Полный текст (1 246 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
اللحم وظن أن سعره عشرة أرطال، فإذا اشترى به عشرين فقد زاده خيرا وصار كما إذا وكله ببيع عبده بألف فباعه بألفين. ولأبي حنيفة أنه أمره بشراء عشرة أرطال ولم يأمره بشراء الزيادة فينفذ شراؤها عليه وشراء العشرة على الموكل بخلاف ما استشهد به؛ لأن الزيادة هناك بدل ملك الموكل فيكون له، بخلاف ما إذا اشترى ما يساوي عشرين رطلا بدرهم حيث يصير مشتريا لنفسه بالإجماع؛ لأن الآمر يتناول السمين وهذا مهزول فلم يحصل مقصود الآمر.
قال: "ولو وكله بشراء شيء بعينه فليس له أن يشتريه لنفسه" لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر حيث اعتمد عليه ولأن فيه عزل نفسه ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل، فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه أو لم يكن مسمى فاشترى بغير النقود أو وكل وكيلا بشرائه فاشترى الثاني وهو غائب يثبت الملك للوكيل الأول في هذه الوجوه؛ لأنه خالف أمر الآمر فينفذ عليه. ولو اشترى الثاني بحضرة الوكيل الأول نفذ على الموكل الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفا.
قال: "وإن وكله بشراء عبد بغير عينه: فاشترى عبدا فهو للوكيل إلا أن يقول نويت الشراء للموكل أو يشتريه بمال الموكل".
قال: هذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر وهو المراد عندي بقوله أو يشتريه بمال الموكل دون النقد من ماله؛ لأن فيه تفصيلا وخلافا، وهذا بالإجماع وهو مطلق. وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه حملا لحاله على ما يحل له شرعا أو يفعله عادة إذ الشراء لنفسه بإضافة العقد إلى دراهم غيره مستنكر شرعا وعرفا. وإن أضافه إلى دراهم مطلقة، فإن نواها للآمر فهو للآمر، وإن نواها لنفسه فلنفسه؛ لأن له أن يعمل لنفسه ويعمل للآمر في هذا التوكيل، وإن تكاذبا في النية يحكم النقد بالإجماع؛ لأنه دلالة ظاهرة على ما ذكرنا، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية قال محمد ﵀: هو للعاقد؛ لأن الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه إلا إذا ثبت جعله لغيره ولم يثبت. وعند أبي يوسف ﵀: يحكم النقد؛ لأن ما أوقعه مطلقا يحتمل الوجهين فيبقى موقوفا، فمن أي المالين نقد فقد فعل ذلك المحتمل لصاحبه ولأن مع تصادقهما يحتمل النية للآمر، وفيما قلنا حمل حاله على الصلاح كما في حالة التكاذب. والتوكيل بالإسلام في الطعام على هذه الوجوه.
قال: "ومن أمر رجلا بشراء عبد بألف فقال قد فعلت ومات عندي وقال الآمر
стр. 737
اشتريته لنفسك فالقول قول الآمر، فإن كان دفع إليه الألف فالقول قول المأمور"؛ لأن في الوجه الأول أخبر عما لا يملك استئنافه وهو الرجوع بالثمن على الآمر وهو ينكر والقول للمنكر. وفي الوجه الثاني هو أمين يريد الخروج عن عهدة الأمانة فيقبل قوله. ولو كان العبد حيا حين اختلفا، إن كان الثمن منقودا فالقول للمأمور؛ لأنه أمين، وإن لم يكن منقودا فكذلك عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأنه يملك استئناف الشراء فلا يتهم في الإخبار عنه. وعن أبي حنيفة ﵀: القول للأمر؛ لأنه موضع تهمة بأن اشتراه لنفسه، فإذا رأى الصفقة خاسرة ألزمها الآمر، بخلاف ما إذا كان الثمن منقودا؛ لأنه أمين فيه فيقبل قوله تبعا لذلك ولا ثمن في يده هاهنا، وإن كان أمره بشراء عبد بعينه ثم اختلفا والعبد حي فالقول للمأمور سواء كان الثمن منقودا أو غير منقود، وهذا بالإجماع؛ لأنه أخبر عما يملك استئنافه، ولا تهمة فيه؛ لأن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك شراءه لنفسه بمثل ذلك الثمن في حال غيبته على ما مر، بخلاف غير المعين على ما ذكرناه لأبي حنيفة ﵀.
"ومن قال لآخر بعني هذا العبد لفلان فباعه ثم أنكر أن يكون فلان أمره ثم جاء فلان وقال أنا أمرته بذلك فإن فلانا يأخذه"؛ لأن قوله السابق إقرار منه بالوكالة عنه فلا ينفعه الإنكار اللاحق. "فإن قال فلان لم آمره لم يكن له"؛ لأن الإقرار يرتد برده "إلا أن يسلمه المشترى له فيكون بيعا عنه وعليه العهدة"؛ لأنه صار مشتريا بالتعاطي، كمن اشترى لغيره بغير أمره حتى لزمه ثم سلمه المشترى له، ودلت المسألة على أن التسليم على وجه البيع يكفي للتعاطي وإن لم يوجد نقد الثمن، وهو يتحقق في النفيس والخسيس لاستتمام التراضي وهو المعتبر في الباب.
قال: "ومن أمر رجلا أن يشتري له عبدين بأعيانهما ولم يسم له ثمنا فاشترى له أحدهما جاز"؛ لأن التوكيل مطلق، وقد لا يتفق الجمع بينهما في البيع "إلا فيما لا يتغابن الناس فيه"؛ لأنه توكيل بالشراء، وهذا كله بالإجماع "ولو أمره بأن يشتريهما بألف وقيمتهما سواء، فعند أبي حنيفة ﵀ إن اشترى أحدهما بخمسمائة أو أقل جاز، وإن اشترى بأكثر لم يلزم الآمر"؛ لأنه قابل الألف بهما وقيمتهما سواء فيقسم بينهما نصفين دلالة، فكان آمرا بشراء كل واحد منهما بخمسمائة ثم الشراء بها موافقة وبأقل منها مخالفة إلى خير والزيادة إلى شر قلت الزيادة أو كثرت فلا يجوز "إلا أن يشتري الباقي ببقية الألف قبل أن يختصما استحسانا"؛ لأن شراء الأول قائم وقد حصل غرضه المصرح به وهو تحصيل العبدين بالألف وما ثبت الانقسام إلا دلالة والصريح يفوقها "وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن اشترى أحدهما بأكثر من نصف الألف بما يتغابن الناس فيه وقد بقي من
стр. 738
الألف ما يشترى بمثله الباقي جاز"؛ لأن التوكيل مطلق لكنه يتقيد بالمتعارف وهو فيما قلنا، ولكن لا بد أن يبقى من الألف باقية يشترى بمثلها الباقي ليمكنه تحصيل غرض الآمر.
قال: "ومن له على آخر ألف درهم فأمره أن يشتري بها هذا العبد فاشتراه جاز"؛ لأن في تعيين المبيع تعيين البائع؛ ولو عين البائع يجوز على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: "وإن أمره أن يشتري بها عبدا بغير عينه فاشتراه فمات في يده قبل أن يقبضه الآمر مات من مال المشتري، وإن قبضه الآمر فهو له" وهذا عند أبي حنيفة ﵀ "وقالا: هو لازم للآمر إذا قبضه المأمور" وعلى هذا إذا أمره أن يسلم ما عليه أو يصرف ما عليه. لهما أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في المعاوضات دينا كانت أو عينا، ألا يرى أنه لو تبايعا عينا بدين ثم تصادقا أن لا دين لا يبطل العقد فصار الإطلاق والتقييد فيه سواء فيصح التوكيل ويلزم الآمر؛ لأن يد الوكيل كيده. ولأبي حنيفة ﵀ أنها تتعين في الوكالات؛ ألا ترى أنه لو قيد الوكالة بالعين منها أو بالدين منها ثم استهلك العين أو أسقط الدين بطلت الوكالة، وإذا تعينت كان هذا تمليك الدين من غير من عليه الدين من دون أن يوكله بقبضه وذلك لا يجوز، كما إذا اشترى بدين على غير المشتري أو يكون أمرا بصرف ما لا يملكه إلا بالقبض قبله وذلك باطل كما إذا قال أعط مالي عليك من شئت، بخلاف ما إذا عين البائع؛ لأنه يصير وكيلا عنه في القبض ثم يتملكه، وبخلاف ما إذا أمره بالتصدق؛ لأنه جعل المال لله وهو معلوم. وإذا لم يصح التوكيل نفذ الشراء على المأمور فيهلك من ماله إلا إذا قبضه الآمر منه لانعقاد البيع تعاطيا.
قال: "ومن دفع إلى آخر ألفا وأمره أن يشتري بها جارية فاشتراها فقال الآمر اشتريتها بخمسمائة. وقال المأمور اشتريتها بألف فالقول قول المأمور" ومراده إذا كانت تساوي ألفا؛ لأنه أمين فيه وقد ادعى الخروج عن عهدة الأمانة والآمر يدعي عليه ضمان خمسمائة وهو ينكر، فإن كانت تساوي خمسمائة فالقول قول الآمر؛ لأنه خالف حيث اشترى جارية تساوي خمسمائة والأمر تناول ما يساوي ألفا فيضمن.
قال: "وإن لم يكن دفع إليه الألف فالقول قول الآمر" أما إذا كانت قيمتها خمسمائة فللمخالفة وإن كانت قيمتها ألفا فمعناه أنهما يتحالفان؛ لأن الموكل والوكيل في هذا ينزلان منزلة البائع والمشتري وقد وقع الاختلاف في الثمن وموجبه التحالف. ثم يفسخ العقد الذي جرى بينهما فتلزم الجارية المأمور.
قال: "ولو أمره أن يشتري له هذا العبد ولم يسم له ثمنا فاشتراه فقال الآمر اشتريته
стр. 739
بخمسمائة وقال المأمور بألف وصدق البائع المأمور فالقول قول المأمور مع يمينه" قيل لا تحالف هاهنا؛ لأنه ارتفع الخلاف بتصديق البائع، إذ هو حاضر وفي المسألة الأولى هو غائب، فاعتبر الاختلاف، وقيل يتحالفان كما ذكرنا، وقد ذكر معظم يمين التحالف وهو يمين البائع والبائع بعد استيفاء الثمن أجنبي عنهما وقبله أجنبي عن الموكل إذ لم يجر بينهما بيع فلا يصدق عليه فيبقى الخلاف، وهذا قول الإمام أبي منصور ﵀ وهو أظهر. والله أعلم بالصواب.
стр. 740
فصل: في التوكيل بشراء نفس العبد
قال: "وإذا قال العبد لرجل: اشتر لي نفسي من المولى بألف ودفعها إليه، فإن قال الرجل للمولى: اشتريته لنفسه فباعه على هذا فهو حر والولاء للمولى"؛ لأن بيع نفس العبد منه إعتاق وشراء العبد نفسه قبول الإعتاق ببدل والمأمور سفير عنه إذ لا يرجع عليه الحقوق فصار كأنه اشترى بنفسه، وإذا كان إعتاقا أعقب الولاء "وإن لم يعين للمولى فهو عبد للمشتري" لأن اللفظ حقيقة للمعاوضة وأمكن العمل بها إذا لم يعين فيحافظ عليها. بخلاف شراء العبد نفسه؛ لأن المجاز فيه متعين، وإذا كان معاوضة يثبت الملك له "والألف للمولى"؛ لأنه كسب عبده "وعلى المشتري ألف مثله" ثمنا للعبد فإنه في ذمته حيث لم يصح الأداء، بخلاف الوكيل بشراء العبد من غيره حيث لا يشترط بيانه؛ لأن العقدين هناك على نمط واحد، وفي الحالين المطالبة تتوجه نحو العاقد، أما هاهنا فأحدهما إعتاق معقب للولاء ولا مطالبة على الوكيل والمولى عساه لا يرضاه ويرغب في المعارضة المحضة فلا بد من البيان.
"ومن قال لعبد اشتر لي نفسك من مولاك فقال لمولاه بعني نفسي لفلان بكذا ففعل فهو للآمر"؛ لأن العبد يصلح وكيلا عن غيره في شراء نفسه؛ لأنه أجنبي عن ماليته، والبيع يرد عليه من حيث إنه مال إلا أن ماليته في يده حتى لا يملك البائع الحبس بعد البيع فإذا أضافه إلى الآمر صلح فعله امتثالا فيقع. العقد للآمر. "وإن عقد لنفسه فهو حر"؛ لأنه إعتاق وقد رضي به المولى دون المعاوضة، والعبد وإن كان وكيلا بشراء شيء معين ولكنه أتى بجنس تصرف آخر وفي مثله ينفذ على الوكيل "وكذا لو قال بعني نفسي ولم يقل لفلان فهو حر"؛ لأن المطلق يحتمل الوجهين فلا يقع امتثالا بالشك فيبقى التصرف واقعا لنفسه.
стр. 741
فصل: في البيع
قال: "والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز له أن يعقد مع أبيه وجده ومن لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة. وقالا: يجوز بيعه منهم بمثل القيمة إلا من عبده أو مكاتبه" لأن التوكيل مطلق ولا تهمة إذ الأملاك متباينة والمنافع منقطعة، بخلاف العبد؛ لأنه بيع من نفسه؛ لأن ما في يد العبد للمولى وكذا للمولى حق في كسب المكاتب وينقلب حقيقة بالعجز. وله أن مواضع التهمة مستثناة عن الوكالات، وهذا موضع التهمة بدليل عدم قبول الشهادة ولأن المنافع بينهم متصلة فصار بيعا من نفسه من وجه، والإجارة والصرف على هذا الخلاف.
قال: "والوكيل بالبيع يجوز بيعه بالقليل والكثير والعرض عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: لا يجوز بيعه بنقصان لا يتغابن الناس فيه، ولا يجوز إلا بالدراهم والدنانير"؛ لأن مطلق الأمر يتقيد بالمتعارف؛ لأن التصرفات لدفع الحاجات فتتقيد بمواقعها، والمتعارف البيع بثمن المثل وبالنقود ولهذا يتقيد التوكيل بشراء الفحم والجمد والأضحية بزمان الحاجة، ولأن البيع بغبن فاحش بيع من وجه هبة من وجه، وكذا المقايضة بيع من وجه شراء من وجه فلا يتناوله مطلق اسم البيع ولهذا لا يملكه الأب والوصي. وله أن التوكيل بالبيع مطلق فيجري على إطلاقه في غير موضع التهمة، والبيع بالغبن أو بالعين متعارف عند شدة الحاجة إلى الثمن والتبرم من العين، والمسائل ممنوعة على قول أبي حنيفة ﵀ على ما هو المروي عنه وأنه بيع من كل وجه، حتى أن من حلف لا يبيع يحنث به، غير أن الأب والوصي لا يملكانه مع أنه بيع؛ لأن ولايتهما نظرية ولا نظر فيه، والمقايضة شراء من كل وجه وبيع من كل وجه لوجود حد كل واحد منهما.
قال: "والوكيل بالشراء يجوز عقده بمثل القيمة وزيادة يتغابن الناس في مثلها، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله" لأن التهمة فيه متحققة فلعله اشتراه لنفسه، فإذا لم يوافقه ألحقه بغيره على ما مر، حتى لو كان وكيلا بشراء شيء بعينه قالوا ينفذ على الآمر؛ لأنه لا يملك شراءه لنفسه، وكذا الوكيل بالنكاح إذا زوجه امرأة بأكثر من مهر مثلها جاز عنده؛ لأنه لا بد من الإضافة إلى الموكل في العقد فلا تتمكن هذه التهمة، ولا كذلك الوكيل بالشراء؛ لأنه يطلق العقد.
قال: "والذي لا يتغابن الناس فيه ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وقيل في العروض الإل نيم وفي الحيوانات الإل يازده وفي العقارات الإل دوازده" لأن التصرف يكثر وجوده
стр. 742
في الأول ويقل في الأخير ويتوسط في الأوسط وكثرة الغبن لقلة التصرف.
قال: "وإذا وكله ببيع عبد فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة ﵀"؛ لأن اللفظ مطلق عن قيد الافتراق والاجتماع؛ ألا ترى أنه لو باع الكل بثمن النصف يجوز عنده فإذا باع النصف به أولى "وقالا: لا يجوز"؛ لأنه غير متعارف لما فيه من ضرر الشركة "إلا أن يبيع النصف الآخر قبل أن يختصما"؛ لأن بيع النصف قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن لا يجد من يشتريه جملة فيحتاج إلى أن يفرق، فإذا باع الباقي قبل نقض البيع الأول تبين أنه وقع وسيلة، وإذا لم يبع ظهر أنه لم يقع وسيلة فلا يجوز، وهذا استحسان عندهما. "وإن وكله بشراء عبد فاشترى نصفه فالشراء موقوف، فإن اشترى باقيه لزم الموكل"؛ لأن شراء البعض قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن كان موروثا بين جماعة فيحتاج إلى شرائه شقصا شقصا، فإذا اشترى الباقي قبل رد الآمر البيع تبين أنه وقع وسيلة فينفذ على الآمر، وهذا بالاتفاق. والفرق لأبي حنيفة أن في الشراء تتحقق التهمة على ما مر. وآخر أن الأمر بالبيع يصادف ملكه فيصح فيعتبر فيه إطلاقه والأمر بالشراء صادف ملك الغير فلم يصح فلا يعتبر فيه التقييد والإطلاق.
قال: "ومن أمر رجلا ببيع عبده فباعه وقبض الثمن أو لم يقبض فرده المشتري عليه بعيب لا يحدث مثله بقضاء القاضي ببينة أو بإباء يمين أو بإقرار فإنه يرده على الآمر" لأن القاضي تيقن بحدوث العيب في يد البائع فلم يكن قضاؤه مستندا إلى هذه الحجج. وتأويل اشتراطها في الكتاب أن القاضي يعلم أنه لا يحدث مثله في مدة شهر مثلا لكنه اشتبه عليه تاريخ البيع فيحتاج إلى هذه الحجج لظهور التاريخ، أو كان عيبا لا يعرفه إلا النساء أو الأطباء، وقولهن وقول الطبيب حجة في توجه الخصومة لا في الرد فيفتقر إليها في الرد، حتى لو كان القاضي عاين البيع والعيب ظاهر لا يحتاج إلى شيء منها وهو رد على الموكل فلا يحتاج الوكيل إلى رد وخصومة.
قال: "وكذلك إن رده عليه بعيب يحدث مثله ببينة أو بإباء يمين"؛ لأن البينة حجة مطلقة، والوكيل مضطر في النكول لبعد العيب عن علمه باعتبار عدم ممارسته المبيع فلزم الآمر.
قال: "فإن كان ذلك بإقراره لزم المأمور"؛ لأن الإقرار حجة قاصرة وهو غير مضطر إليه لإمكانه السكوت والنكول، إلا أن له أن يخاصم الموكل فيلزمه ببينة أو بنكوله، بخلاف ما إذا كان الرد بغير قضاء والعيب يحدث مثله حيث لا يكون له أن يخاصم بائعه؛ لأنه بيع
стр. 743
جديد في حق ثالث والبائع ثالثهما، والرد بالقضاء فسخ لعموم ولاية القاضي، غير أن الحجة قاصرة وهي الإقرار، فمن حيث الفسخ كان له أن يخاصمه، ومن حيث القصور لا يلزم الموكل إلا بحجة، ولو كان العيب لا يحدث مثله والرد بغير قضاء بإقراره يلزم الموكل من غير خصومة في رواية؛ لأن الرد متعين وفي عامة الروايات ليس له أن يخاصمه لما ذكرنا والحق في وصف السلامة ثم ينتقل إلى الرد ثم إلى الرجوع بالنقصان فلم يتعين الرد، وقد بيناه في الكفاية بأطول من هذا.
قال: "ومن قال لآخر أمرتك ببيع عبدي بنقد فبعته بنسيئة وقال المأمور أمرتني ببيعه ولم تقل شيئا فالقول قول الآمر"؛ لأن الآمر يستفاد من جهته ولا دلالة على الإطلاق.
قال: "وإن اختلف في ذلك المضارب ورب المال فالقول قول المضارب" لأن الأصل في المضاربة العموم، ألا ترى أنه يملك التصرف بذكر لفظ المضاربة فقامت دلالة الإطلاق، بخلاف ما إذا ادعى رب المال المضاربة في نوع والمضارب في نوع آخر حيث يكون القول لرب المال؛ لأنه سقط الإطلاق بتصادقهما فنزل إلى الوكالة المحضة ثم مطلق الأمر بالبيع ينتظمه نقدا ونسيئة إلى أي أجل كان عند أبي حنيفة، وعندهما يتقيد بأجل متعارف والوجه قد تقدم.
قال: "ومن أمر رجلا ببيع عبده فباعه وأخذ بالثمن رهنا فضاع في يده أو أخذ به كفيلا فتوي المال عليه فلا ضمان عليه" لأن الوكيل أصيل في الحقوق وقبض الثمن منها والكفالة توثق به، والارتهان وثيقة لجانب الاستيفاء فيملكهما بخلاف الوكيل بقبض الدين؛ لأنه يفعل نيابة وقد أنابه في قبض الدين دون الكفالة وأخذ الرهن والوكيل بالبيع يقبض أصالة ولهذا لا يملك الموكل حجره عنه.
стр. 744
فصل: "وإذا وكل وكيلين فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا به دون الآخر"
وهذا في تصرف يحتاج فيه إلى الرأي كالبيع والخلع وغير ذلك، لأن الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدرا ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في الزيادة واختيار المشتري.
قال: "إلا أن يوكلهما بالخصومة" لأن الاجتماع فيها متعذر للإفضاء إلى الشغب في مجلس القضاء والرأي يحتاج إليه سابقا لتقويم الخصومة.
قال: "أو بطلاق زوجته بغير عوض أو بعتق عبده بغير عوض أو برد وديعة عنده أو
стр. 745
قضاء دين عليه" لأن هذه الأشياء لا يحتاج فيها إلى الرأي بل هو تعبير محض، وعبارة المثنى والواحد سواء. وهذا بخلاف ما إذا قال لهما طلقاها إن شئتما أو قال أمرها بأيديكما لأنه تفويض إلى رأيهما؛ ألا ترى أنه تمليك مقتصر على المجلس، ولأنه علق الطلاق بفعلهما فاعتبره بدخولهما.
قال: "وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل به" لأنه فوض إليه التصرف دون التوكيل به، وهذا لأنه رضي برأيه والناس متفاوتون في الآراء.
قال: "إلا أن يأذن له الموكل" لوجود الرضا "أو يقول له اعمل برأيك" لإطلاق التفويض إلى رأيه، وإذا جاز في هذا الوجه يكون الثاني وكيلا عن الموكل حتى لا يملك الأول عزله ولا ينعزل بموته وينعزلان بموت الأول، وقد مر نظيره في أدب القاضي.
قال: "فإن وكل بغير إذن موكله فعقد وكيله بحضرته جاز" لأن المقصود حضور رأي الأول وقد حضر، وتكلموا في حقوقه. "وإن عقد في حال غيبته لم يجز" لأنه فات رأيه إلا أن يبلغه فيجيزه "وكذا لو باع غير الوكيل فبلغه فأجازه" لأنه حضر رأيه "ولو قدر الأول الثمن للثاني فعقد بغيبته يجوز" لأن الرأي فيه يحتاج إليه لتقدير الثمن ظاهرا وقد حصل، وهذا بخلاف ما إذا وكل وكيلين وقدر الثمن، لأنه لما فوض إليهما مع تقدير الثمن ظهر أن غرضه اجتماع رأيهما في الزيادة واختيار المشتري على ما بيناه، أما إذا لم يقدر الثمن وفوض إلى الأول كان غرضه رأيه في معظم الأمر وهو التقدير في الثمن.
قال: "وإذا زوج المكاتب أو العبد أو الذمي ابنته وهي صغيرة حرة مسلمة أو باع أو اشترى لها لم يجز" معناه التصرف في مالها لأن الرق والكفر يقطعان الولاية؛ ألا يرى أن المرقوق لا يملك إنكاح نفسه فكيف يملك إنكاح غيره، وكذا الكافر لا ولاية له على المسلم حتى لا تقبل شهادته عليه، ولأن هذه ولاية نظرية فلا بد من التفويض إلى القادر المشفق ليتحقق معنى النظر، والرق يزيل القدرة والكفر يقطع الشفقة على المسلم فلا تفوض إليهما.
"قال أبو يوسف ومحمد: والمرتد إذا قتل على ردته والحربي كذلك" لأن الحربي أبعد من الذمي فأولى بسلب الولاية، وأما المرتد فتصرفه في ماله وإن كان نافذا عندهما لكنه موقوف على ولده ومال ولده بالإجماع لأنها ولاية نظرية وذلك باتفاق الملة وهي مترددة، ثم تستقر جهة الانقطاع إذا قتل على الردة فيبطل وبالإسلام يجعل كأنه لم يزل مسلما فيصح.
стр. 746
باب الوكالة بالخصومة والقبض
قال: "الوكيل بالخصومة وكيل بالقبض" عندنا خلافا لزفر. هو يقول رضي بخصومته والقبض غير الخصومة ولم يرض به. ولنا أن من ملك شيئا ملك إتمامه وإتمام الخصومة وانتهاؤها بالقبض، والفتوى اليوم على قول زفر ﵀ لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال، ونظيره الوكيل بالتقاضي يملك القبض على أصل الرواية لأنه في معناه وضعا، إلا أن العرف بخلافه وهو قاض على الوضع والفتوى على أن لا يملك.
قال: "فإن كانا وكيلين بالخصومة لا يقبضان إلا معا" لأنه رضي بأمانتهما لا بأمانة أحدهما، واجتماعهما ممكن بخلاف الخصومة على ما مر.
قال: "والوكيل بقبض الدين يكون وكيلا بالخصومة عند أبي حنيفة ﵀" حتى لو أقيمت عليه البينة على استيفاء الموكل أو إبرائه تقبل عنده، وقالا: لا يكون خصما وهو، رواية الحسن عن أبي حنيفة لأن القبض غير الخصومة، وليس كل من يؤتمن على المال يهتدي في الخصومات فلم يكن الرضا بالقبض رضا بها. ولأبي حنيفة ﵀ أنه وكله بالتملك لأن الديون تقضى بأمثالها، إذ قبض الدين نفسه لا يتصور إلا أنه جعل استيفاء العين حقه من وجه، فأشبه الوكيل بأخذ الشفعة والرجوع في الهبة والوكيل بالشراء والقسمة والرد بالعيب، وهذه أشبه بأخذ الشفعة حتى يكون خصما قبل القبض كما يكون خصما قبل الأخذ هنالك. والوكيل بالشراء لا يكون خصما قبل مباشرة الشراء، وهذا لأن المبادلة تقتضي حقوقا وهو أصيل فيها فيكون خصما فيها.
قال: "والوكيل بقبض العين لا يكون وكيلا بالخصومة" بالاتفاق لأنه أمين محض، والقبض ليس بمبادلة فأشبه الرسول "حتى أن من وكل وكيلا بقبض عبد له فأقام الذي هو في يده البينة أن الموكل باعه إياه وقف الأمر حتى يحضر الغائب" وهذا استحسان، والقياس أن يدفع إلى الوكيل لأن البينة قامت لأعلى خصم فلم تعتبر. وجه الاستحسان أنه خصم في قصر يده لقيامه مقام الموكل في القبض فتقصر يده حتى لو حضر البائع تعاد البينة على البيع، فصار كما إذا أقام البينة على أن الموكل عزله عن ذلك فإنها تقبل في قصر يده كذا هذا.
قال: "وكذلك العتاق والطلاق وغير ذلك" ومعناه إذا أقامت المرأة البينة على الطلاق
стр. 747
والعبد والأمة على العتاق على الوكيل بنقلهم تقبل في قصر يده حتى يحضر الغائب استحسانا دون العتق والطلاق.
قال: "وإذا أقر الوكيل بالخصومة على موكله عند القاضي جاز إقراره عليه، ولا يجوز عند غير القاضي" عند أبي حنيفة ومحمد استحسانا إلا أنه يخرج عن الوكالة.
وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه وإن أقر في غير مجلس القضاء. وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجوز في الوجهين وهو قول أبي يوسف ﵀ أولا، وهو القياس لأنه مأمور بالخصومة وهي منازعة والإقرار يضاده لأنه مسالمة، والأمر بالشيء لا يتناول ضده ولهذا لا يملك الصلح والإبراء ويصح إذا استثنى الإقرار، وكذا لو وكله بالجواب مطلقا يتقيد بجواب هو خصومة لجريان العادة بذلك ولهذا يختار فيها الأهدى فالأهدى. وجه الاستحسان أن التوكيل صحيح قطعا وصحته بتناوله ما يملكه قطعا وذلك مطلق الجواب دون أحدهما عينا. وطريق المجاز موجود على ما نبينه إن شاء الله تعالى فيصرف إليه تحريا للصحة قطعا؛ ولو استثنى الإقرار، فعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يصح لأنه لا يملكه. وعن محمد ﵀ أنه يصح لأن للتنصيص زيادة دلالة على ملكه إياه؛ وعند الإطلاق يحمل على الأولى. وعنه أنه فصل بين الطالب والمطلوب ولم يصححه في الثاني لكونه مجبورا عليه ويخير الطالب فيه؛ فبعد ذلك يقول أبو يوسف ﵀: إن الوكيل قائم مقام الموكل، وإقراره لا يختص بمجلس القضاء فكذا إقرار نائبه. وهما يقولان: إن التوكيل يتناول جواب يسمى خصومة حقيقة أو مجازا، والإقرار في مجلس القضاء خصومة مجازا، إما لأنه خرج في مقابلة الخصومة، أو لأنه سبب له لأن الظاهر إتيانه بالمستحق وهو الجواب في مجلس القضاء فيختص به، لكن إذا أقيمت البينة على إقراره في غير مجلس القضاء يخرج من الوكالة حتى لا يؤمر بدفع المال إليه لأنه صار مناقضا وصار كالأب أو الوصي إذا أقر في مجلس القضاء لا يصح ولا يدفع المال إليهما.
قال: "ومن كفل بمال عن رجل فوكله صاحب المال بقبضه عن الغريم لم يكن وكيلا في ذلك أبدا" لأن الوكيل من يعمل لغيره، ولو صححناها صار عاملا لنفسه في إبراء ذمته فانعدم الركن، ولأن قبول قوله ملازم للوكالة لكونه أمينا، ولو صححناها لا يقبل لكونه مبرئا نفسه فينعدم بانعدام لازمه، وهو نظير عبد مديون أعتقه مولاه حتى ضمن قيمته للغرماء ويطالب العبد بجميع الدين، فلو وكله الطالب بقبض المال عن العبد كان باطلا لما بيناه.
قال: "ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بتسليم الدين إليه"
стр. 748
لأنه إقرار على نفسه لأن ما يقضيه خالص ماله "فإن حضر الغائب فصدقه وإلا دفع إليه الغريم الدين ثانيا" لأنه لم يثبت الاستيفاء حيث أنكر الوكالة، والقول في ذلك قوله مع يمينه فيفسد الأداء "ويرجع به على الوكيل إن كان باقيا في يده" لأن غرضه من الدفع براءة ذمته ولم تحصل فله أن ينقض قبضه "وإن كان" ضاع "في يده لم يرجع عليه" لأنه بتصديقه اعترف أنه محق في القبض وهو مظلوم في هذا الأخذ، والمظلوم لا يظلم غيره.
قال: "إلا أن يكون ضمنه عند الدفع" لأن المأخوذ ثانيا مضمون عليه في زعمهما، وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض فتصح بمنزلة الكفالة بما ذاب له على فلان، ولو كان الغريم لم يصدقه على الوكالة ودفعه إليه على ادعائه، فإن رجع صاحب المال على الغريم رجع الغريم على الوكيل لأنه لم يصدقه على الوكالة، وإنما دفعه إليه على رجاء الإجازة، فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه، وكذا إذا دفعه إليه على تكذيبه إياه في الوكالة. وهذا أظهر لما قلنا، وفي الوجوه كلها ليس له أن يسترد المدفوع حتى يحضر الغائب لأن المؤدى صار حقا للغائب، إما ظاهرا أو محتملا فصار كما إذا دفعه إلى فضولي على رجاء الإجازة لم يملك الاسترداد لاحتمال الإجازة، ولأن من باشر التصرف لغرض ليس له أن ينقضه ما لم يقع اليأس عن غرضه. "ومن قال إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه المودع" لم يؤمر بالتسليم إليه لأنه أقر له بمال الغير، بخلاف الدين. ولو ادعى أنه مات أبوه وترك الوديعة ميراثا له ولا وارث له غيره، وصدقه المودع أمر بالدفع إليه لأنه لا يبقى ماله بعد موته، فقد اتفقا على أنه مال الوارث. ولو ادعى أنه اشترى الوديعة من صاحبها فصدقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه لأنه ما دام حيا كان إقرارا بملك الغير لأنه من أهله فلا يصدقان في دعوى البيع عليه.
قال: "فإن وكل وكيلا يقبض ماله فادعى الغريم أن صاحب المال قد استوفاه فإنه يدفع المال إليه" لأن الوكالة قد ثبتت والاستيفاء لم يثبت بمجرد دعواه فلا يؤخر الحق.
قال: "ويتبع رب المال فيستحلفه" رعاية لجانبه، ولا يستحلف الوكيل لأنه نائب.
قال: "وإن وكله بعيب في جارية فادعى البائع رضا المشتري لم يرد عليه حتى يحلف المشتري بخلاف مسألة الدين" لأن التدارك ممكن هنالك باسترداد ما قبضه الوكيل إذا ظهر الخطأ عند نكوله، وهاهنا غير ممكن لأن القضاء بالفسخ ماض على الصحة وإن ظهر الخطأ عند أبي حنيفة ﵀ كما هو مذهبه، ولا يستحلف المشتري عنده بعد ذلك لأنه لا يفيد، وأما عندهما قالوا: يجب أن يتحد الجواب على هذا في الفصلين ولا يؤخر، لأن التدارك ممكن عندهما لبطلان القضاء. وقيل الأصح عند أبي يوسف ﵀ أن يؤخر في الفصلين
стр. 749
لأنه يعتبر النظر حتى يستحلف المشتري لو كان حاضرا من غير دعوى البائع فينتظر للنظر.
قال: "ومن دفع إلى رجل عشرة دراهم ينفقها على أهله فأنفق عليهم عشرة من عنده فالعشرة بالعشرة" لأن الوكيل بالإنفاق وكيل بالشراء والحكم فيه ما ذكرناه وقد قررناه فهذا كذلك. وقيل هذا استحسان وفي القياس ليس له ذلك ويصير متبرعا. وقيل القياس والاستحسان في قضاء الدين لأنه ليس بشراء، فأما الإنفاق يتضمن الشراء فلا يدخلانه، والله أعلم بالصواب.
стр. 750
باب عزل الوكيل
قال: "وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة" لأن الوكالة حقه فله أن يبطله، إلا إذا تعلق به حق الغير بأن كان وكيلا بالخصومة يطلب من جهة الطالب لما فيه من إبطال حق الغير، وصار كالوكالة التي تضمنها عقد الرهن.
قال: "فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته وتصرفه جائز حتى يعلم" لأن في العزل إضرارا به من حيث إبطال ولايته أو من حيث رجوع الحقوق إليه فينقد من مال الموكل ويسلم المبيع فيضمنه فيتضرر به، ويستوي الوكيل بالنكاح وغيره للوجه الأول، وقد ذكرنا اشتراط العدد أو العدالة في المخبر فلا نعيده.
قال: "وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه جنونا مطبقا ولحاقه بدار الحرب مرتدا" لأن التوكيل تصرف غير لازم فيكون لدوامه حكم ابتدائه فلا بد من قيام الأمر وقد بطل بهذه العوارض، وشرط أن يكون الجنون مطبقا لأن قليله بمنزلة الإغماء، وحد المطبق شهر عند أبي يوسف اعتبارا بما يسقط به الصوم. وعنه أكثر من يوم وليلة لأنه تسقط به الصلوات الخمس فصار كالميت. وقال محمد: حول كامل لأنه يسقط به جميع العبادات فقدر به احتياطا.
قالوا: الحكم المذكور في اللحاق قول أبي حنيفة لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده فكذا وكالته، فإن أسلم نفذ، وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة، فأما عندهما تصرفاته نافذة فلا تبطل وكالته إلا أن يموت أو يقتل على ردته أو يحكم بلحاقه وقد مر في السير وإن كان الموكل امرأة فارتدت فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار الحرب لأن ردتها لا تؤثر في عقودها على ما عرف.
قال: "وإذا وكل المكاتب ثم عجز أو المأذون له ثم حجر عليه أو الشريكان فافترقا، فهذه الوجوه تبطل الوكالة على الوكيل، علم أو لم يعلم" لما ذكرنا أن بقاء الوكالة يعتمد قيام الأمر
стр. 751
وقد بطل بالحجر والعجز والافتراق، ولا فرق بين العلم وعدمه لأن هذا عزل حكمي فلا يتوقف على العلم كالوكيل بالبيع إذا باعه الموكل.
قال: "وإذا مات الوكيل أو جن جنونا مطبقا بطلت الوكالة" لأنه لا يصح أمره بعد جنونه وموته "وإن لحق بدار الحرب مرتدا لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلما".
قال ﵁: وهذا عند محمد، فأما عند أبي يوسف لا تعود الوكالة. لمحمد أن الوكالة إطلاق لأنه رفع المانع. أما الوكيل يتصرف بمعان قائمة به وإنما عجز بعارض اللحاق لتباين الدارين، فإذا زال العجز والإطلاق باق عاد وكيلا. ولأبي يوسف أنه إثبات ولاية التنفيذ، لأن ولاية أصل التصرف بأهليته وولاية التنفيذ بالملك وباللحاق لحق بالأموات وبطلت الولاية فلا تعود كملكه في أم الولد والمدبر. ولو عاد الموكل مسلما وقد لحق بدار الحرب مرتدا لا تعود الوكالة في الظاهر. وعن محمد أنها تعود كما قال في الوكيل. والفرق له على الظاهر أن مبنى الوكالة في حق الموكل على الملك وقد زال وفي حق الوكيل على معنى قائم به ولم يزل باللحاق.
قال: "ومن وكل آخر بشيء ثم تصرف بنفسه فيما وكل به بطلت الوكالة" وهذا اللفظ ينتظم وجوها: مثل أن يوكله بإعتاق عبده أو بكتابته فأعتقه أو كاتبه الموكل بنفسه أو يوكله بتزويج امرأة أو بشراء شيء ففعله بنفسه أو يوكله بطلاق امرأته فطلقها الزوج ثلاثا أو واحدة وانقضت عدتها أو بالخلع فخالعها، بنفسه لأنه لما تصرف بنفسه تعذر على الوكيل التصرف فبطلت الوكالة، حتى لو تزوجها بنفسه وأبانها لم يكن للوكيل أن يزوجها منه لأن الحاجة قد انقضت، بخلاف ما إذا تزوجها الوكيل وأبانها له أن يزوج الموكل لبقاء الحاجة، وكذا لو وكله ببيع عبده فباعه بنفسه، فلو رد عليه بعيب بقضاء قاض؛ فعن أبي يوسف ﵀ أنه ليس للوكيل أن يبيعه مرة أخرى لأن بيعه بنفسه منع له من التصرف فصار كالعزل. وقال محمد ﵀: له أن يبيعه مرة أخرى لأن الوكالة باقية لأنه إطلاق والعجز قد زال، بخلاف ما إذا وكله بالهبة فوهب بنفسه ثم رجع لم يكن للوكيل أن يهب لأنه مختار في الرجوع فكان ذلك دليل عدم الحاجة. أما الرد بقضاء بغير اختياره فلم يكن دليل زوال الحاجة، فإذا عاد إليه قديم ملكه كان له أن يبيعه، والله أعلم.
стр. 752
كتاب الدعوى
قال: "المدعي من لا يجبر على الخصومة إذا تركها والمدعى عليه من يجبر على الخصومة" ومعرفة الفرق بينهما من أهم ما يبتنى عليه مسائل الدعوى، وقد اختلفت عبارات المشايخ ﵏ فيه، فمنها ما قال في الكتاب وهو حد عام صحيح. وقيل المدعي من لا يستحق إلا بحجة كالخارج، والمدعى عليه من يكون مستحقا بقوله من غير حجة كذي اليد، وقيل المدعي من يتمسك بغير الظاهر والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر. وقال محمد ﵀ في الأصل: المدعى عليه هو المنكر، وهذا صحيح لكن الشأن في معرفته والترجيح بالفقه عند الحذاق من أصحابنا ﵏ لأن الاعتبار للمعاني دون الصور، فإن المودع إذا قال رددت الوديعة فالقول له مع اليمين وإن كان مدعيا للرد صورة لأنه ينكر الضمان معنى.
قال: "ولا تقبل الدعوى حتى يذكر شيئا معلوما في جنسه وقدره" لأن فائدة الدعوى الإلزام بواسطة إقامة الحجة، والإلزام في المجهول لا يتحقق.
"فإن كان عينا في يد المدعى عليه كلف إحضارها ليشير إليها بالدعوى"، وكذا في الشهادة والاستحلاف، لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط وذلك بالإشارة في المنقول لأن النقل ممكن والإشارة أبلغ في التعريف، ويتعلق بالدعوى وجوب الحضور، وعلى هذا القضاة من آخرهم في كل عصر، ووجوب الجواب إذا حضر ليفيد حضوره ولزوم إحضار العين المدعاة لما قلنا واليمين إذا أنكره، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
قال: "وإن لم تكن حاضرة ذكر قيمتها ليصير المدعى معلوما" لأن العين لا تعرف بالوصف، والقيمة تعرف به وقد تعذر مشاهدة العين. وقال الفقيه أبو الليث: يشترط مع بيان القيمة ذكر الذكورة والأنوثة.
قال: "وإن ادعى عقارا حدده وذكر أنه في يد المدعى عليه وأنه يطالبه به" لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل فيصار إلى التجديد فإن العقار يعرف به، ويذكر الحدود
стр. 753
الأربعة، ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم، ولا بد من ذكر الجد لأن تمام التعريف به عند أبي حنيفة على ما عرف هو الصحيح، ولو كان الرجل مشهورا يكتفي بذكره، فإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفى بها عندنا خلافا لزفر لوجود الأكثر، بخلاف ما إذا غلط في الرابعة لأنه يختلف به المدعى ولا كذلك بتركها، وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة. وقوله في الكتاب وذكر أنه في يد المدعى عليه لا بد منه لأنه إنما ينتصب خصما إذا كان في يده، وفي العقار لا يكتفى بذكر المدعي وتصديق المدعى عليه أنه في يده بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبينة، أو علم القاضي هو الصحيح نفيا لتهمة المواضعة إذ العقار عساه في يد غيرهما، بخلاف المنقول لأن اليد فيه مشاهدة. وقوله وأنه يطالبه به لأن المطالبة حقه فلا بد من طلبه، ولأنه يحتمل أن يكون مرهونا في يده أو محبوسا بالثمن في يده، وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال، وعن هذا قالوا في المنقول يجب أن يقول في يده بغير حق.
قال: "وإن كان حقا في الذمة ذكر أنه يطالبه به" لما قلنا، وهذا لأن صاحب الذمة قد حضر فلم يبق إلا المطالبة لكن لا بد من تعريفه بالوصف لأنه يعرف به
قال: "وإذا صحت الدعوى سأل المدعى عليه عنها" لينكشف له وجه الحكم "فإن اعترف قضي عليه بها" لأن الإقرار موجب بنفسه فيأمره بالخروج عنه "وإن أنكر سأل المدعي البينة" لقوله ﵊: " ألك بينة؟ " فقال لا، فقال: "لك يمينه" سأل ورتب اليمين على فقد البينة فلا بد من السؤال ليمكنه الاستحلاف.
قال: "فإن أحضرها قضي بها" لانتفاء التهمة عنها "وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلفه عليها" لما روينا، ولا بد من طلبه لأن اليمين حقه؛ ألا يرى أنه كيف أضيف إليه بحرف اللام فلا بد من طلبه.
стр. 754
باب اليمين
"وإذا قال المدعي لي بينة حاضرة وطلب اليمين لم يستحلف" عند أبي حنيفة ﵀، معناه حاضرة في المصر وقال أبو يوسف: يستحلف لأن اليمين حقه بالحديث المعروف، فإذا طالبه به يجيبه. ولأبي حنيفة ﵀ أن ثبوت الحق في العين مرتب على العجز عن إقامة البينة لما روينا فلا يكون حقه دونه، كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس. ومحمد مع أبي يوسف رحمهما الله فيما ذكره الخصاف، ومع أبي حنيفة فيما ذكره الطحاوي ﵀.
قال: "ولا ترد اليمين على المدعي" لقوله ﵊: "البينة على المدعي
стр. 755
واليمين على من أنكر" قسم والقسمة تنافي الشركة، وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء، وفيه خلاف الشافعي ﵀.
قال: "ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق، وبينة الخارج أولى". وقال الشافعي: يقضى ببينة ذي اليد لاعتضادها باليد فيتقوى الظهور وصار كالنتاج والنكاح ودعوى الملك مع الإعتاق والاستيلاد والتدبير. ولنا أن بينة الخارج أكثر إثباتا أو إظهارا لأن قدر ما أثبته اليد لا يثبته بينة ذي اليد، إذ اليد دليل مطلق الملك، بخلاف النتاج لأن اليد لا تدل عليه، وكذا على الإعتاق وأختيه وعلى الولاء الثابت بها.
قال: "وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين قضي عليه بالنكول وألزمه ما ادعى عليه" وقال الشافعي: لا يقضى به بل يرد اليمين على المدعي، فإذا حلف يقضي به لأن النكول يحتمل التورع عن اليمين الكاذبة والترفع عن الصادقة واشتباه الحال فلا ينتصب حجة مع الاحتمال، ويمين المدعي دليل الظهور فيصار إليه. ولنا أن النكول دل على كونه باذلا أو مقرا، إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب ودفعا للضرر عن نفسه فترجح هذا الجانب، ولا وجه لرد اليمين على المدعي لما قدمناه.
قال: "وينبغي للقاضي أن يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاثا، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بما ادعاه" وهذا الإنذار لإعلامه بالحكم إذ هو موضع الخفاء.
قال: "فإذا كرر العرض عليه ثلاث مرات قضي عليه بالنكول" وهذا التكرار ذكره الخصاف ﵀ لزيادة الاحتياط والمبالغة في إبلاء العذر، فأما المذهب أنه لو قضي بالنكول بعد العرض مرة جاز لما قدمناه هو الصحيح والأول أولى، ثم النكول قد يكون حقيقيا كقوله لا أحلف، وقد يكون حكميا بأن يسكت، وحكمه حكم الأول إذا علم أنه لا آفة به من طرش أو خرس هو الصحيح.
قال: "وإن كانت الدعوى نكاحا لم يستحلف المنكر" عند أبي حنيفة ﵀، ولا يستحلف عنده في النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والاستيلاد والنسب والولاء والحدود واللعان. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يستحلف في ذلك كله إلا في الحدود واللعان.
وصورة الاستيلاد: أن تقول الجارية أنا أم ولد لمولاي وهذا ابني منه وأنكر المولى، لأنه لو ادعى المولى ثبت الاستيلاد بإقراره ولا يلتفت إلى إنكارها. لهما أن النكول إقرار لأنه يدل على كونه كاذبا في الإنكار على ما قدمناه، إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين الصادقة
стр. 756
إقامة للواجب فكان إقرارا أو بدلا عنه، والإقرار يجري في هذه الأشياء لكنه إقرار فيه شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات، واللعان في معنى الحد. ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه بذل لأن معه لا تبقى اليمين واجبة لحصول المقصود وإنزاله باذلا أولى كي لا يصير كاذبا في الإنكار، والبذل لا يجري في هذه الأشياء. وفائدة الاستحلاف القضاء بالنكول فلا يستحلف، إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة فيملكه المكاتب والعبد المأذون بمنزلة الضيافة اليسيرة، وصحته في الدين بناء على زعم المدعي وهو ما يقبضه حقا لنفسه، والبذل معناه هاهنا ترك المنع وأمر المال هين.
قال: "ويستحلف السارق، فإن نكل ضمن ولم يقطع" لأن المنوط بفعله شيئان: الضمان ويعمل فيه النكول. والقطع ولا يثبت به فصار كما إذا شهد عليها رجل وامرأتان.
قال: "وإذا ادعت المرأة طلاقا قبل الدخول استحلف الزوج، فإن نكل ضمن نصف المهر في قولهم جميعا" لأن الاستحلاف يجري في الطلاق عندهم لا سيما إذا كان المقصود هو المال، وكذا في النكاح إذا ادعت هي الصداق لأن ذلك دعوى المال، ثم يثبت المال بنكوله ولا يثبت النكاح، وكذا في النسب إذا ادعى حقا كالإرث والحجر في اللقيط، والنفقة وامتناع الرجوع في الهبة، لأن المقصود هذه الحقوق، وإنما يستحلف في النسب المجرد عندهما إذا كان يثبت بإقراره كالأب والابن في حق الرجل والأب في حق المرأة، لأن في دعواها الابن تحميل النسب على الغير والمولى والزوج في حقهما.
قال: "ومن ادعى قصاصا على غيره فجحده استحلف" بالإجماع "ثم إن نكل عن اليمين فيما دون النفس يلزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يحلف أو يقر" وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: لزمه الأرش فيهما لأن النكول إقرار فيه شبهة عندهما فلا يثبت به القصاص ويجب به المال، خصوصا إذا كان امتناع القصاص لمعنى من جهة من عليه، كما إذا أقر بالخطأ والولي يدعي العمد. ولأبي حنيفة ﵀ أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فيجري فيها البذل، بخلاف الأنفس فإنه لو قال اقطع يدي فقطعها لا يجب الضمان، وهذا إعمال للبذل إلا أنه لا يباح لعدم الفائدة، وهذا البذل مفيد لاندفاع الخصومة به فصار كقطع اليد للآكلة وقلع السن للوجع، وإذا امتنع القصاص في النفس واليمين حق مستحق يحبس به كما في القسامة.
قال: "وإذا قال المدعي لي بينة حاضرة قيل، لخصمه أعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيام" كي لا يغيب نفسه فيضيع حقه والكفالة بالنفس جائزة عندنا وقد مر من قبل، وأخذ الكفيل
стр. 757
بمجرد الدعوى استحسان عندنا لأن فيه نظرا للمدعي وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه وهذا لأن الحضور مستحق عليه بمجرد الدعوى حتى يعدى عليه ويحال بينه وبين أشغاله فصح التكفيل بإحضاره والتقدير بثلاثة أيام مروي عن أبي حنيفة ﵀، وهو الصحيح، ولا فرق في الظاهر بين الخامل والوجيه والحقير من المال والخطير، ثم لا بد من قوله لي بينة حاضرة للتكفيل ومعناه في المصر، حتى لو قال المدعي لا بينة لي أو شهودي غيب لا يكفل لعدم الفائدة.
قال: "فإن فعل وإلا أمر بملازمته" كي لا يذهب حقه "إلا أن يكون غريبا فيلازم مقدار مجلس القاضي" وكذا لا يكفل إلا إلى آخر المجلس، فالاستثناء منصرف إليهما لأن في أخذ الكفيل والملازمة زيادة على ذلك إضرارا به بمنعه عن السفر ولا ضرر في هذا المقدار ظاهرا، وكيفية الملازمة نذكرها في كتاب الحجر إن شاء الله تعالى.
стр. 758
فصل: في كيفية اليمين والاستحلاف
قال: "واليمين بالله دون غيره" لقوله ﵊: "من كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر" وقال ﵊: "من حلف بغير الله فقد أشرك" "وقد تؤكد بذكر أوصافه" وهو التغليظ، وذلك مثل قوله: قل والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه. وله أن يزيد في التغليظ على هذا وله أن ينقص منه، إلا أنه يحتاط فيه كي لا يتكرر عليه اليمين، لأن المستحق يمين واحدة، والقاضي بالخيار إن شاء غلظ وإن شاء لم يغلظ فيقول: قل بالله أو والله، وقيل: لا يغلظ على المعروف بالصلاح ويغلظ على غيره، وقيل: يغلظ في الخطير من المال دون الحقير.
قال: "ولا يستحلف بالطلاق ولا بالعتاق" لما روينا، وقيل في زماننا إذا ألح الخصم ساغ للقاضي أن يحلف بذلك لقلة المبالاة باليمين بالله وكثرة الامتناع بسبب الحلف بالطلاق.
قال: "ويستحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى ﵇، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵇" لقوله ﵊ لابن صوريا الأعور: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أن حكم الزنا في كتابكم هذا" ولأن اليهودي يعتقد نبوة موسى والنصراني نبوة عيسى ﵉ فيغلظ على كل واحد منهما بذكر المنزل على نبيه
стр. 759
يستحلف "المجوسي بالله الذي خلق النار" وهكذا ذكر محمد ﵀ في الأصل. يروى عن أبي حنيفة ﵀ في النوادر أنه لا يستحلف أحدا إلا بالله خالصا. وذكر الخصاف ﵀ أنه لا يستحلف غير اليهودي والنصراني إلا بالله، وهو اختيار بعض مشايخنا لأن في ذكر النار مع اسم الله تعالى تعظيما وما ينبغي أن تعظم، بخلاف الكتابين لأن كتب الله معظمة "والوثني لا يحلف إلا بالله" لأن الكفرة بأسرهم يعتقدون الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
قال: "ولا يحلفون في بيوت عبادتهم" لأن القاضي لا يحضرها بل هو ممنوع عن ذلك.
قال: "ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ولا مكان" لأن المقصود تعظيم المقسم به وهو حاصل بدون ذلك، وفي إيجاب ذلك حرج على القاضي حيث يكلف حضورها وهو مدفوع.
قال: "ومن ادعى أنه ابتاع من هذا عبده بألف فجحد استحلف بالله ما بينكما بيع قائم فيه ولا يستحلف بالله ما بعت" لأنه قد يباع العين ثم يقال فيه "ويستحلف في الغصب بالله ما يستحق عليك رده ولا يحلف بالله ما غصبت" لأنه قد يغصب ثم يفسخ بالهبة والبيع "وفي النكاح بالله ما بينكما نكاح قائم في الحال" لأنه قد يطرأ عليه الخلع "وفي دعوى الطلاق بالله ما هي بائن منك الساعة بما ذكرت ولا يستحلف بالله ما طلقها" لأن النكاح قد يجدد بعد الإبانة فيحلف على الحاصل في هذه الوجوه، لأنه لو حلف على السبب يتضرر المدعى عليه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
أما على قول أبي يوسف ﵀ يحلف في جميع ذلك على السبب إلا إذا عرض بما ذكرنا فحينئذ يحلف على الحاصل. وقيل: ينظر إلى إنكار المدعى عليه إن أنكر السبب يحلف عليه، وإن أنكر الحكم يحلف على الحاصل. فالحاصل هو الأصل عندهما إذا كان سببا يرتفع إلا إذا كان فيه ترك النظر في جانب المدعي فحينئذ يحلف على السبب بالإجماع، وذلك أن تدعي مبتوتة نفقة العدة والزوج ممن لا يراها، أو ادعى شفعة بالجوار والمشتري لا يراها، لأنه لو حلف على الحاصل يصدق في يمينه في معتقده فيفوت النظر في حق المدعي، وإن كان سببا لا يرتفع برافع فالتحليف على السبب بالإجماع "كالعبد المسلم إذا ادعى العتق على مولاه، بخلاف الأمة والعبد الكافر" لأنه يكرر الرق عليها بالردة واللحاق وعليه بنقض العهد واللحاق، ولا يكرر على العبد المسلم.
стр. 760
قال: "ومن ورث عبدا وادعاه آخر يستحلف على علمه" لأنه لا علم له بما صنع المورث فلا يحلف على البتات "وإن وهب له أو اشتراه يحلف على البتات" لوجود المطلق لليمين إذ الشراء سبب لثبوت الملك وضعا وكذا الهبة.
قال: "ومن ادعى على آخر مالا فافتدى يمينه أو صالحه منها على عشرة فهو جائز" وهو مأثور عن عثمان ﵁. "وليس له أن يستحلفه على تلك اليمين أبدا" لأنه أسقط حقه، والله أعلم بالصواب.
стр. 761
باب التحالف
قال: "وإذا اختلف المتبايعان في البيع فادعى أحدهما ثمنا وادعى البائع أكثر منه أو اعترف البائع بقدر من المبيع وادعى المشتري أكثر منه فأقام أحدهما البينة قضى له بها" لأن في الجانب الآخر مجرد الدعوى والبينة أقوى منها "وإن أقام كل واحد منهما بينة كانت البينة المثبتة للزيادة أولى" لأن البينات للإثبات ولا تعارض في الزيادة "ولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعا فبينة البائع أولى في الثمن وبينة المشتري أولى في المبيع" نظرا إلى زيادة الإثبات. "وإن لم يكن لكل واحد منهما بينة قيل للمشتري إما أن ترضى بالثمن الذي ادعاه البائع وإلا فسخنا البيع، وقيل للبائع إما أن تسلم ما ادعاه المشتري من المبيع وإلا فسخنا البيع" لأن المقصود قطع المنازعة، وهذه جهة فيه لأنه ربما لا يرضيان بالفسخ فإذا علما به يتراضيان به "فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر" وهذا التحالف قبل القبض على وفاق القياس، لأن البائع يدعي زيادة الثمن والمشتري ينكره، والمشتري يدعي وجوب تسليم المبيع بما نقد والبائع ينكره، فكل واحد منهما منكر فيحلف؛ فأما بعد القبض فمخالف للقياس لأن المشتري لا يدعي شيئا لأن المبيع سالم له فبقي دعوى البائع في زيادة الثمن والمشتري ينكرها فيكتفى بحلفه، لكنا عرفناه بالنص وهو قوله ﵊: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا".
قال: "ويبتدئ بيمين المشتري" وهذا قول محمد وأبي يوسف آخرا، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ وهو الصحيح لأن المشتري أشدهما إنكارا لأنه يطالب أولا بالثمن ولأنه يتعجل فائدة النكول وهو إلزام الثمن، ولو بدئ بيمين البائع تتأخر المطالبة بتسليم المبيع إلى زمان استيفاء الثمن. وكان أبو يوسف ﵀ يقول أولا: يبدأ بيمين البائع لقوله ﵊: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قاله البائع" خصه
стр. 762
بالذكر، وأقل فائدته التقديم. "وإن كان بيع عين بعين أو ثمن بثمن بدأ القاضي بيمين أيهما شاء" لاستوائهما "وصفة اليمين أن يحلف البائع بالله ما باعه بألف ويحلف المشتري بالله ما اشتراه بألفين" وقال في الزيادات: يحلف بالله ما باعه بألف ولقد باعه بألفين، يحلف المشتري بالله ما اشتراه بألفين ولقد اشتراه بألف يضمن الإثبات إلى النفي تأكيدا، والأصح الاقتصار على النفي لأن الأيمان على ذلك وضعت، دل عليه حديث القسامة "بالله ما قتلتم ولا علمتم له قاتلا".
قال: "فإن حلفا فسخ القاضي البيع بينهما" وهذا يدل على أنه لا ينفسخ بنفس التحالف لأنه لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما فيبقى بيع مجهول فيفسخه القاضي قطعا للمنازعة. أو يقال إذا لم يثبت البدل يبقى بيعا بلا بدل وهو فاسد ولا بد من الفسخ في البيع الفاسد.
قال: "وإن نكل أحدهما عن اليمين لزمه دعوى الآخر" لأنه جعل باذلا فلم يبق دعواه معارضا لدعوى الآخر فلزم القول بثبوته.
قال: "وإن اختلفا في الأجل أو في شرط الخيار أو في استيفاء بعض الثمن فلا تحالف بينهما" لأن هذا اختلاف في غير المعقود عليه والمعقود به، فأشبه الاختلاف في الحط والإبراء، وهذا لأن بانعدامه لا يختل ما به قوام العقد، بخلاف الاختلاف في وصف الثمن وجنسه حيث يكون بمنزلة الاختلاف في القدر في جريان التحالف لأن ذلك يرجع إلى نفس الثمن فإن الثمن دين وهو يعرف بالوصف، ولا كذلك الأجل لأنه ليس بوصف؛ ألا ترى أن الثمن موجود بعد مضيه.
قال: "والقول قول من ينكر الخيار والأجل مع يمينه" لأنهما يثبتان بعارض الشرط والقول لمنكر العوارض.
قال: "فإن هلك المبيع ثم اختلفا لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله والقول قول المشتري. وقال محمد ﵀: يتحالفان ويفسخ البيع على قيمة الهالك" وهو قول الشافعي ﵀، وعلى هذا إذا خرج المبيع عن ملكه أو صار بحال لا يقدر على رده بالعيب. لهما أن كل واحد منهما يدعي غير العقد الذي يدعيه صاحبه والآخر ينكره وأنه يفيد دفع زيادة الثمن فيتحالفان؛ كما إذا اختلفا في جنس الثمن بعد هلاك السلعة، ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن التحالف بعد القبض على خلاف القياس لأنه سلم للمشتري ما يدعيه وقد ورد الشرع به في حال قيام السلعة، والتحالف فيه يفضي إلى
стр. 763
الفسخ، ولا كذلك بعد هلاكها لارتفاع العقد فلم يكن في معناه ولأنه لا يبالي بالاختلاف في السبب بعد حصول المقصود، وإنما يراعى من الفائدة ما يوجبه العقد، وفائدة دفع زيادة الثمن ليست من موجباته وهذا إذا كان الثمن دينا، فإن كان عينا يتحالفان لأن المبيع في أحد الجانبين قائم فتوفر فائدة الفسخ ثم يرد مثل الهالك إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل.
قال: "وإن هلك أحد العبدين ثم اختلفا في الثمن لم يتحالفا عند أبي حنيفة إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك من الثمن. وفي الجامع الصغير: القول قول المشتري مع يمينه عند أبي حنيفة إلا أن يشاء البائع أن يأخذ العبد الحي ولا شيء له. وقال أبو يوسف: يتحالفان في الحي ويفسخ العقد في الحي، والقول قول المشتري في قيمة الهالك. وقال محمد: يتحالفان عليهما ويرد الحي وقيمة الهالك" لأن هلاك كل السلعة لا يمنع التحالف عنده فهلاك البعض أولى. ولأبي يوسف أن امتناع التحالف للهلاك فيتقدر بقدره. ولأبي حنيفة أن التحالف على خلاف القياس في حال قيام السلعة وهي اسم لجميع أجزائها فلا تبقى السلعة بفوات بعضها، ولأنه لا يمكن التحالف في القائم إلا على اعتبار حصته من الثمن فلا بد من القسمة وهي تعرف بالحذر والظن فيؤدي إلى التحالف مع الجهل وذلك لا يجوز إلا أن يرضى البائع أن يترك حصة الهالك أصلا لأنه حينئذ يكون الثمن كله بمقابلة القائم ويخرج الهالك عن العقد فيتحالفان. هذا تخريج بعض المشايخ ويصرف الاستثناء عندهم إلى التحالف كما ذكرنا وقالوا: إن المراد من قوله في الجامع الصغير يأخذ الحي ولا شيء له، معناه: لا يأخذ من ثمن الهالك شيئا أصلا. وقال بعض المشايخ: يأخذ من ثمن الهالك بقدر ما أقر به المشتري، وإنما لا يأخذ الزيادة. وعلى قول هؤلاء ينصرف الاستثناء إلى يمين المشتري لا إلى التحالف، لأنه لما أخذ البائع بقول المشتري فقد صدقه فلا يحلف المشتري، ثم تفسير التحالف على قول محمد ما بيناه في القائم. وإذا حلفا ولم يتفقا على شيء فادعى أحدهما الفسخ أو كلاهما يفسخ العقد بينهما ويأمر القاضي المشتري برد الباقي وقيمة الهالك.
واختلفوا في تفسيره على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، والصحيح أنه يحلف المشتري بالله ما اشتريتهما بما يدعيه البائع، فإن نكل لزمه دعوى البائع، وإن حلف يحلف البائع بالله ما بعتهما بالثمن الذي يدعيه المشتري، فإن نكل لزمه دعوى المشتري، وإن حلف يفسخان
стр. 764
العقد في القائم وتسقط حصته من الثمن ويلزم المشتري حصة الهالك ويعتبر قيمتهما في الانقسام يوم القبض.
"وإن اختلفا في قيمة الهالك يوم القبض فالقول قول البائع، وأيهما أقام البينة تقبل بينته. وإن أقاماها فبينة البائع أولى" وهو قياس ما ذكر في بيوع الأصل "اشترى عبدين وقبضهما ثم رد أحدهما بالعيب وهلك الآخر عنده يجب عليه ثمن ما هلك عنده ويسقط عنه ثمن ما رده وينقسم الثمن على قيمتهما. فإن اختلفا في قيمة الهالك فالقول قول البائع" لأن الثمن قد وجب باتفاقهما ثم المشتري يدعي زيادة السقوط بنقصان قيمة الهالك والبائع ينكره والقول للمنكر "وإن أقاما البينة فبينة البائع أولى" لأنها أكثر إثباتا ظاهرا لإثباتها الزيادة في قيمة الهالك وهذا لفقه. وهو أن في الأيمان تعتبر الحقيقة لأنها تتوجه على أحد العاقدين وهما يعرفان حقيقة الحال فبني الأمر عليها والبائع منكر حقيقة فلذا كان القول قوله، وفي البينات يعتبر الظاهر لأن الشاهدين لا يعلمان حقيقة الحال فاعتبر الظاهر في حقهما والبائع مدع ظاهرا فلهذا تقبل بينته أيضا وتترجح بالزيادة الظاهرة على ما مر، وهذا يبين لك معنى ما ذكرناه من قول أبي يوسف ﵀.
قال: "ومن اشترى جارية وقبضها ثم تقايلا ثم اختلفا في الثمن فإنهما يتحالفان ويعود البيع الأول" ونحن ما أثبتنا التحالف فيه بالنص لأنه ورد في البيع المطلق والإقالة فسخ في حق المتعاقدين، وإنما أثبتناه بالقياس لأن المسألة مفروضة قبل القبض والقياس يوافقه على ما مر ولهذا نقيس الإجارة على البيع قبل القبض والوارث على العاقد والقيمة على العين فيما إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري.
قال: "ولو قبض البائع المبيع بعد الإقالة فلا تحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد" لأنه يرى النص معلولا بعد القبض أيضا.
قال: "ومن أسلم عشرة دراهم في كر حنطة ثم تقايلا ثم اختلفا في الثمن فالقول قول المسلم إليه ولا يعود السلم" لأن الإقالة في باب السلم لا تحتمل النقض لأنه إسقاط فلا يعود السلم، بخلاف الإقالة في البيع؛ ألا ترى أن رأس مال السلم لو كان عرضا فرده بالعيب وهلك قبل التسليم إلى رب السلم لا يعود السلم ولو كان ذلك في بيع العين يعود البيع دل على الفرق بينهما.
قال: "وإذا اختلف الزوجان في المهر فادعى الزوج أنه تزوجها بألف وقالت تزوجني بألفين فأيهما أقام البينة تقبل بينته" لأنه نور دعواه بالحجة. "وإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة"
стр. 765
لأنها تثبت الزيادة، معناه إذا كان مهر مثلها أقل مما ادعته "وإن لم يكن لهما بينة تحالفا عند أبي حنيفة ولا يفسخ النكاح" لأن أثر التحالف في انعدام التسمية، وأنه لا يخل بصحة النكاح لأن المهر تابع فيه، بخلاف البيع لأن عدم التسمية يفسده على ما مر فيفسخ، "ولكن يحكم مهر المثل، فإن كان مثل ما اعترف به الزوج أو أقل قضى بما قال الزوج" لأن الظاهر شاهد له "وإن كان مثل ما ادعته المرأة أو أكثر قضى بما ادعته المرأة، وإن كان مهر المثل أكثر مما اعترف به الزوج وأقل مما ادعته المرأة قضى لها بمهر المثل" لأنهما لما تحالفا لم تثبت الزيادة على مهر المثل ولا الحط عنه.
قال ﵁: ذكر التحالف أولا ثم التحكيم، وهذا قول الكرخي ﵀ لأن مهر المثل لا اعتبار له مع وجود التسمية وسقوط اعتبارها بالتحالف ولهذا يقدم في الوجوه كلها، ويبدأ بيمين الزوج عند أبي حنيفة ومحمد تعجيلا لفائدة النكول كما في المشتري، وتخريج الرازي بخلافه وقد استقصيناه في النكاح وذكرنا خلاف أبي يوسف فلا نعيده.
"ولو ادعى الزوج النكاح على هذا العبد والمرأة تدعيه على هذه الجارية فهو كالمسألة المتقدمة، إلا أن قيمة الجارية إذا كانت مثل مهر المثل يكون لها قيمتها دون عينها" لأن تملكها لا يكون إلا بالتراضي ولم يوجد فوجبت القيمة "وإن اختلفا في الإجارة قبل استيفاء المعقود عليه تحالفا وترادا" معناه اختلفا في البدل أو في المبدل لأن التحالف في البيع قبل القبض على وفاق القياس على ما مر، والإجارة قبل القبض المنفعة نظير البيع قبل قبض المبيع وكلامنا قبل استيفاء المنفعة "فإن وقع الاختلاف في الأجرة يبدأ بيمين المستأجر" لأنه منكر لوجوب الأجرة "وإن وقع في المنفعة يبدأ بيمين المؤجر، وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه، وأيهما أقام البينة قبلت، ولو أقاماها فبينة المؤجر أولى إن كان الاختلاف في الأجرة، وإن كان في المنافع فبينة المستأجر أولى، وإن كان فيهما قبلت بينة كل واحد منهما فيما يدعيه من الفضل" نحو أن يدعي هذا شهرا بعشرة والمستأجر شهرين بخمسة يقضي بشهرين بعشرة.
قال: "وإن اختلفا بعد الاستيفاء لم يتحالفا وكان القول قول المستأجر" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ظاهر، لأن هلاك المعقود عليه يمنع التحالف عندهما، وكذا على أصل محمد لأن الهلاك إنما لا يمنع عنده في المبيع لما أن له قيمة تقوم مقامه فيتحالفان عليها، ولو جرى التحالف هاهنا وفسخ العقد فلا قيمة لأن المنافع لا تتقوم بنفسها بل بالعقد وتبين أنه لا عقد. وإذا امتنع فالقول للمستأجر مع يمينه لأنه هو
стр. 766
المستحق عليه "وإن اختلفا بعد استيفاء بعض المعقود عليه تحالفا وفسخ العقد فيما بقي وكان القول في الماضي قول المستأجر" لأن العقد ينعقد ساعة فساعة فيصير في كل جزء من المنفعة كأن ابتداء العقد عليها، بخلاف البيع لأن العقد فيه دفعة واحدة، فإذا تعذر في البعض تعذر في الكل.
قال: "وإذا اختلف المولى والمكاتب في مال الكتابة لم يتحالفا عند أبي حنيفة. وقالا: يتحالفان وتفسخ الكتابة" وهو قول الشافعي لأنه عقد معاوضة يقبل الفسخ فأشبه البيع، والجامع أن المولى يدعي بدلا زائدا ينكره العبد والعبد يدعي استحقاق العتق عليه عند أداء القدر الذي يدعيه والمولى ينكره فيتحالفان كما إذا اختلفا في الثمن. ولأبي حنيفة أن البدل مقابل بفك الحجر في حق اليد والتصرف للحال وهو سالم للعبد وإنما ينقلب مقابلا بالعتق عند الأداء فقبله لا مقابلة فبقي اختلافا في قدر البدل لا غير فلا يتحالفان.
قال: "وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت فما يصلح للرجال فهو للرجل كالعمامة" لأن الظاهر شاهد له "وما يصلح للنساء فهو للمرأة كالوقاية" لشهادة الظاهر لها "وما يصلح لهما كالآنية فهو للرجل" لأن المرأة وما في يدها في يد الزوج والقول في الدعاوى لصاحب اليد، بخلاف ما يختص بها لأنه يعارضه ظاهر أقوى منه، ولا فرق بين ما إذا كان الاختلاف في حال قيام النكاح أو بعدما وقعت الفرقة. "فإن مات أحدهما واختلفت ورثته مع الآخر فما يصلح للرجال والنساء فهو للباقي منهما" لأن اليد للحي دون الميت، وهذا الذي ذكرناه قول أبي حنيفة ﵀.
وقال أبو يوسف ﵀: يدفع إلى المرأة ما يجهز به مثلها، والباقي للزوج مع يمينه لأن الظاهر أن المرأة تأتي بالجهاز وهذا أقوى فيبطل به ظاهر يد الزوج، ثم في الباقي لا معارض لظاهر فيعتبر "والطلاق والموت سواء" لقيام الورثة مقام مورثهم "وقال محمد: وما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما يكون لهما فهو للرجل أو لورثته" لما قلنا لأبي حنيفة "والطلاق والموت سواء" لقيام الوارث مقام المورث "وإن كان أحدهما مملوكا فالمتاع للحر في حالة الحياة" لأن يد الحر أقوى "وللحي بعد الممات" لأنه لا يد للميت فخلت يد الحي عن المعارض "وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: العبد المأذون له في التجارة والمكاتب بمنزلة الحر" لأن لهما يدا معتبرة في الخصومات.
стр. 767
فصل: فيمن لا يكون خصما
"وإن قال المدعى عليه هذا الشيء أودعنيه فلان الغائب أو رهنه عندي أو غصبته منه وأقام بينة على ذلك فلا خصومة بينه وبين المدعي" وكذا إذا قال: آجرنيه وأقام البينة لأنه أثبت ببينته أن يده ليست بيد خصومة. وقال ابن شبرمة: لا تندفع الخصومة لأنه تعذر إثبات الملك للغائب لعدم الخصم عنه ودفع الخصومة بناء عليه.
قلنا: مقتضى البينة شيئان ثبوت الملك للغائب ولا خصم فيه فلم يثبت، ودفع خصومة المدعي وهو خصم فيه فيثبت وهو كالوكيل بنقل المرأة وإقامتها البينة على الطلاق كما بيناه من قبل، ولا تندفع بدون إقامة البينة كما قاله ابن أبي ليلى لأنه صار خصما بظاهر يده، فهو بإقراره يريد أن يحول حقا مستحقا على نفسه فلا يصدق إلا بالحجة، كما إذا ادعى تحول الدين من ذمته إلى ذمة غيره.
"وقال أبو يوسف ﵀: إن كان الرجل صالحا فالجواب كما قلناه، وإن كان معروفا بالحيل لا تندفع عنه الخصومة" لأن المحتال من الناس قد يدفع ماله إلى مسافر يودعه إياه ويشهد عليه الشهود فيحتال لإبطال حق غيره، فإذا اتهمه القاضي به لا يقبله.
"ولو قال الشهود: أودعه رجل لا نعرفه لا تندفع عنه الخصومة" لاحتمال أن يكون المودع هو هذا المدعي، ولأنه ما أحاله إلى معين يمكن للمدعي اتباعه، فلو اندفعت لتضرر به المدعي، ولو قالوا نعرفه بوجهه ولا نعرفه باسمه ونسبه فكذلك الجواب عند محمد للوجه الثاني، وعند أبي حنيفة تندفع لأنه أثبت ببينته أن العين وصل إليه من جهة غيره حيث عرفه الشهود بوجهه، بخلاف الفصل الأول فلم تكن يده يد خصومة وهو المقصود، والمدعي هو الذي أضر بنفسه حيث نسي خصمه أو أضره شهوده، وهذه المسألة مخمسة كتاب الدعوى وقد ذكرنا الأقوال الخمسة. "وإن قال: ابتعته من الغائب فهو خصم" لأنه لما زعم أن يده يد ملك اعترف بكونه خصما "وإن قال المدعي: غصبته مني أو سرقته مني لا تندفع الخصومة وإن أقام ذو اليد البينة على الوديعة" لأنه إنما صار خصما بدعوى الفعل عليه لا بيده، بخلاف دعوى الملك المطلق لأنه خصم فيه باعتبار يده حتى لا يصح دعواه على غير ذي اليد ويصح دعوى الفعل. "وإن قال المدعي: سرق مني وقال صاحب اليد: أودعنيه فلان وأقام البينة لم تندفع الخصومة" وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو استحسان، وقال محمد: تندفع لأنه لم يدع الفعل عليه فصار كما إذا قال: غصب مني على ما لم يسم فاعله. ولهما أن ذكر الفعل يستدعي الفاعل
стр. 768
لا محالة، والظاهر أنه هو الذي في يده إلا أنه لم يعينه درءا للحد شفقة عليه وإقامة لحسبة السر فصار كما إذا قال: سرقت، بخلاف الغصب لأنه لا حد فيه فلا يحترز عن كشفه "وإن قال المدعي: ابتعته من فلان وقال صاحب اليد: أودعنيه فلان ذلك أسقطت الخصومة بغير بينة" لأنهما توافقا على أن أصل الملك فيه لغيره فيكون وصولها إلى يد ذي اليد من جهته فلم تكن يده يد خصومة إلا أن يقيم البينة أن فلانا وكله بقبضه لأنه أثبت ببينته كونه أحق بإمساكها، والله أعلم.
стр. 769
باب ما يدعيه الرجلان
قال: "وإذا ادعى اثنان عينا في يد آخر كل واحد منهما يزعم أنها له وأقاما البينة بها بينهما" وقال الشافعي في قول: تهاترتا، وفي قول يقرع بينهما؛ لأن إحدى البينتين كاذبة بيقين لاستحالة اجتماع الملكين في الكل في حالة واحدة وقد تعذر التمييز فيتهاتران أو يصار إلى القرعة لأن النبي ﵊ أقرع فيه وقال: "اللهم أنت الحكم بينهما" ولنا حديث تميم بن طرفة: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﵊ في ناقة وأقام كل واحد منهما البينة فقضى بها بينهما نصفين". وحديث القرعة كان في الابتداء ثم نسخ، ولأن المطلق للشهادة في حق كل واحد منهما محتمل الوجود بل يعتمد أحدهما سبب الملك والآخر اليد فصحت الشهادتان فيجب العمل بهما ما أمكن، وقد أمكن بالتنصيف إذ المحل يقبله، وإنما ينصف لاستوائهما في سبب الاستحقاق.
قال: "فإن ادعى كل واحد منهما نكاح امرأة وأقاما بينة لم يقض بواحدة من البينتين" لتعذر العمل بهما؛ لأن المحل لا يقبل الاشتراك.
قال: "ويرجع إلى تصديق المرأة لأحدهما" لأن النكاح مما يحكم به بتصادق الزوجين، وهذا إذا لم تؤقت البينتان، فأما إذا وقتا فصاحب الوقت الأول أولى "وإن أقرت لأحدهما قبل إقامة البينة فهي امرأته" لتصادقهما "وإن أقام الآخر البينة قضي بها" لأن البينة أقوى من الإقرار "ولو تفرد أحدهما بالدعوى والمرأة تجحد فأقام البينة وقضى بها القاضي له ثم ادعى الآخر وأقام البينة على مثل ذلك لا يحكم بها" لأن القضاء الأول قد صح فلا ينقض بما هو مثله بل هو دونه "إلا أن يؤقت شهود الثاني سابقا" لأنه ظهر الخطأ في الأول بيقين. وكذا إذا كانت المرأة في يد الزوج ونكاحه ظاهر لا تقبل بينة الخارج إلا على وجه السبق.
قال: "ولو ادعى اثنان كل واحد منهما أنه اشترى منه هذا العبد" معناه من صاحب اليد "وأقاما بينة فكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد بنصف الثمن وإن شاء ترك"
стр. 770
لأن القاضي يقضي بينهما نصفين لاستوائهما في السبب فصار كالفضوليين إذا باع كل واحد منهما من رجل وأجاز المالك البيعين يخير كل واحد منهما لأنه تغير عليه شرط عقده، فلعل رغبته في تملك الكل فيرده ويأخذ كل الثمن. "فإن قضى القاضي به بينهما فقال أحدهما: لا أختار لم يكن للآخر أن يأخذ جميعه" لأنه صار مقضيا عليه في النصف فانفسخ البيع فيه، وهذا لأنه خصم فيه لظهور استحقاقه بالبينة لولا بينة صاحبه بخلاف ما لو قال ذلك قبل تخيير القاضي حيث يكون له أن يأخذ الجميع لأنه يدعي الكل ولم يفسخ سببه، والعود إلى النصف للمزاحمة ولم توجد، ونظيره تسليم أحد الشفيعين قبل القضاء، ونظير الأول تسليمه بعد القضاء ولو ذكر كل واحد منهما تاريخا فهو للأول منهما" لأنه أثبت الشراء في زمان لا ينازعه فيه أحد فاندفع الآخر به "ولو وقتت إحداهما ولم تؤقت الأخرى فهو لصاحب الوقت" لثبوت ملكه في ذلك الوقت واحتمل الآخر أن يكون قبله أو بعده فلا يقضي له بالشك "وإن لم يذكرا تاريخا ومع أحدهما قبض فهو أولى" ومعناه أنه في يده لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه، ولأنهما استويا في الإثبات فلا تنقض اليد الثابتة بالشك، وكذا لو ذكر الآخر وقتا لما بينا. إلا أن يشهدوا أن شراءه كان قبل شراء صاحب اليد لأن الصريح يفوق الدلالة.
قال: "وإن ادعى أحدهما شراء والآخر هبة وقبضا" معناه من واحد "وأقاما بينة ولا تاريخ معهما فالشراء أولى" لأن الشراء أقوى لكونه معاوضة من الجانبين، ولأنه يثبت الملك بنفسه والملك في الهبة يتوقف على القبض، وكذا الشراء والصدقة مع القبض لما بينا
"والهبة والقبض والصدقة مع القبض سواء حتى يقضي بينهما" لاستوائهما في وجه التبرع، ولا ترجيح باللزوم لأنه يرجع إلى المآل والترجيح بمعنى قائم في الحال، وهذا فيما لا يحتمل القسمة صحيح، وكذا فيما يحتملها عند البعض لأن الشيوع طارئ. وعند البعض لا يصح لأنه تنفيذ الهبة في الشائع وصار كإقامة البينتين على الارتهان وهذا أصح.
قال: "وإذا ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأته أنه تزوجها عليه فهما سواء" لاستوائهما في القوة فإن كل واحد منهما عقد معاوضة يثبت الملك بنفسه وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: الشراء أولى ولها على الزوج القيمة لأنه أمكن العمل بالبينتين بتقديم الشراء، إذ التزوج على عين مملوكة للغير صحيح وتجب قيمته عند تعذر تسليمه "وإن ادعى أحدهما رهنا وقبضا والآخر هبة وقبضا وأقاما بينة فالرهن أولى" وهذا استحسان، وفي القياس الهبة أولى لأنها تثبت الملك والرهن لا يثبته. وجه الاستحسان أن
стр. 771
المقبوض بحكم الرهن مضمون وبحكم الهبة غير مضمون وعقد الضمان أقوى. بخلاف الهبة بشرط العوض لأنه بيع انتهاء والبيع أولى من الرهن لأنه عقد ضمان يثبت الملك صورة ومعنى، والرهن لا يثبته إلا عند الهلاك معنى لا صورة فكذا الهبة بشرط العوض "وإن أقام الخارجان البينة على الملك والتاريخ فصاحب التاريخ الأقدم أولى" لأنه أثبت أنه أول المالكين فلا يتلقى الملك إلا من جهته ولم يتلق الآخر منه.
قال: "ولو ادعيا الشراء من واحد" معناه من غير صاحب اليد "وأقاما البينة على تاريخين فالأول أولى" لما بينا أنه أثبته في وقت لا منازع له فيه "وإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من آخر وذكرا تاريخا فهما سواء" لأنهما يثبتان الملك لبائعيهما فيصير كأنهما حضرا ثم يخير كل واحد منهما كما ذكرنا من قبل "ولو وقتت إحدى البينتين وقتا ولم تؤقت الأخرى قضى بينهما نصفين" لأن توقيت إحداهما لا يدل على تقدم الملك لجواز أن يكون الآخر أقدم، بخلاف ما إذا كان البائع واحدا لأنهما اتفقا على أن الملك لا يتلقى إلا من جهته، فإذا أثبت أحدهما تاريخا يحكم به حتى يتبين أنه تقدم شراء غيره. "ولو ادعى أحدهما الشراء من رجل والآخر الهبة والقبض من غيره والثالث الميراث من أبيه والرابع الصدقة والقبض من آخر قضى بينهم أرباعا" لأنهم يتلقون الملك من باعتهم فيجعل كأنهم حضروا وأقاموا البينة على الملك المطلق.
قال: "وإن أقام الخارج البينة على ملك مؤرخ وصاحب اليد بينة على ملك أقدم تاريخا كان أولى" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن محمد. وعنه أنه لا تقبل بينة ذي اليد رجع إليه لأن البينتين قامتا على مطلق الملك ولم يتعرضا لجهة الملك فكان التقدم والتأخر سواء.
ولهما أن البينة مع التاريخ متضمنة معنى الدفع، فإن الملك إذا ثبت لشخص في وقت فثبوته لغيره بعده لا يكون إلا بالتلقي من جهته وبينة ذي اليد على الدفع مقبولة، وعلى هذا الخلاف لو كانت الدار في أيديهما والمعنى ما بينا، ولو أقام الخارج وذو اليد البينة على ملك مطلق ووقتت إحداهما دون الأخرى فعلى قول أبي حنيفة ومحمد الخارج أولى.
وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: صاحب الوقت أولى لأنه أقدم وصار كما في دعوى الشراء إذا أرخت إحداهما كان صاحب التاريخ أولى. ولهما أن بينة ذي اليد إنما تقبل لتضمنها معنى الدفع، ولا دفع هاهنا حيث وقع الشك في التلقي من جهته،
стр. 772
وعلى هذا إذا كانت الدار في أيديهما ولو كانت في يد ثالث، المسألة بحالها فهما سواء عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: الذي وقت أولى. وقال محمد: الذي أطلق أولى لأنه ادعى أولية الملك بدليل استحقاق الزوائد ورجوع الباعة بعضهم على البعض. ولأبي يوسف أن التاريخ يوجب الملك في ذلك الوقت بيقين. والإطلاق يحتمل غير الأولية، والترجيح بالتيقن؛ كما لو ادعيا الشراء. ولأبي حنيفة أن التاريخ يضامه احتمال عدم التقدم فسقط اعتباره فصار كما لو أقاما البينة على ملك مطلق، بخلاف الشراء لأنه أمر حادث فيضاف إلى أقرب الأوقات فيترجح جانب صاحب التاريخ.
قال: "وإن أقام الخارج وصاحب اليد كل واحد منهما بينة على النتاج فصاحب اليد أولى" لأن البينة قامت على ما لا تدل عليه فاستويا، وترجحت بينة ذي اليد باليد فيقضي له وهذا هو الصحيح خلافا لما يقوله عيسى بن أبان إنه تتهاتر البينتان ويترك في يده لا على طريق القضاء، ولو تلقى كل واحد منهما الملك من رجل أقام البينة على النتاج عنده فهو بمنزلة إقامتها على النتاج في يد نفسه "ولو أقام أحدهما البينة على الملك والآخر على النتاج فصاحب النتاج أولى أيهما كان" لأن بينته قامت على أولية الملك فلا يثبت للآخر إلا بالتلقي من جهته، وكذلك إذا كانت الدعوى بين خارجين فبينة النتاج أولى لما ذكرنا "ولو قضى بالنتاج لصاحب اليد ثم أقام ثالث البينة على النتاج يقضي له إلا أن يعيدها ذو اليد" لأن الثالث لم يصر مقضيا عليه بتلك القضية، وكذا المقضي عليه بالملك المطلق إذا أقام البينة على النتاج تقبل وينقض القضاء لأنه بمنزلة النص والأول بمنزلة الاجتهاد.
قال: "وكذلك النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرة" كغزل القطن "وكذلك كل سبب في الملك لا يتكرر" لأنه في معنى النتاج كحلب اللبن واتخاذ الجبن واللبد والمرعزى وجز الصوف، وإن كان يتكرر قضي به للخارج بمنزلة الملك المطلق وهو مثل الخز والبناء والغرس وزراعة الحنطة والحبوب، فإن أشكل يرجع إلى أهل الخبرة لأنهم أعرف به، فإن أشكل عليهم قضي به للخارج لأن القضاء ببينته هو الأصل والعدول عنه بخبر النتاج، فإذا لم يعلم يرجع إلى الأصل.
قال: "وإن أقام الخارج البينة على الملك المطلق وصاحب اليد البينة على الشراء منه كان صاحب اليد أولى" لأن الأول إن كان يدعي أولية الملك فهذا تلقى منه، وفي هذا لا تنافي فصار كما إذا أقر بالملك له ثم ادعى الشراء منه.
стр. 773
قال: "وإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من الآخر ولا تاريخ معهما تهاترت البينتان وتترك الدار في يد ذي اليد" قال: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعلى قول محمد يقضي بالبينتين ويكون للخارج لأن العمل بهما ممكن فيجعل كأنه اشترى ذو اليد من الآخر وقبض ثم باع الدار لأن القبض دلالة السبق على ما مر، ولا يعكس الأمر لأن البيع قبل القبض لا يجوز وإن كان في العقار عنده. ولهما أن الإقدام على الشراء إقرار منه بالملك للبائع فصار كأنهما قامتا على الإقرارين وفيه التهاتر بالإجماع، كذا هاهنا، ولأن السبب يراد لحكمه وهو الملك ولا يمكن القضاء لذي اليد إلا بملك مستحق فبقي القضاء له بمجرد السبب وأنه لا يفيده. ثم لو شهدت البينتان على نقد الثمن فالألف بالألف قصاص عندهما إذا استويا لوجود قبض مضمون من كل جانب، وإن لم يشهدوا على نقد الثمن فالقصاص مذهب محمد للوجوب عنده. ولو شهد الفريقان بالبيع والقبض تهاترتا بالإجماع، لأن الجمع غير ممكن عند محمد لجواز كل واحد من البيعين بخلاف الأول. وإن وقتت البينتان في العقار ولم تثبتا قبضا ووقت الخارج أسبق يقضى لصاحب اليد عندهما فيجعل كأن الخارج اشترى أولا ثم باع قبل القبض من صاحب اليد، وهو جائز في العقار عندهما. وعند محمد يقضي للخارج لأنه لا يصح له بيعه قبل القبض فبقي على ملكه، وإن أثبتا قبضا يقضي لصاحب اليد لأن البيعين جائزان على القولين، وإن كان وقت صاحب اليد أسبق يقضى للخارج في الوجهين فيجعل كأنه اشتراها ذو اليد وقبض ثم باع ولم يسلم أو سلم ثم وصل إليه بسبب آخر.
قال: "وإن أقام أحد المدعيين شاهدين والآخر أربعة فهما سواء" لأن شهادة كل الشاهدين علة تامة كما في حالة الانفراد، والترجيح لا يقع بكثرة العلل بل بقوة فيها على ما عرف.
قال: "وإذا كانت دار في يد رجل ادعاها اثنان أحدهما جميعها والآخر نصفها وأقاما البينة فلصاحب الجميع ثلاثة أرباعها ولصاحب النصف ربعها عند أبي حنيفة" اعتبارا بطريق المنازعة، فإن صاحب النصف لا ينازع الآخر في النصف فسلم له بلا منازع واستوت منازعتهما في النصف الآخر فينصف بينهما "وقالا: هي بينهما أثلاثا" فاعتبرا طريق العول والمضاربة، فصاحب الجميع يضرب بكل حقه سهمين وصاحب النصف بسهم واحد فتقسم أثلاثا، ولهذه المسألة نظائر وأضداد لا يحتملها هذا المختصر وقد ذكرنا في الزيادات.
стр. 774
قال: "ولو كانت في أيديهما سلم لصاحب الجميع نصفها على وجه القضاء ونصفها لا على وجه القضاء" لأنه خارج في النصف فيقضي ببينته، والنصف الذي في يديه صاحبه لا يدعيه لأن مدعاه النصف وهو في يده سالم له، ولو لم ينصرف إليه دعواه كان ظالما بإمساكه ولا قضاء بدون الدعوى فيترك في يده.
قال: "وإذا تنازعا في دابة وأقام كل واحد منهما بينة أنها نتجت عنده، وذكرا تاريخا وسن الدابة يوافق أحد التاريخين فهو أولى" لأن الحال يشهد له فيترجح "وإن أشكل ذلك كانت بينهما" لأنه سقط التوقيت فصار كأنهما لم يذكرا تاريخا. وإن خالف سن الدابة الوقتين بطلت البينتان، كذا ذكره الحاكم ﵀ لأنه ظهر كذب الفريقين فيترك في يد من كانت في يده.
قال: "وإذا كان عبد في يد رجل أقام رجلان عليه البينة أحدهما بغصب والآخر بوديعة فهو بينهما" لاستوائهما في الاستحقاق.
стр. 775
فصل: في التنازع بالأيدي
قال: "وإذا تنازعا في دابة أحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها فالراكب أولى" لأن تصرفه أظهر فإنه يختص بالملك "وكذلك إذا كان أحدهما راكبا في السرج والآخر رديفه فالراكب أولى" بخلاف ما إذا كانا راكبين حيث تكون بينهما لاستوائهما في التصرف "وكذا إذا تنازعا في بعير وعليه حمل لأحدهما فصاحب الحمل أولى" لأنه هو المتصرف "وكذا إذا تنازعا في قميص أحدهما لابسه والآخر متعلق بكمه فاللابس أولى" لأنه أظهرهما تصرفا "ولو تنازعا في بساط أحدهما جالس عليه والآخر متعلق به فهو بينهما" معناه لا على طريق القضاء لأن القعود ليس بيد عليه فاستويا.
قال: "وإذا كان ثوب في يد رجل وطرف منه في يد آخر فهو بينهما نصفان" لأن الزيادة من جنس الحجة فلا توجب زيادة في الاستحقاق.
قال: "وإذا كان صبي في يد رجل وهو يعبر عن نفسه فقال: أنا حر فالقول قوله" لأنه في يد نفسه "ولو قال أنا عبد لفلان فهو عبد للذي هو في يده" لأنه أقر بأنه لا يد له حيث أقر بالرق "وإن كان لا يعبر عن نفسه فهو عبد للذي هو في يده" لأنه لا يد له على نفسه لما كان لا يعبر عنها وهو بمنزلة المتاع، بخلاف ما إذا كان يعبر، فلو كبر وادعى الحرية لا يكون القول قوله لأنه ظهر الرق عليه في حال صغره.
قال: "وإذا كان الحائط لرجل عليه جذوع أو متصل ببنائه ولآخر عليه هرادي فهو
следующие страницы →