Полный текст (1 246 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
المقبوض بحكم الرهن مضمون وبحكم الهبة غير مضمون وعقد الضمان أقوى. بخلاف الهبة بشرط العوض لأنه بيع انتهاء والبيع أولى من الرهن لأنه عقد ضمان يثبت الملك صورة ومعنى، والرهن لا يثبته إلا عند الهلاك معنى لا صورة فكذا الهبة بشرط العوض "وإن أقام الخارجان البينة على الملك والتاريخ فصاحب التاريخ الأقدم أولى" لأنه أثبت أنه أول المالكين فلا يتلقى الملك إلا من جهته ولم يتلق الآخر منه.
قال: "ولو ادعيا الشراء من واحد" معناه من غير صاحب اليد "وأقاما البينة على تاريخين فالأول أولى" لما بينا أنه أثبته في وقت لا منازع له فيه "وإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من آخر وذكرا تاريخا فهما سواء" لأنهما يثبتان الملك لبائعيهما فيصير كأنهما حضرا ثم يخير كل واحد منهما كما ذكرنا من قبل "ولو وقتت إحدى البينتين وقتا ولم تؤقت الأخرى قضى بينهما نصفين" لأن توقيت إحداهما لا يدل على تقدم الملك لجواز أن يكون الآخر أقدم، بخلاف ما إذا كان البائع واحدا لأنهما اتفقا على أن الملك لا يتلقى إلا من جهته، فإذا أثبت أحدهما تاريخا يحكم به حتى يتبين أنه تقدم شراء غيره. "ولو ادعى أحدهما الشراء من رجل والآخر الهبة والقبض من غيره والثالث الميراث من أبيه والرابع الصدقة والقبض من آخر قضى بينهم أرباعا" لأنهم يتلقون الملك من باعتهم فيجعل كأنهم حضروا وأقاموا البينة على الملك المطلق.
قال: "وإن أقام الخارج البينة على ملك مؤرخ وصاحب اليد بينة على ملك أقدم تاريخا كان أولى" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن محمد. وعنه أنه لا تقبل بينة ذي اليد رجع إليه لأن البينتين قامتا على مطلق الملك ولم يتعرضا لجهة الملك فكان التقدم والتأخر سواء.
ولهما أن البينة مع التاريخ متضمنة معنى الدفع، فإن الملك إذا ثبت لشخص في وقت فثبوته لغيره بعده لا يكون إلا بالتلقي من جهته وبينة ذي اليد على الدفع مقبولة، وعلى هذا الخلاف لو كانت الدار في أيديهما والمعنى ما بينا، ولو أقام الخارج وذو اليد البينة على ملك مطلق ووقتت إحداهما دون الأخرى فعلى قول أبي حنيفة ومحمد الخارج أولى.
وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: صاحب الوقت أولى لأنه أقدم وصار كما في دعوى الشراء إذا أرخت إحداهما كان صاحب التاريخ أولى. ولهما أن بينة ذي اليد إنما تقبل لتضمنها معنى الدفع، ولا دفع هاهنا حيث وقع الشك في التلقي من جهته،
стр. 772
وعلى هذا إذا كانت الدار في أيديهما ولو كانت في يد ثالث، المسألة بحالها فهما سواء عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: الذي وقت أولى. وقال محمد: الذي أطلق أولى لأنه ادعى أولية الملك بدليل استحقاق الزوائد ورجوع الباعة بعضهم على البعض. ولأبي يوسف أن التاريخ يوجب الملك في ذلك الوقت بيقين. والإطلاق يحتمل غير الأولية، والترجيح بالتيقن؛ كما لو ادعيا الشراء. ولأبي حنيفة أن التاريخ يضامه احتمال عدم التقدم فسقط اعتباره فصار كما لو أقاما البينة على ملك مطلق، بخلاف الشراء لأنه أمر حادث فيضاف إلى أقرب الأوقات فيترجح جانب صاحب التاريخ.
قال: "وإن أقام الخارج وصاحب اليد كل واحد منهما بينة على النتاج فصاحب اليد أولى" لأن البينة قامت على ما لا تدل عليه فاستويا، وترجحت بينة ذي اليد باليد فيقضي له وهذا هو الصحيح خلافا لما يقوله عيسى بن أبان إنه تتهاتر البينتان ويترك في يده لا على طريق القضاء، ولو تلقى كل واحد منهما الملك من رجل أقام البينة على النتاج عنده فهو بمنزلة إقامتها على النتاج في يد نفسه "ولو أقام أحدهما البينة على الملك والآخر على النتاج فصاحب النتاج أولى أيهما كان" لأن بينته قامت على أولية الملك فلا يثبت للآخر إلا بالتلقي من جهته، وكذلك إذا كانت الدعوى بين خارجين فبينة النتاج أولى لما ذكرنا "ولو قضى بالنتاج لصاحب اليد ثم أقام ثالث البينة على النتاج يقضي له إلا أن يعيدها ذو اليد" لأن الثالث لم يصر مقضيا عليه بتلك القضية، وكذا المقضي عليه بالملك المطلق إذا أقام البينة على النتاج تقبل وينقض القضاء لأنه بمنزلة النص والأول بمنزلة الاجتهاد.
قال: "وكذلك النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرة" كغزل القطن "وكذلك كل سبب في الملك لا يتكرر" لأنه في معنى النتاج كحلب اللبن واتخاذ الجبن واللبد والمرعزى وجز الصوف، وإن كان يتكرر قضي به للخارج بمنزلة الملك المطلق وهو مثل الخز والبناء والغرس وزراعة الحنطة والحبوب، فإن أشكل يرجع إلى أهل الخبرة لأنهم أعرف به، فإن أشكل عليهم قضي به للخارج لأن القضاء ببينته هو الأصل والعدول عنه بخبر النتاج، فإذا لم يعلم يرجع إلى الأصل.
قال: "وإن أقام الخارج البينة على الملك المطلق وصاحب اليد البينة على الشراء منه كان صاحب اليد أولى" لأن الأول إن كان يدعي أولية الملك فهذا تلقى منه، وفي هذا لا تنافي فصار كما إذا أقر بالملك له ثم ادعى الشراء منه.
стр. 773
قال: "وإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من الآخر ولا تاريخ معهما تهاترت البينتان وتترك الدار في يد ذي اليد" قال: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعلى قول محمد يقضي بالبينتين ويكون للخارج لأن العمل بهما ممكن فيجعل كأنه اشترى ذو اليد من الآخر وقبض ثم باع الدار لأن القبض دلالة السبق على ما مر، ولا يعكس الأمر لأن البيع قبل القبض لا يجوز وإن كان في العقار عنده. ولهما أن الإقدام على الشراء إقرار منه بالملك للبائع فصار كأنهما قامتا على الإقرارين وفيه التهاتر بالإجماع، كذا هاهنا، ولأن السبب يراد لحكمه وهو الملك ولا يمكن القضاء لذي اليد إلا بملك مستحق فبقي القضاء له بمجرد السبب وأنه لا يفيده. ثم لو شهدت البينتان على نقد الثمن فالألف بالألف قصاص عندهما إذا استويا لوجود قبض مضمون من كل جانب، وإن لم يشهدوا على نقد الثمن فالقصاص مذهب محمد للوجوب عنده. ولو شهد الفريقان بالبيع والقبض تهاترتا بالإجماع، لأن الجمع غير ممكن عند محمد لجواز كل واحد من البيعين بخلاف الأول. وإن وقتت البينتان في العقار ولم تثبتا قبضا ووقت الخارج أسبق يقضى لصاحب اليد عندهما فيجعل كأن الخارج اشترى أولا ثم باع قبل القبض من صاحب اليد، وهو جائز في العقار عندهما. وعند محمد يقضي للخارج لأنه لا يصح له بيعه قبل القبض فبقي على ملكه، وإن أثبتا قبضا يقضي لصاحب اليد لأن البيعين جائزان على القولين، وإن كان وقت صاحب اليد أسبق يقضى للخارج في الوجهين فيجعل كأنه اشتراها ذو اليد وقبض ثم باع ولم يسلم أو سلم ثم وصل إليه بسبب آخر.
قال: "وإن أقام أحد المدعيين شاهدين والآخر أربعة فهما سواء" لأن شهادة كل الشاهدين علة تامة كما في حالة الانفراد، والترجيح لا يقع بكثرة العلل بل بقوة فيها على ما عرف.
قال: "وإذا كانت دار في يد رجل ادعاها اثنان أحدهما جميعها والآخر نصفها وأقاما البينة فلصاحب الجميع ثلاثة أرباعها ولصاحب النصف ربعها عند أبي حنيفة" اعتبارا بطريق المنازعة، فإن صاحب النصف لا ينازع الآخر في النصف فسلم له بلا منازع واستوت منازعتهما في النصف الآخر فينصف بينهما "وقالا: هي بينهما أثلاثا" فاعتبرا طريق العول والمضاربة، فصاحب الجميع يضرب بكل حقه سهمين وصاحب النصف بسهم واحد فتقسم أثلاثا، ولهذه المسألة نظائر وأضداد لا يحتملها هذا المختصر وقد ذكرنا في الزيادات.
стр. 774
قال: "ولو كانت في أيديهما سلم لصاحب الجميع نصفها على وجه القضاء ونصفها لا على وجه القضاء" لأنه خارج في النصف فيقضي ببينته، والنصف الذي في يديه صاحبه لا يدعيه لأن مدعاه النصف وهو في يده سالم له، ولو لم ينصرف إليه دعواه كان ظالما بإمساكه ولا قضاء بدون الدعوى فيترك في يده.
قال: "وإذا تنازعا في دابة وأقام كل واحد منهما بينة أنها نتجت عنده، وذكرا تاريخا وسن الدابة يوافق أحد التاريخين فهو أولى" لأن الحال يشهد له فيترجح "وإن أشكل ذلك كانت بينهما" لأنه سقط التوقيت فصار كأنهما لم يذكرا تاريخا. وإن خالف سن الدابة الوقتين بطلت البينتان، كذا ذكره الحاكم ﵀ لأنه ظهر كذب الفريقين فيترك في يد من كانت في يده.
قال: "وإذا كان عبد في يد رجل أقام رجلان عليه البينة أحدهما بغصب والآخر بوديعة فهو بينهما" لاستوائهما في الاستحقاق.
стр. 775
فصل: في التنازع بالأيدي
قال: "وإذا تنازعا في دابة أحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها فالراكب أولى" لأن تصرفه أظهر فإنه يختص بالملك "وكذلك إذا كان أحدهما راكبا في السرج والآخر رديفه فالراكب أولى" بخلاف ما إذا كانا راكبين حيث تكون بينهما لاستوائهما في التصرف "وكذا إذا تنازعا في بعير وعليه حمل لأحدهما فصاحب الحمل أولى" لأنه هو المتصرف "وكذا إذا تنازعا في قميص أحدهما لابسه والآخر متعلق بكمه فاللابس أولى" لأنه أظهرهما تصرفا "ولو تنازعا في بساط أحدهما جالس عليه والآخر متعلق به فهو بينهما" معناه لا على طريق القضاء لأن القعود ليس بيد عليه فاستويا.
قال: "وإذا كان ثوب في يد رجل وطرف منه في يد آخر فهو بينهما نصفان" لأن الزيادة من جنس الحجة فلا توجب زيادة في الاستحقاق.
قال: "وإذا كان صبي في يد رجل وهو يعبر عن نفسه فقال: أنا حر فالقول قوله" لأنه في يد نفسه "ولو قال أنا عبد لفلان فهو عبد للذي هو في يده" لأنه أقر بأنه لا يد له حيث أقر بالرق "وإن كان لا يعبر عن نفسه فهو عبد للذي هو في يده" لأنه لا يد له على نفسه لما كان لا يعبر عنها وهو بمنزلة المتاع، بخلاف ما إذا كان يعبر، فلو كبر وادعى الحرية لا يكون القول قوله لأنه ظهر الرق عليه في حال صغره.
قال: "وإذا كان الحائط لرجل عليه جذوع أو متصل ببنائه ولآخر عليه هرادي فهو
стр. 776
لصاحب الجذوع والاتصال، والهرادي ليست بشيء" لأن صاحب الجذوع صاحب استعمال والآخر صاحب تعلق فصار كدابة تنازعا فيها ولأحدهما حمل عليها وللآخر كوز معلق بها، والمراد بالاتصال مداخلة لبن جداره فيه ولبن هذا في جداره وقد يسمى اتصال تربيع، وهذا شاهد ظاهر لصاحبه لأن بعض بنائه على بعض بناء هذا الحائط. وقوله الهرادي ليست بشيء يدل على أنه لا اعتبار للهرادي أصلا، وكذا البواري لأن الحائط لا تبنى لها أصلا حتى لو تنازعا في حائط ولأحدهما عليه هرادي وليس للآخر عليه شيء فهو بينهما "ولو كان لكل واحد منهما عليه جذوع ثلاثة فهو بينهما" لاستوائهما ولا معتبر بالأكثر منها بعد الثلاثة "وإن كان جذوع أحدهما أقل من ثلاثة فهو لصاحب الثلاثة وللآخر موضع جذعه" في رواية، وفي رواية لكل واحد منهما ما تحت خشبته، ثم قيل ما بين الخشب بينهما، وقيل على قدر خشبهما، والقياس أن يكون بينهما نصفين لأنه لا معتبر بالكثرة في نفس الحجة. وجه الثاني أن الاستعمال من كل واحد بقدر خشبته. ووجه الأول أن الحائط يبنى لوضع كثير الجذوع دون الواحد والمثنى فكان الظاهر شاهدا لصاحب الكثير، إلا أنه يبقى له حق الوضع لأن الظاهر ليس بحجة في استحقاق يده "ولو كان لأحدهما جذوع وللآخر اتصال فالأول أولى" ويروى الثاني أولى. وجه الأول أن لصاحب الجذوع التصرف ولصاحب الاتصال اليد والتصرف أقوى. وجه الثاني أن الحائطين بالاتصال يصيران كبناء واحد من ضرورة القضاء له ببعضه القضاء بكله ثم يبقى للآخر حق وضع جذوعه لما قلنا، وهذه رواية الطحاوي وصححها الجرجاني.
قال: "وإذا كانت دار منها في يد رجل عشرة أبيات وفي يد آخر بيت فالساحة بينهما نصفان" لاستوائهما في استعمالها وهو المرور فيها.
قال: "وإذا ادعى رجلان أرضا" يعني يدعي كل واحد منهما "أنها في يده لم يقض أنها في يد واحد منهما حتى يقيما البينة أنها في أيديهما" لأن اليد فيها غير مشاهدة لتعذر إحضارها وما غاب عن علم القاضي فالبينة تثبته "وإن أقام أحدهما البينة جعلت في يده" لقيام الحجة لأن اليد حق مقصود "وإن أقاما البينة جعلت في أيديهما" لما بينا فلا يستحق لأحدهما من غير حجة "وإن كان أحدهما قد لبن في الأرض أو بني أو حفر فهي في يده" لوجود التصرف والاستعمال فيها.
стр. 777
باب دعوى النسب
قال: "وإذا باع جارية فجاءت بولد فادعاه البائع فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من
стр. 778
يوم باع فهو ابن البائع وأمه أم ولد له" وفي القياس هو قول زفر والشافعي رحمهما الله دعوته باطلة" لأن البيع اعتراف منه بأنه عبد فكان في دعواه مناقضا ولا نسب بدون الدعوى. وجه الاستحسان أن اتصال العلوق بملكه شهادة ظاهرة على كونه منه لأن الظاهر عدم الزنا. ومبنى النسب على الخفاء فيعفى فيه التناقض، وإذا صحت الدعوى استندت إلى وقت العلوق فتبين أنه باع أم ولده فيفسخ البيع لأن بيع أم الولد لا يجوز "ويرد الثمن" لأنه قبضه بغير حق "وإن ادعاه المشتري مع دعوة البائع أو بعده فدعوة البائع أولى" لأنها أسبق لاستنادها إلى وقت العلوق وهذه دعوة استيلاد "وإن جاءت به لأكثر من سنتين من وقت البيع لم تصح دعوة البائع" لأنه لم يوجد اتصال العلوق بملكه تيقنا وهو الشاهد والحجة "إلا إذا صدقه المشتري" فيثبت النسب ويحمل على الاستيلاد بالنكاح، ولا يبطل البيع لأنا تيقنا أن العلوق لم يكن في ملكه فلا يثبت حقيقة العتق ولا حقه، وهذه دعوة تحرير وغير المالك ليس من أهله. "وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر من وقت البيع ولأقل من سنتين لم تقبل دعوة البائع فيه إلا أن يصدقه المشتري" لأنه احتمل أن لا يكون العلوق في ملكه فلم توجد الحجة فلا بد من تصديقه، وإذا صدقه يثبت النسب ويبطل البيع والولد حر والأم أم ولد له كما في المسألة الأولى لتصادقهما واحتمال العلوق في ملكه.
قال: "فإن مات الولد فادعاه البائع وقد جاءت به لأقل من ستة أشهر لم يثبت الاستيلاد في الأم" لأنها تابعة للولد ولم يثبت نسبه بعد الموت لعدم حاجته إلى ذلك فلا يتبعه استيلاد الأم "وإن ماتت الأم فادعاه البائع وقد جاءت به لأقل من ستة أشهر يثبت النسب في الولد وأخذه البائع"؛ لأن الولد هو الأصل في النسب فلا يضره فوات التبع، وإنما كان الولد أصلا لأنها تضاف إليه يقال أم الولد، وتستفيد الحرية من جهته لقوله ﵊: "أعتقها ولدها" والثابت لها حق الحرية وله حقيقتها، والأدنى يتبع الأعلى "ويرد الثمن كله في قول أبي حنيفة. وقالا: يرد حصة الولد ولا يرد حصة الأم" لأنه تبين أنه باع أم ولده، وماليتها غير متقومة عنده في العقد والغصب فلا يضمنها المشتري، وعندهما متقومة فيضمنها.
وفي الجامع الصغير: وإذا حملت الجارية في ملك رجل فباعها فولدت في يد المشتري فادعى البائع الولد وقد أعتق المشتري الأم فهو ابنه يرد عليه بحصته من الثمن. ولو كان المشتري إنما أعتق الولد فدعواه باطلة. ووجه الفرق أن الأصل في هذا الباب الولد، والأم تابعة له على ما مر. وفي الفصل الأول قام المانع من الدعوة والاستيلاد وهو العتق في التبع وهو الأم فلا يمتنع ثبوته في الأصل وهو الولد، وليس من ضروراته. كما في ولد
стр. 779
المغرور فإنه حر وأمه أمة لمولاها، وكما في المستولدة بالنكاح. وفي الفصل الثاني قام المانع بالأصل وهو الولد فيمتنع ثبوته فيه وفي التبع، وإنما كان الإعتاق مانعا لأنه لا يحتمل النقض كحق استلحاق النسب وحق الاستيلاد فاستويا من هذا الوجه، ثم الثابت من المشتري حقيقة الإعتاق والثابت في الأم حق الحرية، وفي الولد للبائع حق الدعوة والحق لا يعارض الحقيقة، والتدبير بمنزلة الإعتاق لأنه لا يحتمل النقض وقد ثبت به بعض آثار الحرية. وقوله في الفصل الأول يرد عليه بحصته من الثمن قولهما وعنده يرد بكل الثمن هو الصحيح كما ذكرنا في فصل الموت.
قال: "ومن باع عبدا ولد عنده وباعه المشتري من آخر ثم ادعاه البائع الأول فهو ابنه ويبطل البيع" لأن البيع يحتمل النقض، وما له من حق الدعوة لا يحتمله فينقض البيع لأجله، وكذا إذا كاتب الولد أو رهنه أو أجره أو كاتب الأم أو رهنها أو زوجها ثم كانت الدعوة لأن هذه العوارض تحتمل النقض فينقض ذلك كله وتصح الدعوة، بخلاف الإعتاق والتدبير على ما مر، وبخلاف ما إذا ادعاه المشتري أولا ثم ادعاه البائع حيث لا يثبت النسب من البائع لأن النسب الثابت من المشتري لا يحتمل النقض فصار كإعتاقه.
قال: "ومن ادعى نسب أحد التوأمين ثبت نسبهما منه" لأنهما من ماء واحد، فمن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر، وهذا لأن التوأمين ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر فلا يتصور علوق الثاني حادثا لأنه لا حبل لأقل من ستة أشهر.
وفي الجامع الصغير: إذا كان في يده غلامان توأمان ولدا عنده فباع أحدهما وأعتقه المشتري ثم ادعى البائع الذي في يده فهما ابناه وبطل عتق المشتري؛ لأنه لما ثبت نسب الولد الذي عنده لمصادفة العلوق والدعوة ملكه إذ المسألة مفروضة فيه ثبت به حرية الأصل فيه فيثبت نسب الآخر، وحرية الأصل فيه ضرورة لأنهما توأمان، فتبين أن عتق المشتري وشراءه لاقى حرية الأصل فبطل، بخلاف ما إذا كان الولد واحدا لأن هناك يبطل العتق فيه مقصودا لحق دعوة البائع وهنا ثبت تبعا لحريته فيه حرية الأصل فافترقا "ولو لم يكن أصل العلوق في ملكه ثبت نسب الولد الذي عنده، ولا ينقض البيع فيما باع" لأن هذه دعوة تحرير لانعدام شاهد الاتصال فيقتصر على محل ولايته.
قال: "وإن كان الصبي في يد رجل فقال: هو ابن عبدي فلان الغائب ثم قال: هو ابني لم يكن ابنه أبدا وإن جحد العبد أن يكون ابنه" وهذا عند أبي حنيفة "وقالا: إذا جحد العبد فهو ابن المولى" وعلى هذا الخلاف إذا قال: هو ابن فلان ولد على فراشه ثم ادعاه لنفسه.
стр. 780
لهما أن الإقرار ارتد برد العبد فصار كأن لم يكن الإقرار، والإقرار بالنسب يرتد بالرد وإن كان لا يحتمل النقض؛ ألا يرى أنه يعمل فيه الإكراه والهزل فصار كما إذا أقر المشتري على البائع بإعتاق المشترى فكذبه البائع ثم قال أنا أعتقته يتحول الولاء إليه، بخلاف ما إذا صدقه لأنه يدعي بعد ذلك نسبا ثابتا من الغير، وبخلاف ما إذا لم يصدقه ولم يكذبه لأنه تعلق به حق المقر له على اعتبار تصديقه فيصير كولد الملاعنة فإنه لا يثبت نسبه من غير الملاعن؛ لأن له أن يكذب نفسه. ولأبي حنيفة أن النسب مما لا يحتمل النقض بعد ثبوته والإقرار بمثله لا يرتد بالرد فبقي فتمتنع دعوته، كمن شهد على رجل بنسب صغير فردت شهادته لتهمة ثم ادعاه لنفسه، وهذا لأنه تعلق به حق المقر له على اعتبار تصديقه، حتى لو صدقه بعد التكذيب يثبت النسب منه، وكذا تعلق به حق الولد فلا يرتد برد المقر له. ومسألة الولاء على هذا الخلاف، ولو سلم فالولاء قد يبطل باعتراض الأقوى كجر الولاء من جانب الأم إلى قوم الأب. وقد اعترض على الولاء الموقوف ما هو أقوى وهو دعوى المشتري فيبطل به، بخلاف النسب على ما مر. وهذا يصلح مخرجا على أصله فيمن يبيع الولد ويخاف عليه الدعوة بعد ذلك فيقطع دعواه إقراره بالنسب لغيره.
قال: "وإذا كان الصبي في يد مسلم ونصراني فقال النصراني: هو ابني وقال المسلم هو عبدي فهو ابن النصراني وهو حر" لأن الإسلام مرجح فيستدعي تعارضا، ولا تعارض لأن نظر الصبي في هذا أوفر لأنه ينال شرف الحرية حالا وشرف الإسلام مآلا، إذ دلائل الوحدانية ظاهرة، وفي عكسه الحكم بالإسلام تبعا وحرمانه عن الحرية لأنه ليس في وسعه اكتسابها "ولو كانت دعوتهما دعوة البنوة فالمسلم أولى" ترجيحا للإسلام وهو أوفر النظرين.
قال: "وإذا ادعت امرأة صبيا أنه ابنها لم تجز دعواها حتى تشهد امرأة على الولادة" ومعنى المسألة أن تكون المرأة ذات زوج لأنها تدعي تحميل النسب على الغير فلا تصدق إلا بحجة، بخلاف الرجل لأنه يحمل نفسه النسب، ثم شهادة القابلة كافية فيها لأن الحاجة إلى تعيين الولد.
أما النسب فيثبت بالفراش القائم، وقد صح أن النبي ﵊ قبل شهادة القابلة على الولادة "ولو كانت معتدة فلا بد من حجة تامة" عند أبي حنيفة وقد مر في الطلاق، وإن لم تكن منكوحة ولا معتدة قالوا: يثبت النسب منها بقولها لأن فيه إلزاما على نفسها دون غيرها. "وإن كان لها زوج وزعمت أنه ابنهما منه وصدقها فهو ابنهما وإن لم تشهد امرأة" لأنه التزم نسبه فأغنى ذلك عن الحجة. "وإن كان الصبي في أيديهما وزعم
стр. 781
الزوج أنه ابنه من غيرها وزعمت أنه ابنها من غيره فهو ابنهما" لأن الظاهر أن الولد منهما لقيام أيديهما أو لقيام الفراش بينهما، ثم كل واحد منهما يريد إبطال حق صاحبه فلا يصدق عليه، وهو نظير ثوب في يد رجلين يقول كل واحد منهما هو بيني وبين رجل آخر غير صاحبه يكون الثوب بينهما إلا أن هناك يدخل المقر له في نصيب المقر لأن المحل يحتمل الشركة، وهاهنا لا يدخل لأن النسب لا يحتملها.
قال: "ومن اشترى جارية فولدت ولدا عنده فاستحقها رجل غرم الأب قيمة الولد يوم يخاصم" لأنه ولد المغرور فإن المغرور من يطأ امرأة معتمدا على ملك يمين أو نكاح فتلد منه ثم تستحق، وولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة ﵃، ولأن النظر من الجانبين واجب فيجعل الولد حر الأصل في حق أبيه رقيقا في حق مدعيه نظرا لهما، ثم الولد حاصل في يده من غير صنعه فلا يضمنه إلا بالمنع كما في ولد المغصوبة، فلهذا تعتبر قيمة الولد يوم الخصومة لأنه يوم المنع.
"ولو مات الولد لا شيء على الأب" لانعدام المنع، وكذا لو ترك مالا لأن الإرث ليس ببدل عنه، والمال لأبيه لأنه حر الأصل في حقه فيرثه "ولو قتله الأب يغرم قيمته" لوجود المنع وكذا لو قتله غيره فأخذ ديته، لأن سلامة بدله له كسلامته، ومنع بدله كمنعه فيغرم قيمته كما إذا كان حيا "ويرجع بقيمة الولد على بائعه" لأنه ضمن له سلامته كما يرجع بثمنه، بخلاف العقر لأنه لزمه لاستيفاء منافعها فلا يرجع به على البائع، والله أعلم بالصواب.
стр. 782
كتاب الإقرار
قال: "وإذا أقر الحر البالغ العاقل بحق لزمه إقراره مجهولا كان ما أقر به أو معلوما".
اعلم أن الإقرار إخبار عن ثبوت الحق، وأنه ملزم لوقوعه دلالة؛ ألا ترى كيف ألزم رسول الله ﷺ ماعزا ﵁ الرجم بإقراره وتلك المرأة باعترافها. وهو حجة قاصرة لقصور ولاية المقر عن غيره فيقتصر عليه. وشرط الحرية ليصح إقراره مطلقا، فإن العبد المأذون له وإن كان ملحقا بالحر في حق الإقرار، لكن المحجور عليه لا يصح إقراره بالمال ويصح بالحدود والقصاص لأن إقراره عهد موجبا لتعلق الدين برقبته وهي مال المولى فلا يصدق عليه، بخلاف المأذون لأنه مسلط عليه من جهته، وبخلاف الحد والدم لأنه مبقى على أصل الحرية في ذلك، حتى لا يصح إقرار المولى على العبد فيه، ولا بد من البلوغ والعقل لأن إقرار الصبي والمجنون غير لازم لانعدام أهلية الالتزام، إلا إذا كان الصبي مأذونا له لأنه ملحق بالبالغ بحكم الإذن، وجهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار؛ لأن الحق قد يلزم مجهولا بأن أتلف مالا لا يدري قيمته أو يجرح جراحة لا يعلم أرشها أو تبقى عليه باقية حساب لا يحيط به علمه، والإقرار إخبار عن ثبوت الحق فيصح به، بخلاف الجهالة في المقر له لأن المجهول لا يصلح مستحقا، "ويقال له: بين المجهول" لأن التجهيل من جهته فصار كما إذا أعتق أحد عبديه "فإن لم يبين أجبره القاضي على البيان" لأنه لزمه الخروج عما لزمه بصحيح إقراره وذلك بالبيان.
قال: "فإن قال: لفلان علي شيء لزمه أن يبين ما له قيمة لأنه أخبر عن الوجوب في ذمته، وما لا قيمة له لا يجب فيها"، فإذا بين غير ذلك يكون رجوعا.
قال: "والقول قوله مع يمينه إن ادعى المقر له أكثر من ذلك" لأنه هو المنكر فيه "وكذا إذا قال لفلان علي حق" لما بينا، وكذا لو قال: غصبت منه شيئا ويجب أن يبين ما هو مال يجري فيه التمانع تعويلا على العادة. "ولو قال: لفلان علي مال فالمرجع إليه في بيانه لأنه المجمل ويقبل قوله في القليل والكثير" لأن كل ذلك مال فإنه اسم لما يتمول به "إلا أنه لا يصدق في أقل من درهم" لأنه لا يعد مالا عرفا "ولو قال: مال عظيم لم يصدق في أقل من
стр. 783
مائتي درهم" لأنه أقر بمال موصوف فلا يجوز إلغاء الوصف والنصاب عظيم حتى اعتبر صاحبه غنيا به، والغني عظيم عند الناس. وعن أبي حنيفة أنه لا يصدق في أقل من عشرة دراهم وهي نصاب السرقة لأنه عظيم حيث تقطع به اليد المحترمة، وعنه مثل جواب الكتاب، وهذا إذا قال من الدراهم.
أما إذا قال من الدنانير فالتقدير فيها بالعشرين، وفي الإبل بخمس وعشرين لأنه أدنى نصاب يجب فيه من جنسه وفي غير مال الزكاة بقيمة النصاب "ولو قال: أموال عظام فالتقدير بثلاثة نصب من أي فن سماه" اعتبارا لأدنى الجمع "ولو قال: دراهم كثيرة لم يصدق في أقل من عشرة" وهذا عند أبي حنيفة "وعندهما لم يصدق في أقل من مائتين" لأن صاحب النصاب مكثر حتى وجب عليه مواساة غيره، بخلاف ما دونه. وله أن العشرة أقصى ما ينتهي إليه اسم الجمع، يقال عشرة دراهم ثم يقال أحد عشر درهما فيكون هو الأكثر من حيث اللفظ فينصرف إليه "ولو قال دراهم فهي ثلاثة" لأنها أقل الجمع الصحيح "إلا أن يبين أكثر منها" لأن اللفظ يحتمله وينصرف إلى الوزن المعتاد "ولو قال: كذا كذا درهما لم يصدق في أقل من أحد عشر درهما" لأنه ذكر عددين مبهمين ليس بينهما حرف العطف وأقل ذلك من المفسر أحد عشر "ولو قال: كذا وكذا درهما لم يصدق في أقل من أحد وعشرين" لأنه ذكر عددين مبهمين بينهما حرف العطف، وأقل ذلك من المفسر أحد وعشرون فيحمل كل وجه على نظيره "ولو قال كذا درهما فهو درهم" لأنه تفسير للمبهم "ولو ثلث كذا بغير واو فأحد عشر" لأنه لا نظير له سواه "وإن ثلث بالواو فمائة وأحد وعشرون، وإن ربع يزاد عليها ألف" لأن ذلك نظيره.
قال: "وإن قال: له علي أو قبلي فقد أقر بالدين" لأن " علي " صيغة إيجاب، وقبلي ينبئ عن الضمان على ما مر في الكفالة. "ولو قال المقر هو وديعة ووصل صدق" لأن اللفظ يحتمله مجازا حيث يكون المضمون عليه حفظه والمال محله فيصدق موصولا لا مفصولا.
قال رضي الله تعالى عنه: وفي نسخ المختصر في قوله قبلي إنه إقرار بالأمانة لأن اللفظ ينتظمهما حتى صار قوله: لا حق لي قبل فلان إبراء عن الدين والأمانة جميعا، والأمانة أقلهما والأول أصح. "ولو قال عندي أو معي أو في بيتي أو في كيسي أو في صندوقي فهو إقرار بأمانة في يده" لأن كل ذلك إقرار بكون الشيء في يده وذلك يتنوع إلى مضمون وأمانة فيثبت وأقلها وهو الأمانة. "ولو قال له رجل: لي عليك ألف فقال اتزنها أو انتقدها أو أجلني بها أو قد قضيتكها فهو إقرار" لأن الهاء في الأول والثاني كناية عن المذكور في الدعوى، فكأنه قال: اتزن الألف التي لك علي، حتى لو لم يذكر حرف الكناية لا يكون
стр. 784
إقرارا لعدم انصرافه إلى المذكور، والتأجيل إنما يكون في حق واجب، والقضاء يتلو الوجوب ودعوى الإبراء كالقضاء لما بينا، وكذا دعوى الصدقة والهبة لأن التمليك يقتضي سابقة الوجوب، وكذا لو قال أحلتك بها على فلان لأنه تحويل الدين.
قال: "ومن أقر بدين مؤجل فصدقه المقر له في الدين وكذبه في التأجيل لزمه الدين حالا" لأنه أقر على نفسه بمال وادعى حقا لنفسه فيه فصار كما إذا أقر بعبد في يده وادعى الإجارة، بخلاف الإقرار بالدراهم السود لأنه صفة فيه وقد مرت المسألة في الكفالة.
قال: "ويستحلف المقر له على الأجل" لأنه منكر حقا عليه واليمين على المنكر. "وإن قال: له علي مائة ودرهم لزمه كلها دراهم. ولو قال: مائة وثوب لزمه ثوب واحد، والمرجع في تفسير المائة إليه" وهو القياس في الأول، وبه قال الشافعي لأن المائة مبهمة والدرهم معطوف عليها بالواو العاطفة لا تفسيرا لها فبقيت المائة على إبهامها كما في الفصل الثاني.
وجه الاستحسان وهو الفرق أنهم استثقلوا تكرار الدرهم في كل عدد واكتفوا بذكره عقيب العددين. وهذا فيما يكثر استعماله وذلك عند كثرة الوجوب بكثرة أسبابه وذلك في الدراهم والدنانير والمكيل والموزون، أما الثياب وما لا يكال ولا يوزن فلا يكثر وجوبها فبقي على الحقيقة. "وكذا إذا قال: مائة وثوبان" لما بينا "بخلاف ما إذا قال: مائة وثلاثة أثواب" لأنه ذكر عددين مبهمين وأعقبها تفسيرا إذ الأثواب لم تذكر بحرف العطف فانصرف إليهما لاستوائهما في الحاجة إلى التفسير فكانت كلها ثيابا.
قال: "ومن أقر بتمر في قوصرة لزمه التمر والقوصرة" وفسره في الأصل بقوله: غصبت تمرا في قوصرة. ووجهه أن القوصرة وعاء له وظرف له، وغصب الشيء وهو مظروف لا يتحقق بدون الظرف فيلزمانه وكذا الطعام في السفينة والحنطة في الجوالق، بخلاف ما إذا قال: غصبت تمرا من قوصرة لأن كلمة من للانتزاع فيكون الإقرار بغصب المنزوع.
قال: "ومن أقر بدابة في إصطبل لزمه الدابة خاصة" لأن الإصطبل غير مضمون بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعلى قياس قول محمد يضمنهما ومثله الطعام في البيت.
قال: "ومن أقر لغيره بخاتم لزمه الحلقة والفص" لأن اسم الخاتم يشمل الكل. "ومن أقر له بسيف فله النصل والجفن والحمائل" لأن الاسم ينطوي على الكل. "ومن أقر بحجلة فله العيدان والكسوة" لانطلاق الاسم على الكل عرفا. "وإن قال غصبت ثوبا في منديل لزماه
стр. 785
جميعا" لأنه ظرف لأن الثوب يلف فيه. "وكذا لو قال علي ثوب في ثوب" لأنه ظرف. بخلاف قوله: درهم في درهم حيث يلزمه واحد لأنه ضرب لا ظرف "وإن قال: ثوب في عشرة أثواب لم يلزمه إلا ثوب واحد عند أبي يوسف. وقال محمد: لزمه أحد عشر ثوبا" لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب فأمكن حمله على الظرف. ولأبي يوسف أن حرف " في " يستعمل في البين والوسط أيضا، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي بين عبادي، فوقع الشك والأصل براءة الذمم، على أن كل ثوب موعى وليس بوعاء فتعذر حمله على الظرف فتعين الأول محملا.
"ولو قال: لفلان علي خمسة في خمسة يريد الضرب والحساب لزمه خمسة" لأن الضرب لا يكثر المال. وقال الحسن: يلزمه خمسة وعشرون وقد ذكرناه في الطلاق "ولو قال أردت خمسة مع خمسة لزمه عشرة" لأن اللفظ يحتمله. "ولو قال له علي من درهم إلى عشرة أو قال ما بين درهم إلى عشرة لزمه تسعة عند أبي حنيفة فيلزمه الابتداء وما بعده وتسقط الغاية، وقالا: يلزمه العشرة كلها" فتدخل الغايتان. وقال زفر: يلزمه ثمانية ولا تدخل الغايتان. "ولو قال له من داري ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط فله ما بينهما وليس له من الحائطين شيء" وقد مرت الدلائل في الطلاق.
стр. 786
فصل: "ومن قال: لحمل فلانة علي ألف درهم، فإن قال أوصى له فلان أو مات أبوه فورثه فالإقرار صحيح"
لأنه أقر بسبب صالح لثبوت الملك له "ثم إذا جاءت به في مدة يعلم أنه كان قائما وقت الإقرار لزمه، فإن جاءت به ميتا فالمال للموصي والمورث حتى يقسم بين ورثته" لأنه إقرار في الحقيقة لهما، وإنما ينتقل إلى الجنين بعد الولادة ولم ينتقل "ولو جاءت بولدين حيين فالمال بينهما، ولو قال المقر باعني أو أقرضني لم يلزمه شيء" لأنه بين مستحيلا.
قال: "وإن أبهم الإقرار لم يصح عند أبي يوسف، وقال محمد: يصح" لأن الإقرار من الحجج فيجب إعماله وقد أمكن بالحمل على السبب الصالح. ولأبي يوسف أن الإقرار مطلقه ينصرف إلى الإقرار بسبب التجارة، ولهذا حمل إقرار العبد المأذون له وأحد المتفاوضين عليه فيصير كما إذا صرح به.
قال: "ومن أقر بحمل جارية أو حمل شاة لرجل صح إقراره ولزمه" لأن له وجها صحيحا وهو الوصية به من جهة غيره فحمل عليه.
стр. 787
قال: "ومن أقر بشرط الخيار بطل الشرط" لأن الخيار للفسخ والإخبار لا يحتمله "ولزمه المال" لوجود الصيغة الملزمة ولم تنعدم بهذا الشرط الباطل، والله أعلم.
стр. 788
باب الاستثناء وما في معناه
قال: "ومن استثنى متصلا بإقراره صح الاستثناء ولزمه الباقي" لأن الاستثناء مع الجملة عبارة عن الباقي ولكن لا بد من الاتصال، "وسواء استثنى الأقل أو الأكثر، فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء" لأنه تكلم بالحاصل بعد الثنيا ولا حاصل بعده فيكون رجوعا، وقد مر الوجه في الطلاق.
"ولو قال: له علي مائة درهم إلا دينارا أو إلا قفيز حنطة لزمه مائة درهم إلا قيمة الدينار أو القفيز" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف "ولو قال له علي مائة درهم إلا ثوبا لم يصح الاستثناء وقال محمد: لا يصح فيهما" وقال الشافعي: يصح فيهما. ولمحمد أن الاستثناء ما لولاه لدخل تحت اللفظ، وهذا لا يتحقق في خلاف الجنس. وللشافعي أنهما اتحدا جنسا من حيث المالية. ولهما أن المجانسة في الأول ثابتة من حيث الثمنية، وهذا في الدينار ظاهر. والمكيل والموزون أوصافها أثمان.
أما الثوب فليس بثمن أصلا ولهذا لا يجب بمطلق عقد المعاوضة وما يكون ثمنا صلح مقدرا بالدراهم فصار مستثنى من الدراهم، وما لا يكون ثمنا لا يصلح مقدرا فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا فلا يصح.
قال: "ومن أقر بحق وقال إن شاء الله متصلا" بإقراره "لم يلزمه الإقرار" لأن الاستثناء بمشيئة الله إما إبطال أو تعليق؛ فإن كان الأول فقد بطل، وإن كان الثاني فكذلك، إما لأن الإقرار لا يحتمل التعليق بالشرط، أو لأنه شرط لا يوقف عليه كما ذكرنا في الطلاق، بخلاف ما إذا قال لفلان علي مائة درهم إذا مت أو إذا جاء رأس الشهر أو إذا أفطر الناس لأنه في معنى بيان المدة فيكون تأجيلا لا تعليقا، حتى لو كذبه المقر له في الأجل يكون المال حالا.
قال: "ومن أقر بدار واستثنى بناءها لنفسه فللمقر له الدار والبناء" لأن البناء داخل في هذا الإقرار معنى لا لفظا، والاستثناء تصرف في الملفوظ، والفص في الخاتم والنخلة في البستان نظير البناء في الدار لأنه يدخل فيه تبعا لا لفظا، بخلاف ما إذا قال إلا ثلثها أو إلا بيتا منها لأنه داخل فيه لفظا "ولو قال بناء هذا الدار لي والعرصة لفلان فهو كما قال" لأن العرصة عبارة عن البقعة دون البناء، فكأنه قال بياض هذه الأرض دون البناء لفلان، بخلاف ما إذا قال مكان العرصة أرضا حيث يكون البناء للمقر له لأن الإقرار بالأرض إقرار بالبناء كالإقرار
стр. 789
بالدار. "ولو قال له علي ألف درهم من ثمن عبد اشتريته منه ولم أقبضه، فإن ذكر عبدا بعينه قيل للمقر له إن شئت فسلم العبد وخذ الألف وإلا فلا شيء لك" قال: وهذا على وجوه:
أحدها: هذا وهو أن يصدقه ويسلم العبد، وجوابه ما ذكر، لأن الثابت بتصادقهما كالثابت معاينة. والثاني: أن يقول المقر له: العبد عبدك ما بعتكه وإنما بعتك عبدا غير هذا وفيه المال لازم على المقر لإقراره به عند سلامة العبد له وقد سلم فلا يبالى باختلاف السبب بعد حصول المقصود.
والثالث: أن يقول العبد عبدي ما بعتك. وحكمه أن لا يلزم المقر شيء لأنه ما أقر بالمال إلا عوضا عن العبد فلا يلزمه دونه، ولو قال مع ذلك إنما بعتك غيره يتحالفان لأن المقر يدعي تسليم من عينه والآخر ينكر والمقر له يدعي عليه الألف ببيع غيره والآخر ينكره، وإذا تحالفا بطل المال، هذا إذا ذكر عبدا بعينه "وإن قال من ثمن عبد اشتريته ولم يعينه لزمه الألف ولا يصدق في قوله ما قبضت عند أبي حنيفة وصل أم فصل" لأنه رجوع فإنه أقر بوجوب المال رجوعا إلى كلمة علي، وإنكاره القبض في غير المعين ينافي الوجوب أصلا لأن الجهالة مقارنة كانت أو طارئة بأن اشترى عبدا ثم نسياه عند الاختلاط بأمثاله توجب هلاك المبيع فيمتنع وجوب نقد الثمن، وإذا كان كذلك كان رجوعا فلا يصح وإن كان موصولا. وقال أبو يوسف ومحمد: إن وصل صدق ولم يلزمه شيء، وإن فصل لم يصدق إذا أنكر المقر له أن يكون ذلك من ثمن عبد، وإن أقر أنه باعه متاعا فالقول قول المقر. ووجه ذلك أنه أقر بوجوب المال عليه وبين سببا وهو البيع، فإن وافقه الطالب في السبب وبه لا يتأكد الوجوب إلا بالقبض، والمقر ينكره فيكون القول له، وإن كذبه في السبب كان هذا من المقر بيانا مغيرا لأن صدر كلامه للوجوب مطلقا وآخره يحتمل انتفاءه على اعتبار عدم القبض والمغير يصح موصولا لا مفصولا. "ولو قال ابتعت منه بيعا إلا أني لم أقبضه فالقول قوله" بالإجماع لأنه ليس من ضرورة البيع القبض، بخلاف الإقرار بوجوب الثمن.
قال: "وكذا لو قال من ثمن خمر أو خنزير" ومعنى المسألة إذا قال لفلان علي ألف من ثمن خمر أو خنزير "لزمه الألف ولم يقبل تفسيره عند أبي حنيفة وصل أم فصل" لأنه رجوع لأن ثمن الخمر والخنزير لا يكون واجبا وأول كلامه للوجوب "وقالا: إذا وصل لا يلزمه شيء" لأنه بين بآخر كلامه أنه ما أراد به الإيجاب وصار كما إذا قال في آخره إن شاء الله. قلنا: ذاك تعليق وهذا إبطال.
стр. 790
"ولو قال له علي ألف من ثمن متاع أو أقرضني ألفا وبين أنها زيوف أو نبهرجة وقال المقر له هي جياد لزمه الجياد عند أبي حنيفة ﵀، وقالا: إن قال ذلك موصولا يصدق وإن قال مفصولا لا يصدق" وعلى هذا الخلاف إذا قال هي ستوقة أو رصاص وعلى هذا إذا قال، إلا أنها زيوف، وعلى هذا إذا قال لفلان علي ألف درهم زيوف من ثمن متاع. لهما أنه بيان مغير فيصح بشرط الوصل كالشرط والاستثناء، وهذا لأن اسم الدراهم يحتمل الزيوف بحقيقته، والستوقة بمجازه إلا أن مطلقه ينصرف إلى الجياد فكان بيان مغيرا من هذاالوجه وصار كما إذا قال إلا أنها وزن خمسة ولأبي حنيفة ﵀ أن هذا رجوع لأن مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب والزيافة عيب، ودعوى العيب رجوع عن بعض موجبه، وصار كما إذا قال بعتك معيبا وقال المشتري بعتنيه سليما فالقول للمشتري لما بينا والستوقة ليست من جنس الأثمان والبيع يرد على الثمن فكان رجوعا وقوله إلا أنها وزن خمسة يصح استثناء، لأنه مقدار بخلاف الجودة لأن استثناء الوصف لا يجوز كاستثناء البناء في الدار بخلاف ما إذا قال له علي كر حنطة من ثمن عبد إلا أنها رديئة لأن الرداءة نوع لا عيب. فمطلق العقد لا يقتضي السلامة عنها، وعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول في القرض أنه يصدق في الزيوف إذا وصل، لأن القرض يوجب رد مثل المقبوض، وقد يكون زيفا كما في الغصب. وجه الظاهر أن التعامل بالجياد
فانصرف مطلقه إلها "ولو قال لفلان علي ألف درهم زيوف ولم يذكر البيع والقرض قيل يصدق" بالإجماع لأن اسم الدراهم يتناولها "وقيل لا يصدق" لأن مطلق الإقرار ينصرف إلى العقود لتعينها مشروعة، لا إلى الاستهلاك المحرم "ولو قال اغتصبت منه ألفا أو قال أودعني ثم قال هي زيوف أو نبهرجة صدق وصل أم فصل" لأن الإنسان يغصب ما يجد ويودع ما يملك فلا مقتضى له في الجياد ولا تعامل، فيكون بيان النوع فيصح وإن فصل ولهذا لو جاء زاد المغصوب، والوديعة بالمعيب كان القول له، وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا يصدق فيه مفصولا اعتبارا بالقرض إذ القبض فهيما هو الموجب للضمان ولو قال: هي ستوقة أو رصاص بعد ما أقر بالغصب والوديعة ووصل صدق وإن فصل لم يصدق لأن ستوقة ليست من جنس الدراهم لكن الاسم يتناولها مجازا فكان بيانا مغيرا فلا بد من الوصل.
"ولو قال في هذا كله ألفا إلا أنه ينقص كذا لم يصدق وإن وصل صدق" لأن هذا استثناء المقدار والاستثناء يصح موصولا بخلاف الزيافة لأنها وصف واستثناء الأوصاف لا يصح واللفظ يتناول المقدار دون الوصف، وهو تصرف لفظي كما بينا ولو كان الفصل ضرورة انقطاع الكلام بانقطاع نفسه فهو واصل لعدم إمكانية الاحتراز عنه "ومن أقر بغصب
стр. 791
ثوب ثم جاء بثوب معيب فالقول له" لأن الغصب لا يختص بالسليم. "ومن قال لآخر: أخذت منك ألف درهم وديعة فهلكت فقال لا بل أخذتها غصبا فهو ضامن، وإن قال أعطيتنيها وديعة فقال لا بل غصبتنيها لم يضمن" والفرق أن في الفصل الأول أقر بسبب الضمان وهو الأخذ ثم ادعى ما يبرئه وهو الإذن والآخر ينكره فيكون القول له مع اليمين. وفي الثاني أضاف الفعل إلى غيره وذاك يدعي عليه سبب الضمان وهو الغصب فكان القول لمنكره مع اليمين والقبض في هذا كالأخذ والدفع كالإعطاء.
فإن قال قائل: إعطاؤه والدفع إليه لا يكون إلا بقبضه.
فنقول: قد يكون بالتخلية والوضع بين يديه، ولو اقتضى ذلك فالمقتضى ثابت ضرورة فلا يظهر في انعقاده سبب الضمان، وهذا بخلاف ما إذا قال: أخذتها منك وديعة وقال الآخر لا بل قرضا حيث يكون القول للمقر وإن أقر بالأخذ لأنهما توافقا هنالك على أن الأخذ كان بالإذن إلا أن المقر له يدعي سبب الضمان وهو القرض والآخر ينكر فافترقا. "وإن قال هذه الألف كانت وديعة لي عند فلان فأخذتها فقال فلان هي لي فإنه يأخذها" لأنه أقر باليد له وادعى استحقاقها عليه وهو ينكر والقول للمنكر. "ولو قال: آجرت دابتي هذه فلانا فركبها وردها، أو قال: آجرت ثوبي هذا فلانا فلبسه ورده وقال فلان كذبت وهما لي فالقول قوله" وهذا عند أبي حنيفة "وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الذي أخذ منه الدابة والثوب" وهو القياس وعلى هذا الخلاف الإعارة والإسكان. "ولو قال خاط فلان ثوبي هذا بنصف درهم ثم قبضته وقال فلان الثوب ثوبي فهو على هذا الخلاف في الصحيح" وجه القياس ما بيناه في الوديعة.
وجه الاستحسان وهو الفرق أن اليد في الإجارة والإعارة ضرورية تثبت ضرورة استيفاء المعقود عليه وهو المنافع فيكون عدما فيما وراء الضرورة فلا يكون إقرارا له باليد مطلقا، بخلاف الوديعة لأن اليد فيها مقصودة والإيداع إثبات اليد قصدا فيكون الإقرار به اعترافا باليد للمودع.
ووجه آخر: أن في الإجارة والإعارة والإسكان أقر بيد ثابتة من جهته فيكون القول قوله في كيفيته. ولا كذلك في مسألة الوديعة لأنه قال فيها كانت وديعة، وقد تكون من غير صنعه، حتى لو قال أودعتها كان على هذا الخلاف، وليس مدار الفرق على ذكر الأخذ في طرف الوديعة وعدمه في الطرف الآخر وهو الإجارة وأختاه؛ لأنه ذكر الأخذ في وضع الطرف الآخر في كتاب الإقرار أيضا، وهذا بخلاف ما إذا قال اقتضيت من
стр. 792
فلان ألف درهم كانت لي عليه أو أقرضته ألفا ثم أخذتها منه وأنكر المقر له حيث يكون القول قوله لأن الديون تقضى بأمثالها، وذلك إنما يكون بقبض مضمون، فإذا أقر بالاقتضاء فقد أقر بسبب الضمان ثم ادعى تملكه عليه بما يدعيه من الدين مقاصة والآخر ينكره.
أما هاهنا المقبوض عين ما ادعى فيه الإجارة وما أشبهها فافترقا، لو أقر أن فلانا زرع هذه الأرض أو بنى هذه الدار أو غرس هذا الكرم وذلك كله في يد المقر فادعاها فلان وقال المقر لا بل ذلك كله لي استعنت بك ففعلت أو فعلته بأجر فالقول للمقر لأنه ما أقر له باليد وإنما أقر بمجرد فعل منه، وقد يكون ذلك في ملك في يد المقر وصار كما إذا قال خاط لي الخياط قميصي هذا بنصف درهم ولم يقل قبضته منه لم يكن إقرارا باليد ويكون القول للمقر لما أنه أقر بفعل منه وقد يخيط ثوبا في يد المقر كذا هذا.
стр. 793
باب إقرار المريض
قال: "وإذا أقر الرجل في مرض موته بديون وعليه ديون في صحته وديون لزمته في مرضه بأسباب معلومة فدين الصحة والدين المعروف الأسباب مقدم" وقال الشافعي ﵀: دين المرض ودين الصحة يستويان لاستواء سببهما وهو الإقرار الصادر عن عقل ودين، ومحل الوجوب الذمة القابلة للحقوق فصار كإنشاء التصرف مبايعة ومناكحة. ولنا أن الإقرار لا يعتبر دليلا إذا كان فيه إبطال حق الغير، وفي إقرار المريض ذلك لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء، ولهذا منع من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث. بخلاف النكاح لأنه من الحوائج الأصلية وهو بمهر المثل، وبخلاف المبايعة بمثل القيمة لأن حق الغرماء تعلق بالمالية لا بالصورة، وفي حالة الصحة لم يتعلق بالمال لقدرته على الاكتساب فيتحقق التثمير، وهذه حالة العجز وحالتا المرض حالة واحدة لأنه حالة الحجر، بخلاف حالتي الصحة والمرض؛ لأن الأولى حالة إطلاق وهذه حالة عجز فافترقا، وإنما تقدم الديون المعروفة الأسباب لأنه لا تهمة في ثبوتها إذ المعاين لا مرد له، وذلك مثل بدل مال ملكه أو استهلكه وعلم وجوبه بغير إقراره أو تزوج امرأة بمهر مثلها، وهذا الدين مثل دين الصحة لا يقدم أحدهما على الآخر لما بينا، ولو أقر بعين في يده لآخر لم يصح في حق غرماء الصحة لتعلق حقهم به، ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض؛ لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين، وغرماء الصحة والمرض في ذلك سواء، إلا إذا قضى ما استقرض في مرضه أو نقد ثمن ما اشترى في مرضه وقد علم بالبينة.
стр. 794
قال: "فإذا قضيت" يعني الديون المقدمة "وفضل شيء يصرف إلى ما أقر به في حالة المرض" لأن الإقرار في ذاته صحيح، وإنما رد في حق غرماء الصحة فإذا لم يبق حقهم ظهرت صحته.
قال: "وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره" لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير وكان المقر له أولى من الورثة لقول عمر ﵁: إذا أقر المريض بدين جاز ذلك عليه في جميع تركته ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ ولهذا تقدم حاجته في التكفين.
قال: "ولو أقر المريض لوارثه لا يصح إلا أن يصدقه فيه بقية الورثة" وقال الشافعي في أحد قوليه: يصح لأنه إظهار حق ثابت لترجح جانب الصدق فيه، وصار كالإقرار لأجنبي وبوارث آخر وبوديعة مستهلكة للوارث. ولنا قوله ﵊: "لا وصية لوارث ولا إقرار له بالدين" ولأنه تعلق حق الورثة بماله في مرضه ولهذا يمنع من التبرع على الوارث أصلا، ففي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين، ولأن حالة المرض حالة الاستغناء والقرابة سبب التعلق، إلا أن هذا التعلق لم يظهر في حق الأجنبي لحاجته إلى المعاملة في الصحة؛ لأنه لو انحجر عن الإقرار بالمرض يمتنع الناس عن المعاملة معه، وقلما تقع المعاملة مع الوارث ولم يظهر في حق الإقرار بوارث آخر لحاجته أيضا، ثم هذا التعلق حق بقية الورثة، فإذا صدقوه فقد أبطلوه فيصح إقراره.
قال: "وإذا أقر لأجنبي جاز وإن أحاط بماله" لما بينا، والقياس أن لا يجوز إلا في الثلث لأن الشرع قصر تصرفه عليه. إلا أنا نقول: لما صح إقراره في الثلث كان له التصرف في ثلث الباقي لأنه الثلث بعد الدين ثم وثم حتى يأتي على الكل.
قال: "ومن أقر لأجنبي ثم قال: هو ابني ثبت نسبه منه وبطل إقراره، فإن أقر لأجنبية ثم تزوجها لم يبطل إقراره لها" ووجه الفرق أن دعوة النسب تستند إلى وقت العلوق فتبين أنه أقر لابنه فلا يصح ولا كذلك الزوجية لأنها تقتصر على زمان التزوج فبقي إقراره لأجنبية.
قال: "ومن طلق زوجته في مرضه ثلاثا ثم أقر لها بدين فلها الأقل من الدين ومن ميراثها منه" لأنهما متهمان فيه لقيام العدة، وباب الإقرار مسدود للوارث فلعله أقدم على هذا الطلاق ليصح إقراره لها زيادة على ميراثها ولا تهمة في أقل الأمرين فيثبت والله أعلم بالصواب.
стр. 795
فصل: "ومن أقر بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه وصدقه الغلام ثبت نسبه منه وإن كان مريضا"
لأن النسب مما يلزمه خاصة فيصح إقراره به وشرط أن يولد مثله لمثله كي لا يكون مكذبا في الظاهر، وشرط أن لا يكون له نسب معروف لأنه يمنع ثبوته من غيره، وإنما شرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام يعبر عن نفسه، بخلاف الصغير على ما مر من قبل، ولا يمتنع بالمرض لأن النسب من الحوائج الأصلية "ويشارك الورثة في الميراث" لأنه لما ثبت نسبه منه صار كالوارث المعروف فيشارك ورثته.
قال: "ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى" لأنه أقر بما يلزمه وليس فيه تحميل النسب على الغير. "ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى" لما بينا "ولا يقبل بالولد" لأن فيه تحميل النسب على الغير وهو الزوج لأن النسب منه "إلا أن يصدقها الزوج" لأن الحق له "أو تشهد بولادته قابلة" لأن قول القابلة في هذا مقبول وقد مر في الطلاق، وقد ذكرنا في إقرار المرأة تفصيلا في كتاب الدعوى، ولا بد من تصديق هؤلاء، ويصح التصديق في النسب بعد موت المقر لأن النسب يبقى بعد الموت، وكذا تصديق الزوجة لأن حكم النكاح باق، وكذا تصديق الزوج بعد موتها لأن الإرث من أحكامه. وعند أبي حنيفة لا يصح لأن النكاح انقطع بالموت ولهذا لا يحل له غسلها عندنا، ولا يصح التصديق على اعتبار الإرث لأنه معدوم حالة الإقرار، وإنما يثبت بعد الموت والتصديق يستند إلى أول الإقرار.
قال: "ومن أقر بنسب من غير الوالدين والولد نحو الأخ والعم لا يقبل إقراره في النسب" لأن فيه حمل النسب على الغير "فإن كان له وارث معروف قريب أو بعيد فهو أولى بالميراث من المقر له" لأنه لما لم يثبت نسبه منه لا يزاحم الوارث المعروف "وإن لم يكن له وارث استحق المقر له ميراثه" لأن له ولاية التصرف في مال نفسه عند عدم الوارث؛ ألا يرى أن له أن يوصي بجميعه فيستحق جميع المال وإن لم يثبت نسبه منه لما فيه من حمل النسب على الغير، وليست هذه وصية حقيقة حتى أن من أقر بأخ ثم أوصى لآخر بجميع ماله كان للموصى له ثلث جميع المال خاصة ولو كان الأول وصية لاشتركا نصفين لكنه بمنزلته، حتى لو أقر في مرضه بأخ وصدقه المقر له ثم أنكر المقر وراثته ثم أوصى بماله كله لإنسان كان ماله للموصى له؛ ولو لم يوص لأحد كان لبيت المال، لأن رجوعه صحيح لأن النسب لم يثبت فبطل إقراره.
стр. 796
قال: "ومن مات أبوه فأقر بأخ لم يثبت نسب أخيه" لما بينا "ويشاركه في الإرث" لأن إقراره تضمن شيئين: حمل النسب على الغير ولا ولاية له عليه، والاشتراك في المال وله فيه ولاية فيثبت كالمشتري وإذا أقر على البائع بالعتق لم يقبل إقراره حتى لا يرجع عليه بالثمن ولكنه يقبل في حق العتق.
قال: "ومن مات وترك ابنين وله على آخر مائة درهم فأقر أحدهما أن أبوه قبض منها خمسين لا شيء للمقر وللآخر خمسون" لأن هذا إقرار بالدين على الميت لأن الاستيفاء إنما يكون بقبض مضمون، فإذا كذبه أخوه استغرق الدين نصيبه كما هو المذهب عندنا، غاية الأمر أنهما تصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما، لكن المقر لو رجع على القابض بشيء لرجع القابض على الغريم ورجع الغريم على المقر فيؤدي إلى الدور، والله أعلم بالصواب.
стр. 797
كتاب الصلح
قال: "الصلح على ثلاثة أضرب: صلح مع إقرار، وصلح مع سكوت، وهو أن لا يقر المدعى عليه ولا ينكر وصلح مع إنكار وكل ذلك جائز" لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] ولقوله ﵊: "كل صلح جائز فيما بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا" وقال الشافعي: لا يجوز مع إنكار أو سكوت لما روينا، وهذا بهذه الصفة لأن البدل كان حلالا على الدافع حراما على الآخذ فينقلب الأمر، ولأن المدعى عليه يدفع المال لقطع الخصومة وهذا رشوة. ولنا ما تلونا وأول ما روينا وتأويل آخره أحل حراما لعينه كالخمر أو حرم حلالا لعينه كالصلح على أن لا يطأ الضرة ولأن هذا صلح بعد دعوى صحيحة فيقضى بجوازه لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه في زعمه وهذا مشروع، والمدعى عليه يدفعه لدفع الخصومة عن نفسه وهذا مشروع أيضا إذ المال وقاية الأنفس ودفع الرشوة لدفع الظلم أمر جائز.
قال: "فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال" لوجود معنى البيع وهو مبادلة المال بالمال بتراضيهما في حق المتعاقدين بتراضهما "فتجري فيه الشفعة إذا كان عقارا ويرد بالعيب ويثبت فيه خيار الشرط والرؤية، ويفسده جهالة البدل" لأنها المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه لأنه يسقط، ويشترط القدرة على تسليم البدل "وإن كان عن مال بمنافع يعتبر بالإجارات" لوجود معنى الإجارة وهو تمليك المنافع بمال والاعتبار في العقود لمعانيها فيشترط التوقيت فيها ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة لأنه إجارة.
قال: "الصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة وفي حق المدعي لمعنى المعاوضة" لما بينا.
"ويجوز أن يختلف حكم العقد في حقهما كما يختلف حكم الإقالة في حق المتعاقدين وغيرهما" وهذا في الإنكار ظاهر، وكذا في السكوت فلأنه يحتمل الإقرار والجحود فلا يثبت كونه عرضا في حقه بالشك.
стр. 798
قال: "وإذا صالح عن دار لم يجب فيها الشفعة" معناه إذا كان عن إنكار أو سكوت لأنه يأخذها على أصل حقه ويدفع المال دفعا لخصومة المدعي وزعم المدعي لا يلزمه، بخلاف ما إذا صالح على دار حيث يجب فيها الشفعة لأن المدعي يأخذها عوضا عن المال فكان معاوضة في حقه فتلزمه الشفعة بإقراره وإن كان المدعى عليه يكذبه.
قال: "وإذا كان الصلح عن إقرار واستحق بعض المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض" لأنه معاوضة مطلقة كالبيع وحكم الاستحقاق في البيع هذا "وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه رجع المدعي بالخصومة ورد العوض" لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا ليدفع خصومته عن نفسه، فإذا ظهر الاستحقاق تبين أن لا خصومة له فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده، وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه لأنه خلا العوض في هذا القدر عن الغرض. ولو استحق المصالح عليه عن إقرار رجع بكل المصالح عنه لأنه مبادلة، وإن استحق بعضه رجع بحصته. وإن كان الصلح عن إنكار أو سكوت رجع إلى الدعوى في كله أو بقدر المستحق إذا استحق بعضه لأن المبدل فيه هو الدعوى، وهذا بخلاف ما إذا باع منه على الإنكار شيئا حيث يرجع بالمدعى لأن الإقدام على البيع إقرار منه بالحق له، ولا كذلك الصلح لأنه قد يقع لدفع الخصومة، ولو هلك بدل الصلح قبل التسليم فالجواب فيه كالجواب في الاستحقاق في الفصلين.
قال: "وإن ادعى حقا في دار ولم يبينه فصولح من ذلك ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئا من العوض لأن دعواه يجوز أن يكون فيما بقي" بخلاف ما إذا استحق كله لأنه يعرى العوض عند ذلك عن شيء يقابله فيرجع بكله على ما قدمناه في البيوع. ولو ادعى دارا فصالحه على قطعة منها لم يصح الصلح لأن ما قبضه من عين حقه وهو على دعواه في الباقي. والوجه فيه أحد أمرين: إما أن يزيد درهما في بدل الصلح فيصير ذلك عوضا عن حقه فيما بقي، أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي.
стр. 799
فصل: "والصلح جائز عن دعوى الأموال"
لأنه في معنى البيع على ما مر.
قال: "والمنافع" لأنها تملك بعقد الإجارة فكذا بالصلح، والأصل فيه أن الصلح يجب حمله على أقرب العقود إليه وأشبهها به احتيالا لتصحيح تصرف العاقد ما أمكن.
قال: "ويصح عن جناية العمد والخطأ" أما الأول فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
стр. 800
أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية قال ابن عباس ﵄: إنها نزلت في الصلح عن دم العمد وهو بمنزلة النكاح، حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح هاهنا إذ كل واحد منهما مبادلة المال بغير المال إلا أن عند فساد التسمية هنا يصار إلى الدية لأنها موجب الدم. ولو صالح على خمر لا يجب شيء لأنه لا يجب بمطلق العفو. وفي النكاح يجب مهر المثل في الفصلين لأنه الموجب الأصلي، ويجب مع السكوت عنه حكما، ويدخل في إطلاق جواب الكتاب الجناية في النفس وما دونها، وهذا بخلاف الصلح عن حق الشفعة على مال حيث لا يصح لأنه حق التملك، ولا حق في المحل قبل التملك. وأما القصاص فملك المحل في حق الفعل فيصح الاعتياض عنه وإذا لم يصح الصلح تبطل الشفعة لأنها تبطل بالإعراض والسكوت، والكفالة بالنفس بمنزلة حق الشفعة حتى لا يجب المال بالصلح عنه، غير أن في بطلان الكفالة روايتين على ما عرف في موضعه. وأما الثاني وهو جناية الخطأ فلأن موجبها المال فيصير بمنزلة البيع، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية لأنه مقدر شرعا فلا يجوز إبطاله فترد الزيادة، بخلاف الصلح عن القصاص حيث تجوز الزيادة على قدر الدية لأن القصاص ليس بمال وإنما يتقوم بالعقد، وهذا إذا صالح على أحد مقادير الدية، أما إذا صالح على غير ذلك جاز لأنه مبادلة بها، إلا أنه يشترط القبض في المجلس كي لا يكون افتراقا عن دين بدين. ولو قضى القاضي بأحد مقاديرها فصالح على جنس آخر منها بالزيادة جاز لأنه تعين الحق بالقضاء فكان مبادلة بخلاف الصلح ابتداء لأن تراضيهما على بعض المقادير بمنزلة القضاء في حق التعيين فلا تجوز الزيادة على ما تعين.
قال: "ولا يجوز عن دعوى حد" لأنه حق الله تعالى لا حقه، ولا يجوز الاعتياض عن حق غيره، ولهذا لا يجوز الاعتياض إذا ادعت المرأة نسب ولدها لأنه حق الولد لا حقها، وكذا لا يجوز الصلح عما أشرعه إلى طريق العامة لأنه حق العامة فلا يجوز أن يصالح واحد على الانفراد عنه؛ ويدخل في إطلاق الجواب حد القذف لأن المغلب فيه حق الشرع.
قال: "وإذا ادعى رجل على امرأة نكاحا وهي تجحد فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز وكان في معنى الخلع" لأنه أمكن تصحيحه خلعا في جانبه بناء على زعمه وفي جانبها بدلا للمال لدفع الخصومة. قالوا: ولا يحل له أن يأخذ فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان مبطلا في دعواه.
قال: "وإذا ادعت امرأة على رجل نكاحا فصالحها على مال بذله لها جاز" قال ﵁: هكذا ذكر في بعض نسخ المختصر، وفي بعضها قال: لم يجز. وجه الأول أن
стр. 801
يجعل زيادة في مهرها. وجه الثاني أنه بذل لها المال لتترك الدعوى فإن جعل ترك الدعوى منها فرقة فالزوج لا يعطي العوض في الفرقة، وإن لم يجعل فالحال على ما كان عليه قبل الدعوى فلا شيء يقابله العوض فلم يصح. قال: "وإن ادعى على رجل أنه عبده فصالحه على مال أعطاه جاز وكان في حق المدعي بمنزلة الإعتاق على مال" لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه في حقه لزعمه ولهذا يصح على حيوان في الذمة إلى أجل وفي حق المدعى عليه يكون لدفع الخصومة؛ لأنه يزعم أنه حر فجاز إلا أنه لا ولاء له لإنكار العبد إلا أن يقيم البينة فتقبل ويثبت الولاء.
قال: "وإذا قتل العبد المأذون له رجلا عمدا لم يجز له أن يصالح عن نفسه، وإن قتل عبد له رجلا عمدا فصالحه جاز" ووجه الفرق أن رقبته ليست من تجارته ولهذا لا يملك التصرف فيه بيعا فكذا استخلاصا بمال المولى وصار كالأجنبي، أما عبده فمن تجارته وتصرفه فيه نافذ بيعا فكذا استخلاصا، وهذا لأن المستحق كالزائل عن ملكه وهذا شراؤه فيملكه.
قال: "ومن غصب ثوبا يهوديا قيمته دون المائة فاستهلكه فصالحه منها على مائة درهم جاز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يبطل الفضل على قيمته بما لا يتغابن الناس فيه" لأن الواجب هي القيمة وهي مقدرة فالزيادة عليها تكون ربا، بخلاف ما إذا صالح على عرض لأن الزيادة لا تظهر عند اختلاف الجنس، وبخلاف ما يتغابن الناس فيه لأنه يدخل تحت تقويم المقومين فلا تظهر الزيادة. ولأبي حنيفة أن حقه في الهالك باق حتى لو كان عبدا وترك أخذ القيمة يكون الكفن عليه أو حقه في مثله صورة ومعنى، لأن ضمان العدوان بالمثل، وإنما ينتقل إلى القيمة بالقضاء فقبله إذا تراضيا على الأكثر كان اعتياضا فلا يكون ربا، بخلاف الصلح بعد القضاء لأن الحق قد انتقل إلى القيمة.
قال: "وإذا كان العبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو موسر فصالحه الآخر على أكثر من نصف قيمته فالفضل باطل" وهذا بالاتفاق، وأما عندهما فلما بينا. والفرق لأبي حنيفة ﵀ أن القيمة في العتق منصوص عليها وتقدير الشرع لا يكون دون تقدير القاضي فلا يجوز الزيادة عليه، وبخلاف ما تقدم لأنها غير منصوص عليها "وإن صالحه على عروض جاز" لما بينا أنه لا يظهر الفضل، والله أعلم بالصواب.
стр. 802
باب التبرع بالصلح والتوكيل به
قال: "ومن وكل رجلا بالصلح عنه فصالح لم يلزم الوكيل ما صالح عنه إلا أن يضمنه
стр. 803
والمال لازم للموكل" وتأويل هذه المسألة إذا كان الصلح عن دم العمد أو كان الصلح عن بعض ما يدعيه من الدين لأنه إسقاط محض فكان الوكيل فيه سفيرا ومعبرا فلا ضمان عليه كالوكيل بالنكاح إلا أن يضمنه لأنه حينئذ هو مؤاخذ بعقد الضمان لا بعقد الصلح، أما إذا كان الصلح عن مال بمال فهو بمنزلة البيع فترجع الحقوق إلى الوكيل فيكون المطالب بالمال هو الوكيل دون الموكل.
قال: "وإن صالح رجل عنه بغير أمره فهو على أربعة أوجه: إن صالح بمال وضمنه تم الصلح" لأن الحاصل للمدعى عليه ليس إلا البراءة وفي حقها هو والأجنبي سواء فصلح أصيلا فيه إذا ضمنه، كالفضولي بالخلع إذا ضمن البدل ويكون متبرعا على المدعى عليه كما لو تبرع بقضاء الدين بخلاف ما إذا كان بأمره ولا يكون لهذا المصالح شيء من المدعى، وإنما ذلك للذي في يده لأن تصحيحه بطريق الإسقاط، ولا فرق في هذا بين ما إذا كان مقرا أو منكرا "وكذلك إن قال صالحتك على ألفي هذه أو على عبدي هذا صح الصلح ولزمه تسليمها" لأنه لما أضافه إلى مال نفسه فقد التزم تسليمه فصح الصلح "وكذلك لو قال علي ألف وسلمها" لأن التسليم إليه يوجب سلامة العوض له فيتم العقد لحصول مقصوده "ولو قال صالحتك على ألف فالعقد موقوف، فإن أجازه المدعى عليه جاز ولزمه الألف، وإن لم يجزه بطل" لأن الأصل في العقد إنما هو المدعى عليه لأن دفع الخصومة حاصل له، إلا أن الفضولي يصير أصيلا بواسطة إضافة الضمان إلى نفسه، فإذا لم يضفه بقي عاقدا من جهة المطلوب فيتوقف على إجازته.
قال ﵁: ووجه آخر وهو أن يقول صالحتك على هذه الألف أو على هذا العبد ولم ينسبه إلى نفسه لأنه لما عينه للتسليم صار شارطا سلامته له فيتم بقوله. ولو استحق العبد أو وجد به عيبا فرده فلا سبيل له على المصالح لأنه التزم الإيفاء من محل بعينه ولم يلتزم شيئا سواه، فإن سلم المحل له تم الصلح، وإن لم يسلم له لم يرجع عليه بشيء. بخلاف ما إذا صالح على دراهم مسماة وضمنها ودفعها ثم استحقت أو وجدها زيوفا حيث يرجع عليه لأنه جعل نفسه أصيلا في حق الضمان ولهذا يجبر على التسليم، فإذا لم يسلم له ما سلمه يرجع عليه ببدله، والله أعلم بالصواب.
стр. 804
باب الصلح في الدين
قال: "وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة، وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه، كمن له على آخر ألف
стр. 805
درهم فصالحه على خمسمائة، وكمن له على آخر ألف جياد فصالحه على خمسمائة زيوف جاز وكأنه أبرأه عن بعض حقه" وهذا لأن تصرف العاقل يتحرى تصحيحه ما أمكن، ولا وجه لتصحيحه معاوضة لإفضائه إلى الربا فجعل إسقاطا للبعض في المسألة الأولى وللبعض والصفة في الثانية "ولو صالح على ألف مؤجلة جاز وكأنه أجل نفس الحق" لأنه لا يمكن جعله معاوضة لأن بيع الدراهم بمثلها نسيئة لا يجوز فحملناه على التأخير "ولو صالحه على دنانير إلى شهر لم يجز" لأن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة فلا يمكن حمله على التأخير، ولا وجه له سوى المعاوضة، وبيع الدراهم بالدنانير نسيئة لا يجوز فلم يصح الصلح.
قال: "ولو كانت له ألف مؤجلة فصالحه على خمسمائة حالة لم يجز" لأن المعجل خير من المؤجل وهو غير مستحق بالعقد فيكون بإزاء ما حطه عنه، وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام "وإن كان له ألف سود فصالحه على خمسمائة بيض لم يجز" لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة وهي زائدة وصفا فيكون معاوضة الألف بخمسمائة وزيادة وصف وهو ربا، بخلاف ما إذا صالح عن الألف البيض على خمسمائة سود حيث يجوز لأنه إسقاط كله قدرا ووصفا، وبخلاف ما إذا صالح على قدر الدين وهو أجود لأنه معاوضة المثل بالمثل، ولا معتبر بالصفة إلا أنه يشترط القبض في المجلس، ولو كان عليه ألف درهم ومائة دينار فصالحه على مائة درهم حالة أو إلى شهر صح الصلح لأنه أمكن أن يجعل إسقاطا للدنانير كلها والدراهم إلا مائة وتأجيلا للباقي فلا يجعل معاوضة تصحيحا للعقد أو لأن معنى الإسقاط فيه ألزم.
قال: "ومن له على آخر ألف درهم فقال أد إلي غدا منها خمسمائة على أنك بريء من الفضل ففعل فهو بريء، فإن لم يدفع إليه الخمسمائة غدا عاد عليه الألف وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يعود عليه" لأنه إبراء مطلق؛ ألا ترى أنه جعل أداء الخمسمائة عوضا حيث ذكره بكلمة على وهي للمعاوضة، والأداء لا يصح عوضا لكونه مستحقا عليه فجرى وجوده مجرى عدمه فبقي الإبراء مطلقا فلا يعود كما إذا بدأ بالإبراء. ولهما أن هذا إبراء مقيد بالشرط فيفوت بفواته لأنه بدأ بأداء الخمسمائة في الغد وأنه يصلح غرضا حذار إفلاسه وتوسلا إلى تجارة أربح منه، وكلمة على إن كانت للمعاوضة فهي محتملة للشرط لوجود معنى المقابلة فيه فيحمل عليه عند تعذر الحمل على المعاوضة تصحيحا لتصرفه أو لأنه متعارف، والإبراء مما يتقيد بالشرط وإن كان لا يتعلق به كما في الحوالة، وستخرج البداءة بالإبراء إن شاء الله تعالى.
قال ﵁: وهذه المسألة على وجوه: أحدها ما ذكرناه.
стр. 806
والثاني: إذا قال صالحتك من الألف على خمسمائة تدفعها إلي غدا وأنت بريء من الفضل على أنك إن لم تدفعها إلي غدا فالألف عليك على حاله. وجوابه أن الأمر على ما قال لأنه أتى بصريح التقييد فيعمل به.
والثالث: إذا قال أبرأتك من خمسمائة من الألف على أن تعطيني الخمسمائة غدا والإبراء فيه واقع أعطى الخمسمائة أو لم يعط لأنه أطلق الإبراء أولا، وأداء الخمسمائة لا يصلح عوضا مطلقا ولكنه يصلح شرطا فوقع الشك في تقييده بالشرط فلا يتقيد به، بخلاف ما إذا بدأ بأداء خمسمائة لأن الإبراء حصل مقرونا به، فمن حيث إنه لا يصلح عوضا يقع مطلقا، ومن حيث إنه يصلح شرطا لا يقع مطلقا فلا يثبت الإطلاق بالشك فافترقا.
والرابع: إذا قال أد إلي خمسمائة على أنك بريء من الفضل ولم يؤقت للأداء وقتا. وجوابه أنه يصح الإبراء ولا يعود الدين لأن هذا إبراء مطلق، لأنه لما لم يؤقت للأداء وقتا لا يكون الأداء غرضا صحيحا لأنه واجب عليه في مطلق الأزمان فلم يتقيد بل يحمل على المعاوضة ولا يصلح عوضا، بخلاف ما تقدم لأن الأداء في الغد غرض صحيح.
والخامس: إذا قال إن أديت إلي خمسمائة أو قال إذا أديت أو متى أديت. فالجواب فيه أنه لا يصح الإبراء لأنه علقه بالشرط صريحا، وتعليق البراءات بالشروط باطل لما فيها من معنى التمليك حتى يرتد بالرد، بخلاف ما تقدم لأنه ما أتى بصريح الشرط فحمل على التقييد به.
قال: "ومن قال لآخر لا أقر لك بمالك حتى تؤخره عني أو تحط عني ففعل جاز عليه" لأنه ليس بمكره، ومعنى المسألة إذا قال ذلك سرا، أما إذا قال علانية يؤخذ به.
стр. 807
فصل: في الدين المشترك
قال: "وإذا كان الدين بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على ثوب فشريكه بالخيار، إن شاء اتبع الذي عليه الدين بصفة، وإن شاء أخذ نصف الثوب إلا أن يضمن له شريكه ربع الدين" وأصل هذا أن الدين المشترك بين اثنين إذا قبض أحدهما شيئا منه فلصاحبه أن يشاركه في المقبوض لأنه ازداد بالقبض، إذ مالية الدين باعتبار عاقبة القبض، وهذه الزيادة راجعة إلى أصل الحق فتصير كزيادة الولد والثمرة وله حق المشاركة، ولكنه قبل المشاركة باق على مالك القابض، لأن العين غير الدين حقيقة وقد قبضه بدلا عن حقه،
стр. 808
فيملكه حتى ينفذ تصرفه فيه ويضمن لشريكه حصته، والدين المشترك يكون واجبا بسبب متحد كثمن المبيع إذا كان صفقة واحدة وثمن المال المشترك والموروث بينهما وقيمة المستهلك المشترك. إذا عرفنا هذا فنقول في مسألة الكتاب: له أن يتبع الذي عليه الأصل لأن نصيبه باق في ذمته لأن القابض قبض نصيبه لكن له حق المشاركة، وإن شاء أخذ نصف الثوب لأن له حق المشاركة إلا أن يضمن له شريكه ربع الدين لأن حقه في ذلك.
قال: "ولو استوفى نصف نصيبه من الدين كان لشريكه أن يشاركه فيما قبض" لما قلنا "ثم يرجعان على الغريم بالباقي" لأنهما لما اشتركا في المقبوض لا بد أن يبقى الباقي على الشركة.
قال: "ولو اشترى أحدهما بنصيبه من الدين سلعة كان لشريكه أن يضمنه ربع الدين" لأنه صار قابضا حقه بالمقاصة كاملا، لأن مبنى البيع على المماكسة بخلاف الصلح لأن مبناه على الإغماض والحطيطة، فلو ألزمناه دفع ربع الدين يتضرر به فيتخير القابض كما ذكرنا، ولا سبيل للشريك على الثوب في البيع لأنه ملكه بعقده والاستيفاء بالمقاصة بين ثمنه وبين الدين. وللشريك أن يتبع الغريم في جميع ما ذكرنا لأن حقه في ذمته باق لأن القابض استوفى نصيبه حقيقة لكن له حق المشاركة فله أن لا يشاركه، فلو سلم له ما قبض ثم توى ما على الغريم له أن يشارك القابض لأنه رضي بالتسليم ليسلم له ما في ذمة الغريم ولم يسلم، ولو وقعت المقاصة بدين كان عليه من قبل لم يرجع عليه الشريك لأنه قاض بنصيبه لا مقتض، ولو أبرأه عن نصيبه فكذلك لأنه إتلاف وليس بقبض، ولو أبرأه عن البعض كانت قسمة الباقي على ما بقي من السهام، ولو أخر أحدهما عن نصيبه صح عند أبي يوسف اعتبارا بالإبراء المطلق، ولا يصح عندهما لأنه يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض، ولو غصب أحدهما عينا منه أو اشتراها شراء فاسدا وهلك في يده فهو قبض والاستئجار بنصيبه قبض، وكذا الإحراق عند محمد ﵀ خلافا لأبي يوسف ﵀ والتزوج به إتلاف في ظاهر الرواية، وكذا الصلح عليه من جناية العمد.
قال: "وإذا كان السلم بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على رأس المال لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف ﵀ يجوز الصلح" اعتبارا بسائر الديون، وبما إذا اشتريا عبدا فأقال أحدهما في نصيبه. ولهما أنه لو جاز في نصيبه خاصة يكون قسمة الدين في الذمة، ولو جاز في نصيبهما لا بد من إجازة الآخر بخلاف شراء العين، وهذا لأن المسلم فيه صار واجبا بالعقد والعقد قام بهما فلا ينفرد أحدهما برفعه، ولأنه لو جاز لشاركه في المقبوض، فإذا شاركه فيه رجع المصالح على من عليه بذلك فيؤدي
стр. 809
إلى عود السلم بعد سقوطه. قالوا: هذا إذا خلطا رأس المال، فإن لم يكونا قد خلطاه فعلى الوجه الأول هو على الخلاف، وعلى الوجه الثاني هو على الاتفاق.
стр. 810
فصل: في التخارج
قال: "وإذا كانت الشركة بين ورثة فأخرجوا أحدهم منها بمال أعطوه إياه والتركة عقار أو عروض جاز قليلا كان ما أعطوه إياه أو كثيرا" لأنه أمكن تصحيحه بيعا. وفيه أثر عثمان، فإنه صالح تماضر الأشجعية امرأة عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار.
قال: "وإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهبا أو كان ذهبا فأعطوه فضة فهو كذلك" لأنه بيع الجنس بخلاف الجنس فلا يعتبر التساوي ويعتبر التقابض في المجلس لأنه صرف غير أن الذي في يده بقية التركة إن كان جاحدا يكتفي بذلك القبض لأنه قبض ضمان فينوب عن قبض الصلح وإن كان مقرا لا بد من تجديد القبض لأنه قبض أمانة فلا ينوب عن قبض الصلح "وإن كانت التركة ذهبا وفضة وغير ذلك فصالحوه على ذهب أو فضة فلا بد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية التركة" احترازا عن الربا، ولا بد من التقابض فيما يقابل نصيبه من الذهب والفضة لأنه صرف في هذا القدر، ولو كان بدل الصلح عرضا جاز مطلقا لعدم الربا، ولو كان في التركة دراهم ودنانير وبدل الصلح دراهم ودنانير أيضا جاز الصلح كيفما كان صرفا للجنس إلى خلاف الجنس كما في البيع لكن يشترط التقابض للصرف.
قال: "وإذا كان في التركة دين على الناس فأدخلوه في الصلح على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين له فالصلح باطل" لأن فيه تمليك الدين من غير من عليه وهو حصة المصالح "وإن شرطوا أن يبرأ الغرماء منه ولا يرجع عليهم بنصيب المصالح فالصلح جائز" لأنه إسقاط وهو تمليك الدين ممن عليه الدين وهو جائز، وهذه حيلة الجواز، وأخرى أن يعجلوا قضاء نصيبه متبرعين، وفي الوجهين ضرر ببقية الورثة. والأوجه أن يقرضوا المصالح مقدار نصيبه ويصالحوا عما وراء الدين. ويجيلهم على استيفاء نصيبه من الغرماء، ولو لم يكن في التركة دين وأعيانها غير معلومة والصلح على المكيل والموزون، قيل لا يجوز لاحتمال الربا، وقيل يجوز لأنه شبهة الشبهة، ولو كانت التركة غير المكيل والموزون لكنها أعيان غير معلومة قيل لا يجوز لكونه بيعا إذ المصالح عنه عين والأصح أنه يجوز لأنها لا تفضي إلى المنازعة لقيام المصالح عنه في يد البقية من الورثة،
следующие страницы →