Полный текст (1 246 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فصل: "وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر، إن أكره على ذلك بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل له إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف على ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه"
وكذا على هذا الدم ولحم الخنزير، لأن تناول هذه المحرمات إنما يباح عند الضرورة كما في المخمصة لقيام المحرم فيما وراءها، ولا ضرورة إلا إذا خاف على النفس أو على العضو، حتى لو خيف على ذلك بالضرب
стр. 912
الشديد، وغلب على ظنه يباح له ذلك "ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم" لأنه لما أبيح كان بالامتناع عنه معاونا لغيره على هلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة. وعن أبي يوسف أنه لا يأثم لأنه رخصة إذ الحرمة قائمة فكان آخذا بالعزيمة.
قلنا: حالة الاضطرار مستثناة بالنص وهو تكلم بالحاصل بعد الثنيا فلا محرم فكان إباحة لا رخصة إلا أنه إنما يأثم إذا علم بالإباحة في هذه الحالة، لأن في انكشاف الحرمة خفاء فيعذر بالجهل فيه كالجهل بالخطاب في أول الإسلام أو في دار الحرب.
قال: "وإن أكره على الكفر بالله تعالى والعياذ بالله أو سب رسول الله ﷺ بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراها حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه" لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر لما مر، ففي الكفر وحرمته أشد أولى وأحرى.
قال: "وإذا خاف على ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به ويوري، فإن أظهر ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه" لحديث عمار بن ياسر ﵁ حيث ابتلي به، وقد قال له النبي ﵊: "كيف وجدت قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، فقال ﵊: "فإن عادوا فعد"، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ولأن بهذا الإظهار لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق، وفي الامتناع فوت النفس حقيقة فيسعه الميل إليه.
قال: "فإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجورا" لأن خبيبا ﵁ صبر على ذلك حتى صلب وسماه رسول الله ﷺ سيد الشهداء، وقال في مثله "هو رفيقي في الجنة" ولأن الحرمة باقية، والامتناع لإعزاز الدين عزيمة، بخلاف ما تقدم للاستثناء.
قال: "وإن أكره على إتلاف مال مسلم بأمر يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك" لأن مال الغير يستباح للضرورة كما في حالة المخمصة وقد تحققت "ولصاحب المال أن يضمن المكره" لأن المكره آلة للمكره فيما يصلح آلة له والإتلاف من هذا القبيل "وإن أكرهه بقتله على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما" لأن قتل المسلم مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بهذه الضرورة.
قال: "والقصاص على المكره إن كان القتل عمدا" قال ﵁: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: يجب على المكره. وقال
стр. 913
أبو يوسف: لا يجب عليهما. وقال الشافعي: يجب عليهما. لزفر أن الفعل من المكره حقيقة وحسا، وقرر الشرع حكمه عليه وهو الإثم، بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير لأنه سقط حكمه وهو الإثم فأضيف إلى غيره، وبهذا يتمسك الشافعي في جانب المكره، ويوجبه على المكره أيضا لوجود التسبيب إلى القتل منه، وللتسبيب في هذا حكم المباشرة عنده كما في شهود القصاص، ولأبي يوسف أن القتل بقي مقصورا على المكره من وجه نظرا إلى التأثيم، وأضيف إلى المكره من وجه نظرا إلى الحمل فدخلت الشبهة في كل جانب. ولهما أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياته فيصير آلة للمكره فيما يصلح آلة له وهو القتل بأن يلقيه عليه ولا يصلح آلة له في الجناية على دينه فيبقى الفعل مقصورا عليه في حق الإثم كما نقول في الإكراه على الإعتاق، وفي إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير ينتقل الفعل إلى المكره في الإتلاف دون الذكاة حتى يحرم كذا هذا.
قال: "وإن أكرهه على طلاق امرأته أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه عندنا" خلافا للشافعي وقد مر في الطلاق.
قال: "ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد" لأنه صلح آلة له فيه من حيث الإتلاف فيضاف إليه، فله أن يضمنه موسرا كان أو معسرا، ولا سعاية على العبد لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية أو لتعلق حق الغير ولم يوجد واحد منهما، ولا يرجع المكره على العبد بالضمان لأنه مؤاخذ بإتلافه.
قال: "ويرجع بنصف مهر المرأة إن كان قبل الدخول، وإن لم يكن في العقد مسمى يرجع على المكره بما لزمه من المتعة" لأن ما عليه كان على شرف السقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها، وإنما يتأكد بالطلاق فكان إتلافا للمال من هذا الوجه فيضاف إلى المكره من حيث إنه إتلاف. بخلاف ما إذا دخل بها لأن المهر قد تقرر بالدخول لا بالطلاق. "ولو أكره على التوكيل بالطلاق والعتاق ففعل الوكيل جاز استحسانا" لأن الإكراه مؤثر في فساد العقد، والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، ويرجع على المكره استحسانا لأن مقصود المكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل، والنذر لا يعمل فيه الإكراه لأنه لا يحتمل الفسخ، ولا رجوع على المكره بما لزمه لأنه لا مطالب له في الدنيا فلا يطالب به فيها، وكذا اليمين، والظهار لا يعمل فيهما الإكراه لعدم احتمالهما الفسخ، وكذا الرجعة والإيلاء والفيء فيه باللسان لأنها تصح مع الهزل، والخلع من جانبه طلاق أو يمين لا يعمل فيه الإكراه، فلو كان هو مكرها على الخلع دونها لزمها البدل لرضاها بالالتزام.
стр. 914
قال: "وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة، إلا أن يكرهه السلطان، وقال أبو يوسف ومحمد لا يلزمه الحد" وقد ذكرناه في الحدود.
قال: "وإذا أكرهه على الردة لم تبن امرأته منه" لأن الردة تتعلق بالاعتقاد، ألا ترى أنه لو كان قلبه مطمئنا بالإيمان لا يكفر وفي اعتقاده الكفر شك فلا تثبت البينونة بالشك، فإن قالت المرأة قد بنت منك وقال هو قد أظهرت ذلك وقلبي مطمئن بالإيمان فالقول قوله استحسانا، لأن اللفظ غير موضوع للفرقة وهي بتبدل الاعتقاد ومع الإكراه لا يدل على التبدل فكان القول قوله، بخلاف الإكراه على الإسلام حيث يصير به مسلما، لأنه لما احتمل واحتمل رجحنا الإسلام في الحالين لأنه يعلو ولا يعلى، وهذا بيان الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقده فليس بمسلم، ولو أكره على الإسلام حتى حكم بإسلامه ثم رجع لم يقتل لتمكن الشبهة وهي دارئة للقتل. ولو قال الذي أكره على إجراء كلمة الكفر أخبرت عن أمر ماض ولم أكن فعلت بانت منه حكما لا ديانة. لأنه أقر أنه طائع بإتيان ما لم يكره عليه، وحكم هذا الطائع ما ذكرناه. ولو قال أردت ما طلب مني وقد خطر ببالي الخبر عما مضى بانت ديانة وقضاء، لأنه أقر أنه مبتدئ بالكفر هازل به حيث علم لنفسه مخلصا غيره. وعلى هذا إذا أكره على الصلاة للصليب وسب محمد النبي ﵊ ففعل وقال نويت به الصلاة لله تعالى ومحمدا آخر غير النبي ﵊ بانت منه قضاء لا ديانة، ولو صلى للصليب وسب محمدا النبي ﵊ وقد خطر بباله الصلاة لله تعالى وسب غير النبي ﵊ بانت منه ديانة وقضاء لما مر، وقد قررناه زيادة على هذا في كفاية المنتهى، والله أعلم.
стр. 915
كتاب الحجر
قال: "الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر، والرق، والجنون، فلا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه، ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده، ولا تصرف المجنون المغلوب بحال". أما الصغير فلنقصان عقله، غير أن إذن الولي آية أهليته، والرق لرعاية حق المولى كي لا يتعطل منافع عبده. ولا يملك رقبته بتعلق الدين به، غير أن المولى بالإذن رضي بفوات حقه، والجنون لا تجامعه الأهلية فلا يجوز تصرفه بحال، أما العبد فأهل في نفسه والصبي ترتقب أهليته فلهذا وقع الفرق.
قال: "ومن باع من هؤلاء شيئا وهو يعقل البيع ويقصده فالولي بالخيار، إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه" لأن التوقف في العبد لحق المولى فيتخير فيه، وفي الصبي والمجنون نظرا لهما فيتحرى مصلحتهما فيه، ولا بد أن يعقلا البيع ليوجد ركن العقد فينعقد موقوفا على الإجازة، والمجنون قد يعقل البيع ويقصده وإن كان لا يرجح المصلحة على المفسدة وهو المعتوه الذي يصلح وكيلا عن غيره كما بينا في الوكالة. فإن قيل: التوقف عندكم في البيع. أما الشراء فالأصل فيه النفاذ على المباشر. قلنا: نعم إذا وجد نفاذا عليه كما في شراء الفضولي، وهاهنا لم نجد نفاذا لعدم الأهلية أو لضرر المولى فوقفناه.
قال: "وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال" لأنه لا مرد لها لوجودها حسا ومشاهدة، بخلاف الأقوال، لأن اعتبارها موجودة بالشرع والقصد من شرطه "إلا إذا كان فعلا يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص" فيجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون.
قال: "والصبي والمجنون لا تصح عقودهما ولا إقرارهما" لما بينا "ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما" لقوله ﵊: "كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه" والإعتاق يتمحض مضرة، ولا وقوف للصبي على المصلحة في الطلاق بحال لعدم الشهوة، ولا وقوف للولي على عدم التوافق على اعتبار بلوغه حد الشهوة، فلهذا لا يتوقفان على إجازته ولا ينفذان بمباشرته، بخلاف سائر العقود.
قال: "وإن أتلفا شيئا لزمهما ضمانه" إحياء لحق المتلف عليه، وهذا لأن كون الإتلاف
стр. 916
موجبا لا يتوقف على القصد كالذي يتلف بانقلاب النائم عليه والحائط المائل بعد الإشهاد، بخلاف القول على ما بيناه.
قال: "فأما العبد فإقراره نافذ في حق نفسه" لقيام أهليته "غير نافذ في حق مولاه" رعاية لجانبه، لأن نفاذه لا يعرى عن تعلق الدين برقبته أو كسبه، وكل ذلك إتلاف ماله.
قال: "فإن أقر بمال لزمه بعد الحرية" لوجود الأهلية وزوال المانع ولم يلزمه في الحال لقيام المانع "وإن أقر بحد أو قصاص لزمه في الحال" لأنه مبقى على أصل الحرية في حق الدم حتى لا يصح إقرار المولى عليه بذلك "وينفذ طلاقه" لما روينا، ولقوله ﵊: "لا يملك العبد والمكاتب شيئا إلا الطلاق" ولأنه عارف بوجه المصلحة فيه فكان أهلا، وليس فيه إبطال ملك المولى ولا تفويت منافعه فينفذ، والله أعلم بالصواب.
стр. 917
باب الحجر للفساد
"قال أبو حنيفة ﵀: لا يحجر على الحر البالغ العاقل السفيه، وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا مفسدا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وهو قول الشافعي ﵀: يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله" لأنه مبذر ماله بصرفه لا على الوجه الذي يقتضيه العقل فيحجر عليه نظرا له اعتبارا بالصبي بل أولى، لأن الثابت في حق الصبي احتمال التبذير وفي حقه حقيقته ولهذا منع عنه المال، ثم هو لا يفيد بدون الحجر لأنه يتلف بلسانه ما منع من يده. ولأبي حنيفة ﵀ أنه مخاطب عاقل فلا يحجر عليه اعتبارا بالرشيد، وهذا لأن في سلب ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى، حتى لو كان في الحجر دفع ضرر عام كالحجر على المتطبب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري المفلس جاز فيما يروى عنه، إذ هو دفع ضرر الأعلى بالأدنى، ولا يصح القياس على منع المال لأن الحجر أبلغ منه في العقوبة، ولا على الصبي لأنه عاجز عن النظر لنفسه، وهذا قادر عليه نظر له الشرع مرة بإعطاء آلة القدرة والجري على خلافه لسوء اختياره، ومنع المال مفيد لأن غالب السفه في الهبات والصدقات وذلك يقف على اليد.
قال: "وإذا حجر القاضي عليه ثم رفع إلى قاض آخر فأبطل حجره وأطلق عنه جاز" لأن الحجر منه فتوى وليس بقضاء؛ ألا يرى أنه لم يوجد المقضي له والمقضي عليه، ولو كان قضاء فنفس القضاء مختلف فيه فلا بد من الإمضاء، حتى لو رفع تصرفه بعد الحجر إلى
стр. 918
القاضي الحاجر أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله لاتصال الإمضاء به فلا يقبل النقض بعد ذلك "ثم عند أبي حنيفة إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة يسلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد. وقالا: لا يدفع إليه ماله أبدا حتى يؤنس منه رشده، ولا يجوز تصرفه فيه" لأن علة المنع السفه فيبقى ما بقي العلة وصار كالصبا. ولأبي حنيفة ﵀ أن منع المال عنه بطريق التأديب، ولا يتأدب بعد هذا ظاهرا وغالبا؛ ألا يرى أنه قد يصير جدا في هذا السن فلا فائدة في المنع فلزم الدفع، ولأن المنع باعتبار أثر الصبا وهو في أوائل البلوغ ويتقطع بتطاول الزمان فلا يبقى المنع، ولهذا قال أبو حنيفة: لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لا يمنع المال عنه لأنه ليس بأثر الصبا، ثم لا يتأتى التفريع على قوله وإنما التفريع على قول من يرى الحجر. فعندهما لما صح الحجر لا ينفذ بيعه إذا باع توفيرا لفائدة الحجر عليه، وإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم لأن ركن التصرف قد وجد والتوقف للنظر له وقد نصب الحاكم ناظرا له فيتحرى المصلحة فيه، كما في الصبي الذي يعقل البيع والشراء ويقصده. ولو باع قبل حجر القاضي جاز عند أبي يوسف لأنه لا بد من حجر القاضي عنده، لأن الحجر دائر بين الضرر والنظر والحجر لنظره فلا بد من فعل القاضي. وعند محمد لا يجوز لأنه يبلغ محجورا عنده، إذ العلة هي السفه بمنزلة الصبا، وعلى هذا الخلاف إذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها "وإن أعتق عبدا نفذ عتقه عندهما". وعند الشافعي لا ينفذ. والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه إلخ وما لا فلا، لأن السفيه في معنى الهازل من حيث إن الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله، فكذلك السفيه والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه.
والأصل عنده: أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعده شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق، والإعتاق لا يصح من الرقيق فكذا من السفيه "و" إذا صح عندهما "كان على العبد أن يسعى في قيمته" لأن الحجر لمعنى النظر وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض. وعن محمد أنه لا تجب السعاية لأنها لو وجبت إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق "ولو دبر عبده جاز" لأنه يوجب حق العتق فيعتبر بحقيقته إلا أنه لا تجب السعاية ما دام المولى حيا لأنه باق على ملكه وإذا مات ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا لأنه عتق بموته وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير
стр. 919
"ولو جاءت جاريته بولد فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولد حرا والجارية أم ولد له" لأنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله فألحق بالمصلح في حقه "وإن لم يكن معها ولد وقال هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها، وإن مات سعت في جميع قيمتها" لأنه كالإقرار بالحرية إذ ليس له شهادة الولد، بخلاف الفصل الأول لأن الولد شاهد لها. ونظيره المريض إذا ادعى ولد جاريته فهو على هذا التفصيل.
قال: "وإن تزوج امرأة جاز نكاحها" لأنه لا يؤثر فيه الهزل، ولأنه من حوائجه الأصلية "وإن سمى لها مهرا جاز منه مقدار مهر مثلها" لأنه من ضرورات النكاح "وبطل الفضل" لأنه لا ضرورة فيه، وهذا التزام بالتسمية ولا نظر له فيه فلم تصح الزيادة وصار كالمريض مرض الموت "ولو طلقها قبل الدخول بها وجب لها النصف في ماله" لأن التسمية صحيحة إلى مقدار مهر المثل "وكذا إذا تزوج بأربع نسوة أو كل يوم واحدة" لما بينا.
قال: "وتخرج الزكاة من مال السفيه" لأنها واجبة عليه "وينفق على أولاده وزوجته ومن تجب نفقته من ذوي أرحامه" لأن إحياء ولده وزوجته من حوائجه، والإنفاق على ذي الرحم واجب عليه لقرابته، والسفه لا يبطل حقوق الناس، إلا أن القاضي يدفع الزكاة إليه ليصرفها إلى مصرفها، لأنه لا بد من نيته لكونها عبادة، لكن يبعث أمينا معه كي لا يصرفه في غير وجهه. وفي النفقة يدفع إلى أمينه ليصرفه لأنه ليس بعبادة فلا يحتاج إلى نيته، وهذا بخلاف ما إذا حلف أو نذر أو ظاهر حيث لا يلزمه المال بل يكفر يمينه وظهاره بالصوم لأنه مما يجب بفعله، فلو فتحنا هذا الباب يبذر أمواله بهذا الطريق، ولا كذلك ما يجب ابتداء بغير فعله.
قال: "فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها" لأنها واجبة عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعة "ولا يسلم القاضي النفقة إليه ويسلمها إلى ثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج" كي لا يتلفها في غير هذا الوجه "ولو أراد عمرة واحدة لم يمنع منها" استحسانا لاختلاف العلماء في وجوبها، بخلاف ما زاد على مرة واحدة من الحج "ولا يمنع من القران" لأنه لا يمنع من إفراد السفر لكل واحد منهما فلا يمنع من الجمع بينهما "ولا يمنع من أن يسوق بدنة" تحرزا عن موضع الخلاف، إذ عند عبد الله بن عمر ﵁ لا يجزئه غيرها وهي جزور أو بقرة.
قال: "فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك في ثلثه" لأن
стр. 920
نظره فيه إذ هي حالة انقطاعه عن أمواله والوصية تخلف ثناء أو ثوابا، وقد ذكرنا من التفريعات أكثر من هذا في كفاية المنتهى.
قال: "ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله عندنا والفسق الأصلي والطارئ سواء" وقال الشافعي: يحجر عليه زجرا له وعقوبة عليه كما في السفيه ولهذا لم يجعل أهلا للولاية والشهادة عنده. ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وقد أونس منه نوع رشد فتتناوله النكرة المطلقة، ولأن الفاسق من أهل الولاية عندنا لإسلامه فيكون واليا للتصرف، وقد قررناه فيما تقدم، ويحجر القاضي عندهما أيضا وهو قول الشافعي بسبب الغفلة وهو أن يغبن في التجارات ولا يصبر عنها لسلامة قلبه لما في الحجر من النظر له.
стр. 921
فصل: في حد البلوغ
قال: "بلوغ الغلام بالاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم له ثماني عشرة سنة، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبع عشرة سنة، وهذا عند أبي حنيفة وقالا: إذا تم الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا"، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي، وعنه في الغلام تسع عشرة سنة. وقيل المراد أن يطعن في التاسع عشرة سنة ويتم له ثماني عشرة سنة فلا اختلاف. وقيل فيه اختلاف الرواية لأنه ذكر في بعض النسخ حتى يستكمل تسع عشرة سنة.
أما العلامة فلأن البلوغ بالإنزال حقيقة والحبل والإحبال لا يكون إلا مع الإنزال، وكذا الحيض في أوان الحبل، فجعل كل ذلك علامة البلوغ، وأدنى المدة لذلك في حق الغلام اثنتا عشرة سنة، وفي حق الجارية تسع سنين.
وأما السن فلهم العادة الفاشية أن البلوغ لا يتأخر فيهما عن هذه المدة. وله قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وأشد الصبي ثماني عشرة سنة، هكذا قاله ابن عباس وتابعه القتبي، وهذا أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن به، غير أن الإناث نشوءهن وإدراكهن أسرع فنقصنا في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة.
قال: "وإذا راهق الغلام أو الجارية الحلم وأشكل أمره في البلوغ فقال قد بلغت، فالقول قوله وأحكامه أحكام البالغين" لأنه معنى لا يعرف إلا من جهتهما ظاهرا، فإذا أخبرا به
стр. 922
ولم يكذبهما الظاهر قبل قولهما فيه، كما يقبل قول المرأة في الحيض.
стр. 923
باب الحجر بسبب الدين
"قال أبو حنيفة: لا أحجر في الدين، وإذا وجبت ديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه" لأن في الحجر إهدار أهليته فلا يجوز لدفع ضرر خاص. "فإن كان له مال لم يتصرف فيه الحاكم" لأنه نوع حجر، ولأنه تجارة لا عن تراض فيكون باطلا بالنص "ولكن يحبسه أبدا حتى يبيعه في دينه" إيفاء لحق الغرماء ودفعا لظلمه "وقالا: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه، ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء" لأن الحجر على السفيه إنما جوزاه نظرا له، وفي هذا الحجر نظر للغرماء لأنه عساه يلجئ ماله فيفوت حقهم، ومعنى قولهما ومنعه من البيع أن يكون بأقل من ثمن المثل، أما البيع بثمن المثل لا يبطل حق الغرماء والمنع لحقهم فلا يمنع منه.
قال: "وباع ماله إن امتنع المفلس من بيعه وقسمه بين غرمائه بالحصص عندهما" لأن البيع مستحق عليه لإيفاء دينه حتى يحبس لأجله، فإذا امتنع ناب القاضي منابه كما في الجب والعنة.
قلنا: التلجئة موهومة، والمستحق قضاء الدين، والبيع ليس بطريق متعين لذلك، بخلاف الجب والعنة والحبس لقضاء الدين بما يختاره من الطريق، كيف ولو صح البيع كان الحبس إضرارا بهما بتأخير حق الدائن وتعذيب المديون فلا يكون مشروعا.
قال: "وإن كان دينه دراهم وله دراهم قضى القاضي بغير أمره" وهذا بالإجماع، لأن للدائن حق الأخذ من غير رضاه فللقاضي أن يعينه "وإن كان دينه دراهم وله دنانير أو على ضد ذلك باعها القاضي في دينه" وهذا عند أبي حنيفة استحسان. والقياس أن لا يبيعه كما في العروض، ولهذا لم يكن لصاحب الدين أن يأخذه جبرا. وجه الاستحسان أنهما متحدان في الثمنية والمالية مختلفان في الصورة، فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاية التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف يسلب عن الدائن ولاية الأخذ عملا بالشبهين، بخلاف العروض لأن الغرض يتعلق بصورها وأعيانها، أما النقوذ فوسائل فافترقا "ويباع في الدين النقود ثم العروض ثم العقار يبدأ بالأيسر فالأيسر" لما فيه من المسارعة إلى قضاء الدين مع مراعاة جانب المديون "ويترك عليه دست من ثياب بدنه ويباع الباقي" لأن به كفاية وقيل دستان وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني، لأنه إذا غسل ثيابه لا بد له من ملبس.
قال: "فإن أقر في حال الحجر بإقرار لزمه ذلك بعد قضاء الديون"، لأنه تعلق بهذا
стр. 924
المال حق الأولين فلا يتمكن من إبطال حقهم بالإقرار لغيرهم، بخلاف الاستهلاك لأنه مشاهد لا مرد له "ولو استفاد مالا آخر بعد الحجر نفذ إقراره فيه" لأن حقهم لم يتعلق به لعدمه وقت الحجر.
قال: "وينفق على المفلس من ماله وعلى زوجته وولده الصغار وذوي أرحامه ممن يجب نفقته عليه" لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء، ولأنه حق ثابت لغيره فلا يبطله الحجر، ولهذا لو تزوج امرأة كانت في مقدار مهر مثلها أسوة للغرماء.
قال: "فإن لم يعرف للمفلس مال وطلب غرماؤه حبسه وهو يقول لا مال لي حبسه الحاكم في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة" وقد ذكرنا هذا الفصل بوجوهه في كتاب أدب القاضي من هذا الكتاب فلا نعيدها، إلى أن قال: وكذلك إن أقام البينة أنه لا مال له: يعني خلى سبيله لوجوب النظرة إلى الميسرة، ولو مرض في الحبس يبقى فيه إن كان له خادم يقوم بمعالجته، وإن لم يكن أخرجه تحرزا عن هلاكه، والمحترف فيه لا يمكن من الاشتغال بعمله هو الصحيح ليضجر قلبه فينبعث على قضاء دينه، بخلاف ما إذا كانت له جارية وفيه موضع يمكنه فيه وطؤها لا يمنع عنه لأنه قضاء إحدى الشهوتين فيعتبر بقضاء الأخرى.
قال: "ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس يلازمونه ولا يمنعونه من التصرف والسفر" لقوله ﵊: "لصاحب الحق يد ولسان" أراد باليد الملازمة وباللسان التقاضي.
قال: "ويأخذون فضل كسبه يقسم بينهم بالحصص" لاستواء حقوقهم في القوة "وقالا: إذا فلسه الحاكم حال بين الغرماء وبينه إلا أن يقيموا البينة أن له مالا" لأن القضاء بالإفلاس عندهما يصح فتثبت العسرة ويستحق النظرة إلى الميسرة. وعند أبي حنيفة ﵀: لا يتحقق القضاء بالإفلاس، لأن مال الله تعالى غاد ورائح، ولأن وقوف الشهود على عدم المال لا يتحقق إلا ظاهرا فيصلح للدفع لا لإبطال حق الملازمة. وقوله إلا أن يقيموا البينة إشارة إلى أن بينة اليسار تترجح على بينة الإعسار لأنها أكثر إثباتا، إذ الأصل هو العسرة. وقوله في الملازمة لا يمنعونه من التصرف والسفر دليل على أنه يدور معه أينما دار ولا يجلسه في موضع لأنه حبس "ولو دخل داره لحاجته لا يتبعه بل يجلس على باب داره إلى أن يخرج" لأن الإنسان لا بد أن يكون له موضع خلوة، ولو اختار المطلوب الحبس والطالب الملازمة فالخيار إلى الطالب لأنه أبلغ في حصول المقصود لاختياره الأضيق عليه إلا إذا
стр. 925
علم القاضي أن يدخل عليه بالملازمة ضرر بين بأن لا يمكنه من دخوله داره فحينئذ يحبسه دفعا للضرر عنه "ولو كان الدين للرجل على المرأة لا يلازمها" لما فيها من الخلوة بالأجنبية ولكن يبعث امرأة أمينة تلازمها.
قال: "ومن أفلس وعنده متاع لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة للغرماء فيه" وقال الشافعي ﵀: يحجر القاضي على المشتري بطلبه. ثم للبائع خيار الفسخ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن فيوجب ذلك حق الفسخ كعجز البائع عن تسليم المبيع وهذا لأنه عقد معاوضة، ومن قضيته المساواة وصار كالسلم. ولنا أن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين وهو غير مستحق بالعقد فلا يثبت حق الفسخ باعتباره وإنما المستحق وصف في الذمة: أعني الدين، وبقبض العين تتحقق بينهما مبادلة، هذا هو الحقيقة فيجب اعتبارها، إلا في موضع التعذر كالسلم لأن الاستبدال ممتنع فأعطى للعين حكم الدين، والله أعلم بالصواب.
تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع
وأوله
كتاب المأذون
стр. 926
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
"حديث شريف"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب المأذون
الإذن: الإعلام لغة، وفي الشرع: فك الحجر وإسقاط الحق عندنا، والعبد بعد ذلك يتصرف لنفسه بأهليته؛ لأنه بعد الرق بقي أهلا للتصرف بلسانه الناطق وعقله المميز وانحجاره عن التصرف لحق المولى؛ لأنه ما عهد تصرفه إلا موجبا تعلق الدين برقبته وبكسبه، وذلك مال المولى فلا بد من إذنه كي لا يبطل حقه من غير رضاه، ولهذا لا يرجع بما لحقه من العهدة على المولى، ولهذا لا يقبل التأقيت، حتى لو أذن لعبده يوما أو شهرا كان مأذونا أبدا حتى يحجر عليه؛ لأن الإسقاطات لا تتوقت ثم الإذن كما يثبت بالصريح يثبت بالدلالة، كما إذا رأى عبده يبيع ويشتري فسكت يصير مأذونا عندنا خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله. ولا فرق بين أن يبيع عينا مملوكا أو لأجنبي بإذنه أو بغير إذنه بيعا صحيحا أو فاسدا؛ لأن كل من رآه يظنه مأذونا له فيها فيعاقده فيتضرر به لو لم يكن مأذونا له، ولو لم يكن المولى راضيا به لمنعه دفعا للضرر عنهم.
قال: "وإذا أذن المولى لعبده في التجارة إذنا عاما جاز تصرفه في سائر التجارات" ومعنى هذه المسألة أن يقول له أذنت لك في التجارة ولا يقيده. ووجهه أن التجارة اسم عام يتناول الجنس فيبيع ويشتري ما بدا له من أنواع الأعيان؛ لأنه أصل التجارة. "ولو باع أو اشترى بالغبن اليسير فهو جائز" لتعذر الاحتراز عنه "وكذا بالفاحش عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما" هما يقولان إن البيع بالفاحش منه بمنزلة التبرع، حتى اعتبر من المريض من ثلث ماله فلا ينتظمه الإذن كالهبة. وله أنه تجارة والعبد متصرف بأهلية نفسه فصار كالحر، وعلى هذا الخلاف الصبي المأذون. "ولو حابى في مرض موته يعتبر من جميع ماله إذا لم يكن عليه دين وإن كان فمن جميع ما بقي"؛ لأن الاقتصار في الحر على الثلث لحق الورثة ولا وارث للعبد، وإن كان الدين محيطا بما في يده يقال للمشتري أدّ جميع المحاباة
стр. 927
وإلا فاردد البيع كما في الحر. "وله أن يسلم ويقبل السلم"؛ لأنه تجارة. "وله أن يوكل بالبيع والشراء"؛ لأنه قد لا يتفرغ بنفسه.
قال: "ويرهن ويرتهن"؛ لأنهما من توابع التجارة فإنه إيفاء واستيفاء. "ويملك أن يتقبل الأرض ويستأجر الأجراء والبيوت"؛ لأن كل ذلك من صنيع التجار "ويأخذ الأرض مزارعة"؛ لأن فيه تحصيل الربح "ويشتري طعاما فيزرعه في أرضه"؛ لأنه يقصد به الربح قال ﵊: "الزارع يتاجر ربه".
"وله أن يشارك شركة عنان ويدفع المال مضاربة ويأخذها"؛ لأنه من عادة التجار "وله أن يؤاجر نفسه عندنا" خلافا للشافعي وهو يقول: لا يملك العقد على نفسه فكذا على منافعها؛ لأنها تابعة لها. ولنا أن نفسه رأس ماله فيملك التصرف فيه، إلا إذا كان يتضمن إبطال الإذن كالبيع؛ لأنه ينحجر به، والرهن؛ لأنه يحبس به فلا يحصل مقصود المولى. أما الإجارة فلا ينحجر به ويحصل به المقصود وهو الربح فيملكه.
قال: "فإن أذن له في نوع منها دون غيره فهو مأذون في جميعها" وقال زفر والشافعي: لا يكون مأذونا إلا في ذلك النوع، وعلى هذا الخلاف إذا نهاه عن التصرف في نوع آخر. لهما أن الإذن توكيل وإنابة من المولى؛ لأنه يستفيد الولاية من جهته ويثبت الحكم وهو الملك له دون العبد، ولهذا يملك حجره فيتخصص بما خصه به كالمضارب. ولنا أنه إسقاط الحق وفك الحجر على ما بيناه، وعند ذلك تظهر مالكية العبد فلا يتخصص بنوع دون نوع، بخلاف الوكيل؛ لأنه يتصرف في مال غيره فيثبت له الولاية من جهته، وحكم التصرف وهو الملك واقع للعبد حتى كان له أن يصرفه إلى قضاء الدين والنفقة، وما استغنى عنه يخلفه المالك فيه.
قال: "وإن أذن له في شيء بعينه فليس بمأذون"؛ لأنه استخدام، ومعناه أن يأمره بشراء ثوب معين للكسوة أو طعام رزقا لأهله، وهذا؛ لأنه لو صار مأذونا ينسد عليه باب الاستخدام، بخلاف ما إذا قال: أد إلي الغلة كل شهر كذا، أو قال أد إلي ألفا وأنت حر؛ لأنه طلب منه المال ولا يحصل إلا بالكسب، أو قال له اقعد صباغا أو قصارا؛ لأنه أذن بشراء ما لا بد له منه وهو نوع فيصير مأذونا في الأنواع.
قال: "وإقرار المأذون بالديون والغصوب جائز وكذا بالودائع"؛ لأن الإقرار من توابع التجارة، إذ لو لم يصح لاجتنب الناس مبايعته ومعاملته، ولا فرق بين ما إذا كان عليه دين أو لم يكن إذا كان الإقرار في صحته، فإن كان في مرضه يقدم دين الصحة كما في الحر،
стр. 928
بخلاف الإقرار بما يجب من المال لا بسبب التجارة؛ لأنه كالمحجور في حقه.
قال: "وليس له أن يتزوج"؛ لأنه ليس بتجارة.
قال: "ولا يزوج مماليكه" وقال أبو يوسف: يزوج الأمة؛ لأنه تحصيل المال بمنافعها فأشبه إجارتها. ولهما أن الإذن يتضمن التجارة وهذا ليس بتجارة، ولهذا لا يملك تزويج العبد، وعلى هذا الخلاف الصبي المأذون والمضارب والشريك شركة عنان والأب والوصي.
قال: "ولا يكاتب"؛ لأنه ليس بتجارة، إذ هي مبادلة المال بالمال، والبدل فيه مقابل بفك الحجر فلم يكن تجارة "إلا أن يجيزه المولى ولا دين عليه"؛ لأن المولى قد ملكه ويصير العبد نائبا عنه وترجع الحقوق إلى المولى؛ لأن الوكيل في الكتابة سفير.
قال: "ولا يعتق على مال"؛ لأنه لا يملك الكتابة فالإعتاق أولى "ولا يقرض"؛ لأنه تبرع محض كالهبة. "ولا يهب بعوض ولا بغير عوض، وكذا لا يتصدق"؛ لأن كل ذلك تبرع بصريحه ابتداء وانتهاء أو ابتداء فلا يدخل تحت الإذن بالتجارة.
قال: "إلا أن يهدي اليسير من الطعام أو يضيف من يطعمه"؛ لأنه من ضرورات التجارة استجلابا لقلوب المجاهزين، بخلاف المحجور عليه؛ لأنه لا إذن له أصلا فكيف يثبت ما هو من ضروراته. وعن أبي يوسف أن المحجور عليه إذا أعطاه المولى قوت يومه فدعا بعض رفقائه على ذلك الطعام فلا بأس به، بخلاف ما إذا أعطاه قوت شهر؛ لأنهم لو أكلوه قبل الشهر يتضرر به المولى. قالوا: ولا بأس للمرأة أن تتصدق من منزل زوجها بالشيء اليسير كالرغيف ونحوه؛ لأن ذلك غير ممنوع عنه في العادة.
قال: "وله أن يحط من الثمن بالعيب مثل ما يحط التجار"؛ لأنه من صنيعهم، وربما يكون الحط أنظر له من قبول المعيب ابتداء، بخلاف ما إذا حط من غير عيب؛ لأنه تبرع محض بعد تمام العقد فليس من صنيع التجار، ولا كذلك المحاباة في الابتداء؛ لأنه قد يحتاج إليها على ما بيناه "وله أن يؤجل في دين وجب له"؛ لأنه من عادة التجار.
قال: "وديونه متعلقة برقبته يباع للغرماء إلا أن يفديه المولى" وقال زفر والشافعي: لا يباع ويباع كسبه في دينه بالإجماع. لهما أن غرض المولى من الإذن تحصيل مال لم يكن لا تفويت مال قد كان له، وذلك في تعليق الدين بكسبه، حتى إذا فضل شيء منه عن الدين يحصل له لا بالرقبة، بخلاف دين الاستهلاك؛ لأنه نوع جناية، واستهلاك الرقبة بالجناية لا يتعلق بالإذن. ولنا أن الواجب في ذمة العبد ظهر وجوبه في حق المولى،
стр. 929
فيتعلق برقبته استيفاء كدين الاستهلاك، والجامع دفع الضرر عن الناس، وهذا؛ لأن سببه التجارة وهي داخلة تحت الإذن، وتعلق الدين برقبته استيفاء حامل على المعاملة، فمن هذا الوجه صلح غرضا للمولى، وينعدم الضرر في حقه بدخول المبيع في ملكه، وتعلقه بالكسب لا ينافي تعلقه بالرقبة فيتعلق بهما، غير أنه يبدأ بالكسب في الاستيفاء لحق الغرماء وإبقاء لمقصود المولى، وعند انعدامه يستوفى من الرقبة. وقوله في الكتاب ديونه المراد منه دين وجب بالتجارة أو بما هو في معناها كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار وضمان الغصوب والودائع والأمانات إذا جحدها، وما يجب من العقر بوطء المشتراة بعد الاستحقاق لاستناده إلى الشراء فيلحق به.
قال: "ويقسم ثمنه بينهم بالحصص" لتعلق حقهم بالرقبة فصار كتعلقها بالتركة "فإن فضل شيء من ديونه طولب به بعد الحرية" لتقرر الدين في ذمته وعدم وفاء الرقبة به "ولا يباع ثانيا" كي لا يمتنع البيع أو دفعا للضرر عن المشتري "ويتعلق دينه بكسبه سواء حصل قبل لحوق الدين أو بعده ويتعلق بما يقبل من الهبة"؛ لأن المولى إنما يخلفه في الملك بعد فراغه عن حاجة العبد ولم يفرغ "ولا يتعلق بما انتزعه المولى من يده قبل الدين" لوجود شرط الخلوص له "وله أن يأخذ غلة مثله بعد الدين"؛ لأنه لو لم يكن منه يحجر عليه فلا يحصل الكسب، والزيادة على غلة المثل يردها على الغرماء لعدم الضرورة فيها وتقدم حقهم.
قال: "فإن حجر عليه لم ينحجر حتى يظهر حجره بين أهل سوقه"؛ لأنه لو انحجر لتضرر الناس به لتأخر حقهم إلى ما بعد العتق لما لم يتعلق برقبته وكسبه وقد بايعوه على رجاء ذلك، ويشترط علم أكثر أهل سوقه، حتى لو حجر عليه في السوق وليس فيه إلا رجل أو رجلان لم ينحجر، ولو بايعوه جاز، وإن بايعه الذي علم بحجره ولو حجر عليه في بيته بمحضر من أكثر أهل سوقه ينحجر، والمعتبر شيوع الحجر واشتهاره فيقام ذلك مقام الظهور عند الكل كما في تبليغ الرسالة من الرسل ﵈، ويبقى العبد مأذونا إلى أن يعلم بالحجر كالوكيل إلى أن يعلم بالعزل، وهذا؛ لأنه يتضرر به حيث يلزمه قضاء الدين من خالص ماله بعد العتق وما رضي به، وإنما يشترط الشيوع في الحجر إذا كان الإذن شائعا. أما إذا لم يعلم به إلا العبد ثم حجر عليه بعلم منه ينحجر؛ لأنه لا ضرر فيه.
قال: "ولو مات المولى أو جن أو لحق بدار الحرب مرتدا صار المأذون محجورا عليه"؛ لأن الإذن غير لازم، وما لا يكون لازما من التصرف يعطى لدوامه حكم الابتداء، هذا هو الأصل فلا بد من قيام أهلية الإذن في حالة البقاء وهي تنعدم بالموت والجنون، وكذا
стр. 930
باللحوق لأنه موت حكما حتى يقسم ماله بين ورثته.
قال: "وإذا أبق العبد صار محجورا عليه" وقال الشافعي: يبقى مأذونا؛ لأن الإباق لا ينافي ابتداء الإذن، فكذا لا ينافي البقاء وصار كالغصب. ولنا أن الإباق حجر دلالة؛ لأنه إنما يرضى بكونه مأذونا على وجه يتمكن من تقضية دينه بكسبه، بخلاف ابتداء الإذن؛ لأن الدلالة لا معتبر بها عند وجود التصريح بخلافها، وبخلاف الغصب؛ لأن الانتزاع من يد الغاصب متيسر.
قال: "وإذا ولدت المأذون لها من مولاها" فذلك حجر عليها خلافا لزفر، وهو يعتبر حالة البقاء بالابتداء. ولنا أن الظاهر أنه يحصنها بعد الولادة فيكون دلالة الحجر عادة، بخلاف الابتداء؛ لأن الصريح قاض على الدلالة. "ويضمن المولى قيمتها إن ركبتها ديون" لإتلافه محلا تعلق به حق الغرماء، إذ به يمتنع البيع وبه يقضى حقهم.
قال: "وإذا استدانت الأمة المأذون لها أكثر من قيمتها فدبرها المولى فهي مأذون لها على حالها" لانعدام دلالة الحجر، إذ العادة ما جرت بتحصين المدبرة، ولا منافاة بين حكميها أيضا، والمولى ضامن لقيمتها لما قررناه في أم الولد.
قال: "وإذا حجر على المأذون له فإقراره جائز فيما في يده من المال عند أبي حنيفة" ومعناه أن يقر بما في يده أنه أمانة لغيره أو غصب منه أو يقر بدين عليه فيقضى مما في يده. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يجوز إقراره. لهما أن المصحح لإقراره إن كان الإذن فقد زال بالحجر، وإن كان اليد فالحجر أبطلها؛ لأن يد المحجور غير معتبرة وصار كما إذا أخذ المولى كسبه من يده قبل إقراره أو ثبت حجره بالبيع من غيره، ولهذا لا يصح إقراره في حق الرقبة بعد الحجر، وله أن المصحح هو اليد، ولهذا لا يصح إقرار المأذون فيما أخذه المولى من يده واليد باقية حقيقة.
وشرط بطلانها بالحجر حكما فراغها عن حاجته، وإقراره دليل تحققها، بخلاف ما إذا انتزعه المولى من يده قبل الإقرار؛ لأن يد المولى ثابتة حقيقة وحكما فلا تبطل بإقراره، وكذا ملكه ثابت في رقبته فلا يبطل بإقراره من غير رضاه، وهذا بخلاف ما إذا باعه؛ لأن العبد قد تبدل بتبدل الملك على ما عرف فلا يبقى ما ثبت بحكم الملك، ولهذا لم يكن خصما فيما باشره قبل البيع.
قال: "وإذا لزمته ديون تحيط بماله ورقبته لم يملك المولى ما في يده. ولو أعتق من كسبه عبدا لم يعتق عند أبي حنيفة. وقالا: يملك ما في يده ويعتق وعليه قيمته" لأنه
стр. 931
وجد سبب الملك في كسبه وهو ملك رقبته ولهذا يملك إعتاقها، ووطء الجارية المأذون لها، وهذا آية كماله، بخلاف الوارث؛ لأنه يثبت الملك له نظرا للمورث والنظر في ضده عند إحاطة الدين بتركته.
أما ملك المولى فما ثبت نظرا للعبد. وله أن ملك المولى إنما يثبت خلافه عن العبد عند فراغه عن حاجته كملك الوارث على ما قررناه والمحيط به الدين مشغول بها فلا يخلفه فيه، وإذا عرف ثبوت الملك وعدمه فالعتق فريعته، وإذا نفذ عندهما يضمن قيمته للغرماء لتعلق حقهم به.
قال: "وإن لم يكن الدين محيطا بماله جاز عتقه في قولهم جميعا" أما عندهما فظاهر، وكذا عنده؛ لأنه لا يعرى عن قليله، فلو جعل مانعا لانسد باب الانتفاع بكسبه فيختل ما هو المقصود من الإذن ولهذا لا يمنع ملك الوارث والمستغرق يمنعه.
قال: "وإذا باع من المولى شيئا بمثل قيمته جاز"؛ لأنه كالأجنبي عن كسبه إذا كان عليه دين يحيط بكسبه "وإن باعه بنقصان لم يجز مطلقا"؛ لأنه متهم في حقه، بخلاف ما إذا حابى الأجنبي عند أبي حنيفة؛ لأنه لا تهمة فيه، وبخلاف ما إذا باع المريض من الوارث بمثل قيمته حيث لا يجوز عنده لأن حق بقية الورثة تعلق بعينه حتى كان لأحدهم الاستخلاص بأداء قيمته. أما حق الغرماء تعلق بالمالية لا غير فافترقا. وقال أبو يوسف ومحمد: إن باعه بنقصان يجوز البيع، ويخير المولى إن شاء أزال المحاباة، وإن شاء نقض البيع، وعلى المذهبين اليسير من المحاباة والفاحش سواء.
ووجه ذلك: أن الامتناع لدفع الضرر عن الغرماء وبهذا يندفع الضرر عنهم، وهذا بخلاف البيع من الأجنبي بالمحاباة اليسيرة حيث يجوز ولا يؤمر بإزالة المحاباة، والمولى يؤمر به؛ لأن البيع باليسير منهما متردد بين التبرع والبيع لدخوله تحت تقويم المقومين فاعتبرناه تبرعا في البيع مع المولى للتهمة غير تبرع في حق الأجنبي لانعدامها، وبخلاف ما إذا باع من الأجنبي بالكثير من المحاباة حيث لا يجوز أصلا عندهما، ومن المولى يجوز ويؤمر بإزالة المحاباة؛ لأن المحاباة لا تجوز من العبد المأذون على أصلهما إلا بإذن المولى، ولا إذن في البيع مع الأجنبي وهو إذن بمباشرته بنفسه، غير أن إزالة المحاباة لحق الغرماء، وهذان الفرقان على أصلهما.
قال: "وإن باعه المولى شيئا بمثل القيمة أو أقل جاز البيع"؛ لأن المولى أجنبي عن كسبه إذا كان عليه دين على ما بيناه ولا تهمة في هذا البيع؛ ولأنه مفيد فإنه يدخل في
стр. 932
كسب العبد ما لم يكن فيه ويتمكن المولى من أخذ الثمن بعد أن لم يكن له هذا التمكن وصحة التصرف تتبع الفائدة "فإن سلم المبيع إليه قبل قبض الثمن بطل الثمن"؛ لأن حق المولى في العين من حيث الحبس، فلو بقي بعد سقوطه يبقى في الدين ولا يستوجبه المولى على عبده، بخلاف ما إذا كان الثمن عرضا؛ لأنه يتعين وجاز أن يبقى حقه متعلقا بالعين.
قال: "وإن أمسكه في يده حتى يستوفي الثمن جاز"؛ لأن البائع له حق الحبس في المبيع ولهذا كان أخص به من الغرماء، وجاز أن يكون للمولى حق في الدين إذا كان يتعلق بالعين "ولو باعه بأكثر من قيمته يؤمر بإزالة المحاباة أو بنقض البيع" كما بينا في جانب العبد؛ لأن الزيادة تعلق بها حق الغرماء.
قال: "وإذا أعتق المولى المأذون وعليه ديون فعتقه جائز"؛ لأن ملكه فيه باق والمولى ضامن لقيمته للغرماء؛ لأنه أتلف ما تعلق به حقهم بيعا واستيفاء من ثمنه "وما بقي من الديون يطالب به بعد العتق"؛ لأن الدين في ذمته وما لزم المولى إلا بقدر ما أتلف ضمانا فبقي الباقي عليه كما كان "فإن كان أقل من قيمته ضمن الدين لا غير"؛ لأن حقهم بقدره بخلاف ما إذا أعتق المدبر وأم الولد المأذون لهما وقد ركبتهما ديون لأن حق الغرماء لم يتعلق برقبتهما استيفاء بالبيع فلم يكن المولى متلفا حقهم فلم يتضمن شيئا.
قال: "وإن باعه المولى وعليه دين يحيط برقبته وقبضه المشتري وغيبه، فإن شاء الغرماء ضمنوا البائع قيمته، وإن شاءوا ضمنوا المشتري"؛ لأن العبد تعلق به حقهم حتى كان لهم أن يبيعوه، إلا أن يقضي المولى دينهم والبائع متلف حقهم بالبيع والتسليم والمشتري بالقبض والتغييب فيخيرون في التضمين "وإن شاءوا أجازوا البيع وأخذوا الثمن"؛ لأن الحق لهم والإجازة اللاحقة كالإذن السابق كما في المرهون "فإن ضمنوا البائع قيمته ثم رد على المولى بعيب للمولى أن يرجع بالقيمة ويكون حق الغرماء في العبد"؛ لأن سبب الضمان قد زال وهو البيع والتسليم، وصار كالغاصب إذا باع وسلم وضمن القيمة ثم رد عليه بالعيب كان له أن يرد على المالك ويسترد القيمة كذا هذا.
قال: "ولو كان المولى باعه من رجل وأعلمه بالدين فللغرماء أن يردوا البيع" لتعلق حقهم وهو حق الاستسعاء والاستيفاء من رقبته، وفي كل واحد منهما فائدة، فالأول تام مؤخر والثاني ناقص معجل، وبالبيع تفوت هذه الخيرة فلهذا كان لهم أن يردوه. قالوا: تأويله إذا لم يصل إليهم الثمن، فإن وصل ولا محاباة في البيع ليس لهم أن يردوه لوصول حقهم إليهم.
стр. 933
قال: "فإن كان البائع غائبا فلا خصومة بينهم وبين المشتري" معناه إذا أنكر الدين وهذا "عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: المشتري خصمهم ويقضي لهم بدينهم" وعلى هذا الخلاف إذا اشترى دارا ووهبها وسلمها وغاب ثم حضر الشفيع فالموهوب له ليس بخصم عندهما خلافا له. وعنهما مثل قوله في مسألة الشفعة. لأبي يوسف أنه يدعي الملك لنفسه فيكون خصما لكل من ينازعه. ولهما أن الدعوى تتضمن فسخ العقد وقد قام بهما فيكون الفسخ قضاء على الغائب.
قال: "ومن قدم مصرا وقال أنا عبد لفلان فاشترى وباع لزمه كل شيء من التجارة"؛ لأنه إن أخبر بالإذن فالإخبار دليل عليه، وإن لم يخبر فتصرفه دليل عليه، إذ الظاهر أن المحجور يجري على موجب حجره والعمل بالظاهر هو الأصل في المعاملات كي لا يضيق الأمر على الناس، "إلا أنه لا يباع حتى يحضر مولاه"؛ لأنه لا يقبل قوله في الرقبة؛ لأنها خالص حق المولى، بخلاف الكسب؛ لأنه حق العبد على ما بينا "فإن حضر فقال هو مأذون بيع في الدين"؛ لأنه ظهر الدين في حق المولى "وإن قال هو محجور فالقول قوله"؛ لأنه متمسك بالأصل.
стр. 934
فصل: "وإذا أذن ولي الصبي للصبي في التجارة فهو في البيع والشراء كالعبد المأذون إذا كان يعقل البيع والشراء حتى ينفذ تصرفه"
وقال الشافعي: لا ينفذ؛ لأن حجره لصباه فيبقى ببقائه، ولأنه مولى عليه حتى يملك الولي التصرف عليه ويملك حجره فلا يكون واليا للمنافاة وصار كالطلاق والعتاق، بخلاف الصوم والصلاة؛ لأنه لا يقام بالولي، وكذا الوصية على أصله فتحققت الضرورة إلى تنفيذه منه.
أما بالبيع والشراء فيتولاه الولي فلا ضرورة هاهنا. ولنا أن التصرف المشروع صدر من أهله في محله عن ولاية شرعية فوجب تنفيذه على ما عرف تقريره في الخلافيات. والصبا سبب الحجر لعدم الهداية لا لذاته، وقد ثبتت نظرا إلى إذن الولي، وبقاء ولايته لنظر الصبي لاستيفاء المصلحة بطريقين واحتمال تبدل الحال، بخلاف الطلاق والعتاق؛ لأنه ضار محض فلم يؤهل له. والنافع المحض كقبول الهبة والصدقة يؤهل له قبل الإذن، والبيع والشراء دائر بين النفع والضرر فيجعل أهلا له بعد الإذن لا قبله، لكن قبل الإذن يكون موقوفا منه على إجازة الولي لاحتمال وقوعه نظرا، وصحة التصرف في نفسه، وذكر الولي في الكتاب ينتظم الأب والجد عند عدمه والوصي والقاضي والوالي، بخلاف صاحب
стр. 935
الشرط؛ لأنه ليس إليه تقليد القضاة، والشرط أن يعقل كون البيع سالبا للملك جالبا للربح، والتشبيه بالعبد المأذون له يفيد أن ما يثبت في العبد من الأحكام يثبت في حقه؛ لأن الإذن فك الحجر والمأذون يتصرف بأهلية نفسه عبدا كان أو صبيا، فلا يتقيد تصرفه بنوع دون نوع. ويصير مأذونا بالسكوت كما في العبد. ويصح إقراره بما في يده من كسبه وكذا بموروثه في ظاهر الرواية، كما يصح إقرار العبد
ولا يملك تزويج عبده ولا كتابته كما في العبد والمعتوه الذي يعقل البيع والشراء بمنزلة الصبي يصير مأذونا بإذن الأب والجد والوصي دون غيرهم على ما بيناه، وحكمه حكم الصبي، والله أعلم.
стр. 936
كتاب الغصب
الغصب في اللغة: أخذ الشيء من الغير على سبيل التغلب للاستعمال فيه. وفي الشريعة: أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده. حتى كان استخدام العبد وحمل الدابة غصبا دون الجلوس على البساط، ثم إن كان مع العلم فحكمه المأثم والمغرم، وإن كان بدونه فالضمان؛ لأنه حق العبد فلا يتوقف على قصده ولا إثم؛ لأن الخطأ موضوع.
قال: "ومن غصب شيئا له مثل كالمكيل والموزون فهلك في يده فعليه مثله" وفي بعض النسخ: فعليه ضمان مثله، ولا تفاوت بينهما، وهذا لأن الواجب هو المثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولأن المثل أعدل لما فيه من مراعاة الجنس والمالية فكان أدفع للضرر.
قال: "فإن لم يقدر على مثله فعليه قيمته يوم يختصمون" وهذا "عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يوم الغصب. وقال محمد: يوم الانقطاع" لأبي يوسف أنه لما انقطع التحق بما لا مثل له فتعتبر قيمته يوم انعقاد السبب إذ هو الموجب. ولمحمد أن الواجب المثل في الذمة. وإنما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع فتعتبر قيمته يوم الانقطاع. ولأبي حنيفة أن النقل لا يثبت بمجرد الانقطاع، ولهذا لو صبر إلى أن يوجد جنسه له ذلك، وإنما ينتقل بقضاء القاضي فتعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء بخلاف ما لا مثل له؛ لأنه مطالب بالقيمة بأصل السبب كما وجد فتعتبر قيمته عند ذلك.
قال: "وما لا مثل له فعليه قيمته يوم غصبه" معناه العدديات المتفاوتة، لأنه لما تعذر مراعاة الحق في الجنس فيراعى في المالية وحدها دفعا للضرر بقدر الإمكان. أما العددي المتقارب فهو كالمكيل حتى يجب مثله لقلة التفاوت. وفي البر المخلوط بالشعير القيمة؛ لأنه لا مثل له.
قال: "وعلى الغاصب رد العين المغصوبة" معناه ما دام قائما لقوله ﵊: "على اليد ما أخذت حتى ترد" وقال ﵊: "لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبا ولا جادا، فإن أخذه فليرده عليه" ولأن اليد حق مقصود وقد فوتها عليه
стр. 937
فيجب إعادتها بالرد إليه، وهو الموجب الأصلي على ما قالوا، ورد القيمة مخلص خلفا؛ لأنه قاصر، إذ الكمال في رد العين والمالية. وقيل الموجب الأصلي القيمة ورد العين مخلص، ويظهر ذلك في بعض الأحكام.
قال: "والواجب الرد في المكان الذي غصبه" لتفاوت القيم بتفاوت الأماكن "فإن ادعى هلاكها حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها ثم قضى عليه ببدلها"؛ لأن الواجب رد العين والهلاك بعارض، فهو يدعي أمرا عارضا خلاف الظاهر فلا يقبل قوله كما إذا ادعى الإفلاس وعليه ثمن متاع فيحبس إلى أن يعلم ما يدعيه، فإذا علم الهلاك سقط عنه رده فيلزمه رد بدله وهو القيمة.
قال: "والغصب فيما ينقل ويحول"؛ لأن الغصب بحقيقته يتحقق فيه دون غيره؛ لأن إزالة اليد بالنقل.
"وإذا غصب عقارا فهلك في يده لم يضمنه" وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يضمنه، وهو قول أبي يوسف الأول، وبه قال الشافعي لتحقق إثبات اليد، ومن ضرورته زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة فيتحقق الوصفان وهو الغصب على ما بيناه فصار كالمنقول وجحود الوديعة. ولهما أن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعل في العين، وهذا لا يتصور في العقار؛ لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه عنها، وهو فعل فيه لا في العقار فصار كما إذا بعد المالك عن المواشي. وفي المنقول: النقل فعل فيه وهو الغصب. ومسألة الجحود ممنوعة، ولو سلم فالضمان هناك بترك الحفظ الملتزم وبالجحود تارك لذلك.
قال: "وما نقصه منه بفعله أو سكناه ضمنه في قولهم جميعا"؛ لأنه إتلاف والعقار يضمن به كما إذا نقل ترابه؛ لأنه فعل في العين ويدخل فيما قاله إذا انهدمت الدار بسكناه وعمله، فلو غصب دارا وباعها وسلمها وأقر بذلك والمشتري ينكر غصب البائع ولا بينة لصاحب الدار فهو على الاختلاف في الغصب هو الصحيح.
قال: "وإذا انتقص بالزراعة يغرم النقصان"؛ لأنه أتلف البعض فيأخذ رأس ماله ويتصدق بالفضل.
قال: "وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يتصدق بالفضل" وسنذكر الوجه من الجانبين.
قال: "وإذا هلك النقلي في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله ضمنه" وفي أكثر نسخ
стр. 938
المختصر: وإذا هلك الغصب والمنقول هو المراد لما سبق أن الغصب فيما ينقل، وهذا؛ لأن العين دخل في ضمانه بالغصب السابق إذ هو السبب. وعند العجز عن رده يجب القيمة أو يتقرر بذلك السبب ولهذا تعتبر قيمته يوم الغصب. "وإن نقص في يده ضمن النقصان"؛ لأنه يدخل جميع أجزائه في ضمانه بالغصب، فما تعذر رد عينه يجب رد قيمته، بخلاف تراجع السعر إذا رد في مكان الغصب؛ لأنه عبارة عن فتور الرغبات دون فوت الجزء، وبخلاف المبيع؛ لأنه ضمان عقد. أما الغصب فقبض والأوصاف تضمن بالفعل لا بالعقد على ما عرف. قال ﵁: ومراده غير الربوي، أما في الربويات لا يمكنه تضمين النقصان مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا.
قال: "ومن غصب عبدا فاستغله فنقصته الغلة فعليه النقصان"؛ لما بينا "ويتصدق بالغلة" قال ﵁: وهذا عندهما أيضا. وعنده لا يتصدق بالغلة، وعلى هذا الخلاف إذا أجر المستعير المستعار. لأبي يوسف أنه حصل في ضمانه وملكه. أما الضمان فظاهر، وكذا الملك؛ لأن المضمونات تملك بأداء الضمان مستندا عندنا. ولهما أنه حصل بسبب خبيث وهو التصرف في ملك الغير، وما هذا حاله فسبيله التصدق، إذ الفرع يحصل على وصف الأصل والملك المستند ناقص فلا ينعدم به الخبث.
"فلو هلك العبد في يد الغاصب حتى ضمنه له أن يستعين بالغلة في أداء الضمان"؛ لأن الخبث لأجل المالك، ولهذا لو أدى إليه يباح له التناول فيزول الخبث بالأداء إليه، بخلاف ما إذا باعه فهلك في يد المشتري ثم استحق وغرمه ليس له أن يستعين بالغلة في أداء الثمن إليه؛ لأن الخبث ما كان لحق المشتري إلا إذا كان لا يجد غيره؛ لأنه محتاج إليه، وله أن يصرفه إلى حاجة نفسه، فلو أصاب مالا تصدق بمثله إن كان غنيا وقت الاستعمال، وإن كان فقيرا فلا شيء عليه لما ذكرنا.
قال: "ومن غصب ألفا فاشترى بها جارية فباعها بألفين ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف درهم فإنه يتصدق بجميع الربح، وهذا عندهما" وأصله أن الغاصب أو المودع إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح لا يطيب له الربح عندهما، خلافا لأبي يوسف، وقد مرت الدلائل وجوابهما في الوديعة أظهر؛ لأنه لا يستند الملك إلى ما قبل التصرف لانعدام سبب الضمان فلم يكن التصرف في ملكه ثم هذا ظاهر فيما يتعين بالإشارة، أما فيما لا يتعين كالثمنين فقوله في الكتاب اشترى بها إشارة إلى أن التصدق إنما يجب إذا اشترى بها ونقد منها الثمن. أما إذا أشار إليها ونقد من غيرها أو نقد
стр. 939
منها وأشار إلى غيرها أو أطلق إطلاقا ونقد منها يطيب له، وهكذا قال الكرخي؛ لأن الإشارة إذا كانت لا تفيد التعيين لا بد أن يتأكد بالنقد ليتحقق الخبث. وقال بعض مشايخنا ﵏: لا يطيب له قبل أن يضمن، وكذا بعد الضمان بكل حال، وهو المختار لإطلاق الجواب في الجامعين والمبسوط.
قال: "وإن اشترى بالألف جارية تساوي ألفين فوهبها أو طعاما فأكله لم يتصدق بشيء"، وهذا قولهم جميعا؛ لأن الربح إنما يتبين عند اتحاد الجنس. والله سبحانه تعالى أعلم.
стр. 940
فصل: فيما يتغير بفعل الغاصب
قال: "وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وعظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها، ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، كمن غصب شاة وذبحها وشواها أو طبخها أو حنطة فطحنها أو حديدا فاتخذه سيفا أو صفرا فعمله آنية" وهذا كله عندنا. وقال الشافعي ﵀: لا ينقطع حق المالك وهو رواية عن أبي يوسف ﵀، غير أنه إذا اختار أخذ الدقيق لا يضمنه النقصان عنده؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وعند الشافعي يضمنه، وعن أبي يوسف أنه يزول ملكه عنه لكنه يباع في دينه وهو أحق به من الغرماء بعد موته. للشافعي أن العين باق فيبقى على ملكه وتتبعه الصنعة كما إذا هبت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة فطحنت. ولا معتبر بفعله؛ لأنه محظور فلا يصلح سببا للملك على ما عرف، فصار كما إذا انعدم الفعل أصلا وصار كما إذا ذبح الشاة المغصوبة وسلخها وأربها. ولنا أنه أحدث صنعة متقومة صير حق المالك هالكا من وجه، ألا ترى أنه تبدل الاسم وفات معظم المقاصد وحقه في الصنعة قائم من كل وجه فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه، ولا نجعله سببا للملك من حيث إنه محظور، بل من حيث إنه إحداث الصنعة، بخلاف الشاة؛ لأن اسمها باق بعد الذبح والسلخ، وهذا الوجه يشمل الفصول المذكورة ويتفرع عليه غيرها فاحفظه.
وقوله ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها استحسان والقياس أن يكون له ذلك وهو قول الحسن وزفر، وهكذا عن أبي حنيفة ﵀ رواه الفقيه أبو الليث. ووجهه ثبوت الملك المطلق للتصرف؛ ألا ترى أنه لو وهبه أو باعه جاز. وجه الاستحسان قوله ﵊ في الشاة المذبوحة المصلية بغير رضاء صاحبها
стр. 941
"أطعموها الأسارى" أفاد الأمر بالتصدق زوال ملك المالك وحرمة الانتفاع للغاصب قبل الإرضاء، ولأن في إباحة الانتفاع فتح باب الغصب فيحرم قبل الإرضاء حسما لمادة الفساد ونفاذ بيعه وهبته مع الحرمة لقيام الملك كما في الملك الفاسد. وإذا أدى البدل يباح له؛ لأن حق المالك صار موفى بالبدل فحصلت مبادلة بالتراضي، وكذلك إذا أبرأه لسقوط حقه به، وكذا إذا أدى بالقضاء أو ضمنه الحاكم أو ضمنه المالك لوجود الرضا منه؛ لأنه لا يقضي إلا بطلبه، وعلى هذا الخلاف إذا غصب حنطة فزرعها أو نواة فغرسها غير أنه عند أبي يوسف يباح الانتفاع فيهما قبل أداء الضمان لوجود الاستهلاك من كل وجه، بخلاف ما تقدم لقيام العين فيه من وجه. وفي الحنطة يزرعها لا يتصدق بالفضل عنده خلافا لهما، وأصله ما تقدم.
قال: "وإن غصب فضة أو ذهبا فضربها دراهم أو دنانير أو آنية لم يزل ملك مالكها عنها عند أبي حنيفة فيأخذها ولا شيء للغاصب، وقالا: يملكها الغاصب وعليه مثلها"؛ لأنه أحدث صنعة معتبرة صير حق المالك هالكا من وجه؛ ألا ترى أنه كسره وفات بعض المقاصد والتبر لا يصلح رأس المال في المضاربات والشركات والمضروب يصلح لذلك. وله أن العين باق من كل وجه؛ ألا ترى أن الاسم باق ومعناه الأصلي الثمنية وكونه موزونا وأنه باق حتى يجري فيه الربا باعتباره وصلاحيته لرأس المال من أحكام الصنعة دون العين، وكذا الصنعة فيها غير متقومة مطلقا؛ لأنه لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها.
قال: "ومن غصب ساجة فبنى عليها زال ملك مالكها عنها ولزم الغاصب قيمتها" وقال الشافعي: للمالك أخذها، والوجه من الجانبين قدمناه. ووجه آخر لنا فيه أن فيما ذهب إليه إضرارا بالغاصب بنقض بنائه الحاصل من غير خلف، وضرر المالك فيما ذهبنا إليه مجبور بالقيمة فصار كما إذا خاط بالخيط المغصوب بطن جاريته أو عبده أو أدخل اللوح المغصوب في سفينته. ثم قال الكرخي والفقيه أبو جعفر: إنما لا ينقض إذا بنى في حوالي الساجة، ما إذا بنى على نفس الساجة ينقض؛ لأنه متعد فيه. وجواب الكتاب يرد ذلك وهو الأصح.
قال: "ومن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار، إن شاء ضمنه قيمتها وسلمها إليه، وإن شاء ضمنه نقصانها، وكذا الجزور، وكذا إذا قطع يدهما" هذا هو ظاهر الرواية. وجهه أنه إتلاف من وجه باعتبار فوت بعض الأغراض من الحمل والدر والنسل وبقاء بعضها وهو اللحم فصار كالخرق الفاحش في الثوب، ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم فقطع الغاصب طرفها للمالك أن يضمنه جميع قيمتها لوجود الاستهلاك من كل وجه، بخلاف قطع طرف العبد
стр. 942
المملوك حيث يأخذه مع أرش المقطوع؛ لأن الآدمي يبقى منتفعا به بعد قطع الطرف.
قال: "ومن خرق ثوب غيره خرقا يسيرا ضمن نقصانه والثوب لمالكه"؛ لأن العين قائم من كل وجه، وإنما دخله عيب فيضمنه.
قال: "وإن خرق خرقا كبيرا يبطل عامة منافعه فلمالكه أن يضمنه جميع قيمته"؛ لأنه استهلاك من هذا الوجه فكأنه أحرقه.
قال ﵁: معناه يترك الثوب عليه: وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان؛ لأنه تعييب من وجه من حيث إن العين باق، وكذا بعض المنافع قائم، ثم إشارة الكتاب إلى أن الفاحش ما يبطل به عامة المنافع، والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل فيه النقصان؛ لأن محمدا جعل في الأصل قطع الثوب نقصانا فاحشا والفائت به بعض المنافع.
قال: "ومن غصب أرضا فغرس فيها أو بنى قيل له اقلع البناء والغرس وردها" لقوله ﵊: "ليس لعرق ظالم حق" ولأن ملك صاحب الأرض باق، فإن الأرض لم تصر مستهلكة والغصب لا يتحقق فيها، ولا بد للملك من سبب فيؤمر الشاغل بتفريغها، كما إذا شغل ظرف غيره بطعامه.
قال: "فإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكونان له"؛ لأن فيه نظرا لهما ودفع الضرر عنهما. وقوله قيمته مقلوعا معناه قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه؛ لأن حقه فيه، إذ لا قرار له فيه فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء وتقوم وبها شجر أو بناء، لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه فيضمن فضل ما بينهما.
قال: "ومن غصب ثوبا فصبغه أحمر أو سويقا فلته بسمن فصاحبه بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق وسلمه للغاصب، وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما" وقال الشافعي في الثوب: لصاحبه أن يمسكه ويأمر الغاصب بقلع الصبغ بالقدر الممكن اعتبارا بفصل الساحة بنى فيها؛ لأن التمييز ممكن، بخلاف السمن في السويق؛ لأن التمييز متعذر. ولنا ما بينا أن فيه رعاية الجانبين والخيرة لصاحب الثوب لكونه صاحب الأصل، بخلاف الساحة بنى فيها؛ لأن النقض له بعد النقض؛ أما الصبغ
стр. 943
فيتلاشى، وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح؛ لأنه لا جناية من صاحب الصبغ ليضمن الثوب فيتملك صاحب الأصل الصبغ.
قال أبو عصمة في أصل المسألة: وإن شاء رب الثوب باعه ويضرب بقيمته أبيض وصاحب الصبغ بما زاد الصبغ فيه؛ لأن له أن لا يتملك الصبغ بالقيمة، وعند امتناعه تعين رعاية الجانبين في البيع ويتأتى، هذا فيما إذا انصبغ الثوب بنفسه، وقد ظهر بما ذكرنا لوجه في السويق، غير أن السويق من ذوات الأمثال فيضمن مثله والثوب من ذوات القيم فيضمن قيمته.
وقال في الأصل: يضمن قيمة السويق؛ لأن السويق يتفاوت بالقلي فلم يبق مثليا. وقيل المراد منه المثل سماه به لقيامه مقامه، والصفرة كالحمرة. ولو صبغه أسود فهو نقصان عند أبي حنيفة، وعندهما زيادة. وقيل هذا اختلاف عصر وزمان. وقيل إن كان ثوبا ينقصه السواد فهو نقصان، وإن كان ثوبا يزيد فيه السواد فهو كالحمرة وقد عرف في غير هذا الموضع. ولو كان ثوبا تنقصه الحمرة بأن كانت قيمته ثلاثين درهما فتراجعت بالصبغ إلى عشرين، فعن محمد أنه ينظر إلى ثوب تزيد فيه الحمرة، فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ ثوبه وخمسة دراهم؛ لأن إحدى الخمستين جبرت بالصبغ.
стр. 944
فصل: "ومن غصب عينا فغيبها فضمنه المالك قيمتها ملكها"
وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا يملكها لأن الغصب عدوان محض فلا يصلح سببا للملك كما في المدبر. ولنا أنه ملك البدل بكماله، والمبدل قابل للنقل من ملك إلى ملك فيملكه دفعا للضرر عنه، بخلاف المدبر لأنه غير قابل للنقل لحق المدبر، نعم قد يفسخ التدبير بالقضاء لكن البيع بعده يصادف القن.
قال: "والقول في القيمة قول الغاصب مع يمينه" لأن المالك يدعي الزيادة وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه "إلا أن يقيم المالك البينة بأكثر من ذلك" لأنه أثبته بالحجة الملزمة.
قال: "فإن ظهرت العين وقيمتها أكثر مما ضمن وقد ضمنها بقول المالك أو ببينة أقامها أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا خيار للمالك وهو الغاصب"؛ لأنه تم له الملك بسبب اتصل به رضا المالك حيث ادعى هذا المقدار.
قال: "فإن كان ضمنه بقول الغاصب مع يمينه فهو بالخيار، إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ
стр. 945
العين ورد العوض" لأنه لم يتم رضاه بهذا المقدار حيث يدعي الزيادة وأخذه دونها لعدم الحجة. ولو ظهرت العين وقيمتها مثل ما ضمنه أو دونه في هذا الفصل الأخير فكذلك الجواب في ظاهر الرواية وهو الأصح خلافا لما قاله الكرخي ﵀ أنه لا خيار له؛ لأنه لم يتم رضاه حيث لم يعط له ما يدعيه والخيار لفوات الرضا.
قال: "ومن غصب عبدا فباعه فضمنه المالك قيمته فقد جاز بيعه، وإن أعتقه ثم ضمن القيمة لم يجز عتقه" لأن ملكه الثابت فيه ناقص لثبوته مستندا أو ضرورة، ولهذا يظهر في حق الأكساب دون الأولاد، والناقص يكفي لنقود البيع دون العتق كملك المكاتب.
قال: "وولد المغصوبة ونماؤها، وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فيمنعها إياه". وقال الشافعي: زوائد المغصوب مضمونة متصلة كانت أو منفصلة لوجود الغصب، وهو إثبات اليد على مال الغير بغير رضاه، كما في الظبية المخرجة من الحرم إذا ولدت في يده يكون مضمونا عليه. ولنا أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يزيل يد المالك على ما ذكرنا، ويد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب، ولو اعتبرت ثابتة على الولد لا يزيلها، إذ الظاهر عدم المنع، حتى لو منع الولد بعد طلبه يضمنه، وكذا إذا تعدى فيه كما قال في الكتاب: وذلك بأن أتلفه أو ذبحه وأكله أو باعه وسلمه، وفي الظبية المخرجة لا يضمن ولدها إذا هلك قبل التمكن من الإرسال لعدم المنع، وإنما يضمنه إذا هلك بعده لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشرع، على هذا أكثر مشايخنا. ولو أطلق الجواب فهو ضمان جناية، ولهذا يتكرر بتكررها، ويجب بالإعانة والإشارة، فلأن يجب بما هو فوقها وهو إثبات اليد على مستحق الأمن أولى وأحرى.
قال: "وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب، فإن كان في قيمة الولد وفاء به انجبر النقصان بالولد وسقط ضمانه عن الغاصب". وقال زفر والشافعي: لا ينجبر النقصان بالولد؛ لأن الولد ملكه فلا يصلح جابرا لملكه كما في ولد الظبية، وكما إذا هلك الولد قبل الرد أو ماتت الأم وبالولد وفاء، وصار كما إذا جز صوف شاة غيره أو قطع قوائم شجر غيره أو خصى عبد غيره أو علمه الحرفة فأضناه التعليم. ولنا أن سبب الزيادة والنقصان واحد، وهو الولادة أو العلوق على ما عرف، وعند ذلك لا يعد نقصانا فلا يوجب ضمانا، وصار كما إذا غصب جارية سمينة فهزلت ثم سمنت أو سقطت ثنيتها ثم نبتت أو قطعت يد المغصوب في يده وأخذ أرشها وأداه مع العبد يحتسب عن نقصان القطع، وولد الظبية ممنوع، وكذا إذا ماتت الأم. وتخريج الثانية: أن الولادة ليست بسبب لموت الأم
стр. 946
إذ الولادة لا تفضي إليه غالبا، وبخلاف ما إذا مات الولد قبل الرد؛ لأنه لا بد من رد أصله للبراءة، فكذا لا بد من رد خلفه، والخصاء لا يعد زيادة؛ لأنه غرض بعض الفسقة، ولا اتحاد في السبب فيما وراء ذلك من المسائل؛ لأن سبب النقصان القطع والجز، وسبب الزيادة النمو، وسبب النقصان التعليم، والزيادة سببها الفهم.
قال: "ومن غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها يضمن قيمتها يوم علقت، ولا ضمان عليه في الحرة، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن في الأمة أيضا" لهما أن الرد قد صح، والهلاك بعده بسبب حدث في يد المالك وهو الولادة فلا يضمن الغاصب. كما إذا حمت في يد الغاصب ثم ردها فهلكت. أو زنت في يده ثم ردها فجلدت فهلكت منه، وكمن اشترى جارية قد حبلت عند البائع فولدت عند المشتري وماتت في نفاسها لا يرجع على البائع بالثمن. وله أنه غصبها وما انعقد فيها سبب التلف وردت وفيها ذلك فلم يوجد الرد على الوجه الذي أخذ فلم يصح الرد، وصار كما إذا جنت في يد الغاصب جناية فقتلت بها في يد المالك، أو دفعت بها بأن كانت الجناية خطأ يرجع على الغاصب بكل القيمة. كذا هذا. بخلاف الحرة؛ لأنها لا تضمن بالغصب ليبقى ضمان الغصب بعد فساد الرد. وفي فصل الشراء الواجب ابتداء التسليم. ما ذكرنا شرط صحة الرد والزنا سبب لجلد مؤلم لا جارح ولا متلف فلم يوجد السبب في يد الغاصب.
قال: "ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان" وقال الشافعي: يضمنها، فيجب أجر المثل، ولا فرق في المذهبين بين ما إذا عطلها أو سكنها.
وقال مالك: إن سكنها يجب أجر المثل، وإن عطلها لا شيء عليه. له أن المنافع أموال متقومة حتى تضمن بالعقود فكذا بالغصوب. ولنا أنها حصلت على ملك الغاصب لحدوثها في إمكانه إذ هي لم تكن حادثة في يد المالك؛ لأنها أعراض لا تبقى فيملكها دفعا لحاجته، والإنسان لا يضمن ملكه، كيف وأنه لا يتحقق غصبها وإتلافها؛ لأنه لا بقاء لها، ولأنها لا تماثل الأعيان لسرعة فنائها وبقاء الأعيان، وقد عرفت هذه المآخذ في المختلف، ولا نسلم أنها متقومة في ذاتها، بل تقوم ضرورة عند ورود العقد ولم يوجد العقد، إلا أن ما انتقص باستعماله مضمون عليه لاستهلاكه بعض أجزاء العين.
стр. 947
فصل: في غصب ما لا يتقوم
قال: "وإذا أتلف المسلم خمر الذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما، فإن أتلفهما لمسلم لم
стр. 948
يضمن" وقال الشافعي: لا يضمنها للذمي أيضا وعلى هذا الخلاف إذا أتلفهما ذمي على ذمي أو باعهما الذمي من الذمي. له أنه سقط تقومهما في حق المسلم فكذا في حق الذمي؛ لأنهم أتباع لنا في الأحكام فلا يجب بإتلافهما مال متقوم وهو الضمان. ولنا أن التقويم باق في حقهم، إذ الخمر لهم كالخل لنا والخنزير لهم كالشاة لنا. ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون والسيف موضوع فيتعذر الإلزام، وإذا بقي التقوم فقد وجد إتلاف مال مملوك متقوم فيضمنه. بخلاف الميتة والدم؛ لأن أحدا من أهل الأديان لا يدين تمولهما، إلا أنه تجب قيمة الخمر وإن كان من ذوات الأمثال؛ لأن المسلم ممنوع عن تمليكه لكونه إعزازا له، بخلاف ما إذا جرت المبايعة بين الذميين؛ لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر وتملكها. وهذا بخلاف الربا؛ لأنه مستثنى عن عقودهم، وبخلاف العبد المرتد يكون للذمي؛ لأنا ما ضمنا لهم ترك التعرض له لما فيه من الاستخفاف بالدين، وبخلاف متروك التسمية عامدا إذا كان لمن يبيحه؛ لأن ولاية المحاجة ثابتة.
قال: "فإن غصب من مسلم خمرا فخللها أو جلد ميتة فدبغه فلصاحب الخمر أن يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ جلد الميتة ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه"، والمراد بالفصل الأول إذا خللها بالنقل من الشمس إلى الظل ومنه إلى الشمس، وبالفصل الثاني إذا دبغه بما له قيمة كالقرظ والعفص ونحو ذلك. والفرق أن هذا التخليل تطهير له بمنزلة غسل الثوب النجس فيبقى على ملكه إذ لا تثبت المالية به وبهذا الدباغ اتصل بالجلد مال متقوم للغاصب كالصبغ في الثوب فكان بمنزلته فلهذا يأخذ الخل بغير شيء ويأخذ الجلد ويعطي ما زاد الدباغ فيه. وبيانه أنه ينظر إلى قيمته ذكيا غير مدبوغ، وإلى قيمته مدبوغا فيضمن فضل ما بينهما، وللغاصب أن يحبسه حتى يستوفي حقه كحق الحبس في البيع.
قال: "وإن استهلكهما ضمن الخل ولم يضمن الجلد عند أبي حنيفة، وقالا: يضمن الجلد مدبوغا ويعطي ما زاد الدباغ فيه" ولو هلك في يده لا يضمنه بالإجماع.
أما الخل: فلأنه لما بقي على ملك مالكه وهو مال متقوم ضمنه بالإتلاف، يجب مثله؛ لأن الخل من ذوات الأمثال. وأما الجلد فلهما أنه باق على ملك المالك حتى كان له أن يأخذه وهو مال متقوم فيضمنه مدبوغا بالاستهلاك ويعطيه المالك ما زاد الدباغ فيه كما إذا غصب ثوبا فصبغه ثم استهلكه ويضمنه ويعطيه المالك ما زاد الصبغ فيه، ولأنه واجب الرد، فإذا فوته عليه خلفه قيمته كما في المستعار. وبهذا فارق الهلاك بنفسه. وقولهما يعطي ما زاد الدباغ فيه محمول على اختلاف الجنس.
стр. 949
أما عند اتحاده فيطرح عنه ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي لعدم الفائدة في الأخذ منه ثم في الرد عليه. وله أن التقوم حصل بصنع الغاصب وصنعته متقومة لاستعماله مالا متقوما فيه، ولهذا كان له أن يحبسه حتى يستوفي ما زاد الدباغ فيه فكان حقا له والجلد تبع له في حق التقوم، ثم الأصل وهو الصنعة غير مضمون عليه فكذا التابع، كما إذا هلك من غير صنعة، بخلاف وجوب الرد حال قيامه؛ لأنه يتبع الملك، والجلد غير تابع للصنعة في حق الملك لثبوته قبلها وإن لم يكن متقوما، بخلاف الذكي والثوب؛ لأن التقوم فيهما كان ثابتا قبل الدبغ والصبغ فلم يكن تابعا للصنعة، ولو كان قائما فأراد المالك أن يتركه على الغاصب في هذا الوجه ويضمنه قيمته قيل: ليس له ذلك؛ لأن الجلد لا قيمة له، بخلاف صبغ الثوب؛ لأن له قيمة. وقيل ليس له ذلك عند أبي حنيفة، وعندهما له ذلك؛ لأنه إذا تركه عليه وضمنه عجز الغاصب عن رده فصار كالاستهلاك، وهو على هذا الخلاف على ما بيناه. ثم قيل: يضمنه قيمة جلد مدبوغ ويعطيه ما زاد الدباغ فيه كما في الاستهلاك. وقيل يضمنه قيمة جلد ذكي غير مدبوغ، ولو دبغه بما لا قيمة له كالتراب والشمس فهو لمالكه بلا شيء؛ لأنه بمنزلة غسل الثوب. ولو استهلكه الغاصب يضمن قيمته مدبوغا. وقيل طاهرا غير مدبوغ؛ لأن وصف الدباغة هو الذي حصله فلا يضمنه.
وجه الأول وعليه الأكثرون أن صفة الدباغة تابعة للجلد فلا تفرد عنه، وإذا صار الأصل مضمونا عليه فكذا صفته، ولو خلل الخمر بإلقاء الملح فيه قالوا عند أبي حنيفة: صار ملكا للغاصب ولا شيء له عليه. وعندهما أخذه المالك وأعطى ما زاد الملح فيه بمنزلة دبغ الجلد، ومعناه هاهنا أن يعطي مثل وزن الملح من الخل، وإن أراد المالك تركه عليه وتضمينه فهو على ما قيل. وقيل في دبغ الجلد ولو استهلكها لا يضمنها عند أبي حنيفة خلافا لهما كما في دبغ الجلد.
ولو خللها بإلقاء الخل فيهما، فعن محمد أنه إن صار خلا من ساعته يصير ملكا للغاصب ولا شيء عليه؛ لأنه استهلاك له وهو غير متقوم، وإن لم تصر خلا إلا بعد زمان بأن كان الملقى فيه خلا قليلا فهو بينهما على قدر كليهما؛ لأن خلط الخل بالخل في التقدير وهو على أصله ليس باستهلاك وعند أبي حنيفة هو للغاصب في الوجهين، ولا شيء عليه؛ لأن نفس الخلط استهلاك عنده، ولا ضمان في الاستهلاك؛ لأنه أتلف ملك نفسه. وعند محمد لا يضمن بالاستهلاك في الوجه الأول لما بينا. ويضمن في الوجه الثاني؛ لأنه أتلف ملك غيره. وبعض المشايخ أجروا جواب الكتاب على إطلاقه أن للمالك أن يأخذ الخل في الوجوه كلها بغير شيء؛ لأن الملقى فيه يصير مستهلكا
стр. 950
في الخمر فلم يبق متقوما. وقد كثرت فيه أقوال المشايخ وقد أثبتناها في كفاية المنتهى.
قال: "ومن كسر لمسلم بربطا أو طبلا أو مزمارا أو دفا أو أراق له سكرا أو منصفا فهو ضامن، وبيع هذه الأشياء جائز" وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن ولا يجوز بيعها. وقيل الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو. فأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس يضمن بالإتلاف من غير خلاف. وقيل الفتوى في الضمان على قولهما. والسكر اسم للنيء من ماء الرطب إذا اشتد. والمنصف ما ذهب نصفه بالطبخ. وفي المطبوخ أدنى طبخة وهو الباذق عن أبي حنيفة روايتان في التضمين والبيع. لهما أن هذه الأشياء أعدت للمعصية فبطل تقومها كالخمر، ولأنه فعل ما فعل آمرا بالمعروف وهو بأمر الشرع فلا يضمنه كما إذا فعل بإذن الإمام. ولأبي حنيفة أنها أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع وإن صلحت لما لا يحل فصار كالأمة المغنية. وهذا؛ لأن الفساد بفعل فاعل مختار فلا يوجب سقوط التقوم، وجواز البيع والتضمين مرتبان على المالية والتقوم والأمر بالمعروف باليد إلى الأمراء لقدرتهم وباللسان إلى غيرهم، وتجب قيمتها غير صالحة للهو كما في الجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والديك المقاتل والعبد الخصي تجب القيمة غير صالحة لهذه الأمور، كذا هذا، وفي السكر والمنصف تجب قيمتهما، ولا يجب المثل؛ لأن المسلم ممنوع عن تملك عينه وإن كان لو فعل جاز، وهذا بخلاف ما إذا أتلف على نصراني صليبا حيث يضمن قيمته صليبا؛ لأنه مقر على ذلك.
قال: "ومن غصب أم ولد أو مدبرة فماتت في يده ضمن قيمة المدبرة ولا يضمن قيمة أم الولد" عند أبي حنيفة، وقالا: يضمن قيمتهما؛ لأن مالية المدبرة متقومة بالاتفاق، ومالية أم الولد غير متقومة عنده، وعندهما متقومة، والدلائل ذكرناها في كتاب العتاق من هذا الكتاب والله أعلم بالصواب.
следующие страницы →