Полный текст (1 155 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
.......................... جامدان١، رافعان لفاعلين معرفين بأل الجنسية٢؛ نحو: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٣، و ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ ٤؛ أو بالإضافة إلى ما قارنها؛ نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥ ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦؛ أو
الحواشي
(١) = قبله. ومثال بئس: قول بعضهم: وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: نعم السير على بئس العير. والصحيح مذهب البصريين، وإليه ذهب المصنف وابن مالك، وما استدل به الكوفيون مؤول.
التصريح: ٢/ ٩٤. الأشموني وحاشية الصبان: ٣/ ٢٦.
١ لخروجهما عن الأصل في الأفعال: من إفادة الحدث والزمان، ولزومها إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة، والإنشاء من معاني الحروف.
٢ المراد "أل" المعرفة؛ جنسية كانت أو عهدية، فلا يقال: نعم زيد ولا بئس رجل على الراجح. والمراد الجنس حقيقة؛ إن قصد بمدخول "أل" جميع الأفراد ثم نص على الممدوح، أو المذموم بعد، أو مجازا إن أريد بمدخولها الفرد المعين كأنه جميع الجنس مبالغة في المدح أو الذم. أما العهد فقد يكون لشيء معهود في الذهن وتكون للعهد الذهني، وقد تكون للعهد الذكري، والمعهود هو المخصوص. و"أل" الجنيسة أقوى في تأدية المقصود، وإن كانت العهدية أظهر.
٣ ٣٨ سورة ص، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: "نعم العبد".
وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" رافعا لفاعله "العبد" المعرف بـ"أل". الجنسية؛ وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.
٤ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٢٩.
موطن الشاهد: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "بئس" رافعا لفاعله "الشراب" المعرف بـ"أل" الجنسية، كما في الآية السابقة.
٥ ١٦ سورة النحل، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: ﴿لَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "دار" فاعلا لـ"نعم"، وقد أضيف إلى معرف بأل الجنسية، وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.
٦ ١٦ سورة النحل، الآية: ٢٩:
موطن الشاهد: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مثوى" فاعلا لـ"بئس"، وقد أضيف إلى معرف بأل الجنسية؛ وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.стр. 912
إلى مضاف لما قارنها؛ كقوله١: [الطويل]
٣٨٣- فنعم ابن أخت القوم غير مكذب٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو أبو طالب عم النبي ﷺ ؛ وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من كلمة يمدح فيها أبو طالب النبي ﷺ ، ويعاتب قريشا على ما كان منها، وهذا البيت يذكر فيه زهير بن أبي أمية -وهو ابن أخته عاتكة- يذكره بالخير؛ لأنه كان أحد الذين نقضوا الصحيفة التي كتبتها قريش لتقاطع آل النبي في حديث معروف.
وما ذكره المصنف صدر بيت وعجزه قوله:
زهير حساما مفردا من حمائل
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٣٩/ ٢/ ٣٧١، والسيرة: ١٧٦، وتاريخ ابن كثير: ٣/ ٥٦، والعيني: ٤/ ١٥، والهمع: ٢/ ٨٥، والدرر: ٢/ ١٠٩، وديوان أبي طالب: الورقة: ٣.
المفردات الغريبة: حسام، الحسام: السيف القاطع سمي بذلك؛ لأنه يحسم الخلاف بين الناس، حمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف.
المعنى: يمدح أبو طالب زهيرًا ابن أخته بأنه صادق المودة، مخلص لرحمه، لا ينسب إلى الكذب، وهو ماضي العزيمة نسيج وحده، كالسيف الذي يفرد عن حمائله؛ وزهير هذا هو ابن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب؛ أخت أبي طالب، وعمة رسول الله ﷺ وكان زهير أحد الرجال الذين اتفقوا على نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم، وعلقوها في الكعبة؛ ليلجئوهم إلى حمل النبي على ترك دعوته.
الإعراب: نعم: فعل ماضٍ جامد، دال على إنشاء المدح مبني على الفتح. ابن: فاعل نعم مرفوع، وهو مضاف. أخت: مضاف إليه، وهو مضاف. القوم: مضاف إليه. غير: حال من فاعل نعم، وهو مضاف. مكذب: مضاف إليه؛ وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. زهير: مخصوص بالمدح مبتدأ مؤخر، ويجوز أن نعرب "زهير": خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير: هو زهير. حساما -بالنصب- حال من زهير منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ خلافا لرواية العيني بالرفع حيث أعربها صفة لزهير، وإن صحت هذه الرواية -بالرفع- لم يصح الإعراب؛ لأن زهيرا علم، فهو معرفة وحساما نكرة، ومعلوم أن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولهذا تخرج رواية الرفع على أن "حسام": خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو حسام. مفردا: صفة لـ"حسام" منصوب. من: حرف جر. حمائل: اسم مجرور، وجره =стр. 913
أو مضمرين مستترين١ مفسرين بتمييز٢؛ نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾
الحواشي
(١) = بالكسرة ضرورة، وكان ينبغي جره بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. و"من حمائل": متعلق بـ"مفرد".
موطن الشاهد: "فنعم ابن أخت القوم".
وجه الاستشهاد: الإتيان بفاعل نعم اسما مضافا إلى مقترن بأل، وهو القوم، وقد جاءت إضافة الفاعل إلى ضمير ما فيه أل في قول الشاعر: فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها
وهو نادر لا يقاس عليه.
وأجاز الفراء، ومن تبعه من الكوفيين إضافة الفاعل إلى النكرة كما في قول الشاعر:
فنعم صاحب قوم لا سلاح له ... وصاحب الركب عثمان بن عفان
وخص الجمهور ذلك بالضرورة.
وورد مجيء الفاعل علما، أو مضافا إلى علم كقول بعض العبادلة: بئس عبد الله أنا إن كان كذا. وقول النبي ﷺ : "نعم عبد الله هذا" وأول على أن الفاعل ضمير مستتر حذف تمييزه، والعلم مخصوص بالمدح، وما بعده بدل أو عطف بيان.
انظر ضياء السالك: ٣/ ٨٢-٨٣.
١ أي: رافعان لمضمرين مستترين وجوبا غالبا. ويلتزم هذا الضمير الإفراد والتذكير، كقول الشاعر:
نعم امرأين حاتم وكعب ... كلاهما غيث وسيف عضب
ومن غير الغالب: نعما رجلين، نعموا رجالا كما سبق، وشذ إبراز الضمير مع الباء الزائدة، حيث سمع قولهم: "نعم بهم قوما".
انظر التصريح: ٢/ ٩٥.
٢ أي: بعدهما. وهذا من المواضع التي يجوز عود الضمير فيها على متأخر لفظا ورتبة، ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما؛ أي: للمخصوص بالمدح أو الذم، إفرادا وغير إفراد، وتذكيرا وتأنيثا.
خلاصة: "نعم" و"بئس" فعلا جامدان: وهما يرفعان فاعلين مقترنين بـ"أل"، أو مضافين إلى المقترن بها، ومثل هذا، بقوله: "نعم عقبى الكرما"، أو يرفعان ضميرا، يفسره تمييز؛ نحو: "نعم قوما معشره". ويشترط في هذا التمييز علاوة على مطابلقة المخصوص التي ذكرناها: أن يكون نكرة عامة متكثرة الأفراد؛ فلا يجوز: "نعم شمسا هذا الشمس"؛ لأنه لا ثاني لها. أما قولهم: نعم شمسا شمس هذا اليوم، =стр. 914
بَدَلًا﴾ ١، وقوله٢: [البسيط]
٣٨٤- نعم امرأ هرم لم تعر نائبة٣
الحواشي
(١) = فسائغ؛ لتعددها بتعدد الأيام؛ وأن يكون مؤخرا عن العامل؛ فلا يصح تقديمه على نعم وبئس. وأن يتقدم على المخصوص بالمدح أو الذم، وشذ قولهم: نعم محمد رجلا. ولا يجوز حذفه؛ لئلا يبقى الفاعل المستتر مبهما، ليس له ما يفسره، إلا إذا وجدت قرينة تدل عيه، كالتاء في قولك: "إن زرت محمدا، فبها ونعمت، أي: ونعمت زيارة زيارتك، ومنه الحديث المتقدم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" ويجب أن يكون صالحا لقبول "أل" المعرفة، فلا يكون من الكلمات المتوغلة في الإبهام، ككلمة "غير"، و"مثل"، و"شبه"، و"أي".
انظرالتصريح: ٢/ ٩٥، وضياء السالك: ٣/ ٨٣-٨٤.
١ ١٨ سورة الكهف: الآية: ٥٠.
موطن الشاهد: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فاعل "بئس" مضمرا فيها، و"بدلا": تمييز منصوب مفسر له؛ والتقدير: بئس هو -أي البدل-؛ وحكم إضماره في هذه الحالة الوجوب؛ خلافا للمبرد، وابن السراج والفارسي. التصريح: ٢/ ٩٥.
٢ القائل هو: زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت في مدح هرم بن سنان، وعجزه قوله:
إلا وكان لمرتاع لها وزرا
والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٤٦/ ٢/ ٣٧٤، وليس في ديوان زهير بن أبي سلمى.
المفردات الغريبة: لم تعر: لم تنزل ولم تعرض. نائبة: كارثة وحادثة من حوادث الدهر. لمرتاع: أي فزع وخائف، وهو اسم فاعل من ارتاع. وزرا: ملجأ ومعينا.
المعنى: يمدح هرما بأنه رجل كريم ذو مروءة، وشجاع لا تنزل بأحد نازلة، أو تحل به كارثة من كوارث الزمان تتطلب النجدة والعون، إلا أخذ بيده، وكان له معينا وناصرا ومساعدا.
الإعراب: نعم: فعل ماض، دال على إنشاء المدح، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو. امرأ: تمييز منصوب، من فاعل "نعم"، وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. هرم: مبتدأ مؤخر مرفوع. لم: حرف نفي وجزم وقلب. تعر: فعل مضارع مجزوم بـ"لم"، وعلامة جزمه حذف الواو. نائبة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. إلا: أداة استثناء. وكان: الواو: حالية، كان: فعل ماضٍ ناقص، =стр. 915
[حكم الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز] :
وأجاز المبرد وابن السراج والفارسي١: أن يجمع بين التمييز والفاعل الظاهر، كقوله٢: [البسيط] .
٣٨٥- نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت٣
الحواشي
(١) = واسمه ضمير مستتر تقديره: هو. "لمرتاع": متعلق بـ"وزر" الآتي: "بها": متعلق بـ"مرتاع". وزر: خبر كان الناقصة، وجملة "كان واسمها وخبرها": في محل نصب على الحال؛ وهذه الحال مستثناة من عموم الأحوال، والتقدير: لم تعر نائبة في حال من الأحوال إلا من الحال التي يكون فيها هرم وزرا لمن يرتاع به.
موطن الشاهد: "نعم امرأ هرم".
وجه الاستشهاد: مجيء فاعل "نعم" ضميرا مستترا، وقد فسر لإبهامه بالتمييز بعده "امرأ"، وفي البيت شاهد آخر في قوله: "إلا وكان" حيث جيء بواو الحال قبل الفعل الماضي الواقع بعد إلا، وحكم هذا الإتيان نادر، والفصيح تجرده من الواو كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
ونظير الشاهد المذكور قول الشاعر:
نعم امرأين حاكم وكعب ... كلاهما غيث وسيف عضب
انظر الأشموني: ٢/ ٣٧٦.
انظر ضياء السالك ٣/ ٨٤.
١ مرت ترجمة وافية لكل منهم.
٢ لم يُنسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
رد التحية نطقا أو بإيماء
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والعيني: ٤/ ٣٢، والهمع: ٢/ ٨٦، والدرر: ٢/ ١١٢، والمغني: ٨٤١/ ٦٠٤، والسيوطي: ٢٩٢.
المفردات الغريبة: الفتاة: المرأة الشابة الحديثة السن، وهي مؤنث الفتى. بذلت: أعطت. بإيماء؛ الإيماء: الإشارة، مصدر أومأ إلى الشيء، إذا أشار إليه.
المعنى: أن هندا تستحق الثناء، والتقدير، لو تفضلت برد التحية بالنطق، أو بالإشارة وبعد ذلك منها بذلا ومنحة.
الإعراب: نعم: فعل ماض، دال على إنشاء المدح، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. الفتاة: فاعل نعم مرفوع. فتاة: تمييز مؤكد للفاعل منصوب، وعلامة نصبه =стр. 916
ومنعه سيبويه والسيرافي١ مطلقا٢، وقيل: إن أفاد معنى زائدا جاز، وإلا فلا؛ كقوله:
فنعم المرء من رجل تهامي٣
الحواشي
(١) = الفتحة الظاهرة على رأي المبرد والفارسي وابن السراج وجماعة من المتأخرين، وحال مؤكدة لصاحبها على رأي أنصار سيبويه؛ وجملة "نعم وفاعلها": في محل رفع خبر مقدم. هند: مخصوص بالمدح، مبتدأ مؤخر مرفوع. لو: شرطية أو حرف تمن، لا محل له من الإعراب. بذلت: فعل ماضٍ، مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي. رد: مفعول به منصوب، وهو مضاف. التحية: مضاف إليه؛ إن عددنا "لو" حرف تمن، فلا جواب لها، وإن عددناها حرف شرط غير جازم فجملة "بذلت": فعل الشرط لا محل لها، ويكون جوابها محذوفا، والتقدير: لو بذلت رد التحية لنعمنا بردها. نطقا: منصوب على نزع الخافض؛ لأن الأصل: بنطق. أو بإيماء: معطوف على نطقا بأو.
موطن الشاهد: "نعم الفتاة فتاة".
وجه الاستشهاد: الجمع بين فاعل نعم الظاهر "الفتاة"، وبين تمييزها "فتاة"، وليس في التمييز معنى زائد على ما يدل عليه الفاعل غير أن الغرض منه مجرد التوكيد لا رفع إبهام شيء، ومثله قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا
وهذا الرأي مؤيد بما ورد كثيرا نظما ونثرا في الفصيح من كلام العرب، وهو الصحيح، وقد ورد في النثر قول الحارث بن عباد حين بلغه أن ابنه بجيرا قتل في حرب البسوس: "نعم القتيل قتيلا أصلح بين بكر وتغلب". وهو من النثر الذي لا ضرورة فيه.
١ مرت ترجمة لكل منهما.
٢ أي سواء أفاد التمييز معنى زائدا عما يفيده الفاعل أم لا؛ لأن التمييز لرفع الإبهام، ولا إبهام مع ظهور الفاعل. وقد أولا ما ورد من ذلك بجعل المنصوب حالا مؤكدا. التصريح: ٢/ ٩٦.
٣ البيت لأبي بكر الأسود بن شعوب الليثي، وقيل: لبجير بن عبد الله بن سلمة بن قشير. وما ذكره المؤلف عجز بيت وصدره قوله:
تخيره فلم يعدل سواه
وقد مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه برقم: ٢٨٥.
موطن الشاهد: "فنعم المرء من رجل". =стр. 917
[ما المتصلة بنعم وبئس وإعرابها] :
واختلف في كلمة "ما" بعد نعم وبئس؛ فقيل: فاعل١؛ فهي معرفة ناقصة،
الحواشي
(١) = وجه الاستشهاد: الجمع بين فاعل "نعم" الظاهر وهو "المرء"، وبين التمييز "من رجل"؛ وقد أفاد التمييز معنى زائدا عما أفاده الفاعل بسبب نعته بكونه تهاميا؛ أي: منسوبا إلى تهامة؛ وتهامة: اسم لما انخفض عن نجد من بلاد الحجاز.
١ وعلى ذلك فهي مستثناة من شرط الفاعل المتقدم. ومثل "ما"، "من"، وتكون موصولة، أو نكرة تامة أو موصوفة، ولا تكون معرفة. و"ما" الواقعة بعد "نعم" أو "بئس" على ثلاثة أضرب؛ وذلك لأنها إما أن لا يقع بعدها شيء أصلا، وإما أن يقع بعدها اسم مفرد: أي: ليس جملة ولا شبه جملة، وإما أن يقع بعدها جملة فعلية.
أ- فإن كانت لم يقع بعدها شيء؛ نحو: صادقت زيدا فنعما، أو تقول: اختبرت زاهرا فبئسما، فللنحاة فيها قولان:
أحدهما: أن "ما" معرفة تامة فهي فاعل، والتقدير: صادقت زيدا فنعم الصديق، واختبرت زاهرا فبئس المختبر.
وثانيهما: أن "ما" نكرة تامة فهي تمييز، والتقدير: صادقت زيدا فنعم صديقا، واختبرت زاهرا فبئس مختبرا.
ب- وإن وقع بعدها اسم مفرد؛ نحو: قولك: "صادقت عليا فنعما هو"؛ ونحو قولك: بئسما عمل بغير نية، فللنحاة ثلاثة أقوال في هذه الحالة:
الأول: أنها معرف تامة فهي فاعل.
الثاني: أنها نكرة تامة فهي تمييز، والاسم الذي بعدها -على هذين القولين- هو المخصوص بالمدح أوبالذم.
الثالث: أن "ما" قد ركبت مع نعم أو بئس، فصار الجميع كله واحدة، وهي فعل ماضٍ لإنشاء المدح أو الذم، والاسم الذي يليها فاعل، وهذا القول ينسب للفراء.
ج- وإن وقع بعد "ما" جملة فعلية؛ نحو قوله تعالى: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ، وقوله جل شأنه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ، فللنحاة فيها أربعة أقوال:
الأول: أنها موصولة معرفة في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلة لا محل لها.
الثاني: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل نصب صفة لها، وهذا رأي الأخفش والزجاج والفارسي؛ أو الجملة بعدها صفة لمخصوص بالمدح أو بالذم محذوف.
الثالث: أن "ما" هي المخصوص بالمدح أو بالذم، وهي اسم موصول، والفاعل ضمير مستتر فيه، وهذا قول الكسائي، ونقل عن الفراء أيضا. =стр. 918
أي: موصولة، في نحو: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ١؛ أي: نعم الذي يعظكم به، ومعرفة تامة في نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٢؛ أي: فنعم الشيء هي، وقيل: تمييز؛ فهي نكرة موصوفة في الأول وتامة في الثاني٣.
[حكم المخصوص بالمدح والذم بعدهما] :
فصل: ويذكر المخصوص بالمدح، أو الذم بعد فاعل نعم وبئس٤؛ فيقال:
الحواشي
(١) = الرابع: أن "ما" كافة لنعم أو بئس عن العمل.
انظر التصريح: ٢/ ٩٦-٩٧، همع الهوامع: ٢/ ٨٦.
١ ٤ سورة النساء، الآية: ٥٨.
موطن الشاهد: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ما" في محل رفع فاعل؛ وجملة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ : صلة للموصول، والمخصوص بالمدح محذوف؛ والتقدير: نعم الذي يعظكم به؛ وهذا منقول عن الفارسي؛ وقيل: هي نكرة. موصوفة بالجملة الفعلية، في محل نصب تمييز.
التصريح: ٢/ ٩٦.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٧١.
موطن الشاهد: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "ما" معرفة تامة؛ لأنه تلاه المفرد "هي"؛ وهو المخصوص؛ وهو منقول على سيبويه؛ والأصل: فنعم الشيء إبداؤها؛ لأن الكلام في الإبداء لها في الصدقات؛ وقيل: هي نكرة تامة -لعدم وجود الجملة- واقعة في محل نصب تمييز.
التصريح؛ ٢/ ٩٦.
٣ يذكر هنا أنه إذا كان فاعل "نعم وبئس" ضميرا مستترا، فلا يجوز أن يكون له تابع؛ من نعت أو عطف أو توكيد أو بدل، وإذا كان فاعلهما مفردا ظاهرا امتنع توكيده توكيدا معنويا؛ فإن كان مثنى أو جمعا جاز، نقول: نعم الصديقان كلاهما محمد وعلي، ونعم الأصدقاء كلهم محمد وعلي وعمر. والمؤنث كالمذكر. أما التوكيد اللفظي فجائز، وكذلك العطف والبدل، أما النعت فيجوز إذا أريد به الإيضاح لا التخصيص؛ لأن التخصيص منافٍ للتعميم المفهوم من أل الجنسية.
٤ يشترط في المخصوص: أن يكون معرفة، أو نكرة مختصة بوصف أو إضافة أو غيرهما من وسائل التخصيص. وأن يكون أخص من الفاعل لا مساويا له ولا أعم؛ وذلك ليحصل التفصيل بعد الإجمال، فيكون أوقع في النفس. وأن يكون مطابقا له =стр. 919
"نعم الرجل أبو بكر"، و"بئس الرجل أبو لهب"، وهو: مبتدأ، والجملة قبله: خبره١؛ ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ واجب الحذف؛ أي: الممدوح أبو بكر، والمذموم أبو لهب٢.
وقد يتقدم المخصوص؛ فيتعين كونه مبتدأ، نحو: "زيد نعم الرجل".
وقد يتقدم ما يشعر به فيحذف؛ نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٣ أي: هون وليس منه "العلم نعم المقتنى"٤؛ وإنما ذلك من التقدم٥.
[بناء "فعل" الثلاثي وإجراؤه مجرى "نعم" و"بئس"] :
فصل: وكل فعل ثلاثي صالح للتعجب منه؛ فإنه يجوز استعماله على فَعُل بضم
الحواشي
(١) = في المعنى: تذكيرا وتأنيثا، وإفرادا وتثنية وجمعا. وأن يكون متأخرا عنه ليكون أدعى للتشويق. وكذلك يجب تأخيره عن التمييز إذا كان الفاعل ضميرا مستترا له تمييز، نحو: نعم رجلا المجاهد؛ فإن كان الفاعل اسما ظاهرا جاز تقديم المخصوص على التمييز وتأخيره، تقول: نعم المجد تلميذا محمد، ونعم المجد محمد تلميذا. وإذا كان المخصوص مؤنثا، جاز تذكير الفعل وتأنيثه، وإن كان الفاعل مذكرا.
١ والرابط عموم الفاعل، أو إعادة المبتدأ بمعناه، وهذا مذهب سيبويه ومن تبعه، وهو الراجح.
التصريح: ٢/ ٩٧. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٣٧.
٢ وهذا مذهب الجمهور.
٣ ٣٨ سورة ص، الآية: ٤٤.
موطن الشاهد: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف المخصوص بالمدح، وهو ضمير "أيوب"؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو يصلح أن يكون مخصوصا؛ والتقدير: نعم العبد هو.
٤ هذا من أمثلة ابن مالك في الألفية.
٥ هذا إذا أعرب "العلم" مبتدأ، أما إذا أعرب "العلم" خبرا لمبتدأ محذوف، أي: الممدوح العلم، أو عكسه، أو أعرب مفعولا لمحذوف أي: الزم العلم، وجملة "نعم المقتنى": مستأنفة فيكون من تقديم المشعر لا المخصوص؛ لعدم صلاحيته للتأخير؛ لأنه من جملة أخرى، وعلى هذا يحمل كلام الناظم.
التصريح: ٢/ ٩٧. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٣٧.стр. 920
العين؛ إما بالأصالة: كـ"ظرف وشرف" أو بالتحويل١: كـ"ضرب" و"فهم"، ثم يجري، حينئذ، مجرى نعم وبئس: في إفادة المدح والذم، وفي حكم الفاعل، وحكم المخصوص؛ تقول في المدح: "فهم الرجل زيد"، وفي الذم: "خبث الرجل عمرو".
[حكم ساء] :
ومن أمثلته "ساء"٢ فإنه في الأصل سوأ بالفتح؛ فحول إلى فعل، بالضم، فصار قاصرا، ثم ضمن معنى "بئس" فصار جامدا، قاصرا، محكوما له ولفاعله بما ذكرنا؛ تقول: "ساء الرجل أبو جهل"، و"ساء حطب النار أبو لهب" وفي التنزيل: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٣، و ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤.
الحواشي
(١) ١ أي: إذا كان في الأصل مفتوح العين أو مكسروها كمثالي المصنف. ثم إن كان الفعل معتل العين بقي قلبها ألفا مع تقدير تحويله إلى "فعل"؛ نحو: طال الرجل محمد، وباع رجلا علي، أي: ما أطوله وأبيعه، وإن كان معتل اللام ظهرت الواو وقلبت الياء واوا: تقول: غزو، ورمو، وقيل: يقر على حاله، والحكمة في التحويل لحاقه بأفعال الغرائز ليصير قاصرا.
التصريح: ٢/ ٩٨. الهمع: ٢/ ٨٧-٨٨.
٢ خصها المصنف والناظم بالذكر؛ لأنها للذم العام فهي أشبه ببئس، ولكثرة استعمالها وللخلاف فيها، أهي مثل بئس في المعنى والحكم؟ أم هي مثلها في المعنى، أما في الأحكام فكالأفعال المحولة؟.
٣ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٢٩.
موطن الشاهد: ﴿سَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع فاعل "ساء" ضميرا مستترا، يعود على النار. ومرتفقا: تمييز على حذف مضاف؛ أي: نار مرتفق؛ لأن التمييز، ينبغي أن يكون عير المميز في المعنى. والمرتفق: المتكأ.
انظر التصريح: ٢/ ٩٨.
٤ ٢٩ سورة العنكبوت، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: جواز كون "ما" فاعلا لـ"ساء"، أو تمييزا؛ فعلى الأول: هي اسم موصول "والجملة": صلة لها؛ والتقدير: ساء الذي يحكمونه؛ وعلى الثاني: هي =стр. 921
ولك في فاعل فعل المذكور أن تأتي به اسما ظاهرا مجردا من "أل"، وأن تجره بالباء، وأن تأتي به ضميرا مطابقا؛ نحو: "فهم زيد"١، وسمع "مررت بأبيات جاد بهن أبياتا" و"جدن أبياتا"٢؛ وقال٣: [المديد]
٣٨٦- حب بالزور الذي لا يرى٤
الحواشي
(١) = نكرة موصوفة؛ والتقدير: ساء شيئا يحكمونه؛ وعلى الوجهين، فالمخصوص بالذم محذوف.
انظر شرح التصريح: ٢/ ٩٨.
١ بهذا خالف الفعل المحول إلى فعُل -بضم العين- نعم وبئس، فقد علمت أن فاعل نعم وبئس لا يكون إلا مقترنا بأل، أو مضافا لما قارنها أو إلى مضاف إلى ما قارنها، ومن المحول إلى فعل بالضم "حب" إذا لم يكن معها "ذا" وهذا الذي ذكره المؤلف من حكم هذه الأفعال هو في أصله رأي الأخفش والمبرد، وهو المشهور عن العلماء، ولكن الدماميني قد بحث أنه يلتزم في فاعل ساء ما التزم في فاعل بئس، وجزم الشاطبي بأن فاعل "حب" إذا لم يكن معه "ذا" يلتزم فيه ما لزم في فاعل نعم.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ٩٨، الأشموني: ٢/ ٣٨٠. والأشموني مع الصبان: ٣/ ٤٠.
٢ حكى ذلك الكسائي، بزيادة الباء في الفاعل أولا، وتجرده منها ثانيا، وهو سبب تمثيل المصنف به. وجاد بهن؛ من جاء الشيء إذا صار جيدا، وأصله: جود، فحول إلى "فعُل"؛ لقصد المبالغة والتعجب، وزيدت الباء في الفاعل، وعوض من ضمير الرفع ضمير الجر، فقيل: بهن، و"أبياتا" تمييز، و"جدن" فعل وفاعل، و"أبياتا" تمييز أيضا. وقد جمع فيهما بين الفاعل والتمييز.
٣ القائل: هو الطرماح بن حكيم، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
منه إلا صفحة أو لمام
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٩، والأشموني: ٥٥/ ٢/ ٣٨٠، والعيني: ٤/ ١٥، والمقرب: ١١، والهمع: ٢/ ٨٩، والدرر: ٢/ ١١٩، وديون الطرماح: ٧٩.
المفردات الغريبة: الزور: الزائر، وهو مصدر يراد به اسم الفاعل، ويطلق على الواحد والجمع مذكرا ومؤنثا. صفحة: المراد صفحة الوجه، وهي جانبه. لمام: جمع لمة، وهي الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكب سمي: جمة.
المعنى: ما أحب الضيف الذي لا يثقل على مضيفه بالمكث عنده ومضايقته، حتى لا =стр. 922
أصله "حبب الزور"، فزاد الباء، وضم الحاء؛ لأن فعل المذكور، يجوز فيه أن تسكن عينه، وأن تنقل حركتها إلى فائه؛ فتقول: "ضرب الرجل" و"ضرب".
["حبذا" و"لا حبذا" وإعرابهما] :
فصل: ويقال في المدح: "حبذا" وفي الذم: "لا حبذا" قال١: [المتقارب]
٣٨٧- ألا حبذا عاذري في الهوى ... ولا حبذا الجاهل العاذل٢
الحواشي
(١) = يكاد يتحقق من ملامحه لسرعة انصرافه وتركه المضيف.
الإعراب: حب: فعل ماضٍ، دال على إنشاء المدح. بالزور: الباء: حرف جر زائد، الزور: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل "حب". الذي: اسم موصول في محل رفع صفة لـ"الزور". لا: نافية لا عمل لها. يرى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. "منه": متعلق بـ"يرى". إلا: أداة حصر، لا عمل لها. صفحة: نائب فاعل مرفوع. أو: حرف عطف. لمام: اسم معطوف على صفحة مرفوع، وسكن لضرورة الروي؛ وجملة "لا يرى": صلة للموصول، لا محل لها من الإعراب.
موطن الشاهد: "حب بالزور".
وجه الاستشهاد: مجيء فاعل حب التي تفيد معنى نعم مقترنا بالباء الزائدة؛ لأن المعنى قريب من معنى صيغة التعجب، وقد علمنا سابقا أن الباء تزاد باطراد في فاعل فعل التعجب فحمل ما في البيت على تلك الزيادة، غير أن الباء ليست واجبة الزيادة مع الفاعل في "حب"، فيجوز أن نقول: حب زيد، وحب بزيد: حيث استعمله مجنون ليلى من دون أن يقرن فاعله بالباء، وأتى بالتمييز بعده حيث قال:
نسائلكم هل سال نعمان بعدنا ... وحب إلينا بطن نعمان واديا
١ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
٢ تخريج الشاهد:
البيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٠٠، والعيني: ٤/ ١٦، والهمع: ٢/ ٨٩، والدرر: ٢/ ١١٧.
المفردات الغريبة: العاذر: الذي يقبل العذر، ولا يلوم، من عذره يعذره؛ والاسم: المعذرة. العاذل: اللائم، من عذله يعذله، والاسم: العذل.
المعنى: نعم من يعذرني في الهوى، ويكف عن لومي وعذلي، وبئس الجاهل الغبي الذي يلومني، ولا يلتمس لي عذرا.
الإعراب: ألا: حرف استفتاح وتنبيه، لا محل له من الإعراب. حبذا: حب: فعل =стр. 923
ومذهب سيبويه أن "حب" فعل، و"ذا" فاعل، وأنهما باقيان على أصلهما١، وقيل: ركبا وغلبت الفعلية؛ لتقدم الفعل، فصار الجميع فعلا وما بعده فاعل٢، وقيل: ركبا وغلبت الاسمية لشرف الاسم، فصار الجميع اسما مبتدأ وما بعده خبرا٣.
الحواشي
(١) = ماضٍ لإنشاء المدح مبني على الفتح، و"ذا" اسم إشارة في محل رفع فاعل، وجملة "حبذا": في محل رفع خبر مقدم. عاذري: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وياء المتكلم: في محل جر بالإضافة. "في الهوى": متعلق بـ"عاذر". ولا: الواو: عاطفة، لا: نافية، لا محل لها من الإعراب. حبذا: حب: فعل ماضٍ مبني على الفتح، و"ذا": اسم الإشارة فاعله، والجملة في محل رفع خبر مقدم. الجاهل: مبتدأ مؤخر مرفوع. العاذل: صفة للجاهل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
موطن الشاهد: "حبذا عاذري"، و"لا حبذا صحبة الجاهل".
وجه الاستشهاد: استعمال حبذا للمدح في الشطر الأول من البيت، و"لا حبذا" للذم في الشطر الثاني.
ومثل هذا البيت قول الشاعر:
ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
انظر شرح التصريح: ٢/ ٩٩.
١ أي: أنهما جملة فعلية ماضوية؛ لإنشاء المدح، و"ذا" كفاعل "نعم" لا يجوز إتباعه. وإذا وقع بعده اسم؛ نحو: حبذا الرجل، فهو المخصوص لا تابع لاسم الإشارة.
٢ هذا رأي ضعيف؛ لأنه لم يعهد تركيب فعل من فعل واسم على أنه قد يحذف المخصوص، والفاعل لا يحذف.
٣ وأجاز بعضهم كون "حبذا" خبرا مقدما، والاسم بعده مبتدأ مؤخر، وينسب هذا إلى المبرد وابن السراج، وضعف بأن "حبذا" لو كان اسما لوجب تكرار "لا" عند إهمالها في نحو: لا حبذا زيد ولا عمرو، وأيضا: عمل "لا" في معرفة، إن أعملت عمل "إن" أو ليس، وبقي وجه آخر، وهو: أن يكون "حب" فعلا، و"ذا" ملغاة، والاسم بعده فاعل.
مغني اللبيب: ٧٢٥، والتصريح: ٢/ ٩٩. حاشية الصبان: ٣/ ٤٠، ابن عقيل "طبعة دار الفكر": ٣/ ١٣٨.
فائدة: أجاز بعض النحاة أن يكون "حبذا" خبرا مقدما، والاسم بعده مبتدأ مؤخرا، وهناك وجه آخر، وهو أن يكون "حب" فعلا و"ذا" ملغاة، والاسم بعده فاعلا؛ وهذا الوجه في العمل كالوجه الأول من وجوه التركيب المذكورة في المتن، ولكنه غيره في =стр. 924
ولا يتغير "ذا" عن الإفراد والتذكير؛ بل يقال: "حبذا الزيدان والهندان"، أو "الزيدون والهندات"؛ لأن ذلك كلام جرى مجرى المثل؛ كما في قولهم: "الصيف ضيعت اللبن"، يقال لكل أحد بكسر التاء وإفرادها١، وقال ابن كيسان: لأن المشار إليه مضاف محذوف، أي: حبذا حسن هند٢.
[لا يتقدم المخصوص على حبذا] :
ولا يتقدم المخصوص على "حبذا" لما ذكرنا من أنه كلام جرى مجرى المثل، وقال ابن بابشاذ٣: لئلا يتوهم أن في "حب" ضميرا٤، وأن "ذا" مفعول٥.
الحواشي
(١) = التقدير: وخلاصة القول في "حبذا زيد": أن لها خمسة أوجه من الإعراب: الأول: أن يكون "حب" فعلا ماضيا، و"ذا" فاعله، والجملة خبر مقدم وزيد مبتدأ مؤخر. الثاني: أن يكون "حبذا" برمته فعلا، و"زيد" فاعل. الثالث: أن يكون "حبذا" برمته مبتدأ، وزيد خبره. الرابع: أن يكون "حبذا" فعلا وفاعلا، وزيد مبتدأ خبره محذوف.
الخامس: أن يكون "حبذا" فعلا وفاعلا، وزيد خبر لمبتدأ محذوف.
انظر التصريح: ٢/ ٩٩، مغني اللبيب: ٧٢٥.
١ ذلك؛ لأنه في الأصل خطاب لامرأة طلقت زوجا غنيا؛ لكبره، وأخذت شابا فقيرا، وكان ذلك في زمن الصيف، فلما جاء الشتاء أرسلت للأول تطلب منه لبنا، فقال لها ذلك، وصار مثلا يضرب لمن يطلب الشيء بعد تفريطه فيه، و"الصيف" منصوب على الظرفية لضيعت.
وهو من أمثال الميداني "تحق عبد الحميد": ٢/ ٦٨ رقم: ٢٧٢٥.
٢ رد ابن العلج على ابن كيسان؛ بأنه لو كان كما ذكره لظهر هذا المبتدأ المقدر في بعض التراكيب العربية، ولم يثبت إطلاقا، فهو قول لا دليل عليه.
التصريح: ٢/ ١٠٠، حاشية الصبان: ٣/ ٤١.
٣ مرت ترجمته.
٤ أي مرفوعا على الفاعلية عائدا على المخصوص. وهذا التوهم بعيد؛ لأن معنى هذا التركيب قد اشتهر في غير ذلك المعنى المتوهم؛ على أن هذا التوهم الذي يفر منه، لا يمتنع وروده على الذهب بسبب التأخير؛ لأنه يفهم أن "ذا" مفعول مقدم "وزيد" فاعل مؤخر.
التصريح: ٢/ ١٠٠.
٥ بقي أن نقول: إن مخصوص "حبذا" يخالف مخصوص "نعم" في أمور: =стр. 925
تنبيه: إذا قلت "حب الرجل زيد" فحب هذه من باب فعل المتقدم ذكره، ويجوز في حائه الفتح والضم، كما تقدم؛ فإن قلت "حبذا" ففتح الجاء واجب إن جعلتهما كالكلمة الواحدة.
الحواشي
(١) = الأول: مخصوص "نعم" يجوز تقدمه عليها؛ نحو: زيد نعم الرجل، بخلاف مخصوص "حبذا"، وقد ذكر ذلك المصنف.
الثاني: يجوز إعمال النواسخ في مخصوص "نعم"؛ نحو؛ نعم رجلا كان زيد، بخلاف مخصوص "حبذا"، فإن النواسخ لا تعمل فيه.
الثالث: أن تقديم التمييز على المخصوص بعد "حبذا" وتأخير التمييز عن المخصوص سواء في القياس كثير في الاستعمال، وإن كان تقديم التمييز أولى وأكثر، بخلاف المخصوص، بنعم؛ فإن تأخير التمييز عنه -عند البصريين- شاذ في غاية الندرة.
الرابع: أنه مع اشتراكهما في جواز إعرابهما مبتدأ خبره الجملة قبله، أو خبرا مبتدؤه محذوف وجوبا، إلا أن الوجه الثاني في "حبذا" أسهل منه في "نعم"، من جهة أن النواسخ تدخل عليه مع نعم، وهي لا تدخل إلا على المبتدأ، فيترجح فيه الوجه.
الأشموني: ٢/ ٣٨٣-٣٨٣، والأشموني مع حاشية الصبان: ٣/ ٤٢-٤٣.стр. 926
[باب أفعل التفضيل] ١
[ما يصاغ منه أفعل التفضيل] :
إنما يصاغ أفعل التفضيل مما يصاغ منه فعلا التعجب؛ فيقال: "هو أضرب" و"أعلم" و"أفضل"، كما يقال: "ما أضربه" و"أعلمه" و"أفضله" وشذ بناؤه من وصف لا فعل له؛ كـ"هو أقمن به" أي: أحق، و"ألص من شظاظ"٢، ومما زاد على ثلاثة كـ"هذا الكلام أخصر من غيره"٣، وفي أفعل المذاهب الثلاثة٤، وسمع "هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم للمعروف"٥، و"هذا المكان أقفر من
الحواشي
(١) ١ هو اسم مشتق مصوغ؛ للدلالة على شيئين اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر فيها. وقياسه "أفعل" للمذكر ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل، و"فعلى" للمؤنث. أما خير وشر وحب، فقد حذفت همزتها؛ لكثرة الاستعمال، وجاء على الأصل قول رؤبة: بلال خير الناس وابن الأخير، وقراءة بعضهم: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ ، وفي الحديث: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
الأشموني: ٢/ ٣٨٣، حاشية الصبان: ٣/ ٤٣.
٢ بنوه من لص. وقد حكى ابن القطاع لصص -بالفتح- إذا استتر، وحكي أيضا: لصصه إذا أخذه خفية. وعلى ذلك لا شذوذ فيه. وشظاظ -بكسر الشين- اسم لص من بني ضبة معروف بالذكاء في اللصوصية، ويضرب به المثل، يقال: "أسرق من شظاظ"، و"ألص من شظاظ"، ويقال أيضا: "ألص من سرحان" وهو الذئب، و"ألص من فأرة".
انظر مجمع الأمثال للميداني "تحقيق: محيي الدين عبد الحميد": ٢/ ٢٥٧، برقم: ٣٧٤٥.
٣ بنوه من: "اختصر". وفيه شذوذ آخر، وهو بناؤه من المبني للمجهول.
٤ أي: في بناء "أفعل" التفضيل من الرباعي الذي على وزن "أفعل" الخلاف السابق في التعجب؛ فقيل: يجوز مطلقا، وقيل: يمتنع مطلقا، وقيل: يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل وإلا فلا.
٥ هذان شاذان عند من يمنع ذلك مطلقا، وعند من يمنع إذا كانت الهمزة للنقل؛ لأن همزتها كذلك.стр. 927
غيره"١، ومن فعل المفعول كـ"هو أزهى من ديك"٢ و"أشغل من ذات النحيين"٣ و"أعنى بحاجتك".
[ما يتوصل به إلى ما عدم الشروط] :
وما توصل به إلى التعجب مما لا يتعجب منه بلفظه يتوصل به إلى التفضيل، ويجاء بعده بمصدر ذلك الفعل تمييزا؛ فيقال: "هو أشد استخراجا" و"حمرة".
[حالات اسم التفصيل] :
فصل: ولاسم التفضيل ثلاثة حالات٤.
إحداها: أن يكون مجردا من أل والإضافة، فيجب له حكمان:
الحواشي
(١) ١ هذا شاذ على القول بالمنع مطلقا؛ لأن همزته ليست للنقل.
٢ بنوه من قولهم: زهي، بمعنى تكبر، وحكى ابن دريد: زها يزهو، أي: تكبر، وعليه فلا شذوذ؛ لأنه من المبني للفاعل، وهو من أمثال الميداني.
أمثال الميداني: ١/ ٣٢٧، برقم: ١٧٦١.
٣ بنوه من "شغل"؛ لأن المراد أنها أكثر مشغولة. والنحيين: تثنية نحي وهو زق السمن؛ أمثال الميداني: ١/ ٣٧٦، برقمك ٢٠٢٩. الأشموني وحاشية الصبان: ٣/ ٤٣-٤٤.
٤ هذا باعتبار لفظه، وله باعتبار معناه ثلاثة استعمالات.
أ- ما تقدم في تعريفه.
ب- أن يراد به؛ أن شيئا زاد في صفة نفسه على آخر في صفته، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء؛ أي: الصيف أبلغ في حره من الشتاء في برده، ومثل: العسل أحلى من الخل ونحو ذلك: وليس في هذه الحالة وصف مشترك وإنما الاشتراك في الزيادة.
ج- أن يتجرد عن معنى التفضيل، ويراد به ثبوت الوصف لمحله فيؤول باسم فاعل، أو صفة مشبهة. فإن أضيف لمعرفة تعينت المطابقة كما سيأتي: نحو الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي: عادلاهم، ونصيب أشعر الحبشة، أي: شاعرهم. وإن لم يضف، ولم يقترن بأل ولا بمن، فالأكثر فيه عدم المطابقة؛ نحو: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ، أي: هين، ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ ، أي: عالم، وقد يطابق وعليه يخرج قول أبي نواس الآتي: كأن صغرى ... البيت.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٠٢.стр. 928
أحدهما: أن يكون مفردا مذكرا دائما؛ نحو: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ﴾ ١؛ ونحو: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية٢، ومن ثم قيل في "أُخَر" إنه معدول عن آخر٣، وفي قول ابن هانئ٤: [البسيط]
٣٨٨- كأن صغرى وكبرى من فقاقعها٥
الحواشي
(١) ١ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٨.
موطن الشاهد: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أحب" اسم تفضيل مجردا من "أل" والإضافة؛ فجاء مفردا مذكرا؛ وحكم مجيئه على هذه الحالة -بالتذكير- الوجوب؛ وقد أفرد -هنا- مع المثنى.
٢ ٩ سورة التوبة، الآية: ٢٤.
موطن الشاهد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد اسم التفضيل مع الجماعة.
٣ أي: وليس من باب التفضيل؛ لأنه ليست فيه مشاركة وزيادة؛ لأن معناه الأصلي: أشد تأخرا، و"أخر": جمع أخرى، أنثى آخر على وزن "أفعل".
٤ هو: أبو نواس؛ الحسن بن هانئ، شاعر العراق في عصره، وأحد الشعراء المكثرين، كان له علم باللغة حتى شهد له بذلك الشافعي ﵁ اشتهر بمجونه وخمرياته، بالإضافة لنظمه في كل أنواع الشعر، له ديوان مطبوع ومشهور. اختلف في ولادته وموته، والمشهور أنه ولد سنة ١٤٦هـ، وتوفي سنة: ١٩٨هـ.
خزانة الأدب: ١/ ١٦٨، وفيات الأعيان: ١/ ١٣٥، الأعلام: ٢/ ٢٢٥، الشعر والشعراء: ٢/ ٧٩٦
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت في وصف الخمر، وعجزه قوله:
حصباء در على أرض من الذهب
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٢، والأشموني: ٧٦٧/ ٢/ ٣٨٦، والعيني: ٤/ ٥٠، والمغني: ٧٠٦/ ٤٩٨، وشرح المفصل: ٦/ ١٠٠، ١٠٢، وديوان أبي نواس: ٢٤٣.
المفردات الغريبة: فقاقعها: جمع فقاعة، وهي النفاخات التي على وجه الماء أو الخمر، شبه حبات صغيرة من الحصباء وهي: دقاق الحصى. در: لآلئ، جمع درة، وهي اللؤلؤة.
المعنى: كأن النفاخات الصغيرة البيضاء التي تعلو الخمر، وهي في الكأس في لونها الذهبي حبات من اللؤلؤ على أرض من ذهب. =стр. 929
إنه لحن.
والثاني: أن يؤتى بعده بمن١ جارة للمفضول٢؛ وقد تحذفان٣ نحو:
الحواشي
(١) = الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. صغرى: اسم كأن منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف؛ للتعذر. وكبرى: الواو: عاطفة، كبرى: اسم معطوف على صغرى، منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف؛ للتعذر. من: حرف جر. فقاقعها: اسم مجرور، و"ها": مضاف إليه، و"من فقاقع": متعلق بمحذوف صفة لـ"صغرى" و"كبرى". حصباء: خبر كأن مرفوع، وهو مضاف. در: مضاف غليه مجرور. "على أرض": متعلق بمحذوف صفة لـ"حصباء در". "من الذهب": متعلق بمحذوف صفة لـ"أرض".
موطن التمثيل به: "صغرى وكبرى".
وجه الاستشهاد: مجيء أفعل التفضيل "صغرى" و"كبرى" مؤنثا مع أنه مجرد من أل والإضافة، وكان حقه أن يأتي مفردا مذكرا فيقال: أصغر وأكبر؛ ولهذا قال بعضهم: إنه لحن.
غير أن آخرين قالوا: إنه لم يقصد التفضيل وإنما أراد معنى الوصف المجرد عن الزيادة، فـ"صغرى" و"كبرى" -هنا- صفة مشبهة لا أفعال تفضيل.
١ ولا يجر المفضول غيرها من الحروف، وهي واجبة في هذه الحالة، واختلف في معناها، فقال المبرد: هي للابتداء، وتكون لابتداء الارتفاع إذا كان السياق للمدح؛ نحو: النشيط أفضل من الخامل، ولابتداء الانحطاط إذا كان السياق للذم؛ نحو: المنافق أضر من العدو. وقال ابن مالك: هي للمجاوزة؛ أي: أن المفضل جاوز المفضول في الوصف الممدوح أو المذموم، وزاد عليه.
التصريح: ٢/ ١٠٢. والأشموني: ٢/ ٣٨٤. والأشموني مع الصبان: ٣/ ٤٥.
٢ يجوز الفصل بين أفعل التفضيل و"من" الداخلة على المفضول بأحد شيئين: الأول: معمول أفعل التفضيل؛ نحو: على أحفظ للآداب من عمرو، والثاني: "لو" ومدخولها؛ نحو قول الشاعر:
ولفوك أطيب لو بذلت لنا ... من ماء موهبة على خمر
الأشموني: ٢/ ٣٨٥.
٣ اختلف النحاة عند حذف "من" ومجرورها -وهو المفضل عليه في صيغة أفعل- أيلزم كونها دالة على التفضيل، أم يجوز خلوها من هذه الدلالة؟
ذهب الكسائي والفراء وهشام، وتبعهم المحقق الرضي إلى أن هذه الصيغة لا تخلو قط من الدلالة على التفضيل، وبيان ذلك في مختلف الأحوال أنك إن ذكرت الصيغة، وبعدها "من" جارة للمفضول؛ فدلالتها على التفضيل ظاهرة، وإن أضيفت الصيغة، =стр. 930
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، وقد جاء الإثبات والحذف في ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ٢، أي: منك.
وأكثر ما تحذف "من" إذا كان أفعل خبرا٣، ويقل إذا كان حالا، كقوله٤: [الطويل]
الحواشي
(١) = فإن المضاف إليه هو المفضل عليه، وإن اقترنت بأل، فإن أل عوض من المضاف إليه، وإن لم تضف ولم تقترن بأل، ولم يذكر معها "من" جارة للمفضول؛ كان الكلام على أحد تقديرين؛
الأول: تقدير "من" ومجرورها.
الثاني: تقدير الصيغة مضافة، وقد حذف المضاف إليه وهو منوي الثبوت؛ كقول معن بن أوس:
ولا بلغ المهدون نحوك مدحة ... ولا صدقوا إلا الذي فيك أفضل
فالمراد: إلا الذي فيك أفضل مما قالوه فيك ووصفوك به.
وكقول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
فالمراد: دعائمه أعز الدعائم وأطولها، أو أعز من كل عزيز، وأطول من كل طويل، والأمثلة على ذلك كثيرة.
انظر الأشموني: ٢/ ٣٨٨، أوضح المسالك: ٣/ ٢٨٩-٢٩٠.
١ ٨٧ سورة الأعلى، الآية: ١٨.
موطن الشاهد: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الجار "من" والمجرور "المفضول" بعد اسم التفضيل؛ وحكم هذا الحذف الجواز؛ لوجود الدليل؛ والتقدير: والآخرة خير وأبقى من الحياة الدنيا.
٢ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٣٤.
موطن الشاهد: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء من والمجرور بها -المفضول- بعد اسم التفضيل "أكثر"، وحذفها مع مجرورها -المفضول- بعد اسم التفضيل "أعز"؛ والتقدير: أعز منك؛ وجاز الحذف -هنا- لوجود الدليل.
٣ سواء كان خبرا لمبتدأ، أو خبر ناسخ، أو أصله الخبر، كثاني مفعولي "ظن" وأخواتها. وثالث مفاعيل "أعلم وأرى" إلخ؛ نحو: محمد أكرم، كان محمد أفضل، ظننت محمدا أعلم، أعلمت عليا محمدا أقدر على تحمل المسئولية.
٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين.стр. 931
٣٨٩- دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا١
اي: دنوت أجمل من البدر، أو صفة كقوله٢: [مشطور الرجز]
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
فظل فؤادي في هواك مضللا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٣، والأشموني: ٧٦٢/ ٢/ ٣٨٥، وابن عقيل: ٢٧٩/ ٣/ ٧٧، والعيني: ٤/ ٥٠، والخزانة: ١/ ٣٨٧.
المفردات الغريبة: دنوت: قربت. خلناك: ظنناك وحسبناك. ظل: استمر. مضللا: حيران غير مهتد إلى الصواب؛ وهو من الضلال وهو عدم الرشد.
المعنى: قربت منا أيتها المحبوبة، وأنت أكثر جمالا وبهاء من البدر، وقد كنا نظنك مثله في الجمال وحسن المنظر، فصار قلبي حائرا في هواك وحبك، لا يعرف سبيل الرشد ووجه الصواب.
الإعراب: دنوت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الكسر في محل رفع فاعل. وقد: الواو: حالية، قد: حرف تحقيق. خلناك: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، و"نا": ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. "كالبدر": متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ لـ"خال"؛ وجملة "خال ومفعوليه": في محل نصب حال. أجملا: حال من تاء المخاطبة الواقعة فاعلا لـ"دنا"، والألف: للإطلاق، والتقدير: قربت منا حال كونك أجمل من البدر، وقد ظنناك كالبدر. فظل: الفاء: حرف عطف، ظل: فعل ماضٍ ناقص. فؤادي: اسم ظل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: في محل جر مضاف إليه. "في هواك": متعلق بـ"مضلل" الآتي، و"هوا": مضاف والكاف: في محل جر مضاف إليه. مضللا: خبر ظل منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
موطن الشاهد: "دنوت كالبدر أجملا".
وجه الاستشهاد: حذف "من" التي تجر المفضول عليه مع مجرورها؛ لأن الأصل دنوت -وقد خلناك كالبدر- أجمل منه، وأفعل التفضيل -هنا- حال من الفاعل في دنوت، وجملة "وقد خلناك كالبدر": اعتراضية، وهذا على قلته قياسي.
٢ القائل: هو أحيحة بن الجلاح الأوسي الصحابي، شاعر جاهلي من دهاة العرب وشجعانهم، قيل: إنه كان سيد يثرب وسيد الأوس، وكان كثير المال، له شعر بقي منه القليل مات نحو ١٣٠ق. هـ. =стр. 932
٣٩٠- تروحي أجدر أن تقيلي١
أي: تروحي وائتي مكانا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه.
الحواشي
(١) = تجريد الأغاني: ١٦١٢، الأغاني: ١٣/ ١١٥، خزانة الأدب: ٢/ ٢٣، الأعلام: ١/ ٢٧٧.
١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز، أو بيت من مشطوره، وبعده قوله:
غدا بجنبي بارد ظليل ... ومشرب يشربها رسيل
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٣، والأشموني: ٧٦٣/ ٢/ ٣٨٥، والمحتسب: ١/ ٢١٢، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤٣، والعيني: ٤/ ٣٦.
المفردات الغريبة: تروحي: ارتفعي وطولي، من قولهم: تروح النبت إذا طال. أجدر: أحق وأحرى. تقيلي: من القيلولة؛ وهي الوقت الذي يشتد فيه الحر في منتصف النهار. هذا: وقد ظن بعضهم أن الشاعر يخاطب بهذا ناقته، وأنه يطلب منها الصبر على مشاق السير، وأن تقبل في وقت الظهيرة، لكن هذا لا يتناسب مع ما قبل البيت وبعده، فقبله قوله:
تأبري يا خيرة الفسيل ... تأبري من حنذ فشولي
إذا ضن أهل النخل بالفحول ... تروحي.......... البيت
المعنى: ارتفعي أيتها النخلة الصغيرة وطولي، وخذي مكانا أحرى من غيره بأن يزداد فيه نموك وازدهارك، بجنبي ماء بارد ومكان ظليل.
الإعراب: تروحي: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. أجدر: أفعل تفضيل صفة لمحذوف هو، وعامله المعطوف على تروحي؛ والتقدير: وخذي مكانا أجدر من غيره. أن: حرف مصدري ونصب. تقيلي: فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون، والياء: في محل رفع فاعل، والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: أجدر بقيلولتك، و"بقيلولتك": متعلق بـ"أجدر". غدا: متعلق بـ"تقيلي". "بجنبي": متعلق بـ"تقيلي" أيضا، وجنبي: مضاف. بارد: مضاف إليه، والأصل في بارد: أنها صفة لمحذوف؛ لأن التقدير: بمكان بارد فحذف الموصوف، وأقيمت مقامه. ظليل: صفة لـ"بارد" مجرورة.
موطن الشاهد: "أجدر أن تقيلي".
وجه الاستشهاد: حذف من الجارة للمفضول عليه مع مجرورها، فأصل الكلام: تروحي وأتي مكانا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه كما ذكر المؤلف؛ واسم التفضيل -هنا- صفة لموصوف محذوف، وحكم هذا أنه قليل.стр. 933
ويجب تقديم "من" ومجرورها عليه إن كان المجرور استفهاما١؛ نحو: "أنت ممن أفضل"٢ أو مضافا إلى الاستفهام "أنت من غلام من أفضل"، وقد تتقدم في غير الاستفهام؛ كقوله٣: [الطويل]
٣٩١- فأسماء من تلك الظعينة أملح٤
وهو ضرورة.
الحواشي
(١) ١ أي: تقديم "من" ومجرورها على "أفعل" وحده، دون الجملة كلها؛ وذلك لأن الاستفهام له الصدراة في الكلام.
٢ الأصل: أنت أفضل ممن؟.
٣ القائل هو: جرير بن عطية الشاعر الأموي؛ وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
إذا سايرت أسماء يوما ظعينة
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٣، والأشموني: ٧٧٣/ ٢/ ٣٨٩، وابن عقيل: ٢٨٤/ ٣/ ١٨٦، والعيني: ٤/ ٥٢، وديوان جرير: ١٠٧.
المفردات الغريبة: سايرت: سارت وصاحبت. ظعينة، الظعينة: الهودج كانت فيه امرأة أو لا، والجمع: ظعن وظعائن، وهي أيضا: المرأة ما دامت في الهودج، والمراد هنا: المرأة مطلقا. أملح: أحسن؛ من ملح كظرف.
المعنى: أن أسماء كلما سارت مع نسوة ظهر حسنها، وتفوقت على من يسايرنها في الحسن والملاحة.
الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. سايرت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. أسماء: فاعل مرفوع. "يوما": متعلق بـ"ساير". ظعينة: مفعول به لـ"سايرت"؛ وجملة "سايرت": في محل جر بالإضافة بعد "إذ". فأسماء: الفاء: واقعة في جواب الشرط، أسماء: مبتدأ مرفوع. من: حرف جر. تلك: تي: اسم إشارة في محل جر بـ"من"، واللام: للبعد والكاف: للخطاب، و"من تلك": متعلق بـ"أملح" الآتي. الظعينة: بدل من اسم الإشارة مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. أملح: خبر المبتدأ "أسماء" مرفوع، وجملة "المبتدأ وخبره": جواب شرط غير جازم، لا محل لها من الإعراب.
موطن الشاهد: "من تلك الظعينة أملح".
وجه الاستشهاد: تقدم من ومجرورها "من تلك الظعينة" على أفعل التفضيل "أملح" =стр. 934
الحالة الثانية: أن يكون بأل؛ فيجب له حكمان؛
أحدهما: أن يكون مطابقا لموصوفه١؛ نحو: "زيد الأفضل"، و"هند الفضلى"، و"الزيدان الأفضلان"، و"الزيدون الأفضلون"، و"الهندات الفضليات"، أو "الفضل"٢.
والثاني: ألا يؤتى معه بمن٣؛ فأما قول الأعشى٤: [السريع]
٣٩٢- ولست بالأكثر منهم حصى٥
الحواشي
(١) = في غير الاستفهام: وحكم هذا التقديم أنه شاذ أتى لضرورة الشعر. ومثل البيت الشاهد قول ذي الرمة:
ولا عيب فيها غير أن سريعها ... قطوف وأن لا شيء منهن أكسل
وكذا قول أعرابي من طيئ:
وأشنب براق الثنايا غروبه ... من البرد الوسمي أصفى وأبرد
انظر زهر الآداب "تحقيق محيي الدين عبد الحميد": ٧١٨.
١ أي: في التذكير والتأنيث، والإفراد وفروعه؛ وذلك لأن اقترانه بأل أضعف شبهه بأفعل في التعجب.
٢ الفضل: جمع تكسير لفضلى. ويرجع في تأنيث اسم التفضيل وتكسيره إلى السماع. فقد لا يسمع ذلك كأظرف وأشرف، وعلى هذا فالمطابقة مقيدة بالسماع عن العرب.
٣ لأن المفضل عليه غير مذكور؛ إذ تغني عنه "أل". و"من" و"أل" يتعاقبان ولا يجتمعان، فلا يقال: على الأفضل من محمد.
٤ ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
وإنما العزة للكاثر
وهو من قصيدة يهجو فيها علقمة بن علاثة الصحابي، ويفضل عليه ابن عمه عامر بن الطفيل في المنافرة التي وقعت بينهما، وهي مشهورة.
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٤، والأشموني: ٧٦٦/ ٢/ ٣٨٦، وابن عقيل: ٢٨٠/ ٣/ ١٨٠، ونوادر أبي زيد: ٢٥، والخصائص: ١/ ١٨٥، ٣/ ٢٣٤, وشرح المفصل: ٣/ ٦، ٦/ ١٠٠، ١٠٣، والخزانة: ٣/ ٤٨٩، والمغني: ٩٧٤/ ٧٤٤، والسيوطي: ٣٠٥، وديوان الأعشى: ١٠٦.
المفردات الغريبة: حصى؛ المراد: العدد من الأعوان والأنصار. العزة: القوة والغلبة. الكاثر: اسم فاعل، من كثرته أكثره من باب نصر، غلبته في الكثرة. =стр. 935
فخرج على زيادة "أل" أو على أنها متعلقة بـ"أكثر" نكرة محذوفا مبدلا من "أكثر" المذكور.
الثالثة: أن يكون مضافا١، فإن كانت إضافته إلى نكرة؛ لزمه أمران؛ التذكير،
الحواشي
(١) = المعنى: لست يا علقمة أكثر من عامر عددا وأعوانا وأنصارا، وإنما تكون الغلبة ويتم النصر لمن عنده جنود وأعوان ونصراء أكثر.
الإعراب: لست: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع اسم "ليس". بالأكثر: الباء: حرف جر زائد، لا محل له من الإعراب، الأكثر: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس. "منهم": متعلق بـ"الأكثر"؛ وعليه يكون قد جمع بين "أل" و"من" الداخلة على المفعول، خلافا لجماعة من النحاة. حصى: تمييز منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وإنما: الواو: عاطفة، إنما: أداة حصر. العزة: مبتدأ مرفوع. "للكاثر": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
موطن الشاهد: "بالأكثر منهم".
وجه الاستشهاد: يدل ظاهره على أن "من" لحقت أفعل التفضيل المحلى بأل، حيث دخلت على المفضول عليه علما أن اسم التفضيل معرف بأل، وهذا ممنوع، وقد خرجه المصنف، وذكر بعضهم أنه ضرورة، ومعلوم أن "من" تأتي مع أفعل التفضيل المنكر، وخرج الشاهد على واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن "من" هذه ليست متعلقة بأفعل التفضيل المذكور، وإنما هي متعلقة بأفعل آخر منكر محذوف؛ والتقدير: ولست بالأكثر أكثر منه.
الثاني: أن "أل" هذه زائدة زيادتها في التمييز والحال ونحوهما، وعليه يكون أفعل التفضيل نكرة.
الثالث: أن "من" في البيت ليست متعلقة بالأكثر الذي هو أفعل التفضيل، وذهب أصحاب هذا المذهب إلى أحد قولين؛ أحدهما: أنها مع مجرورها متعلقان بـ"ليس" لما فيه من معنى الفعل "انتفى". ثانيهما: أنهما متعلقان بمحذوف يقع حالا من اسم ليس.
انظر المغني: ٧٤٤.
١ الراجح أن تكون إضافته غير محضة، وقيل: محضة. ويشترط في هذه الحالة مطلقا، سواء أضيف لنكرة أو لمعرفة: ألا يقع بعد أفعل "من" الجارة للمفضول؛ فلا يصح: على أفضل المتسابقين من محمد. أما الجارة لغيره فتقع، تقول: محمد أقرب الناس مني. كما يشترط أن يكون المضاف بعضا من المضاف إليه عند إرادة التفضيل، فلا يصح محمد أفضل امرأة. فإن لم يقصد التفضيل جاز، نحو: يوسف أحسن إخوته، =стр. 936
والتوحيد، كما يلزمان المجرد؛ لاستوائهما في التنكير١، ويلزم في المضاف إليه أن يطابق؛ نحو: "الزيدان أفضل رجلين" و"الزيدون أفضل رجال"، و"هند أفضل امرأة"، فأما ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ ٢ فالتقدير: أول فريق كافر.
وإن كانت الإضافة إلى معرفة؛ فإن أول أفعل بما لا تفضيل فيه وجبت المطابقة؛ كقولهم: "الناقص والأشج أعدلا بني مروان"٣؛ أي: عادلاهم، وإن كان على أصله من إفادة المفاضلة؛ جازت المطابقة؛ كقوله تعالى: ﴿أَكَابِرَ
الحواشي
(١) = والمراد بكونه بعضا من المضاف إليه: أن يكون "أفعل" جزءا والمضاف إليه كلا، نحو: الرأس أنفع الجسم. أو يكون "أفعل" فردا من أفراد كثيرة يشملها المضاف إليه، وينبغي حينئذ أن يكون المضاف إليه جنسا يندرج تحته أفراد كثيرة، نحو: الفرات أكبر الأنهار في سوريا.
١ ولكونهما على معنى "من". وإذا عطفت على المضاف النكرة مضافا إلى ضميرها؛ فقيل: يذكر الضمير أيضا، ويفرد على التوهم، تقول: محمد أفضل رجل وأعقله، وهند أكرم امرأة وأعقله، والمحمدان أكرم رجلين وأعقله ... وهكذا.
وقيل: تجوز المطابقة، إن لم تكن واجبة، أو أولى. أما. إذا أضفت "أفعل" إلى معرفة فإنك تؤنث وتثني وتجمع وهو القياس. وأجاز سيبويه الإفراد تمسكا بقول الشاعر:
ومية أحسن الثقلين جيدا ... وسالفة وأحسنه قذالا
أي أحسن من ذكر.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٠٤. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٤٧.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٤١.
موطن الشاهد: ﴿لا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: إفراد "كافر" ومقتضى القاعدة: كافرين بالجمع؛ ليطابق الوانو في "تكونوا"؛ وتخريج ذلك: على حذف موصوف مطابق في المعنى، وهو فريق؛ لأنه جمع في المعنى، وقد أفرد "كافر" باعتبار لفظ فريق.
٣ الناقص: هو يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان؛ لقب بذلك لأنه نقص أرزاق الجند. والأشج: عمر بن عبد العزيز ﵁، ولقب بذلك لشجة كانت برأسه من ضرب دابة. وهذا مثال لما لا تفضيل فيه؛ لأنه لم يشاركهما أحد في بني مروان في العدل. ومثال ما يقصد به التفضيل المطلق على المضاف إليه وعلى غيره: محمد أفضل قريش.стр. 937
مُجْرِمِيهَا﴾ ١، ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ٢، وتركها كقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ٣، وهذا هو الغالب، وابن السراج٤ يوجبه٥، فإن قدر "أكابر": مفعولا ثانيا و"مجرميها": مفعولا أول؛ فيلزمه المطابقة في المجرد.
[ما يرفعه أفعل التفضيل] :
مسألة: يرفع أفعل التفضيل الضمير المستتر في كل لغة؛ نحو: "زيد أفضل"، والضمير المنفصل، والاسم الظاهر، في لغة قليلة؛ كـ"مررت برجل أفضل منه أبوه"، أو "أنت"٦، ويطرد ذلك إذا حل محل الفعل، وذلك إذا سبقه نفي، وكان
الحواشي
(١) ١ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٢٣.
موطن الشاهد: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ .
وجه الاستشهاد: إضافة "أكابر" إلى مجرميها مع مطابقته لموصوفه المقدر؛ أي: قوما أكابر؛ ولو لم يطابق؛ لقيل: أكبر مجرميها.
التصريح: ٢/ ١٠٥.
٢ ١١ سورة هود، الآية: ٢٧.
موطن الشاهد: ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ .
وجه الاستشهاد: إضافة "أراذل" إلى "نا" مع مطابقته لموصوفه المقدر؛ كما في الآية السابقة؛ ولو لم يطابق؛ لقيل: أرذلنا.
التصريح: ٢/ ١٠٥. في إعراب الآية الأولى أعاريب؛ أولاها: ما قاله الصبان: تفسير "جعلنا" بمكنا، "في كل قرية" ظرف لغو متعلق به "أكابر" مفعوله.
حاشية الصبان: ٣/ ٤٩.
٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٩٦.
موطن الشاهد: ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ .
وجه الاستشهاد: ترك المطابقة بين المفعول الأول "هم"، واسم التفضيل "أحرص" المفعول الثاني؛ ولو طابق؛ لقيل: لتجدنهم أحرصي؛ وترك المطابقة، هو الغالب في الاستعمال، وابن السراج يوجبه، ويرده قوله تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ .
٤ مرت ترجمته.
٥ أي: يوجب ترك المطابقة، ويجعل "أفعل" فيه كالمجرد، ويلتزم فيه الإفراد والتذكير. ويرده: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ المتقدم.
٦ لم يرفع اسم التفضيل الاسم الظاهر والضمير البارز باضطراد كاسم الفاعل؛ لأن شبه اسم التفضيل باسم الفاعل ضعيف، فهو في حال تجرده من "أل" والإضافة، أو في =стр. 938
مرفوعه أجنبيا، مفضلا على نفسه باعتبارين؛ نحو: "ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد"، فإنه يجوز أن يقال: "ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد"؛ والأصل: أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين؛ أولهما للموصوف، وثانيهما للظاهر، كما مثلنا، وقد يحذف الضمير الثاني، وتدخل "من" إما على الاسم الظاهر، أو على محله، أو على ذي المحل؛ فتقول: "من كحل عين زيد"، أو "من عين زيد"، أو "من زيد"؛ فتحذف مضافا، أو مضافين، وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء؛ فتقول: "ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل"، وقالوا: "ما أحد أحسن به الجميل من زيد"، والأصل: "ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد"، ثم إنهم أضافوا الجميل إلى زيد لملابسته إياه، ثم حذفوا المضاف؛ ومثله في المعنى:
لن ترى في الناس من رفيق ... أولى به الفضل من الصديق١
الحواشي
(١) = حال إضافته إلى النكرة يلزم الإفراد والتذكير، ولا يجوز تأنيثه، ولا تثنيته، ولا جمعه؛ فلما ضعفت منزلته عن منزلة اسم الفاعل بسبب ذلك، ولم يوجد ما يجبر هذا النقص -كأن يسوغ حلول فعل بمعناه في محله- فقد وجب ألا يعمل في كل ما يعمل فيه اسم الفاعل؛ ولو وجد جابر كما في مسألة الكحل عمل فيها.
انظر أوضح المسالك: ٣/ ٢٩٨.
١ هذا بيت من ألفية ابن مالك.
فوائد: ١- ينصب "أفعل" التفضيل: المفعول لأجله، والظرف، والحال وبقية المنصوبات ما عدا: المفعول المطلق، والمفعول معه. وفي المفعول به خلاف والرأي جوازه؛ لوروده، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ . أما التمييز، فإن كان فاعلا في المعنى نصب بأفعل؛ نحو: الطبيب أكثر نفعا من المهندس. وإن لم يكن فاعلا، وكان "أفعل" مضافا صح نصبه؛ نحو: الحطيئة أكثر الشعراء هجاء.
٢- إذا كان "أفعل" التفضيل مصوغا من مصدر فعل متعدٍّ بحرف جر معين، عدي "أفعل" بذلك الحرف؛ نحو: كان عمر أشفق الناس على الرعية، وأزهدهم في الدنيا، وأسرع إلى إغاثة الملهوف. وإن كان من متعدٍّ بنفسه، فإن دل على علم تعدى بالباء؛ نحو: أنا أعلم بصديقي، وأدرى الناس بحالته. وإن دل على حب أبو بغض، أو ما في معناهما عدي باللام؛ إن كان مجرورها مفعولا به في المعنى، وما قبل "أفعل" هو الفاعل؛ نحو: المسلم أحب للخير من غيره، وأبغض لمخالفة دينه. وعدي بإلى؛ إن كان المجرور هو الفاعل في المعنى؛ نحو: المال أحب إلى البخيل من كل شيء. وإن دل على غير ذلك عدي باللام؛ نحو: محمد أنفع للجار، وإن كان فعله متعديا لاثنين عدي لأحدهما باللام، ونصب الآخر مفعولا به؛ نحو: محمد أعطى للمحتاجين الكثير من المال.
الأشموني مع حاشية الصبان: ٣/ ٥٦.стр. 939
والأصل: "من ولاية الفضل بالصديق"، ثم "من فضل الصديق" ثم "من الصديق".
_________
стр. 940
هذا باب النعت ١:
[أنواع التوابع] :
الأشياء التي تتبع ما قبلها في الإعراب٢ خمسة٣: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والنسق، والبدل٤.
الحواشي
(١) ١ ويسمى النعت أيضا: الصفة، والوصف.
٢ سواء كان الإعراب لفظيا، أو تقديريا أو محليا. ومثل الإعراب: ما يشبهه من حركة عارصة لغير الإعراب؛ نحو: يا زيد الفاضل -بضم الفاضل على أنه تابع للمنادى على اللفظ.
٣ دليل الحصر في الخمسة؛ أن التابع: إما أن يكون بواسطة حرف، وإما لا؛ فالذي يكون بواسطة حرف هو عطف النسق، والذي لا يكون بواسطة حرف؛ إما أن يكون له ألفاظ محصورة معروفة، وإما لا؛ فالذي لا يكون بواسطة حرف؛ وله ألفاظ محصورة معروفة، هو التوكيد؛ والذي لا يكون بواسطة حرف، وليس له ألفاظ محصورة؛ إما أن يكون بالمشق، أو ما في قوته؛ وهو النعت؛ وإما أن يكون بالجامد؛ وهو عطف البيان.
التصريح: ٢/ ١٠٨.
٤ اختلف في عامل التابع؛ فأما النعت، والتوكيد، وعطف البيان؛ فمذهب الجمهور: أن العامل في كل واحد منهما؛ هو نفس العامل في متبوعه، وينسب هذا القول إلى سيبويه؛ وهذا هو الرأي الراجح؛ وذهب الخليل، والأخفش: إلى أن العامل، في كل منها هو تبعيته لما قبله؛ وهي أمر معنوي. وأما البدل؛ فمذهب الجمهور أن العامل فيه محذوف مماثل للعامل في المبدل منه.
وذهب المبرد: إلى أن عامل البدل؛ هو العامل في المبدل منه، وينسب هذا القول إلى سيبويه؛ واختاره ابن مالك، وابن خروف؛ وذهب ابن عصفور: إلى أن العامل في البدل؛ هو العامل في المبدل منه؛ لكن على أنه نائب عن آخر محذوف، لا على استقلاله بذلك؛ فهو عامل في المبدل منه استقلالا، وفي البدل على سبيل النيابة؛ وأما عطف النسق؛ فمذهب الجمهور: أن العمل فيه؛ هو العامل في المعطوف عليه =стр. 941
[تعريف النعت] :
فالنعت، عند الناظم، هو "التابع١ الذي يكمل متبوعه، بدلالته على معنى فيه٢، أو فيما يتعلق به"٣.
فخرج بقيد التكميل: النسق والبدل٤، وبقيد الدلالة المذكورة: البيان
الحواشي
(١) = لكنه عمل في المعطوف، بواسطة الحرف العاطف؛ وقال قوم: العامل في عطف النسق؛ هو حرف العطف؛ وقال قوم: العامل فيه محذوف.
التصريح: ٢/ ١٠٨.
١ التابع: هو الاسم المشارك لما قبله، في إعرابه الحاصل والمتجدد، وليس خبرا. ومعنى قولنا: "الحاصل والمتجدد": أنه كلما تغير إعراب الاسم السابق، بسبب تغير التراكيب يتغير الاسم اللاحق بنفس التغير؛ فخرج بذلك: خبر المبتدأ؛ لأنه لو تغير المبتدأ بأن دخلت عليه إن أو إحدى أخواتها، لم يتغير الخبر بنفس تغيره، وخرج منه المفعول الثاني؛ لأنه لو تغير إعراب المفعول الأول، بأن صار نائب فاعل؛ لبناء الفعل للمجهول، لم يتغير المفعول الثاني كذلك؛ وخرج منه الحال المنصوب؛ لأنه لو تغير إعراب ذلك الاسم المنصوب؛ الذي هو صاحب الحال، إلى الرفع أو الجر لم يتغير معه إعراب الحال.
وقولنا: "وليس خبرا": مخرج للخبر الثاني، فيما إذا تعددت الأخبار؛ نحو: "الرمان حلو حامض" هذا، ولا يفصل بين التابع والمتبوع بأجنبي محض عنه ويجوز بمعمول الوصف؛ نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ؛ وبمعمول الموصوف؛ نحو: يعجبني ضربك زيدًا الشديدُ؛ وبعامل المتبوع؛ نحو: المريض -أكرمت- الجريح؛ وبمعمول العامل؛ كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ ؛ وبمفسر العامل؛ نحو؛ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وبالاستثناء؛ وبالقسم؛ وبجوابه؛ كقوله تعالى: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ ؛ وبالاعتراض؛ كقوله : ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ... إلخ. ولا يحوز تقديم التابع على المتبوع.
الأشموني وحاشية الصبان: ٢/ ٥٧.
٢ هذا، إذا كان نعتا حقيقيا؛ وهو: ما يدل على معنى في نفس منعوته؛ أو ما هو في حكمه.
٣ وذلك؛ إذا كان نعتا سببيا؛ وهو ما يدل على معنى في شيء بعده؛ له صلة وارتباط بالمتبوع.
٤ لأنهما لم يقصد بهما أصلا تكميل متبوعهما، لا بإيضاح، ولا تخصيص.стр. 942
والتوكيد١.
والمراد بالمكمل الموضح للمعرفة؛ كـ"جاء زيد التاجر" أو "التاجر أبوه"، والمخصص للنكرة؛ كـ"جاءني رجل تاجر" أو "تاجر أبوه"٢.
الحواشي
(١) ١ لأنهما لا يدلان على صفة ومعنى في متبوعهما، ولا فيما يتعلق به؛ فإنهما عين متبوعهما فهما يكملان بالإيضاح ورفع الاحتمال.
٢ الأصل في النعت: أن يكون للإيضاح، أو التخصيص؛ فالإيضاح: "هو رفع الاشتراك اللفظي الواقع في المعارف على سبيل الاتفاق"؛ ومعنى هذا: أنه قد يكون لك عدة أصدقاء؛ كل منهم يسمى خالدا؛ فإذا قيل لك: حضر خالد لم تدر أي الخالدين حضر؛ ولذا يلزمه أن يضيف إلى اسمه صفة توضحه لك، كأن يقول: حضر خالد الشاعر، وفسر بعضهم الإيضاح؛ بأنه: رفع الاحتمال في المعارف.
والتخصيص: "هو رفع الاشتراك المعنوي الواقع في النكرات بحسب الوضع"؛ ومعنى هذا: أن النكرة موضوعة للدلالة على فرد مبهم، من أفراد، يصدق لفظ النكرة، على كل واحد منهم؛ فرجل: يدل على واحد من أفراد الذكور البالغين، من بني آدم؛ فإذا قلت: زارنا رجل، لم يدر السامع أي أفراد هذا الجنس، قد زارك؛ لأن اللفظ بحسب وضعه، صالح للإطلاق على كل واحد منهم؛ وإذا قلت: جائني رجل عالم لم يتضح المراد اتضاحا كاملا؛ لكنه تخصص بالعالم.
وقد لا يكون للإيضاح والتخصيص؛ بل لأغراض أخرى؛ منها:
مجرد المدح؛ نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
مجرد الذم؛ نحو: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
التعميم؛ نحو: "إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين".
الترحم؛ نحو: "اللهم إني عبدك المسكين".
الإبهام؛ نحو: "تصدق بصدقة قليلة أو كثيرة".
التوكيد؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ .
انظر التصريح: ٢/ ١٠٨-١٠٩، وهمع الهوامع: ٢/ ١١٦-١١٧.
فائدة: يفسر النحاة قولهم في تعريف النعت: "المتمم لمتبوعه"؛ بأحد تفسيرين؛
الأول: أن معناه: المفيد لما يطلبه المتبوع بحسب المقام، واختار هذا التفسير الأشموني، هو شامل لكل المعاني التي يرد لها النعت من التخصيص، والتوضيح، والمدح، والذم، والترحم، والتعميم، والإبهام، والتوكيد، والتفصيل؛ فلا يرد عليه الاعتراض بأنه غير جامع.
وأما التفسير الثاني؛ فحاصله: أن معنى المتمم لمتبوعه: الموضح له في المعارف =стр. 943
وهذا الحد غير شامل لأنواع النعت؛ فإن النعت قد يكون لمجرد المدح، كـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، أو لمجرد الذم؛ نحو: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"٢، أو للترحم؛ نحو: "اللهم أنا عبدك المسكين"؛ أو للتوكيد، نحو: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ .
[وجوب اتباع النعت الحقيقي متبوعه في الإعراب وغيره] :
فصل: وتجب موافقة النعت لما قبله فيما هو موجود فيه من أوجه الإعراب الثلاثة، ومن التعريف والتنكير٣.
الحواشي
(١) = والمخصص له في النكرات؛ وهذا تفسير قاصر؛ لأنه لا يشمل ما يكون النعت فيه لغير التوضيح والتخصيص؛ من المدح، والذم، والترحم ... إلخ؛ وهذا يعني أن تعريف النعت بهذه الصورة غير جامع؛ وكل تعريف غير جامع، يكون فاسدا؛ لخروج بعض أفراد المعرف عنه؛ وبهذا، اعترض المؤلف بعد ذكر هذا التفسير.
انظر الأشموني: ٢/ ٢٩٣، التصريح: ٢/ ١٠٨-١٠٩.
١ ١ سورة الفاتحة، الآية: ٢.
موطن الشاهد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "رب" صفة لـ"الله"؛ وقد أفادت الصفة مجرد المدح.
٢ موطن الشاهد: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
وجه الاستشهاد: وقوع "الرجيم" صفة لـ"الشيطان" وقد أفادت الصفة مجرد الذم.
٣ لأن المخالفة في ذلك تجعل الشيء معينا، وغير معين في وقت واحد، ويشترك في الموافقة فيما تقدم النعت مطلقا؛ حقيقيا، أو سببيا. وقد أجاز الأخفش نعت النكرة بالمعرفة؛ بشرط أن تكون النكرة مخصصة بوصف؛ ومثل بقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ؛ فجعل "الأوليان" المعرف بـ"أل" صفة لـ"آخران" مع أنه نكرة، وسوغ ذلك -عنده- كونه موصوفا بالجار والمجرور.
وأجاز ابن الطراوة نعت المعرفة بالنكرة، بشرط أن تكون النكرة، مما لا ينعت بها غير هذه المعرفة؛ كقول النابغة الذبياني:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
فجعل "ناقع" صفة لـ"السم" مع أن السم معرفة، وناقع نكرة؛ وسوغ ذلك كون السم، لا يوصف إلا بناقع؛ فيقال: سم ناقع.
غير أن ما ذهب إليه الأخفش، وابن الطراوة غير مسلم لهما، وما مثلا به لا يلزم =стр. 944
تقول: "جاءني زيد الفاضل" و"رأيت زيدا الفاضل" و"مررت بزيد الفاضل" و"جاءني رجل فاضل"، كذلك.
وأما الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث؛ فإن رفع الوصف ضمير الموصوف المستتر وافقه فيها١، كـ"جاءتني امرأة كريمة، ورجلان كريمان، ورجال كرام"، وكذلك "جاءتني امرأةٌ كريمةُ الأبِ" أو "كريمةٌ أبًا"٢، و"جاءني رجلان كريما الأب"، أو "كريمان أبا"، و"جاءني رجالٌ كرامُ الأبِ" أو "كرامٌ أبًا"؛ لأن الوصف في ذلك كله رافع ضمير الموصوف المستتر٣.
وإن رفع الظاهر أو الضمير البارز أُعطي حكم الفعل٤؛ ولم يعتبر حال الموصوف.
الحواشي
(١) = إعرابه كما زعما؛ لأنه يجوز إعراب "الأوليان" بدلا من "آخران"، أو خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هما الأوليان؛ كما يجوز أن يعرب "ناقع" بدلا من "السم"؛ أو خبرا ثانيا له؛ والجار والمجرور خبرًا أول مقدما عليه؛ وقد استثنى كثير من النحاة الاسم المحلى بـ"أل" الجنسية؛ فإنه لقربه من النكرة، يجوز نعته بالنكرة؛ كما قالوا: إن جملة الفعل المضارع في محل جر صفة للمحلى بـ"أل" في قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
ومعلوم: أن الجملة نكرة؛ ومن لا يقر ذلك، يجعل جملة "يسبني": حالا من اللئيم المحلى بـ"أل" الجنسية، غير أن المعنى يأباه إلا بتكلف ظاهر.
انظر حاشية الصبان: ٣/ ٦٠-٦١.
١ وحينئذ، تكمل له الموافقة في أربعة من عشرة؛ وهذا هو النعت الحقيقي.
٢ الوصف في هذا المثال، وما بعده، جار على غير من هو له؛ وقد حول الإسناد عن الظاهر إلى ضمير الموصوف، ويجر الظاهر؛ بالإضافة، إن كان معرفة، وينصب على التمييز، إن كان نكرة.
٣ أي: أصالة، أو تحويلا، ولم يرفع السببي؛ وإذا كان النعت مما يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ كالمصدر غير الميمي، وصيغني "فعيل" و"فعول"، أو كان أفعل تفضيل -مجردا-، أو مضافا لنكرة، لم يطابق المنعوت في التأنيث، والتثنية، والجمع: بل يلزم الإفراد، والتذكير. وإذا كان صفة لجمع ما لا يعقل؛ عومل معاملة المؤنثة المفردة، أو الجمع؛ نحو: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ، و ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ .
٤ فيجرد من علامة التثنية، والجمع، على اللغة الفصحى، ويعتبر حالا مرفوعة في =стр. 945
تقول: "مررت برجلٍ قائمةٍ أمهُ"، و"بامرأةٍ قائمٍ أبوها"، كما تقول: "قامت أمه"، و"قام أبوها"، و"مررت برجلين قائمٍ أبواهما"، كما تقول: "قام أبواهما"، ومن قال: "قاما أبواهما"١؛ قال: "قائمين أبواهما"٢، وتقول: مررت برجالٍ قائمٍ آباؤهم"، كما تقول: "قامَ آباؤهم"، ومن قال: "قاموا آباؤهم"؛ قال "قائمين آباؤهم" وجمع التكسير أفصح من الإفراد٣، كـ"قيامٍ آباؤهم".
[الأشياء التي ينعت بها أربعة] :
فصل: والأشياء التي ينعت بها أربعة:
أحدها: المشتق٤، والمراد به ما دل على حدث وصاحبه؛ كـ"ضارب" و"مضروب"، و"حسن"، و"أفضل".
الحواشي
(١) = التأنيث والتذكير؛ سواء أكان المنعوت كذلك، أم لا؛ وهذا هو النعت السببي، ولا يطابق منعوته إلا في اثنتين من خمسة؛ هما:
حركات الإعراب، والتعريف والتنكير.
١ أي: بلحاق علامة التثنية بالفعل المسند إلى المثنى؛ وهي لغة طيئ، وأزد شنوءة.
٢ أي: بتثنية الوصف الرافع للسببي.
٣ أي: إذا كان الوصف مسندا إلى سببي مجموع؛ جاز فيه الإفراد والتكسير على اللغة الفصحى؛ والتكسير أفصح، عند سيبويه. وقيل: إن كان النعت تابعا لجمع؛ فالتكسير أفصح للمشاكلة، وإن كان تابعا لمفرد، أو مثنى؛ فالإفراد أفصح.
التصريح: ٢/ ١١٠.
فائدة: قال الصبان -نقلا عن المغني ... : يجوز مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين؛ وإن لزم استتار الضمير، في قاعدين، مع جريان الصفة، على غير من هي له؛ لأنه يفتقر في الثواني، ما لا يفتقر في الأوائل، ويمتنع: قائمين لا قاعد أبواه، على إعمال الثاني، للزوم ما ذكر في الأوائل.
حاشية الصبان: ٣/ ٦١-٦٢.
٤ المراد بالمشتق: ما دل على حدث وصاحبه ممن اتصف به الفعل، أو قام به، أو وقع منه أو عليه، أو ما هو بمعنى أحدهما؛ فالذي اتصف بالفعل، أو قام به؛ هو اسم الفاعل، من اللازم؛ والذي وقع منه الفعل؛ هو اسم الفاعل من المتعدي؛ والذي وقع عليه الفعل: هو اسم المفعول. وما كان بمعنى اسم الفاعل: أمثلة المبالغة، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل. وما كان بمعنى اسم المفعول: هو صيغة "فعيل" بمعنى: =стр. 946
الثاني: الجامد المشبه للمشتق في المعنى١، كاسم الإشارة٢، و"ذي"٣ بمعنى صاحب، وأسماء النسب، تقول: "مررت بزيد هذا" و"برجل ذي مال" و"برجل دمشقي" لأن معناها الحاضر، وصاحب مال، ومنسوب إلى دمشق٤.
الثالث: الجملة؛ وللنعت بها ثلاثة شروط؛ شرط في المنعوت؛ وهو أن يكون
الحواشي
(١) = "مفعول" وأفعل التفضيل، إذا كان فعله مبنيا للمجهول؛ وقلنا بجواز اشتقاقه منه؛ وعلى هذا، لا يشمل المشتق -هنا- ما أخذ من المصدر؛ للدلالة على زمان الفعل، أو مكانه، أو آلته -اسم الزمان واسم المكان واسم الآلة-؛ فهذه الثلاثة، لا ينعت بها. حاشية الصبان: ٣/ ٦٢.
١ بأن يفيد ما يفيده المشتق من المعنى؛ وهو المسمى بالمشتق تأويلا.
٢ أي: الزمانية؛ مثل "هذا" وفروعه؛ وهي معارف، فلا تقع صفة إلا للمعرفة. أما اسم الإشارة المكانية؛ نحو: "هنا"، و"ثم" فلا تقع صفة بنفسها؛ ولكنها تتعلق بمحذوف، يكون هو الصفة؛ فيجوز القول: مررت برجل هنا؛ أي: كائن أو موجود هنا؛ ويقال من باب الاختصار: الظرف صفة.
انظر حاشية الصبان: ٣/ ٦٢.
٣ ومثلها: فروعها؛ وهي: "ذوا، ذوي" للمثنى المذكر، و"ذوو، وذوي"؛ لجمع المذكر، و"ذات"؛ للمفردة المؤنثة، و"ذاتا، وذاتي"؛ للمثنى المؤنث، و"ذوات"؛ الجمع المؤنث، ولا تكون نعتا إلا لنكرة. ويوصف كذلك؛ للمثنى المؤنث، و"ذوات"؛ الجمع المؤنث، ولا تكون نعتا إلا لنكرة. ويوصف كذلك بـ"ذو" الموصولة وفروعها وسائر الموصولات الاسمية المبدوءة بـ"أل" كالذي والتي، و"أل" نفسها. أما "من" و"ما" ففي النعت بهما خلاف؛ والصواب جوازه.
ولما كانت الموصولات معرفة؛ وجب أن يكون منعوتها معرفة. ومن الجامد المشبه للمشتق: أسماء الأعداد؛ نحو: اشتريت الكتب الخمسة، ولفظ "أي": إذا أضيفت إلى نكرة تماثل المنعوت في المعنى؛ نحو: اتخذت صديقا أي صديق. ولفظ "كل أو جد أو حق"؛ إذا أضيف كل إلى اسم جنس يكمل معنى الموصوف؛ تقول: أنت الرجل كل الرجل، وهذا صديق جد وفيّ، وأنت الزميل حق الزميل. انظر التصريح: ٢/ ١١١، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٢
أي: فقد أفادت ما يفيده المشتق من المعنى، ولا يقتصر في النسب على المنسوب بالياء، بل يشمل على صيغة "فعال" أو "فاعل" أو غيرهما، كما سنرى في باب النسب. وينبغي أن يكون النسب مقصودا، وإلا بقي الاسم على جموده، فلا يقع نعتا؛ كمن اسمه: بدوي؛ أو مكي. ويصلح المنسوب نعتا للنكرة، والمعرفة بشرط المطابقة في ذلك؛ ومثل المنسوب المصغر.
التصريح: ٢/ ١١١، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٢-٦٣.стр. 947
نكرة إما لفظا ومعنى١ نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، أو معنى لا لفظا؛ وهو المعرف بأل الجنسية؛ كقوله٣: [الكامل]
٣٩٣- ولقد أمر على اللئيم يسبني٤
الحواشي
(١) ١ لأن الجملة -كما يقول الرضي: مؤولة بالنكرة، وإن كان يجري على الألسنة أنها نكرة؛ لأن التعريف والتنكير من خواص الأسماء. ويقول صاحب المفصل: "إنها نكرة بدليل وقوعها نعتا للنكرة"؛ والخلاف شكلي لا أثر له على الجوهر.
انظر التصريح: ٢/ ١١١، والمفصل للزمخشري: ١١٥.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨١.
موطن الشاهد: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "يوما" مفعولا به لـ"اتقوا" وهو نكرة لفظا؛ فوصف بجملة ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ والتقدير: واتقوا يوما مرجوعا فيه إلى الله.
٣ القائل: رجل من بني سلول.
٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١١١، وابن عقيل: ٢٨٦/ ٣/ ١٩٦، وسيبويه: ١/ ٤١٦، والخصائص: ٣/ ٣٣٠، ٣٣٢، ودلائل الإعجاز: ١٣٦، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٠٣، والخزانة: ١/ ١٧٣، ٥٢٨، ٢/ ١٦١، والعيني: ٤/ ٥٨، والمغني: ١٥١/ ١٣٨، ٧٩٢/ ٥٦١، ١١٠٣/ ٨٤٥، والسيوطي: ١٠٧، والهمع: ١/ ٩، ٢/ ١٤٠، والدرر: ١/ ٤، ٢/ ١٩٢.
المفردات الغريبة: اللئيم: الدنيء النفس، الخبيث الطباع. لا يعنيني: لا يقصدني، وهذا الرجل يصف نفسه بالحلم والوقار، وقبله قوله:
غضبان ممتلئا علي أهابه ... إني وحقك سخطه يرضيني
المعنى: لقد أمر على اللئيم الذي ديدنه وطبعه الشتم والسب من غير مبرر، فأمضي ولا أهتم به ولا أجيبه بالمثل، أو أردعه احتقارا له؛ ولكن أقول في نفسي: إنه لا يقصدني بسبه وشتمه.
الإعراب: لقد: اللام موطئة للقسم، لا محل لها من الإعراب، قد: حرف تحقيق. أمر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل أنا. "على اللئيم": متعلق بـ"أمر". يسبني: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل، في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "يسبني": في محل جر صفة لـ"لئيم". فمضيت: الفاء حرف عطف، مضى فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله =стр. 948
وشرطان في الجملة١:
أحدهما: أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف، إما ملفوظ به كما تقدم؛ أو مقدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٢؛ أي:
الحواشي
(١) = بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل، في محل رفع فاعل. ثمت: ثم حرف عطف، والتاء: لتأنيث اللفظ. قلت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل. لا يعنيني: لا نافية، لا محل لها من الإعراب، يعني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء؛ للثقل، والنون: للوقاية، وياء المتكلم: في محل نصب مفعولا به؛ وجملة: "لا يعنيني": مقول القول في محل نصب مفعولا به.
موطن الشاهد: "اللئيم يسبني".
وجه الاستشهاد: وقوع جملة "يسبني": صفة للمعرفة "اللئيم"، وساغ ذلك؛ لكون "أل" جنسية؛ فمدخولها معرفة لفظا، نكرة معنى.
وزعم ابن عقيل: أنه يجوز في هذا البيت؛ أن تكون الجملة حالا، كما تأتي بعد المعرفة، غير أن معنى البيت، لا يوافق ذلك؛ وهذه المسألة خلافية، واختار ابن مالك في شرح التسهيل جواز كون الجملة صفة للاسم المقترن بأل الجنسية نظرا إلى معناه؛ لأن لفظه معرفة بسبب دخول "أل" عليه؛ ومعناه كمعنى النكرة؛ لأنه لا يقصد به فرد معين.
وذهب أبو حيان في "الارتشاف": إلى أنه لا يجوز أن تكون الجملة صفة للاسم المقترن بأل وعنده أن "أل" الجنسية كأل العهدية في كون مدخول كل منهما معرفة؛ وخلاصة القول: إن ابن مالك، نظر فيما اختاره إلى المعنى المراد بمصحوب "أل" الجنسية؛ وأن أبا حيان، نظر فيما اختاره إلى اللفظ.
انظر شرح التصريح: ٢/ ١١١، وابن عقيل "ط. دار الفكر": مج ٢/ ١٦٨-١٦٩.
١ بقي شرط للنكرة التي توصف بالجملة -لم يذكره المؤلف- وهو كون النكرة الموصوفة مذكورة في الكلام، ولا يجوز حذفها؛ إلا في الحالة التي سيذكرها المؤلف في حذف الموصوف؛ وهي أن تكون النكرة بعض اسم متقدم مجرور بمن أو بفي، وزعم قوم: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز أن تكون النكرة محذوفة.
انظر التصريح: ٢/ ١١٢.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٢٣.
موطن الشاهد: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع جملة ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ : في محل نصب صفة لـ"يوما"، وقد اشتملت هذه الجملة على ضمير مقدر يربطها بالموصوف؛ والتقدير: "لا تجزي =стр. 949
لا تجزي فيه١.
والثاني: أن تكون خبرية؛ أي: محتملة للصدق والكذب؛ فلا يجوز "مررت برجل اضربْهُ"؛ ولا "بعبد بعتكه" قاصدا لإنشاء البيع٢، فإن جاء ما ظاهره ذلك؛ يؤول على إضمار القول؛ كقوله٣: [الرجز]
الحواشي
(١) = فيه عن نفس شيئا"؛ كما أوضح المؤلف في "المتن". وانظر ابن عقيل "ط. دار الفكر": مج٢: ١٧٠.
١ من الجمل التي تحتاج إلى رابط، يربطها بما تتصل به: جملة الصلة، وجملة الخبر، وجملة النعت؛ فأما جملة الخبر، فقد ذكر المؤلف في موضعه ما يربطها بالمبتدأ، كما ذكر أنه يجوز كون الضمير الرابط للمبتدأ بجملة الخبر محذوفا مقدرا، وذكر في باب الموصول ما يربط الصلة بالموصول؛ كما فصل القول في حذف هذا العائد مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا؛ ولم يفصل هذا التفصيل في رابط جملة الصفة بالموصوف؛ ولذا لا بد من معرفة الآتي:
أ- أن حذف الرابط من جملة الصلة أكثر من حذف الرابط من جملة الصفة، ومن جملة الخبر.
ب- وأن حذف الرابط من جملة الصفة كثير في ذاته، وحذفه من جملة الخبر قليل.
ج- وأن رابط جملة الصفة بالموصوف، قد يكون أصله -قبل الحذف- مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا بواحد من حرفين؛ وهما: "في" و"من".
فأما الذي أصله مجرور بـ"في"؛ فإنما يكون إذا كان الموصوف اسم زمان؛ ومن أمثلته؛ الآية الكريمة التي تلاها المؤلف: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ، أي: لا تجزي فيه؛ فإن كان الموصوف غير ظرف الزمان؛ لم يجز حذف الرابط المجرور بـ"في"؛ نحو: رأيت رجلا رغبت فيه.
وأما الرابط المجرور بـ"من"؛ فقد يحذف والموصوف اسم زمان؛ نحو: هذا شهر صمت يوما مبارك؛ والتقدير: صمت يوما منه.
وقد يحذف، والموصوف غير اسم الزمان؛ نحو: "عندي بر إردب بدينارين"؛ أي: إردب منه بدينارين.
وانظر التصريح: ٢/ ١١٢.
٢ أي: لا الإخبار به، وذلك؛ لأن النعت يقصد به توضيح المنعوت، أو تخصيصه؛ فلا بد من أن يكون معلوما عند السامع قبل، والإنشاء بنوعيه؛ الطلبي، وغير الطلبي ليس كذلك؛ لأنه لا خارج لمدلولهما إلا عند التلفظ بهما.
٣ يُنسب البيت إلى العجاج، وينسب إلى غيره.стр. 950
٣٩٤- جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط١
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز -أو بيت من مشطوره- وصدره قوله: حتى إذا جن الظلام واختلط
وكان هذا الراجز قد نزل بقوم فانتظروا عليه طويلا حتى جاء الليل بظلامه ثم جاءوه بلبن قليل، قد خلطوا به ماء كثيرا؛ حتى أصبح لونه يحاكي لون الذئب.
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٢، والأشموني: ٧٧٨/ ٢/ ٣٩٦، وابن عقيل: ٢٨٨/ ٣/ ١٩٩، والكامل: ٥١٨، والمحتسب: ٢/ ١٦٥، وأسرار البلاغة: ٣٨١، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٤٩، والمعاني الكبير: ٢٠٤-٣٩٩، وشرح المفصل: ٣/ ٥٣، والخزانة: ١/ ٢٧٥، والمغني: ٤٤٧/ ٣٢٥، ٩٩٤/ ٧٦١، والسيوطي: ٢١٤، والهمع: ٢/ ١١٧، والدرر: ٢/ ١٤٨، وملحقات ديوان العجاج: ٨١.
المفردات الغريبة: جن: دخل وستر. اختلط: امتزج ظلامه بالضياء. بمذق: هو مصدر بمعنى الممذوق؛ أي: المخلوط، من مذقت اللبن، إذا خلطته بالماء. قط: اسم للزمان الماضي.
المعنى: يذكر العجاج أن قوما أضافوه، وأطالوا عليه، حتى دخل الليل، ثم جاءوا بلبن مخلوط بالماء؛ حتى صار لونه في العشية، يشبه لون الذئب.
الإعراب: جاءوا: فعل ماضٍ مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف: للتفريق. "بمذق": متعلق بـ"جاء". هل: حرف استفهام، لا محل له من الإعراب. رأيت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. الذئب: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. قط: ظرف لما مضى من الزمان، مبني على الضم، في محل نصب بـ"رأى" وسكن لضرورة الوقف.
موطن الشاهد: "بمذق هل رأيت الذئب".
وجه الاستشهاد: ظاهر الكلام، يفيد وقوع الجملة الاستفهامية "هل رأيت ... " صفة للنكرة: "مذق"، غير أن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن جملة الاستفهام معمولة لقول محذوف؛ وهذا العامل المحذوف؛ هو الواقع صفة؛ لأن التقدير: جاءوا بمذق مقول عند رؤيته: هل رأيت الذئب قط؟ وقدر ابن عمرون الصفة المحذوفة، بقوله: "جاءوا بمذق مثل الذئب؛ هل رأيت الذئب قط؟؛ وزعم أن هذا أحسن من تقدير القول؛ لأن هذا المقدر، ورد مصرحا به نحو قولهم: "مررت برجل مثل الأسد؛ هل رأيت الأسد قط؟؛ وفي الحديث: "كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، يا رسول الله؛ قال: "فإنها مثل شوك السعدان".
وانظر في هذه المسألة حاشية الصبان: ٣/ ٦٤. =следующие страницы →