Полный текст (1 155 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
[قياس "تفعلل"] :
وقياس "تفعلل" وما كان على وزنه١: أن يضم رابعه؛ فيصير مصدرا؛ كتدحرج تدحرجا، وتجمل تجملا، وتشيطن تشيطنا، وتمسكن تمسكنا، ويجب إبدال الضمة كسرة -إن كانت اللام ياء-؛ نحو: التواني والتداني٢.
[قياس "فعلل"] :
وقياس "فعلل" وما ألحق به: فعللة؛ كدحرج دحرجة، وزلزل زلزلة، وبيطر بيطرة، وحوقل حوقلة٣؛ وفعلال: بالكسر، إن كان مضافعا٤ كزلزال ووسواس٥؛ وهو في غير المضاعف: سماعي، كسرهف سرهافا٦؛ ويجوز فتح أول المضاعف، والأكثر أن يعني بالمفتوح اسم الفاعل٧؛ نحو: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ ٨؛ أي: الموسوس.
[قياس "فاعل"] :
وقياس "فاعل"٩، كضارب وخاصم وقاتل: الفعال والمفاعلة؛ ويمتنع
الحواشي
(١) ١ أي: في الحركات والسكنات وعدد الأحرف وبدئ بتاء زائدة، وإن لم يكن من بابه، كما مثل المصنف.
٢ أصلها: بضم ما قبل الياء؛ فقلبت الضمة كسرة؛ لتسلم الياء من قبلها واوا؛ لأن ذلك يؤدي إلى وجود ما لا نظير له في كلام العرب، وهو وجود واو مضموم ما قبلها في آخر الاسم المعرب. انظر التصريح: ٢/ ٧٦.
٣ ذكر من الملحق ما كان على وزن "فعلل" و"فيعل" و"فوعل"، والباقي سبق بيانه؛ ومعنى بيطر: عالج الدواب وحوقل: ضعف عن الجماع للكبر.
٤ المضاعف من الرباعي هو ما كانت فاؤه ولامه الأولى من جنس، وعينه ولامه الثانية من جنس آخر.
٥ أي: وزن "فعلال".
٦ يقال: سرهفت الصبي: إذا أحسنت غذاءه. ضياء السالك: ٣/ ٣٨.
٧ أي: معنى اسم الفاعل، لا المصدر.
٨ ١١٤ سورة الناس، الآية: ٤.
٩ أي: غير معتل الفاء بالياء؛ سواء دل على المشاركة -كما مثل المؤلف- أو لا؛ نحو: نادى نداء ومناداة.стр. 877
الفعال فيما فاؤه ياء١؛ نحو ياسر ويامن، وشذ ياومه يواما٢.
وما خرج عما ذكرناه فشاذ٣؛ كقولهم: كذب كذابا؛ وقوله٤: [مشطور الرجز]
٣٧٨- فهي تنزي دلوها تنزيا٥
الحواشي
(١) ١ وذلك لثقل الابتداء بالياء المكسورة.
٢ المياومة: المعاملة بالأيام؛ كالمشاهرة.
٣ فيكون مقصورا على السماع، ولا يقاس عليه، وإلى ذلك يشير ابن مالك بقوله:
"الفاعل الفعال والمفاعله
وغير ما مر السماع عادله"
أي أن مصدر "فاعل"؛ هو الفعال والمفاعلة. وما جاء مخالفا للمقيس من المصادر السالفة كلها فمقصور على السماع، لا يقاس عليه؛ ومعنى عادله: أي ساواه.
٤ لم ينسب إلى قائل معين.
٥ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، وبعده قوله:
كما تنزي شهلة صبيا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٧٦، وابن عقيل: ٢٦٦/ ٣/ ١٢٨، والأشموني: ٧١١/ ٢/ ٣٤٩، والخصائص: ٢/ ٣٢، والمصنف: ٢/ ١٩٥، المخصص: ٣/ ١٠٤، ١٤/ ١٨٩. وشرح المفصل: ٦/ ٥٨، والمقرب: ١٠١، والعيني: ٣/ ٥٧١، اللسان: مادة "نزا"، و"شهل".
معنى الشاهد: أن هذه المرأة باتت تحرك دلوها بيدها حين تخرجه من البئر برفق ولين، كما تحرك العجوز الصبي حين ترقصه برفق ولين كذلك.
الإعراب: هي: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح، في محل رفع مبتدأ. تنزي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: هي. دلوها: مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ وجملة "تنزي دلوها": في محل رفع خبر المبتدأ. تنزيا: مفعول مطلق منصوب. كما: الكاف حرف تشبيه وجر، و"ما" مصدرية. تنزي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل. شهلة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. صبيا: مفعول به منصوب؛ والمصدر المؤول من "ما المصدرية وما دخلت عليه": مجرور بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بصفة محذوفة لـ"تنزيا" المصدر؛ والتقدير: تنزي دلوها تنزيا مشابها لتنزية شهلة صبيا.
موطن الشاهد: "تنزيا".
وجه الاستشهاد: مجيء "تنزيا" مصدرا للفعل "نزى" المعتل اللام والقياس: "تنزية" =стр. 878
وقولهم: تحمل تحمالا، وترامى القوم رميا، وحوقل حيقالا، واقشعر قشعريرة، والقياس: تكذيبا، وتنزية، وتحملا، وتراميا، وحوقلة، واقشعرارا.
[مصدر المرة والهيئة من الثلاثي] :
[مصدر المرة] :
فصل: ويدل على المرة١ من مصدر الفعل الثلاثي "بفَعْلَة"٢، بالفتح،
الحواشي
(١) = نحو: توصية، وتزكية، وتعمية؛ لأن "التفعيل" مصدر "فعل" الصحيح اللام؛ فحكم مجيئه على هذا الومن شاذ، لا يقاس عليه.
فائدة: لخص بعض العلماء الحديثين مصادر الرباعي فيما يأتي:
أ- ما كان على وزن "أفعل" فمصدره "إفعال".
ب- ما كان على وزن "فَعَّل" فمصدره "تفعيل".
ج- ما كان على وزن "فَاعَل" فمصدره "فِعَال" أو "مُفَاعَلَة"؛ نحو؛ قاتل قتالا ومقاتلة.
د- ما كان على ومن "فعلل" فمصدره "فعللة"؛ نحو: دحرج دحرجة، وعلى "فعلال"؛ إن كان مضاعفا.
وأما الخماسي والسداسي؛ فالمصدر منهما يكون على وزن الماضي مع كسر ثالثه، وزيادة ألف قبل الآخر؛ إن كان مبدوءا بهمزة وصل؛ نحو: انطلق انطلاقا، واستخرج استخراجا. ومع ضم ما قبل آخره فقط؛ إن كان مبدوءا بتاء زائدة؛ نحو: تقدم تقدما، وتدحرج تدحرجا.
وإذا كانت عين الفعل ألفا؛ تحذف منه ألف الإفعال والاستفعال، ويعوض عنها التاء في الآخر؛ نحو: أقام إقامة، واستقام استقامة. وإذا كانت لامه ألفا؛ ففي "فَعَّل" تحذف ياء التفعيل، ويعوض عنها التاء؛ نحو: زكى تزكية. وفي "تفعل" "وتفاعل"؛ تقلب الألف ياء ويكسر ما قبلها؛ نحو: تأنى تأنيا. وفي غير ذلك، تقلب همزة إن سبقتها ألف؛ نحو: ألقى إلقاء، ووالى ولاء، واقتدى اقتداء، وارعوى ارعواء، واستولى استيلاء.
ضياء السالك: ٣/ ٤٠.
١ أي: على حصول الشيء مرة واحدة.
٢ أي: إذا أريد الدلالة على المرة الواحدة، من مصدر الفعل الثلاثي -علاوة على معناه- أُتي بمصدره -مهما كانت صيغته -وجُعل على وزن "فَعْل" وزيدت عليه تاء التأنيث، فيصير "فعلة"، وشذ ما حكاه سيبويه من قولهم: أتيته إتيانا، ولقيته لقاءة؛ ويشترط أن يكون الفعل الثلاثي الذي تصاغ من مصدره المرة تاما متصرفا؛ فلا يصاغ من نحو: كاد وعسى. وأن يكون المصدر لأفعال صادرة عن الجوارح المدركة =стр. 879
كجلس جلسة، ولبس لبسة، إلا إن كان بناء المصدر العام عليها١؛ فيدل على المرة منه بالوصف٢، كرحم رحمة واحدة.
[مصدر الهيئة من الثلاثي] :
ويدل على الهيئة٣ "بفِعْلَة"، بالكسر، كالجلسة والركبة والقتلة٤، إلا إن كان بناء المصدر العام عليها؛ فيدل على الهيئة بالصفة، ونحوها٥؛ كنشد الضالة نشدة عظيمة.
[مصدر المرة من غير الثلاثي] :
والمرة من غير الثلاثي بزيادة التاء على مصدره القياسي٦، كانطلاقة واستخراجة، فإن كان بناء المصدر العام على التاء؛ دل على المرة منه بالوصف٧؛ كإقامة واحدة واستقامة واحدة.
الحواشي
(١) = بالحس؛ نحو: الضرب، والمشي، والجلوس، والقيام ... ؛ نحو: ضربة، وقعدة، وقومة. لا عن الأفعال الباطنة، نحو: العلم، والفهم، الجهل، والجبن، والبخل، فلا يقال: علمته علمة، ولا فهمته فهمة. وإلا يدل على صفة ثابتة ملازمة؛ فلا يصاغ من مثل: حسن، وجبن، وظرف، وقبح.
انظر ضياء السالك: ٣/ ٤١، والتصريح: ٢/ ٧٧.
١ أي: على "فعلة" بالفتح. أما نحو: كدرة بالضم، ونشدة بالكسر؛ فيفتحان للمرة، ويكسران للهيئة، ولا يؤتى بالوصف معهما.
٢ أي: بلفظ واحدة؛ أو ما يشابهها، أو بقرينة، تدل على الواحدة؛ نحو: أهلك الله ثمود بصيحة. ويتبين من هذا: أن للفعل الثلاثي الصالح للمرة مصدرين؛ أحدهما: مشهور على النحو السابق، والثاني: للدلالة على المرة؛ وهذا لا يعمل.
٣ أي: هيئة الحدث وكيفيته عند وقوعه.
٤ يعمل -هنا- ما سبق إيضاحه في "فعلة".
٥ أي: بالصفة التي تدل على ما يراد من الهيئة؛ من حسن أو قبح أو زيادة أو نقص، أو غير ذلك من الأوصاف. ومثل الصفة: الإضافة؛ نحو؛ نشدة الملهوف.
التصريح: ٢/ ٧٧، وضياء السالك: ٣/ ٤١-٤٢.
٦ أي: بدون زيادة أو نقص، أو أي تغيير.
٧ أو بقيام قرينة تدل عليها.стр. 880
[لا يبنى من غير الثلاثي مصدر للهيئة] :
ولا يبنى من غير الثلاثي مصدر للهيئة١، إلا ما شذ من قولهم: اختمرت خمرة٢، وانتقبت نقبة٣، وتعمم عمة، وتقمص قمصة٤.
الحواشي
(١) ١ لأن بناء مصدر الهيئة منه، يهدم بنية الكلمة؛ ذلك؛ لأنه يستتبع حذف ما قصد إثباته فيها؛ لغرض من الأغراض؛ فاجتنب ذلك، واكتفي بالمصدر الأصلي مع وصفه، عندما تدعو الحال إلى ذلك. التصريح: ٢/ ٧٧.
٢ أي: غطت رأسها بالخمار.
٣ أي: سترت وجهها بالنقاب؛ أي: البرقع.
٤ أي: غطى جسمه بالقميص.
وفيما تقدم يقول ابن مالك:
"في غير ذي الثلاث بالتا المره
وشذ فيه هيئة كالخمره"
والمعنى: تكون الدلالة على المرة من مصدر غير الثلاثي بزيادة التاء في آخره. أما الهيئة: فلا تجيء منه مباشرة، وشذ مجئيها منه؛ كالخمرة من اختمر.
التصريح: ٢/ ٧٧، وضياء السالك؛ ٣/ ٤٢.
ملحقات:
الملحق الأول: المصدر الميمي:
هو مصدر مبدوء زائدة لغير المفاعلة مصوغ من المصدر الأصلي للفعل، يعمل عمله، ويفيد معناه، مع قوة الدلالة وتأكيدها. وهو يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي مطلقا غير المضعف -ما كانت عينه ولامه من جنس واحد- نحو: مد، وفر، وعد. مهما كانت صيغته على وزن "مفعل" بفتح العين؛ نحو؛ ملعب، ومسقط، ومصعد؛ إلا في حالة واحدة، فإنه يكون -فيها- على وزن "مَفْعِل" بكسر العين، وهي: أن يكون الثلاثي معتل الفاء بالواو، صحيح الآخر، فتحذف فاؤه في المضارع عند كسر عينه؛ نحو؛ موصل، وموعد، وموضع؛ فإن كان صحيح الفاء، أو معتلها بالياء، أو معتل الفاء واللام، أو غير مكسور العين في المضارع؛ نحو: وجل، فصيغته: "مَفْعَل" بالفتح، وشذ "المرجِع والمصير، والمعرفة، والمغفرة، وقد ورد فيها الفتح على القياس.
ويصاغ المصدر الميمي من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول؛ أي: علم وزن المضارع مع إبدال أوله ميما مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، إن لم يكن مفتوحا؛ نحو؛ معرف، ومتعاون، ومكرم؛ من عرف، وتعاون، وأكرم.
والمصدر الميمي: يلازم الإفراد، ولا تلحقه تاء التأنيث إلا سماعا؛ نحو: المحبة، =стр. 881
..................................................
الحواشي
(١) = والمودة، والمسرة، والموعظة. وقد ترد صيغة "مفعلة" لبيان سبب الفعل؛ ومن ذلك قوله ﵇: "الولد مبخلة مجبنة محزنة" وذلك مقصور على السماع كما ترد هذه الصيغة؛ للدلالة على مكان كثرة مسماها؛ نحو؛ مأسدة، ومسبعة، مفعاة؛ أي مكان تكثر فيه الأسود، والسباع، والأفاعي.
وقد أجاز المجمع اللغوي أن تصاغ "مفعلة" قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان؛ سواء أكانت من الحيوان، أم من النبات، أم من الجماد.
الملحق الثاني: أسماء الزمان والمكان:
هما اسمان مصوغان من المصدر الأصلي للفعل؛ للدلالة على زمان الفعل أو مكانه؛ زيادة على المعنى المجرد الذي يدل عليه ذلك المصدر؛ وهما يصاغان من الثلاثي على وزن "مَفْعَل" -بفتح العين- إن كان معتل اللام مطلقا، أو صحيحها، ولم تكسر عين مضارعه؛ نحو: مرمى، ومسعى، ومدعى، ومنظر، ومذهب. ويصاغان على وزن "مَفْعِل" -بكسر العين- إن كان مثالا واويا صحيح اللام مطلقا، أو كانت عين مضارعه مكسورة؛ نحو؛ موعد، وميسر، ومجلس، ومبيع، وشذ مما تقدم: المنسك، والمطلع، والمشرق، والمغرب، والمفرق، والمنبت، والمسقط، والمسكن، والمسجد، والمجزر، وسمع الفتح في بعضها على القياس؛ وقيل: لا شذوذ في ذلك؛ لأنها أسماء لأمكنة وأزمنة مخصوصة معينة؛ ولم يذهب بها النحاة مذهب الفعل.
ويُصاغان من غير الثلاثي على زنة اسم المفعول؛ نحو؛ مكرم، ومستخرج، ومستعان به، من أكرم، واستخرج، واستعان.
واسما الزمان والمكان مشتقان؛ ولكنهما لا يعملان عمل الفعل؛ وتعيين المراد من الزمان أو المكان خاضع للقرائن.
ويتبين مما تقدم: أن صيغة الزمان والمكان، والمصدر الميمي واحدة في غير الثلاثي، وكذلك في الثلاثي، إلا فيما يأتي:
١- في المثال الصحيح اللام الذي لا تحذف فاؤه في المضارع.
٢- وفي السالم المكسور العين في المضارع؛ فإن المصدر الميمي فيهما على ومن "مَفْعَل" بفتح العين؛ نحو؛ موجل، ومنزل. واسم الزمان والمكان على وزن "مفعل" -فيهما- وعند الاتفاق في الصيغة؛ يكون التمييز بينها بالقرائن.
الملحق الثالث: المصدر الصناعي:
هو كل لفظ جامد أو مشتق، اسم أو غيره، زيد في آخره ياء مشددة، بعدها تاء تأنيث مربوطة، ليدل على معنى مجرد، هو مجموع الصفات الخاصة بذلك اللفظ، نحو: =стр. 882
..................................................
الحواشي
(١) = الحرية، والإنسانية، والوطنية، والوحشية ... ؛ وهو قياسي في هذا، وليس له صيغ أخرى؛ والحاجة إليه ماسة وبخاصة في علم الكيمياء، وغيره من العلوم الطبيعية؛ وهو من المولد المقيس على كلام العرب. وقد قرره المجمع اللغوي بالقاهرة، فقال: "إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء".
المحلق الرابع: اسم الآلة.
اسم يدل على الأداة التي تعين الفاعل في عمل ما يفعل؛ وهو يصاغ قياسا من الفعل الثلاثي المتعدي -غالبا- وينقسم إلى قسمين؛ مشتق وجامد.
فالمشتق أوزانه ثلاثة هي: "مفعال"؛ نحو: مفتاح، ومنشار، ومصباح، ومقراض.
و"مِفْعَل"؛ نحو: مبرد، ومقص، ومخلب، ومخيط، ومنجل.
و"مِفْعَلة"؛ نحو؛ مكنسة، ومصفاة، ومسرجة.
والجامد: ليس له وزن مخصوص، وإنما يأتي على أوزان شتى، لا يحدها ضابط؛ نحو: الفأس، والقدوم، والسكين ... ؛ وأما نحو: المدهن، والمنخل، والمسقط، والمكحلة؛ فالصحيح: أنها أسماء أوعية مخصوصة، وليست جارية على فعلها. انظر هذه الملحقات في ضياء السالك: ٣/ ٤٢-٤٤.
فائدة: أوصى المجمع اللغوي بالقاهرة، باتباع صيغ المسموع من أسماء الآلات، فإذا لم يسمع وزن منها لفعل؛ جاز أن يصاغ من أي وزن من الأوزان الثلاثة المتقدمة.стр. 883
هذا باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبهات بها:
[الوصف القياسي من "فعل" مثلث العين] :
يأتي وصف الفاعل من الفعل الثلاثي المجرد١ على فاعل٢ بكثرة في فَعَل، بالفتح، متعديا كان كضربه وقتله، أو لازما كذهب وغذا، بالغين والذال المعجمتين، بمعنى سال٣، وفي فعل بالكسر متعديا كأمنه وشربه وركبه، ويقل في القاصر؛ كسلم، وفي فَعُل بالضم؛ كفَرُهَ٤.
[أوزان الصفة المشبهة من باب فرح] :
وإنما قياس الوصف من فَعِلَ اللازم٥: "فَعِل" في الأعراض٥؛ كفرح
الحواشي
(١) ١ بشرط أن يكون متصرفا، سواء أكان متعديا، أو لازما.
٢ وإن كانت عين الماضي ألفا؛ نحو؛ قال، وباع؛ قلبت همزة، تقول: قائل، وبائع؛ وإن كان ماضيه ناقصا؛ نحو: دعا، ورمى، وسعى؛ تحذف لامه في حالتي الرفع والجر؛ تقول: داعٍ، ورامٍ، وساعٍ.
التصريح: ٢/ ٧٧.
٣ غذا الماء: إذا سال، وغذا العرق: إذا سال دمه؛ وهو يستعمل متعديا بمعنى: "ربى"، تقول: غذوت الصبي باللبن؛ إذا ربيته به؛ واسم الفاعل في الحالتين: "غاذ".
٤ الفاره من الناس: الحاذق بالشيء، والمليح الحسن؛ ومن الدواب: الجيد السير؛ يقال: رجل فاره؛ أي: حاذق. وجارية فرهاء؛ أي: حسناء؛ وفره الفرس يفره -بالضم: نشط وخف في السير.
التصريح: ٢/ ٧٧.
٥ يسمى هذا الباب "باب فرح"، وتأتي الصفةالمشبهة -منه- على ثلاثة أوزان قياسية، ذكرها المؤلف، ومثل لها؛ وتعرف الصفة المشبهة باسم الفاعل، بأنها: اسم مشتق مصوغ من مصدر الفعل الثلاثي اللازم؛ للدلالة على ثبوت صفة لصاحبها ثبوتها عاما مستمرا.
٦ المراد بالأعراض: الأمور والمعاني التي تطرأ على الذات، وتزول سريعا، وتتجدد =стр. 884
وأشر١، و"أفعل" في الألوان والخلق٢؛ كأخضر، وأسود، وأكحل٣، وألمى٤، وأعور وأعمى؛ و"فعلان" فيما دل على الامتلاء، وحرارة الباطن٥؛ كشبعان، وريان، وعطشان٦.
[أوزان الصفة المشبهة من باب "فَعُل"] :
وقياس الوصف من "فَعُل" -بالضم- فعيل كظريف وشريف، ودونه "فَعْل"؛ كشهم وضخم، ودونهما "أفْعَل"؛ كأخطب٧ إذا كان أحمر إلى الكدرة، و"فَعَل" كبطل٨ وحسن، و"فَعَال"، بالفتح، كجبان٩، و"فُعَال" بالضم؛ كشجاع،
الحواشي
(١) = وتتردد على صاحبها؛ نحو؛ الفرح، والحزن، والألم؛ فخرجت الألوان والأشياء الخلقية، تقول: فرح فهو فرح، وأشر فهو أشر، وتعب فهو تعب، وحذر فهو حذر؛ ومؤنث "فَعِل" -هذا- "فَعِلة". وشذ من هذا الباب: مريض، وكهل؛ لأنهما عرضان.
انظر التصريح: ٢/ ٧٧-٧٨.
١ الأشر: الذي لا يحمد النعمة والعافية.
٢ الخلق: جمع خلقة؛ وهي الحالة الظاهرة الدائمة في البدن؛ من عيب، أو لون، أو حلية. ومؤنث -أفعل- هذا "فعلاء"؛ تقول: عور فهو أعور، ومؤنثه: عوراء.
٣ الأكحل: أسود العينين من غير اكتحال؛ والأنثى: كحلاء.
٤ الألمى: أسود حمرة الشفتين؛ والأنثى: لمياء.
٥ الواو بمعنى "أو"؛ لأن المقصود: أنه ينقاس فيما يدل على امتلاء، أو خلو، أو نحو ذلك، مما يطرأ، ويتكرر، ولكنه يزول ببطء، ومؤنثه: "فعلى"؛ نحو: ظمآن وظمأى.
انظر التصريح: ٢/ ٨٨.
٦ شبعان وريان: يدلان على الامتلاء، وعطشان: يدل على حرارة الباطن؛ ومثله ظمآن، وصديان؛ بمعنى عطشان.
التصريح: ٢/ ٨٨.
٧ ذكر في التصريح: أنه بالخاء والظاء المعجمتين؛ وليس لهذه المادة أثر في كتب اللغة؛ والذي فيها: خطب، غير أن فعله من باب "فرح"، وخطُب بالضم؛ صار خطيبا. فلعل التمثيل بهذا اللفظ سهو من المؤلف. انظر التصريح: ٢/ ٧٨، وضياء السالك: ٣/ ٤٩.
٨ يقال: بطل الرجل؛ إذا صار بطلا.
٩ يكثر هذا الوزن في المؤنث. يقال: حصنت المرأة فهي حصان، ورزنت فهي رزان؛ والرزان: المتوقرة غير الطائشة.стр. 885
و"فُعُل"؛ كجنب، و"فِعْل"؛ كعفر؛ أي شجاع ماكر١.
وقد يستغنون عن صيغة "فاعل" من فعل، بالفتح، بغيرها٢، كشيخ وأشيب وطيب وعفيف٣.
[لا يكون "فاعل" صفة مشبهة إلا إذا أضيف إلى مرفوعه] :
تنبيه: جميع هذه الصفات صفات مشبهة٤؛ إلا "فاعلا"؛ كضارب وقائم، فإنه اسم فاعل، إلا إذا أضيف إلى مرفوعه٥؛ وذلك فيما دل على الثبوت كـ"طاهر القلب"، و"شاحط الدار"؛ أي: بعيدها؛ فصفة مشبهة أيضا٦.
الحواشي
(١) ١ العفر: -بالكسر- الخبيث الماكر؛ ومنه العفريت؛ وبالضم: الشجاع الجلد.
انظر التصريح: ٢/ ٧٨.
٢ محل الاستغناء: ما لم يكن له وزن قياسي من المسموع. أما ما استعمل له قياس وسمع غيره؛ فليس موضع الاستغناء؛ نحو: مال فهو مائل وأميل؛ قاله الشاطبي.
الترصيح: ٢/ ٧٨.
٣ ذكر المؤلف لباب "فعل" عشرة أوزان قياسية؛ بعضها كثير الاستعمال، وبعضها قليل، والبعض أقل؛ وهي موزعة بين البابين، كما سيأتي؛ منها ما هو خاص بباب كرم، وهو "فعَل وفعُل وفعال وفعال". أما، أفعل وفعلان: فيختصان بباب "فرح". ويشترك بين البابين: "فَعْل وفعل وفعيل وفَعِل".
ضياء السالك: ٣/ ٥٠.
٤ أي: إذا قصد بها الدلالة على الثبوت والاستمرار كانت صفات مشبهة باسم الفاعل؛ وأما إذا قصد بها الحدوث فهي أسماء فاعلين؛ ولكن هل يجب -حينئذ- أن تحول إلى صيغة "فاعل"؛ فتقول: ضائق، وسائد، وفارح؛ في ضيق وسيد وفرح؟، أم يجوز بقاء زنتها، مع هذا القصد؟.
والجواب: لعل الأقرب إلى الصواب: أنه لا يجب التحويل إلا إذا قصد التنصيص على إرادة الحدوث؛ ولا يختص وزن "فاعل" بجواز قصد الثبوت والاستمرار، بل يجري ذلك في أسماء الفاعلين من غير الثلاثي. وقد مثل المؤلف للصفة المشبهة، بمستقيم الرأي، ومعتدل القامة؛ وهذا يدل على أن زنة اسم الفاعل من غير الثلاثي، تكون أحيانا صفة مشبهة.
انظر التصريح: ٢/ ٧٨-٧٩.
٥ أي: في المعنى، وكذلك إذا نصبه.
٦ يلاحظ في هذا: أن موازن "فاعل"، لا يكون صفة مشبهة إلا إذا قصد به الدوام =стр. 886
[مجيء اسم الفاعل من غير الثلاثي المجرد] :
فصل: ويأتي وصف الفاعل من غير الثلاثي المجرد بلفظ مضارعه١، بشرط الإتيان بميم مضمومة مكان حرف المضارعة، وكسر ما قبل الآخر٢ مطلقا؛ سواء كان مكسورا في المضارع؛ كـ"منطلق" و"مستخرج" أو مفتوحا كـ"متعلم" و"متدحرج".
الحواشي
(١) = والاستمرار، وأضيف إلى مرفوعه، أو نصبه. وكذلك اسم الفاعل من غير الثلاثي -كما بينا- وكما سيمثل به المؤلف في باب الصفة المشبهة من قوله: "مستقيم الرأي"، ومعتدل القامة؛ مما يدل صراحة على أن الوصف من غير الثلاثي، يكون صفة مشبهة.
١ وشذ من ذلك ألفاظ؛ منها: أيفع الغلام -إذا شب- فهو يافع؛ وأورس النبت -إذا اصفرّ لونه- فهو وارس؛ وأحصرت الناقة -إذا ضاق مجرى لبنها- فهي حصور؛ وأعقت الفرس -إذا حملت- فهي عقوق. وقيل: إنه سمع: يفع، وورس، فيكون يافع ووارس -حينئذ- مما استغنى فيه باسم الفاعل الثلاثي عن اسم فاعل غيره، وجاء "مورس" قليلا.
٢ أي: ولو تقديرا؛ نحو: مختار ومعتل؛ اسمي فاعل من اختار، واعتل؛ فإن الكسر فيهما مقدر. وشذ فتح ما قبل الآخر في "مسهب" من "أسهب"؛ إذا تكلم كثيرا؛ و"محصن" من "أحصن"، إذا تزوج؛ و"ملقح" من "ألقح الفحل الناقة".
التصريح: ٢/ ٧٩.стр. 887
[باب أبنية أسماء المفعولين]
هذا باب أبنية أسماء المفعولين١:
[مجيء اسم المفعول من الثلاثي] :
يأتي وصف المفعول من الثلاثي المجرد٢ على زنة "مفعول"؛ كـ"مضروب" و"مقصود"، و"ممرور به"٣ ومنه: مبيع، ومقول، ومرمي، إلا أنها غيرت٤.
[مجيء اسم المفعول من غير الثلاثي] :
ومن غيره بلفظ مضارعه، بشرط الإتيان بميم مضمومة مكان حرف
الحواشي
(١) ١ اسم المفعول هو: اسم مشتق يصاغ من مصدر الفعل المبني للمجهول؛ للدلالة على معنى مجرد حادث، وعلى من وقع عليه هذا المعنى.
٢ بشرط أن يكون تاما متصرفا؛ لأن الجامد، لا يبنى منه اسم مفعول، ولا اسم فاعل، ولا صفة مشبهة؛ ما لا يأتي منه مصدر ولا غيره من المشتقات.
٣ هذا مثال لبناء اسم المفعول من اللازم بالصلة؛ لأن اسم المفعول، لا يصاغ من اللازم إلا مع الظرف، أو الجار والمجرور، أو المصدر.
التصريح: ٢/ ٨٠.
٤ أي: غيرت لفظا عن زنة "مفعول"، والأصل: مبيوع، ومقوول، ومرموي، فنقلت حركة الياء والواو في الأولين إلى الساكن قبلهما؛ ثم قلبت الضمة كسرة في الأول؛ لتسلم الياء. وحذفت الواو من الثاني؛ لالتقاء الساكنين. أما الثالث: فقد قلبت الواو ياء، وأدغمتا؛ لاجتماعهما؛ وسبقت إحداهما بالسكون، ثم قلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء.
وإذا كان اسم المفعول مؤنثا، وجب زيادة تاء التأنيث في آخره، فتقول: فاطمة منزهة عن فحش القول.
التصريح: ٢/ ٨٠.стр. 888
المضارعة، وإن شئت فقل: بلفظ اسم فاعله؛ بشرط فتح ما قبل الآخر١؛ نحو: المال مستخرج، وزيد منطلق به.
[إنابة فعيل عن مفعول] :
وقد ينوب "فعيل" عن "مفعول"٢؛ كـ"دهين"، و"كحيل"، و"جريج"، و"طريح"، ومرجعه إلى السماع٣؛ وقيل: ينقاس فيما ليس له "فعيل" بمعنى "فاعل"٤؛ نحو: قدر ورحم؛ لقولهم: قدير ورحيم٥.
الحواشي
(١) ١ أي: في اسم الفاعل.
٢ أي: أن اسم المفعول من الثلاثي، قد يأتي على وزن "فعيل"، بدلا من "مفعول"؛ فيدل على معناه، ولكن لا يعمل عمله عند كثير من النحاة؛ فلا يقال: مررت برجل كحيل عينه؛ أو قتيل أبوه؛ أو ذبيح كبشه، وأجاز ذلك ابن عصفور في "المقرب"، واستحسنه بعضهم.
وكذلك ينوب عن "مفعول" -على قلة- "فِعْل"؛ نحو: ذبح، وطحن بمعنى: مذبوح ومطحون. وينوب عن "مفعول" أيضا: "فَعَل"؛ نحو: "عدد" بمعنى: معدود. و"فُعْلَة"؛ نحو: مضغة بمعنى: ممضوغ؛ وغرفة بمعنى مغروف، وأكلة بمعنى مأكول. ضياء السالك: ٣/ ٥٣.
٣ أي: يقتصر في ذلك على المسموع والمنقول عن العرب؛ وفي هذا يقول ابن مالك:
"وناب نقلا عنه ذو "فعيل" ... نحو فتاة أو فتى كحيل"
والمعنى: ينوب "فعيل" عن اسم المفعول من الثلاثي؛ وهذا منقول عن العرب ومسموع منهم. تقول: فتاة كحيل؛ بمعنى مكحول العين، وفتى كحيل كذلك؛ مع ملاحظة أن صيغة "فعيل" -بمعنى مفعول- يستوي فيها المذكر والمؤنث غالبا.
٤ أي: كقتيل وجريح؛ وذلك لعدم اللبس فيه، بخلاف ما له ذلك، فإنه ليتبس بالفاعل.
٥ أي: بمعنى "قادر" و"راحم"، وهذا تمثيل للمنفي، والتعليل لمحذوف؛ أي؛ إنما كان الفعلان لهما "فعيل" بمعنى "فاعل". وأما ما ليس له "فعيل" بمعنى "فاعل"، فنحو: جريح وقتيل.
التصريح: ٢/ ٨٠.стр. 889
هذا باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد ١
[تعريف الصفة المشبهة العاملة] :
وهي: الصفة التي استحسن فيها أن تضاف؛ لما هو فاعل في المعنى٢، كـ"حسن الوجه"، و"نقي الثغر"، و"طاهر العرض".
فخرج نحو: "زيد ضارب أبوه" فإن إضافة الوصف فيه، إلى الفاعل ممتنعة٣؛ لئلا توهم الإضافة إلى المفعول؛ ونحو: "زيد كاتب أبوه"؛ فإن إضافة الوصف فيه، وإن كانت لا تمتنع٤ لعدم اللبس؛ لكنها لا تحسن؛ لأن الصفة لا تضاف لمرفوعها؛ حتى يقدر تحويل إسنادها عنه، إلى ضمير موصوفها؛ بدليلين؛
الحواشي
(١) ١ حق الصفة المشبهة أن تكتفي بمرفوعها، ولا تعمل النصب، لمباينتها الفعل بدلالتها على الثبوت؛ ولأنها مشتقة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم وهو لا ينصب، ولكنها لما أشبهت اسم الفاعل المتعدي لواحد نصب مفعولها مثله، على التشبيه بالمفعول به، ووجده الشبه بينها وبين اسم الفاعل: أنها تدل على الحدث وصاحبه مثله، وأنها تقبل التثنية والجمع والتذكير والتأنيث غالبا، ويشترط في عملها النصب على التشبيه بالمفعول به: الاعتماد، كاسم الفاعل. ومن هذا كله: سميت بذلك الاسم.
٢ قيد الفاعل بالمعنى؛ لأن الصف لا تضاف للفاعل إلا بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير الموصوف، فلم يبق فاعلا إلا من جهة وقوعه بعدها واتصافه بمعناها والمراد: استحسان الجر بنوعها لا بشخصها؛ لئلا يرد صور امتناع الجر، وضعفه كما سيأتي. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢/ ٣.
٣ أي: وإن قصد به الثبوت والدوام كما بينه المصنف. وأجازهما بعض النحاة إذا قصد الثبوت، وأمن اللبس عند الإضافة للمفعول. وآخرون أجازوا إذا قصد الثبوت، ويحذف المفعول اقتصارا، ويكون من باب الصفة المشبهة.
التصريح: ٢/ ٨١.
٤ وذلك إذا قصد به الدوام، والثبوت؛ لأنه حينئذ يكون صفة مشبهة. أما إذا قصد به الحدوث والتجدد فإن إضافته ممتنعة.стр. 890
أحدهما: أنه لو لم يقدر كذلك لزم إضافة الشيء إلى نفسه١.
والثاني: أنهم يؤنثون الصفة في نحو: "هند حسنة الوجه"٢؛ فلهذا حسن أن يقال: "زيد حسن الوجه"؛ لأنه من حسن وجهه حسن أن يسند "الحسن" إلى جملته مجازا٣، وقبح أن يقال: "زيد كاتب الأب"؛ لأن من كتب أبوه لا يحسن أن تسند الكتابة إليه٤، إلا بمجاز بعيد٥.
وقد تبين أن العلم بحسن الإضافة، موقوف على النظر في معناها؛ لا على معرفة كونها صفة مشبهة؛ وحينئذ فلا دور في التعريف المذكور؛ كما توهمه ابن الناظم٦.
[ما تختص به الصفة المشبهة عن اسم الفاعل] :
فصل: وتختص هذه الصفة عن اسم الفاعل بخمسة أمور:
أحدها: أنها تصاغ من اللازم دون المتعدي٧؛ كـ"حسن" و"جميل"؛ وهو يصاغ منهما، كقائم وضارب.
الحواشي
(١) ١ لأن الصفة نفس مرفوعها في المعنى، واللازم باطل فالملزوم مثله.
٢ فلو لم تكن الصفة مسندة إلى ضمير الموصوف؛ وهو هند، لذكرت كما تذكر مع المرفوع.
٣ أي: في الإسناد إلى الجزء، وإرادة الكل، والباعث عليه قصد التخفيف.
٤ لأن الأب ليس جزءا من الابن، فلا يسوغ أن يطلق أحدهما ويراد الآخر.
٥ وهو الإسناد إلى المضاف إليه وإرادة المضاف.
٦ حيث قال: إن هذه الخاصة -وهي الإضافة إلى الفاعل- لا تصلح للتعريف بالصفة المشبهة وتمييزها؛ لأن العلم بالصفة المشبهة متوقف على استحسان إضافتها للفاعل، واستحسان الإضافة متوقف على العلم بكونها صفة مشبهة، فجاء الدور. وقد دفع المصنف ذلك بما حاصله: أن العلم باستحسان الإضافة موقوف على النظر في المعنى الثابت للفاعل، لا على العلم بكونها صفة مشبهة.
التصريح: ٢/ ٨١.
٧ ما لم ينزل منزلة اللازم، أو يحول إلى "فعل" بالضم، كما في رحمن ورحيم فإنهما صفتان من رحم، وهو متعدٍّ.стр. 891
الثاني: أنها للزمن الحاضر الدائم١، دون الماضي المنقطع والمستقبل؛ وهو يكون لأحد الأزمنة الثلاثة٢.
الثالث: أنها تكون مجارية للمضارع في حركه وسكونه؛ كـ"طاهر القلب" و"ضامر البطن"، و"مستقيم الرأي" و"معتدل القامة" وغير مجارية له؛ وهو الغالب في المبنية من الثلاثي٣ كـ"حسن"، و"جميل"، و"ضخم"، و"ملآن"؛ ولا يكون اسم الفاعل إلا مجاريا له.
الرابع: أن منصوبها لا يتقدم عليها٤؛ بخلاف منصوبه٥، ومن ثم صح النصب في نحو "زيدا أنا ضاربه"٦، وامتنع في نحو: "زيد أبوه حسن وجهه"٧.
الخامس: أنه يلزم كون معمولها سببيا٨؛ أي: متصلا بضمير موصوفها؛ إما
الحواشي
(١) ١ أي: الثابت في الأزمن الثلاثة لا خصوص الحال. ودلالة الصفة المشبهة على الدوام عقلية لا وضعية. لأنه لما انتفى عنها الحدوث والتجدد ثبت الدوام عقلا؛ لأن الأصل في كل ثابت دوامه.
٢ فلا يقال حسن الوجه أمس، أو غدا.
٣ أما المبنية من مصدر غير الثلاثي، فلا بد من مجاراتها لمضارعها، والمجارة: تساوي عدد الحروف المتحركة والساكنة في كل منهما، وأن يكون ترتيب المتحرك والساكن فيهما متماثلا.
٤ لأنه كان فاعلا في الأصل، أو لأنه فرع اسم الفاعل.
٥ فإنه يجوز تقديمه، إذا كان غير مقرون بأل نحو: العواصف شجرا مقتلعة. أما المقترن بأل؛ أو المجرور بإضافة، أو حرف جر أصلي فيمتنع تقديم منصوبه. ففي مثل، هذا غلام قاتل زيدا، ومررت بضارب زيدا، يمتنع تقدم "زيدا". أما نحو: لست بضارب زيدا، فلا يمتنع لزيادة الجار. أما المرفوع والمجرور فلا يتقدمان فيهما؛ لأن المرفوع فاعل، والمجرور مضاف إليه وكلاهما لا يتقدم.
٦ أي: بنصب زيد على الاشتغال، لصحة عمل ضارب المذكور فيه لو ترفع من الضمير، وما يعمل في المتقدم يفسر عاملا فيه.
٧ فلا يصح نصب الأب بصفة محذوفة معتمدة على زيد، تفسرها الصفة المذكورة المشتغلة بنصب سببيه وهو "وجهه"؛ لأن الصفة المشبهة لا تعمل في متقدم وما لا يعمل لا يفسر عاملا، فوجب رفعه على أنه مبتدأ ثان، و"حسن" خبره والجملة خبر "زيد".
٨ أي: إذا كان مجرورا أو منصوبا على التشبيه بالمفعول به، وكذلك إذا كان معمولها =стр. 892
لفظا؛ نحو: "زيد حسن وجهه"، وإما معنى؛ نحو: "زيد حسن الوجه"، أي: منه١؛ وقيل: إن "أل" خلف عن المضاف إليه٢؛ وقول ابن الناظم: إن جواز نحو: "زيد بك فرح"٣ مبطل لعموم قوله إن المعمول لا يكون إلا سببيا مؤخرا. مردود؛ لأن المراد بالمعمول ما عملها فيه لحق الشبه، وإنما عملها في الظرف بما فيها من معنى الفعل؛ وكذا عملها في الحال، وفي التمييز٤، ونحو ذلك؛ بخلاف اسم الفاعل٥.
الحواشي
(١) = مرفوعا، والصفة جارية على الموصوف. والمراد بالسببي: ما ليس أجنبيا من الموصوف، فيشمل الضمير البارز المتصل. نحو: حسن الوجه طلقه أنت، فيجوز في الهاء أن تكون في محل نصب أو جر "لطلق"، و"حسن الوجه طلقه" خبران مقدمان، و"أنت" مبتدأ مؤخر.
١ "فالوجه" معمول لحسن، وهو سببي؛ لأنه متصل بضمير الموصوف معنى، وهو "زيد"، وقد حذف الضمير مع حرف الجر، ولكنه ملحوظ كأنه موجود، وهذا رأي البصريين.
٢ وهو الضمير، وعلى ذلك فلا حذف، وهذا رأي الكوفيين. واعترض عليه بأنه قد يصرح بالضمير مع أل، كما في قول طرفة بن العببد في معلقته:
رحيب قطاب الجيب منها رقيقة ... بجس الندامى بضة المتجرد
والشاهد في "الجيب منها". رحيب: متسع. قطاب الجيب: مخرج الرأس منه. والجس: اللمس. البضة: البيضاء الرخصة. المتجرد: جسدها المتجرد من ثيابها. وعلى الرغم من هذا الاعتراض يستحسن بعض العلماء رأي الكوفيين؛ لخلوه من الحذف والتقدير. وعليه يكون السببي هو: المتصل بضمير صاحب الصفة، أو بما يغني عن الضمير.
التصريح: ٢/ ٨٣.
٣ أي: مما تقدم فيه المعمول -وهو هنا "بك"- على الصفة، وهي "فرح" مع أنه غير سببي؛ لأنه ليس اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير يعود إلى الموصوف وهو "زيد".
٤ مثال الحال: محمد حسن وجهه طلقه، ومثال التمييز: علي فصيح قولا.
٥ فإنه لقوة شبهه بالفعل يعمل في متأخر ومتقدم، وفي سببي، وأجنبي. هذا؛ ومما تختص به الصفة المشبهة أيضا:
أ- أنها لا تعمل محذوفة، فلا يجوز: هذا حسن القول والفعل، بنصب "الفعل" على تقدير: وحسن الفعل. أما اسم الفاعل فيجوز: أنت ضارب اللص والخائن. =стр. 893
[أحوال معمول الصفة المشبه في الإعراب] :
فصل: لمعمول هذه الصفة ثلاث حالات: الرفع على الفاعلية، وقال الفارسي: أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة١؛ والخفض بالإضافة والنصب على التشبيه بالمفعول به؛ إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة٢، والصفة مع كل من الثلاثة؛ إما نكرة، أو معرفة، وكل من هذه الستة٣ للمعمول معه ست حالات؛ لأنه إما بأل؛ كـ"ـالوجه"، أو مضاف لما فيه أل كـ"ـوجه الأب"، أو مضاف للضمير كـ"وجهه"، أو مضاف لمضاف للضمير كـ"وجه أبيه"، أو مجرد كـ"ـوجه"، أو مضاف إلى المجرد كـ"ـوجه"، أو مضاف إلى المجرد كـ"وجه أب"؛ فالصور ست وثلاثون، والممتنع منها أربعة٤؛ وهي: أن تكون الصفة بأل والمعمول مجردا منها ومن الإضافة إلى
الحواشي
(١) = ب- ولا يجوز أن يفصل بينها وبين معمولها المرفوع، أو المنصوب بظرف، أو جاو ومجرور عند الجمهور.
ج- وأنه لا يراعي لمعمولها المجرور مجل بالعطف أو غيره، بخلاف اسم الفاعل في ذلك كله.
د- ولا تتعرف بالإضافة مطلقا بخلاف اسم الفاعل؛ فإنه يتعرف بها إذا كان بمعنى الماضي فقط، وأريد به الاستمرار؛ فيلحظ في هذا الاستمرار جانب المضي وحده.
هـ- وأن "أل" الداخلة عليها حرف تعريف، أما الداخلة عليه فاسم موصول ومعرفة معا، على الأصح فيهما.
انظر ضياء السالك؛ ٣/ ٦٠.
١ أي: بدل بعض من كل إذا أمكن ذلك لا مطلقا. قال الصبان: ويتعين الرفع على الفاعلية في نحو: مررت بامرأة حسن الوجه؛ لأن الصفة لو تحملت الضمير لوجب تأنيث الوصف بالتاء. ويتعين عدم في نحو: مررت بامرأة حسنة الوجه؛ لأن الوجه لوكان فاعلا لوجب تذكير الوصف. ويجوز الأمران في نحو:
مررت برجل حسن الوجه.
حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ٨.
٢ ويجوز أيضا في النكرة أن تنصب على التشبيه بالمفعول به.
٣ أي: الحاصلة من ضرب وجوه الإعراب الثلاثة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها.
٤ لا يصح فيها إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها وجره.стр. 894
تاليها؛ وهو مخفوض١، كـ"ـالحسن وجهه"٢ أو "وجه أبيه" أو "وجه" أو "وجه أب".
الحواشي
(١) ١ لأنه يلزم عليه إضافة ما فيه أل إلى المجرد منها، ومن الإضافة لتاليها، أو لضمير تاليها، وذلك ممنوع كما تقدم إيضاحه في باب الإضافة.
وهذا في الصفة المفردة. أما المثناة والمجموعة جمع مذكر سالم فتجوز إضافتها مطلقا.
٢ محل الامتناع في هذا، وفي الأمثلة الثلاثة بعده، إذا كان الموصوف غير محلى بأل كزيد مثلا، وإلا جاز الجر، تقول: مررت بالرجل الحسن وجهه ... إلخ؛ لأن معمول الصفة حينئذ مضاف لضمير ما فيه أل.
هذا: وتنقسم الصور الجائزة إلى ثلاثة أقسام: قبيح، وضعيف، وحسن. فالقبيح: رفع الصفة مجردة، أو مع أل نكرة، ويشمل ذلك أربع صور. ووجه القبح خلو الصفة لفظا من ضمير الموصوف.
والضعيف: نصب الصفة المنكرة -المعارف مطلقا- وجرها المضاف إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، وذلك ست صور. ووجه الضعف إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي في حالة النصب، وشبه إضافة الشيء إلى نفسه في حالة الجر.
والحسن ما عدا ذلك وهو اثنتنان وعشرون صورة.
التصريح؛ ٢/ ٨٤-٨٦. الأشموني: ٢/ ٣٦٠، والأشموني مع الصبان: ٣/ ٩.стр. 895
[باب التعجب] :
هذا باب التعجب١:
[صيغ التعجب] :
وله عبارات كثيرة، نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ٢،
الحواشي
(١) ١ هو انفعال وتأثر داخلي يحدث في النفس عند استعظام أمر له مزية ظاهرة بسبب زيادة فيه. جعلته نادرا ولا نظير له، وقد خفي سببها. قيل: ولعل هذا معناه اللغوي. أما عند النحاة فهو: استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها، وخرج بها المتعجب به عن أمثاله، أو قل نظيره فيها. وهذا يفسر اشتراط أن يكون الفعل الذي تؤخذ من مصدره صيغة التعجب مبنيا للمعلوم؛ فلا يتعجب مما لا زيادة فيه، ولا مما ظهر سببه، ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب. وأيضا، لا يوصف المولى سبحانه بأنه متعجب؛ لأنه لا يخفى عليه سبحانه شيء. وما ورد في كلامه، أو في الحديث الشريف، أو غيرهما مما يدل على التعجب، فالمراد منه: إما توجيه المخاطبين إلى إظهار العجب نحو: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: أن حالهم تستدعي أن يتعجب منها. أو المراد لازمه وهو الرضا والتعظيم، ونحو ذلك من الأغراض البلاغية، كحديث: "عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل": أي: وهم أسارى المشركين يسلمون فيدخلون الجنة. وكان القياس عدم التعجب من صفاته تعالى؛؟؟؟ لا تقبل الزيادة، نحو: ما أعظم الله، وما أقدره، وما أجله، وما أعلمه، ولكنهم أجازوا ذلك بقصد الثناء عليه على أن المعنى: أنه تعالى في غاية العظمة، وأن عظمته مما تحار فيها العقول.
التصريح، وحاشية يس: ٢/ ٨٦- حاشية الصبان: ١/ ١٦-١٧.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨.
موطن الشاهد: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: استعمال "كيف" للتعجب مجازا عما وصفت له عن الاستفهام عن الأحوال، والمعنى: أتعجب من كفركم بالله.стр. 896
"سبحان الله إن المؤمن لا ينجس" ١ لله دره فارسا٢!.
والمبوب له منها في النحو اثنتان:
[ما أفعله وإعرابها] :
إحداهما: ما أفعله، نحو "ما أحسن زيدا".
فأما "ما" فأجمعوا على اسميتها٣؛ لأن في "أحسن" ضميرا يعود٤ عليها، وأجمعوا على أنها مبتدأ؛ لأنها مجردة للإسناد إليها٥، ثم قال سيبويه: هي نكرة تامة٦ بمعنى شيء، وابتدئ بها؛ لتضمنها معنى التعجب، وما بعدها خبر؛
الحواشي
(١) ١ حديث شريف قاله ﵊ لأبي هريرة حين رآه في بعض طرق المدينة وكان جنبا، فأبى أن يقابله حتى اغتسل.
والحديث أخرجه: البخاري: ١/ ٣٩٠، ومسلم: الحيض ب ٢٩: ١١٥، والنسائي: ١/ ١٤٦، مسند الإمام أحمد: ٢/ ٢٣٥-٣٨٢، وفتح الباري لابن حجر: ١٠/ ٥٩٩، شرح السنة للبغوي: ٢/ ٢٩.
موطن الشاهد: "سبحان الله".
وجه الاستشهاد: وقوع "سبحان" اللفظ الموضوع للتنزيه مفيدا للتعجب؛ لأن الإنسان يسبح الله عند رؤية مخلوقاته العجيبة.
٢ قول لبعض العرب. ومن الصيغ التعجبية غير ما ذكر: "يا لك"، و"يا له، وقولهم: عجبت من كذا ... " غير ذلك.
٣ وهي علامة التعجب، ولذا تسمى "ما التعجبية". ويجب تقديمها على الفعل.
٤ وهذا الضمير بينه وبين غيره من الضمائر المستترة المرفوعة فرقا من ثلاثة أوجه، الأول: أن الضمير المرفوع المستتر في الفعل مثلا يجوز العطف عليه بعد الفصل بالضمير المرفوع البارز أو فاصل ما، وهنا لا يجوز في الضمير المستتر في أحسن ذلك. والثاني: أنه لا يجوز أن يبدل من الضمير المستتر في أحسن، والثالث: أنه لا يجوز في باب التدريب أن يخبر عن هذا الضمير المستتر في أحسن.
هذا: وقد قال البصريون بصراحة عن هذا الضمير، ولم يقله الكوفيون كما يعلم من كلامهم الآتي في أحسن.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ٨٧.
٥ روي عن الكسائي: أنه يقول: إن "ما" لا موضع لها من الإعراب، فهو على هذا لا يكون مع النحاة في أنها مبتدأ، وهذا قول شاذ لا يقدح فيه الإجماع.
٦ يراد بالنكرة: أنها بمعنى شيء أي شيء، وبالتمام: أنها غير موصوفة بشيء بعدها، وقد أفادها التنكير الإبهام، وهو يناسب التعجب؛ لانه يكون فيما خفي سببه. =стр. 897
فموضعه رفع؛ وقال الأخفش: هي معرفة ناقصة بمعنى الذي، وما بعدها: صلة فلا موضع له، أو نكرة ناقصة، وما بعدها صفة فمحله رفع؛ وعليهما: فالخبر محذوف وجوبا، أي: شيء عظيم١.
وأما "أفعل" كأحسن فقال البصريون والكسائي: فعل؛ للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية؛ نحو: "ما أفقرني إلى رحمة الله تعالى"، ففتحته بناء كالفتحة في ضرب من "زيد ضرب عمرا"، وما بعده مفعول به٢، وقال بقية الكوفيين: اسم؛ لقولهم: "ما أحيسنه"٣؛ ففتحته إعراب؛ كالفتحة في "زيد عندك"؛ وذلك لأن مخالفة الخبر
الحواشي
(١) = يؤخذ على قول الأخفش: أن فيه حذف الخبر من غير أن يسد مسده شيء، وفيه أيضا: تقديم الإبهام بالصلة أو الصفة، وتأخير الإبهام بالتزام حذف الخبر، والمألوف في الكلام الذي يتضمن إفهاما وإبهاما تقديم الإبهام، فالراجح ما ذهب إليه سيبويه من أنها نكرة تامة، وينبغي الأخذ به؛ لأنه خال من التعسف والحذف والتأويل من غير داعٍ. هذا ويروى للأخفش قول وافق فيه سيبويه والجمهور: وهو أن "ما" نكرة تامة لا تحتاج إلى وصف. ويذكر النحاة قولا آخر للفراء وابن درستويه، ونسب هذا القول إلى الكوفيين. أيضا، وحاصله أن "ما" اسم استفهام مشرب بمعنى التعجب مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، فأما الكوفيون فعندهم أن "أحسن" اسم مرفوع خبر المبتدأ، وأما الفراء وابن درستويه فإن قالا إن "أحسن" اسم، ووافقا الكوفيين استفهام لهما القول على ما فيه، وإن قالا إن "أحسن" فعل ماضٍ تقع جملته خبرا كما يقول البصريون في "أحسن". ورد عليهما أنهما جعلا خبر اسم الاستفهام المشرب بالتعجب جملة فعلية وهو خلاف الأصل. فإن الأصل أن يكون خبره اسما مفردا نحو قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ، ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ .
التصريح: ٢/ ٨٧، الهمع: ٢/ ٩٠، الأشموني: ٢/ ٣٦٣.
والأشموني مع الصبان: ٣/ ١٨.
٢ وهو في المعنى فاعل. ولهذا المفعول أحكام خاصة، منها: أنه لا يحذف إلا إذا دل عليه دليل، ولا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصة، ولا يتقدم على عامله، ولا يحال بينهما إلا بالظرف على الصحيح.
٣ واستدلوا لذلك بقول الشاعر:
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر
وزعموا أن التصغير من خصائص الأسماء فيكون تصغير أملح دالا على أنه اسم، =стр. 898
للمبتدأ، تقتضي -عندهم- نصبه١، و"أحسن" إنما هو في المعنى وصف لزيد؛ لا لضمير "ما"٢، و"زيد" -عندهم- مشبه بالمفعول به٣.
["أفعل به" وإعرابها] :
الصيغة الثانية: أفعل به؛ نحو: "أحسن بزيد".
وأجمعوا على فعلية أفعل٤، ثم قال البصريون: لفظه لفظ الأمر٥، ومعناه: الخبر٦؛ وهو في الأصل: فعل ماضٍ على صيغة أفعل بمعنى صار ذا كذا كـ"أغد
الحواشي
(١) = ويجيب البصريون، ومعهم الكسائي من الكوفيين: بأن هذا شاذ فلا ينهض دليلا على الاسمية. وقيل: بأن التصغير راجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل، وقيل: إنما صغر فعل التعجب حملا له على أفعل التفضيل لاتفاقهما لفظا، وقيل: إنما صغر؛ لأنه لزم طريقة واحدة فاشبه بذلك الأسماء فدخله بعض أحكامها، وحمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لا يخرجه عن أصله.
الدرر اللوامع: ١/ ٤٩، ٢/ ١١٩، حاشية الصبان: ٣/ ١٨.
١ اي نصب الخبر، فعامل النصب عندهم في الخبر هو المخالفة للمبتدأ، أي: كونه ليس وصفا له. أما إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، كالله ربنا، أو مشبها به، نحو: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ؛ فإنه يرتفع ارتفاعه.
٢ هذا بيان للمخالفة هنا، وهي أن الخبر ليس وصفا للمبتدأ في المعنى. وفيه إشارة إلى أن معنى "أحسن" عندهم: فائق في الحسن، لا صير زيدا حسنا، كما هو مذهب البصريين؛ إذ التصيير صفة لضمير "ما" لا لزيد.
التصريح: ٢/ ٨٨.
٣ وذلك لوقوعه بد ما يشبه الفعل في الصورة.
٤ قال باسمية "أفعل" ابن الأنباري ورده المرادي، وإجماع النحاة على فعلية أفعل أنه جاء على صيغة لا يكون عليها إلا الفعل، وأما أصبع، فنادر ولا يجعل أصلا.
التصريح: ٢/ ٨٨، وانظر: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري: ١/ ١٢٦-١٤٨.
٥ أي: أنه جاء على صورة الأمر، فيبنى على السكون إن كان صحيح الآخر، وعلى حذف حرف العلة إن كان معتلا كالأمر؛ نظرا لصورته، أو يبنى على فتح مقدر منع من ظهوره مجيئه على صورة الأمر؛ نظرا لمعناه.
٦ وذلك في الأصل، أما الآن فالجملة كلها لإنشاء التعجب، ولا تدل على زمن مطلقا أو أن المصنف أراد بالخبر: ما قابل الطلب، فيشمل الإنشاء غير الطلب كما هنا.стр. 899
البعير"؛ أي: صار ذا غدة١، ثم غيرت الصيغة٢، فقبح إسناد صيغة الأمر، إلى الاسم الظاهر٣، فزيدت الباء في الفاعل؛ ليصير على صورة المفعول به٤، كـ"امْرُرْ بزيد" ولذلك التزمت٥، بخلافها في ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٦، فيجوز تركها؛ كقوله٧: [الطويل]
٣٧٩- كف الشيب والإسلام للمرء ناهيا٨
الحواشي
(١) ١ الغدة: طاعون الإبل، ولا تكون الفدة إلا في البطن.
٢ أي: إلى الأمر، وذلك عن قصد التعجب؛ ليوافق اللفظ في التغيير؛ تغيير المعنى عن الإخبار إلى الإنشاء.
٣ لأن الأمر لا يرفع الاسم الظاهر.
٤ وزيادتها في هذا الموضع لازمة إذا كان المجرور بها اسما صريحا لا مصدرا مؤولا.
٥ أي: زيادتها صونا للفظ عن القبح، إلا إذا كان المجرور بها مصدرا مؤولا من "أن"، أو "أن" وصلتهما؛ لاطراد حذف الجار في ذلك، كقول العباس بن مرداس. وأجبب إلينا أن تكون المقدما.
أي: بأن تكون.
٦ ٤٨ سورة الفتح، الآية: ٢٨.
موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "الياء" زائدة في فاعل "كفى" وحكم زيادتها -هنا- الجواز؛ لأنه يجوز في اللغة القول: "كفى الله شهيدا".
٧ القائل: هو سحيم بن وثيل؛ عبد بني الحسحاس، وقد مرت ترجمته.
٨ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
وهو مطلع قصيدة مشهورة له، وبعده قوله:
جنونا بها فيما اعترتنا علاقة ... علاقة حب مسترا وباديا
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٨٨، والأشموني: ٧٣٠/ ٢/ ٣٦٤، والعيني: ٣/ ٦٦٥، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٣٠، ٢/ ٣٠٨، والخصائص: ٢/ ٤٨٨، والإنصاف: ١/ ١٦٨، وشرح المفصل: ٢/ ١١٥، ٧/ ٨٤، ١٤٨، ٨/ ٢٤، ٩٣، ١٣٨، والمغني: ١٦٠/ ١٤٥، والسيوطي: ١١٢، وديوان سحيم: ١٦.
المفردات الغريبة: عميرة: اسم محبوبته، وهو تصغير عمرة. تجهزت: تهيأت وأعددت ما يلزمك في سفرك. غاديا: اسم فاعل من غدا، أي: ذهب وقت الغداة، وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس. =стр. 900
وقال الفراء، والزجاج، والزمخشري، وابن كيسان، وابن خروف١: لفظه ومعناه الأمر؛ وفيه ضمير٢، والباء للتعدية٣، ثم قال ابن كيسان: الضمير للحسن٤، وقال غيره: للمخاطب، وإنما التزم إفراده٥؛ لأنه كلام جرى مجرى المثل.
الحواشي
(١) = المعنى: يجرد الشاعر من نفسه شخصا يخاطبه ويقول له: اترك عمير وودعها وداع شخص أعد عدته لترك نوازع الصبا، متعظا بما حل به من الشيب، واعتصم به من حرمة الإسلام، وكفى بذلك واعظا. روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ حين سمعه ينشد هذا البيت قال: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك.
الإعراب: عميرة مفعول به مقدم لفعل "ودع". ودع: فعل أمر مبني على السكون، لا محل لها من الإعراب، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره أنت. إن: شرطية جازمة، لا محل لها من الإعراب. تجهزت: فعل ماض، وهو فعل الشرط، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل. غاديا: حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. كفى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف؛ للتعذر. الشيب: فاعل "كفى" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. والإسلام: الواو عاطفة، الإسلام؛ اسم معطوف على الشيب مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "للمرء": متعلق بقوله "ناهيا" الآتي. ناهيا: حال من الشيب، ويمكن أن يعرب تمييزا مبينا لنسبة الكفاية إليه؛ والأول أفضل.
موطن الشاهد: "كفى الشيب".
وجه الاستشهاد: إسقاط الباء من فاعل "كفى"؛ وفي هذا دلالة على أن هذه الباء، ليست واجبة الدخول على فاعل هذا الفعل؛ بخلاف دخولها على فاعل فعل التعجب الذي على صورة الأمر؛ فاقترانه بالباء واجب، ولا يجوز تجرده منها.
١ مرت ترجمة وافية لكل واحد منهم.
٢ أي: مستتر تقديره: أنت، وهو الفاعل.
٣ فهي حرف أصلي، وهي ومجرورها في محل نصب على المفعولية. وقيل: الهمزة على قول الفراء ومن وافقه للنقل والباء زائدة.
٤ أي: المصدر المفهوم من أحسن، والتقدير: أحسن يا حسن بزيد أي: دم به والزمه؛ ولذلك أفرد الضمير؛ لأن ضمير المصدر كالمصدر لا يثنى ولا يجمع.
٥ أي: الذي يراد منه أن يتعجب. وعليه يكون معنى أحسن بزيد: اجعل يا مخاطب زيدا حسنا، أي: صفه بالحسن كيف شئت. وعلى كل فالضمير المذكور مفرد مذكر دائما، فلا يقال في التأنيث: أحسني، ولا في التثنية والجمع أحسنا وأحسنوا وأحسن.
انظر التصريح؛ ٢/ ٨٨-٨٩.стр. 901
[جواز حذف المتعجب منه] :
مسألة: ويجوز حذف المتعجب منه١؛ في مثل "ما أحسنه"، إن دل عليه دليل٢؛ كقوله٣: [الطويل]
٣٨٠- ربيعة خيرا ما أعف وأكرما٤
الحواشي
(١) ١ المراد بالمتعجب منه: المعمول الذي له صلة بالأمر الذي يدعو للتعجب من صفة أو فعل؛ فإذا قلت: ما أحسن الإخلاص في العمل!، فإن التعجب من حسن الإخلاص، لا من الإخلاص ذاته؛ لأن التعجب من الأحوال لا من الذوات.
٢ ويشترط أن يكون ضميرا، سواء أكان منصوبا بـ"أفعل" أم مجرورا بالباء بعد "أفعل".
انظر في هذه المسألة ابن عقيل: ٣/ ١٥١، والدرر اللوامع: ٢/ ١٢٠، والتصريح: ٢/ ٨٩-٩٠.
٣ القائل: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أبو الحسن رابع الخلفاء الراشدين وابن عم النبي ﷺ وصهره، وأحد المبشرين بالجنة، وأحد الأبطال الشجعان والخطباء العلماء، وأول الناس إسلاما، كان بينه وبين معاوية خلاف ومعارك. ينسب إليه ديوان شعر، وجمعت خطبه وأقواله ورسائله في كتاب، قتله ابن ملجم لعنه الله، وذلك سنة ٤٠هـ، وله ٦٣ سنة.
صفة الصفوة: ١/ ١١٨، الإصابة: ت: ٥٦٩٠، الأعلام: ٤/ ٢٩٥، الطبري: ٦/ ٨٣. وغيره كثير.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
جزى الله عني والجزاء بفضله
وهو من كلمة يمدح فيها ربيعة على ما أبلت معه يوم صفين وقبله قوله:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها صفين تقدما
يقدمها في الموت حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٨٩، والأشموني: ٧٣٢/ ٢/ ٣٦٤، والعيني: ٣/ ٦٤٩، والهمع: ٢/ ٩١، والدرر: ٢/ ١٢١.
المفردات الغريبة: جزى: كافأ؛ من المجازاة وهي المكافأة. بفضله: بإحسانه.
المعنى: يدعو الإمام علي كرم الله وجهه الله ﷻ أن يجزي بفضله العميم ربيعة على ما بذلته، وما بدر منها من الكرم بالنفس والمال، ثم يعجب ﵁ من شأن ربيعة فيقول: ما أعفها وما أكرمها!.
الإعراب: جزى: فعل ماض، مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. الله: "لفظ =стр. 902
وفي "أفعل به" إن كان أفعل معطوفا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف؛ نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ١، وأما قوله٢: [الطويل]
٣٨١- حميدا، وإن يستغن يوما بأجدر٣
الحواشي
(١) = الجلالة" فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "عني" متعلق بـ"جزى". والجزاء: الواو: حالية، الجزاء: مبتدأ مرفوع. "بفضله": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء: "مضاف إليه؛ وجملة "الجزاء بفضله": في محل نصب حال. ربيعة: مفعول به أول لـ"جزى". ما: تعجبية في محل رفع متبدأ. أعف: فعل ماضٍ، مبني على الفتح لإنشاء التعجب، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ما، وجملة "أعف": في محل رفع خبر المبتدأ. وأكرم: الواو حرف عطف، أكرم معطوف على أعف السابق والألف للإطلاق.
موطن الشاهد: "ما أعف وأكرم".
وجه الاستشهاد: حذف المتعجب منه وهو مفعول فعل التعجب؛ لأنه ضمير يدل عليه سياق الكلام؛ لأن التقدير: ما أغفها وأكرمها.
١ ١٩ سورة مريم، الآية: ٣٨.
موطن الشاهد: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف الفاعل المجرور بعد "أفعل"؛ للدليل مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة، فجاز فيه ما يجوز فيها. وقيل: لم تحذف، وإنما استتر بالفعل بعد حذف الباء.
٢ القائل: هو عروة بن الورد العبسي؛ المعروف بعروة الصعاليك، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
فذلك إن يلق المنية يلقها
وقبله قوله:
فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر
وهما من قصيدة عدتها سبعة وعشرون بيتا موجودة في ديوانه "مط. جول كربوتل": ٦٣-٨٧ واختار أبو تمام بعض أبياتها في حماسته، يصف فيها صعلوكا ومنها قوله:
ولله صعلوك صحيفة خده ... كضوء شهاب المائس المتنور
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٠، والأشموني: ٧٣٣/ ٢/ ٣٦٥، وابن عقيل: ٢٧٠/ ٣/ ١٥٢، والعيني: ٣/ ٦٥٠، والخزانة: ١/ ١٩٦.
المفردات الغريبة: المنية: الموت. حميدا: محمودا، فهو فعيل بمعنى مفعول. فأجدر: أي: ما أجدره وما أحقه. =стр. 903
أي: به؛ فشاذ١.
[عدم تصرف فعلي التعجب] :
مسألة: وكل من هذين الفعلين ممنوع التصرف٢؛ فالأول: نظير تبارك،
الحواشي
(١) = المعنى: هذا الصعلوك الموصوف بالصفات المذكورة إن مات في سبيل مطلبه يموت وهو محمود الفعال عند الناس؛ لما كان عليه من عفة وعزة نفس، وما له من صفات كريمة، وإن عاش واستغنى فما أحقه، وما أخلقه بالغنى؛ لأنه وصل إليه بسعيه وجده.
الإعراب: فذلك: ذا: اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، لا محل لها من الإعراب. إن: حرف شرط جازم. يلق: فعل مضارع مجزوم، وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. المنية: مفعول به منصوب. يلقها: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، و"ها": ضمير متصل في محل نصب مفعولا به. حميدا: حال من فاعل "يلق"، الذي هو جواب الشرط؛ وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع خبر المبتدأ. وإن: الواو عاطفة، إن: حرف شرط جازم. يستغن: فعل مضارع -فعل الشرط- مجزوم، وعلامة جزمه حذف الياء، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. "يوما": متعلق بـ"يستغن". فأجدر: الفاء واقعة في جواب الشرط، أجدر: فعل ماضٍ لإنشاء التعجب جاء على صورة الأمر وحرك للروي، وفاعله محذوف هو والباء الجارة له؛ لأن الأصل فأجدر به؛ وجملة "أجدر به": في محل جزم جواب الشرط؛ وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع عطف بالواو على جملتي الشرط والجواب السابقتين.
موطن الشاهد: "فأجدر".
وجه الاستشهاد: حذف المتعجب منه مع حرف الجر من غير أن تكون صيغة التعجب المحذوف معمولها، معطوفة على أخرى معها معمولها المشابه للمحذوف على حد ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ .
١ أي: لعدم العطف المذكور. وقال الصبان: والأوجه عندي أنه ليس بشاذ، وأنه لا يشترط هذا الشرط، بل المدار على وجود دليل يدل على المحذوف.
حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ٢٠.
٢ فكل من الصيغتين يلزم حالة واحدة، مع أن فعلهما الأصلي ثلاثي متصرف، ولكنهما يفقدان التصرف بسبب استعمالهما في التعجب، ولا يدلان على حدث، ولا زمن؛ لأن الجملة التعجبية متجردة لمحض الإنشاء المقصود منه التعجب. اللهم إلا إذا =стр. 904
وعسى، وليس١؛ والثاني: نظير هب بمعنى اعتقد، وتعلم بمعنى اعلم٢؛ وعلة جمودهما: تضمنهما معنى حرف التعجب الذي كان يستحق الوضع٣.
[امتناع تقدم معمولي فعلي التعجب عليهما] :
مسألة: ولعدم تصرف هذين الفعلين؛ امتنع أن يتقدم عليهما معمولهما، وأن يفصل بينهما، بغير ظرف ومجرور؛ لا تقول: "ما زيدا أحسن"، ولا "بزيد أحسن"، وإن قيل إن "بزيد" مفعول٤، وكذلك لا تقول: "ما أحسن يا عبد الله زيدا"٥ ولا "أحسن لولا بخله بزيد"٦.
واختلفوا في الفصل بظرف أو مجرور متعلقين بالفعل، والصحيح الجواز، كقولهم: "ما أحسن بالرجل أن يصدق، وما أقبح به أن يكذب"، وقوله٧: [الطويل]
الحواشي
(١) = اشتملت على لفظة "كان" أو "يكون" أو غيرهما من الألفاظ التي تدل على زمن معين.
١ أي: في الجمود وملازمة المضي.
٢ أي: في الجمود وملازمة صيغة الأمر.
٤ وأيضا فإن لزومهما حالة واحدة أدل على التعجب؛ لأن التصرف والانتقال من حالة إلى أخرى ربما يشعر بزوال المعنى الأول.
وأجاز هشام الإتيان بمضارع "ما أفعله" فتقول: ما يحسن محمدا؛ وهو قياس ولم يسمع.
التصريح: ٢/ ٩٠.
٤ كما هو رأي الفراء، ومن وافقه، وقد تقدم.
٥ أي: بالفصل بالمنادى بين أحسن ومعموله. وقد ورد في الفصيح ما يدل على جوازه، كقول: علي كرم الله وجهه في عمار بن ياسر وقد مر به، وهو مقتول، فمسح التراب عن وجهه: "أعزز علي أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا" أي: مرميا على الجدالة، وهي الأرض. وأبو اليقظان: كنية عمار بن ياسر ﵁.
٦ أي: بالفصل بلولا الامتناعية ومصحوبها. وأجاز ذلك ابن كيسان. انظر الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٥,
٧ القائل: هو أوس بن حجر، وقد مرت ترجمته.стр. 905
٣٨٢- وأحر إذا حالت بأن أتحولا١
ولو تعلق الظرف والجار والمجرور بمعمول فعل التعجب، لم يجز الفصل به
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها
وهو من شواهد التصريح: ٢/ ٩٠، والأشموني: ٧٣٥/ ٢/ ٣٦٩، والعيني: ٣/ ٦٥٩، وديوان أوس بن حجر: ٨٣.
المفردات الغريبة: دار الحزم: المكان الذي تعتبر الإقامة فيه حزما. أحر: أخلق. حالت: تغيرت. أتحول: أنتقل عنها إلى غيرها.
المعنى: أقيم بالمكان الذي تعتبر الإقامة فيه من الحزم وحسن التصرف، وذلك حيث يكون الإنسان فيه عزيزا مكرما، فإذا تغيرت الحال، ولاقى الإنسان مهانة فأخلق به أن يتحول عنه إلى مكان آخر، يلقى فيه العزة والكرامة.
الإعراب: أقيم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. "بدار": متعلق بأقيم، ودار مضاف. الحزم: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة. ما دام: ما: مصدرية ظرفية، لا محل لها من الإعراب، دام: فعل ماضٍ تام، مبني على الفتح. حزمها: فاعل دام التامة مرفوع، وهو مضاف، و"ها" ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه" مجرور بإضافة اسم زمان مقدر ينتصب بأقيم والتقدير: أقيم بدار الحزم مدة دوام حزمها، ويمكن أن تكون دام ناقصة، ويكون "حزمها" اسمها، ومضافا إليه، ويكون خبرها محذوفا والتقدير: ما دام حزمها موجودا. وأحر: الواو: عاطفة، أحر: فعل ماضٍ لإنشاء التعجب جاء على صورة الأمر. "إذا": متعلق بـ"أحر". حالت: فعل ماضٍ، مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي؛ وجملة "حالت": في محل جر بإضافة إذا إليها. بأن: الباء حرف جر زائد، أن حرف مصدري ونصب. أتحولا: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه" مجرور لفظا بالباء مرفوع محلا على أنه فاعل لفعل التعجب "أحر".
موطن الشاهد: "أحر إذا حالت بأن أتحولا".
وجه الاستشهاد: الفصل بالظرف "إذا حالت" بين فعل التعجب "أحر" وبين معموله "بأن أتحولا".стр. 906
اتفاقا؛ نحو: "ما أحسن معتكفا في المسجد"، و"أحسن بجالس عندك"١.
[شروط ما يُبنى منه فعلا التعجب] :
فصل: وإنما يبنى هذان الفعلان مما اجتمعت فيه ثمانية شروط:
أحدها: أي يكون فعلا٢؛ فلا يبنيان من الجلف والحمار، فلا يقال "ما أجلفه"، ولا "ما أحمره"٣؛ وشذ "ما أذرع المرأة"؛ أي: ما أخف يدها في الغزل، بنوه من قولهم: امرأة ذراع٤؛ ومثله "ما أقمنه"، و"ما أجدره بكذا"٥.
الثاني: أن يكون ثلاثيا؛ فلا يبنيان من دحرج وضارب واستخرج٦ إلا "أفعل"؛ فقيل: يجوز مطلقا، وقيل: يمتنع مطلقا، وقيل: يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل؛ نحو: "ما أظلم الليل" و"ما أقفر هذا المكان"؛ وشذ على هذين القولين: "ما أعطاه
الحواشي
(١) ١ فلا يقال فيهما: ما أحسن في المسجد معتكفا، ولا أحسن عندك بجالس، لئلا يلزم الفصل بين الفعل ومعموله بمعمول معموله.
التصريح: ٢/ ٩٠ الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٤.
٢ أي: ماضيا، وإن كان يفقد الدلالة على الزمن بدخوله في صيغة التعجب.
٣ لبنائه من الاسم لا من الفعل، وقد أثبت له القاموس فعلا؛ فقد جاء فيه، الجلف: الرجل الغليظ الجافي، وجلف كفرح، جلفا وجلافة، وعلى ذلك يصح ما أجلفه. وكذلك ما أحمره، فإنه من الحمار، وهو الحيوان المعروف. ويضرب به المثل في البلادة.
التصريح: ٢/ ٩٠-٩١. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٤.
٤ في القاموس: الذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل. قيل: وقد ذكر ابن القطاع في كتاب الأفعال: ذرعت المرأة إذا خفت يدها في العمل فهي ذراع. وعلى هذا يكون الشذوذ من حيث البناء من فعل المجهول.
٥ فقد بنوا الأول من قولهم: هو قمن بكذا، والثاني من قولهم: هو جدير بكذا، وهنا هما: ما أحقه وما أخلقه، ولا فعل لهما.
٦ قال الصبان نقلا عن المصرح: لأنه يلزم على ذلك حذف بعض الأصول في الرباعي المجرد. وحذف الزيادة الدالة على معنى مقصود في غيره؛ كالمشاركة والمطاوعة والطلب في نحو: ضارب؛ وانطلق، واستخرج مما تدل عليه حروف الزيادة.
حاشية الصبان: ٣/ ٢١، التصريح: ٢/ ٩١. =стр. 907
للدراهم" و"ما أولاه للمعروف"، وعلى كل قول "ما أتقاه"، و"ما أملا القربة"؛ لأنهما من اتقى وامتلأت، و"ما أخصره"؛ لأنه من اختصر، وفيه شذوذ آخر، وسيأتي١.
الثالث: أن يكون متصرفا؛ فلا يبنيان من نحو: نعم وبئس٢.
الرابع: أن يكون معناه قابلا للتفاضل؛ فلا يبنيان من نحو: فني ومات٣.
الخامس: أن لا يكون مبنيا للمفعول٤؛ فلا يبنيان من نحو: "ضرب"، وشذ
الحواشي
(١) = اختار ابن مالك في "التسهيل"، وشرحه ما ذهب إليه سيبويه والمحققون من أصحابه وذلك بجواز بناء فعل التعجب من أفعل سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا. وذهب المازني، والأخفش والمبرد وابن السراج والفارسي إلى عدم الجواز مطلقا. أما ابن عصفور فقد فصل في ذلك، وقال بعدم الجواز إن كانت الهمزة للنقل نحو: أذهب فلا يقال "ما أذهب نور الليل"، ويجوز إن كانت الهمزة لغير النقل نحو أظلم الليل، وأقفر المكان، فنقول: ما أظلم الليل، وما أقفر هذا المكان، وقد أنكر الشاطبي هذا القول وأطال في الرد عليه. هذا: وقد اختلف في بناء فعل التعجب من الثلاثي المزيد إذا جرى مجرى الثلاثي نحو: اتقى وامتلأ وافتقر واستغنى، وذهب ابن السراج وطائفة إلى الجواز؛ لأنهم أجروه مجرى الثلاثي المجرد من الزوائد لا مجرى المزيد؛ بدليل قولهم في الوصف منه: تقي وملي وفقير وغني، وذهب ابن خروف وجماعة إلى المنع؛ لأن العلة التي من أجلها امتنع بناؤهما من المزيد غير الجاري مجرى المجرد موجودة -هنا- وهي عدم البنية، وحذف زوائدها لغير موجب مع وجود الغنى عن ذلك بأشد وأشدد ونحوهما.
التصريح: ٢/ ٩١.
٢ لأن التصرف فيما لا يتصرف نقص لوضعه، وعدم التصرف على وجهين؛ الأول: أن يكون الفعل قد خرج عن طريقة الأفعال، وذلك كنعم وبئس وعسى وليس، والثاني: أن تترك بعض صيغ الفعل استغناء عنها بأخرى من معناه؛ نحو: يدع ويذر، فإنهم لم يجيئوا لهذين الفعلين بصيغة الماضي استغناء "بترك"، وهما باقيان على دلالتهما على الحدث والزمان.
التصريح: ٢/ ٩٢.
٣ لأنه لا تفاوت في الفناء والموت، ولا مزية لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه.
٤ وذلك، لئلا يلتبس المبني من فعل المفعول، بالمبني من فعل الفاعل.стр. 908
"ما أخصره! " من وجهين١؛ وبعضهم يستثنى ما كان ملازما لصيغة "فعل" نحو: "عنيت بحاجتك" و"زهي علينا" فيجيز: "ما أعناه بحاجتك" و"ما أزهاه علينا"٢.
السادس: أن يكون تاما؛ فلا يبنيان من نحو: كان، وظل، وبات، وصار، وكاد٣.
السابع: أن يكون مثبتا؛ فلا يبنيان من منفي٤؛ سواء كان ملازما للنفي؛ نحو: "ما عاج بالدواء"؛ أي: ما انتفع به٥، أم غير ملازم كـ"ما قام زيد"٦.
الثامن: أن لا يكون اسم فاعله على أفعل٧ فعلاء؛ فلا يبنيان من نحو:
الحواشي
(١) ١ هما: كونه من غير الثلاثي، وكونه من المبني للمجهول.
٢ إنما استثني ذلك؛ لأمن اللبس، ولوروده في الأمثال، فقد قيل: هو أزهى من ديك، وأزهي من طاوس. والتفضيل أخو التعجب. قال ابن مالك في التسهيل: "وقد يبنيان من فعل المفعول إن أمن اللبس".
٣ فلا يقال: ما أكون محمدا مسافرا مثلا؛ لأنه يستلزم نصب "أفعل" لشيئين، وهذا غير سائغ. ولا يجوز حذف "مسافرا" لامتناع حذف خبر كان. ولا جره باللام؛ لامتناع ذلك. وحكي عن الكوفيين: ما أكون زيدا قائما؛ بناء على أصلهم من أن المنصوب بعد "كان" حال.
التصريح: ٢/ ٩٢. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٢.
٤ لأنه يؤدي إلى اللبس بين التعجب من المثبت، ومن المنفي، لأن صيغة التعجب إثبات وليس فيها أداة نفي.
٥ مضارعه يعيج أي: ينتفع، وهو ملازم للنفي أيضا. وندر مجيئه للإثبات. أما عاج يعوج بمعنى: مال يميل، فيستعمل في النفي والإثبات، ومن وروده منفيا قول جرير:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذًا حرام
التصريح، وحاشية يس: ٢/ ٩٢.
٦ فلا يقال: ما أقومه. ومثله: ما عاج، أي مال، فلا يقال: ما أعوجه وذلك لئلا يلتبس المنفي بالمثبت.
٧ قيل في سبب المنع: إن من حق صيغة التعجب أن تبنى من الثلاثي المحض؛ وأكثر أفعال الألوان والخلق إنما تجيء على أفعل -بتسكين الفاء- وزيادة مثل اللام نحو أخضر فلم يبن فعلا التعجب في الغالب مما كان منها ثلاثيا إجراء للأقل مجرى الأكثر، وقيل: لأن الألوان والعيوب الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل. وغيرها في عدم التعجب منها. وقيل: لأن بناء الوصف من =стр. 909
"عرج، وشهل، وخضر الزرع"١.
[كيف يتعجب من فاقد الشروط؟] :
فصل: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على ثلاثة، ومما وصفه على أفعل فعلاء بـ"ما أشد" ونحوه، وينصب مصدرهما بعده، أو بـ"أشدد" ونحوه، ويجر مصدرهما بعده بالباء؛ فتقول "ما أشد، أو أعظم، دحرجته، أو انطلاقه أو حمرته" و"أشدد، أو أعظم، بها".
وكذا المنفي والمبني للمفعول؛ إلا أن مصدرهما يكون مؤولا، لا صريحا، نحو "ما أكثر أن لا يقوم" و"ما أعظم ما ضرب" و"أشدد بهما".
وأما الفعل الناقص؛ فإن قلنا: له مصدر؛ فمن النوع الأول، وإلا فمن الثاني، تقول: "ما أشد كونه جميلا"، أو "ما أكثر ما كان محسنا! "، و"أشدد، أو أكثر، بذلك! ".
وأما الجامد والذي لا يتفاوت معناه؛ فلا يتعجب منهما البتة٢.
الحواشي
(١) = هذا النوع على أفعل، ولم يبن منه أفعل تفضيل لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، ولما امتنع صوغ أفعل التفضيل منه امتنع صوغ فعلي التعجب منه لجريانها مجرى واحدا في أمور كثيرة وتساويها في الوزن والمعنى.
التصريح: ٢/ ٩٢-٩٣.
١ بقي شرط تاسع لم يذكراه؛ وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره، نحو: قال من القائلة، فإنهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم: ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه. ونحو سكر وجلس ضد أقام؛ فإنهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم: ما أشد سكره، وأكثر قعوده وجلوسه، ذكره ابن برهان. وزاد ابن عصفور: قام وغضب ونام، وفي عد "نام" منها نظر، فقد حكى سيبويه: ما أنومه، وقالت العرب: هو أنوم من فهد.
الأشموني: ٢/ ٣٦٧، والتصريح: ٢/ ٩٣، والأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٢.
٢ ذلك؛ لأن الجامد لا مصدر له حتى يمكن نصبه، أو جره بالباء، والذي لا يتفاوت متناه غير قابل للتفضيل.стр. 910
هذا باب نعم وبئس ١
[معناهما وشروط مرفوعهما] :
وهما فعلان عند البصريين والكسائي؛ بدليل "فبها ونعمت"٢، واسمان عند باقي الكوفيين٣؛ بدليل "ما هي بنعم الولد"٤؛.......................
الحواشي
(١) ١ اعلم أنهما يستعملان تارة للإخبار بالنعمة والبؤس فيتصرفان كسائر الأفعال، تقول: نعم محمد بكذا ينعم به فهو ناعم، وبئس كذلك. وتارة لإنشاء المدح والذم فلا يتصرفان لما سيأتي، وهذا الاستعمال هو المراد هنا.
٢ هذا جزء من حديث؛ وتمامه: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
والحديث أخرجه: أبو داود في سننه: ٣٥٤، والنسائي: ٣/ ٩٤، والترمذي: ٤٩٧. والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠٩١، ومسند أحمد بن حنبل: ٥/ ١٥-١٦، ٢٢، وفي شرح السنة للبغوي: ٢/ ٦٧، ومشكاة المصابيح للتبريزي: ٥٤٠، وتفسير القرطبي: ١٨/ ١٠٦.
موطن الشاهد: "نعمت".
وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" فعلا؛ بدليل اتصاله بتاء التأنيث الساكنة؛ وهي لا تدخل إلا على الفعل؛ وحكى الكسائي: نعما رجلين، ونعموا رجالا؛ وضمائر الرفع البارزة المتصلة؛ من خصائص الأفعال أيضا؛ فهذا دليل "ثان" على الفعلية. ضياء السالك: ٣/ ٨١؛ والتصريح: ٢/ ٩٤.
٣ وقد بنيا على الفتح لتضمنهما معنى الإنشاء، ويعربان مبتدأين، ومعناهما: الممدوح والمذموم، وما هو فاعل على المشهور يعرب بدلا أو عطف بيان. والخبر هو المخصوص بالمدح أو الذم، ويجوز العكس. وفي مثل: نعم رجلا محمد؛ يعرب "رجلا" تمييزا أو حالا.
٤ قول لبعض العرب حين بشر بأنثى، وتمامه: "نصرها بكاء، وبرها سرقة". ووجه الدلالة فيه دخول حرف الجر على "نعم"، والولد ونحوه فيما استدلوا به مجرور؛ لأنه تابع للمجرور، أي: ما هي بالممدوح الولد، فإن كان مرويا بالرفع فلعله مقطوع عما =стр. 911
.......................... جامدان١، رافعان لفاعلين معرفين بأل الجنسية٢؛ نحو: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٣، و ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ ٤؛ أو بالإضافة إلى ما قارنها؛ نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥ ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦؛ أو
الحواشي
(١) = قبله. ومثال بئس: قول بعضهم: وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: نعم السير على بئس العير. والصحيح مذهب البصريين، وإليه ذهب المصنف وابن مالك، وما استدل به الكوفيون مؤول.
التصريح: ٢/ ٩٤. الأشموني وحاشية الصبان: ٣/ ٢٦.
١ لخروجهما عن الأصل في الأفعال: من إفادة الحدث والزمان، ولزومها إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة، والإنشاء من معاني الحروف.
٢ المراد "أل" المعرفة؛ جنسية كانت أو عهدية، فلا يقال: نعم زيد ولا بئس رجل على الراجح. والمراد الجنس حقيقة؛ إن قصد بمدخول "أل" جميع الأفراد ثم نص على الممدوح، أو المذموم بعد، أو مجازا إن أريد بمدخولها الفرد المعين كأنه جميع الجنس مبالغة في المدح أو الذم. أما العهد فقد يكون لشيء معهود في الذهن وتكون للعهد الذهني، وقد تكون للعهد الذكري، والمعهود هو المخصوص. و"أل" الجنيسة أقوى في تأدية المقصود، وإن كانت العهدية أظهر.
٣ ٣٨ سورة ص، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: "نعم العبد".
وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" رافعا لفاعله "العبد" المعرف بـ"أل". الجنسية؛ وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.
٤ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٢٩.
موطن الشاهد: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "بئس" رافعا لفاعله "الشراب" المعرف بـ"أل" الجنسية، كما في الآية السابقة.
٥ ١٦ سورة النحل، الآية: ٣٠.
موطن الشاهد: ﴿لَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "دار" فاعلا لـ"نعم"، وقد أضيف إلى معرف بأل الجنسية، وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.
٦ ١٦ سورة النحل، الآية: ٢٩:
موطن الشاهد: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "مثوى" فاعلا لـ"بئس"، وقد أضيف إلى معرف بأل الجنسية؛ وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.стр. 912
إلى مضاف لما قارنها؛ كقوله١: [الطويل]
٣٨٣- فنعم ابن أخت القوم غير مكذب٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو أبو طالب عم النبي ﷺ ؛ وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من كلمة يمدح فيها أبو طالب النبي ﷺ ، ويعاتب قريشا على ما كان منها، وهذا البيت يذكر فيه زهير بن أبي أمية -وهو ابن أخته عاتكة- يذكره بالخير؛ لأنه كان أحد الذين نقضوا الصحيفة التي كتبتها قريش لتقاطع آل النبي في حديث معروف.
وما ذكره المصنف صدر بيت وعجزه قوله:
زهير حساما مفردا من حمائل
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٣٩/ ٢/ ٣٧١، والسيرة: ١٧٦، وتاريخ ابن كثير: ٣/ ٥٦، والعيني: ٤/ ١٥، والهمع: ٢/ ٨٥، والدرر: ٢/ ١٠٩، وديوان أبي طالب: الورقة: ٣.
المفردات الغريبة: حسام، الحسام: السيف القاطع سمي بذلك؛ لأنه يحسم الخلاف بين الناس، حمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف.
المعنى: يمدح أبو طالب زهيرًا ابن أخته بأنه صادق المودة، مخلص لرحمه، لا ينسب إلى الكذب، وهو ماضي العزيمة نسيج وحده، كالسيف الذي يفرد عن حمائله؛ وزهير هذا هو ابن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب؛ أخت أبي طالب، وعمة رسول الله ﷺ وكان زهير أحد الرجال الذين اتفقوا على نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم، وعلقوها في الكعبة؛ ليلجئوهم إلى حمل النبي على ترك دعوته.
الإعراب: نعم: فعل ماضٍ جامد، دال على إنشاء المدح مبني على الفتح. ابن: فاعل نعم مرفوع، وهو مضاف. أخت: مضاف إليه، وهو مضاف. القوم: مضاف إليه. غير: حال من فاعل نعم، وهو مضاف. مكذب: مضاف إليه؛ وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. زهير: مخصوص بالمدح مبتدأ مؤخر، ويجوز أن نعرب "زهير": خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير: هو زهير. حساما -بالنصب- حال من زهير منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ خلافا لرواية العيني بالرفع حيث أعربها صفة لزهير، وإن صحت هذه الرواية -بالرفع- لم يصح الإعراب؛ لأن زهيرا علم، فهو معرفة وحساما نكرة، ومعلوم أن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولهذا تخرج رواية الرفع على أن "حسام": خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو حسام. مفردا: صفة لـ"حسام" منصوب. من: حرف جر. حمائل: اسم مجرور، وجره =стр. 913
أو مضمرين مستترين١ مفسرين بتمييز٢؛ نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾
الحواشي
(١) = بالكسرة ضرورة، وكان ينبغي جره بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. و"من حمائل": متعلق بـ"مفرد".
موطن الشاهد: "فنعم ابن أخت القوم".
وجه الاستشهاد: الإتيان بفاعل نعم اسما مضافا إلى مقترن بأل، وهو القوم، وقد جاءت إضافة الفاعل إلى ضمير ما فيه أل في قول الشاعر: فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها
وهو نادر لا يقاس عليه.
وأجاز الفراء، ومن تبعه من الكوفيين إضافة الفاعل إلى النكرة كما في قول الشاعر:
فنعم صاحب قوم لا سلاح له ... وصاحب الركب عثمان بن عفان
وخص الجمهور ذلك بالضرورة.
وورد مجيء الفاعل علما، أو مضافا إلى علم كقول بعض العبادلة: بئس عبد الله أنا إن كان كذا. وقول النبي ﷺ : "نعم عبد الله هذا" وأول على أن الفاعل ضمير مستتر حذف تمييزه، والعلم مخصوص بالمدح، وما بعده بدل أو عطف بيان.
انظر ضياء السالك: ٣/ ٨٢-٨٣.
١ أي: رافعان لمضمرين مستترين وجوبا غالبا. ويلتزم هذا الضمير الإفراد والتذكير، كقول الشاعر:
نعم امرأين حاتم وكعب ... كلاهما غيث وسيف عضب
ومن غير الغالب: نعما رجلين، نعموا رجالا كما سبق، وشذ إبراز الضمير مع الباء الزائدة، حيث سمع قولهم: "نعم بهم قوما".
انظر التصريح: ٢/ ٩٥.
٢ أي: بعدهما. وهذا من المواضع التي يجوز عود الضمير فيها على متأخر لفظا ورتبة، ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما؛ أي: للمخصوص بالمدح أو الذم، إفرادا وغير إفراد، وتذكيرا وتأنيثا.
خلاصة: "نعم" و"بئس" فعلا جامدان: وهما يرفعان فاعلين مقترنين بـ"أل"، أو مضافين إلى المقترن بها، ومثل هذا، بقوله: "نعم عقبى الكرما"، أو يرفعان ضميرا، يفسره تمييز؛ نحو: "نعم قوما معشره". ويشترط في هذا التمييز علاوة على مطابلقة المخصوص التي ذكرناها: أن يكون نكرة عامة متكثرة الأفراد؛ فلا يجوز: "نعم شمسا هذا الشمس"؛ لأنه لا ثاني لها. أما قولهم: نعم شمسا شمس هذا اليوم، =стр. 914
بَدَلًا﴾ ١، وقوله٢: [البسيط]
٣٨٤- نعم امرأ هرم لم تعر نائبة٣
الحواشي
(١) = فسائغ؛ لتعددها بتعدد الأيام؛ وأن يكون مؤخرا عن العامل؛ فلا يصح تقديمه على نعم وبئس. وأن يتقدم على المخصوص بالمدح أو الذم، وشذ قولهم: نعم محمد رجلا. ولا يجوز حذفه؛ لئلا يبقى الفاعل المستتر مبهما، ليس له ما يفسره، إلا إذا وجدت قرينة تدل عيه، كالتاء في قولك: "إن زرت محمدا، فبها ونعمت، أي: ونعمت زيارة زيارتك، ومنه الحديث المتقدم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" ويجب أن يكون صالحا لقبول "أل" المعرفة، فلا يكون من الكلمات المتوغلة في الإبهام، ككلمة "غير"، و"مثل"، و"شبه"، و"أي".
انظرالتصريح: ٢/ ٩٥، وضياء السالك: ٣/ ٨٣-٨٤.
١ ١٨ سورة الكهف: الآية: ٥٠.
موطن الشاهد: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء فاعل "بئس" مضمرا فيها، و"بدلا": تمييز منصوب مفسر له؛ والتقدير: بئس هو -أي البدل-؛ وحكم إضماره في هذه الحالة الوجوب؛ خلافا للمبرد، وابن السراج والفارسي. التصريح: ٢/ ٩٥.
٢ القائل هو: زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت في مدح هرم بن سنان، وعجزه قوله:
إلا وكان لمرتاع لها وزرا
والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٤٦/ ٢/ ٣٧٤، وليس في ديوان زهير بن أبي سلمى.
المفردات الغريبة: لم تعر: لم تنزل ولم تعرض. نائبة: كارثة وحادثة من حوادث الدهر. لمرتاع: أي فزع وخائف، وهو اسم فاعل من ارتاع. وزرا: ملجأ ومعينا.
المعنى: يمدح هرما بأنه رجل كريم ذو مروءة، وشجاع لا تنزل بأحد نازلة، أو تحل به كارثة من كوارث الزمان تتطلب النجدة والعون، إلا أخذ بيده، وكان له معينا وناصرا ومساعدا.
الإعراب: نعم: فعل ماض، دال على إنشاء المدح، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو. امرأ: تمييز منصوب، من فاعل "نعم"، وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. هرم: مبتدأ مؤخر مرفوع. لم: حرف نفي وجزم وقلب. تعر: فعل مضارع مجزوم بـ"لم"، وعلامة جزمه حذف الواو. نائبة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. إلا: أداة استثناء. وكان: الواو: حالية، كان: فعل ماضٍ ناقص، =стр. 915
[حكم الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز] :
وأجاز المبرد وابن السراج والفارسي١: أن يجمع بين التمييز والفاعل الظاهر، كقوله٢: [البسيط] .
٣٨٥- نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت٣
الحواشي
(١) = واسمه ضمير مستتر تقديره: هو. "لمرتاع": متعلق بـ"وزر" الآتي: "بها": متعلق بـ"مرتاع". وزر: خبر كان الناقصة، وجملة "كان واسمها وخبرها": في محل نصب على الحال؛ وهذه الحال مستثناة من عموم الأحوال، والتقدير: لم تعر نائبة في حال من الأحوال إلا من الحال التي يكون فيها هرم وزرا لمن يرتاع به.
موطن الشاهد: "نعم امرأ هرم".
وجه الاستشهاد: مجيء فاعل "نعم" ضميرا مستترا، وقد فسر لإبهامه بالتمييز بعده "امرأ"، وفي البيت شاهد آخر في قوله: "إلا وكان" حيث جيء بواو الحال قبل الفعل الماضي الواقع بعد إلا، وحكم هذا الإتيان نادر، والفصيح تجرده من الواو كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
ونظير الشاهد المذكور قول الشاعر:
نعم امرأين حاكم وكعب ... كلاهما غيث وسيف عضب
انظر الأشموني: ٢/ ٣٧٦.
انظر ضياء السالك ٣/ ٨٤.
١ مرت ترجمة وافية لكل منهم.
٢ لم يُنسب البيت إلى قائل معين.
٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله:
رد التحية نطقا أو بإيماء
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والعيني: ٤/ ٣٢، والهمع: ٢/ ٨٦، والدرر: ٢/ ١١٢، والمغني: ٨٤١/ ٦٠٤، والسيوطي: ٢٩٢.
المفردات الغريبة: الفتاة: المرأة الشابة الحديثة السن، وهي مؤنث الفتى. بذلت: أعطت. بإيماء؛ الإيماء: الإشارة، مصدر أومأ إلى الشيء، إذا أشار إليه.
المعنى: أن هندا تستحق الثناء، والتقدير، لو تفضلت برد التحية بالنطق، أو بالإشارة وبعد ذلك منها بذلا ومنحة.
الإعراب: نعم: فعل ماض، دال على إنشاء المدح، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. الفتاة: فاعل نعم مرفوع. فتاة: تمييز مؤكد للفاعل منصوب، وعلامة نصبه =следующие страницы →