيل المراد الأجير مسانهة أو مشاهرة أو مياومة فيستوجب الأجر بمنافعه عند أداء الشهادة فيصير كالمستأجر عليها. قال: "ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر" وقال الشافعي ﵀: تقبل لأن الأملاك بينهما متميزة والأيدي متحيزة ولهذا يجري القصاص والحبس بالدين بينهما، ولا معتبر بما فيه من النفع لثبوته ضمنا كما في الغريم إذا شهد لمديونه المفلس. ولنا ما روينا، ولأن الانتفاع متصل عادة وهو المقصود فيصير شاهدا لنفسه من وجه أو يصير متهما، بخلاف شهادة الغريم لأنه لا ولاية على المشهود به. "ولا شهادة المولى لعبده" لأنه شهادة لنفسه من كل جهة إذا لم يكن على العبد دين أو من وجه إن كان عليه دين لأن الحال موقوف مراعى "ولا لمكاتبه" لما قلنا. "ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما" لأنه شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما، ولو شهد بما ليس من شركتهما تقبل لانتفاء التهمة. "وتقبل شهادة الأخ لأخيه وعمه" لانعدام التهمة لأن الأملاك ومنافعها متباينة ولا بسوطة لبعضهم في مال البعض. قال: "ولا تقبل شهادة المخنث" ومراده المخنث في الرديء من الأفعال لأنه فاسق، فأما الذي في كلامه لين وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة. "ولا نائحة ولا مغنية" لأنهما يرتكبان محرما فإنه ﵊ "نهى عن الصوتين الأحمقين النائحة والمغنية". قال: "ولا مدمن الشرب على اللهو" لأنه ارتكب محرم دينه. "ولا من يلعب بالطيور" لأنه يورث غفلة ولأنه قد يقف على عورات النساء بصعوده على سطحه ليطير طيره وفي

стр. 714

بعض النسخ: ولا من يلعب بالطنبور وهو المغني. قال: "ولا من يغني للناس" لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة. قال: "ولا من يأتي بابا من الكبائر التي يتعلق بها الحد" للفسق. قال: "ولا من يدخل الحمام من غير مئزر" لأن كشف العورة حرام. "أو يأكل الربا أو يقامر بالنرد والشطرنج". لأن كل ذلك من الكبائر، وكذلك من تفوته الصلاة للاشتغال بهما، فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق مانع من الشهادة، لأن للاجتهاد فيه مساغا. وشرط في الأصل أن يكون آكل الربا مشهورا به لأن الإنسان قلما ينجو عن مباشرة العقود الفاسدة وكل ذلك ربا. قال: "ولا من يفعل الأفعال المستحقرة كالبول على الطريق والأكل على الطريق" لأنه تارك للمروءة، وإذا كان لا يستحي عن مثل ذلك لا يمتنع عن الكذب فيتهم. "ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف" لظهور فسقه بخلاف من يكتمه. "وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية" وقال الشافعي ﵀: لا تقبل لأنه أغلظ وجوه الفسق. ولنا أنه فسق من حيث الاعتقاد وما أوقعه فيه إلا تدينه به وصار كمن يشرب المثلث أو يأكل متروك التسمية عامدا مستبيحا لذلك، بخلاف الفسق من حيث التعاطي. أما الخطابية فهم من غلاة الروافض يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم. وقيل يرون الشهادة لشيعتهم واجبة فتمكنت التهمة في شهادتهم لظهور فسقهم. قال: "وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم". وقال مالك والشافعي رحمهما الله: لا تقبل لأنه فاسق، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فيجب التوقف في خبره، ولهذا لا تقبل شهادته على المسلم فصار كالمرتد. ولنا ما روي أن النبي ﵊ أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض، ولأنه من أهل الولاية على نفسه وأولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه، والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع لأنه يجتنب ما يعتقده محرم دينه، والكذب محظور الأديان، بخلاف المرتد لأنه لا ولاية له، وبخلاف شهادة الذمي على المسلم لأنه لا ولاية له بالإضافة إليه، ولأنه يتقول عليه لأنه يغيظه قهره إياه، وملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر فلا يحملهم الغيظ على التقول. قال: "ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي" أراد به والله أعلم المستأمن لأنه لا ولاية له عليه لأن الذمي من أهل دارنا وهو أعلى حالا منه، وتقبل شهادة الذمي عليه

стр. 715

كشهادة المسلم عليه وعلى الذمي "وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة، فإن كانوا من دارين كالروم والترك لا تقبل" لأن اختلاف الدارين يقطع الولاية ولهذا يمنع التوارث، بخلاف الذمي لأنه من أهل دارنا، ولا كذلك المستأمن. "وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصية" هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة، إذ لا بد من توقي الكبائر كلها وبعد ذلك يعتبر الغالب كما ذكرنا، فأما الإلمام بمعصية لا تنقدح به العدالة المشروطة فلا ترد به الشهادة المشروعة لأن في اعتبار اجتنابه الكل سد بابه وهو مفتوح إحياء للحقوق. قال: "وتقبل شهادة الأقلف" لأنه لا يخل بالعدالة إلا إذا تركه استخفافا بالدين لأنه لم يبق بهذا الصنيع عدلا "والخصي" لأن عمر ﵁ قبل شهادة علقمة الخصي، ولأنه قطع عضو منه ظلما فصار كما إذا قطعت يده. "وولد الزنا" لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما وهو مسلم. وقال مالك ﵀: لا تقبل في الزنا لأنه يجب أن يكون غيره كمثله فيتهم. قلنا: العدل لا يختار ذلك ولا يستحبه، والكلام في العدل. قال: "وشهادة الخنثى جائزة" لأنه رجل أو امرأة وشهادة الجنسين مقبولة بالنص. "وشهادة العمال جائزة" والمراد عمال السلطان عند عامة المشايخ، لأن نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعوانا على الظلم. وقيل العامل إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف ﵀ في الفاسق، لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب حفظا للمروءة ولمهابته لا يستأجر على الشهادة الكاذبة. قال: "وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك فهو جائز استحسانا، وإن أنكر الوصي لم يجز" وفي القياس: لا يجوز إن ادعى، وعلى هذا إذا شهد الموصي لهما بذلك أو غريمان لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين أو شهد الوصيان أنه أوصى إلى هذا الرجل معهما. وجه القياس أنها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه. وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان طالبا والموت معروف، فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين لا أن يثبت بها شيء فصار كالقرعة والوصيان إذا أقرا أن معهما ثالثا يملك القاضي نصب ثالث معهما لعجزهما عن التصرف باعترافهما، بخلاف ما إذا أنكرا ولم يعرف الموت لأنه ليس له ولاية نصب الوصي فتكون الشهادة هي الموجبة، وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة وإن لم يكن الموت معروفا لأنهما يقران على

стр. 716

أنفسهما فيثبت الموت باعترافهما في حقهما "وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض ديونه بالكوفة فادعى الوكيل أو أنكره لا تقبل شهادتهما" لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب، فلو ثبت إنما يثبت بشهادتهما وهي غير موجبة لمكان التهمة. قال: "ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح ولا يحكم بذلك" لأن الفسق مما لا يدخل تحت الحكم لأن له الدفع بالتوبة فلا يتحقق الإلزام، ولأنه هتك السر والستر واجب والإشاعة حرام، وإنما يرخص ضرورة إحياء الحقوق وذلك فيما يدخل تحت الحكم "إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي بذلك تقبل" لأن الإقرار مما يدخل تحت الحكم. قال: "ولو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود لم تقبل" لأنه شهادة على جرح مجرد، والاستئجار وإن كان أمرا زائدا عليه فلا خصم في إثباته لأن المدعى عليه في ذلك أجنبي عنه، حتى لو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود بعشرة دراهم ليؤدوا الشهادة وأعطاهم العشرة من مالي الذي كان في يده تقبل لأنه خصم في ذلك ثم يثبت الجرح بناء عليه، وكذا إذا أقامها على أني صالحت الشهود على كذا من المال. ودفعته إليهم على أن لا يشهدوا علي بهذا الباطل وقد شهدوا وطالبهم برد ذلك المال، ولهذا قلنا إنه لو أقام البينة أن الشاهد عبد أو محدود في قذف أو شارب خمر أو قاذف أو شريك المدعي تقبل. قال: "ومن شهد ولم يبرح حتى قال أوهمت بعض شهادتي، فإن كان عدلا جازت شهادته" ومعنى قوله أوهمت أي أخطأت بنسيان ما كان يحق علي ذكره أو بزيادة كانت باطلة. ووجهه أن الشاهد قد يبتلى بمثله لمهابة مجلس القضاء فكان العذر واضحا فتقبل إذا تداركه في أوانه وهو عدل، بخلاف ما إذا قام عن المجلس ثم عاد وقال أوهمت، لأنه يوهم الزيادة من المدعي بتلبيس وخيانة فوجب الاحتياط، ولأن المجلس إذا اتحد لحق الملحق بأصل الشهادة فصار ككلام واحد، ولا كذلك إذا اختلف. وعلى هذا إذا وقع الغلط في بعض الحدود أو في بعض النسب وهذا إذا كان موضع شبهة، فأما إذا لم يكن فلا بأس بإعادة الكلام أصلا مثل أن يدع لفظة الشهادة وما يجري مجرى ذلك وإن قام عن المجلس بعد أن يكون عدلا. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه يقبل قوله في غير المجلس إذا كان عدلا، والظاهر ما ذكرناه والله أعلم.

стр. 717

باب الاختلاف في الشهادة قال: "الشهادة إذا وافقت الدعوى قبلت، وإن خالفتها لم تقبل" لأن تقدم الدعوى في

стр. 718

حقوق العباد شرط قبول الشهادة، وقد وجدت فيما يوافقها وانعدمت فيما يخالفها. قال: "ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة، فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل الشهادة عنده وعندهما تقبل على الألف إذا كان المدعي يدعي الألفين". وعلى هذا المائة والمائتان والطلقة والطلقتان والطلقة والثلاث. لهما أنهما اتفقا على الألف أو الطلقة وتفرد أحدهما بالزيادة فيثبت ما اجتمعا عليه دون ما تفرد به أحدهما فصار كالألف والألف والخمسمائة. ولأبي حنيفة ﵀ أنهما اختلفا لفظا، وذلك يدل على اختلاف المعنى لأنه يستفاد باللفظ، وهذا لأن الألف لا يعبر به عن الألفين بل هما جملتان متباينتان فحصل على كل واحد منهما شاهد واحد فصار كما إذا اختلف جنس المال. قال: "وإذا شهد أحدهما بالألف والآخر بألف وخمسمائة والمدعي يدعي ألفا وخمسمائة قبلت الشهادة على الألف" لاتفاق الشاهدين عليها لفظا ومعنى، لأن الألف والخمسمائة جملتان عطف إحداهما على الأخرى والعطف يقرر الأول ونظيره الطلقة والطلقة والنصف والمائة والمائة والخمسون، بخلاف العشرة والخمسة عشر لأنه ليس بينهما حرف العطف فهو نظير الألف والألفين "وإن قال المدعي لم يكن لي عليه إلا الألف فشهادة الذي شهد بالألف وخمسمائة باطلة" لأنه كذبه المدعي في المشهود به، وكذا إذا سكت إلا عن دعوى الألف لأن التكذيب ظاهر فلا بد من التوفيق، ولو قال كان أصل حقي ألف وخمسمائة ولكني استوفيت خمسمائة أو أبرأته عنها قبلت لتوفيقه. قال: "وإذا شهدا بألف وقال أحدهما قضاه منها خمسمائة قبلت شهادتهما بالألف" لاتفاقهما عليه "ولم يسمع قوله إنه قضاه" لأنه شهادة فرد "إلا أن يشهد معه آخر" وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقضي بخمسمائة، لأن شاهد القضاء مضمون شهادته أن لا دين إلا خمسمائة. وجوابه ما قلنا. قال: "وينبغي للشاهد" إذا علم بذلك "أن لا يشهد بألف حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائة" كي لا يصير معينا على الظلم. "وفي الجامع الصغير: رجلان شهدا على رجل بقرض ألف درهم فشهد أحدهما أنه قد قضاها، فالشهادة جائزة على القرض" لاتفاقهما عليه، وتفرد أحدهما بالقضاء على ما بينا. وذكر الطحاوي عن أصحابنا أنه لا تقبل، وهو قول زفر ﵀ لأن المدعي أكذب شاهد القضاء. قلنا: هذا إكذاب في غير المشهود به الأول وهو القرض ومثله لا يمنع القبول.

стр. 719

قال: "وإذا شهد شاهدان أنه قتل زيدا يوم النحر بمكة وشهد آخران أنه قتله يوم النحر بالكوفة واجتمعوا عند الحاكم لم يقبل الشهادتين" لأن إحداهما كاذبة بيقين وليست إحداهما بأولى من الأخرى "فإن سبقت إحداهما وقضى بها ثم حضرت الأخرى لم تقبل" لأن الأولى ترجحت باتصال القضاء بها فلا تنتقض بالثانية. "وإذا شهدا على رجل أنه سرق بقرة واختلفا في لونها قطع، وإن قال أحدهما بقرة وقال الآخر ثورا لم يقطع" وهذا عند أبي حنيفة ﵀ "وقالا: لا يقطع في الوجهين" جميعا، وقيل الاختلاف في لونين يتشابهان كالسواد والحمرة لا في السواد والبياض، وقيل هو في جميع الألوان. لهما أن السرقة في السوداء غيرها في البيضاء فلم يتم على كل فعل نصاب الشهادة وصار كالغصب بل أولى، لأن أمر الحد أهم وصار كالذكورة والأنوثة. وله أن التوفيق ممكن لأن التحمل في الليالي من بعيد واللونان يتشابهان أو يجتمعان في واحد فيكون السواد من جانب وهذا يبصره والبياض من جانب آخر وهذا الآخر يشاهده، بخلاف الغصب لأن التحمل فيه بالنهار على قرب منه، والذكورة والأنوثة لا يجتمعان في واحدة، وكذا الوقوف على ذلك بالقرب منه فلا يشتبه. قال: "ومن شهد لرجل أنه اشترى عبدا من فلان بألف وشهد آخر أنه اشتراه بألف وخمسمائة فالشهادة باطلة" لأن المقصود إثبات السبب وهو العقد ويختلف باختلاف الثمن فاختلف المشهود به ولم يتم العدد على كل واحد، ولأن المدعي يكذب أحد شاهديه وكذلك إذا كان المدعي هو البائع ولا فرق بين أن يدعي المدعي أقل المالين أو أكثرهما لما بينا "وكذلك الكتابة" لأن المقصود هو العقد إن كان المدعي هو العبد فظاهر، وكذا إذا كان هو المولى لأن العتق لا يثبت قبل الأداء فكان المقصود إثبات السبب "وكذا الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد إذا كان المدعي هو المرأة أو العبد أو القاتل" لأن المقصود إثبات العقد والحاجة ماسة إليه، وإن كانت الدعوى من جانب آخر فهو بمنزلة دعوى الدين فيما ذكرنا من الوجوه لأنه ثبت العفو والعتق والطلاق باعتراف صاحب الحق فبقي الدعوى في الدين وفي الرهن، إن كان المدعى هو الرهن لا يقبل لأنه لا حظ له في الرهن فعريت الشهادة عن الدعوى، وإن كان المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين. وفي الإجارة إن كان ذلك في أول المدة فهو نظير البيع، وإن كان بعد مضي المدة والمدعي هو الآجر فهو دعوى الدين. قال: "فأما النكاح فإنه يجوز بألف استحسانا، وقالا: هذا باطل في النكاح أيضا" وذكر

стр. 720

في الأمالي قول أبي يوسف مع قول أبي حنيفة رحمهما الله. لهما أن هذا اختلاف في العقد، لأن المقصود من الجانبين السبب فأشبه البيع. ولأبي حنيفة ﵀ أن المال في النكاح تابع، والأصل فيه الحل والازدواج والملك ولا اختلاف في ما هو الأصل فيثبت، ثم إذا وقع الاختلاف في التبع يقضي بالأقل لاتفاقهما عليه، ويستوي دعوى أقل المالين أو أكثرهما في الصحيح. ثم قيل: لاختلاف فيما إذا كانت المرأة هي المدعية وفيما إذا كان المدعي هو الزوج إجماع على أنه لا تقبل، لأن مقصودها قد يكون المال ومقصوده ليس إلا العقد. وقيل الاختلاف في الفصلين وهذا أصح والوجه ما ذكرنا، والله أعلم.

стр. 721

فصل: في الشهادة على الإرث قال: "ومن أقام بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها أو أودعها الذي هي في يده فإنه يأخذها ولا يكلف البينة أنه مات وتركها ميراثا له" وأصله أنه متى ثبت ملك المورث لا يقضي به للوارث حتى يشهد الشهود أنه مات وتركها ميراثا له عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، خلافا لأبي يوسف ﵀. هو يقول: إن ملك الوارث ملك المورث فصارت الشهادة بالملك للمورث شهادة به للوارث، وهما يقولان: إن ملك الوارث متجدد في حق العين حتى يجب عليه الاستبراء في الجارية الموروثة، ويحل للوارث الغني ما كان صدقة على المورث الفقير فلا بد من النقل، إلا أنه يكتفي بالشهادة على قيام ملك المورث وقت الموت لثبوت الانتقال ضرورة، وكذا على قيام يده على ما نذكره، وقد وجدت الشهادة على اليد في مسألة الكتاب لأن يد المستعير والمودع والمستأجر قائمة مقام يده فأغنى ذلك عن الجر والنقل "وإن شهدوا أنها كانت في يد فلان مات وهي في يده جازت الشهادة" لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان والأمانة تصير مضمونة بالتجهيل فصار بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت. "وإن قالوا لرجل حي نشهد أنها كانت في يد المدعي منذ شهر لم تقبل" وعن أبي يوسف ﵀ أنها تقبل لأن اليد مقصودة كالملك؛ ولو شهدوا أنها كانت ملكه تقبل فكذا هذا صار كما إذا شهدوا بالأخذ من المدعي. وجه الظاهر وهو قولهما أن الشهادة قامت بمجهول لأن اليد منقضية وهي متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان فتعذر القضاء بإعادة المجهول، بخلاف الملك لأنه معلوم غير مختلف، وبخلاف الآخذ لأنه معلوم وحكمه معلوم وهو وجوب الرد، ولأن يد ذي اليد معاين ويد المدعي مشهود به، وليس الخبر كالمعاينة. "وإن أقر بذلك المدعى عليه دفعت إلى المدعي" لأن الجهالة في المقر به لا تمنع صحة الإقرار "وإن شهد شاهدان أنه أقر أنها كانت في يد المدعي دفعت إليه" لأن المشهود به هاهنا الإقرار وهو معلوم.

стр. 722

باب الشهادة على الشهادة قال: "الشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة" وهذا استحسان لشدة الحاجة إليها، إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض، فلو لم تجز الشهادة على الشهادة أدى إلى إتواء الحقوق، ولهذا جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت، إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية أو من حيث إن فيها زيادة احتمال، وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود فلا تقبل فيما تندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص. "وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين". وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا الأربع على كل أصل اثنان لأن كل شاهدين قائمان مقام شاهد واحد فصارا كالمرأتين. ولنا قول علي ﵁: لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين، ولأن نقل شهادة الأصل من الحقوق فهما شهدا بحق ثم شهدا بحق آخر فتقبل. "ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد" لما روينا، وهو حجة على مالك ﵀، ولأنه حق من الحقوق فلا بد من نصاب الشهادة. "وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان بن فلان أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه" لأن الفرع كالنائب عنه فلا بد من التحميل والتوكيل على ما مر، ولا بد أن يشهد كما يشهد عند القاضي لينقله إلى مجلس القضاء "وإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز" لأن من سمع إقرار غيره حل له الشهادة وإن لم يقل له اشهد "ويقول شاهد الفرع عند الأداء أشهد أن فلانا أشهدني على شهادته أن فلانا أقر عنده بكذا وقال لي اشهد على شهادتي بذلك" لأنه لا بد من شهادته، وذكر شهادة الأصل وذكر التحميل، ولها لفظ أطول من هذا وأقصر منه، وخير الأمور أوسطها. "ومن قال أشهدني: فلان على نفسه لم يشهد السامع على شهادته حتى يقول له اشهد على شهادتي" لأنه لا بد من التحميل، وهذا ظاهر عند محمد ﵀ لأن القضاء عنده بشهادة الفروع والأصول جميعا حتى اشتركوا في الضمان عند الرجوع، وكذا عندهما لأنه لا بد من نقل شهادة الأصول ليصير حجة فيظهر تحميل ما هو حجة. قال: "ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا أو يمرضوا مرضا لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم" لأن جوازها للحاجة، وإنما تمس عند عجز الأصل وبهذه الأشياء يتحقق العجز. وإنما اعتبرنا السفر لأن المعجز بعد المسافة ومدة السفر بعيدة حكما حتى أدير عليها عدة من الأحكام فكذا سبيل

стр. 723

هذا الحكم. وعن أبي يوسف ﵀ أنه إن كان في مكان لو غدا لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله صح الإشهاد إحياء لحقوق الناس، قالوا: الأول أحسن والثاني أرفق وبه أخذ الفقيه أبو الليث. قال: "فإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز" لأنهم من أهل التزكية "وكذا إذا شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر صح" لما قلنا، غاية الأمر أن فيه منفعة من حيث القضاء بشهادته لكن العدل لا يتهم بمثله كما لا يتهم في شهادة نفسه، كيف وأن قوله في حق نفسه وإن ردت شهادة صاحبه فلا تهمة. قال: "وإن سكتوا عن تعديلهم جاز ونظر القاضي في حالهم" وهذا عند أبي يوسف ﵀. وقال محمد ﵀: لا تقبل لأنه لا شهادة إلا بالعدالة، فإذا لم يعرفوها لم ينقلوا الشهادة فلا يقبل. ولأبي يوسف ﵀ أن المأخوذ عليهم النقل دون التعديل، لأنه قد يخفى عليهم، وإذا نقلوا يتعرف القاضي العدالة كما إذا حضروا بأنفسهم وشهدوا. قال: "وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة الشهود الفرع" لأن التحميل لم يثبت للتعارض بين الخبرين وهو شرط. "وإذا شهد رجلان على شهادة رجلين على فلانة بنت فلان الفلانية بألف درهم، وقالا أخبرانا أنهما يعرفانها فجاء بامرأة وقالا: لا ندري أهي هذه أم لا فإنه يقال للمدعي هات شاهدين يشهدان أنها فلانة" لأن الشهادة على المعرفة بالنسبة قد تحققت والمدعي يدعي الحق على الحاضرة ولعلها غيرها فلا بد من تعريفها بتلك النسبة، ونظير هذا إذا تحملوا الشهادة ببيع محدودة بذكر حدودها وشهدوا على المشتري لا بد من آخرين يشهدان على أن المحدود بها في يد المدعى عليه، وكذا إذا أنكر المدعى عليه أن الحدود المذكورة في الشهادة حدود ما في يده. قال: "وكذا كتاب القاضي إلى القاضي" لأنه في معنى الشهادة على الشهادة إلا أن القاضي لكمال ديانته ووفور ولايته ينفرد بالنقل "ولو قالوا في هذين البابين التميمية لم يجز حتى ينسبوها إلى فخذها" وهي القبيلة الخاصة، وهذا لأن التعريف لا بد منه في هذا، ولا يحصل بالنسبة إلى العامة وهي عامة إلى بني تميم لأنهم قوم لا يحصون، ويحصل بالنسبة إلى الفخذ لأنها خاصة. وقيل الفرغانية نسبة عامة والأوزجندية خاصة، "وقيل السمرقندية والبخارية عامة" وقيل إلى السكة الصغيرة خاصة، وإلى المحلة الكبيرة والمصر عامة. ثم التعريف وإن كان يتم بذكر الجد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله

стр. 724

خلافا لأبي يوسف ﵀ على ظاهر الروايات، فذكر الفخذ يقوم مقام الجد لأنه اسم الجد الأعلى فنزل منزلة الجد الأدنى، والله أعلم.

стр. 725

فصل: "قال أبو حنيفة ﵀: شاهد الزور أشهره في السوق ولا أعزره. وقالا: نوجعه ضربا ونحبسه" وهو قول الشافعي ﵀. لهما ما روي عن عمر ﵁ أنه ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وسخم وجهه، ولأن هذه كبيرة يتعدى ضررها إلى العباد وليس فيها حد مقدر فيعزر. وله أن شريحا كان يشهر ولا يضرب، ولأن الانزجار يحصل بالتشهير فيكتفي به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر ولكنه يقع مانعا عن الرجوع فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه. وحديث عمر ﵁ محمول على السياسة بدلالة التبليغ إلى الأربعين والتسخيم ثم تفسير التشهير منقول عن شريح ﵀ فإنه كان يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما كانوا، ويقول: إن شريحا يقرئكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروا الناس منه. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنه يشهر عندهما أيضا. والتعزير والحبس على قدر ما يراه القاضي عندهما، وكيفية التعزير ذكرناه في الحدود. "وفي الجامع الصغير: شاهدان أقرا أنهما شهدا بزور لم يضربا وقالا يعزران" وفائدته أن شاهد الزور في حق ما ذكرنا من الحكم هو المقر على نفسه بذلك، فأما لا طريق إلى إثبات ذلك بالبينة لأنه نفي للشهادة والبينات للإثبات، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

стр. 726

كتاب الرجوع عن الشهادة قال: "إذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت" لأن الحق إنما يثبت بالقضاء والقاضي لا يقضي بكلام متناقض ولا ضمان عليهما لأنهما ما أتلفا شيئا لا على المدعي ولا على المشهود عليه "فإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ الحكم" لأن آخر كلامهم يناقض أوله فلا ينقض الحكم بالتناقض ولأنه في الدلالة على الصدق مثل الأول، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به "وعليهم ضمان ما أتلفوه بشهادتهم" لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان، والتناقض لا يمنع صحة الإقرار، وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى. "ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم" لأنه فسخ للشهادة فيختص بما تختص به الشهادة من المجلس وهو مجلس القاضي أي قاض كان، ولأن الرجوع توبة والتوبة على حسب الجناية، فالسر بالسر والإعلان بالإعلان. وإذا لم يصح الرجوع في غير مجلس القاضي، فلو ادعى المشهود عليه رجوعهما وأراد يمينهما لا يحلفان، وكذا لا تقبل بينته عليهما لأنه ادعى رجوعا باطلا، حتى لو أقام البينة أنه رجع عند قاضي كذا وضمنه المال تقبل لأن السبب صحيح. "وإذا شهد شاهدان بمال فحكم الحاكم به ثم رجعا ضمنا المال المشهود عليه" لأن التسبيب على وجه التعدي سبب الضمان كحافر البئر وقد سببا للإتلاف تعديا. وقال الشافعي ﵀: لا يضمنان لأنه لا عبرة للتسبيب عند وجود المباشرة. قلنا: تعذر إيجاب الضمان على المباشر وهو القاضي لأنه كالملجإ إلى القضاء، وفي إيجابه صرف الناس عن تقلده وتعذر استيفائه من المدعي لأن الحكم ماض فاعتبر التسبيب، وإنما يضمنان إذا قبض المدعي المال دينا كان أو عينا، لأن الإتلاف به يتحقق، ولأنه لا مماثلة بين أخذ العين وإلزام الدين. قال: "فإن رجع أحدهما ضمن النصف" والأصل أن المعتبر في هذا بقاء من بقي لا رجوع من رجع وقد بقي من يبقى بشهادته نصف الحق "وإن شهدا بالمال ثلاثة فرجع أحدهم فلا ضمان عليه" لأنه بقي من بقي بشهادته كل الحق، وهذا لأن الاستحقاق باق

стр. 727

بالحجة، والمتلف متى استحق سقط الضمان فأولى أن يمتنع "فإن رجع الآخر ضمن الراجعان نصف الحق" لأن ببقاء أحدهم يبقى نصف الحق "وإن شهد رجل وامرأتان فرجعت امرأة ضمنت ربع الحق" لبقاء ثلاثة الأرباع ببقاء من بقي "وإن رجعتا ضمنتا نصف الحق" لأن بشهادة الرجل بقي نصف الحق "وإن شهد رجل وعشرة نسوة ثم رجع ثمان فلا ضمان عليهن" لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق "فإن رجعت أخرى كان عليهن ربع الحق" لأنه بقي النصف بشهادة الرجل والربع بشهادة الباقية فبقي ثلاثة الأرباع "وإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق وعلى النسوة خمسة أسداسه عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما على الرجل النصف وعلى النسوة النصف" لأنهن وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد ولهذا لا تقبل شهادتهن إلا بانضمام رجل واحد. ولأبي حنيفة ﵀ أن كل امرأتين قامتا مقام رجل واحد، قال ﵊ في نقصان عقلهن: "عدلت شهادة اثنتين منهن بشهادة رجل واحد" فصار كما إذا شهد بذلك ستة رجال ثم رجعوا "وإن رجع النسوة العشرة دون الرجل كان عليهن نصف الحق على القولين" لما قلنا. "ولو شهد رجلان وامرأة بمال ثم رجعوا فالضمان عليهما دون المرأة" لأن الواحدة ليست بشاهدة بل هي بعض الشاهد فلا يضاف إليه الحكم. قال: "وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما، وكذلك إذا شهدا بأقل من مهر مثلها" لأن منافع البضع غير متقومة عند الإتلاف لأن التضمين يستدعي المماثلة على ما عرف، وإنما تضمن وتتقوم بالتملك لأنها تصير متقومة ضرورة الملك إبانة لخطر المحل "وكذا إذا شهدا على رجل يتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها" لأنه إتلاف بعوض لما أن البضع متقوم حال الدخول في الملك والإتلاف بعوض كلا إتلاف، وهذا لأن مبنى الضمان على المماثلة ولا مماثلة بين الإتلاف بعوض وبينه بغير عوض "وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمنا الزيادة" لأنهما أتلفاها من غير عوض. قال: "وإن شهدا ببيع شيء بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا" لأنه ليس بإتلاف معنى. نظرا إلى العوض "وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان" لأنهما أتلفا هذا الجزء بلا عوض. ولا فرق بين أن يكون البيع باتا أو فيه خيار البائع، لأن السبب هو البيع السابق فيضاف الحكم عند سقوط الخيار إليه فيضاف التلف إليهم "وإن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الدخول بها ثم رجعا ضمنا نصف المهر" لأنهما أكدا ضمانا على شرف السقوط،

стр. 728

ألا ترى أنها لو طاوعت ابن الزوج أو ارتدت سقط المهر أصلا ولأن الفرقة قبل الدخول في معنى الفسخ فيوجب سقوط جميع المهر كما مر في النكاح، ثم يجب نصف المهر ابتداء بطريق المتعة فكان واجبا بشهادتهما. قال: "وإن شهدا أنه أعتق عبده ثم رجعا ضمنا قيمته" لأنهما أتلفا مالية العبد عليه من غير عوض والولاء للمعتق لأن العتق لا يتحول إليهما بهذا الضمان فلا يتحول الولاء "وإن شهدوا بقصاص ثم رجعوا بعد القتل ضمنوا الدية ولا يقتص منهم" وقال الشافعي ﵀: يقتص منهم لوجود القتل منهم تسبيبا فأشبه المكره بل أولى، لأن الولي يعان والمكره يمنع. ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد، وكذا تسبيبا لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبا، وهاهنا لا يفضي لأن العفو مندوب، بخلاف المكره لأنه يؤثر حياته ظاهرا، ولأن الفعل الاختياري مما يقطع النسبة، ثم لا أقل من الشبهة وهي دارئة للقصاص، بخلاف المال لأنه يثبت مع الشبهات والباقي يعرف في المختلف. قال: "وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا" لأن الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم فكان التلف مضافا إليهم "ولو رجع شهود الأصل وقالوا لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا فلا ضمان عليهم" لأنهم أنكروا السبب وهو الإشهاد فلا يبطل القضاء لأنه خبر محتمل فصار كرجوع الشاهد، بخلاف ما قبل القضاء "وإن قالوا أشهدناهم وغلطنا ضمنوا وهذا عند محمد ﵀. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا ضمان عليهم" لأن القضاء وقع بشهادة الفروع لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة وهي شهادتهم. وله أن الفروع نقلوا شهادة الأصول فصار كأنهم حضروا "ولو رجع الأصول والفروع جميعا يجب الضمان عندهما على الفروع لا غير" لأن القضاء وقع بشهادتهم: وعند محمد ﵀ المشهود عليه بالخيار، إن شاء ضمن الأصول وإن شاء ضمن الفروع، لأن القضاء وقع بشهادة الفروع من الوجه الذي ذكرا وبشهادة الأصول من الوجه الذي ذكر فيتخير بينهما، والجهتان متغايرتان فلا يجمع بينهما في التضمين "وإن قال شهود الفرع كذب شهود الأصل أو غلطوا في شهادتهم لم يلتفت إلى ذلك" لأن ما أمضي من القضاء لا ينتقض بقولهم، ولا يجب الضمان عليهم لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم إنما شهدوا على غيرهم بالرجوع. قال: "وإن رجع المزكون عن التزكية ضمنوا وهذا عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يضمنون" لأنهم أثنوا على الشهود خيرا فصاروا كشهود الإحصان. وله أن التزكية إعمال للشهادة، إذ القاضي لا يعمل بها إلا بالتزكية فصارت بمعنى علة العلة، بخلاف شهود الإحصان لأنه شرط محض "وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا

стр. 729

فالضمان على شهود اليمين خاصة" لأنه هو السبب، والتلف يضاف إلى مثبتي السبب دون الشرط المحض: ألا ترى أن القاضي يقضي بشهادة اليمين دون شهود الشرط، ولو رجع شهود الشرط وحدهم اختلف المشايخ فيه. ومعنى المسألة يمين العتاق والطلاق قبل الدخول.

стр. 730

كتاب الوكالة قال: "كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره" لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال فيحتاج إلى أن يوكل غيره فيكون بسبيل منه دفعا للحاجة. وقد صح أن النبي ﷺ وكل بالشراء حكيم بن حزام وبالتزويج عمر بن أم سلمة ﵄. قال: "وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق" لما قدمنا من الحاجة إذ ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات. وقد صح أن عليا ﵁ وكل عقيلا، وبعدما أسن وكل عبد الله بن جعفر ﵁ "وكذا بإيفائها واستيفائها إلا في الحدود والقصاص فإن الوكالة لا تصح باستيفائها مع غيبة الموكل عن المجلس" لأنها تندرئ بالشبهات وشبهة العفو ثابتة حال غيبة الموكل، بل هو الظاهر للندب الشرعي، بخلاف غيبة الشاهد لأن الظاهر عدم الرجوع، وبخلاف حالة الحضرة لانتفاء هذه الشبهة، وليس كل أحد يحسن الاستيفاء. فلو منع عنه ينسد باب الاستيفاء أصلا، وهذا الذي ذكرناه قول أبي حنيفة ﵀. "وقال أبو يوسف ﵀: لا تجوز الوكالة بإثبات الحدود والقصاص بإقامة الشهود أيضا" ومحمد مع أبي حنيفة، وقيل مع أبي يوسف ﵏، وقيل هذا الاختلاف في غيبته دون حضرته لأن كلام الوكيل ينتقل إلى الموكل عند حضوره فصار كأنه متكلم بنفسه. له أن التوكيل إنابة وشبهة النيابة يتحرز عنها في هذا الباب "كما في الشهادة على الشهادة وكما في الاستيفاء" ولأبي حنيفة ﵀ أن الخصومة شرط محض لأن الوجوب مضاف إلى الجناية والظهور إلى الشهادة فيجري فيه التوكيل كما في سائر الحقوق، وعلى هذا الخلاف التوكيل بالجواب من جانب من عليه الحد والقصاص. وكلام أبي حنيفة ﵀ فيه أظهر لأن الشبهة لا تمنع الدفع، غير أن إقرار الوكيل غير مقبول عليه لما فيه من شبهة عدم الأمر به. "وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا من غير رضا الخصم إلا أن

стр. 731

يكون الموكل مريضا أو غائبا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا. وقالا: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم" وهو قول الشافعي ﵀. ولا خلاف في الجواز إنما الخلاف في اللزوم. لهما أن التوكيل تصرف في خالص حقه فلا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل بتقاضي الديون. وله أن الجواب مستحق على الخصم ولهذا يستحضره، والناس متفاوتون في الخصومة، فلو قلنا بلزومه يتضرر به فيتوقف على رضاه كالعبد المشترك إذا كاتبه أحدهما يتخير الآخر، بخلاف المريض والمسافر لأن الجواب غير مستحق عليهما هنالك، ثم كما يلزم التوكيل عنده من المسافر يلزم إذا أراد السفر لتحقق الضرورة، ولو كانت المرأة مخدرة لم تجر عادتها بالبروز وحضور مجلس الحكم قال الرازي ﵀: يلزم التوكيل لأنها لو حضرت لا يمكنها أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها. قال: وهذا شيء استحسنه المتأخرون. قال: "ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف وتلزمه الأحكام" لأن الوكيل يملك التصرف من جهة الموكل فلا بد أن يكون الموكل مالكا ليملكه من غيره. "و" يشترط أن يكون "الوكيل ممن يعقل العقد ويقصده" لأنه يقوم مقام الموكل في العبارة فيشترط أن يكون من أهل العبارة حتى لو كان صبيا لا يعقل أو مجنونا كان التوكيل باطلا. "وإذا وكل الحر العاقل البالغ أو المأذون مثلهما جاز" لأن الموكل مالك للتصرف والوكيل من أهل العبارة "وإن وكلا صبيا محجورا يعقل البيع والشراء أو عبدا محجورا جاز، ولا يتعلق بهما الحقوق ويتعلق بموكلهما" لأن الصبي من أهل العبارة؛ ألا ترى أنه ينفذ تصرفه بإذن وليه، والعبد من أهل التصرف على نفسه مالك له وإنما لا يملكه في حق المولى، والتوكيل ليس تصرفا في حقه إلا أنه لا يصح منهما التزام العهدة. أما الصبي لقصور أهليته والعبد لحق سيده فتلزم الموكل. وعن أبي يوسف ﵀ أن المشتري إذا لم يعلم بحال البائع ثم علم أنه صبي أو مجنون له خيار الفسخ لأنه دخل في العقد على أن حقوقه تتعلق بالعاقد، فإذا ظهر خلافه يتخير كما إذا عثر على عيب. قال: "والعقد الذي يعقده الوكلاء على ضربين: كل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه كالبيع والإجارة فحقوقه تتعلق بالوكيل دون الموكل". وقال الشافعي ﵀: تتعلق بالموكل؛ لأن الحقوق تابعة لحكم التصرف، والحكم وهو الملك يتعلق بالموكل، فكذا توابعه وصار كالرسول والوكيل بالنكاح. ولنا أن الوكيل هو العاقد حقيقة؛ لأن العقد يقوم بالكلام، وصحة عبارته لكونه آدميا وكذا حكما؛ لأنه يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو كان سفيرا عنه لما استغنى عن ذلك كالرسول، وإذا كان كذلك كان أصيلا في الحقوق فتتعلق به

стр. 732

ولهذا قال في الكتاب "يسلم المبيع ويقبض الثمن ويطالب بالثمن إذا اشترى، ويقبض المبيع ويخاصم في العيب ويخاصم فيه"؛ لأن كل ذلك من الحقوق والملك يثبت للموكل خلافة عنه، اعتبارا للتوكيل السابق كالعبد يتهب ويصطاد هو الصحيح. قال العبد الضعيف: وفي مسألة العيب تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى. قال: "وكل عقد يضيفه إلى موكله كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد فإن حقوقه تتعلق بالموكل دون الوكيل فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها"؛ لأن الوكيل فيها سفير محض؛ ألا يرى أنه لا يستغنى عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو أضافه إلى نفسه كان النكاح له فصار كالرسول، وهذا؛ لأن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن السبب؛ لأنه إسقاط فيتلاشى فلا يتصور صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره فكان سفيرا. والضرب الثاني من أخواته العتق على مال والكتابة والصلح على الإنكار. فأما الصلح الذي هو جار مجرى البيع فهو من الضرب الأول، والوكيل بالهبة والتصدق والإعارة والإيداع والرهن والإقراض سفير أيضا؛ لأن الحكم فيما يثبت بالقبض، وأنه يلاقي محلا مملوكا للغير فلا يجعل أصيلا، وكذا إذا كان الوكيل من جانب الملتمس، وكذا الشركة والمضاربة، إلا أن التوكيل بالاستقراض باطل حتى لا يثبت الملك للموكل بخلاف الرسالة فيه. قال: "وإذا طالب الموكل المشتري بالثمن" "فله أن يمنعه إياه"؛ لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه لما أن الحقوق إلى العاقد "فإن دفعه إليه جاز ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانيا"؛ لأن نفس الثمن المقبوض حقه وقد وصل إليه، ولا فائدة في الأخذ منه ثم الدفع إليه، ولهذا لو كان للمشتري على الموكل دين يقع المقاصة، ولو كان له عليهما دين يقع المقاصة بدين الموكل أيضا دون دين الوكيل وبدين الوكيل إذا كان وحده إن كان يقع المقاصة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لما أنه يملك الإبراء عنه عندهما ولكنه يضمنه للموكل في الفصلين.

стр. 733

باب الوكالة في البيع والشراء فصل: في الشراء قال: "ومن وكل رجلا بشراء شيء فلا بد من تسمية جنسه وصفته أو جنسه ومبلغ ثمنه" ليصير الفعل الموكل به معلوما فيمكنه الائتمار، "إلا أن يوكله وكالة عامة فيقول: ابتع لي ما رأيت"؛ لأنه فوض الأمر إلى رأيه، فأي شيء يشتريه يكون ممتثلا. والأصل فيه أن الجهالة

стр. 734

اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحسانا، لأن مبنى التوكيل على التوسعة؛ لأنه استعانة. وفي اعتبار هذا الشرط بعض الحرج وهو مدفوع "ثم إن كان اللفظ يجمع أجناسا أو ما هو في معنى الأجناس لا يصح التوكيل وإن بين الثمن"؛ لأن بذلك الثمن يوجد من كل جنس فلا يدرى مراد الآمر لتفاحش الجهالة "وإن كان جنسا يجمع أنواعا لا يصح إلا ببيان الثمن أو النوع"؛ لأنه بتقدير الثمن يصير النوع معلوما، وبذكر النوع تقل الجهالة فلا تمنع الامتثال. مثاله: إذا وكله بشراء عبد أو جارية لا يصح؛ لأنه يشمل أنواعا فإن بين النوع كالتركي والحبشي أو الهندي أو السندي أو المولد جاز، وكذا إذا بين الثمن لما ذكرناه، ولو بين النوع أو الثمن ولم يبين الصفة والجودة والرداءة والسطة جاز؛ لأنه جهالة مستدركة، ومراده من الصفة المذكورة في الكتاب النوع. "وفي الجامع الصغير: ومن قال لآخر اشتر لي ثوبا أو دابة أو دارا فالوكالة باطلة" للجهالة الفاحشة، فإن الدابة في حقيقة اللغة اسم لما يدب على وجه الأرض. وفي العرف يطلق على الخيل والحمار والبغل فقد جمع أجناسا، وكذا الثوب؛ لأنه يتناول الملبوس من الأطلس إلى الكساء ولهذا لا يصح تسميته مهرا وكذا الدار تشمل ما هو في معنى الأجناس؛ لأنها تختلف اختلافا فاحشا باختلاف الأغراض والجيران والمرافق والمحال والبلدان فيتعذر الامتثال. قال: "وإن سمى ثمن الدار ووصف جنس الدار والثوب جاز" معناه نوعه، وكذا إذا سمى نوع الدابة بأن قال حمارا أو نحوه. قال: "ومن دفع إلى آخر دراهم وقال اشتر لي بها طعاما فهو على الحنطة ودقيقها" استحسانا. والقياس أن يكون على كل مطعوم اعتبارا للحقيقة كما في اليمين على الأكل إذ الطعام اسم لما يطعم. وجه الاستحسان أن العرف أملك وهو على ما ذكرناه إذا ذكر مقرونا بالبيع والشراء ولا عرف في الأكل فبقي على الوضع، وقيل إن كثرت الدراهم فعلى الحنطة، وإن قلت فعلى الخبز، وإن كان فيما بين ذلك فعلى الدقيق. قال: "وإذا اشترى الوكيل وقبض ثم اطلع على عيب فله أن يرده بالعيب ما دام المبيع في يده"؛ لأنه من حقوق العقد وهي كلها إليه "فإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه"؛ لأنه انتهى حكم الوكالة، ولأن فيه إبطال يده الحقيقية فلا يتمكن منه إلا بإذنه، ولهذا كان خصما لمن يدعي في المشتري دعوى كالشفيع وغيره قبل التسليم إلى الموكل لا بعده.

стр. 735

قال: "ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم"؛ لأنه عقد يملكه بنفسه فيملك التوكيل به على ما مر، ومراده التوكيل بالإسلام دون قبول السلم؛ لأن ذلك لا يجوز، فإن الوكيل يبيع طعاما في ذمته على أن يكون الثمن لغيره، وهذا لا يجوز. "فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض بطل العقد" لوجود الافتراق من غير قبض "ولا يعتبر مفارقة الموكل"؛ لأنه ليس بعاقد والمستحق بالعقد قبض العاقد وهو الوكيل فيصح قبضه وإن كان لا يتعلق به الحقوق كالصبي والعبد المحجور عليه، بخلاف الرسول؛ لأن الرسالة في العقد لا في القبض، وينتقل كلامه إلى المرسل فصار قبض الرسول قبض غير العاقد فلم يصح. قال: "وإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله وقبض المبيع فله أن يرجع به على الموكل"؛ لأنه انعقدت بينهما مبادلة حكمية ولهذا إذا اختلفا في الثمن يتحالفان ويرد الموكل بالعيب على الوكيل وقد سلم المشتري للموكل من جهة الوكيل فيرجع عليه ولأن الحقوق لما كانت راجعة إليه وقد علمه الموكل يكون راضيا بدفعه من ماله "فإن هلك المبيع في يده قبل حبسه هلك من مال الموكل ولم يسقط الثمن"؛ لأن يده كيد الموكل، فإذا لم يحبسه يصير الموكل قابضا بيده. "وله أن يحبسه حتى يستوفي الثمن" لما بينا أنه بمنزلة البائع من الموكل. وقال زفر: ليس له ذلك؛ لأن الموكل صار قابضا بيده فكأنه سلمه إليه فيسقط حق الحبس. قلنا: هذا لا يمكن التحرز عنه فلا يكون راضيا بسقوط حقه في الحبس، على أن قبضه موقوف فيقع للموكل إن لم يحبسه ولنفسه عند حبسه "فإن حبسه فهلك كان مضمونا ضمان الرهن عند أبي يوسف وضمان المبيع عند محمد" وهو قول أبي حنيفة ﵀ وضمان الغصب عند زفر ﵀؛ لأنه منع بغير حق، لهما أنه بمنزلة البائع منه فكان حبسه لاستيفاء الثمن فيسقط بهلاكه ولأبي يوسف أنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن وهو الرهن بعينه بخلاف المبيع؛ لأن البيع ينفسخ بهلاكه وها هنا لا ينفسخ أصل العقد. قلنا: ينفسخ في حق الموكل والوكيل، كما إذا رده الموكل بعيب ورضي الوكيل به. قال: "وإذا وكله بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم فاشترى عشرين رطلا بدرهم من لحم يباع منه عشرة أرطال بدرهم لزم الموكل منه عشرة بنصف درهم عند أبي حنيفة، وقالا: يلزمه العشرون بدرهم" وذكر في بعض النسخ قول محمد مع قول أبي حنيفة ومحمد لم يذكر الخلاف في الأصل. لأبي يوسف أنه أمره بصرف الدرهم في

стр. 736

اللحم وظن أن سعره عشرة أرطال، فإذا اشترى به عشرين فقد زاده خيرا وصار كما إذا وكله ببيع عبده بألف فباعه بألفين. ولأبي حنيفة أنه أمره بشراء عشرة أرطال ولم يأمره بشراء الزيادة فينفذ شراؤها عليه وشراء العشرة على الموكل بخلاف ما استشهد به؛ لأن الزيادة هناك بدل ملك الموكل فيكون له، بخلاف ما إذا اشترى ما يساوي عشرين رطلا بدرهم حيث يصير مشتريا لنفسه بالإجماع؛ لأن الآمر يتناول السمين وهذا مهزول فلم يحصل مقصود الآمر. قال: "ولو وكله بشراء شيء بعينه فليس له أن يشتريه لنفسه" لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر حيث اعتمد عليه ولأن فيه عزل نفسه ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل، فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه أو لم يكن مسمى فاشترى بغير النقود أو وكل وكيلا بشرائه فاشترى الثاني وهو غائب يثبت الملك للوكيل الأول في هذه الوجوه؛ لأنه خالف أمر الآمر فينفذ عليه. ولو اشترى الثاني بحضرة الوكيل الأول نفذ على الموكل الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفا. قال: "وإن وكله بشراء عبد بغير عينه: فاشترى عبدا فهو للوكيل إلا أن يقول نويت الشراء للموكل أو يشتريه بمال الموكل". قال: هذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر وهو المراد عندي بقوله أو يشتريه بمال الموكل دون النقد من ماله؛ لأن فيه تفصيلا وخلافا، وهذا بالإجماع وهو مطلق. وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه حملا لحاله على ما يحل له شرعا أو يفعله عادة إذ الشراء لنفسه بإضافة العقد إلى دراهم غيره مستنكر شرعا وعرفا. وإن أضافه إلى دراهم مطلقة، فإن نواها للآمر فهو للآمر، وإن نواها لنفسه فلنفسه؛ لأن له أن يعمل لنفسه ويعمل للآمر في هذا التوكيل، وإن تكاذبا في النية يحكم النقد بالإجماع؛ لأنه دلالة ظاهرة على ما ذكرنا، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية قال محمد ﵀: هو للعاقد؛ لأن الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه إلا إذا ثبت جعله لغيره ولم يثبت. وعند أبي يوسف ﵀: يحكم النقد؛ لأن ما أوقعه مطلقا يحتمل الوجهين فيبقى موقوفا، فمن أي المالين نقد فقد فعل ذلك المحتمل لصاحبه ولأن مع تصادقهما يحتمل النية للآمر، وفيما قلنا حمل حاله على الصلاح كما في حالة التكاذب. والتوكيل بالإسلام في الطعام على هذه الوجوه. قال: "ومن أمر رجلا بشراء عبد بألف فقال قد فعلت ومات عندي وقال الآمر

стр. 737

اشتريته لنفسك فالقول قول الآمر، فإن كان دفع إليه الألف فالقول قول المأمور"؛ لأن في الوجه الأول أخبر عما لا يملك استئنافه وهو الرجوع بالثمن على الآمر وهو ينكر والقول للمنكر. وفي الوجه الثاني هو أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله. ولو كان العبد حيا حين اختلفا، إن كان الثمن منقودا فالقول للمأمور؛ لأنه أمين، وإن لم يكن منقودا فكذلك عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأنه يملك استئناف الشراء فلا يتهم في الإخبار عنه. وعن أبي حنيفة ﵀: القول للأمر؛ لأنه موضع تهمة بأن اشتراه لنفسه، فإذا رأى الصفقة خاسرة ألزمها الآمر، بخلاف ما إذا كان الثمن منقودا؛ لأنه أمين فيه فيقبل قوله تبعا لذلك ولا ثمن في يده هاهنا، وإن كان أمره بشراء عبد بعينه ثم اختلفا والعبد حي فالقول للمأمور سواء كان الثمن منقودا أو غير منقود، وهذا بالإجماع؛ لأنه أخبر عما يملك استئنافه، ولا تهمة فيه؛ لأن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل ذلك الثمن في حال غيبته على ما مر، بخلاف غير المعين على ما ذكرناه لأبي حنيفة ﵀. "ومن قال لآخر بعني هذا العبد لفلان فباعه ثم أنكر أن يكون فلان أمره ثم جاء فلان وقال أنا أمرته بذلك فإن فلانا يأخذه"؛ لأن قوله السابق إقرار منه بالوكالة عنه فلا ينفعه الإنكار اللاحق. "فإن قال فلان لم آمره لم يكن له"؛ لأن الإقرار يرتد برده "إلا أن يسلمه المشترى له فيكون بيعا عنه وعليه العهدة"؛ لأنه صار مشتريا بالتعاطي، كمن اشترى لغيره بغير أمره حتى لزمه ثم سلمه المشترى له، ودلت المسألة على أن التسليم على وجه البيع يكفي للتعاطي وإن لم يوجد نقد الثمن، وهو يتحقق في النفيس والخسيس لاستتمام التراضي وهو المعتبر في الباب. قال: "ومن أمر رجلا أن يشتري له عبدين بأعيانهما ولم يسم له ثمنا فاشترى له أحدهما جاز"؛ لأن التوكيل مطلق، وقد لا يتفق الجمع بينهما في البيع "إلا فيما لا يتغابن الناس فيه"؛ لأنه توكيل بالشراء، وهذا كله بالإجماع "ولو أمره بأن يشتريهما بألف وقيمتهما سواء، فعند أبي حنيفة ﵀ إن اشترى أحدهما بخمسمائة أو أقل جاز، وإن اشترى بأكثر لم يلزم الآمر"؛ لأنه قابل الألف بهما وقيمتهما سواء فيقسم بينهما نصفين دلالة، فكان آمرا بشراء كل واحد منهما بخمسمائة ثم الشراء بها موافقة وبأقل منها مخالفة إلى خير والزيادة إلى شر قلت الزيادة أو كثرت فلا يجوز "إلا أن يشتري الباقي ببقية الألف قبل أن يختصما استحسانا"؛ لأن شراء الأول قائم وقد حصل غرضه المصرح به وهو تحصيل العبدين بالألف وما ثبت الانقسام إلا دلالة والصريح يفوقها "وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن اشترى أحدهما بأكثر من نصف الألف بما يتغابن الناس فيه وقد بقي من

стр. 738

الألف ما يشترى بمثله الباقي جاز"؛ لأن التوكيل مطلق لكنه يتقيد بالمتعارف وهو فيما قلنا، ولكن لا بد أن يبقى من الألف باقية يشترى بمثلها الباقي ليمكنه تحصيل غرض الآمر. قال: "ومن له على آخر ألف درهم فأمره أن يشتري بها هذا العبد فاشتراه جاز"؛ لأن في تعيين المبيع تعيين البائع؛ ولو عين البائع يجوز على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال: "وإن أمره أن يشتري بها عبدا بغير عينه فاشتراه فمات في يده قبل أن يقبضه الآمر مات من مال المشتري، وإن قبضه الآمر فهو له" وهذا عند أبي حنيفة ﵀ "وقالا: هو لازم للآمر إذا قبضه المأمور" وعلى هذا إذا أمره أن يسلم ما عليه أو يصرف ما عليه. لهما أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في المعاوضات دينا كانت أو عينا، ألا يرى أنه لو تبايعا عينا بدين ثم تصادقا أن لا دين لا يبطل العقد فصار الإطلاق والتقييد فيه سواء فيصح التوكيل ويلزم الآمر؛ لأن يد الوكيل كيده. ولأبي حنيفة ﵀ أنها تتعين في الوكالات؛ ألا ترى أنه لو قيد الوكالة بالعين منها أو بالدين منها ثم استهلك العين أو أسقط الدين بطلت الوكالة، وإذا تعينت كان هذا تمليك الدين من غير من عليه الدين من دون أن يوكله بقبضه وذلك لا يجوز، كما إذا اشترى بدين على غير المشتري أو يكون أمرا بصرف ما لا يملكه إلا بالقبض قبله وذلك باطل كما إذا قال أعط مالي عليك من شئت، بخلاف ما إذا عين البائع؛ لأنه يصير وكيلا عنه في القبض ثم يتملكه، وبخلاف ما إذا أمره بالتصدق؛ لأنه جعل المال لله وهو معلوم. وإذا لم يصح التوكيل نفذ الشراء على المأمور فيهلك من ماله إلا إذا قبضه الآمر منه لانعقاد البيع تعاطيا. قال: "ومن دفع إلى آخر ألفا وأمره أن يشتري بها جارية فاشتراها فقال الآمر اشتريتها بخمسمائة. وقال المأمور اشتريتها بألف فالقول قول المأمور" ومراده إذا كانت تساوي ألفا؛ لأنه أمين فيه وقد ادعى الخروج عن عهدة الأمانة والآمر يدعي عليه ضمان خمسمائة وهو ينكر، فإن كانت تساوي خمسمائة فالقول قول الآمر؛ لأنه خالف حيث اشترى جارية تساوي خمسمائة والأمر تناول ما يساوي ألفا فيضمن. قال: "وإن لم يكن دفع إليه الألف فالقول قول الآمر" أما إذا كانت قيمتها خمسمائة فللمخالفة وإن كانت قيمتها ألفا فمعناه أنهما يتحالفان؛ لأن الموكل والوكيل في هذا ينزلان منزلة البائع والمشتري وقد وقع الاختلاف في الثمن وموجبه التحالف. ثم يفسخ العقد الذي جرى بينهما فتلزم الجارية المأمور. قال: "ولو أمره أن يشتري له هذا العبد ولم يسم له ثمنا فاشتراه فقال الآمر اشتريته

стр. 739

بخمسمائة وقال المأمور بألف وصدق البائع المأمور فالقول قول المأمور مع يمينه" قيل لا تحالف هاهنا؛ لأنه ارتفع الخلاف بتصديق البائع، إذ هو حاضر وفي المسألة الأولى هو غائب، فاعتبر الاختلاف، وقيل يتحالفان كما ذكرنا، وقد ذكر معظم يمين التحالف وهو يمين البائع والبائع بعد استيفاء الثمن أجنبي عنهما وقبله أجنبي عن الموكل إذ لم يجر بينهما بيع فلا يصدق عليه فيبقى الخلاف، وهذا قول الإمام أبي منصور ﵀ وهو أظهر. والله أعلم بالصواب.

стр. 740

فصل: في التوكيل بشراء نفس العبد قال: "وإذا قال العبد لرجل: اشتر لي نفسي من المولى بألف ودفعها إليه، فإن قال الرجل للمولى: اشتريته لنفسه فباعه على هذا فهو حر والولاء للمولى"؛ لأن بيع نفس العبد منه إعتاق وشراء العبد نفسه قبول الإعتاق ببدل والمأمور سفير عنه إذ لا يرجع عليه الحقوق فصار كأنه اشترى بنفسه، وإذا كان إعتاقا أعقب الولاء "وإن لم يعين للمولى فهو عبد للمشتري" لأن اللفظ حقيقة للمعاوضة وأمكن العمل بها إذا لم يعين فيحافظ عليها. بخلاف شراء العبد نفسه؛ لأن المجاز فيه متعين، وإذا كان معاوضة يثبت الملك له "والألف للمولى"؛ لأنه كسب عبده "وعلى المشتري ألف مثله" ثمنا للعبد فإنه في ذمته حيث لم يصح الأداء، بخلاف الوكيل بشراء العبد من غيره حيث لا يشترط بيانه؛ لأن العقدين هناك على نمط واحد، وفي الحالين المطالبة تتوجه نحو العاقد، أما هاهنا فأحدهما إعتاق معقب للولاء ولا مطالبة على الوكيل والمولى عساه لا يرضاه ويرغب في المعارضة المحضة فلا بد من البيان. "ومن قال لعبد اشتر لي نفسك من مولاك فقال لمولاه بعني نفسي لفلان بكذا ففعل فهو للآمر"؛ لأن العبد يصلح وكيلا عن غيره في شراء نفسه؛ لأنه أجنبي عن ماليته، والبيع يرد عليه من حيث إنه مال إلا أن ماليته في يده حتى لا يملك البائع الحبس بعد البيع فإذا أضافه إلى الآمر صلح فعله امتثالا فيقع. العقد للآمر. "وإن عقد لنفسه فهو حر"؛ لأنه إعتاق وقد رضي به المولى دون المعاوضة، والعبد وإن كان وكيلا بشراء شيء معين ولكنه أتى بجنس تصرف آخر وفي مثله ينفذ على الوكيل "وكذا لو قال بعني نفسي ولم يقل لفلان فهو حر"؛ لأن المطلق يحتمل الوجهين فلا يقع امتثالا بالشك فيبقى التصرف واقعا لنفسه.
следующие страницы →