← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11820

الهداية في شرح بداية المبتدي

المرغيناني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

إلزام ضرر زائد لم يستحق بالعقد "وكذا من استأجر دكانا في السوق ليتجر فيه فذهب ماله، وكذا من أجر دكانا أو دارا ثم أفلس، ولزمته ديون لا يقدر على قضائها إلا بثمن ما أجر فسخ القاضي العقد وباعها في الديون"؛ لأن في الجري على موجب العقد إلزام ضرر زائد لم يستحق بالعقد وهو الحبس؛ لأنه قد لا يصدق على عدم مال آخر. ثم قوله فسخ القاضي العقد إشارة إلى أنه يفتقر إلى قضاء القاضي في النقض، وهكذا ذكر في الزيادات في عذر الدين، وقال في الجامع الصغير: وكل ما ذكرنا أنه عذر فإن الإجارة فيه تنتقض، وهذا يدل على أنه لا يحتاج فيه إلى قضاء القاضي. ووجهه أن هذا بمنزلة العيب قبل القبض في المبيع على ما مر فينفرد العاقد بالفسخ. ووجه الأول أنه فصل مجتهد فيه فلا بد من إلزام القاضي، ومنهم من وفق فقال: إذا كان العذر ظاهرا لا يحتاج إلى القضاء لظهور العذر، وإن كان غير ظاهر كالدين يحتاج إلى القضاء لظهور العذر. "ومن استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له من السفر فهو عذر"؛ لأنه لو مضى على موجب العقد يلزمه ضرر زائد؛ لأنه ربما يذهب للحج فذهب وقته أو لطلب غريمه فحضر أو للتجارة فافتقر "وإن بدا للمكاري فليس ذلك بعذر"؛ لأنه يمكنه أن يقعد ويبعث الدواب على يد تلميذه أو أجيره "ولو مرض المؤاجر فقعد فكذا الجواب" على رواية الأصل. وروى الكرخي عن أبي حنيفة أنه عذر؛ لأنه لا يعرى عن ضرر فيدفع عنه عند الضرورة دون الاختيار "ومن آجر عبده ثم باعه فليس بعذر"؛ لأنه لا يلزمه الضرر بالمضي على موجب عقد، وإنما يفوته الاسترباح وأنه أمر زائد. قال: "وإذا استأجر الخياط غلاما فأفلس وترك العمل فهو العذر"؛ لأنه يلزمه الضرر بالمضي على موجب العقد لفوات مقصوده وهو رأس ماله، وتأويل المسألة خياط يعمل لنفسه، أما الذي يخيط بأجر فرأس ماله الخيط والمخيط والمقراض فلا يتحقق الإفلاس فيه. "وإن أراد ترك الخياطة، وأن يعمل في الصرف فليس بعذر"؛ لأنه يمكنه أن يقعد الغلام للخياطة في ناحية، وهو يعمل في الصرف في ناحية، وهذا بخلاف ما إذا استأجر دكانا للخياطة فأراد أن يتركها ويشتغل بعمل آخر حيث جعله عذرا ذكره في الأصل؛ لأن الواحد لا يمكنه الجمع بين العملين، أما هاهنا العامل شخصان فأمكنهما. "ومن استأجر غلاما يخدمه في المصر ثم سافر فهو عذر"؛ لأنه لا يعرى عن إلزام ضرر زائد؛ لأن خدمة السفر أشق، وفي المنع من السفر ضرر، وكل ذلك لم يستحق بالعقد فيكون عذرا "وكذا إذا أطلق" لما مر أنه يتقيد بالحضر، بخلاف ما إذا آجر عقارا ثم سافر؛ لأنه لا ضرر إذ المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة من المعقود عليه بعد غيبته، حتى لو أراد

стр. 877

المستأجر السفر فهو عذر لما فيه من المنع من السفر أو إلزام الأجر بدون السكنى وذلك ضرر.

стр. 878

مسائل منثورة قال: "ومن استأجر أرضا أو استعارها فأحرق الحصائد فاحترق شيء من أرض أخرى فلا ضمان عليه"؛ لأنه غير متعد في هذا التسبيب فأشبه حافر البئر في دار نفسه. وقيل هذا إذا كانت الرياح هادئة ثم تغيرت، أما إذا كانت مضطربة يضمن؛ لأن موقد النار يعلم أنها لا تستقر في أرضه. قال: "وإذا أقعد الخياط أو الصباغ في حانوته من يطرح عليه العمل بالنصف فهو جائز" لأن هذه شركة الوجوه في الحقيقة، فهذا بوجاهته يقبل وهذا بحذاقته يعمل فينتظم بذلك المصلحة فلا تضره الجهالة فيما يحصل. قال: "ومن استأجر جملا ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة جاز وله المحمل المعتاد" وفي القياس لا يجوز؛ وهو قول الشافعي للجهالة وقد يفضي ذلك إلى المنازعة. وجه الاستحسان أن المقصود هو الراكب وهو معلوم والمحمل تابع، وما فيه من الجهالة يرتفع بالصرف إلى المتعارف فلا يفضي ذلك إلى المنازعة وكذا إذا لم ير الوطاء والدثر. قال: "وإن شاهد الجمال الحمل فهو أجود"؛ لأنه أنفى للجهالة وأقرب إلى تحقق الرضا. قال: "وإن استأجر بعيرا ليحمل عليه مقدارا من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل"؛ لأنه استحق عليه حملا مسمى في جميع الطريق فله أن يستوفيه "وكذا غير الزاد من المكيل والموزون" ورد الزاد معتاد عند البعض كرد الماء فلا مانع من العمل بالإطلاق والله أعلم.

стр. 879

كتاب المكاتب قال: "وإذا كاتب المولى عبده أو أمته على مال شرطه عليه وقبل العبد ذلك صار مكاتبا" أما الجواز فلقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وهذا ليس أمر إيجاب بإجماع بين الفقهاء، وإنما هو أمر ندب هو الصحيح. وفي الحمل على الإباحة إلغاء الشرط إذ هو مباح بدونه، أما الندبية معلقة به، والمراد بالخير المذكور على ما قيل أن لا يضر بالمسلمين بعد العتق، فإن كان يضر بهم فالأفضل أن لا يكاتبه وإن كان يصح لو فعله. وأما اشتراط قبول العبد فلأنه مال يلزمه فلا بد من التزامه ولا يعتق إلا بأداء كل البدل لقوله ﵊: "أيما عبد كوتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد" وقال ﵊: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" وفيه اختلاف الصحابة ﵃، وما اخترناه قول زيد بن ثابت ﵁ ويعتق بأدائه وإن لم يقل المولى إذا أديتها فأنت حر لأن موجب العقد يثبت من غير التصريح به كما في البيع، ولا يجب حط شيء من البدل اعتبارا بالبيع. قال: "ويجوز أن يشترط المال حالا ويجوز مؤجلا ومنجما" وقال الشافعي ﵀: لا يجوز حالا ولا بد من نجمين، لأنه عاجز عن التسليم في زمان قليل لعدم الأهلية قبله للرق، بخلاف السلم على أصله لأنه أهل للملك فكان احتمال القدرة ثابتا، وقد دل الإقدام على العقد عليها فيثبت. ولنا ظاهر ما تلونا من غير شرط التنجيم، ولأنه عقد معاوضة والبدل معقود به فأشبه الثمن في البيع في عدم اشتراط القدرة عليه، بخلاف السلم على أصلنا لأن المسلم فيه معقود عليه فلا بد من القدرة عليه، ولأن مبنى الكتابة على المساهلة فيمهله المولى ظاهرا، بخلاف السلم لأن مبناه على المضايقة وفي الحال كما امتنع من الأداء يرد إلى الرق. قال: "وتجوز كتابة العبد الصغير إذا كان يعقل الشراء والبيع" لتحقق الإيجاب والقبول، إذ العاقل من أهل القبول والتصرف نافع في حقه. والشافعي يخالفنا فيه وهو بناء على مسألة إذن الصبي في التجارة، وهذا بخلاف ما إذا كان لا يعقل البيع

стр. 880

والشراء لأن القبول لا يتحقق منه فلا ينعقد العقد، حتى لو أدى عنه غيره لا يعتق ويسترد ما دفع. قال: "ومن قال لعبده: جعلت عليك ألفا تؤديها إلي نجوما أول النجم كذا وآخره كذا فإذا أديتها فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق فإن هذه مكاتبة" لأنه أتى بتفسير الكتابة، ولو قال: إذا أديت إلي ألفا كل شهر مائة فأنت حر فهذه مكاتبة في رواية أبي سليمان. لأن التنجيم يدل على الوجوب وذلك بالكتابة. وفي نسخ أبي حفص لا تكون مكاتبة اعتبارا بالتعليق بالأداء مرة. قال: "وإذا صحت الكتابة خرج المكاتب عن يد المولى ولم يخرج عن ملكه" أما الخروج من يده فلتحقيق معنى الكتابة وهو الضم فيضم مالكية يده إلى مالكية نفسه أو لتحقيق مقصود الكتابة وهو أداء البدل فيملك البيع والشراء والخروج إلى السفر وإن نهاه المولى، وأما عدم الخروج عن ملكه فلما روينا، ولأنه عقد معاوضة ومبناه على المساواة، وينعدم ذلك بتنجز العتق ويتحقق بتأخره لأنه يثبت له نوع مالكية ويثبت له في الذمة حق من وجه "فإن أعتقه عتق بعتقه" لأنه مالك لرقبته "وسقط عنه بدل الكتابة" لأنه ما التزمه إلا مقابلا بحصول العتق به وقد حصل دونه. قال: "وإذا وطئ المولى مكاتبته لزمه العقر" لأنها صارت أخص بأجزائها توسلا إلى المقصود بالكتابة وهو الوصول إلى البدل من جانبه وإلى الحرية من جانبها بناء عليه، ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء والأعيان "وإن جنى عليها أو على ولدها لزمته الجناية" لما بينا "وإن أتلف مالا لها غرم" لأن المولى كالأجنبي في حق أكسابها ونفسها، إذ لو لم يجعل كذلك لأتلفه المولى فيمتنع حصول الغرض المبتغى بالعقد، والله أعلم بالصواب.

стр. 881

فصل: في الكتابة الفاسدة قال: "وإذا كاتب المسلم عبده على خمر أو خنزير أو على قيمة نفسه فالكتابة فاسدة" أما الأول فلأن الخمر والخنزير لا يستحقه المسلم لأنه ليس بمال في حقه فلا يصلح بدلا فيفسد العقد. وأما الثاني فلأن القيمة مجهولة قدرا وجنسا ووصفا فتفاحشت الجهالة وصار كما إذا كاتب على ثوب أو دابة، ولأنه تنصيص على ما هو موجب العقد الفاسد لأنه موجب للقيمة. قال: "فإن أدى الخمر عتق" وقال زفر: لا يعتق إلا بأداء قيمة نفسه، لأن البدل هو القيمة. وعن أبي يوسف ﵀: أنه يعتق بأداء الخمر لأنه بدل صورة، ويعتق بأداء القيمة

стр. 882

أيضا لأنه هو البدل معنى. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه إنما يعتق بأداء عين الخمر إذا قال إن أديتها فأنت حر لأنه حينئذ يكون العتق بالشرط لا بعقد الكتابة، وصار كما إذا كاتب على ميتة أو دم ولا فصل في ظاهر الرواية. ووجه الفرق بينهما وبين الميتة أن الخمر والخنزير مال في الجملة فأمكن اعتبار معنى العقد فيه، وموجبه العتق عند أداء العوض المشروط. وأما الميتة فليست بمال أصلا فلا يمكن اعتبار معنى العقد فيه فاعتبر فيه معنى الشرط وذلك بالتنصيص عليه "وإذا عتق بأداء عين الخمر لزمه أن يسعى في قيمته" لأنه وجب عليه رد رقبته لفساد العقد وقد تعذر بالعتق فيجب رد قيمته كما في البيع الفاسد إذا تلف المبيع. قال: "ولا ينقص عن المسمى ويزاد عليه" لأنه عقد فاسد فتجب القيمة عند هلاك المبدل بالغة ما بلغت كما في البيع الفاسد، وهذا لأن المولى ما رضي بالنقصان والعبد رضي بالزيادة كي لا يبطل حقه في العتق أصلا فتجب قيمته بالغة ما بلغت، وفيما إذا كاتبه على قيمته يعتق بأداء القيمة لأنه هو البدل. وأمكن اعتبار معنى العقد فيه وأثر الجهالة في الفساد، بخلاف ما إذا كاتبه على ثوب حيث لا يعتق بأداء ثوب لأنه لا يوقف فيه على مراد العاقد لاختلاف أجناس الثوب فلا يثبت العتق بدون إرادته. قال: "وكذلك إن كاتبه على شيء بعينه لغيره لم يجز" لأنه لا يقدر على تسليمه. ومراده شيء يتعين بالتعيين، حتى لو قال كاتبتك على هذه الألف الدراهم وهي لغيره جاز لأنها لا تتعين في المعاوضات فيتعلق بدراهم دين في الذمة فيجوز. وعن أبي حنيفة ﵁ في رواية الحسن أنه يجوز، حتى إذا ملكه وسلمه يعتق، وإن عجز يرد في الرق لأن المسمى مال والقدرة على التسليم موهوم فأشبه الصداق. قلنا: إن العين في المعاوضات معقود عليه والقدرة على المعقود عليه شرط للصحة إذا كان العقد يحتمل الفسخ كما في البيع، بخلاف الصداق في النكاح لأن القدرة على ما هو المقصود بالنكاح ليس بشرط، فعلى ما هو تابع فيه أولى. فلو أجاز صاحب العين ذلك فعن محمد أنه يجوز لأنه يجوز البيع عند الإجازة فالكتابة أولى. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز اعتبارا بحال عدم الإجازة على ما قال في الكتاب، والجامع أنه لا يفيد ملك المكاسب وهو المقصود لأنها تثبت للحاجة إلى الأداء منها ولا حاجة فيما إذا كان البدل عينا معينا، والمسألة فيه على ما بيناه. وعن أبي يوسف أنه يجوز أجاز ذلك أو لم يجز، غير أنه عند الإجازة يجب تسليم عينه، وعند عدمها يجب تسليم قيمته كما في النكاح، والجامع بينهما صحة التسمية لكونه مالا، ولو ملك المكاتب ذلك العين، فعن أبي حنيفة رواه أبو يوسف أنه إذا أداه لا يعتق، وعلى هذه الرواية لم ينعقد

стр. 883

العقد إلا إذا قال له إذا أديت إلي فأنت حر فحينئذ يعتق بحكم الشرط، وهكذا عن أبي يوسف ﵀. وعنه أنه يعتق قال ذلك أو لم يقل، لأن العقد ينعقد مع الفساد لكون المسمى مالا فيعتق بأداء المشروط. ولو كاتبه على عين في يد المكاتب ففيه روايتان، وهي مسألة الكتابة على الأعيان، وقد عرف ذلك في الأصل، وقد ذكرنا وجه الروايتين في كفاية المنتهى. قال: "وإذا كاتبه على مائة دينار على أن يرد المولى عليه عبدا بغير عينه فالكتابة فاسدة عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: هي جائزة، ويقسم المائة الدينار على قيمة المكاتب وعلى قيمة عبد وسط فيبطل منها حصة العبد فيكون مكاتبا بما بقي" لأن العبد المطلق يصلح بدل الكتابة وينصرف إلى الوسط، فكذا يصلح مستثنى منه وهو الأصل في أبدال العقود. ولهما أنه لا يستثنى العبد من الدنانير، وإنما تستثنى قيمته والقيمة لا تصلح بدلا فكذلك مستثنى. قال: "وإذا كاتبه على حيوان غير موصوف فالكتابة جائزة" معناه أن يبين الجنس ولا يبين النوع والصفة "وينصرف إلى الوسط ويجبر على قبول القيمة" وقد مر في النكاح. أما إذا لم يبين الجنس مثل أن يقول دابة لا يجوز لأنه يشمل أجناسا مختلفة فتتفاحش الجهالة، وإذا بين الجنس كالعبد والوصيف فالجهالة يسيرة ومثلها يتحمل في الكتابة فتعتبر جهالة البدل بجهالة الأجل فيه. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز، وهو القياس لأنه معاوضة فأشبه البيع. ولنا أنه معاوضة مال بغير مال أو بمال لكن على وجه يسقط الملك فيه فأشبه النكاح، والجامع أنه يبتنى على المسامحة، بخلاف البيع لأنه مبني على المماكسة. قال: "وإذا كاتب النصراني عبده على خمر فهو جائز" معناه إذا كان مقدارا معلوما والعبد كافرا لأنها مال في حقهم بمنزلة الخل في حقنا "وأيهما أسلم فللمولى قيمة الخمر" لأن المسلم ممنوع عن تمليك الخمر وتملكها، وفي التسليم ذلك إذ الخمر غير معين فيعجز عن تسليم البدل فيجب عليه قيمتها، وهذا بخلاف ما إذا تبايع الذميان خمرا ثم أسلم أحدهما حيث يفسد البيع على ما قاله البعض، لأن القيمة تصلح بدلا في الكتابة في الجملة، فإنه لو كاتب على وصيف وأتى بالقيمة يجبر على القبول فجاز أن يبقى العقد على القيمة، فأما البيع فلا ينعقد صحيحا على القيمة فافترقا. قال: "وإذا قبضها عتق" لأن في الكتابة معنى المعاوضة. فإذا وصل أحد العوضين

стр. 884

إلى المولى سلم العوض الآخر للعبد وذلك بالعتق، بخلاف ما إذا كان العبد مسلما حيث لم تجز الكتابة لأن المسلم ليس من أهل التزام الخمر، ولو أداها عتق وقد بيناه من قبل. والله أعلم بالصواب.

стр. 885

باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله قال: "ويجوز للمكاتب البيع والشراء والسفر" لأن موجب الكتابة أن يصير حرا يدا، وذلك بمالكية التصرف مستبدا به تصرفا يوصله إلى مقصوده وهو نيل الحرية بأداء البدل، والبيع والشراء من هذا القبيل، وكذا السفر لأن التجارة ربما لا تتفق في الحضر فتحتاج إلى المسافرة، ويملك البيع بالمحاباة لأنه من صنيع التجار، فإن التاجر قد يحابي في صفقة ليربح في أخرى. قال: "فإن شرط عليه أن لا يخرج من الكوفة فله أن يخرج استحسانا" لأن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد وهو مالكية اليد من جهة الاستبداد وثبوت الاختصاص فبطل الشرط وصح العقد لأنه شرط لم يتمكن في صلب العقد، وبمثله لا تفسد الكتابة، وهذا لأن الكتابة تشبه البيع وتشبه النكاح فألحقناه بالبيع في شرط تمكن في صلب العقد، كما إذا شرط خدمة مجهولة لأنه في البدل وبالنكاح في شرط لم يتمكن في صلبه هذا هو الأصل. أو نقول: إن الكتابة في جانب العبد إعتاق لأنه إسقاط الملك، وهذا الشرط يخص العبد فاعتبر إعتاقا في حق هذا الشرط، والإعتاق لا يبطل بالشروط الفاسدة. قال: "ولا يتزوج إلا بإذن المولى" لأن الكتابة فك الحجر مع قيام الملك ضرورة التوسل إلى المقصود، والتزوج ليس وسيلة إليه، ويجوز بإذن المولى لأن الملك له "ولا يهب ولا يتصدق إلا بالشيء اليسير" لأن الهبة والصدقة تبرع وهو غير مالك ليملكه، إلا أن الشيء اليسير من ضرورات التجارة لأنه لا يجد بدا من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه المجاهزون. ومن ملك شيئا يملك ما هو من ضروراته وتوابعه "ولا يتكفل" لأنه تبرع محض، فليس من ضرورات التجارة والاكتساب ولا يملكه بنوعيه نفسا ومالا لأن كل ذلك تبرع "ولا يقرض" لأنه تبرع ليس من توابع الاكتساب "فإن وهب على عوض لم يصح" لأنه تبرع ابتداء "وإن زوج أمته جاز" لأنه اكتساب للمال فإنه يتملك به المهر فدخل تحت العقد. قال: "وكذلك إن كاتب عبده" والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي، لأن مآله العتق والمكاتب ليس من أهله كالإعتاق على مال. وجه الاستحسان أنه عقد اكتساب للمال فيملكه كتزويج الأمة وكالبيع وقد يكون هو أنفع له

стр. 886

من البيع لأنه لا يزيل الملك إلا بعد وصول البدل إليه والبيع يزيله قبله ولهذا يملكه الأب والوصي ثم هو يوجب للمملوك مثل ما هو ثابت له. بخلاف الإعتاق على مال لأنه يوجب فوق ما هو ثابت له. قال: "فإن أدى الثاني قبل أن يعتق الأول فولاؤه للمولى" لأن له فيه نوع ملك. وتصح إضافة الإعتاق إليه في الجملة، فإذا تعذر إضافته إلى مباشر العقد لعدم الأهلية أضيف إليه كما في العبد إذا اشترى شيئا يثبت الملك للمولى. قال: "فلو أدى الأول بعد ذلك وعتق لا ينتقل الولاء إليه" لأن المولى جعل معتقا والولاء لا ينتقل عن المعتق "وإن أدى الثاني بعد عتق الأول فولاؤه له" لأن العاقد من أهل ثبوت الولاء وهو الأصل فيثبت له. قال: "وإن أعتق عبده على مال أو باعه من نفسه أو زوج عبده لم يجز" لأن هذه الأشياء ليست من الكسب ولا من توابعه. أما الأول فلأنه إسقاط الملك عن رقبته وإثبات الدين في ذمه المفلس فأشبه الزوال بغير عوض، وكذا الثاني لأنه إعتاق على مال في الحقيقة. وأما الثالث فلأنه تنقيص للعبد وتعييب له وشغل رقبته بالمهر والنفقة، بخلاف تزويج الأمة لأنه اكتساب لاستفادته المهر على ما مر. قال: "وكذلك الأب والوصي في رقيق الصغير بمنزلة المكاتب" لأنهما يملكان الاكتساب كالمكاتب، ولأن في تزويج الأمة والكتابة نظرا له، ولا نظر فيما سواهما والولاية نظرية. قال: "فأما المأذون له فلا يجوز له شيء من ذلك عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: له أن يزوج أمته" وعلى هذا الخلاف المضارب والمفاوض والشريك شركة عنان هو قاسه على المكاتب واعتبره بالإجارة. ولهما أن المأذون له يملك التجارة وهذا ليس بتجارة، فأما المكاتب يتملك الاكتساب وهذا اكتساب، ولأنه مبادلة المال بغير المال فيعتبر بالكتابة دون الإجارة، إذ هي مبادلة المال بالمال ولهذا لا يملك هؤلاء كلهم تزويج العبد، والله أعلم بالصواب.

стр. 887

فصل: قال: "وإذا اشترى المكاتب أباه أو ابنه دخل في كتابته" لأنه من أهل أن يكاتب وإن لم يكن من أهل الإعتاق فيجعل مكاتبا تحقيقا للصلة بقدر الإمكان، ألا ترى أن الحر متى كان يملك الإعتاق يعتق عليه "وإن اشترى ذا رحم محرم منه لأولاد له لم يدخل في كتابته عند

стр. 888

أبي حنيفة. وقالا: يدخل" اعتبارا بقرابة الولاد إذ وجوب الصلة ينتظمهما ولهذا لا يفترقان في الحر في حق الحرية. وله أن للمكاتب كسبا لا ملكا، غير أن الكسب يكفي الصلة في الولاد حتى أن القادر على الكسب يخاطب بنفقة الوالد والولد ولا يكفي في غيرهما حتى لا تجب نفقة الأخ إلا على الموسر، ولأن هذه قرابة توسطت بين بني الأعمام وقرابة الولاد فألحقناها بالثاني في العتق، وبالأول في الكتابة وهذا أولى لأن العتق أسرع نفوذا من الكتابة، حتى أن أحد الشريكين إذا كاتب كان للآخر فسخه، وإذا أعتق لا يكون له فسخه. قال: "وإذا اشترى أم ولده دخل ولدها في الكتابة ولم يجز بيعها" ومعناه إذا كان معها ولدها، أما دخول الولد في الكتابة فلما ذكرناه. وأما امتناع بيعها فلأنها تبع للولد في هذا الحكم، قال ﵊: "أعتقها ولدها" وإن لم يكن معها ولدها فكذلك الجواب في قول أبي يوسف ومحمد لأنها أم ولد خلافا لأبي حنيفة. وله أن القياس أن يجوز بيعها وإن كان معها ولد لأن كسب المكاتب موقوف فلا يتعلق به ما لا يحتمل الفسخ، إلا أنه يثبت به هذا الحق فيما إذا كان معها ولد تبعا لثبوته في الولد بناء عليه، وبدون الولد لو ثبت ثبت ابتداء والقياس ينفيه "وإن ولد له ولد من أمة له دخل في كتابته" لما بينا في المشترى "فكان حكمه كحكمه وكسبه له" لأن كسب الولد كسب كسبه ويكون كذلك قبل الدعوة فلا ينقطع بالدعوة اختصاصه، "وكذلك إن ولدت المكاتبة ولدا" لأن حق امتناع البيع ثابت فيها مؤكدا فيسري إلى الولد كالتدبير والاستيلاد. قال: "ومن زوج أمته من عبده ثم كاتبهما فولدت منه ولدا دخل في كتابتها وكان كسبه لها" لأن تبعية الأم أرجح ولهذا يتبعها في الرق والحرية. قال: "وإن تزوج المكاتب بإذن مولاه امرأة زعمت أنها حرة فولدت منه ثم استحقت فأولادها عبيد ولا يأخذهم بالقيمة، وكذلك العبد يأذن له المولى بالتزويج، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: أولادها أحرار بالقيمة" لأنه شارك الحر في سبب ثبوت هذا الحق وهو الغرور، وهذا لأنه ما رغب في نكاحها إلا لينال حرية الأولاد، ولهما أنه مولود بين رقيقين فيكون رقيقا، وهذا لأن الأصل أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، وخالفنا هذا الأصل في الحر بإجماع الصحابة ﵃، وهذا ليس في معناه لأن حق المولى هناك مجبور بقيمة ناجزة وهاهنا بقيمة متأخرة إلى ما بعد العتق فيبقى على الأصل ولا يلحق به.

стр. 889

قال: "وإن وطئ المكاتب أمة على وجه الملك بغير إذن المولى ثم استحقها رجل فعليه العقر يؤخذ به في الكتابة، وإن وطئها على وجه النكاح لم يؤخذ به حتى يعتق وكذلك المأذون له" ووجه الفرق أن في الفصل الأول ظهر الدين في حق المولى لأن التجارة وتوابعها داخلة تحت الكتابة، وهذا العقر من توابعها، لأنه لولا الشراء لما سقط الحد وما لم يسقط الحد لا يجب العقر. أما لم يظهر في الفصل الثاني لأن النكاح ليس من الاكتساب في شيء فلا تنتظمه الكتابة كالكفالة. قال: "وإذا اشترى المكاتب جارية شراء فاسدا ثم وطئها فردها أخذ بالعقر في المكاتبة، وكذلك العبد المأذون له" لأنه من باب التجارة، فإن التصرف تارة يقع صحيحا ومرة يقع فاسدا، والكتابة والإذن ينتظمانه بنوعيه كالتوكيل فكان ظاهرا في حق المولى.

стр. 890

فصل: قال: "وإذا ولدت المكاتبة من المولى فهي بالخيار إن شاءت مضت على الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها، وصارت أم ولد له" لأنها تلقتها جهتا حرية عاجلة ببدل وآجلة بغير بدل فتخير بينهما، "ونسب ولدها ثابت من المولى وهو حر"، لأن المولى يملك الإعتاق في ولدها وما له من الملك يكفي لصحة الاستيلاد بالدعوة. وإذا مضت على الكتابة أخذت العقر من مولاها لاختصاصها بنفسها وبمنافعها على ما قدمنا. ثم إن مات المولى عتقت بالاستيلاد وسقط عنها بدل الكتابة، وإن ماتت هي وتركت مالا تؤدى منه مكاتبتها وما بقي ميراث لابنها جريا على موجب الكتابة، وإن لم تترك مالا فلا سعاية على الولد لأنه حر، ولو ولدت ولدا آخر لم يلزم المولى إلا أن يدعي لحرمة وطئها عليه، فلو لم يدع وماتت من غير وفاء سعى هذا الولد لأنه مكاتب تبعا لها، فلو مات المولى بعد ذلك عتق وبطل عنه السعاية لأنه بمنزلة أم الولد إذ هو ولدها فيتبعها. قال: "وإذا كاتب المولى أم ولده جاز" لحاجتها إلى استفادة الحرية قبل موت المولى وذلك بالكتابة، ولا تنافي بينهما لأنه تلقتها جهتا حرية "فإن مات المولى عتقت بالاستيلاد" لتعلق عتقها بموت السيد "وسقط عنها بدل الكتابة" لأن الغرض من إيجاب البدل العتق عند الأداء، فإذا عتقت قبله لم يمكن توفير الغرض عليه فسقط وبطلت الكتابة لامتناع إبقائها بغير فائدة، غير أنه تسلم لها الأكساب والأولاد لأن الكتابة انفسخت في حق البدل وبقيت في حق الأكساب والأولاد، لأن الفسخ لنظرها والنظر فيما ذكرناه. ولو أدت المكاتبة قبل موت المولى عتقت بالكتابة لأنها باقية.

стр. 891

قال: "وإن كاتب مدبرته جاز" لما ذكرنا من الحاجة ولا تنافي، إذ الحرية غير ثابتة، وإنما الثابت مجرد الاستحقاق "وإن مات المولى ولا مال له غيرها فهي بالخيار بين أن تسعى في ثلثي قيمتها أو جميع مال الكتابة" وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: تسعى في أقل منهما. وقال محمد: تسعى في الأقل من ثلثي قيمتها وثلثي بدل الكتابة، فالخلاف في الخيار والمقدار، فأبو يوسف مع أبي حنيفة في المقدار، ومع محمد في نفي الخيار. أما الخيار ففرع تجزؤ الإعتاق عنده لما تجزأ بقي الثلثان رقيقا وقد تلقاها جهتا حرية ببدلين معجل بالتدبير ومؤجل بالكتابة فتخير. وعندهما لما عتق كلها بعتق بعضها فهي حرة وجب عليها أحد المالين فتختار الأقل لا محالة فلا معنى للتخيير. وأما المقدار فلمحمد ﵀ أنه قابل البدل بالكل وقد سلم لها الثلث بالتدبير فمن المحال أن يجب البدل بمقابلته، ألا ترى أنه لو سلم لها الكل بأن خرجت من الثلث يسقط كل بدل الكتابة فهنا يسقط الثلث وصار كما إذا تأخر التدبير عن الكتابة. ولهما أن جميع البدل مقابل بثلثي رقبتها فلا يسقط منه شيء، وهذا لأن البدل وإن قوبل بالكل صورة وصيغة لكنه مقيد بما ذكرنا معنى وإرادة لأنها استحقت حرية الثلث ظاهرا، والظاهر أن الإنسان لا يلتزم المال بمقابلة ما يستحق حريته وصار كما إذا طلق امرأته ثنتين ثم طلقها ثلاثا على ألف كان جميع الألف بمقابلة الواحدة الباقية لدلالة الإرادة، كذا هاهنا، بخلاف ما إذا تقدمت الكتابة وهي المسألة التي تليه لأن البدل مقابل بالكل إذ لا استحقاق عنده في شيء فافترقا. قال: "وإن دبر مكاتبته صح التدبير" لما بينا. "ولها الخيار، إن شاءت مضت على الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها وصارت مدبرة" لأن الكتابة ليست بلازمة في جانب المملوك، فإن مضت على كتابتها فمات المولى ولا مال له غيرها فهي بالخيار إن شاءت سعت في ثلثي مال الكتابة أو ثلثي قيمتها عند أبي حنيفة. وقالا: تسعى في الأقل منهما، فالخلاف في هذا الفصل في الخيار بناء على ما ذكرنا. أما المقدار فمتفق عليه، ووجهه ما بينا. قال: "وإذا أعتق المولى مكاتبه عتق بإعتاقه" لقيام ملكه فيه "وسقط بدل الكتابة" لأنه ما التزمه إلا مقابلا بالعتق وقد حصل له دونه فلا يلزمه، والكتابة وإن كانت لازمة في جانب المولى ولكنه يفسخ برضا العبد والظاهر رضاه توسلا إلى عتقه بغير بدل مع سلامة الأكساب له لأنا نبقي الكتابة في حقه. قال: "وإن كاتبه على ألف درهم إلى سنة فصالحه على خمسمائة معجلة فهو جائز"

стр. 892

استحسانا. وفي القياس لا يجوز لأنه اعتياض عن الأجل وهو ليس بمال والدين مال فكان ربا، ولهذا لا يجوز مثله في الحر ومكاتب الغير. وجه الاستحسان أن الأجل في حق المكاتب مال من وجه لأنه لا يقدر على الأداء إلا به فأعطي له حكم المال، وبدل الكتابة مال من وجه حتى لا تصح الكفالة به فاعتدلا فلا يكون ربا، ولأن عقد الكتابة عقد من وجه دون وجه والأجل ربا من وجه فيكون شبهة الشبهة، بخلاف العقد بين الحرين لأنه عقد من كل وجه فكان ربا والأجل فيه شبهة. قال: "وإذا كاتب المريض عبده على ألفي درهم إلى سنة وقيمته ألف ثم مات ولا مال له غيره ولم تجز الورثة فإنه يؤدي ثلثي الألفين حالا والباقي إلى أجله أو يرد رقيقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يؤدي ثلثي الألف حالا والباقي إلى أجله" لأن له أن يترك الزيادة بأن يكاتبه على قيمته فله أن يؤخرها وصار كما إذا خالع المريض امرأته على ألف إلى سنة جاز، لأن له أن يطلقها بغير بدل، ولهما أن جميع المسمى بدل الرقبة حتى أجري عليها أحكام الأبدال وحق الورثة متعلق بالمبدل فكذا بالبدل، والتأجيل إسقاط معنى فيعتبر من ثلث الجميع، بخلاف الخلع لأن البدل فيه لا يقابل المال فلم يتعلق حق الورثة بالمبدل فلا يتعلق بالبدل، ونظير هذا إذا باع المريض داره بثلاثة آلاف إلى سنة وقيمتها ألف ثم مات ولم تجز الورثة فعندهما يقال للمشتري أد ثلثي جميع الثمن حالا والثلث إلى أجله وإلا فانقض البيع، وعنده يعتبر الثلث بقدر القيمة لا فيما زاد عليه لما بينا من المعنى. قال: "وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة يقال له أد ثلثي القيمة حالا أو ترد رقيقا في قولهم جميعا" لأن المحاباة هاهنا في القدر والتأخير فاعتبر الثلث فيهما.

стр. 893

باب من يكاتب عن العبد قال: "وإذا كاتب الحر عن عبد بألف درهم، فإن أدى عنه عتق، وإن بلغ العبد فقبل فهو مكاتب" وصورة المسألة أن يقول الحر لمولى العبد كاتب عبدك على ألف درهم على أني إن أديت إليك ألفا فهو حر فكاتبه المولى على هذا يعتق بأدائه بحكم الشرط، وإذا قبل العبد صار مكاتبا، لأن الكتابة كانت موقوفة على إجارته وقبوله إجازة، ولو لم يقل على أني إن أديت إليك ألفا فهو حر فأدى لا يعتق قياسا لأنه لا شرط والعقد موقوف على إجازة العبد. وفي الاستحسان يعتق لأنه لا ضرر للعبد الغائب في تعليق العتق بأداء القائل فيصح في حق

стр. 894

هذا الحكم ويتوقف في حق لزوم الألف على العبد. وقيل هذه هي صورة مسألة الكتاب "ولو أدى الحر البدل لا يرجع على العبد" لأنه متبرع. قال: "وإذا كاتب العبد عن نفسه وعن عبد آخر لمولاه وهو غائب، فإن أدى الشاهد أو الغائب عتقا" ومعنى المسألة أن يقول العبد كاتبني بألف درهم على نفسي وعلى فلان الغائب، وهذه كتابة جائزة استحسانا. وفي القياس: يصح على نفسه لولايته عليها ويتوقف في حق الغائب لعدم الولاية عليه. وجه الاستحسان أن الحاضر بإضافة العقد إلى نفسه ابتداء جعل نفسه فيه أصلا والغائب تبعا، والكتابة على هذا الوجه مشروعة كالأمة إذا كوتبت دخل أولادها في كتابتها تبعا حتى عتقوا بأدائها وليس عليهم من البدل شيء وإذا أمكن تصحيحه على هذا الوجه ينفرد به الحاضر فله أن يأخذه بكل البدل لأن البدل عليه لكونه أصلا فيه، ولا يكون على الغائب من البدل شيء لأنه تبع فيه. قال: "وأيهما أدى عتقا ويجبر المولى على القبول" أما الحاضر فلأن البدل عليه. وأما الغائب فلأنه ينال به شرف الحرية، وإن لم يكن البدل عليه وصار كمعير الرهن إذا أدى الدين يجبر المرتهن على القبول لحاجته إلى استخلاص عينه وإن لم يكن الدين عليه. قال: "وأيهما أدى لا يرجع على صاحبه" لأن الحاضر قضى دينا عليه والغائب متبرع به غير مضطر إليه. قال: "وليس للمولى أن يأخذ الغائب بشيء" لما بينا "فإن قبل العبد الغائب أو لم يقبل فليس ذلك منه بشيء، والكتابة لازمة للشاهد" لأن الكتابة نافذة عليه من غير قبول الغائب فلا تتغير بقبوله، كمن كفل عن غيره بغير أمره فبلغه فأجازه لا يتغير حكمه، حتى لو أدى لا يرجع عليه، كذا هذا. قال: "وإذا كاتبت الأمة عن نفسها وعن ابنين لها صغيرين فهو جائز، وأيهم أدى لم يرجع على صاحبه ويجبر المولى على القبول ويعتقون" لأنها جعلت نفسها أصلا في الكتابة وأولادها تبعا على ما بينا في المسألة الأولى وهي أولى بذلك من الأجنبي، والله أعلم بالصواب.

стр. 895

باب كتاب العبد المشترك قال: "وإذا كان العبد بين رجلين أذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب نصيبه بألف درهم ويقبض بدل الكتابة فكاتب وقبض بعض الألف ثم عجز فالمال للذي قبض عند أبي حنيفة، وقالا: هو مكاتب بينهما وما أدى فهو بينهما" وأصله أن الكتابة تتجزأ

стр. 896

عنده خلافا لهما بمنزلة الإعتاق، لأنها تفيد الحرية من وجه فتقتصر على نصيبه عنده للتجزؤ، وفائدة الإذن أن لا يكون له حق الفسخ كما يكون له إذا لم يأذن، وإذنه له بقبض البدل إذن للعبد بالأداء فيكون متبرعا بنصيبه عليه فلهذا كان كل المقبوض له. وعندهما الإذن بكتابة نصيبه إذن بكتابة الكل لعدم التجزؤ، فهو أصيل في النصف وكيل في النصف فهو بينهما والمقبوض مشترك بينهما فيبقى كذلك بعد العجز. قال: "وإذا كانت جارية بين رجلين كاتباها فوطئها أحدهما فجاءت بولد فادعاه ثم وطئها الآخر فجاءت بولد فادعاه ثم عجزت فهي أم ولد للأول" لأنه لما ادعى أحدهما الولد صحت دعوته لقيام الملك له فيها وصار نصيبه أم ولد له، لأن المكاتبة لا تقبل النقل من ملك إلى ملك فتقتصر أمومية الولد على نصيبه كما في المدبرة المشتركة، وإذا ادعى الثاني ولدها الأخير صحت دعوته لقيام ملكه ظاهرا، ثم إذا عجزت بعد ذلك جعلت الكتابة كأن لم تكن وتبين أن الجارية كلها أم ولد للأول لأنه زال المانع من الانتقال ووطؤه سابق. قال: "ويضمن نصف قيمتها" لأنه تملك نصيبه لما استكمل الاستيلاد. قال: "ونصف عقرها" لوطئه جارية مشتركة. قال: "ويضمن شريكه كمال عقرها وقيمة الولد ويكون ابنه" لأنه بمنزلة المغرور، لأنه حين وطئها كان ملكه قائما ظاهرا. وولد المغرور ثابت النسب منه حر بالقيمة على ما عرف لكنه وطئ أم ولد الغير حقيقة فيلزمه كمال العقر. قال: "وأيهما دفع العقر إلى المكاتبة جاز" لأن الكتابة ما دامت باقية فحق القبض لها لاختصاصها بمنافعها وأبدالها، وإذا عجزت ترد العقر إلى المولى لظهور اختصاصه "وهذا" الذي ذكرنا "كله قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: هي أم ولد للأول ولا يجوز وطء الآخر" لأنه لما ادعى الأول الولد صارت كلها أم ولد له لأن أمومية الولد يجب تكميلها بالإجماع ما أمكن، وقد أمكن بفسخ الكتابة لأنها قابلة للفسخ فتفسخ فيما لا تتضرر به المكاتبة وتبقى الكتابة فيما وراءه، بخلاف التدبير لأنه لا يقبل الفسخ، وبخلاف بيع المكاتب لأن في تجويزه إبطال الكتابة إذ المشتري لا يرضى ببقائه مكاتبا. وإذا صارت كلها أم ولد له فالثاني وطئ أم ولد الغير. قال: "فلا يثبت نسب الولد منه ولا يكون حرا عليه بالقيمة" غير أنه لا يجب الحد عليه للشبهة. قال: "ويلزمه جميع العقر" لأن الوطء لا يعرى عن إحدى الغرامتين، وإذا بقيت

стр. 897

الكتابة وصارت كلها مكاتبة له، قيل يجب عليها نصف بدل الكتابة لأن الكتابة انفسخت فيما لا تتضرر به المكاتبة ولا تتضرر بسقوط نصف البدل. وقيل يجب كل البدل لأن الكتابة لم تنفسخ إلا في حق التملك ضرورة فلا يظهر في حق سقوط نصف البدل وفي إبقائه في حقه نظر للمولى وإن كان لا تتضرر المكاتبة بسقوطه، والمكاتبة هي التي تعطي العقر لاختصاصها بأبدال منافعها. ولو عجزت وردت في الرق ترد إلى المولى لظهور اختصاصه على ما بينا. قال: "ويضمن الأول لشريكه في قياس قول أبي يوسف ﵀ نصف قيمتها مكاتبة" لأنه تملك نصيب شريكه وهي مكاتبة فيضمنه موسرا كان أو معسرا لأنه ضمان التملك. قال: "وفي قول محمد: يضمن الأقل من نصف قيمتها ومن نصف ما بقي من بدل الكتابة" لأن حق شريكه في نصف الرقبة على اعتبار العجز، وفي نصف البدل على اعتبار الأداء فلتردد بينهما يجب أقلهما. قال: "وإذا كان الثاني لم يطأها ولكن دبرها ثم عجزت بطل التدبير" لأنه لم يصادف الملك. أما عندهما فظاهر لأن المستولد تملكها قبل العجز. وأما عند أبي حنيفة ﵀ فلأنه بالعجز تبين أنه تملك نصيبه من وقت الوطء فتبين أنه مصادف ملك غيره والتدبير يعتمد الملك، بخلاف النسب لأنه يعتمد الغرور على ما مر. قال: "وهي أم ولد للأول" لأنه تملك نصيب شريكه وكمل الاستيلاد على ما بينا. قال: "ويضمن لشريكه نصف عقرها" لوطئه جارية مشتركة. قال: "ونصف قيمتها" لأنه تملك نصفها بالاستيلاد وهو تملك بالقيمة. قال: "والولد ولد الأول" لأنه صحت دعوته لقيام المصحح، وهذا قولهم جميعا. ووجهه ما بينا. قال: "وإن كانا كاتباها ثم أعتقها أحدهما وهو موسر ثم عجزت يضمن المعتق لشريكه نصف قيمتها ويرجع بذلك عليها عند أبي حنيفة، وقالا: لا يرجع عليها" لأنها لما عجزت وردت في الرق تصير كأنها لم تزل قنة، والجواب فيه على الخلاف في الرجوع وفي الخيارات وغيرها كما هو مسألة تجزؤ الإعتاق وقد قررناه في الإعتاق، فأما قبل العجز ليس له أن يضمن المعتق عند أبي حنيفة لأن الإعتاق لما كان يتجزأ عنده كان أثره أن يجعل نصيب غير المعتق كالمكاتب فلا يتغير به نصيب صاحبه لأنها مكاتبة قبل ذلك وعندهما لما كان لا يتجزأ بعتق الكل فله أن يضمنه قيمة نصيبه مكاتبا إن كان

стр. 898

موسرا، ويستسعى العبد إن كان معسرا لأنه ضمان إعتاق فيختلف باليسار والإعسار. قال: "وإذا كان العبد بين رجلين دبره أحدهما ثم أعتقه الآخر وهو موسر، فإن شاء الذي دبره ضمن المعتق نصف قيمته مدبرا، وإن شاء استسعى العبد، وإن شاء أعتق، وإن أعتقه أحدهما ثم دبره الآخر لم يكن له أن يضمن المعتق ويستسعى أو يعتق، وهذا عند أبي حنيفة ﵀" ووجهه أن التدبير يتجزأ عنده فتدبير أحدهما يقتصر على نصيبه لكن يفسد به نصيب الآخر فيثبت له خيرة الإعتاق والتضمين والاستسعاء كما هو مذهبه، فإذا أعتق لم يبق له خيار التضمين والاستسعاء، وإعتاقه يقتصر على نصيبه لأنه يتجزأ عنده، ولكن يفسد به نصيب شريكه فله أن يضمنه قيمة نصيبه، وله خيار العتق والاستسعاء أيضا كما هو مذهبه ويضمنه قيمة نصيبه مدبرا لأن الإعتاق صادف المدبر. ثم قيل: قيمة المدبر تعرف بتقويم المقومين، وقيل يجب ثلثا قيمته زهو قن لأن المنافع أنواع ثلاثة: البيع وأشباهه، والاستخدام وأمثاله، والإعتاق وتوابعه، والفائت البيع فيسقط الثلث. وإذا ضمنه لا يتملكه بالضمان لأنه لا يقبل الانتقال من ملك إلى ملك، كما إذا غصب مدبرا فأبق. وإن أعتقه أحدهما أولا كان للآخر الخيارات الثلاث عنده، فإذا دبره لم يبق له خيار التضمين وبقي خيار الإعتاق والاستسعاء لأن المدبر يعتق ويستسعى "وقال أبو يوسف ومحمد: إذا دبره أحدهما فعتق الآخر باطل" لأنه لا يتجزأ عندهما فيتملك نصيب صاحبه بالتدبير قال: "ويضمن نصف قيمته موسرا كان أو معسرا" لأنه ضمان تملك فلا يختلف باليسار والإعسار، ويضمن نصف قيمته قنا لأنه صادفه التدبير وهو قن. قال: "وإن أعتقه أحدهما فتدبير الآخر باطل" لأن الإعتاق لا يتجزأ فعتق كله فلم يصادف التدبير الملك وهو يعتمده. قال: "ويضمن نصف قيمته إن كان موسرا" ويسعى العبد في ذلك إن كان معسرا لأن هذا ضمان الإعتاق فيختلف ذلك باليسار والإعسار عندهما، والله أعلم.

стр. 899

باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى قال: "وإذا عجز المكاتب عن نجم نظر الحاكم في حاله، فإن كان له دين يقبضه أو مال يقدم عليه لم يعجل بتعجيزه وانتظر عليه اليومين أو الثلاثة" نظرا للجانبين، والثلاث هي المدة التي ضربت لإبلاء الأعذار كإمهال الخصم للدفع والمديون للقضاء فلا يزاد عليه. قال: "فإن لم يكن له وجه وطلب المولى تعجيزه عجزه وفسخ الكتابة، وهذا عند

стр. 900

أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالى عليه نجمان" لقول علي ﵁: إذا توالى على المكاتب نجمان رد في الرق علقه بهذا الشرط، ولأنه عقد إرفاق حتى كان أحسنه مؤجله وحالة الوجوب بعد حلول نجم فلا بد من إمهال مدة استيسارا، وأولى المدد ما توافق عليه العاقدان. ولهما أن سبب الفسخ قد تحقق وهو العجز، لأن من عجز عن أداء نجم واحد يكون أعجز عن أداء نجمين، وهذا لأن مقصود المولى الوصول إلى المال عند حلول نجم وقد فات فيفسخ إذا لم يكن راضيا بدونه، بخلاف اليومين والثلاثة لأنه لا بد منها لإمكان الأداء فلم يكن تأخيرا، والآثار متعارضة، فإن المروي عن ابن عمر ﵄ أن مكاتبة له عجزت عن أداء نجم واحد فردها فسقط الاحتجاج بها. قال: "فإن أخل بنجم عند غير السلطان فعجز فرده مولاه برضاه فهو جائز" لأن الكتابة تفسخ بالتراضي من غير عذر فبالعذر أولى. قال: "ولو لم يرض به العبد لا بد من القضاء بالفسخ" لأنه عقد لازم تام فلا بد من القضاء أو الرضا كالرد بالعيب بعد القبض. قال: "وإذا عجز المكاتب عاد إلى أحكام الرق" لانفساخ الكتابة "وما كان في يده من الأكساب فهو لمولاه" لأنه ظهر أنه كسب عبده، وهذا لأنه كان موقوفا عليه أو على مولاه وقد زال التوقف. قال: "فإن مات المكاتب وله مال لم تنفسخ الكتابة وقضى ما عليه من ماله وحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته وما بقي فهو ميراث لورثته ويعتق أولاده" وهذا قول علي وابن مسعود ﵄، وبه أخذ علماؤنا ﵏. وقال الشافعي ﵀: تبطل الكتابة ويموت عبدا وما تركه لمولاه، وإمامه في ذلك زيد بن ثابت ﵁ ولأن المقصود من الكتابة عتقه وقد تعذر إثباته فتبطل، وهذا لأنه لا يخلو إما أن يثبت بعد الممات مقصودا أو يثبت قبله أو بعده مستندا، لا وجه إلى الأول لعدم المحلية، ولا إلى الثاني لفقد الشرط وهو الأداء، ولا إلى الثالث لتعذر الثبوت في الحال والشيء يثبت ثم يستند. ولنا أنه عقد معاوضة، ولا يبطل بموت أحد المتعاقدين وهو المولى فكذا بموت الآخر، والجامع بينهما الحاجة إلى إبقاء العقد لإحياء الحق، بل أولى لأن حقه آكد من حق المولى حتى لزم العقد في جانبه، والموت أنفى للمالكية منه للمملوكية فينزل حيا تقديرا، أو

стр. 901

تستند الحرية باستناد سبب الأداء إلى ما قبل الموت ويكون أداء خلفه كأدائه، وكل ذلك ممكن على ما عرف تمامه في الخلافيات. قال: "وإن لم يترك وفاء وترك ولدا مولودا في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه فإذا أدى حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعتق الولد" لأن الولد داخل في كتابته وكسبه ككسبه فيخلفه في الأداء وصار كما إذا ترك وفاء "وإن ترك ولدا مشترى في الكتابة قيل له إما أن تؤدي الكتابة حالة أو ترد رقيقا" وهذا عند أبي حنيفة. وأما عندهما يؤديه إلى أجله اعتبارا بالولد المولود في الكتابة، والجامع أنه يكاتب عليه تبعا له ولهذا يملك المولى إعتاقه بخلاف سائر أكسابه. ولأبي حنيفة وهو الفرق بين الفصلين أن الأجل يثبت شرطا في العقد فيثبت في حق من دخل تحت العقد والمشترى لم يدخل لأنه لم يضف إليه العقد ولا يسري حكمه إليه لانفصاله، بخلاف المولود في الكتابة لأنه متصل وقت الكتابة فيسري الحكم إليه وحيث دخل في حكمه سعى في نجومه "فإن اشترى ابنه ثم مات وترك وفاء ورثه ابنه" لأنه لما حكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته يحكم بحرية ابنه في ذلك الوقت، لأنه تبع لأبيه في الكتابة فيكون هذا حرا يرث عن حر "وكذلكم إن كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة" لأن الولد إن كان صغيرا فهو تبع لأبيه وإن كان كبيرا جعلا كشخص واحد، فإذا حكم بحرية الأب يحكم بحريته في تلك الحالة على مامر. قال: "وإن مات المكاتب وله ولد من حرة وترك دينا وفاء بمكاتبته فجنى الولد فقضي به على عاقلة الأم لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب" لأن هذا القضاء يقرر حكم الكتابة، لأن من قضيتها إلحاق الولد بموالي الأم وإيجاب العقل عليهم، لكن على وجه يحتمل أن يعتق فينجر الولاء إلى موالي الأب، والقضاء بما يقرر حكمه لا يكون تعجيزا "وإن اختصم موالي الأم وموالي الأب في ولائه فقضى به لموالي الأم فهو قضاء بالعجز" لأن هذا اختلاف في الولاء مقصودا، وذلك يبتني على بقاء الكتابة وانتقاضها، فإنها إذا فسخت مات عبدا واستقر الولاء على موالي الأم، وإذا بقيت واتصل بها الأداء مات حرا وانتقل الولاء إلى موالي الأب، وهذا فصل مجتهد فيه فينفذ ما يلاقيه من القضاء فلهذا كان تعجيزا. قال: "وما أدى المكاتب من الصدقات إلى مولاه ثم عجز فهو طيب للمولى لتبدل الملك" فإن العبد يتملكه صدقة والمولى عوضا عن العتق، وإليه وقعت الإشارة النبوية في حديث بريرة رضي الله تعالى عنها "هي لها صدقة ولنا هدية" وهذا بخلاف ما إذا أباح للغني والهاشمي، لأن المباح له يتناوله على ملك المبيح، ونظيره المشتري شراء فاسدا إذا أباح لغيره لا يطيب له ولو ملكه يطيب، ولو عجز قبل الأداء

стр. 902

إلى المولى فكذلك الجواب، وهذا عند محمد ظاهر لأن بالعجز يتبدل الملك عنده، وكذا عند أبي يوسف، وإن كان بالعجز يتقرر ملك المولى عنده لأنه لا خبث في نفس الصدقة، وإنما الخبث في فعل الآخذ لكونه إذلالا به. ولا يجوز ذلك للغني من غير حاجة وللهاشمي لزيادة حرمته والأخذ لم يوجد من المولى فصار كابن السبيل إذا وصل إلى وطنه والفقير إذا استغنى وقد بقي في أيديهما ما أخذا من الصدقة فإنه يطيب لهما، وعلى هذا إذا أعتق المكاتب واستغنى يطيب له ما بقي من الصدقة في يده. قال: "وإذا جنى العبد فكاتبه مولاه ولم يعلم بالجناية ثم عجز فإنه يدفع أو يفدي" لأن هذا موجب جناية العبد في الأصل ولم يكن عالما بالجناية عند الكتابة حتى يصير مختارا للفداء إلا أن الكتابة مانعة من الدفع، فإذا زال عاد الحكم الأصلي "وكذلك إذا جنى المكاتب ولم يقض به حتى عجز" لما بينا من زوال المانع "وإن قضى به عليه في كتابته ثم عجز فهو دين يباع فيه" لانتقال الحق من الرقبة إلى قيمته بالقضاء، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقد رجع أبو يوسف إليه، وكان يقول أولا يباع فيه وإن عجز قبل القضاء، وهو قول زفر لأن المانع من الدفع وهو الكتابة قائم وقت الجناية، فكما وقعت انعقدت موجبة للقيمة كما في جناية المدبر وأم الولد. ولنا أن المانع قابل للزوال للتردد ولم يثبت الانتقال في الحال فيتوقف على القضاء أو الرضا وصار كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض يتوقف الفسخ على القضاء لتردده واحتمال عوده، كذا هذا، بخلاف التدبير والاستيلاد لأنهما لا يقبلان الزوال بحال. قال: "وإذا مات المولى المكاتب لم تنفسخ الكتابة" كي لا يؤدي إلى إبطال حق المكاتب، إذ الكتابة سبب الحرية وسبب حق المرء حقه "وقيل له أد المال إلى ورثة المولى على نجومه" لأنه استحقاق الحرية على هذا الوجه والسبب انعقد كذلك فيبقى بهذه الصفة ولا يتغير، إلا أن الورثة يخلفونه في الاستيفاء. "فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه" لأنه لم يملكه، وهذا لأن المكاتب لا يملك بسائر أسباب الملك فكذا بسبب الوراثة. وإن أعتقوه جميعا عتق وسقط عنه بدل الكتابة لأنه يصير إبراء عن بدل الكتابة فإنه حقهم وقد جرى فيه الإرث، وإذا برئ المكاتب عن بدل الكتابة يعتق كما إذا أبرأه المولى، إلا أنه إذا أعتقه أحد الورثة لا يصير إبراء عن نصيبه، لأنا نجعله إبراء اقتضاء تصحيحا لعتقه. والعتق لا يثبت بإبراء البعض أو أدائه في المكاتب لا في بعضه ولا في كله، ولا وجه إلى إبراء الكل لحق بقية الورثة، والله أعلم.

стр. 903

كتاب الولاء الولاء نوعان: ولاء عتاقة ويسمى ولاء نعمة وسببه العتق على ملكه في الصحيح، حتى لو عتق قريبه عليه بالوراثة كان الولاء له. وولاء موالاة، وسببه العقد ولهذا يقال ولاء العتاقة وولاء الموالاة، والحكم يضاف إلى سببه، والمعنى فيهما التناصر، وكانت العرب تتناصر بأشياء، وقرر النبي ﷺ تناصرهم بالولاء بنوعيه فقال: "إن مولى القوم منهم وحليفهم منهم" والمراد بالحليف مولى الموالاة لأنهم كانوا يؤكدون الموالاة بالحلف. قال: "وإذا أعتق المولى مملوكه فولاؤه له" لقول ﵊: "الولاء لمن أعتق"، ولأن التناصر به فيعقله وقد أحياه معنى بإزالة الرق عنه فيرثه ويصير الولاء كالولاد، ولأن الغنم بالغرم، وكذا المرأة تعتق لما روينا، "ومات معتق لابنة حمزة ﵄ عنها وعن بنت فجعل النبي ﵊ المال بينهما نصفين". ويستوى فيه الإعتاق بمال وبغيره لإطلاق ما ذكرناه. قال: "فإن شرط أنه سائبة فالشرط باطل والولاء لمن أعتق" لأن الشرط مخالف للنص فلا يصح. قال: "وإذا أدى المكاتب عتق وولاؤه للمولى وإن عتق بعد موت المولى" لأنه عتق عليه بما باشر من السبب وهو الكتابة وقد قررناه في المكاتب "وكذا العبد الموصى بعتقه أو بشرائه وعتقه بعد موته" لأن فعل الوصي بعد موته كفعله والتركة على حكم ملكه "وإن مات المولى عتق مدبروه وأمهات أولاده" لما بينا في العتاق "وولاؤهم له" لأنه أعتقهم بالتدبير والاستيلاد. "ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه" لما بينا في العتاق "وولاؤه له" لوجود السبب وهو العتق عليه "وإذا تزوج عبد رجل أمة لآخر فأعتق مولى الأمة الأمة وهي حامل من العبد عتقت وعتق حملها، وولاء الحمل لمولى الأم لا ينتقل عنه أبدا" لأنه عتق على معتق الأم

стр. 904

مقصودا إذ هو جزء منها يقبل الإعتاق مقصودا فلا ينتقل ولاؤه عنه عملا بما روينا "وكذلك إذا ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر" للتيقن بقيام الحمل وقت الإعتاق "أو ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر" لأنهما توأمان يتعلقان معا. وهذا بخلاف ما إذا والت رجلا وهي حبلى والزوج والى غيره حيث يكون ولاء الولد لمولى الأب لأن الجنين غير قابل لهذا الولاء مقصودا، لأن تمامه بالإيجاب والقبول وهو ليس بمحل له. قال: "فإن ولدت بعد عتقها لأكثر من ستة أشهر ولدا فولاؤه لموالي الأم" لأنه عتق تبعا للأم لاتصاله بها بعد عتقها فيتبعها في الولاء ولم يتيقن بقيامه وقت الإعتاق حتى يعتق مقصودا "فإن أعتق الأب جر ولاء ابنه وانتقل عن موالي الأم إلى موالي الأب" لأن العتق هاهنا في الولد يثبت تبعا للأم، بخلاف الأول، وهذا لأن الولاء بمنزلة النسب قال ﵊: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث" ثم النسب إلى الآباء فكذلك الولاء والنسبة إلى موالي الأم كانت لعدم أهلية الأب ضرورة، فإذا صار أهلا عاد الولاء إليه؛ كولد الملاعنة ينسب إلى قوم الأم ضرورة، فإذا أكذب الملاعن نفسه ينسب إليه، بخلاف ما إذا أعتقت المعتدة عن موت أو طلاق فجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الموت أو الطلاق حيث يكون الولد مولى لموالي الأم وإن أعتق الأب لتعذر إضافة العلوق إلى ما بعد الموت والطلاق البائن لحرمة الوطء وبعد الطلاق الرجعي لما أنه يصير مراجعا بالشك فأسند إلى حالة النكاح فكان الولد موجودا عند الإعتاق فعتق مقصودا. "وفي الجامع الصغير وإذا تزوجت معتقة بعبد فولدت أولادا فجنى الأولاد فعقلهم على موالي الأم" لأنهم عتقوا تبعا لأمهم ولا عاقلة لأبيهم ولا مولى، فألحقوا بموالي الأم ضرورة كما في ولد الملاعنة على ما ذكرنا "فإن أعتق الأب جر ولاء الأولاد إلى نفسه" لما بينا "ولا يرجعون على عاقلة الأب بما عقلوا" لأنهم حين عقلوه كان الولاء ثابتا لهم، وإنما يثبت للأب مقصودا لأن سببه مقصود وهو العتق، بخلاف ولد الملاعنة إذا عقل عنه قوم الأم ثم أكذب الملاعن نفسه حيث يرجعون عليه، لأن النسب هنالك يثبت مستندا إلى وقت العلوق وكانوا مجبورين على ذلك فيرجعون. قال: "ومن تزوج من العجم بمعتقة من العرب فولدت له أولادا فولاء أولادها لمواليها عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول محمد ﵀". وقال أبو يوسف: حكمه حكم أبيه، لأن النسب إلى الأب كما إذا كان الأب عربيا، بخلاف ما إذا كان الأب عبدا لأنه هالك معنى. ولهما أن ولاء العتاقة قوي معتبر في حق الأحكام حتى اعتبرت الكفاءة فيه، والنسب في حق العجم ضعيف فإنهم ضيعوا أنسابهم ولهذا لم تعتبر الكفاءة فيما بينهم

стр. 905

بالنسب، والقوي لا يعارضه الضعيف، بخلاف ما إذا كان الأب عريبا لأن أنساب العرب قوية معتبرة في حكم الكفاءة والعقل، كما أن تناصرهم بها فأغنت عن الولاء. قال ﵁: الخلاف في مطلق المعتقة والوضع في معتقة العرب وقع اتفاقا. "وفي الجامع الصغير: نبطي كافر تزوج بمعتقة كافرة ثم أسلم النبطي ووالى رجلا ثم ولدت أولادا. قال أبو حنيفة ومحمد: مواليهم موالي أمهم. وقال أبو يوسف: مواليهم موالي أبيهم" لأن الولاء وإن كان أضعف فهو من جانب الأب فصار كالمولود بين واحد من الموالي وبين العربية. ولهما أن ولاء الموالاة أضعف حتى يقبل الفسخ، وولاء العتاقة لا يقبله، والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي، وإن كان الأبوان معتقين فالنسبة إلى قوم الأب لأنهما استويا، والترجيح لجانبه لشبهه بالنسب أو لأن النصرة به أكثر. قال: "وولاء العتاقة تعصيب وهو أحق بالميراث من العمة والخالة" لقوله ﵊ للذي اشترى عبدا فأعتقه: "هو أخوك ومولاك، إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو خير لك وشر له، ولو مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته" وورث ابنة حمزة ﵄ على سبيل العصوبة مع قيام وارث وإذ كان عصبة تقدم على ذوي الأرحام وهو المروي عن علي ﵁: "فإن كان للمعتق عصبة من النسب فهو أولى من المعتق"، لأن المعتق آخر العصبات، وهذا لأن قوله ﵊: "ولم يترك وارثا" قالوا: المراد منه وارث هو عصبة بدليل الحديث الثاني فتأخر عن العصبة دون ذوي الأرحام. قال: "فإن كان للمعتق عصبة من النسب فهو أولى" لما ذكرنا "وإن لم يكن له عصبة من النسب فميراثه للمعتق". تأويله إذا لم يكن هناك صاحب فرض ذو حال، أما إذا كان فله الباقي بعد فرض لأنه عصبة على ما روينا، وهذا لأن العصبة من يكون التناصر به لبيت النسبة وبالموالي الانتصار على ما مر والعصبة تأخذ ما بقي "فإن مات المولى ثم مات المعتق فميراثه لبني المولى دون بناته، وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن" أو كاتب من كاتبن بهذا اللفظ ورد الحديث عن النبي ﷺ وفي آخره "أو جر ولاء معتقهن" وصورة الجر قدمناها، ولأن ثبوت المالكية والقوة في العتق من جهتها فينسب بالولاء إليها وينسب إليها من ينسب إلى مولاها، بخلاف النسب لأن سبب النسبة فيه الفراش، وصاحب الفراش إنما هو الزوج، والمرأة مملوكة لا مالكة، وليس حكم ميراث المعتق مقصورا على بني المولى بل

стр. 906

هو لعصبته الأقرب فالأقرب، لأن الولاء لا يورث ويخلفه فيه من تكون النصرة به، حتى لو ترك المولى أبا وابنا فالولاء للابن عند أبي حنيفة ومحمد لأنه أقربهما عصوبة، وكذلك الولاء للجد دون الأخ عند أبي حنيفة لأنه أقرب في العصوبة عنده. وكذا الولاء لابن المعتقة حتى يرثه دون أخيها لما ذكرنا، إلا أن عقل جناية المعتق على أخيها لأنه من قوم أبيها وجنايته كجنايتها "ولو ترك المولى ابنا وأولاد ابن آخر" معناه بني ابن آخر "فميراث المعتق للابن دون بني الابن لأن الولاء للكبر" هو المروي عن عدة من الصحابة ﵃ منهم عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم ﵃ أجمعين، ومعناه القرب على ما قالوا، والصلبي أقرب.

стр. 907

فصل: في ولاء الموالاة قال: "وإذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه أو أسلم على يد غيره ووالاه فالولاء صحيح وعقله على مولاه، فإن مات ولا وارث له غيره فميراثه للمولى" وقال الشافعي ﵀: الموالاة ليس بشيء لأن فيه إبطال حق بيت المال ولهذا لا يصح في حق وارث آخر ولهذا لا يصح عنده الوصية بجميع المال وإن لم يكن للموصي وارث لحق بيت المال وإنما يصح في الثلث. ولنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] والآية في الموالاة. وسئل رسول الله ﷺ عن رجل أسلم على يد رجل آخر ووالاه فقال: "هو أحق الناس به محياه ومماته" وهذا يشير إلى العقل والإرث في الحالتين هاتين، ولأن ماله حقه فيصرفه إلى حيث شاء، والصرف إلى بيت المال ضرورة عدم المستحق لا أنه مستحق. قال: "وإن كان له وارث فهو أولى منه، وإن كانت عمة أو خالة أو غيرهما من ذوي الأرحام" لأن الموالاة عقدهما فلا يلزم غيرهما، وذو الرحم وارث، ولا بد من شرط الإرث والعقل كما ذكر في الكتاب لأنه بالالتزام وهو بالشرط، ومن شرطه أن لا يكون المولى من العرب لأن تناصرهم بالقبائل فأغنى عن الموالاة. قال: "وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه" لأنه عقد غير لازم بمنزلة الوصية، وكذا للأعلى أن يتبرأ عن ولائه لعدم اللزوم، إلا أنه يشترط في هذا أن يكون بمحضر من الآخر كما في عزل الوكيل قصدا، بخلاف ما إذا عقد الأسفل مع غيره بغير محضر من الأول لأنه فسخ حكمي بمنزلة العزل الحكمي في الوكالة.

стр. 908

قال: "وإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول بولائه إلى غيره" لأنه تعلق به حق الغير، ولأنه قضى به القاضي، ولأنه بمنزلة عوض ناله كالعوض في الهبة، وكذا لا يتحول ولده، وكذا إذا عقل عن ولده لم يكن لكل واحد منهما أن يتحول لأنهم في حق الولاء كشخص واحد. قال: "وليس لمولى العتاقة أن يوالي أحدا" لأنه لازم، ومع بقائه لا يظهر الأدنى.

стр. 909

كتاب الاكراه قال: "الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطانا كان أو لصا" لأن الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء أهليته، وهذا إنما يتحقق إذا خاف المكره تحقيق ما توعد به، وذلك إنما يكون من القادر والسلطان وغيره سيان عند تحقق القدرة، والذي قاله أبو حنيفة إن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان لما أن المنعة له والقدرة لا تتحقق بدون المنعة. فقد قالوا هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، ولم تكن القدرة في زمنه إلا للسلطان، ثم بعد ذلك تغير الزمان وأهله، ثم كما تشترط قدرة المكره لتحقق الإكراه يشترط خوف المكره وقوع ما يهدد به، وذلك بأن يغلب على ظنه أنه يفعله ليصير به محمولا على ما دعي إليه من الفعل. قال: "وإذا أكره الرجل على بيع ما له أو على شراء سلعة أو على أن يقر لرجل بألف أو يؤاجر داره فأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس فباع أو اشترى فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع" لأن من شرط صحة هذه العقود التراضي، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] والإكراه بهذه الأشياء يعدم الرضا فيفسد، بخلاف ما إذا أكره بضرب سوط أو حبس يوم أو قيد يوم لأنه لا يبالي به بالنظر إلى العادة فلا يتحقق به الإكراه إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يستضر به لفوات الرضا، وكذا الإقرار حجة لترجح جنبة الصدق فيه على جنبة الكذب، وعند الإكراه يحتمل أنه يكذب لدفع المضرة، ثم إذا باع مكرها وسلم مكرها يثبت به الملك عندنا، وعند زفر لا يثبت لأنه بيع موقوف على الإجازة؛ ألا ترى أنه لو أجاز جاز والموقوف قبل الإجازة لا يفيد الملك، ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله والفساد لفقد شرطه وهو التراضي فصار كسائر الشروط المفسدة فيثبت الملك عند القبض، حتى لو قبضه وأعتقه أو تصرف فيه تصرفا لا يمكن نقضه جاز، ويلزمه القيمة كما في سائر البياعات الفاسدة وبإجازة المالك يرتفع المفسد وهو الإكراه وعدم الرضا فيجوز إلا أنه لا ينقطع به حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي ولم يرض البائع بذلك بخلاف سائر البياعات الفاسدة لأن الفساد فيها لحق الشرع وقد تعلق بالبيع الثاني حق

стр. 910

العبد وحقه مقدم لحاجته، أما هاهنا الرد لحق العبد وهما سواء فلا يبطل حق الأول لحق الثاني. قال رضي الله تعالى عنه: ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعا فاسدا يجعله كبيع المكره حتى ينقض بيع المشتري من غيره، لأن الفساد لفوات الرضا، ومنهم من جعله رهنا لقصد المتعاقدين، ومنهم من جعله باطلا اعتبارا بالهازل ومشايخ سمرقند ﵏ جعلوه بيعا جائزا مفيدا بعض الأحكام على ما هو المعتاد للحاجة إليه قال: "فإن كان قبض الثمن طوعا فقد أجاز البيع" لأنه دليل الإجازة كما في البيع الموقوف وكذا إذا سلم طائعا، بأن كان الإكراه على البيع لا على الدفع لأنه دليل الإجازة، بخلاف ما إذا أكرهه على الهبة ولم يذكر الدفع فوهب ودفع حيث يكون باطلا، لأن مقصود المكره الاستحقاق لا مجرد اللفظ، وذلك في الهبة بالدفع وفي البيع بالعقد على ما هو الأصل، فدخل الدفع في الإكراه على الهبة دون البيع. قال: "وإن قبضه مكرها فليس ذلك بإجازة وعليه رده إن كان قائما في يده" لفساد العقد. قال: "وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته للبائع" معناه والبائع مكره لأنه مضمون عليه بحكم عقد فاسد "وللمكره أن يضمن المكره إن شاء" لأنه آلة له فيما يرجع إلى الإتلاف، فكأنه دفع مال البائع إلى المشتري فيضمن أيهما شاء كالغاصب وغاصب الغاصب، فلو ضمن المكره رجع على المشتري بالقيمة لقيامه مقام البائع، وإن ضمن المشتري نفذ كل شراء كان بعد شرائه لو تناسخته العقود لأنه ملكه بالضمان فظهر أنه باع ملكه، ولا ينفذ ما كان له قبله لأن الاستناد إلى وقت قبضه، بخلاف ما إذا أجاز المالك المكره عقدا منها حيث يجوز ما قبله وما بعده لأنه أسقط حقه وهو المانع فعاد الكل إلى الجواز، والله أعلم.

стр. 911

فصل: "وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر، إن أكره على ذلك بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل له إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف على ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه" وكذا على هذا الدم ولحم الخنزير، لأن تناول هذه المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في المخمصة لقيام المحرم فيما وراءها، ولا ضرورة إلا إذا خاف على النفس أو على العضو، حتى لو خيف على ذلك بالضرب

стр. 912

الشديد، وغلب على ظنه يباح له ذلك "ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم" لأنه لما أبيح كان بالامتناع عنه معاونا لغيره على هلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة. وعن أبي يوسف أنه لا يأثم لأنه رخصة إذ الحرمة قائمة فكان آخذا بالعزيمة. قلنا: حالة الاضطرار مستثناة بالنص وهو تكلم بالحاصل بعد الثنيا فلا محرم فكان إباحة لا رخصة إلا أنه إنما يأثم إذا علم بالإباحة في هذه الحالة، لأن في انكشاف الحرمة خفاء فيعذر بالجهل فيه كالجهل بالخطاب في أول الإسلام أو في دار الحرب. قال: "وإن أكره على الكفر بالله تعالى والعياذ بالله أو سب رسول الله ﷺ بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراها حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه" لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لما مر، ففي الكفر وحرمته أشد أولى وأحرى. قال: "وإذا خاف على ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به ويوري، فإن أظهر ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه" لحديث عمار بن ياسر ﵁ حيث ابتلي به، وقد قال له النبي ﵊: "كيف وجدت قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، فقال ﵊: "فإن عادوا فعد"، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ولأن بهذا الإظهار لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة فيسعه الميل إليه. قال: "فإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجورا" لأن خبيبا ﵁ صبر على ذلك حتى صلب وسماه رسول الله ﷺ سيد الشهداء، وقال في مثله "هو رفيقي في الجنة" ولأن الحرمة باقية، والامتناع لإعزاز الدين عزيمة، بخلاف ما تقدم للاستثناء. قال: "وإن أكره على إتلاف مال مسلم بأمر يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك" لأن مال الغير يستباح للضرورة كما في حالة المخمصة وقد تحققت "ولصاحب المال أن يضمن المكره" لأن المكره آلة للمكره فيما يصلح آلة له والإتلاف من هذا القبيل "وإن أكرهه بقتله على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما" لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بهذه الضرورة. قال: "والقصاص على المكره إن كان القتل عمدا" قال ﵁: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: يجب على المكره. وقال

стр. 913

أبو يوسف: لا يجب عليهما. وقال الشافعي: يجب عليهما. لزفر أن الفعل من المكره حقيقة وحسا، وقرر الشرع حكمه عليه وهو الإثم، بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير لأنه سقط حكمه وهو الإثم فأضيف إلى غيره، وبهذا يتمسك الشافعي في جانب المكره، ويوجبه على المكره أيضا لوجود التسبيب إلى القتل منه، وللتسبيب في هذا حكم المباشرة عنده كما في شهود القصاص، ولأبي يوسف أن القتل بقي مقصورا على المكره من وجه نظرا إلى التأثيم، وأضيف إلى المكره من وجه نظرا إلى الحمل فدخلت الشبهة في كل جانب. ولهما أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياته فيصير آلة للمكره فيما يصلح آلة له وهو القتل بأن يلقيه عليه ولا يصلح آلة له في الجناية على دينه فيبقى الفعل مقصورا عليه في حق الإثم كما نقول في الإكراه على الإعتاق، وفي إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير ينتقل الفعل إلى المكره في الإتلاف دون الذكاة حتى يحرم كذا هذا. قال: "وإن أكرهه على طلاق امرأته أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه عندنا" خلافا للشافعي وقد مر في الطلاق. قال: "ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد" لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف فيضاف إليه، فله أن يضمنه موسرا كان أو معسرا، ولا سعاية على العبد لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية أو لتعلق حق الغير ولم يوجد واحد منهما، ولا يرجع المكره على العبد بالضمان لأنه مؤاخذ بإتلافه. قال: "ويرجع بنصف مهر المرأة إن كان قبل الدخول، وإن لم يكن في العقد مسمى يرجع على المكره بما لزمه من المتعة" لأن ما عليه كان على شرف السقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها، وإنما يتأكد بالطلاق فكان إتلافا للمال من هذا الوجه فيضاف إلى المكره من حيث إنه إتلاف. بخلاف ما إذا دخل بها لأن المهر قد تقرر بالدخول لا بالطلاق. "ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل جاز استحسانا" لأن الإكراه مؤثر في فساد العقد، والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، ويرجع على المكره استحسانا لأن مقصود المكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل، والنذر لا يعمل فيه الإكراه لأنه لا يحتمل الفسخ، ولا رجوع على المكره بما لزمه لأنه لا مطالب له في الدنيا فلا يطالب به فيها، وكذا اليمين، والظهار لا يعمل فيهما الإكراه لعدم احتمالهما الفسخ، وكذا الرجعة والإيلاء والفيء فيه باللسان لأنها تصح مع الهزل، والخلع من جانبه طلاق أو يمين لا يعمل فيه الإكراه، فلو كان هو مكرها على الخلع دونها لزمها البدل لرضاها بالالتزام.

стр. 914

قال: "وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان، وقال أبو يوسف ومحمد لا يلزمه الحد" وقد ذكرناه في الحدود. قال: "وإذا أكرهه على الردة لم تبن امرأته منه" لأن الردة تتعلق بالاعتقاد، ألا ترى أنه لو كان قلبه مطمئنا بالإيمان لا يكفر وفي اعتقاده الكفر شك فلا تثبت البينونة بالشك، فإن قالت المرأة قد بنت منك وقال هو قد أظهرت ذلك وقلبي مطمئن بالإيمان فالقول قوله استحسانا، لأن اللفظ غير موضوع للفرقة وهي بتبدل الاعتقاد ومع الإكراه لا يدل على التبدل فكان القول قوله، بخلاف الإكراه على الإسلام حيث يصير به مسلما، لأنه لما احتمل واحتمل رجحنا الإسلام في الحالين لأنه يعلو ولا يعلى، وهذا بيان الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقده فليس بمسلم، ولو أكره على الإسلام حتى حكم بإسلامه ثم رجع لم يقتل لتمكن الشبهة وهي دارئة للقتل. ولو قال الذي أكره على إجراء كلمة الكفر أخبرت عن أمر ماض ولم أكن فعلت بانت منه حكما لا ديانة. لأنه أقر أنه طائع بإتيان ما لم يكره عليه، وحكم هذا الطائع ما ذكرناه. ولو قال أردت ما طلب مني وقد خطر ببالي الخبر عما مضى بانت ديانة وقضاء، لأنه أقر أنه مبتدئ بالكفر هازل به حيث علم لنفسه مخلصا غيره. وعلى هذا إذا أكره على الصلاة للصليب وسب محمد النبي ﵊ ففعل وقال نويت به الصلاة لله تعالى ومحمدا آخر غير النبي ﵊ بانت منه قضاء لا ديانة، ولو صلى للصليب وسب محمدا النبي ﵊ وقد خطر بباله الصلاة لله تعالى وسب غير النبي ﵊ بانت منه ديانة وقضاء لما مر، وقد قررناه زيادة على هذا في كفاية المنتهى، والله أعلم.

стр. 915

كتاب الحجر قال: "الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر، والرق، والجنون، فلا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه، ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده، ولا تصرف المجنون المغلوب بحال". أما الصغير فلنقصان عقله، غير أن إذن الولي آية أهليته، والرق لرعاية حق المولى كي لا يتعطل منافع عبده. ولا يملك رقبته بتعلق الدين به، غير أن المولى بالإذن رضي بفوات حقه، والجنون لا تجامعه الأهلية فلا يجوز تصرفه بحال، أما العبد فأهل في نفسه والصبي ترتقب أهليته فلهذا وقع الفرق. قال: "ومن باع من هؤلاء شيئا وهو يعقل البيع ويقصده فالولي بالخيار، إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه" لأن التوقف في العبد لحق المولى فيتخير فيه، وفي الصبي والمجنون نظرا لهما فيتحرى مصلحتهما فيه، ولا بد أن يعقلا البيع ليوجد ركن العقد فينعقد موقوفا على الإجازة، والمجنون قد يعقل البيع ويقصده وإن كان لا يرجح المصلحة على المفسدة وهو المعتوه الذي يصلح وكيلا عن غيره كما بينا في الوكالة. فإن قيل: التوقف عندكم في البيع. أما الشراء فالأصل فيه النفاذ على المباشر. قلنا: نعم إذا وجد نفاذا عليه كما في شراء الفضولي، وهاهنا لم نجد نفاذا لعدم الأهلية أو لضرر المولى فوقفناه. قال: "وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال" لأنه لا مرد لها لوجودها حسا ومشاهدة، بخلاف الأقوال، لأن اعتبارها موجودة بالشرع والقصد من شرطه "إلا إذا كان فعلا يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص" فيجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون. قال: "والصبي والمجنون لا تصح عقودهما ولا إقرارهما" لما بينا "ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما" لقوله ﵊: "كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه" والإعتاق يتمحض مضرة، ولا وقوف للصبي على المصلحة في الطلاق بحال لعدم الشهوة، ولا وقوف للولي على عدم التوافق على اعتبار بلوغه حد الشهوة، فلهذا لا يتوقفان على إجازته ولا ينفذان بمباشرته، بخلاف سائر العقود. قال: "وإن أتلفا شيئا لزمهما ضمانه" إحياء لحق المتلف عليه، وهذا لأن كون الإتلاف
следующие страницы →