Полный текст (1 155 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
هذا باب العطف
[باب عطف البيان ١]
[عطف البيان وتعريفه] :
وهو ضربان: عطف نسق، وسيأتي، وعطف بيان٢؛ وهو "التابع٣ المشبه للصفة في توضيح متبوعه٤؛ إن كان معرفة؛ وتخصيصه إن كان نكرة".
والأول٥: متفق عليه، كقوله: [مشطور الرجز]
٤٠٩- أقسم بالله أبو حفص عمر٦
والثاني٧: أثبته الكوفيون وجماعة وجوزوا أن يكون منه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ
الحواشي
(١) ١ العطف -في الأصل- مصدر قولك: "عطفت" الشيء؛ إذا ثنيته، فجعلت أحد طرفيه على طرفه الآخر، وعطف الفارس على قرنه إذا التفت إليه.
وأطلق على التابع المذكور؛ لأن المتكلم رجع إلى الأول فأوضحه بالثاني، أو أشركه معه في الحكم.
٢ إنما سمي بذلك؛ لأن اللفظ الثاني تكرار للفظ الأول، ويشبه أن يكون مرادفا؛ للأول؛ لأن الذات المدلول عليها باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان.
٣ يشترط فيه أن يكون جامدا، بخلاف النعت؛ فإنه لا يكون إلا مشتقا، أو مؤولا به.
٤ النعت يوضح متبوعه ببيان صفة من صفاته، ومعنى فيه، أو في سببيه.
أما عطف البيان؛ فيوضح متبوعه ويزيل عنه شائبة الإبهام بنفسه.
ضياء السالك: ٣/ ١٣٧.
٥ وهو توضيح ذات متبوعه المعرفة، وإزالة ما قد يصيبها من الشيوع بسبب تعدد مدلولها.
٦ هذا الرجز لأعرابي؛ اسمه عبد الله بن كيسبة، وبعد الشاهد قوله:
ما مسها من نقب ولا دبر ... فاغفر له اللهم إن كان فجر
وقد مر تخريج هذا البيت والتعليق عليه في باب العلم.
موطن الشاهد: "أبو حفص عمر".
وجه الاستشهاد: وقوع "عمر" عطف بيان -وهو معرفة- على "أبو حفص"، وهو علم معرفة؛ وقصد به الإيضاح؛ وفي البيت شاهد آخر على تقدم الكنية على الاسم.
٧ وهو تخصيص النكرة، فقد نفاه البصريون، وأثبته الكوفيون، وبعض البصريين =стр. 982
مَسَاكِينَ﴾ ١، فيمن نون كفارة، ونحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ٢، والباقون: يوجبون في ذلك البدلية٣، ويخصون عطف البيان بالمعارف٤.
[ما يوافق فيه متبوعه] :
ويوافق متبوعه في أربعة من عشرة أوجه الإعراب الثلاثة، والإفراد، والتذكير، والتنكير٥، وفروعهن، وقول الزمخشري٦: إن ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٧
الحواشي
(١) = المتقدمين كالفارسي، وابن جني، وبعض المتأخرين كالزمخشري وابن عصفور، والناظم وابنه.
التصريح: ٢/ ١٣١، والأشموني: ٢/ ٤١٣.
١ ٥ سورة المائدة، الآية: ٩٥.
موطن الشاهد: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "طعام" عطف بيان على "كفارة"؛ وكلاهما نكرة؛ على رأي الكوفيين ومن معهم من البصريين؛ كأبي علي الفارسي وابن جني، ومن المتأخرين كالزمخشري، وابن مالك وابنه؛ خلاف لبقية البصريين؛ الذي يعدون ذلك بدل كل من كل.
٢ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ١٦.
موطن الشاهد: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "صديد" عطف بيان على "ماء" كما في الآية السابقة، والبصريون يعدون ذلك بدل كل من كل، كما أسلفنا.
٣ أي: بدل كل من كل، وقال ابن عصفور: إن هذا مذهب أكثر النحويين، ونسبه الشلوبين إلى البصريين.
٤ حجتهم: أن عطف البيان -كاسمه- يقصد به البيان والإيضاح، والنكرة مجهولة؛ والمجهول لا يعين المجهول. ويقول المجيزون: إن بعض النكرات، قد يكون أخص من بعض. فلا مانع من أن يبين الأخص غيره، والتخصيص نوع من البيان والإيضاح. التصريح: ٢/ ١٣١.
٥ هذا هو الغالب، ويصح تخالفهما تعريفا وتنكيرا؛ بشرط أن يكون التابع هو المعرفة؛ ليتحقق الغرض من عطف البيان. وقد يقع عطف البيان بعد "أي" المفسرة؛ نحو: هذا الخاتم لجين؛ أي فضة، ويجوز أن يعرب في هذه الصورة بدلا.
٦ مرت ترجمته.
٧ ٣ سورة آل عمران، الآية: ٩٧. =стр. 983
عطف على ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ مخالف لإجماعهم١؛ وقوله وقول الجرجاني٢: يشترط كونه أوضح من متبوعه مخالف لقول سيبويه في "يا هذا ذا الجمة": إن "ذا الجمة" عطف بيان مع أن الإشارة أوضح من المضاف إلى ذي الأداة٣.
[جواز إعراب عطف البيان بدل كل وشروطه] :
ويصح في عطف البيان أن يعرب بدل كل٤، إلا إن امتنع الاستغناء عنه٥؛
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ .
وجه الاستشهاد: ذهب الزمخشري إلى أن "مقام إبراهيم": عطف بيان على "آيات بينات" مع أنه مخالف لآيات في التنكير والتأنيث والجمع؛ والمراد بالآيات: أثر القدم في الصخرة. وقد رد الجمهور على الزمخشري بالآتي: الحاشية رقم "١".
١ إن المانع من أن يكون قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . بيانا لقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ؛ وهو ما خالف به الزمخشري إجماع النحاة، يظهر في المخالفة بين البيان والمبين من ثلاثة أوجه؛ فقوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . معرفة بالإضافة إلى العلم، ومذكر، ومفرد. وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : نكرة؛ ومؤنث، وجمع.
ومن جهة أخرى، لا يجوز أن يكون ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل كل من كل؛ لأن شرط هذا البدل: أنه إذا كان المبدل منه دالا على متعدد أن يكون البدل وافيا بالعدة. وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : جمع؛ وأقل ما يدل عليه الجمع ثلاثة، ولم يذكر في الآية إلا واحد فلم يتحقق شرط البدل.
وقيل: يجوز أن يكون بدل بعض من كل؛ كما صرح به البيضاوي، ولا يلزم في بدل البعض من كل شيء مما ذكر؛ وقيل: بدل كل من كل؛ وبه يتأول: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بأنه مفرد في اللفظ؛ ولكن له جهات متعددة، تجعله في حكم الجمع؛ فإن الآيات المتعددة فيه: أثر القدم في الصخرة الصماء. وغوصه فيها إلى الكعبين؛ وكونها قد خصت بذلك من بين الصخور، وبقاؤه دون آثار الأنبياء، وحفظه.
أي: أن قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ، يجوز أن يكون بدلا على تأويل البيضاوي، فيتعين أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف؛ والتقدير: بعضها.
مقام إبراهيم؛ أو منها مقام إبراهيم.
التصريح، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ١٣١-١٣٢.
٢ مرت ترجمته.
٣ لم يعرب سيبويه "ذا الجمة": نعتا؛ لأن نعت اسم الإشارة، لا يكون إلا محلى بأل.
٤ وذلك، إذا قصد به ما يقصد بالبدل، وحينئذ، يتعين كونه بدلا.
٥ أي: فيمتنع أن يكون بدلا؛ ومن ذلك -غير ما سيذكره الناظم- أن تفتقر جملة الخبر.стр. 984
نحو: "هند قام زيد أخوها"، أو إحلاله محل الأول؛ نحو: "يا زيد الحارث" وقوله١: [الطويل]
٤١٠- أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا٢
الحواشي
(١) = إلى رابط؛ وهو في التابع، كمثال المؤلف؛ فـ"أخوها": يتعين كونه عطف بيان؛ لأنه لو أعرب بدلا؛ لخلت جملة الخبر من الرابط؛ لأن البدل على نية تكرار العامل على الصحيح؛ فهو من جملة أخرى، وكذلك جملة الصلة، والصفة؛ نحو: حضر الذي -أو رجل- ضرب محمد أخوه؛ وجملة الحال؛ نحو: هذا محمد قام رجل أخوه. وانظر التصريح: ٢/ ١٣٢. وحاشية الصبان: ٣/ ٨٥-٨٦.
١ القائل: هو: طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب، أخو أمير المؤمنين علي، وابن عم النبي ﵊.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من كلمة يمدح فيها الرسول ﷺ ويبكي أصحاب القليب من قريش، وعجزه:
أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٢، والأشموني: ٨١١/ ٢/ ٤١٤، والعيني: ٤/ ١١٩، والهمع: ٢/ ١٢١، والدرر: ٢/ ١٥٣، والسيرة النبوية "بولاق": ٢/ ٦٢.
المفردات الغريبة: عبد شمس: فصيلة من قريش؛ منهم بنو أمية. نوفل: فصيلة أخرى من قريش أيضا أعيذكما بالله. يريد: ألجأ إلى الله من أجلكما، أو أحصنكما بالله وأجعلكما في رعايته، مخافة أن تشعلا نار الحرب بينكما.
المعنى: واضح.
الإعراب: أيا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. أخوينا: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، و"نا" في محل جر بالإضافة. عبد: عطف بيان على "أخوينا" منصوب مثله، وهو مضاف. شمس: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. ونوفلا: الواو عاطفة، نوفلا: اسم معطوف على عبد شمس، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. أعيذكما: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا، و"كما": ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعولا به. "بالله": متعلق بـ"أعيذ". أن: حرف مصدري ونصب، لا محل له من الإعراب. تحدثا: فعل مضارع منصوب بـ"أن" وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في =стр. 985
وقوله١: [الوافر]
٤١١- أنا ابن التارك البكري بشر٢
الحواشي
(١) = محل جر بحرف جر محذوف؛ والتقدير: أعيذكما بالله من إحداثكما حربا؛ و"من إحداثكما": متعلق بـ"أعيذ"؛ وجملة "تحدثا حربا"؛ صلة للموصول الحرفي، لا محل لها.
موطن الشاهد: "عبد شمس ونوفلا".
وجه الاستشهاد: تعين كون "عبد شمس" عطف بيان على "أخوينا" و"نوفلا" معطوفا عطف نسف بالواو عليه؛ ولا يجوز أن يكون "عبد شمس" بدلا؛ لعدم صحة حلوله محل "أخوينا"؛ لأن ذلك يستلزم ضم "نوفل" المعطوف عليه؛ لأنه مفرد علم، يستحق البناء على الضم؛ كما لو أنه منادى مستقل؛ لأن أخوينا منادى و"عبد شمس" تابع للمنادى، ونوفل تابع لتابع المنادى؛ وحكم تابع المنادى، إذا كان عطف بيان أن يتبع بالنصب، إما على محل المنادى؛ أو لفظه، وإذا كان بدلا أن يعامل معاملة المنادى المستقل؛ بسبب كون البدل على نية تكرار العامل؛ فكأنه مسبوق بحرف نداء؛ ولهذا، كان يجب أن يضم "نوفل" والرواية بالنصب. ولهذا، لما لم يجز أن يجعل "نوفلا" بدلا؛ التزم في "عبد شمس" إلا يكون بدلا أيضا. الدرر اللوامع: ٢/ ١٥٣.
١ القائل: هو المرار بن سعيد بن نضلة بن الأشتر الفقعسي، ويكنى أبا حسان، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية؛ له شعر كثير منه ما كان يهاجي به مساور بن هند؛ وهو صاحب أكرم بيت قالته العرب، وكان قصير القامة مفرطا في القصر ضئيلا.
الشعر والشعراء: ٢/ ٦٩٩، والأغاني: ٩/ ١٥١، والخزانة: ٢/ ١٩٣، والأعلام: ٧/ ١٩٩.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
عليه الطير ترقبه وقوعا
البيت من كلمة يفتخر فيها الشاعر بأن جده خالد بن نضلة، قتل بشر بن عمرو بن مرثد زوج الخرنق، أخت طرفة بن العبد البكري الشاعر المشهور؛ وذلك في يوم القلاب.
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٣، وابن عقيل: ٢٩٣/ ٣/ ٢٢، والأشموني: ٨١١/ ٢/ ٤١٤، والشذور: ٢٣٠/ ٥٦٦، والقطر: ١٣٩/ ٤٠٠، وسيبويه: ١/ ٩٣، وشرح المفصل: ٣/ ٧٢، والمقرب: ٥٣، والخزانة: ٢/ ١٩٣، و٣٦٤، ٣٨٣، والعيني: ٤/ ١٢١، والهمع: ١٢٢، والدرر: ٢/ ١٥٣.
المفردات الغريبة: تارك: اسم فاعل من ترك. البكري: المنسوب إلى بكر بن وائل؛ =стр. 986
وتجوز البدلية في هذا عند الفراء؛ لإجازته "الضارب زيد"، وليس بمرضي١.
الحواشي
(١) = وهي قبيلة مشهورة، منها جساس بن مرة قاتل كليب بن وائل. ترقبه: تنتظره، ويروى بدله: "تركبه".
المعنى: يصف الشاعر نفسه بالشجاعة، وأنه ابن الذي ترك البكري بشرا مجندلا في العراء مثخنا بالجراح، في حالة يرثى لها، تنتظر الطير خروج روحه لتهبط عليه وتنهش من جسده؛ فهو شجاع من نسل شجعان.
الإعراب: أنا: ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ابن: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. التارك: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف. البكري: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وهو من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. بشر: عطف بيان على البكري مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. "عليه": متعلق بمحذوف خبر مقدم. الطير: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "عليه الطير": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ"التارك". ترقبه: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "ترقبه": في محل نصب على الحال. وقوعا: حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره؛ ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ حذف متعلقه؛ والتقدير: ترقبه لأجل وقوعها عليه.
موطن الشاهد: "البكري بشر".
وجه الاستشهاد: تعين كون "بشر" عطف بيان؛ لأنه لو أعرب بدلا؛ والبدل على نية تكرار العامل؛ لكان التقدير: أنا ابن التارك البكري، التارك بشر؛ وعلى هذا، فيضاف الوصف المقترن بـ"أل" إلى اسم مجرد منها، ومن الإضافة إلى المقترن بها، أو إلى ضميره؛ وذلك غير جائز، كما رأينا في باب الإضافة.
فائدة: جوز الفراء إضافة الوصف المقترن بـ"أل" إلى الاسم العلم -وعلى مذهبه- يجوز أن يكون "بشر" في البيت الشاهد بدلا؛ ولكنه رأي ضعيف خلاف الأولى.
١ على الرغم من المشابهة الكبيرة بين عطف البيان، وبدل الكل من الكل في المعنى والإعراب، فإن عطف البيان؛ يقصد به إيضاح الذات نفسها، أو تخصيصها لا أمرا عرضيا طارئا عليها؛ فهو بمنزلة التفسير للمتبوع؛ أما البدل؛ فيدل على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه في المعنى؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة وفرد معين واحد في حقيقته، ولا شأن له بالإيضاح والتخصيص. ويذكر النحاة فروقا آخر بينهما من جهة الصناعة؛ منها: أن عطف البيان، لا يكون ضميرا، ولا تابعا لضمير؛ ولهذا، =стр. 987
..............................................
الحواشي
(١) = امتنع إعراب "مخصوص حبذا" عطف بيان، ولا مخالفا لمتبوعه في التعريف والتنكير على الصحيح. ولا يقع جملة، ولا تابعا لجملة، ولا فعلا، ولا تابعا لفعل. وأنه لا يلحظ فيه إحلاله محل الأول؛ بخلاف البدل في ذلك كله، وفي بعض تلك الأمور خلاف بين العلماء؛ ولهذا يرى الإمام الرضي وفريق من النحاة: أنه لا فرق بين عطف البيان والبدل؛ فإن المشابهة بينهما تامة.
وما ذكر من الفروق مبني على دعوى أن البدل على نية تكرار العامل؛ وهي دعوى، لا تثبت عند التمحيص، على أنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، أي يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
الأشموني: ٢/ ٤١٤، والتصريح، وحاشية يس: ٢/ ١٣٣-١٣٤.стр. 988
[باب عطف النسق]
هذا باب عطف النسق١:
[تعريف عطف النسق] :
وهو "تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الأحرف الآتي ذكرها"٢.
[نوعا أحرف العطف] :
وهي نوعان: ما يقتضي التشريك في اللفظ والمعنى٣؛ إما مطلقا؛ وهو الواو
الحواشي
(١) ١ النسق، بالفتح: اسم مصدر، يقال: كلام نسق إذا جاء على نظام واحد.
أما النسق: بفتح النون وسكون السين؛ فهو مصدر قولك: "نسقت الكلام" إذا عطفت بعضه على بعض، ولم يقل أحد من النحاة إلا بفتح النون والسين وكأنهم أخذوه من قولهم: "كلام نسق"؛ أي: على نظام واحد، والنظام الواحد؛ هو علامات الإعراب التي يشترك فيها المعطوف والمعطوف عليه؛ ولهذا، المعنى سماه سيبويه: "باب الشركة".
التصريح، وحاشية يس: ٢/ ١٣٤.
٢ أخرج المصنف بقوله: "يتوسط" التوابع كلها ما عدا عطف النسق؛ بالقيد بالحروف المخصوصة ما بعد "أي" التفسيرية؛ فإنه عطف بيان، وهذا مذهب البصريين، وليس في العربية -عندهم- عطف بيان يتوسط بينه وبين متبوعه حرف إلا نحو "لقيت الغضنفر أي الأسد"؛ وقد ذهب الكوفيون: إلى أن "أي" حرف عطف كسائر الحروف؛ فمدخولها -عندهم- عطف نسق.
التصريح: ٢/ ١٣٤.
٣ أما في اللفظ فبوجوه الإعراب. وأما في المعنى؛ فباحتمال كل من المتعاطفين للمعنى المراد.стр. 989
والفاء و"ثم" و"حتى"١؛ وإما مقيدا؛ وهو "أو" و"أم"٢؛ فشرطهما: أن لا يقتضيا إضرابا٣، وما يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى؛ إما لكونه يثبت لما بعده ما انتفى عما قبله؛ وهو "بل" عند الجميع، و"لكن" عند سيبويه وموافقيه٤؛ وإما لكونه بالعكس؛ وهو "لا" عند الجميع، و"ليس" عند البغداديين؛ كقوله٥: [الرمل]
٤١٢- إنما يجزي الفتى ليس الجمل٦
الحواشي
(١) ١ خالف في "حتى" الكوفيون؛ فعندهم لا تكون حرف عطف؛ بل هي حرف ابتداء دائما، ويقدرون عاملا لما بعدها، تتم به الجملة؛ ففي مثل: قدم الحجاج حتى المشاة، يقدرون: حتى قدم المشاة.
التصريح: ٢/ ١٣٤، ورصف المباني: ١٨٠، والجنى الداني: ٥٤٢.
٢ ذهب أبو عبيدة إلى أن "أم" حرف استفهام؛ كالهمزة، فإذا قلت: أقادم أبوك أم أخوك"؛ فأخوك -عنده- ليس معطوفا على السابق؛ بل هو مبتدأ، وخبره محذوف. وتقدير الكلام -عنده- أقادم أبوك أم أخوك قادم، وتقدر في النصب والجر عاملا مناسبا.
مغني اللبيب: ٦٦، والجنى الداني: ٢٠٤، ورصف المباني: ٩٣.
٣ فإن اقتضيا إضرابا؛ كانا مشركين في اللفظ فقط؛ مثل: "بل".
٤ ذهب يونس بن حبيب؛ إلى أن "لكن": حرف استدراك، ولا تكون حرف عطف؛ وتأتي الواو قبلها عند إرادة العطف؛ فتكون هذه الواو عاطفة لمفرد على مفرد. وإلى هذا، ذهب ابن مالك؛ في التسهيل. واختلف القائلون بأنها حرف عطف؛ فذهب الفارسي وأكثر النحويين: إلى جواز ذلك بشرط؛ ألا تقدمها الواو. وما ذهب إليه ابن عصفور من أنها عاطفة لا تستعمل إلى بالواو الزائدة قبلها لزوما؛ وزعم أن كلام سيبويه والأخفش محمول عليه؛ وذهب ابن كيسان إلى أنها عاطفة تقدمتها الواو أم لم تتقدمها.
مغني اللبيب: ٣٨٦، والتصريح: ٢/ ١٣٥، الجنى الداني: ٥٨٦، رصف المباني: ٤٧٤.
٥ القائل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته.
٦ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
وإذا أقرضت قرضا فاجزه
وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩١، ٢/ ١٣٥، وسيبويه: ١/ ٣٧٠، والمقتضب: =стр. 990
[أحكام الواو] :
فصل: أما الواو فلمطلق الجمع١؛ فتعطف متأخرا في الحكم؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ
الحواشي
(١) = ٤/ ٤١٠، ودلائل الإعجاز: ٢٩٩، والخزانة: ٤/ ٦٨، ٤٧٧، والعيني: ٤/ ١٧٦، ومجالس ثعلب: ٥١٥، وديوان لبيد: ١٧٩.
المفردات الغريبة: أقرضت قرضا: أعطيت شيئا من المال على سبيل القرض لتؤديه بعد، والمراد: إذا قدمت إليك معونة ما، أو صنع معك معروف؛ فاجزه: كافئ صاحبه. الفتى: الإنسان. الجمل: الحيوان المعروف، وقد يراد بالفتى الشاب الذي في طراوة الشباب، وبالجمل: الرجل الذي تقدمت به السن. المعنى إذا أسدى إليك أحد يدا، أو صنع معك معروفا، فكافئه بمثله، أو بخير منه، فإن هذا شأن الشاب القادر الخير؛ أما من كان كالجمل في اللؤم والخداع، أو من ضعف وقعدت به السن، فلا يجازي على المعروف إلا مضطرا.
الإعراب: إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. أقرضت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح، في محل رفع نائب فاعل. قرضا: مفعولا مطلق منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ وجملة "أقرضت قرضا": في محل جر بالإضافة بعد إذا. فاجزه: الفاء واقعة في جواب الشرط غير الجازم، اجز: فعل أمر مبني على حذف الياء، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت؛ والهاء: ضمير متصل مبني على الكسر، في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "اجزه": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. إنما: أداة حصر، لا محل لها. يجزي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل. الفتى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. ليس: حرف عطف بمعنى "لا" على مذهب البغداديين. الجمل: اسم معطوف على الفتى مرفوع مثله، وعلامة رفعه الضمة، وسكن لضرورة الروي.
موطن الشاهد: "ليس الجمل".
وجه الاستشهاد: استعمال "ليس" حرف عطف بمعنى "لا"؛ لتنفي صنع الخبر الذي ثبت لما قبلها؛ وهذا على رأي البغداديين، تبعا لابن عصفور؛ ونقله أبو جعفر النحاس، وابن بابشاذ عن الكوفيين، وجرى عليه الناظم في التسهيل. ويخرج المانعون الشاهد كما يلي: ليس: فعل ماضٍ ناقص، والجمل: اسمها، وخبرها: محذوف؛ والتقدير: ليس الجمل جازيا. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣٥.
١ أي: الاجتماع والاشتراك بين المتعاطفين في المعنى والحكم، من غير دلالة على مصاحبة، أو ترتيب زمني، أو مهلة، أو نحو ذلك.
وقد خالف في ذلك بعض الكوفيين وقطرب وثعلب والربعي والفراء والكسائي وابن =стр. 991
أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ١، ومتقدما؛ نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٢، ومصاحبا؛ نحو: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ٣.
[ما تنفرد به الواو]
وتنفرد الواو٤ بأنها تعطف اسما على اسم لا يكتفي الكلام به كـ"اختصم
الحواشي
(١) = درستويه؛ فذهبوا جميا إلى أنها تفيد الترتيب؛ والتعبير بمطلق الجمع مساوٍ للتعبير بالجمع المطلق من حيث المعنى.
التصريح: ٢/ ١٣٥.
١ ٥٧ سورة الحديد، الآية: ٢٦.
موطن الشاهد: ﴿نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الواو حرف عطف لمطلق الجمع، عطف المتأخر في الحكم "إبراهيم" على "نوحا" المتقدم.
٢ ٤٢ سورة الشورى، الآية: ٣.
موطن الشاهد: ﴿إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الواو حرف عطف لمطلق الجمع، عطف متقدم في الحكم على متأخر؛ لأن "الذين" معطوف على "الكاف" في إليك مع إعادة الجار.
٣ ٢٩ سورة العنكبوت، الآية: ١٥.
موطن الشاهد: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الواو حرف عطف لمطلق الجمع، عطف أصحاب السفينة على الهاء عطف مصاحب، والسفينة: مضاف إليه.
٤ أي: من بين سائر حروف العطف؛ ومن المواضع التي انفردت بها الواو:
أ- عطف سببي على أجنبي -في باب الاشتغال-؛ نحو قولك: زيد ضربت عمرا وأخاه.
ب- عطف المرادف على مرادفه؛ نحو قوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ .
ج- عطف عامل قد حذف وبقي معموله، نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ .
د- جواز الفصل بين المتعاطفين بها بالظرف أو "الجار والمجرور"؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ .
هـ- جواز العطف بها على الجواز في الجر خاصة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في قراءة جر "الأرجل". =стр. 992
.................................................................
الحواشي
(١) = و جواز حذفه عند أمن اللبس؛ نحو قول الشاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم
ز- وقوع "لا" بينها وبين المعطوف بها؛ وذلك إذا عطفت مفردا على مفرد، بعد النهي والنفي، أو ما هو في تأويل النفي؛ فالأول؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ ، والثاني: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ، والثالث: كقوله ﷻ : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
ح- وقوع "إما" بينها وبين معطوفها، إذا عطفت مفردا على مفرد، ويغلب أن تكون مسبوقة بـ"إما" أخرى -نحو قوله- تباركت أسماؤه: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ ؛ ونحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ .
ط- عطف "لفظ العقد" على "النيف"؛ نحو قولك: أعطيته ثلاثة وعشرين قلما.
ي- عطف النعوت المتفرقة، نحو قول الشاعر:
بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال
ك- عطف ما كان حقه أن يثنى أو يجمع؛ فالأول، كقول الفرزدق:
إن الرزية لا رزية بعدها ... فقدان مثل محمد ومحمد
فمن حقه أن يقول: فقدان مثل المحمدين -بالتثنية- ولكنه عطف أحدهما على الآخر. ومثال الثاني؛ كقول أبي نواس:
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس
فالأصل أن يقول: أقمنا بها ثمانية أيام.
ل- عطف العام على الخاص؛ كقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فـ"المؤمنين" و"المؤمنات" أعم ممن دخل بيته مؤمنا.
وأما عطف الخاص على العام؛ أن يكون بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ، ويجوز أن يكون بـ"حتى"؛ نحو قولك: مات الناس حتى الأنبياء.
م- امتناع الحكاية مع وجودها: فإن قيل: رأيت زيدا؛ جاز في الإجابة القول: من زيدا؟ بالحكاية من غير الواو؛ فإذا جئت بالواو؛ لم تجز الحكاية، ووجب أن ترفع زيدا، فتقول: ومن زيد؟ وفي هذا الموضع نقد؛ حاصله: أن الفاء، تشارك الواو فيه.
ن- العطف في بابي "التحذير والإغراء"؛ نحو قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ . =стр. 993
زيد وعمرو" و"تضارب زيد وعمرو" و"اصطف زيد وعمرو" و"جلست بين زيد وعمرو"، إذ الاختصام والتضارب والاصطفاف والبينية من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدا، ومن هنا قال الأصمعي١: الصواب أن يقال٢: [الطويل]
٤١٣- بين الدخول وحومل٣
الحواشي
(١) = س- عطف "أي" على مثلها؛ نحو قول الشاعر:
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن ... أيي وأيك فارس الأحزاب
انظر التصريح: ٢/ ١٣٥-١٣٨.
١ مرت ترجمته.
٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا جزء من مطلع معلقة امرئ القيس، وهو بتمامه:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٦، والأشموني: ٨١٣/ ٢/ ٤١٧، ومجالس ثعلب: ١٢٧، ومجالسي العلماء للزجاجي: ٢٧٣، والمنصف: ١/ ٢٢٤، والمحتسب: ٢/ ٤٩، ودلائل الإعجاز: ٢٦٥، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٩، والإنصاف: ٦٥٦، وشرح المفصل: ٤/ ١٥، ٩/ ٣٣، ٧٨، ١٠/ ٢١، والخزانة: ٤/ ٣٧٩، وشرح شواهد الشافية: ٢٤٢، والهمع: ٢/ ١٢٩، والدرر: ٢/ ١٦٦، وسيبويه: ٢/ ٢٩٨، والمغني: ٢٩١/ ٢١٤، ٦٦١/ ٤٦٦، والسيوطي: ١٥٨.
المفردات الغريبة: قفا: فعل أمر من الوقوف، والألف فيه للاثنين؛ وقيل: منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، والمخاطب واحد، وعوملت الكلمة في الوصل؛ كما تعامل في الوقف. ذكرى: مصدر بمعنى التذكر. سقط اللوى: السقط -بتثليث السين وسكون القاف: منقطع الرمل حيث يستدق طرفه. واللوى: رمل يتلوى وينحني. الدخول: اسم موضع، وكذلك: حومل.
المعنى: قفا يا صاحبي وشاركاني في البكاء وإرسال الدموع، من أجل تذكر حبيب، كان يقيم هنا، ومنزل كان عامرا به بين هذين الموضعين.
الإعراب: قفا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بألف الاثنين، والألف ضمير متصل في محل رفع فاعل. نبك: فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه في جواب الطلب، وعلامة جزمه حذف الياء، والفاعل ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: نحن. "من ذكرى": متعلق بـ"نبك"، وذكرى مضاف. حبيب: مضاف إليه مجرور. ومنزل: الواو حرف عطف، منزل: اسم معطوف على حبيب. "بسقط": متعلق بمحذوف صفة لـ"منزل"، وسقط مضاف. اللوى: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة =стр. 994
بالواو١؛ وجحة الجماعة أن التقدير: بين أماكن الدخول فأماكن حومل٢؛ فهو بمنزلة "اختصم الزيدون فالعمرون"٣.
[الفاء ومعناها] :
وأما الفاء فللترتيب٤ والتعقيب٥، نحو: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ٦، وكثيرا ما
الحواشي
(١) = على الألف؛ للتعذر. "بين": متعلق بمحذوف صفة ثانية لـ"منزل". الدخول: مضاف إليه مجرور. فحومل: الفاء حرف عطف، حومل: اسم معطوف على الدخول مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
موطن الشاهد: "بين الدخول فحومل".
وجه الاستشهاد: معلوم أن بين لا تضاف إلا إلى متعدد سواء أكان التعدد بسبب التثنية، أم الجمع أم العطف؛ ومعلوم أن الفاء العاطفة تدل على الترتيب من غير مهلة؛ فالبينية غير متحققة -هنا- وإنما تتحقق بالعطف بالواو التي تدل على اشتراك العاطف والمعطوف معا دفعة واحدة في مدلول العامل؛ ولهذا، خطأ الأصمعي امرأ القيس، وعُني العلماء بتصحيح عبارته كما بين المصنف.
١ لأن البينية، لا يتحقق معناها بواحد، ولا يعطف فيها بالفاء؛ لأن الفاء تدل على الترتيب.
٢ أي: أن كلمتي "الدخول" و"حومل" -هنا- لا يراد بهما جزئي مشخص، وإنما يراد بهما أجزاء هذين المكانين؛ وهنالك مضاف محذوف، يفيد هذا التعدد مثل: أماكن، أو مواضع، أو أجزاء الدخول وحومل. وقد قدر يعقوب: بين أهل الدخول فحومل ... إلخ. انظرالتصريح: ٢/ ١٣٦.
٣ يقال هذا؛ إذا كان كل فرد، من كل فريق خصما لمن هو من فريقه؛ فيكون اختصام العمرين بعضهم مع بعض، عقب اختصام الزيدين؛ بعضهم مع بعض. ضياء السالك: ٣/ ١٦٧-١٦٨.
٤ بنوعيه: المعنوي، والذكري؛ والمعنوي: أن يكون زمن تحقق المعنى في المعطوف متأخرا عنه في المعطوف عليه؛ نحو: من الخير الإنصات؛ فالسماع؛ فمحاولة الفهم. وأما الترتيب الذكري؛ فهو: وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما؛ نحو: حدثنا المعلم عن أبي بكر، فعثمان، فعمر.
مغني اللبيب: ٢١٣، والتصريح: ٢/ ١٣٨.
٥ هو اتصال المعطوف بالمعطوف عليه بلا مهلة وقصر المدة التي بين وقوع المعنى عليهما، والتعقيب في كل شيء بحسبه.
٦ ٨٠ سورة عبس، الآية: ٢١. =стр. 995
تقتضي أيضا التسبب١ إن كان المعطوف جملة؛ نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ٢، واعترض على الأول بقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ ٣؛ ونحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه" الحديث٤؛ والجواب: أن المعنى أردنا إهلاكها، وأراد الوضوء، وعلى الثاني بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ ٥، والجواب: أن التقدير:
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء الفاء حرف عطف مفيدا الترتيب والتعقيب؛ لأن دفن الإنسان في القبر، يعقب موته عادة.
١ أي الدلالة على السببية؛ بأن يكون المعطوف متسببا عن المعطوف عليه؛ ولكنها لا تسمى فاء السببية إلا إذا دخلت على مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة.
٢ ٢٨ سورة القصص، الآية: ١٥.
موطن الشاهد: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع الفاء حرف عطف يفيد التعقيب والترتيب ومقتضيا التسبب؛ لأن جملة ﴿قَضَى عَلَيْهِ﴾ متسببة عن الجملة الأولى: ﴿وَكَزَهُ مُوسَى﴾ ؛ فالمعطوف عليه سبب في حصول المعطوف.
٣ ٧ سورة الأعراف، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ .
وجه الاستشهاد: اعترض الفراء على كون الفاء للترتيب المعنوي بهذه الآية؛ لأن الهلاك متأخر عن مجيء الباس في المعنى، وهو متقدم في التلاوة، وذلك ينافي الترتيب الذي في الفاء، ورد عليه بما جاء في المتن؛ أو بأن الفاء للترتيب الذكري لا المعنوي.
٤ حديث شريف.
موطن الشاهد: "توضأ فغسل وجهه ويديه".
وجه الاستشهاد: اعترض بهذا الحديث على كون الفاء للترتيب المعنوي كما في الآية الكريمة السابقة، ورد على هذا الاعتراض، بأحد وجهين؛ الأول: أن المعنى: على إضمار الإرادة؛ والتقدير: أراد الوضوء؛ فغسل وجهه وغسل الأعضاء الأربعة مترتب على إرادة الوضوء.
والثاني: أن الفاء للترتيب الذكري لا المعنوي. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣٩.
٥ ٨٧ سورة الأعلى، الآية: ٥.
موطن الشاهد: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ .
وجه الاستشهاد: اعترض بهذه الآية على كون الفاء للتعقيب، في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ؛ لأن إخراج المرعى، لا يعقبه جعله غثاء =стр. 996
فمضت مدة فجعله غثاء١، أو بأن الفاء نابت عن ثم كما جاء عكسه وسيأتي.
[ما تختص به الفاء] :
وتختص الفاء بأنها تعطف على الصلة ما لا يصح كونه صلة لخلوه من العائد٢؛ نحو: "اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك"٣؛ وعكسه؛ نحو: "الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيد"، ومثل ذلك جارٍ في الخبر والصفة والحال٤؛ نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ٥؛ وقوله٦: [الطويل]
الحواشي
(١) = أحوى؛ أي: يابسا أسود؛ ورد على هذا الاعتراض بأن جملة "جعله ... " معطوفة على جملة محذوفة؛ والتقدير: فمضت مدة فجعله غثاء، أو: بأن الفاء نابت عن "ثم"؛ والمعنى: "ثم جعله غثاء". انظر التصريح: ٢/ ١٣٩.
١ فيكون المعطوف عليه محذوفا. وقد قيل: إن هذا لا يدفع الاعتراض؛ لأن مضي المدة، لا يعقب الإخراج. وأجيب بأنه يكفي أن يكون أول أجزاء المضي متعقبا للإخراج، وإن لم يحصل بتمامه إلا في زمن طويل؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ؛ فإن اخضرار الأرض يبتدئ بعد نزول المطر، لكن يتم في مدة ومهلة.
٢ وذلك؛ لأن ما فيها من معنى السببية؛ التي تجعل ما قبلها وما بعدها في حكم جملة واحدة يغني عن الرابط.
٣ "اللذان": مبتدأ. "يقومان": الجملة صلة "فيغضب زيد" الجملة معطوف بالفاء على جملة يقومان الواقعة صلة؛ وكان القياس عدم صحة العطف؛ لخلوها من ضمير يعود إلى الموصول؛ لأنها رفعت الظاهر، وهو "زيد" ولكن عطفها بالفاء سوغ ذلك؛ لما في الفاء من معنى السبب "أخوك" خبر المبتدأ.
٤ أي: تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء، على جملة لا تصلح.
٥ ٢٢ سورة الحج، الآية: ٦٣.
موطن الشاهد: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف جملة "فتصبح" على جملة "أنزل" الواقعة خبرا لـ"أن"، وكان القياس أن لا يصح العطف؛ لخلوها من ضمير يعود على اسم "أن"؛ لأن الجملة المعطوفة على الخبر خبر؛ ولكنها لما قرنت بالفاء ساغ ذلك.
التصريح: ٢/ ١٣٩.
٦ القائل: هو غيلان بن عقبة، المعروف بذي الرمة. وقد مرت ترجمته.стр. 997
٤١٤- وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو١.........
[ثم ومعناها] :
وأما "ثم" فللترتيب والتراخي٢، نحو: ﴿فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٣، وقد
الحواشي
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت بتمامه:
وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجم فيغرق
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٩، والأشموني: ٥٣٧/ ٢/ ٢٨٨، والعيني: ١/ ٥٧٨، ٤/ ١٧٨، ومجالس ثعلب: ٦١٢، والمحتسب: ١/ ١٥٠، والمقرب: ١٣، والهمع: ١/ ٨٩، والدرر: ١/ ٧٤، وديوان ذي الرمة: ٣٩٥.
المفردات الغريبة: إنسان عيني: هو النقطة السوداء اللامعة وسط سواد العين. يحسر: ينكشف وينزاح. فيبدو: فيظهر. يجم: يكثر.
المعنى: أن إنسان العين ينكشف عنه الماء ويزول أحيانا، فيظهر الإنسان للرائي وأحيانا يكثر الماء في العين فيغرق إنسانها ويستتر، ولا يرى.
الإعراب: إنسان: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. عيني: مضاف إليه، وهو مضاف، والياء في محل جر بالإضافة. يحسر: فعل مضارع مرفوع. الماء: فاعل مرفوع.
تارة: مفعول مطلق منصوب. فيبدو: الفاء عاطفة، يبدو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو. وتارات: الواو عاطفة، تارات: اسم معطوف على تارة منصوب وعلام نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم. يجم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو يعود إلى الماء. فيغرق: الفاء عاطفة، يغرق: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو يعود إلى إنسان عيني.
موطن الشاهد: "فيبدو".
وجه الاستشهاد: عطف جملة "يبدو" التي تصلح لأن تكون خبرا عن المبتدأ "إنسان"؛ لاشتمالها على ضمير يعود إليه على جملة لا تصلح لذلك لخلوها من ذلك الضمير؛ وهي جملة: "يحسر الماء".
٢ التراضي هو "انقضاء مدة زمنية بين وقوع المعنى على المعطوف عليه، ووقوعه على المعطوف وتحديد هذه المدة متروك للعرف. و"ثم" تعطف المفردات والجمل، وقد تدخل عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ. فتخص بعطف الجمل؛ نحو: من ظفر بمطلوبه ثمت أهمل في الحفاظ عليه فلا يلومن إلا نفسه. وتكتب بتاء غير مربوطة. مغني اللبيب: ١٦٠، والتصريح: ٢/ ١٤٠، والجنى الداني: ٤٢٦.
٣ ٨٠ سورة عبس، الآية: ٢١، ٢٢. =стр. 998
توضع موضع الفاء؛ كقوله١: [المتقارب]
٤١٥- جرى في الأنابيب ثم اضطرب٢
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: ﴿فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "ثم" حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي؛ لأن نشر الموتى يوم القيامة؛ وبين دفن الإنسان وبين نشره مدة طويلة لا يعلمها إلا الله.
القائل هو: أبو دؤاد الإيادي، واسمه حارثة بن الحجاج؛ وقد مرت ترجمته.
١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
كهز الرديني تحت العجاج
والبيت من قصيدة يصف فيها فرسه، وينشد قبله قوله:
إذا قيد قحم من قاده ... وولت علابيبه واجلعب
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٠، والأشموني: ٨١٤/ ٢/ ٤١٧، والمغني: ١٨٦/ ١٦٠، والسيوطي: ١٢٤، ومعاني ابن قتيبة: ١/ ٥٨، والعيني: ٤/ ١٣١، والهمع: ٢/ ١٣١، والدرر: ٢/ ١٧٤، وديوان أبي دؤاد الإيادي: ٢٩٢.
المفردات الغريبة: الرديني: الرمح المنسوب إلى ردينة؛ وهي امرأة اشتهرت بصنع الرماح بهجر. العجاج: الغبار، والمراد: ما تثيره أقدام المتحاربين أو خيولهم. الأنابيب: جمع أنبوب؛ وهو ما بين كل عقدتين من القصب.
المعنى: أن اهتزاز هذا الفرس وسرعة عدوه ذهابا وجيئة في أثناء القتال، يشبه اهتزاز الرمح واضطرابه، في سرعة وخفة، في كل ناحية تحت غبار المعركة.
الإعراب: "كهز": متعلق بخبر لمبتدأ محذوف؛ وبعضهم علقه بمحذوف واقع صفة لمفعول مطلق محذوف عامله "اجعلب" في بيت "سابق، وهو مضاف. الرديني: مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله. "تحت": منصوب متعلق بـ"هز"، وهو مضاف. العجاج: مضاف إليه مجرور. جرى: فعل ماضٍ مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر؛ والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو. "في الأنابيب": متعلق بـ"جرى". ثم: حرف عطف. اضطرب: فعل ماضٍ مبني على الفتح، وسكن لضرورة الروي.
موطن الشاهد: "ثم اضطرب".
وجه الاستشهاد: مجيء ثم -هنا- بمعنى الفاء؛ لأن اضطراب الرمح يحدث عقب اهتزاز أنابيبه مباشرة، في لحظات من غير مهلة. وفي معنى الفاء وثم، يقول ابن مالك:
والفاء للترتيب باتصال ... وثم للترتيب بانفصال
=стр. 999
[حتى وشروطها] :
وأما "حتى" فالعطف بها قليل؛ والكوفيون ينكرونه١، وشروطه أربعة أمور: أحدها: كون المعطوف اسما٢.
الحواشي
(١) = ومعنى باتصال؛ أي: من غير مهلة زمنية؛ وهو ما عبر عنه بالتعقيب.
ومعنى بانفصال؛ أي: بمهلة زمنية، وهي ما عبر عنها بالتراخي.
فائدة: قد ترد "ثم" للترتيب الذكري الإخباري؛ الذي يقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات من غير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي؛ كقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
انظر ضياء السالك: ٣/ ١٧٢-١٧٣.
توجيهان: أ- قد ترد "ثم" للترتيب الذكري الإخباري؛ أي الذي يقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات من غير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي؛ كقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
الأشموني: ٢/ ٤١٨.
ب- وقد تدخل همزة الاستفهام على "ثم"، و"الواو"، و"الفاء"، مثل: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ .
فقيل: إن الهمزة تقدمت على العاطف لأصالتها في التصدير؛ وقيل: إن هذا حروف استئناف داخلة على جمل مستأنف.
١ ويجعلونها ابتدائية في مثل: جاء القوم حتى محمد، وما بعدها على إضمار عامل. وحتى تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا.
مغني اللبيب: ١٧٣.
٢ هذا مذهب جمهور النحاة، وحجتهم أنها منقولة من "حتى" الجارة، وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم؛ فبقي لحتى بعد نقلها ما كان لها قبل النقل. وخالف بذلك ابن السيد، وكأنه نظر إلى ما طرأ عليها من النقل للعطف، وقاسها على غيرها من حروف العطف، فإذا قلت: "أكرمت زيدا بكل ما أقدم عليه حتى جعلت نفسي له حارسا" أو قلت: "بخل علي زيد بكل شيء حتى منعني دانقا"؛ جاز في هذين المثالين اعتبار حتى عاطفة عند ابن السيد، والجمهور يمنعون ذلك؛ فالمثالان عندهم إما خطأ، وإما على تأويل الفعل التالي لحتى بمصدر مجرور بها. هذا ولا يصح أن يكون المعطوف =стр. 1000
والثاني: كونه ظاهرا١؛ فلا يجوز "قام الناس حتى أنا" ذكره الخضراوي٢.
والثالث: كونه بعضا من المعطوف عليه، إما بالتحقيق٣؛ نحو: "أكلت السمكةَ حتى رأسَها"، أو بالتأويل؛ كقوله٤: "الكامل"
٤١٦- ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها٥
الحواشي
(١) = بحتى حرفا؛ لأن الحرف لا يدخل على نظيره غالبا إلا في التوكيد اللفظي أو الضرورة الشعرية، ولا يصح أن يكون جملة.
مغني اللبيب: ١٧٢، والتصريح: ٢/ ١٤١، ورصف المباني: ١٨٠، والجنى الداني: ٥٤٢.
١ ذكر ابن هشام أنه لم يقف عليه لغيره، ووجه قول الخضراوي: أن أصل "حتى": أن تكون جارة، فاستصحبوا بعد نقلها إلى العطف حالها بعد النقل؛ ولهذا، لا يجوز أن تقول: "حضر الناس حتى أنا"؛ لأن حتى الجارة لا تجر إلا الأسماء الظاهرة؛ هذا، وقد حقق الصبان عدم اشتراط ذلك.
مغني اللبيب: ١٧١، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٧.
٢ مرت ترجمته.
٣ يعتبر بعضا من المعطوف عليه بالتحقيق ثلاثة أمور هي:
الأول: أن يكون جزءا من كل؛ نحو: أكلت السمكة حتى رأسها.
الثاني: أن يكون فردا من جمع؛ نحو قولهم: قدم الحجاج حتى المشاة.
الثالث: أن يكون نوعا من جنس؛ نحو: أعجبني التمر حتى البرين.
التصريح: ٢/ ١٤١.
٤ القائل: هو أبو مروان النحوي، ولم أعثر له على ترجمة.
تخريج الشاهد: البيت من كلمة يحكي فيها قصة المتلمس، وفراره من عمرو بن هند، وبعده قوله:
ومضى يظن بريد عمرو خلفه خوفا، وفارق أرضه وقلاها.
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤١، ٢١٤، والأشموني: ٥٣٨/ ٢/ ٢٨٩، والمغني: ١٩٩/ ١٦٧، ٢٠٣/ ١٧١، ٢٦٢/ ١٧٥، وسيبويه: ١/ ٥٠، والجمل: ٨١، والعيني: ٤/ ١٣٤، والهمع: ٢/ ٢٤، ١٣٦، والدرر: ٢/ ١٦، ١٨٨، وحاشية يس على التصريح: ١/ ٣٠٢.
المفردات الغريبة: ألقى: رمى إلى الأرض. الصحيفة: ما يكتب فيه من ورق وغيره. =стр. 1001
........................................................
الحواشي
(١) = رحله، الرحل: ما يستصحبه المرء من المتاع وهو أيضا: ما يوضع على ظهر الناقلة بمنزلة السرج للفرس. الزاد: كل ما يستصحبه المسافر ليبلغه مقصده.
المعنى: أن المتلمس رمى بالصحيفة؛ ليخفف ما معه من متاع، وألقى كذلك ما معه من زاد يتبلغ به، حتى نعله التي يلبسها رمى بها. وكان من أمر هذه الصحيفة: أنه وطرفة هجيا عمرو بن هند -الملك-؛ ثم مدحاه بعد ذلك، فكتب لكل منهما صحيفة إلى عامله بالحيرة وختمهما، وأمره فيهما بقتلهما، وأوهمهما، بأنه كتب لهما بصلة، فلما بلغا الحيرة، فتح المتلمس صحيفته، وعلم بما فيها؛ فألقاها في النهر، وفر إلى الشام، وأبى طرفة أن يفتح صحيفته ودفعها إلى العامل فقتله.
الإعراب: ألقى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل: هو. الصحيفة: مفعول به منصوب. كي: حرف تعليل. يخفف: فعل مضارع منصوب بـ"أن" المضمرة بعد "كي"؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": مجرور بـ"كي"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"ألقى"؛ والتقدير: ألقى الصحيفة؛ لتخفيف رحله؛ وجملة "يخفف رحله": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها. رحله: مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة. والزاد: الواو عاطفة، الزاد: اسم معطوف على رحله، منصوب. حتى: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. نعله: مفعول به منصوب لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ والهاء: مضاف إليه. وتقدير الكلام: حتى ألقى نعله؛ وعلى هذا التقدير: "فحتى" عطفت جملة "ألقى فعله" على جملة "ألقى الصحيفة". ألقاها: فعل ماضٍ، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، و"ها": في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "ألقاها": تفسيرية، لا محل لها؛ ويجوز أن تكون "حتى": حرف عطف بمعنى الواو، ويكون "نعله" معطوفا على الزاد؛ عطف مفرد على مفرد، وجملة "ألقاها": توكيد لجملة "ألقى الصحيفة"؛ ويكون ضمير "ها" البارز في ألقاها عائدا إلى الصحيفة؛ وهذا الوجه والذي سبقه على رواية النصب في "نعله"؛ وقد وردت بالجر والرفع؛ وتخريجهما؛ كالآتي: تخرج رواية الجر على أن "حتى" حرف جر، و"نعله" مجرور بها، ومضاف إليه؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"ألقى" السابق؛ وجملة "ألقاها": توكيدية. وتخرج رواية الرفع في "نعله" على أنها مبتدأ مرفوع، ومضاف إليه؛ وخبره: جملة "ألقاها"؛ وعليها فـ"حتى" ليست عاطفة، وإنما هي حرف ابتداء؛ وجملة "نعله ألقاها": ابتدائية لا محل لها.
موطن الشاهد: "حتى نعله".
وجه الاستشهاد: عطف "نعله" بـ"حتى" على ما قبله؛ لأنه بعض من المعطوف عليه -بالتأويل- كما بين المصنف؛ ويجوز أن يكون "نعله" منصوبا بفعل محذوف، يفسره =стр. 1002
فيمن نصب "نعله"، فإن ما قبلها في تأويل ألقى ما يثقله، أو شبيها بالبعض؛ كقولك: "أعجبتني الجاريةُ حتى كلامُها"، ويمتنع "حتى ولدُها"١ وضابط ذلك أنه إن حسن الاستثناء حسن دخول حتى٢.
والرابع: كونه غاية في زيادة حسية؛ نحو: "فلان يهب الأعدادَ الكثيرةَ حتى الألوفَ" أو معنوية؛ نحو: "مات الناسُ حتى الأنبياءُ، أو الملوكُ"، أو في نقص كذلك؛ نحو" المؤمن يجزى بالحسناتِ حتى مثقالِ الذرةِ"، ونحو: "غلبك الناس حتى الصبيان، أو النساء"٣.
[أم المتصلة ومعناها] :
وأما "أم" فضربان: منقطعة وستأتي، ومتصلة: وهي المسبوقة إما بهمزة
الحواشي
(١) = المذكور -كما بينا في الإعراب- وهذا على رواية النصب؛ وعلى روايتي الرفع والجر، أوضحنا تخريجهما بما لا يستلزم الإعادة؛ والذي يهمنا -هنا- ما الذي سوغ العطف بـ"حتى" على رواية النصب؟ والجواب هو: لما كان النعل بعض ما يثقله، ويضعف حركته في الهرب؛ كان من ضمن ما يثقله؛ لأنه يشترط بالعطف بـ"حتى" أن يكون المعطوف بعض المعطوف عليه.
١ لأن الولد ليس جزءا منها ولا شبيها بالجزء؛ بخلاف كلامها، فإنه لشدة اتصاله بها؛ صار كجزئها.
٢ المراد: الاستثناء المتصل؛ لأن شرط الاستثناء المتصل؛ أن يتناول ما قبل أداته ما بعدها نصا.
٣ إذا لم يكن ما بعد "حتى" من جنس ما قبلها -إما تحقيقا وإما تأويلا وإما تشبيها- أو كان ما بعدها من جنس ما قبلها على أحد الوجوه الثلاثة؛ ولكنه لم يكن غاية لما قبلها، أو كان ما بعدها غاية وطرفا لما قبلها؛ لكنه ليس دالا على زيادة، أو نقص حسيين، أو معنويين؛ فإنه لا يجوز أن تجعلها عاطفة، ويتفرع على هذا، أنك لو قلت: صادقت العرب حتى "العجم"؛ لم يصح؛ لأن العجم ليس من جنس العرب؛ ولو قلت: "خرج الفرسان إلى القتال حتى بنو فلان"، وكان بنو فلان هؤلاء في وسط الفرسان؛ لم يصح؛ لأن ما بعد حتى -حينئذ- ليس غاية لما قبلها؛ إذ الغاية، ليست إلا في الأطراف -عاليها وسافلها- ولو قلت: "زارني القوم حتى زيد"، ولم يكن زيد متميزا بفضل، أو منفردا بخسيسة؛ لم يصح؛ لأن ما بعد حتى -حينئذ- ليس ذا زيادة ولا نقص.
انظر التصريح: ٢/ ١٤٢.стр. 1003
التسوية١؛ وهي الداخلة على جملة في محل المصدر٢، وتكون هي والمعطوفة عليها فعليتين؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، أو اسميتين؛ كقوله٤: [الطويل]
٤١٧- أموتي ناءٍ أم هو الآن واقعُ٥
الحواشي
(١) ١ سميت بذلك؛ لوقوعها غالبا بعد لفظ "سواء" أو: لا أبالي، أو: لا أدري، أو ما يشبهها؛ في الدلالة على أن الجملتين بعدها متساويتان في الحكم عند المتكلم؛ كقول الشاعر:
ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم
٢ من علاماتها: أن تتوسط بين جملتين خبريتين؛ قبلهما همزة، وكلتا الجملتين يصلح أن يحل محلها هي والهمزة، مصدر مؤول منهما معا.
٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٦، ٣٦ سورة يس، الآية: ١٠.
موطن الشاهد: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أم" حرف عطف؛ عطف جملة فعلية على جملة فعلية مثلها؛ والتقدير: إنذارك وعدم إنذارك سواء؛ بعد تأويل الجملة بمصدر؛ وهذا من مواضع سبك الجملة بلا سابك على تقدير "أن". انظرالتصريح: ٢/ ١٤٢.
٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين، ويظهر أنه لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
ولست أبالي بعد فقدي مالكا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٢، والأشموني: ٨٢١/ ٢/ ٤٢١، والعيني: ٤/ ١٣٦ والهمع: ٢/ ١٣٢، والدرر: ٢/ ١٧٥، والمغني: ٥٥/ ٦١، والسيوطي: ٤٩.
المفردات الغريبة: أبالي: أكترث وأعبأ. ناء: بعيد. وهو اسم فاعل من نأى ينأى: أي: بعد.
المعنى: لست مهتما ولا مكترثا بشيء في الحياة، بعد أن فقدت أخي مالكا، ولا يعنيني -وقد فقدته- أن يكون موتي بعيدا أو ينزل بي الآن.
الإعراب: لست: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم "ليس". أبالي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا؛ وجملة "أبالي": في محل نصب خبر "ليس". "بعد": متعلق بـ"أبالي"، وهو مضاف. فقدي: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر إلى فاعله. مالكا: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه =стр. 1004
أو مختلفتين؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ١، وإما بهمزة يطلب بها وبأم التعيين٢، وتقع بين مفردي متوسط بينهما ما لا يسأل عنه؛ نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ ٣، أو متأخرا عنهما؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ
الحواشي
(١) = الفتحة الظاهرة. أموتي: الهمزة حرف استفهام، موتي: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: في محل جر بالإضافة. ناءٍ: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين؛ وجملة "موتي ناءٍ": في محل نصب مفعولا به لـ"أبالي"؛ المعلق عن العمل في اللفظ بالاستفهام. أم: حرف عطف. هو؛ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. الآن: مفعول فيه ظرف زمان منصوب بقوله: "واقع" الآتي. واقع: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجملة "هو الآن واقع": معطوفة على الجملة السابقة "موتي ناءٍ": في محل نصب.
موطن الشاهد: "أموتي ناءٍ أم هو واقع".
وجه الاستشهاد: وقوع "أم" بين جملتين اسميتين؛ وقد عطفت إحداهما على الأخرى؛ والمعنى: لست أبالي؛ بعد موتي أو حصل الآن.
١ ٧ سورة الأعراف، الآية: ١٩٣.
موطن الشاهد: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطفت "أم" جملة اسمية على جملة فعلية؛ والتقدير -بعد التأويل: سواء عليكم دعاؤكم إياهم -أي الأصنام- وصمتكم؛ ومن هذه الآية وما قبلها، يتضح لنا، أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية، لا تعطف إلا جملة على جملة، وعطفها للمفرد نادر لا يقاس عليه.
٢ همزة التعيين: هي الواقعة بعد ما أدري، ولا أعلم، وليت شعري ونحوها، وتسد، "أي" مسدها مع "أم" في طلب التعيين، وتخالف همزة التسوية؛ فتتطلب جواب بتعيين أحد الشيئين؛ لأنها لم تنسلخ عن الاستفهام.
٣ ٧٩ سورة النازعات، الآية: ٢٧.
موطن الشاهد: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أم" حرف عطف مسبوقا بهمزة يراد بها معها التعيين؛ لأن الاستفهام -هنا- توبيخي، والسؤال عن المبتدأ: "أنتم"، والمعادل: "السماء" المعطوفة على "أنتم"؛ وهما مفردان، وقد توسط بينهما غير المسئول عنه؛ وهو "أشد خلقا" الواقع خبرا تقديرا عن المتعاطفين.стр. 1005
أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ١، وبين فعليتين؛ كقوله٢: [البسيط]
٤١٨- فقلت أهي سرت أم عادني حلم٣
الحواشي
(١) ١ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٩.
موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ .
وجه الاستشهاد: السؤال في هذه الآية عن الخبر؛ وهو قريب وبعيد؛ والمسئول عنه متأخر؛ وهو ما توعدون؛ وذلك؛ لأن شرط الهمزة المعادلة لـ"أم" أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" المعادل الآخر؛ ليفهم السامع من أول الأمر ما يطلب تعيينه؛ ويرى سيبويه: أن إيلاء المسئول عنه الهمزة أولى، لا واجب. انظر التصريح: ٢/ ١٤٣.
٢ قيل هو: زيادة بن حمل، وقيل: زياد بن منقذ العدوي؛ المعروف بالمرار الحنظلي، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
فقمت للطيف مرتاعا فأرقني
وهو من كلمة يحن فيها الشاعر إلى وطنه؛ وقبله قوله:
زارت رقية شعثا بعد ما هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٣، والأشموني: ٨٢٣/ ٢/ ٤٢١، والخصائص: ١/ ٣٠٥، ٢/ ٣٣٠، والخزانة: ٢/ ٣٩١، وشرح المفصل: ٧/ ١٧٩، والهمع: ١/ ٦١، ٢/ ١٣٢، والدرر: ١/ ٣٧، ٢/ ١٧٥، ومجالس العلماء للزجاجي: ١٣٩٦ وشرح شواهد الشافعية للبغدادي: ١٩٠، والمغني: ٥٦/ ٦٢، ٧٠٥/ ٤٩٥، والسيوطي: ٤٩ وشرح التبريزي على ديوان الحماسة: ٣/ ٣٢٤.
المفردات الغريبة: الطيف: المراد به خيال المحبوبة الذي يراه في النوم. مرتاعا: خائفا، يقال: راعه فارتاع؛ أي: أفزعه ففزع، ولا ترع: أي لا تخف. أرقني: أسهرني. أهي "بسكون الهاء": إجراء لهمزة الاستفهام مجرى واو العطف وفائه. سرت: من السرى؛ وهو السير ليلا. عادني: زارني وأتاني بعد إعراض.
المعنى: استيقظت من النوم فزعا خائفا؛ لما رأيت في نومي خيال المحبوبة وقلت في نفسي -وقد أطار ذلك النوم من عيني: أهي المحبوبة جاءت إلي ليلا؟ أم ذلك حلم ومنام؟!
الإعراب: فقلت: الفاء عاطفة، قلت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. أهي: الهمزة حرف استفهام. هي: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده "سرت". سرت: =стр. 1006
لأن الأرجح كون "هي" فاعلا بفعل محذوف، واسميتين١؛ كقوله٢: [الطويل]
٤١٩- شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر٣
الحواشي
(١) = فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، لا محل لها من الإعراب، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي؛ وجملة "سرت": تفسيرية، لا محل لها؛ وجملة "الفعل المحذوف وفاعله": في محل نصب مفعولا به بعد القول. أم: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. عادني: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به. حلم: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجملة "عادني حلم": معطوفة على جملة "الفعل المحذوف وفاعله" في محل نصب.
موطن الشاهد: "أهي سرت أم عادني حلم".
وجه الاستشهاد: وقوع "أم" المعادلة لهمزة الاستفهام بين جملتين فعليتين؛ لأن "هي" فاعل لفعل محذوف على الأرجح -كما بينا في الإعراب- لأن الأصل في الاستفهام أن يكون عن أحوال الذوات المتجددة؛ لأنها تتجدد وتحصل بعد أن لم تكن؛ والدال على هذه الأحوال، هو الفعل؛ وأما الاستفهام عن نفس الذوات التي تدل عليها الأسماء فقليل؛ والقليل لا يحمل عليه الكثير، ما دام الكثير صحيح المعنى.
١ وقد تكون الجملتان مختلفتين؛ أولاهما: اسمية، والثانية: فعلية؛ نحو: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ ؛ ومن مجيء الأولى فعلية، والثانية اسمية قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ؛ لأن "أنتم": فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور لما علمت من أن همزة الاستفهام أولى بالفعل من حيث إن الأصل في الاستفهام؛ أن يكون عما من شأنه أن يكون محل شك أو تردد وذلك هو أحوال الذوات التي تعبر عنها الأفعال، فأما الذوات أنفسها فيقل أن تكون محل تردد أوشك.
مغني اللبيب: ٦١، حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٤٣.
٢ ينسب البيت إلى الأسود بن يعفر التميمي، وينسب إلى اللعين المنقري، وقد مرت ترجمة كل منهما.
٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، في هجاء قبيلة شعيث بأنها لا تعزى إلى أب معين؛ وصدره قوله:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا
=стр. 1007
...........................................
الحواشي
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٣، والأشموني: ٨٢٤/ ٢/ ٤٢١، والمغني: ٥٧/ ٦٢، والسيوطي: ٥١، وسيبويه: ١/ ٤٨٥، وفيه منسوب إلى الأسود بن يعفر، والكامل للمبرد: ١/ ٣٥٧، ٣٨٠، وفيه منسوب إلى: اللعين المنقري، والمحتسب: ١/ ٥٠، والخزانة: ٤/ ٤٥٠، والعيني: ٤/ ١٣٨، والهمع: ٢/ ١٣٢، والدرر: ٢/ ١٧٥.
المفردات الغريبة: ما أدري: ما أعلم. داريا: أي: من أهل الدراية والعلم بالأنساب. شعيث: اسم حي من بني تميم. سهم: اسم حي من قيس عيلان. منقر: حي ينتهي إلى زيد مناة بن تميم.
المعنى: يقسم الشاعر بأنه لا يعلم -وإن كان من أهل العلم والمعرفة بالأنساب- أي نسبي شعيث هو الصحيح والحق؛ أنسبتها إلى سهم؟ أم نسبتها إلى منقر؟.
الإعراب: لعمرك: اللام لام الابتداء، عمر: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة؛ والخبر محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمرك قسمي. ما أدري: ما نفية، لا محل لها من الأعراب. أدري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره أنا. وإن: الواو اعتراضية، إن: شرطية جازمة؛ ويجوز أن تكون الواو حالية، فتكون "إن" زائدة. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: في محل رفع اسمه. داريا: خبر كان منصوب؛ وجملة "كنت داريا": في محل نصب على الحال؛ إن عدت الواو حالية؛ وإن عدت الواو اعتراضية؛ فالجملة معترضة، لا محل لها. شعيث: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ابن: خبر مرفوع، وهو مضاف. سهم: مضاف إليه مجرور. أم: حرف عطف. شعيث: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ابن: خبر المبتدأ وهو مضاف. منقر: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "شعيث بن سهم": في محل نصب مفعولا به لـ"أدري" وقد علق فعل أدري عن العمل في اللفظ بالهمزة المحذوفة؛ وجملة "شعيث بن منقر": معطوفة على الجملة السابقة في محل نصب.
موطن الشاهد: "شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر".
وجه الاستشهاد: وقوع "أم" المعادلة للهمزة بين جملتين اسميتين؛ ولهذا، ثبتت همزة "ابن"؛ لأنها تحذف إذا كان "ابن" صفة لعلم، ومضافا إلى علم؛ والثاني أبو الأول؛ وهو -هنا- خبر.
فائدة: ذكر سيبويه: أنه إذا جاءت همزة التسوية بعد كلمة "سواء" فلا بد من ذكر "أم" العاطفة؛ فإن لم تأت الهمزة بعد "سواء" عطف الثاني على الأول بـ"أو"؛ نحو: سواء =стр. 1008
الأصل: "أشعيث" فحذفت الهمزة والتنوين منهما١.
[أم المنقطعة ومعناها] :
والمنقطعة هي الخالية من ذلك٢، ولا يفارقها معنى الإضراب٣، وقد
الحواشي
(١) = علينا رضي العدو أو سخط. وجاء في المغني: أنه لا يصح العطف بـ"أو" بعد "سواء"؛ سواء ذكرت همزة التسوية أم حذفت.
انظر ضياء السالك: ٣/ ١٧٩.
١ أما حذف التنوين فللضرورة؛ بناء على أن "شعيثا" مصروف نظرا إلى الحي، ويحتمل أنه ممنوع من الصرف نظرا إلى القبيلة، ولا ينافي ذلك الوصف بابن؛ لجواز رعاية التذكير والتأنيث باعتبارين. وأما حذف الهمزة؛ فجائز اختيارا. ونقل الدماميني اطراد حذفها اخيتارا قبل أم المتصلة؛ لكثرته نظما ونثرا، وذلك إن علم أمرها، ولم يوقع حذفها في لبس.
التصريح، وحاشية التصريح: ٢/ ١٤٣.
هذا، وقد تحذف "أم" مع معطوفها على قلة؛ كقول الشاعر:
دعاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها
يريد: أرشد أم غي؟
وقيل: إن الهمزة للتصديق؛ فلا تحتاج لمعادل.
٢ يريد أنها هي التي لا تتقدم عليها همزة التسوية، ولا الهمزة التي يطلب بها وبأم التعيين: وإنما سميت منقطعة -والحالة هذه-؛ لوقوعها بين جملتين مستقلتين في معناهما؛ لكل منهما معنى خاص يخالف معنى الأخرى، ولا يتوقف أداء أحدهما وتمامه على الآخر، التصريح: ٢/ ١٤٤.
٣ الإضراب -هنا: إبطال الحكم السابق ونفي مضمونه والانصراف عنه إلى ما بعدها، ويسمى هذا: الإضراب الإبطالي. وقد يراد الانتقال من غرض إلى آخر يخالفه، وحينئذ؛ يسمى: الإضراب الانتقالي.
هذا، ويذهب البصريون إلى أن "أم" المنقطعة تدل على الإضراب والاستفهام معا، في كل مثال؛ فلا تكون في مثال ما للإضراب وحده، ولا تكون في مثال ما للاستفهام وحده. ويذهب الكوفيون: إلى أنها تدل على الإضراب في كل مثال، وقد تدل -مع دلالتها على الإضراب- على الاستفهام الحقيقي، أو الإنكاري، وقد لا تدل على الاستفهام أصلا، ولا تأتي للدلالة على الاستفهام وحده في مثال ما، وعلى هذا جرى المؤلف هنا. ويذهب أبو عبيدة إلى أن "أم" المنقطعة على ثلاثة أوجه: =стр. 1009
تقتضي مع ذلك استفهاما؛ حقيقيا نحو: "إنها لإبلٌ أم شاءٌ"١؛ أي: بل أهي شاء، وإنما قدرنا بعدها مبتدأ؛ لأنها لا تدخل على المفرد٢، أو إنكاريا؛ كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ ٣؛ أي: أله البنات، وقد لا تقضيه البتة؛ نحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٤؛ أي: بل هل تستوي؛ إذ لا يدخل استفهام على استفهام٥؛
الحواشي
(١) = ١- دالة على الإضراب وحده. ٢- دالة على الاستفهام وحده. ٣- دالة على الإضراب والاستفهام معا.
ويذكر بعض العلماء: أنه لا خلاف بين الكوفيين والبصريين في مجيء "أم"؛ للدلالة على الإضراب وحده، وإنما الخلاف في تسميتها؛ هل تسمى منقطعة أو لا؟.
مغني اللبيب: ٦٦، التصريح: ٢/ ١٤٤، ورصف المباني: ٩٣، والمقتضب: ٣/ ٢٨٦.
١ أخبر أولا بأنها إبل، ثم تحقق غير ذلك، فاضرب عنه مستفهما عن كونها شاء.
٢ لأنها غير عاطفة؛ بل هي بمعنى بل الابتدائية، وحرف الابتداء، لا يدخل إلا على جملة، فـ"شاء" خبر لمبتدأ محذوف، وقيل: لعطف المفرد بقلة.
التصريح: ٢/ ١٤٤، ومغني اللبيب: ٦٨.
٣ ٥٢ سورة الطور، الآية: ٣٩.
موطن الشاهد: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "أم" مفيدة الاستفهام الإنكاري؛ ولا يصح أن تقدر هنا للإضراب المحض؛ لأن ذلك يجعل الكلام إخباريا بنسبة البنات إليه تعالى والله سبحانه منزه عن ذلك.
انظر شرح التصريح: ٢/ ١٤٤.
٤ ١٣ سورة الرعد، الآية: ١٦.
موطن الشاهد: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾
غير مقتضية الاستفهام؛ لا الحقيقي، ولا الإنكاري؛ لأن التقدير: "بل هل تستوي الظلمات والنور؟ " ولا يقدر: بل أهل؛ لأنه لا يدخل استفهام على استفهام. التصريح: ٢/ ١٤٤.
٥ عرفنا سابقا أن مذهب البصريين في "أم" المنقطعة أنها تدل على الإضراب والاستفهام معا، وأن مذهب الكوفيين أنها تدل على الإضراب دائما، وقد تدل على الاستفهام مع دلالتها على الإضراب، وقد لا تدل على الاستفهام. وعلمنا أن ابن هشام، اختار مذهب الكوفيين؛ لأن الآية التي تلاها: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ترجح مذهب الكوفيين وذلك؛ لأن "أم" خالية من الدلالة على الاستفهام؛ لوقوع حرف =стр. 1010
هذا باب نعم وبئس١
[معناهما وشروط مرفوعهما] :
وهما فعلان عند البصريين والكسائي؛ بدليل "فبها ونعمت"٢، واسمان عند باقي الكوفيين٣؛ بدليل "ما هي بنعم الولد"٤؛.......................
الحواشي
(١) ١ اعلم أنهما يستعملان تارة للإخبار بالنعمة والبؤس فيتصرفان كسائر الأفعال، تقول: نعم محمد بكذا ينعم به فهو ناعم، وبئس كذلك. وتارة لإنشاء المدح والذم فلا يتصرفان لما سيأتي، وهذا الاستعمال هو المراد هنا.
٢ هذا جزء من حديث؛ وتمامه: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
والحديث أخرجه: أبو داود في سننه: ٣٥٤، والنسائي: ٣/ ٩٤، والترمذي: ٤٩٧. والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠٩١، ومسند أحمد بن حنبل: ٥/ ١٥-١٦، ٢٢، وفي شرح السنة للبغوي: ٢/ ٦٧، ومشكاة المصابيح للتبريزي: ٥٤٠، وتفسير القرطبي: ١٨/ ١٠٦.
موطن الشاهد: "نعمت".
وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" فعلا؛ بدليل اتصاله بتاء التأنيث الساكنة؛ وهي لا تدخل إلا على الفعل؛ وحكى الكسائي: نعما رجلين، ونعموا رجالا؛ وضمائر الرفع البارزة المتصلة؛ من خصائص الأفعال أيضا؛ فهذا دليل "ثان" على الفعلية. ضياء السالك: ٣/ ٨١؛ والتصريح: ٢/ ٩٤.
٣ وقد بنيا على الفتح لتضمنهما معنى الإنشاء، ويعربان مبتدأين، ومعناهما: الممدوح والمذموم، وما هو فاعل على المشهور يعرب بدلا أو عطف بيان. والخبر هو المخصوص بالمدح أو الذم، ويجوز العكس. وفي مثل: نعم رجلا محمد؛ يعرب "رجلا" تمييزا أو حالا.
٤ قول لبعض العرب حين بشر بأنثى، وتمامه: "نصرها بكاء، وبرها سرقة". ووجه الدلالة فيه دخول حرف الجر على "نعم"، والولد ونحوه فيما استدلوا به مجرور؛ لأنه تابع للمجرور، أي: ما هي بالممدوح الولد، فإن كان مرويا بالرفع فلعله مقطوع عما =стр. 1011
[العطف بـ"أو". معنى "أو" وأنواعها] :
وأما "أو" فإنها بعد الطلب١ للتخيير؛ نحو: "تزوج زينب أو أختها" أو للإباحة٢؛ نحو: "جالس العلماء أو الزهاد"، والفرق بينهما: امتناع الجمع بين المتعاطفين في التخيير، وجوازه في الإباحة.
وبعد الخبر للشك٣؛ نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
الحواشي
(١) = بـ"ضجيعتي"، واللام: للبعد، الكاف: للخطاب. أم: حرف دال على الإضراب بمعنى: "بل" لا محل له من الإعراب. "في جنة": متعلق بمحذوف واقع خبرا لـ"ليت" المحذوفة مع اسمها؛ والتقدير: بل ليت سليمى ضجيعتي في جنة. أم: حرف دال على الإضراب بمعنى: "بل" لا محل له من الإعراب. "في جنة": متعلق بمحذوف واقع خبرا لـ"ليت" المحذوفة مع اسمها؛ والتقدير: بل ليت سليمى ضجيعتي في جنة. أم: حرف عطف دال على الإضراب. "في جهنم": متعلق بمحذوف واقع خبرا لـ"ليت" المحذوفة مع اسمها كما سبق؛ والتقدير: بل ليت سليمى ضجيعتي في جهنم.
موطن الشاهد: "أم".
وجه الاستشهاد: مجيء "أم" في الشاهد منقطعة متمحضة للإضراب؛ بمعنى "بل"، فهي لا تدل على الاستفهام، ولا تقتضيه أصلا؛ لأن الشاعر، لا يريد الاستفهام، وإنما ساقه مساق التمني؛ ولهذا، قدر بعدها "جملة"؛ لأن "أم" التي بمعنى "بل" لا يقع بعدها إلا الجمل.
١ المراد بالطلب: الصيغة التي تدل على معنى الأمر؛ سواء كانت فعل الأمر، أو لام الأمر الداخلة على المضارع؛ لأن الإباحة والتخيير لا يتأتيان في الاستفهام، ولا في باقي الأنواع الطلبية على الصحيح، ولا فرق بين الأمر الملفوظ والملحوظ؛ كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ؛ أي: فليفعل أي الثلاثة.
٢ المراد: الإباحة بحسب العقل، أو العرف في أي وقت، وعند أي قوم لا الإباحة الشرعية.
٣ المراد بالخبر: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. والشك: أن يكون المتكلم نفسه واقعا في الشك والتردد، وأما التشكيك؛ فهو أن يوقع المتكلم المخاطب في الشك والتردد. وأما الإبهام: فهو أن يكون المتكلم عالما بحقيقة الأمر غير شاك ولا متردد فيه؛ ولكنه يخرج كلامه في صورة الاحتمال؛ ليكون المخاطب أقبل لما يلقى إليه من الكلام؛ ولكنه يخرج كلامه في صورة الاحتمال؛ ليكون المخاطب أقبل لما يلقى إليه من الكلام, فإذا سمع الكلام وتفهمه؛ ظهر له الأمر؛ ومثال المؤلف يبين ذلك، فقد أورد الكلام في صورة الاحتمال؛ ليسترعي انتباه المخاطب، ويحمله على السماع والتفهم، ولم يورده في صورة الخبر القاطع مع أن المتكلم، يعلم علم اليقين أن من عبد الله، وأفرده بالألوهية والتوجه إليه؛ هو الذي يكون على هدى وأن من أشرك معه غيره؛ هو الذي يكون في ضلال مبين.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٤٥، وحاشية الصبان: ٣/ ١٠٦.стр. 1012
يَوْمٍ﴾ ١، أو للإبهام؛ نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢، وللتفصيل، نحو: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٣، أو للتقسيم؛ نحو: "الكلمة اسم أو فعل أو حرف"٤،
الحواشي
(١) ١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أو" مفيدة معنى الشك؛ لوقوعها بعد كلام خبري؛ وهو قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا﴾ و"أو" للشك من القائلين ذلك؛ في الآية الكريمة.
التصريح: ٢/ ١٤٤.
٢ ٣٤ سورة سبأ، الآية: ٢٤.
موطن الشاهد: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أو" مفيدة معنى الإبهام على المخاطب؛ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . للإبهام؛ فيكون الشاهد في الثانية، وقال في "المغني": الشاهد في الأولى؛ وقال الدماميني: الشاهد في الأولى والثانية. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٤٥.
٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٣٥.
موطن الشاهد: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أو" مفيدة التفصيل؛ لأن "قالوا" كلام خبري، وهو مشتمل على الواو العائدة على اليهود والنصارى؛ فذكر الفريقين على الإجمال، بالضمير العائد إليهما، ثم فصل ما قاله كل فريق؛ أي: قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى "فأو" لتفصيل الإجمال في فاعل "قالوا" وهو الواو.
التصريح: ٢/ ١٤٥.
٤ قيل: الفرق بين التفصيل والتقسيم، أن الأول: تبيين للأمور المجتمعة بلفظ واحد؛ وأما التقسيم؛ فهو: تبيين لما دخل تحت حقيقة واحدة، وقد مثل المؤلف لكل منهما، ويرى المحققون: ألا فرق بينهما، ولا ضرر من توحيد معناهما وجعلهما مترادفين، والمسألة اصطلاحية محضة.стр. 1013
وللإضراب، عند الكوفيين وأبي علي١؛ حكى الفراء٢ "اذهب إلى زيد أو دع ذلك فلا تبرح اليوم"، وبمعنى الواو، عند الكوفيين٣؛ وذلك عند أمن اللبس؛ كقوله٤: [الكامل]
٤٢١- ما بين ملجم مهره أو سافع٥
الحواشي
(١) ١ ممن ذهب إلى أن "أو" تفيد الإضراب: ابن برهان، وابن جني ومن معهما؛ وهؤلاء ذهبوا إلى أنها تفيد الإضراب مطلقا؛ أي سواء كان المتقدم خبرا مثبتا، أو منفيا، أم كان المتقدم عليها أمرا، أو نهيا؛ وسواء أعيد معها العامل في الكلام المتقدم عليها أم لم يعد. تقول: "أنا مسافر اليوم" ثم يبدو لك، فتقول: "أو مقيم" تريد الإضراب عن الكلام الأول، وإثبات ما بعد أو؛ ومنه قول الشاعر:
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي
ونسب ابن عصفور القول بإفادة "أو" الإضراب إلى سيبويه؛ لكنه قرر أن سيبويه يشترط في إفادتها للإضراب؛ أن يتقدمها نفي أو نهي، وأن يعاد معها العامل ومثال ذلك: قولك: لا يقم بكر أو لا يقم خالد.
التصريح: ٢/ ١٤٥-١٤٦، مغني اللبيب: ٩١، رصف المباني: ١٣١، الجنى الداني: ٢٢٧.
٢ مرت ترجمته.
٣ أي: تكون للدلالة على الاشتراك ومطابق الجمع بين المتعاطفين، ويصح أن يحل محلها الواو؛ ووافق الكوفيين على ذلك: الجرمي، والأخفش، بالشرط الذي ذكره المؤلف.
مغني اللبيب: ٨٨-٨٩، والتصريح: ٢/ ١٤٦.
٤ القائل: هو: حميد بن ثور الهلالي، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٦، والأشموني: ٨٢٨/ ٢/ ٤٢٤، والعيني: ٤/ ١٤٦، والسيرة: ٢٠٠، والمغني: ٩٩/ ٩٠، والسيوطي: ٧٢، وديوان حميد بن ثور: ١١١.
المفردات الغريبة: الصريخ: صوت المستصرخ المستغيث، ويطلق على المستغيث نفسه؛ وكلا المعنيين يصلح هنا، وقد يطلق الصريخ على المغيث، قال تعالى: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ ؛ أي: لا مغيث. ملجم: جاعل اللجام في موضعه من الفرس. مهره: أصله الحصان الصغير، والمراد هنا: الحصان. سافع: قابض على ناصية فرسه. =стр. 1014
وزعم أكثر النحويين١: أن "إما" الثانية في الطلب والخبر، نحو: "تزوج إما
الحواشي
(١) = المعنى: يصف القوم بالشجاعة والنجدة، فيقول: إنه إذا سمعوا استغاثة من أحد؛ أسرعوا لإجابته ونجدته؛ فترى من يلجم فرسه، ومن يأخذ بناصية فرسه حتى يحضر له غلامه اللجام للإسراع في نجدة المستغيث ... إلخ.
الإعراب: قوم: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هم قوم. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط. سمعوا: فعل ماضٍ مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: فاعل، والألف: للتعريف. الصريخ: مفعول به منصوب؛ وجملة "سمعوا الصريخ": في محل جر بالإضافة. رأيتهم: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، و"هم": مفعول به؛ وجملة "رأيتهم": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. ما: زائدة، لا عمل لها. "بين": متعلق بـ"رأى"، وهو مضاف. ملجم: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف. مهره: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة، أو: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. سافع: اسم معطوف على ملجم مهره مجرور مثله.
موطن الشاهد: "بين ملجم مهره أو سافع".
وجه الاستشهاد: استعمال "أو" بمعنى الواو العاطفة؛ وذلك؛ لأن "بين" لا تضاف إلا لمتعدد لفظا ومعنى؛ ولو أبقيت "أو" على معناها -وهو أحد الشيئين أو الأشياء- لأضيفت "بين" إلى واحد، وهو غير سائغ في اللغة.
ونظير البيت الشاهد قول امرئ القيس:
فظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
فـ"أو" هنا بمعنى الواو أيضا.
فائدة: تكون "أو" للتخيير والإباحة بعد الأمر، وتكون للشك والإبهام بعد الجمل الخبرية. وتكون بمعنى التفصيل والإضراب، والواو بعد الطلب وبعد الخبر؛ والأفضل في الإضراب: أن يسبقه نفي أو نهي، وأن يتكرر العامل معه؛ ومعلوم أن هذه المعاني المسموعة خاضعة للسياق، والقرائن لتبين نوع كل منها.
ضياء السالك: ٣/ ١٨٥.
١ فوائد وتوجيهات:
فائدة أولى: لغة أكثر العرب كسر همزة "إما"، ولغة تميم وقيس وأسد فتح همزتها.
فائدة ثانية: يغلب في "إما" تكرارها، وقد تحذف الثانية ويؤتى في الكلام ما يقوم مقامها؛ كما يقال: "إما أن تتكلم بخير وإلا فاسكت"، وقد تحذف الأولى ويُكتفى بالثانية؛ كقول الشاعر:
تلم بدار قد تقادم عهدها ... وإما بأموات ألم خيالها
فالمعنى تلم إما بدار قد تقادم عهدها وإما بأموات. =стр. 1015
هندا وإما أختها" و"جاءني إما زيد وإما عمرو"، بمنزلة "أو" في العطف والمعنى، وقال أبو علي وابنا كيسان١ وبرهان٢: هي مثلها في المعنى فقط، ويؤيده قولهم: إنها مجامعة للواو لزوما، والعاطف لا يدخل على العاطف؛ وأما قوله٣: [البسيط]
٤٢٢- أيما إلى جنة أيما نار٤
الحواشي
(١) = فائدة ثالثة: اتفق النحاة على أن "إما، لا تأتي بمعنى الواو، ولا بمعنى "بل"، وإنما تأتي لما تأتي له "أو" من المعاني المشهورة المتفق عليها؛ وهي التخيير والإباحة بعد الطلب، والشك والإبهام بعد الخبر.
فائدة رابعة: اختلف النحاة في "إما" أمركبة هي أم بسيطة؟ فذهب سيبويه: إلى أنها مركبة من "إن" و"ما"، وذهب غيره من النحاة إلى أنها بسيطة، وضعت هكذا من أول الأمر؛ وهذا الرأي؛ هو الراجح؛ لأن البساطة -أي: عدم التركيب- هي الأصل.
فائدة خامسة: لا خلاف بين النحاة في أن "إما" الأولى غير عاطفة؛ لأنها تقع بين العامل ومعموله؛ نحو: تزوج إما هندا، وإما أختها، واختلفوا في "إما" الثانية؛ فذهب أكثر النحاة: إلى أنها عاطفة والواو قبلها زائدة؛ لكيلا يلزم دخول العاطفة على العاطف. وذهب أبو علي الفارسي وابن كيسان وابن برهان: إلى أن العاطف هو الواو و"إما": دالة على الإباحة، أو التخيير، أو الشك، أو الإبهام. فـ"إما" -عند هؤلاء- مثل "أو" في الدلالة على المعنى فقط؛ وليست مثلها في عطف ما قبلها على ما بعدها، وزعم ابن عصفور: أن النحاة مجمعون على أن "إما" غير عاطفة وزعمه مخالف لما ذهب إليه العلماء.
انظر التصريح: ٢/ ١٤٦، والمغني: ٨٤-٨٧، وحاشية الصبان: ٣/ ١٠٩-١١٠.
١ ابن كيسان مرت ترجمته.
٢ ابن برهان هو أبو القاسم، عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي العكبري، عالم في اللغة والتاريخ، وأيام العرب، تصدر للتدريس ببغداد، ويعرف بشراسة خلقه، على من يقرأ عليه ولا يلبس السراويل، ولا يغطي رأسه؛ له من المصنفات: الاختيار في الفقه، وأصول اللغة، واللمع في النحو، مات سنة: ٤٥٦هـ.
البلغة: ١٣٣، إنباه الرواة: ٢/ ٢١٣، وبغية الوعاة: ٢/ ١٢٠، ومعجم المؤلفين: ٦/ ٢١٠، والأعلام: ٤/ ٣٢٦.
٣ القائل: هو سعد بن قرظ.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يهجو فيه الشاعر أمه وكان عاقا شريرا؛ وصدره قوله:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها =стр. 1016
فشاذ، وكذلك فتح همزتها وإبدال ميمها الأولى.
[معنى لكن وشروط عطفها] :
وأما "لكن" فعاطفة خلافا ليونس١، وإنما تعطف بشروط: إفراد معطوفها، وأن تسبق بنفي أو نهي، وأن لا تقترن بالواو؛ نحو: "ما مررت برجل صالح، لكن
الحواشي
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٦، والأشموني: ٨٣٠/ ٢/ ٤٢٦، والعيني: ٤/ ١٥٣، والمحتسب: ١/ ٤١، ٢٨٤، وشرح المفصل: ٦/ ٧٥، والخزانة: ٤/ ٤٣١، الهمع: ٥/ ١٣٥، والدرر: ٢/ ١٨٢، والمغني: ٨٨/ ٨٥، والسيوطي: ٦٧.
المفردات الغريبة: شالت نعامتها: كناية من كنايات العرب، ومعناها: ماتت؛ وأصل شالت: ارتفعت، والنعامة: باطن القدم، ومن مات ترتفع رجلاه وينخفض رأسه فتظهر نعامته. وقيل النعامة هنا: النعش. أيما: لغة في "إما".
المعنى يتمنى هذا الشاعر العاق لأمه، أن تكون قد ماتت، وسيان -عنده- بعد ذلك، أن يكون مصيرها الذهاب إلى الجنة، أو إلى النار.
الإعراب: يا: حرف تنبيه؛ أو يا: حرف نداء والمنادى محذوف. ليتما: كافة ومكفوفة، لا عمل لها. أمنا: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"نا": مضاف إليه. شالت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. نعامتها: فاعل مرفوع، وهو مضاف، و"ها": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "شالت نعامتها": في محل رفع خبر المبتدأ. ويجوز إعراب ليت: حرف مشبه بالفعل عاملة، و"ما" زائدة غير كافة وأمنا: اسم ليت ومضاف إليه؛ وجملة "شالت نعامتها": في محل رفع خبر "ليت". أيما: حرف دال على التقسيم، لا محل له من الإعراب؛ أو دال على التفصيل. "إلى الجنة": متعلق بـ"شالت". أيما: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. "إلى نار": بـ"أيما" على "إلى الجنة".
موطن الشاهد: "أيما".
وجه الاستشهاد: مجيء "أيما" عاطفة غير مسبوقة بالواو؛ وهذا شاذ، وكذلك فتح همزتها مع قلب ميمها ياء -كما ذكر المصنف- وأما فتح همزتها وحده؛ فلا شذوذ فيه، وإنما هو لغة جماعة من العرب كـ"تميم وقيس وأسد"؛ كما ذكر المؤلف في المتن.
١ فإنها -عنده- مخففة من الثقيلة؛ ومعناها: الاستدراك، وما بعدها معمول بمحذوف يدل عليه المذكور قبلها، وإذا ذكرت معها الواو فالعطف بالواو لا بها.
انظر مغني اللبيب: ٣٨٥-٣٨٦، التصريح: ٢/ ١٤٦-١٤٧.стр. 1017
طالح" ونحو: "لا يقم زيد، لكن عمرو" وهي حرف ابتداء إن تلتها جملة؛ كقوله١: [البسيط]
٤٢٣- إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر٢
أو تلت واوا؛ نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣؛ أي: ولكن كان رسول الله،
الحواشي
(١) ١ القائل: هو زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة، يمدح فيها الشاعر الحارث بن ورقاء الصيداوي. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٧، والأشموني: ٨٣٦/ ٢/ ٤٢٧، والعيني: ٤/ ١٧٨، والهمع: ٢/ ١٣٧، والدرر: ٢/ ١٨٩، والمغني: ٥٤٤/ ٣٨٥، والسيوطي: ٢٣٩، وديوان زهير: ٣٠٦.
المفردات الغريبة: ورقاء: اسم رجل. بوادره: جمع بادرة؛ وهي ما يبدر من الإنسان عند الغضب. وقائعه: جمع وقيعة؛ وهي إنزال الشر بالأعداء. تنتظر: تخشى ويرتقب وقوعها.
المعنى: أن هذا الرجل، لا يخاف منه -عند غضبه وحدته-؛ لأنه يملك نفسه عند الغضب، فلا يغدر ولا يخون؛ ولكن فتكه بأعدائه في الحرب، يرتقب ويخشى منه.
الإعراب: أن: حرف مشبه بالفعل. ابن: اسم "إن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. ورقاء: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. لا: نافية، لا محل له من الإعراب. تخشى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. بوادره: نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه؛ وجملة "تخشى بوادره": في محل رفع خبر "إن". لكن: حرف ابتداء يفيد الاستدراك، لا محل له من الإعراب. وقائعه: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. "في الحرب": متعلق بقوله "تنتظر" الآتي؛ أو بمحذوف حال من "وقائعه" أو من الضمير المستتر في "تنتظر"؛ العائد إلى "وقائعه". تنتظر: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى وقائعه؛ وجملة "تنتظر": في محل رفع خبر المبتدأ.
موطن الشاهد: "لكن".
وجه الاستشهاد: وقوع "لكن" حرف ابتداء، لا حرف عطف؛ لأن الواقع بعدها جملة لا مفرد.
٣ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
موطن الشاهد: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ . =стр. 1018
وليس المنصوب معطوفا بالواو١؛ لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالسلب والإيجاب٢، أو سبقت بإيجاب؛ نحو: "قام زيد لكن عمرو لم يقم"، ولا يجوز "لكن عمرو" على أنه معطوف؛ خلافا للكوفيين.
["بل" معناها وشروط عطفها] :
وأما "بل" فيعطف بها بشرطين؛ إفراد معطوفها٣، وأن تسبق بإيجاب أو أمر أو نفي أو نهي؛ ومعناها بعد الأولين: سلب الحكم عما قبلها وجعله لما بعدها؛ كـ"قام زيد بل عمرو"، و"ليقم زيد بل عمرو"؛ وبعد الأخيرين: تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها٤؛ كما أن لكن كذلك؛ كقولك: "ما كنت في منزل
الحواشي
(١) = وجه الاستشهاد: وقوع "لكن" حرف ابتداء، ورسول الله: خبر لكان المحذوفة، ومضاف إليه؛ والتقدير: ولكن كان رسول الله؛ وليس "رسول" معطوفا على "أبا" بالواو الداخلة على "لكن" عطف مفرد على مفرد، خلافا لـ"يونس"؛ الذي يعد "الواو" عاطفة، و"لكن" حرف استدراك. التصريح: ٢/ ١٤٧.
١ أي: على أنه من عطف مفرد؛ وهو: "رسول الله"؛ علم مفرد؛ وهو: "أبا أحد".
٢ فإن المعطوف عليه؛ وهو: "أبا أحد" منفي، والمعطوف؛ وهو: "رسول الله" مثبت. أما عطف الجملتين بالواو: فيجوز تخالفهما، نفيا وإيجابا؛ تقول: حضر محمد، ولم يحضر علي.
٣ فإن وقع بعد "بل" جملة؛ لم تكن عاطفة، وكانت -حينئذ- حرف ابتداء دال على الإضراب؛ ويكون هذا الإضراب إبطاليا؛ أي: الدلالة على أن ما قيل قبلها كلام باطل، وذلك؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ؛ ونحو قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ؛ وقد يكون نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ . وقد تزاد "لا" قبل "بل"، بعد الإيجاب؛ للدلالة على توكيد الإضراب؛ نحو قوله:
وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس كشفة أو أفول
وقد تزاد "لا" قبل "بل" بعد النفي؛ لتقرير ما قبلها؛ نحو قول الشاعر:
وما هجرتك لا بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخى لا إلى أجل
وهذا البيت رد على ابن درستويه الذي ادعى أن "لا" لا تزاد قبل بل بعد النفي. مغني اللبيب: ١٥١-١٥٣، ورصف المباني: ١٥٣، والجنى الداني: ٢٣٥.
٤ هذا مذهب جمهور النحاة؛ وأجاز المبرد هذا المعنى، كما أجاز أن تكون "بل" بعد =стр. 1019
ربيع بل في أرض لا يهتدى بها"، و"لا يقم زيد بل عمرو"، وأجاز المبرد١ كونها ناقلة معنى النفي والنهي لما بعدها؛ فيجوز على قوله: "ما زيد قائما بل قاعدا"٢؛ على معنى بل ما هو قاعدا، ومذهب الجمهور: أنها لا تفيد نقل حكم ما قبلها لما بعدها إلا بعد الإيجاب والأمر؛ نحو: "قام زيد بل عمرو"، و"اضرب زيدا بل عمرا".
[لا، معناها وشروط عطفها] :
وأما "لا" فيعطف بها بشروط: إفراد معطوفها٣، وأن تسبق بإيجاب أو أمر اتفاقا؛ كـ"هذا زيد لا عمرو"، و"اضرب زيدا لا عمرا"، أو نداء؛ خلافا لابن سعدان٤؛ نحو: "يابن أخي لا ابن عمي" وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على
الحواشي
(١) = النفي والنهي ناقلة حكم ما قبلها لما بعدها؛ فقولك: "ما زيد قائم بل عمرو" معناه -عند الجمهور: انتفاء القيام عن زيد، والحكم بثبوت القيام لعمرو. ولا معنى للكلام سوى هذا عندهم؛ ويحتمل هذا الكلام عند المبرد معنيين؛ أحدهما: ما حكيناه عن الجمهور، والثاني: أن يكون زيد المذكور قبل "بل" غير محكوم عليه بشيء؛ لا بانتفاء القاسم، ولا بثبوته؛ وعمرو المذكور بعد "بل" محكوم عليه بانتفاء القيام عنه؛ الذي كان حكم ما قبل "بل"، وقد بين ذلك المؤلف.
مغني اللبيب: ١٥٢، والتصريح: ١٤٨، المقتضب: ١/ ١٢ و٤/ ٢٩٨.
١ مرت ترجمته.
٢ قال بعضهم: إن مثل هذا الاستعمال، لم يسمع عن العرب؛ لأنه يلزم -عليه- أن "ما" لا تعمل في -قائما- شيئا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي، في المعمول، وقد انتقل عنه؛ وقد رد نحاة آخرون: بأن الانتقاض، جاء بعد مضي العمل، فلا يضر.
انظر التصريح: ٢/ ١٤٨، وحاشية الصبان: ٣/ ١١٢-١١٣.
٣ أي: ولو تأويلا؛ فيجوز أن يقال: قلت: محمد قائم لا قاعد. ولا يعطف بها جملة لا محل لها من الإعراب. ويشترط في المفرد؛ ألا يكون صالحا؛ لأن يكون صفة لموصوف مذكور، أو يكون خبرا، أو حالا؛ فإن صلح لشيء من ذلك؛ كانت "لا" للنفي المحض، وليست عاطفة، ووجب تكرارها؛ نحو قوله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ محمد لا كاتب، ولا شاعر؛ كما يشترط ألا تقترن بعاطف، وإلا كان العطف به؛ وهي لإفادة نفي ما قبلها؛ نحو: جاء محمد لا بل علي.
مغني اللبيب: ٣١٨، الجنى الداني: ٢٩٤، ورصف المباني: ٢٧٥.
٤ هو أبو جعفر؛ محمد بن سعدان الضرير، كان من النحاة الكوفيين الموثوق بهم؛ عالما بالعربي والقراءة، وقد أخذها عن أهل مكة والمدينة وغيرهما، وكان يقرأ بقراءة حمزة، وصنف كتابا في النحو والقراءات؛ له ولد اسمه إبراهيم، كان من أهل العلم والفضل. مات ابن سعدان يوم الأضحى سنة: ٢٣١هـ.
بغية الوعاة: ١/ ١١١.стр. 1020
الآخر، نص عليه السهيلي١؛ وهو حق؛ فلا يجوز "جاءني رجل لا زيد"، ويجوز "جاءني رجل لا امرأة".
وقال الزجاجي٢: وأن لا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماضٍ؛ فلا يجوز "جاءني زيد لا عمرو"٣ ويرده قوله٤: [الطويل]
٤٢٤- عقاب تنوفى لا عقاب القواعل٥
الحواشي
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، وقد مرت ترجمته.
٢ هو: عبد الرحمن بن إسحاق، وقد مرت ترجمته.
٣ وحجته: أن العامل يقدر بعد العاطف، ولا يصح أن يقال: لا جاء عمرو إلا على سبيل الدعاء. حروف المعاني: ٧١.
٤ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
كان دثارا حلقت بلبونه
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٠، والأشموني: ٨٣٧/ ٢/ ٤٢٧، والعيني: ٤/ ١٥٤، والخزانة: ٤/ ٤٧١، والخصائص: ٣/ ١٩١، والمغني: ٤٣٩/ ٣١٨.
المفردات الغريبة: دثار: اسم رجل كان راعيا لامرئ القيس. حلقت: ذهبت وارتفعت. بلبونه: اللبون: الإبل ذوات اللبن. عقاب: طائر معروف من الطيور الكواسر. تنوفى: اسم موضع مرتفع في جبال طيئ، أغير على إبل امرئ القيس من ناحيته. القواعل: موضع دون تنوفى.
المعنى: كأن هذا الراعي -حين أغار عليه الأعداء وشردت إبله بعيدا- طارت بها عقبان ذلك الجبل العظيم، وارتفعت بها فوقه؛ فهو لا يستطيع ردها، ولا الوصول إليها، لا عقبان هذا الجبل الصغير.
الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. دثارا: اسم "كأن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. حلقت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. "بلبونه": متعلق بقوله: "حلقت"، و"لبون" مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. عقاب: فاعل "حلقت" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. =следующие страницы →