ـ[الولاية في النكاح]ـ
أصل الكتاب: رسالة (ماجستير) - الجامعة الاسلامية، ١٤٠٣ هـ
المؤلف: عوض بن رجاء بن فريج العوفي
الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤٢٣هـ/٢٠٠٢م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
المجلد الأول
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، ﷺ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فإنّ الفقه في دين الله من أعظم وأجلِّ نعم الله على عبده، وَحَسْبُ طالب الفقه بشرى قول المصطفى ﷺ "من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين". متفق عليه١.
стр. 3
فأنعم بها من بشرى! وأنعم بها من أمنية لطالب العلم! أن يكون من أهلها.
ولقد كان من فضل الله تعالى على كاتب هذه السطور أن يكون أحد طلاّب الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.، في "شعبة الفقه" من كلية الشريعة، ورغم معرفته -مسبقاً- بعجزه وتقصيره، إلا أن رجاءه في الله عظيم أن يكون من قوم لا يشقى جليسهم.
ولما كان منهج الدراسات العليا بهذه الجامعة مبنيًّا على نظام كتابة الرسائل العلميّة في فروع التخصص للحصول على درجة "الماجستير، فالدكتوراه"، فقد جال بخاطري بعض مسائل الفقه التي لم يكن بعضها- عندي- بأولى من بعض، فعرضتها على ذوي النّصح والخبرة، فكان موضوع "الولاية في النِّكاح" أحظاها قبولاً، وأسعدها بالحثِّ والتشجيع على الكتابة فيه.
وقد وافق أنَّ لي مع هذا الموضوع- خاصة - ذكرى أحتفظ بها عن كتابين منهجيين صحباني أربع سنين، هي مدة دراستي في كلية الشريعة بهذه الجامعة، وهذان الكتابان هما: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، وسبل
стр. 4
السلام للمحدّث الأمير الصنعاني، وفي كلٍّ منهما وجهتان متعارضتان في تقرير الرَّاجح في هذه المسألة، فقد ذهب الأول إلى أنَّه لا يوجد لهذه المسألة دليل ظاهر الدلالة فضلاً عن أن يكون هناك نص في الموضوع، وتعقبه الثَّاني واصفًا بعض كلامه بالضعف والسقوط، وأجاب عن بعضه باختصار يقتضيه المقام١.
فكان في النفس ما فيها؛ لاستبانة وجه الحقِّ في هذه المسألة الهامّة في حياة كلّ مسلم؛ لتعلُّقها بصَّحة أو بطلان العقد الذي عليه بناء الأسرة المسلمة.
ومما زادني عزمًا على الكتابة فيه أنّ كلَّ ما أمكنني الوقوف عليه في مكتباتنا- ممّا كتب حديثاً في الأحوال الشخصية٢- تجمع على أنَّ الولاية في النِّكاح شرط في حقِّ العاجزين من الصِّغار والمجانين، دون الحرائر المكلّفات من النِّساء، ولسان حالهم يردّد ما قاله ابن رشد الحفيد، إن لم يصرّحوا بذلك، فكان السؤال الذي يطلب جواباً: أحقيقة ما يقول هؤلاء؟ أم أنه أثر من آثار التغيير الاجتماعي للأخذ بالذي هو أدنى وترك الذي هو خير؟
стр. 5
لهذا استخرت الله تعالى في الكتابة في هذا الموضوع، طالما أنَّه لزاماً على طالب الدراسات العليا كتابة بحث في فرع تخصصه، مستمدًّا من الله العون والتوفيق.
وذلك لأنَّ وراء هذا الموضوع قيماً عاليةً من الشهامة والإباء، والحصانة والحياء، والعفاف والوفاء، وغير ذلك من صفات الفضيلة والكمال، التي يعرفها الرجال والنساء، ممّا تصان به الأعراض، وتحفظ به الأنساب، ممّا ميَّز الله به أهل الإسلام على غيرهم، وجعله عنواناً لعزِّهم، وظهورهم، وميزة لأبناء الإسلام الأوفياء حين يتخلَّى عنها الأدعياء.
ولأنَّ رياح التغيير الاجتماعي التي هبَّت على ديار الإسلام من الغرب الحاقد، والشرق الملحد، بالأفكار الغريبة المسمومة، قد تركت في كثير من البيوت الإسلامية تساؤلات عن أمور كانت من قبل من المسلَّمات، فشكَّكت فيما لا يقبل التشكيك، وهوَّنت مما لا يستهان به، فعرف بعض النّاس ما كانوا ينكرون، وتنكَّروا لما كانوا يعرفون، وظهرت علامات استفهام مظلمة أمام التمسك بالفضيلة، أو الخوف من التردِّي في الرذيلة؟.
وخاصّة إذا كان الأمر مما يتميَّز به الرِّجال على النِّساء، فالمساواة بين الذكور والإناث في الإرث والنِّكاح والطلاق قد أصبح مطلباً، وحجاب المرأة وحياؤها قد أصبح تأخُّرًا وبلادة، بل توحّشاً! وقرارها في
стр. 6
بيتها أصبح إقامةً جبرًا! إلى غير ذلك من الأفكار التي تهدّ الفضيلة هدًّا، وتدعو إلى الرذيلة عمدًا، والمستهدف بها أولاً وآخراً هي: الأسرة المسلمة.
ومن تلك التساؤلات المريبة ما يدور حول ثبوت الولاية في النِّكاح على الحرَّة المكلّفة، والتقليل من أهمّيتها في حياة المسلمين الاجتماعية، ولم تكن تلك التساؤلات المريبة، والنعوت المشبوهة من أعداء الإسلام والفضيلة، لم تكن لتثير اهتمامي بهذا الموضوع لولا أنة قد أصبح لها صداها في كثير من المجتمعات الإسلامية، وكثيرًا ما يتعلّل أولئك أو يتستَّرون تحت مظلّة الخلاف الفقهيّ، جاهلين أو متجاهلين أنَّ الخلاف الفقهيّ لم يكن مبرِّرًا للتهاون في أمر مجمع على فضيلته وأهميَّته في حياة المسلمين الاجتماعية المتميِّزة بأصالتها وكمالها، فالفضائل في منأى عن الخلاف، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، والناصح لنفسه ولمجتمعه هو من يلتزم بالفضائل، ويدعو إليها في أسمى معانيها، لا من يهوِّن من شأنها وكأنَّه موكَّل بإزالتها.
لهذا كان اهتمامي كلُّه منصبًّا على تتبُّع آثار من سلف ودليلهم، ممن لم يكن الخلاف بينهم لهوى في أنفسهم، وإنما طلباً للحقِّ بدليله، بعلم لوجه الله طلبوه، وبصدق نيَّة لله أخلصوها، فحرصت على تتبُّع آثارهم، في مصادرها الأصليَّة، باذلاً جهدي في فهم نصوصهم وتوثيق أدلتهم، معتذراً عما كتب حديثاً حول هذا الموضوع؛ لأنَّني لم أجد - فيما عثرت عليه- ما يمكن أن يبنى عليه غيره؛ لذلك لم أجد الطريق أمامي ممهَّداً - كما صوّره لي بعض الناصحين- وإنَّما وجدته يحتاج إلى خبرة
стр. 7
بمسالكه، وعزم على تجشّم صعابه، وكلّها مما يقصر دونها عزمي، وتقلّ بها معرفتي، ولكن على العامل بذل جهده، وصدق توكّله، وعلى الله عونه.
وقد التزمت في هذا البحث بالمنهج التالي:
أولاً: اعتماد المذاهب الأربعة في هذه الرسالة؛ لاعتمادها عند أهل الحقِّ من المسلمين، ولندرة ما يفوت أنصارها من الحقِّ المبين، ومع هذا فإنَّني أذكر بعض أقوال أهل الظاهر وغيرهم من العلماء المشهورين إذا كان قولهم مما اشتهر ذكره في كتب الخلاف.
ثانياً: بيان مدلول عناوين مباحثه من حيث اللّغة، والشرع أو الاصطلاح.
ثالثاً: إذا كانت المسألة محلَّ اتفاق فأذكر أظهر أدلّتها وتوجيهًا مختصرًا لها مع ذكر عمدة مصادرها وكفى.
وأمّا إن كانت محلَّ خلاف فأحرِّر موضع الخلاف أولاً، ثم أذكر الأقوال فيها إجمالاً، ثم أتبعها بالتفصيل بذكر كلِّ قول وعزوه لأشهر قائليه من مختلف المذاهب، ثم دليل كلِّ قول ومناقشة كلِّ دليل- حين يوجد ما يدعو إلى المناقشة- ثم بيان الرَّاجح في خاتمة تلك المسألة ما أمكن.
وقد أعدل عن ذكر كلِّ قول مع مثيله إلى ذكر كلِّ مذهب من المذاهب الأربعة استقلالاً، وبيان ما فيه من تفصيل وتوجيه، -وهذا قليل
стр. 8
في هذه الرسالة- وإنَّما أعدل إلى ذلك حين يكون هذا المنهج أكثر اختصاراً ووضوحاً ممّا يغني عن كثرة التقاسيم بلا جدوى حقيقية منها، وحينئذ أذكر المذاهب الأربعة على ترتيبها الزمني.
رابعاً: العمدة في عزو كلّ قول وتوجيهه هو كتب المذاهب الأربعة المعتبرة عند أصحابها أولاً، ثم الكتب المساعدة من كتب الخلاف والتفسير وشروح الحديث ثانياً، محاولاً قدر الإمكان اختيار أحسنها توجيهًا وتحريراً.
خامساً: توثيق الأدلّة -ما أمكن- وهذا -في نظري- من أهمّ مميّزات هذه الرسالة، وأحبّ عمل لي فيها، فإن كان الدليل من الكتاب العزيز فهو غنيّ عن التوثيق، فالبحث في دلالته لا في ثبوته، وإنما أذكر اسم السورة ورقم الآية للأمن من تحريفها، ولسهولة الرجوع إليها.
وأمَّا إن كان الدليل من الأحاديث النبويَّة أو الآثار المرويّة عن الصحابة فقد التزمت فيها بقاعدة "الحكم فرع عن دليله"، والبحث في توثيقها ذو وجهين هما:
١- توثيق نسبته إلى من خرّجه.
٢- توثيق إسناده.
فأمَّا الوجه الأوَّل: وهو توثيق نسبة الحديث أو الأثر إلى من خرّجه من الأئمة فأرجو أن يكون قد تم على أحسن حال، وكان عملي فيه على النحو التالي:
стр. 9
أ- استيفاء تخريج الحديث أو الأثر إذا ورد للاستدلال أصالة، ولو كان في الصحيحين أو أحدهما؛ لتوحيد التخريج أولاً، ولما في تعدّد طرق التخريج من القوة التي ينجبر بها الضعيف، ويقوى بها القويّ، وأما إن كان ورود الحديث أو الأثر استشهادًا أو استطرادًا فأكتفي بما يدل على ثبوته مع الإحالة على تخريجه في كتب التخريج المعروفة إن وجد فيها.
ب- الرجوع إلى المصدر الأصليّ لعزوه إليه بدون وساطة ما أمكن.
ج- أصرّح بنسبة اللفظ المختار منها إلى من خرّجه؛ لاختلاف الألفاظ وتعذُّر ذكرها، ولسهولة الرجوع إلى اللفظ في مصدره.
د- أذكر في حواشي الرسالة الجزء والصفحة، ثم الكتاب فالباب؛ لسهولة مراجعته حين تختلف الأجزاء والصفحات؛ لاختلاف طبعاتها. والمصادر المعتمدة في هذا التخريج هي: موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، والمنتقى لابن الجارود، وشرح معاني الآثار للطحاوي، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، والسنن الكبرى للبيهقي، وقد أضيف إليها شيئًا من مصنّف عبد الرزاق، وسنن سعيد بن منصور، ومسند الطيالسيّ، وموارد الظمآن إلى صحيح ابن حبان.
стр. 10
هـ- أذيِّل هذا التخريج بالإحالة أيضاً على كتب تخريج أدلّة المذاهب -إن وجد الحديث أو الأثر في شيء منها- كنصب الرَّاية للزيلعي في أدلّة مذهب الحنفية، والتلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني في أدلّة مذهب الشافعية، وإرواء الغليل للألباني في أدلّة مذهب الحنابلة.
وأمَّا الوجه الثَّاني من توثيق الأدلَّة -وهو توثيق أسانيدها- فقد كان عملي فيه بقدر ما تستوعبه المباحث الفقهية من معرفة صحّة الدّليل بأيسر طريق، فإنّ بسط القول في توثيق جميع رواة الإسناد يتطلّب إفراد أكثر الأسانيد برسالة مستقلّة، ولهذا كان عملي فيه على النحو التالي:
أ- إن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإسناده غنيٌّ عن
التصحيح، إلا إذا كانت له علّة مشهورة، فأذكرها مع الجواب عنها، مثل ما جاء في حديث ابن عبّاس ﵄ مرفوعاً "الأيمّ أحق بنفسها من وليّها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". فقد رواه الإمام مسلم وغيره بهذا اللفظ، وبلفظ آخر عن سفيان بن عيينة بزيادة "والبكر يستأذنها أبوها"، ولهذا طعن في هذه الزيادة من أثبت للأب إجبار البكر.
ب- وإن كان الحديث خارجاً عن الصحيحين فالبحث في بيان علله من حيث الرفعُ والوقف والوصل والقطع والإرسال أو ضعف راويه خاصةً إذا كانت العلّة مشهورة ويتوقف عليها بيان الرَّاجح.
ج- ترجمة موجزة لمن دعت الحاجة إلى معرفتهم من رجال الإسناد - محلّ البحث- وقد جاريت في التعريف بهم الحافظ ابن حجر في
стр. 11
"تقريب التهذيب" فنقلت عبارته مع تصرّف يسير باختصارها أو حلّ رموزها باللَّفظ الصريح، ثم أحيل على "تهذيب التهذيب" لمن رغب المزيد، وقد أضيف إليهما "ميزان الاعتدال" للذهبي، أو "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم لزيادة فيهما، وأعتمدهما عندما لا أجد للرّاوي ترجمة في "التقريب" و "التهذيب".
د- أحاول- قدر الإمكان- إبداء رأيي في صحّة الإسناد، أو ضعفه، بما سيراه القارئ لهذه الرسالة بعون الله تعالى.
سادساً: المصطلحات والرموز:
لقد حاولت قدر الإمكان إخلاء هذه الرسالة من المصطلحات والرموز التي كثيراً ما شَغَلَتِ الذّهن، وأوقعت في الوهم، وصدّت عن المراد، حتى كانت جنايتها على بعض الكتب لا تقارن بفائدة الاختصار المقصودة منها، إلا أنه ورد في تخريج أحاديث هذه الرسالة بعض المصطلحات التي جاريت فيها غيري، لأن شهرتها أو وضوحها تغني القارئ عن تكرار المراد منها ومن ذلك:
أ- "رواه الستة": أو "حديثه عند أصحاب الكتب الستة":
فالمراد بذلك: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود في
سننه، والترمذي في جامعه، والنسائي في سننه، وابن ماجه في سننه.
ب- "متفق عليه": أي عند البخاري ومسلم.
стр. 12
ج- "رواه الأربعة": هم أصحاب الكتب الستة عدا البخاري ومسلم.
د- الاستغناء بذكر شهرة أصحاب تلك الكتب عن التصريح باسم الكتاب الحقيقي.
هـ- أذكر في هوامش الرسالة الجزء والصفحة ثم الكتاب فالباب، إلأ أنني كثيرًا ما أحذف لفظ "كتاب" وأختصر اسم الشرح المصاحب له لوضوحه، وإليك مثالاً يتضح به المراد بالمصطلحين الأخيرين:
فمثلاً قولي: "الترمذي: (٤/ ٢٢٦ تحفة) نكاح، باب ما جاء في الولي": أي رواه الترمذي في جامعه، الجزء الرابع في الصفحة السادسة والعشرين بعد المائتين مع شرحه تحفة الأحوذي للمحدِّث (المباركفوري) في "كتاب النِّكاح، باب ما جاء في الوليّ".
و حيث ورد اسم الحافظ مطلقاً، فالمراد به "الإمام الحافظ أحمدبن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري".
стр. 13
خطة البحث:
وأمّا خطّة البحث في هذه الرسالة فهي تتكون من: مقدِّمة وتسعة فصول:
وقد اشتملت المقدِّمة على: الافتتاحية، وسبب الاختيار، وأهميَّة الموضوع، ومنهج البحث.
وأمَّا الفصول التسعة فهي كالتالي:
الفصل الأول: تمهيد، ويتكون من أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معنى الولاية.
المبحث الثاني: في معنى النِّكاح.
المبحث الثالث: في مشروعية النِّكاح وحكمته.
المبحث الرابع: في مشروعيّة الولاية في النِّكاح وحكمتها.
الفصل الثّاني: في الولاية في النِّكاح على الحرّة المكلَّفة:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تمهيد في بيان الأسباب الموجبة للولاية على النفس عموماً.
المبحث الثاني: بيان مذاهب الفقهاء وأدلَّتها في ولاية النِّكاح على الحرَّة المكلّفة.
الفصل الثالث: في استئذان الوليّ للحرة المكلّفة في نكاحها.
وفيه مبحثان وخاتمة:
стр. 14
المبحث الأول: في استئذان البكر البالغ.
المبحث الثَّاني: في استئذان الثيّب البالغ.
والخاتمة: إذا أُنكحت من يعتبر إذنها بدون إذنها فما الحكم؟
الفصل الرابع: في الولاية على الصغار في النِّكاح:
ويشتمل على ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: في ثبوت الولاية على الصغار في النِّكاح.
المبحث الثَّاني: في إنكاح الصغار أنفسهم.
المبحث الثَّالث: في تزويج الأولياء للصغار.
الفصل الخامس: الولاية في النِّكاح على المجانين.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في ثبوت الولاية على المجانين في النِّكاح.
المبحث الثَّاني: في تزويج الأولياء لهم.
الفصل السادس: الولاية في النِّكاح على السفيه:
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معنى السّفه لغة واصطلاحاً.
المبحث الثَّاني: في المقصود بالسفيه في هذا المبحث.
المبحث الثَّالث: الولاية على السّفيه في ماله.
المبحث الرَّابع: الولاية على السفيه في نكاحه.
الفصل السابع: في الولاية على الأرقاء في النِّكاح.
ويشتمل على خمسة مباحث:
стр. 15
المبحث الأول: في ثبوت الولاية عليهم في النِّكاح.
المبحث الثَّاني: في تزويج الأسياد أرقاءهم.
المبحث الثَّالث: في تزويج الأرقاء لأنفسهم.
المبحث الرَّابع: في إجبار الأرقاء على النِّكاح.
المبحث الخامس: في خيار الأمة إذا أعتقت تحت زوج.
الفصل الثامن: في أسباب الولاية في النِّكاح.
ويشتمل على تمهيد وسبعة مباحث:
فالتمهيد: في بيان المقصود بأسباب الولاية في هذا الفصل.
والمبحث الأول: في سبب الولاية بالقرابة.
والمبحث الثاني: في سبب الولاية بالولاء.
والمبحث الثالث: في سبب الولاية بالإمامة أو "السلطنة".
والمبحث الرابع: في سبب الولاية بالكفالة.
والمبحث الخامس: في سبب الولاية بالإسلام.
والمبحث السادس: في سبب الولاية بالوكالة عن الوليّ.
والمبحث السابع: في سبب الولاية بالوصيّة من الوليّ.
الفصل التاسع: في شروط الوليّ في النِّكاح.
ويشتمل على تمهيد وثمانية مباحث:
التمهيد: في بيان المراد بشروط الوليّ في النِّكاح، وتعريف لكلّ
من الشرط والمانع.
стр. 16
والمبحث الأول: في اشتراط الذّكوريّة في ولي النِّكاح.
والمبحث الثاني: في اشتراط البلوغ.
والمبحث الثالث: في اشتراط العقل.
والمبحث الرابع: في اشتراط الحرّية.
والمبحث الخامس: في اشتراط الإسلام.
والمبحث السادس: في اشتراط العدالة.
والمبحث السابع: في اشتراط الرّشد.
والمبحث الثامن: في اشتراط عدم الإحرام بحج أوعمرة.
الفهارس: وقد ألحقت بهذه الرسالة ثمانية فهارس، هي:
الفهرس الأوَّل: للآيات القرآنية الكريمة مرتبة على السور فالآيات.
الفهرس الثَّاني: للأحاديث النبويّة مرتّبة على الحروف مع الإحالة على صفحة التخريج.
الفهرس الثّالث: للآثار عن الصحابة.
الفهرس الرابع: للأبيات الشِّعريّة.
الفهرس الخامس: لغريب اللغة والمصطلحات العلميّة.
الفهرس السّادس: للأعلام الذين أمكن التعريف بهم على ترتيب الحروف.
الفهرس السّابع: للمصادر والمراجع مرتبة على أسامي الفنون ثم الحروف.
الفهرس الثامن: للموضوعات.
стр. 17
شكر وتقدير.
إنَّ الشكر لله أولاً وآخراً، فله الحمد كلُّه، وله الشكر كلُّه، لا نحصي نعمه، ولا نحصى ثناء عليه، ما أراده كان، وما لم يرده غير كائن، خلق الإنسان من عدم، وعلّمه ما لم يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فله الحمد والمنَّة.
ثم الشكر والتقدير والعرفان بالجميل لذوي الفضل والإحسان من علماء إجلاء، وإخوة أوفياء، كانت لهم أياد بيضٌ لم تبخل على هذه الرسالة بلمسات صدق ووفاء، فتحسّست منها مواطن ضعف فقوّته، وخطأ فأصلحته، ونقصاً فأتمَّته، وأخصّ منهم بالذكر فضيلة الدكتور/ محمد عبد الرحمن مندور- رئيس شعبة الفقه بقسم الدراسات العليا بالجامعة الذي أشرف على هذه الرسالة منذ أول لحظاتها، وفي مختلف أطوارها، فأمدَّها بعلمه وتوجيهه وخبرته الطويلة حتى بلغت غايتها، واطمأنت نفسه لتقديمها للحكم لها أوعليها، فجزاه الله عنِّي خير الجزاء، وجزى الله عني خيرًا تلك البقية الباقية من أفاضل العلماء، وكرام الزملاء، الذين آنسوني بحسن التوجيه، وصدق المودّة، ولئن أمسكت عن ذكرهم فليس غضًّا من أقدارهم، ولا زهدًا في معروفهم، ولكنه إكرام لهم بما يحبّون، فجزاهم الله عنِّي خير الجزاء.
والحمد لله أولاً وآخرًا، والصّلاة والسّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 18
الفصل الأول: تمهيد في معنى الولاية والنكاح وحكمة مشروعيتهما
المبحث الأوَّل: معنى الولاية
الوِلاية -بكسر الواو- هي الخِطَّة١، والإمارة، والسُّلطان٢. والوِلاية٣ - بكسر الواو وفتحها- النصرة٤.
قال سيبوبه: الوَلاية "أي بالفتح" المصدر، والوِلاية "أي بالكسر" الاسم مثل الإمارة والنِّقابة، لأنَّه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا٥.
وقال ابن الأثير: "وكأنَّ الوِلاية "أي بالكسر" تشعر بالتَّدبير والقدرة
стр. 19
والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي"١.
وقال ابن فارس وغيره: "كلُّ من قام بأمر شخص فهو وليّه"٢.
وعلى هذا فالوِلاية بمعناها العام: هي سلطة يملك بها الإنسان القيام على شؤون غيره. وهي لا تكون سلطة شرعية: إلا إذا كانت رعاية لمصالح غيره بمقتضى الشرع.
وعلى هذا يمكن تعريفها شرعاً بأنّها: سلطة شرعيَّة يملك بها القادر على التصرف رعاية شؤون غيره.
فيدخل في هذا التعريف الولاية العامة، أعني ولاية السّلطان على الأمّة، فإنه نائب عنهم شرعاً لرعاية مصالحهم بمقتضى شريعة ربهم.
ويدخل في هذا التعريف أيضاً: أنواع الولايات الخاصة كوِلاية الرجل على أولاده لتربيتهم، وتزويجهم، وحفظ أموالهم.
والذي يهمُّنا في هذا المبحث إنَّما هو تعريف الولاية في النِّكاح في اصطلاح الفقهاء، إلا أنَّني لم أجد تعريفاً يمكن الاعتماد عليه، بل كلُّ
стр. 20
ما وجدته هو قول بعض الحنفيَّة "إن الولاية هي: تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى"١.
واعترض على هذا التعريف بأنّه قاصر على ولاية الإجبار دون ولاية الاختيار٢.
والمقصود بولاية الإجبار هي: التي لا اعتبار فيها لإذن الموليِّ٣ عليه، فيزوّجه وليّه شاء أم أبى.
وأمّا وِلاية الاختيار فهي بعكسها: وهي التي يعتبر فيها إذن الموليّ عليه، فلا يزوجه وليّه حتى يستأذنه.
ومع أنَّ هذا التعريف غير مانع أيضاً، فهو شامل للولاية عموماً أي على النفس والمال٤. وعلى هذا التعريف جرى كلّ من كتب٥ في
стр. 21
الأحوال الشخصية١ ممن وقفت عليه. وذلك: إمّا لأن المقصود بالتأليف - عند أصحابها- بيان الوِلاية على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة - كما هو ظاهر صنيعهم- وإمّا لأنّه الراجح في نظر الكاتبين فاعتمدوه دون تعويل على غيره.
والولاية على هذا المذهب هي في الحقيقة الولاية الإجباريّة خاصّة وهي: التي لا اعتبار فيها لإذن المولى عليه لصغره، أو جنونه، أو رقِّه.
стр. 22
وأمَّا الولاية التي يعتبر فيها إذن الموليِّ عليه - على هذا المذهب-
فهي ولاية ندب واستحباب تثبت للوليّ على الحرة المكلفة بكرًا أم ثيباً؛ بمعنى: أنّ لها أن تزوِّج نفسها، ولها أن تفوِّض العقد عليها لوليِّها ندباً واستحباباً صوناً لها عن التبذّل ورميها بقلِّة الحياء.
والوليُّ هنا: عبارة عن وكيل لها. وإنّما سمِّي وليّاً لقرابته غالباً١.
وهذا بخلاف مذهب الجمهور- كما سيأتي بيانه- فإنّ الوِلاية في النِّكاح- عندهم- ثابتة على المرأة مطلقاً سواء كانت ممن يعتبر إذنها لوليِّها أم لا. ولا تلازم عندهم بين ثبوت الولاية والإجبار، فقد يثبت للوليّ حقّ الولاية في النِّكاح والإجبار معاً كما في الصغار والمجانين ذكوراً وإناثاً.
وقد تثبت له الولاية دون الإجبار، كما في الثيِّب الحرّة المكلّفة؛ إذ ليس لوليّها أن يزوِّجها بدون إذنها، ولكن ليس لها أن تتزوَّج -عندهم- إلا بعقد وليِّها لها أو نائبه أو من يقوم مقامه عند عدمه.
وهذا المعنى الذي يقصده الجمهور من الوِلاية في النِّكاح لا يكاد يفهم من التعريف السابق، والتعريف لا بدّ أن يكون جامعاً لمحلِّ الاتفاق غير متعرِّض لمحلِّ الخلاف، لذا يبدو لي من خلال ممارستي هذا البحث أن الأقرب لمراد الفقهاء بالولاية في النِّكاح يمكن تعريفه على النحو التالي:
стр. 23
وهو: أنَّ الوِلاية في النِّكاح: سلطة شرعيّة، لعصبة نسب، أومن يقوم مقامهم، يتوقَّف عليها تزويج من لم يكن أهلاً لعقده.
فقولي: "سلطة": جنس يشمل الشرعيّة وغيرها.
شرعيّة: قيد لها، يخرج غير الشرعيّة، وبيان للجهة التي يستمدُّ منها الولي ولايته أصلاً وهو الشرع. وليس من الموليّ عليه، وإن كان أحياناً لا يعقد له إلا بإذنه، وهذا هو الفرق بين الوِلاية والوكالة؛ إذ إنّ الوكيل يستمدُّ سلطته من موكِّله، فيتصرَّف بإذنه، وينعزل بعزله، وهذا بخلاف الوليّ؛ فإنَّه لا يستمدُّ ولايته من الموليّ عليه، ولا ينعزل بعزله.
وقولي: "لعصبة نسب أو من يقوم مقامه": بيان لمن يستحقّ الولاية، وإخراج لمن لا تربطه بالموليّ عليه رابطة نسب ونحوه، وإنّما قيّدتها "بعصبة النسب" لبيان القدر المتفق عليه في أقوى أسباب الولاية مشيراً بذلك إلى خلاف الشافعي ﵀ في ولاية الابن؛ إذ لا ولاية له على أمِّه- عنده- في النِّكاح وإن كان عصبة ما لم يكن نسيباً لها- كما سيأتي في محله١.
ثم عطفت بقولي "أو من يقوم مقامهم"، لبيان بقيّة أسباب الوِلاية، سواء كانت تلك الأسباب متَّفقًا عليها، كالولاية بالعتق والسلطنة، أو
стр. 24
مختلفاً فيها، كالولاية بالقرابة من غير العصبات، وبالموالاة والكفالة والإسلام والوصيّة، كما سيأتي١.
وقولي "يتوقَّف عليها" بيان لمدى هذه السلطة وهو: أنَّ الوليّ بيده عقد التزويج سواء كان الموليّ عليه ممن يعتبر إذنه أو ممن لا يعتبر. وبكلمة "تزويج"، يخرج بقيّة العقود المالية وغيرها.
وقولي "من لم يكن أهلاً لعقده": أي لعقد التزويج، وهذا بيان لمن تثبت عليهم هذه الولاية من النساء والأطفال والمجانين والأرقاء والمحجور عليهم على خلاف في بعضهم سيأتي بيانه- إن شاء الله- في محلِّه.
ولا ينتقض هذا بأنَّ بعض هؤلاء أهل لمباشرة عقد التزويج بإذن أوليائهم؛ وذلك لأنَّهم غير أهل لعقده استقلالاً عند من أثبت عليهم الوِلاية، والتعريف لمن يثبت لا لمن ينفي. والله أعلم.
стр. 25
المبحث الثَّاني: معنى النِّكاح
للنِّكاح معناه لغة وشرعاً واصطلاحاً، وإليك بيان ذلك ما أمكن:
١- أمَّا معناه لغة:
فهو: اسم يقع على الوطء، وعقد التزويج.
قال الأزهري: "أصل النِّكاح في كلام العرب الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لانَّه سبب الوطء المباح" ١.
وقال ابن فارس: "نكح" النون والكاف والحاء أصل واحد وهو
البِضاع ٢، ونَكَح ينكِح "أي بكسر الكاف"، وامرأة ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. والنِّكاح يكون العقد دون الوطء يقال: نكحتُ: تزوَّجت. وأنكحتُ غيري "بضم تاء المتكلم فيهما"٣.
وقال الجوهري: "النِّكاح الوطء. وقد يكون العقد، تقول العرب:
نكحتُها "بضم التاء" ونكحت هي أي تزوجت، وهي ناكح في بني فلان أي هي ذات زوج منهم، وقال:
стр. 26
لصلصلة اللِّجام برأس طِرْفٍ١ ... أحبّ إليّ من أن تنكحيني واستنكحها
بمعنى نكحها، وأنكحها أي زوَّجها، ورجل نُكَحةٌ، كثير النِّكاح.
والنُّكح والنِّكح "أي: بضم النون وكسرها وإسكان الكاف فيهما" لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال لأمِّ خارجة عند الخِطبة "بكسر الخاء" خُطْب "أي: بكسر الخاء وضمها وإسكان الطاء" فتقول: نُكْحُ "أي: بضم النون" حتى قالوا: أسرع من نكاح أمِّ خارجة٢.
وقال الفيروزآبادي: النِّكاح الوطء والعقد له، نكح كمنع وضرب٣.
وقال الزبيدي شارحاً تلك العبارة: النِّكاح بالكسر في كلام العرب الوطء في الأصل. وقيل هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنَّه سبب للوطء المباح٤.
стр. 27
وقال ابن منظور: نكح فلان امرأة ينكحها نكاحًا إذا تزوجها، ونكحها ينكحها: باضعها أيضاً. وكذلك دحمها وفجأها، وقال الأعشى في نكح بمعنى تزوَّج:
ولا تقربنَّ جارة، إنَّ سرَّها١ ... عليكَ حرام فانكحنْ أو تأبَّدَا٢
اهـ المقصود منه٣.
هذا بعض ما قاله أهل اللغة في معنى النِّكاح، آثرت نقل جمل من
أهمها - فيما يظهر لي- لأنهم أهل الفن- وكما قيل: "أهل مكة أدرى بشعابها"، ومنها يتضح أنّ القدر المشترك بين تلك النصوص جميعاً ثبوت استعمال لفظ النِّكاح في كلٍّ من الوطء، وعقد التزويج، وهذا مما لا خلاف فيه- فيما أعلم- وشواهده من اللغة أكثر من أن تحصى. وإنما الخلاف في تعيين حقيقة الاستعمال في كلِّ من المعنيين. وفيه بحث يطول ذكره على المباحث الفقهية، ولكن نشير إلى أهم ما قيل فيه جرياً على
стр. 28
عادة الفقهاء في بيان حقيقة معنى هذه الكلمة وأمثالها من الكلمات التي تتصدَّر أبواب الفقه؛ ليكون بيان معناها اللغوي مدخلاً للمعنى الشرعيّ أو الاصطلاحيّ؛ لذلك فإن أهم ما قيل في حقيقة النِّكاح لغة يمكن حصره في أربعة أقوال:
القول الأوَّل: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في عقد التزويج.
وعلى هذا يدلّ كلام الأزهري السابق ذكره، وكذلك الزَّبيدي في شرحه لعبارة القاموس، وإليه تشير عبارة الجوهري فإنه قال: "وقد يكون العقد"، مشيرًا لقلَّة استعماله في التزويج بخلاف الوطء.
القول الثاني: أنَّ النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء وعقد التزويج، أي مشترك لفظي، كالعين: للباصرة والجارية.
ويدلُّ على هذا المعنى ما سبق عن الجوهري، وابن فارس، والفيروزآبادي١.
وتوجيه هذا القول: أنّه تحقَّق الاستعمال في اللغة في كلٍّ منهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة٢.
واستدلَّ بعض الفقهاء لهذا المعنى بما نقل عن أبي القاسم
стр. 29
الزَّجَّاجي١ أنه قال: "النِّكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعاً، وموضع "نكح" على هذا الترتيب في كلام العرب للزوم الشيء على الشيء راكباً عليه، هذا كلام العرب الصحيح، قالوا نكح فلان فلانة ينكحها نكحاً ونكاحاً أرادوا تزوّجها" ٢.
ولكن ظاهر كلامه أنه جعله من "المتواطئ" فلا يتَّجه حمله على معنى الاشتراك اللفظيِّ كما هو الظاهر عند إطلاق لفظ المشترك "، وإنما يتجه على معنى الاشتراك المعنويّ؛ إذ هو المرادف لمعنى التواطؤ. والله أعلم.
وقال ابن جنِّي: "سألت أبا علي الفارسي عن قولهم "نكحها"، فقال: فرّقت العرب فرقاً لطيقاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: "نكح فلانة" أو "بنت فلان" أرادوا تزويجها والعقد عليها، وإذا
стр. 30
قالوا "نكح امرأته" لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأنّه بذكر امرأته وزوجته تستغنى عن العقد"١.
القول الثَّالث: أنّه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء.
وهذا في المعنى الشرعي أوضح منه في المعنى اللغويِّ كما سيأتي٢.
القول الرَّابع: أنّه حقيقة في الجمع والضَّمِّ والتداخل. أي مطلقاً، سواء كان حسيّاً أم معنويّاً.
قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، وعن المبرِّد عن البصريين أنّه الجمع، قال الشاعر:
أيّها المنكح الثريّا سهيلاً ... عَمْرَركَ الله كيف يجتمعان٣ "اهـ".
ومن وروده في الضمِّ قولهم: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض. ومنه قول الشاعر:
ضممت إلى صدري معطَّر صدرها ... كما نكحت أمُّ الغلام صبيَّها
أي كما ضمَّته٤.
стр. 31
ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النومُ عينَه إذا غلبه، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ومنه قول المتنبي:
أنكحتْ صمُّ حصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ١ ... تَغَشْمَرَتْ٢ بي إليك السهلَ والجبلا٣
وعلى هذا القول فهل النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء والعقد أو مجاز فيهما؟
قال صاحب المصباح المنير: - بعد تصريفات فعل "نكح "- قال: "يقال مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه، أو من تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها، وعلى هذا فيكون النِّكاح مجازًا في العقد والوطء جميعاً؛ لأنَّه
стр. 32
مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنَّه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما، ويؤيِّده أنّه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو "نكح في بني فلان"، ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو "نكح زوجته"، وذلك من علامات المجاز، وإن قيل غير مأخوذ من شيء فيترجح الاشتراك؛ لأنه لا يفهم واحد من قسيمه إلا بقرينة".اهـ١.
وقال ابن الهمام الحنفي- مبيّناً أنّه لا منافاة بين مذهب الحنفية أنّه حقيقة في الوطء، وقول بعضهم: أنه حقيقة في الضَّمِّ قال: ولا منافاة بين كلاميهم؛ لأنَّ الوطء من أفراد الضمِّ، والموضوع للأعمِّ حقيقة في كلٍّ من أفراده كإنسان في زيد، لا يعرف القدماء غير هذا٢.
وتعقبه ابن نجيم في البحر الرائق بالمنع؛ لمغايرة الوطء للضَّمِّ ٣.
стр. 33
ونقل المرداوي١ عن الشيخ تقي الدين ٢- ﵀ قوله:
معناه في اللغة: الجمع والضمّ على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعاً بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعاً بالعقود فهو الجمع بينهما على الدَّوام واللزوم، ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه" اهـ٣.
٢- معنى النِّكاح شرعاً.
وأمَّا حقيقة النِّكاح شرعاً فقيل فيها أربعة أقوال أيضاً:
القول الأوَّل: أته حقيقة في عقد التزويج دون الوطء.
وهذا هو الصَّحيح من مذهب الشافعية والحنابلة وظاهر صنيع بعض المالكية يدلُّ على اعتماده في المذهب٤.
стр. 34
ومن أدلة هذا القول ما يلي:
أولاً: أنَّ لفظ النِّكاح بمعنى التزويج أكثر وأشهر استعمالاً في القرآن ولسان أهل العرف. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١.
وقوله ﷺ : "أيُّما امرأة نَكَحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل- ثلاثاً-" ٢.
وقول عمر بن الخطاب ﵁: "لا تُنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان"٣
والوطء إنّما يجوز بالعقد، لا بالإذن المجرد عنه. وشواهد ذلك من القرآن والسنة وعرف الصحابة كثيرة مشهورة٤.
стр. 35
بل قيل: إنَّه لم يرد النِّكاح في القرآن إلا بمعنى التزويج، ولكن أورد على هذا أنه ينتقض في موضعين من القرآن الكريم:
أولهما: قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ١ فإن معناه الوطء؛ بدليل قوله ﷺ لامرأة رفاعة القرظيّ حين أرادت الرجوع إلى زوجها الأول قبل وطء الثاني- قال: "لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتَك". رواه الستة وغيرهم٢.
ولكن قيل: إنّ هذا الاعتراض غير وارد فإن معنى "تَنْكِحَ" في الآية تتزوَّجٌ أي بعقد وليِّها لها. وظاهر الآية أنَّ هذا يكفي، ولكن ثبت في السنة أته لا بدّ من الوطء وهو "ذوق العسيلة" كما أته لا بدَّ من التطليق بعد ذلك والعِدَّة٣.
стр. 36
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ ١،
فإنَّ معناه بلوغ الحلم٢.
وقال الراغب: "أصل النِّكاح للعقد ثم استعير للجماع، ومُحَال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد، لأنَّ أسماء الجماع كلَّها كنايات؛ لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه"٣.
ثانياً: ولأنَّه يصح نفي النِّكاح عن الوطء، فيقال: هذا سفاح لا نكاح، وصحة النفي دليل المجاز٤.
ثالثاً: أن النِّكاح أحد اللفظين المجمع على صحة العقد بهما، فكان حقيقة فيه كاللفظ الآخر وهو لفظ التزويج٥.
رابعاً: ولأنَّ الذهن ينصرف إليه عند الإطلاق ولا يتبادر إلا إليه فهو إن لم يكن حقيقة فيه أصلاً -أي في اللغة- فهو مما نقله العرف٦.
стр. 37
ولكن المخالف لا يسلِّم بهذا بل يقول: إنَّ هذا مفهومه في العرف الاصطلاحي الفقهي خاصة١.
القول الثَّاني: أنَّه حقيقة في الوطء دون العقد.
وهذا مذهب الحنفية. واختاره بعض الحنابلة، وهو أحد الأوجه عند الشافعية٢.
ودليل هذا القول: أنَّ الأصل في استعماله لغة إنَّما هو في الوطء، كما قاله الأزهري وغيره من أهل اللغة، والأصل عدم النقل٣.
وجاءت به السنة كما في قوله ﷺ في بيان ما يَحِلُّ للرجل من
стр. 38
امرأته الحائض- "اصنعوا كلَّ شيء إلا النِّكاح" ١.
وأمَّا ما ورد في الشرع بمعنى عقد التزويج فلقرينة صرفته عن معناه الحقيقيِّ إلى معنى التزويج كخطاب الأولياء في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ ٢.
أو اشتراط إذنهم كما في قوله تعالى: ﴿فانكحوهنَّ بإذن أهلهنَّ﴾ ٣.
وسمِّي عقد التزويج نكاحاً؛ لأنَّه سبب الوطء المباح٤.
стр. 39
القول الثَّالث: أن النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء والعقد. أي مشترك بينهما، ويتعيَّن المقصود منهما بالقرينة.
وهو قول لبعض الحنابلة قيل: إنَّه ظاهر ما نقل عن الإمام أحمد١.
وهو أحد الأوجه عند الشافعية٢. قال الحافظ في الفتح: "وهو الذي يترجَّح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد"٣.
وحكاه غيرهم إمَّا قولاً للفقهاء، أو لأهل اللغة على اعتبار أنَّه لا فرق بين أهل اللغة والشرع في حقيقة النِّكاح إلا في المعنى الاصطلاحي الفقهي، أمّا مجرّد الاستعمال في اللُّغة والشرَّع فالقول فيه واحد٤.
ودليل هذا القول أنَّه ثبت الاستعمال في اللغة والشّرع بمعنى الوطء والعقد، والأصل في الإطلاق الحقيقة٥.
القول الرَّابع: أنَّه حقيقة فيهما معًا- أي من الألفاظ المتواطئة.
стр. 40
وبهذا قال بعض الحنابلة، وما نقل عن الإمام أحمد يحتمله ويحتمل الاشتراك١.
وتوجيه هذا القول: أنَّ القول بالتواطؤ أولى من القول بالاشتراك والمجاز؛ لأنَّهما خلاف الأصل٢.
ونقل المرداوي عن الشيخ تقي الدين ﵀: "أنَّه في الإثبات لهما، وفي النهي لكلِّ منهما، بناء على أنَّه إذا نهي عن شيء نهي عن بعضه، والأمر به أمر بكلِّه في الكتاب والسنة والكلام، فإذا قيل- مثلاً- "انكح ابنة عمِّك"، كان المراد العقد والوطء، وإذا قيل "لا تنكحها" تناول كل واحد منهما" اهـ٣.
وظاهر هذا أنَّ النِّكاح حقيقة فيهما بالتواطؤ، وإنما بيَّن الفرق بين دلالة الإثبات والنهي، ويؤيِّده ما سبق عنه من أن النِّكاح لغة الضمُّ على أتِّم الوجوه في الأبدان والعقود"٤.
هذه أهم الأقوال في حقيقة النِّكاح لغة وشرعاً، ولا يخفى أنَّ مناقشة كلِّ قول منها وترجيح ما يقوى رجحانه منها بحث يطول بيانه. وكلُّ ما