Полный текст (1 155 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
فشاذ، وكذلك فتح همزتها وإبدال ميمها الأولى.
[معنى لكن وشروط عطفها] :
وأما "لكن" فعاطفة خلافا ليونس١، وإنما تعطف بشروط: إفراد معطوفها، وأن تسبق بنفي أو نهي، وأن لا تقترن بالواو؛ نحو: "ما مررت برجل صالح، لكن
الحواشي
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٦، والأشموني: ٨٣٠/ ٢/ ٤٢٦، والعيني: ٤/ ١٥٣، والمحتسب: ١/ ٤١، ٢٨٤، وشرح المفصل: ٦/ ٧٥، والخزانة: ٤/ ٤٣١، الهمع: ٥/ ١٣٥، والدرر: ٢/ ١٨٢، والمغني: ٨٨/ ٨٥، والسيوطي: ٦٧.
المفردات الغريبة: شالت نعامتها: كناية من كنايات العرب، ومعناها: ماتت؛ وأصل شالت: ارتفعت، والنعامة: باطن القدم، ومن مات ترتفع رجلاه وينخفض رأسه فتظهر نعامته. وقيل النعامة هنا: النعش. أيما: لغة في "إما".
المعنى يتمنى هذا الشاعر العاق لأمه، أن تكون قد ماتت، وسيان -عنده- بعد ذلك، أن يكون مصيرها الذهاب إلى الجنة، أو إلى النار.
الإعراب: يا: حرف تنبيه؛ أو يا: حرف نداء والمنادى محذوف. ليتما: كافة ومكفوفة، لا عمل لها. أمنا: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"نا": مضاف إليه. شالت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. نعامتها: فاعل مرفوع، وهو مضاف، و"ها": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "شالت نعامتها": في محل رفع خبر المبتدأ. ويجوز إعراب ليت: حرف مشبه بالفعل عاملة، و"ما" زائدة غير كافة وأمنا: اسم ليت ومضاف إليه؛ وجملة "شالت نعامتها": في محل رفع خبر "ليت". أيما: حرف دال على التقسيم، لا محل له من الإعراب؛ أو دال على التفصيل. "إلى الجنة": متعلق بـ"شالت". أيما: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. "إلى نار": بـ"أيما" على "إلى الجنة".
موطن الشاهد: "أيما".
وجه الاستشهاد: مجيء "أيما" عاطفة غير مسبوقة بالواو؛ وهذا شاذ، وكذلك فتح همزتها مع قلب ميمها ياء -كما ذكر المصنف- وأما فتح همزتها وحده؛ فلا شذوذ فيه، وإنما هو لغة جماعة من العرب كـ"تميم وقيس وأسد"؛ كما ذكر المؤلف في المتن.
١ فإنها -عنده- مخففة من الثقيلة؛ ومعناها: الاستدراك، وما بعدها معمول بمحذوف يدل عليه المذكور قبلها، وإذا ذكرت معها الواو فالعطف بالواو لا بها.
انظر مغني اللبيب: ٣٨٥-٣٨٦، التصريح: ٢/ ١٤٦-١٤٧.стр. 1017
طالح" ونحو: "لا يقم زيد، لكن عمرو" وهي حرف ابتداء إن تلتها جملة؛ كقوله١: [البسيط]
٤٢٣- إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر٢
أو تلت واوا؛ نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣؛ أي: ولكن كان رسول الله،
الحواشي
(١) ١ القائل: هو زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة، يمدح فيها الشاعر الحارث بن ورقاء الصيداوي. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٧، والأشموني: ٨٣٦/ ٢/ ٤٢٧، والعيني: ٤/ ١٧٨، والهمع: ٢/ ١٣٧، والدرر: ٢/ ١٨٩، والمغني: ٥٤٤/ ٣٨٥، والسيوطي: ٢٣٩، وديوان زهير: ٣٠٦.
المفردات الغريبة: ورقاء: اسم رجل. بوادره: جمع بادرة؛ وهي ما يبدر من الإنسان عند الغضب. وقائعه: جمع وقيعة؛ وهي إنزال الشر بالأعداء. تنتظر: تخشى ويرتقب وقوعها.
المعنى: أن هذا الرجل، لا يخاف منه -عند غضبه وحدته-؛ لأنه يملك نفسه عند الغضب، فلا يغدر ولا يخون؛ ولكن فتكه بأعدائه في الحرب، يرتقب ويخشى منه.
الإعراب: أن: حرف مشبه بالفعل. ابن: اسم "إن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. ورقاء: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. لا: نافية، لا محل له من الإعراب. تخشى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. بوادره: نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه؛ وجملة "تخشى بوادره": في محل رفع خبر "إن". لكن: حرف ابتداء يفيد الاستدراك، لا محل له من الإعراب. وقائعه: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. "في الحرب": متعلق بقوله "تنتظر" الآتي؛ أو بمحذوف حال من "وقائعه" أو من الضمير المستتر في "تنتظر"؛ العائد إلى "وقائعه". تنتظر: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى وقائعه؛ وجملة "تنتظر": في محل رفع خبر المبتدأ.
موطن الشاهد: "لكن".
وجه الاستشهاد: وقوع "لكن" حرف ابتداء، لا حرف عطف؛ لأن الواقع بعدها جملة لا مفرد.
٣ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
موطن الشاهد: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ . =стр. 1018
وليس المنصوب معطوفا بالواو١؛ لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالسلب والإيجاب٢، أو سبقت بإيجاب؛ نحو: "قام زيد لكن عمرو لم يقم"، ولا يجوز "لكن عمرو" على أنه معطوف؛ خلافا للكوفيين.
["بل" معناها وشروط عطفها] :
وأما "بل" فيعطف بها بشرطين؛ إفراد معطوفها٣، وأن تسبق بإيجاب أو أمر أو نفي أو نهي؛ ومعناها بعد الأولين: سلب الحكم عما قبلها وجعله لما بعدها؛ كـ"قام زيد بل عمرو"، و"ليقم زيد بل عمرو"؛ وبعد الأخيرين: تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها٤؛ كما أن لكن كذلك؛ كقولك: "ما كنت في منزل
الحواشي
(١) = وجه الاستشهاد: وقوع "لكن" حرف ابتداء، ورسول الله: خبر لكان المحذوفة، ومضاف إليه؛ والتقدير: ولكن كان رسول الله؛ وليس "رسول" معطوفا على "أبا" بالواو الداخلة على "لكن" عطف مفرد على مفرد، خلافا لـ"يونس"؛ الذي يعد "الواو" عاطفة، و"لكن" حرف استدراك. التصريح: ٢/ ١٤٧.
١ أي: على أنه من عطف مفرد؛ وهو: "رسول الله"؛ علم مفرد؛ وهو: "أبا أحد".
٢ فإن المعطوف عليه؛ وهو: "أبا أحد" منفي، والمعطوف؛ وهو: "رسول الله" مثبت. أما عطف الجملتين بالواو: فيجوز تخالفهما، نفيا وإيجابا؛ تقول: حضر محمد، ولم يحضر علي.
٣ فإن وقع بعد "بل" جملة؛ لم تكن عاطفة، وكانت -حينئذ- حرف ابتداء دال على الإضراب؛ ويكون هذا الإضراب إبطاليا؛ أي: الدلالة على أن ما قيل قبلها كلام باطل، وذلك؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ؛ ونحو قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ؛ وقد يكون نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ . وقد تزاد "لا" قبل "بل"، بعد الإيجاب؛ للدلالة على توكيد الإضراب؛ نحو قوله:
وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس كشفة أو أفول
وقد تزاد "لا" قبل "بل" بعد النفي؛ لتقرير ما قبلها؛ نحو قول الشاعر:
وما هجرتك لا بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخى لا إلى أجل
وهذا البيت رد على ابن درستويه الذي ادعى أن "لا" لا تزاد قبل بل بعد النفي. مغني اللبيب: ١٥١-١٥٣، ورصف المباني: ١٥٣، والجنى الداني: ٢٣٥.
٤ هذا مذهب جمهور النحاة؛ وأجاز المبرد هذا المعنى، كما أجاز أن تكون "بل" بعد =стр. 1019
ربيع بل في أرض لا يهتدى بها"، و"لا يقم زيد بل عمرو"، وأجاز المبرد١ كونها ناقلة معنى النفي والنهي لما بعدها؛ فيجوز على قوله: "ما زيد قائما بل قاعدا"٢؛ على معنى بل ما هو قاعدا، ومذهب الجمهور: أنها لا تفيد نقل حكم ما قبلها لما بعدها إلا بعد الإيجاب والأمر؛ نحو: "قام زيد بل عمرو"، و"اضرب زيدا بل عمرا".
[لا، معناها وشروط عطفها] :
وأما "لا" فيعطف بها بشروط: إفراد معطوفها٣، وأن تسبق بإيجاب أو أمر اتفاقا؛ كـ"هذا زيد لا عمرو"، و"اضرب زيدا لا عمرا"، أو نداء؛ خلافا لابن سعدان٤؛ نحو: "يابن أخي لا ابن عمي" وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على
الحواشي
(١) = النفي والنهي ناقلة حكم ما قبلها لما بعدها؛ فقولك: "ما زيد قائم بل عمرو" معناه -عند الجمهور: انتفاء القيام عن زيد، والحكم بثبوت القيام لعمرو. ولا معنى للكلام سوى هذا عندهم؛ ويحتمل هذا الكلام عند المبرد معنيين؛ أحدهما: ما حكيناه عن الجمهور، والثاني: أن يكون زيد المذكور قبل "بل" غير محكوم عليه بشيء؛ لا بانتفاء القاسم، ولا بثبوته؛ وعمرو المذكور بعد "بل" محكوم عليه بانتفاء القيام عنه؛ الذي كان حكم ما قبل "بل"، وقد بين ذلك المؤلف.
مغني اللبيب: ١٥٢، والتصريح: ١٤٨، المقتضب: ١/ ١٢ و٤/ ٢٩٨.
١ مرت ترجمته.
٢ قال بعضهم: إن مثل هذا الاستعمال، لم يسمع عن العرب؛ لأنه يلزم -عليه- أن "ما" لا تعمل في -قائما- شيئا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي، في المعمول، وقد انتقل عنه؛ وقد رد نحاة آخرون: بأن الانتقاض، جاء بعد مضي العمل، فلا يضر.
انظر التصريح: ٢/ ١٤٨، وحاشية الصبان: ٣/ ١١٢-١١٣.
٣ أي: ولو تأويلا؛ فيجوز أن يقال: قلت: محمد قائم لا قاعد. ولا يعطف بها جملة لا محل لها من الإعراب. ويشترط في المفرد؛ ألا يكون صالحا؛ لأن يكون صفة لموصوف مذكور، أو يكون خبرا، أو حالا؛ فإن صلح لشيء من ذلك؛ كانت "لا" للنفي المحض، وليست عاطفة، ووجب تكرارها؛ نحو قوله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ محمد لا كاتب، ولا شاعر؛ كما يشترط ألا تقترن بعاطف، وإلا كان العطف به؛ وهي لإفادة نفي ما قبلها؛ نحو: جاء محمد لا بل علي.
مغني اللبيب: ٣١٨، الجنى الداني: ٢٩٤، ورصف المباني: ٢٧٥.
٤ هو أبو جعفر؛ محمد بن سعدان الضرير، كان من النحاة الكوفيين الموثوق بهم؛ عالما بالعربي والقراءة، وقد أخذها عن أهل مكة والمدينة وغيرهما، وكان يقرأ بقراءة حمزة، وصنف كتابا في النحو والقراءات؛ له ولد اسمه إبراهيم، كان من أهل العلم والفضل. مات ابن سعدان يوم الأضحى سنة: ٢٣١هـ.
بغية الوعاة: ١/ ١١١.стр. 1020
الآخر، نص عليه السهيلي١؛ وهو حق؛ فلا يجوز "جاءني رجل لا زيد"، ويجوز "جاءني رجل لا امرأة".
وقال الزجاجي٢: وأن لا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماضٍ؛ فلا يجوز "جاءني زيد لا عمرو"٣ ويرده قوله٤: [الطويل]
٤٢٤- عقاب تنوفى لا عقاب القواعل٥
الحواشي
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، وقد مرت ترجمته.
٢ هو: عبد الرحمن بن إسحاق، وقد مرت ترجمته.
٣ وحجته: أن العامل يقدر بعد العاطف، ولا يصح أن يقال: لا جاء عمرو إلا على سبيل الدعاء. حروف المعاني: ٧١.
٤ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
كان دثارا حلقت بلبونه
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٠، والأشموني: ٨٣٧/ ٢/ ٤٢٧، والعيني: ٤/ ١٥٤، والخزانة: ٤/ ٤٧١، والخصائص: ٣/ ١٩١، والمغني: ٤٣٩/ ٣١٨.
المفردات الغريبة: دثار: اسم رجل كان راعيا لامرئ القيس. حلقت: ذهبت وارتفعت. بلبونه: اللبون: الإبل ذوات اللبن. عقاب: طائر معروف من الطيور الكواسر. تنوفى: اسم موضع مرتفع في جبال طيئ، أغير على إبل امرئ القيس من ناحيته. القواعل: موضع دون تنوفى.
المعنى: كأن هذا الراعي -حين أغار عليه الأعداء وشردت إبله بعيدا- طارت بها عقبان ذلك الجبل العظيم، وارتفعت بها فوقه؛ فهو لا يستطيع ردها، ولا الوصول إليها، لا عقبان هذا الجبل الصغير.
الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. دثارا: اسم "كأن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. حلقت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. "بلبونه": متعلق بقوله: "حلقت"، و"لبون" مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. عقاب: فاعل "حلقت" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. =стр. 1021
[جواز العطف على الظاهر والضمير] :
فصل: يعطف على الظاهر والضمير المنفصل والضمير المتصل المنصوب بلا شرط؛ كـ"مقام زيد وعمرو" و"إياك والأسد"؛ ونحو: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ ١.
[لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد توكيده] :
ولا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل؛ بارزا كان أو مستترا إلا بعد توكيده بضمير منفصل٢؛ نحو: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٣، أو وجود فاصل؛ أي
الحواشي
(١) = تنوفى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذر؛ وجملة "حلقت": في محل رفع خبر "كأن".
لها: حرف عطف، لا محل له من الإعراب.
عقاب: معطوف على عقاب الأول، وهو مضاف.
القواعل: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
موطن الشاهد: "لا".
وجه الاستشهاد: عطف "لا" لـ"عقاب القواعل" على "عقاب تنوفى" والمعطوف عليه معمول لفعل ماضٍ "حلقت"؛ وفي هذا رد على الزجاجي الذي يمنع ذلك؛ حيث يشترط أن يكون المعطوف عليه بـ"لا" غير معمول للفعل الماضي.
١ ٧٧ سورة المرسلات، الآية: ٣٨.
موطن الشاهد: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "الأولين" بالواو على الضمير المتصل الواقع في محل نصب مفعولا به لـ"جمعنا"؛ وهو "كم"؛ وحكم هذا العطف الجواز اتفاقا.
٢ قيل في سبب ذلك: إن المتصل المرفوع؛ كالجزء من عامله المتصل به لفظا ومعنى؛ فالعطف عليه يكون كالعطف على جزء الكلمة؛ فإذا أكد دل على انفصاله فحصل له نوع استقلال.
هذا، ومثل توكيد الضمير المرفوع -توكيدا لفظيا بالضمير المنفصل- توكيده توكيدا معنويا؛ بلفظ من ألفاظ التوكيد المعنوي؛ التي مرت في باب التوكيد؛ ومن ذلك قول الشاعر:
ذعرتم أجمعون ومن يليكم ... برؤيتنا وكنا الظافرينا
فقوله "ومن يليكم": معطوف على تاء المخاطبين في قوله: "ذعرتم"؛ وهذه "التاء" نائب فاعل؛ لأنها، قد أكدت بقوله: "أجمعون".
٣ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٥٤. =стр. 1022
فاصل كان بين المتبوع والتابع؛ نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ١، أو فصل بـ"لا" بين العاطف والمعطوف؛ نحو ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٢، وقد اجتمع الفصلان في نحو: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ ٣، ويضعف بدون ذلك، كـ"مررت بردل سواء والعدم"٤؛ أي: مستوٍ هو والعدم، وهو فاشٍ في الشعر، كقوله٥: [الكامل]
٤٢٥- ما لم يكن وأب له لينالا٦
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "آباؤكم" على الضمير المتصل الواقع في محل رفع اسم "كان" بعد أن أكد الضمير المتصل "التاء" بالضمير المنفصل "أنتم".
١ ١٣ سورة الرعد، الآية: ٢٣.
موطن الشاهد: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "من صلح" بالواو على الضمير المتصل الواو؛ الواقع في محل رفع فاعل لفعل "يدخلونها" بعد أن فصل بين المتعاطفين بضمير النصب "ها".
٢ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٤٨.
موطن الشاهد: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "آباؤنا" على "نا" المتصلة بفعل أشرك، بالواو، وفصل بين العاطف والمعطوف بـ"لا" كما هو واضح: "ولا آباؤنا".
٣ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٩١.
وجه الاستشهاد: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ .
موطن الشاهد: عطف "آباؤكم" بالواو على الضمير المتصل بفعل تعلم؛ وهو "الواو" بعد أن فصل بين المتعاطفين بالتوكيد "أنتم"؛ وفصل بين العاطف "الواو"، والمعطوف "آباؤكم" بـ"لا".
٤ هذه عبارة مأثورة عن العرب، فقد رفع "العدم" بالعطف على الضمير المستتر في "سواء"؛ لأنه مؤول بالمشتق فيتحمل الضمير؛ وليس بينهما فاصل.
٥ القائل: هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته.
٦ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت يهجو فيه الشاعر الأخطل التغلبي وقومه؛ وصدر. قوله:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥١، والأشموني: ٨٤٠/ ٢/ ٤٢٩، والعيني: =стр. 1023
[العطف على الضمير المخفوض] :
ولا يكثر العطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض، حرفا كان أو
الحواشي
(١) = ٤/ ١٦٠، والإنصاف: ٢/ ٤٧٦، والمقرب: ٥٠، والهمع: ٢/ ١٣٨، والدرر: ٢/ ١٨١ والكامل للمبرد "الخيرية": ١/ ١١٩، ٢/ ٣٩، وديوان جرير: ٤٥١.
المفردات الغريبة: رجا: أمل؛ من الرجاء، وهو الأمل في الحصول على الشيء. سفاهة رأيه: ضعف رأيه وفساده.
المعنى: أن الأخطل يرجو ويتمنى -لخفته وضعف رأيه وعدم حصافته- ما لا يمكن أن يناله هو وأبوه من الآمال والأحلام.
الإعراب: رجا: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. الأخيطل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "من سفاهة": متعلق بـ"رجا"، وسفاهة مضاف. رأيه: مضاف إليه، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. ما: نكرة بمعنى شيء؛ أو اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعولا به لـ"رجا" لم: حرف نفي وجزم وقلب. يكن: فعل مضارع ناقص مجزوم، وعلامة جزمه السكون؛ واسمه: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى الأخيطل. وأب: الواو عاطفة، أب: اسم معطوف على الضمير المستتر في "يكن" والعائد إلى الأخطل. "له": متعلق بمحذوف صفة لـ"أب". لينالا: اللام لام الجحود، لا محل له من الإعراب. ينالا: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة وجوبا بعد لام الجحود؛ وعلامة نصبه حذف النون؛ والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل؛ وجملة "ينالا": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": مجرور باللام؛ و"الجار والمجرور"؛ متعلق بخبر يكن؛ وجملة "يكن واسمها وخبرها": في محل نصب صفة لـ"ما" إذا عددناها نكرة تامة بمعنى شيء؛ وصلة للموصول إذا عددناها اسما موصولا بمعنى الذي؛ وعلى هذا التقدير: فالعائد إلى الاسم الموصول محذوف؛ وتقديره: رجا الأخيطل شيئا لم يكن هو وأبوه لينالاه.
موطن الشاهد: "يكن وأب له".
وجه الاستشهاد: عطف "أب" بالواو على الضمير المرفوع المستتر في "يكن" -على رأي الكوفيين- والبصريون لا يجيزون ذلك، ويشترطون تأكيده؛ فلو جاء بالكلام على ما التزمه البصريون؛ لقال: ما لم يكن هو وأب له؛ أو لفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بشيء؛ ومثل هذا الشاهد السابق قول الراعي النميري:
فلما لحقنا والجياد عشية ... دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر
انظر الدرر اللوامع: ٢/ ١٩١.стр. 1024
اسما؛ نحو: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ ١، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ ٢ وليس بلازم، وفاقا ليونس والأخفش والكوفيين، بدليل قراءة ابن عباس والحسن٣ وغيرهما: "تساءلون به والأرحامِ"٤، وحكاية قطرب٥ "ما فيها غيره..............
الحواشي
(١) ١ ٤١ سورة فصلت، الآية: ١١.
موطن الشاهد ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "للأرض" على "الهاء" في "لها" المجرورة باللام، وأعيدت الأم مع المعطوف؛ وحكم إعادة الخافض؛ الجواز مع الكثرة.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٣٣.
موطن الشاهد: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "آبائك" معطوفا على الكاف المخفوضة بإضافة "إله" إليها، وأعيد المضاف؛ وهو "إله" مع المعطوف؛ وأعيد الخافض في هذه الآية والتي قبلها؛ لأن الضمير المخفوض؛ كالتنوين في شدة اللزوم -كما قال الحوفي- وكما لا يعطف على التنوين؛ لشدة لزومه؛ لا يعطف على ما أشبهه. التصريح: ٢/ ١٥١.
٣ عبد الله بن عباس، والحسن البصري؛ وقد مرت ترجمتهما.
٤ ٤ سورة النساء، الآية: ١.
أوجه القراءات: قرأ ابن عباس، والحسن البصري، وحمزة: "والأرحام"، بالجر عطفا على الضمير المتصل الواقع في محل جر بالباء في قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ .
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: " تَسَاءَلُونَ بِهِ "، وقرأ ابن مسعود: "تسألون". البحر المحيط: ٣/ ١٥٧، والتيسير: ٩٣، والحجة: ١٨٨.
موطن الشاهد: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ .
وجه الاستشهاد: جر "الأرحام" وعطفه على الضمير المجرور بالياء -على هذه القراءة- من دون إعادة الجار؛ لأن التقدير: تساءلون به وبالأرحام؛ فدل ذلك على أنه يجوز إعادة الجار، وعدم إعادته.
٥ هو أبو علي، محد بن المستنير البصري النحوي، لازم سيبويه، وأخد عنه كثيرا، وكان يدلج إليه، فإذا خرج سيبويه سحرا رآه على بابه، فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل؛ فلقب به؛ والقطرب: دويبة تسعى طول الليل لا تفتر.
وقد أخذ كذلك، عن عيسى بن عمر، وجماعة من علماء البصرة؛ له مصنفات كثيرة؛ منها: الاشتقاق، والأضداد، ومعاني القرآن، والعلل في النحو، وغير ذلك. مات سنة ٢٠٦هـ.
البلغة: ٢٤٧، إنباه الرواة: ٣/ ٢١٩، بغية الوعاة: ١/ ٢٤٢، الفهرست: ٥٢، الأعلام: ٧/ ٣١٥.стр. 1025
............................... وفرسه"١، قيل: ومنه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢ إذ ليس العطف على السبيل؛ لأنه صلة المصدر٣، وقد عطف عليه ﴿كُفْرٌ﴾ ولا يعطف على المصدر حتى تكمل معمولاته٤.
[عطف الفعل على الفعل] :
ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما؛ سواء اتحد نوعاهما؛ نحو:
الحواشي
(١) ١ هذه قولة لبعض العرب؛ وقد جرت "فرسه" بالعطف على الهاء المجرورة بإضافة "غير" إليها، من غير إعادة الجار، وهو المضاف.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
موطن الشاهد: ﴿كُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "المسجد" على "الهاء" المجرور محلا بالباء، من غير إعادة الخافض؛ لأنه لو أعيد؛ لقيل: وبالمسجد؛ وذكر صاحب التصريح: "وقال في المغني: والصواب أن خفض المسجد بباء محذوفة؛ لدلالة ما قبلها عليها، لا بالعطف؛ ومجموع "الجار والمجرور" عطف على "به".
انظر التصريح: ٢/ ١٥٢.
٣ أي: وهو "صد"؛ لأنه متعلق به.
٤ وذلك، لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي؛ فلو عطف "المسجد" على "سبيل"؛ لكان من جملة معمولات "صد"؛ لأن المعطوف على معمول المصدر، من جملة معمولاته؛ وفي العطف على الضمير المخفوض، يقول الناظم:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النثر والنظم الصحيح مثبتا
والمعنى: أن عود الخافض -عند العطف، على الضمير- أمر لازم عند النحاة؛ ولكنه ليس بلازم، عند ابن مالك؛ لأن عدم إعادته، قد ورد مثبتا في النظم، وفي النثر معا. هذا، وقد استدل من أجاز العطف على الضمير المجرور من دون إعادة الجار، بقول الشاعر:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
حيث عطف "الأيام" على الضمير المخاطب المتصل في قوله: "بك"، من غير إعادة "الجار" مع المعطوف؛ لأنه لو أعاد؛ لقال: فما بك وبالأيام؛ والأمثلة على هذا كثيرة.
انظر التصريح: ٢/ ١٥٢، والمغني: ٧٠٠، وحاشية الصبان: ٣/ ١١٤-١١٥.стр. 1026
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ ١؛ ونحو: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ ٢، أم اختلفا؛ نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٣؛ ونحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ٤ الآية.
[عطف الفعل على الاسم المشبه له في المعنى] :
ويعطف الفعل على الاسم المشبه له في المعنى٥؛ نحو: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا
الحواشي
(١) ١ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٤٩.
موطن الشاهد: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف فعل "نسقيه" على فعل "نحيي"؛ وكلاهما فعل مضارع منصوب؛ وحكم هذا العطف الجواز باتفاق.
٢ ٤٧ سورة محمد، الآية: ٣٦.
موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "تتقوا" على "تؤمنوا"، و"يسألكم" على "يؤتكم"؛ من عطف الشرط على الشرط، والجواب على الجواب؛ وكلاهما فعل مضارع مجزوم؛ وحكم هذا العطف الجواز باتفاق.
٣ ١١ سورة هود، الآية: ٩٨.
موطن الشاهد: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف فعل "أورد" على فعل "يقدم"؛ وأورد ماض، ولكنه مستقبل المعنى؛ لأنه بمعنى يورد؛ والثاني: مضارع؛ وحكم هذا العطف جائز باتفاق.
٤ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ١٠.
موطن الشاهد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "يجعل" وهو مضارع مجزوم على "جعل" الماضي؛ لأنه في محل جزم؛ وهو مستقبل بسبب دخول أداة الشرط عليه؛ التي تستلزم أن يكون زمن فعل الشرط وجوابه مستقبلا، وحكم العطف -هنا- جائز باتفاق.
هذا، ويلاحظ -هنا: أن المصنف مثل للماضي والمضارع ولم يمثل للأمر؛ وذلك لأن فعل الأمر بدون فاعله، لا يكون معطوفا، ولا معطوفا عليه -على الصحيح-؛ لأنه لا يفارق فاعله لا لفظا، ولا تقديرا. ويعرف عطف الفعل وحده على آخر كذلك؛ إذا نصب الفعلان، أو جزما بغير تكرار الناصب، أو الجازم. أما في حالة الرفع في المضارعين؛ فيجوز أن يكون من عطف المفرد، أو الجملة؛ والقرينة هي التي توضح المراد. ضياء السالك: ٣/ ١٩٦.
٥ هو الاسم المشتق العامل؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة والمصدر الصريح أيضا، واسم الفعل في بعض أحواله.стр. 1027
فَأَثَرْنَ﴾ ١؛ ونحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٢؛ ويجوز العكس كقوله٣: [الرجز]
٤٢٦- أم صبي قد حبا أو دارج٤
الحواشي
(١) ١ ١٠٠ سورة العاديات، الآية: ٣، والآية ٤.
موطن الشاهد: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف "أثرن" وهو فعل ماض على "المغيرات"؛ وهو اسم فاعل مشبه للفعل؛ لأنه في تأويل الفعل؛ والتقدير: واللائي أغرن؛ وقيل: إن "أثرن" لا محل لها؛ لأنها معطوفة على صلة أل؛ وهو الرأي الأرجح.
٢ ٦٧ سورة الملك، الآية: ١٩.
موطن الشاهد: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف فعل "يقبضن" على "صافات"؛ وهو اسم فاعل؛ لأنه في معنى "يصففن"؛ ومعنى صافات: ناشرات أجنحتهن في الجو؛ ومعنى يقبضن: يضممن الأجنحة إلى الأجسام.
٣ القائل هو: جندب بن عمرو؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يذكر فيه امرأة الشماخ بن ضرار الغطفاني الشاعر المعروف؛ وصدره قوله:
يا رب بيضاء من العواهج
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٢، والأشموني: ٨٤٤/ ٢/ ٤٣٠.
المفردات الغريبة: العواهج: جمع عوهج؛ وهي في الأصل: الطويلة العنق من الظباء والنوق والنعام؛ والمراد هنا: المرأة التامة الخلق. حبا: زحف ومشى على عجزه. دارج: اسم فاعل، من درج الصبي إذا مشى هينا متقارب الخطو.
المعنى: يريد الشاعر امرأة تامة الخلق، تشبه الظباء في طول عنقها، ولا يكون معها غير صبي يحبو، أو قريب عهد بالمشي لا يكاد يدرك، حتى لا ينم عن اتصاله بها.
الإعراب: يا: للتنبيه. رب: حرف جر شبيه بالزائد. بيضاء: اسم مجرور لفظا بـ"رب" وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف، في محل رفع مبتدأ. "من العواهج": متعلق بمحذوف صفة لـ"بيضاء". أم: بالجر بدل أو عطف بيان على "بيضاء" باعتبار اللفظ؛ وبالرفع باعتبار المحل؛ أو خبر لمبتدأ محذوف، أم: مضاف. صبي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. قد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. حبا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى "صبي"؛ وجملة "حبا": في محل جر صفة لـ"صبي". أو: حرف عطف. دارج: معطوف على =стр. 1028
وجعل منه الناظم: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ١ وقدر الزمخشري عطف "مخرج" على "فالق"٢.
الحواشي
(١) = "حبا"؛ لتأويله بـ"درج"؛ مجرور بالكسرة الظاهرة؛ لأن محل المعطوف عليه "حبا" جر؛ لكونه -كما علمنا- صفة لـ"صبي"؛ وفي هذا شيء من التساهل؛ لأن الذي هو في محل جر، إنما هو الفعل وفاعله معا، وليس للفعل وحده محل.
موطن الشاهد: "دارج". وجه الاستشهاد: عطف الاسم المشبه للفعل "دارج" على الفعل "حبا"؛ وفي هذا تساهل -كما أسلفنا-؛ لأن المعطوف عليه: محل جملة "حبا"؛ لأنها صفة للنكرة؛ فهو من العطف على الجملة؛ لا على الفعل.
وقيل: إن قبل هذا الرجز:
يا ليتني علقت غير حارج ... قبل الصباح ذات خلق بارج
فيكون قوله: "أم صبي" بدلا أو عطف بيان من "ذات خلق بارج" ومعنى غير حارج: غير آثم، ولا واقع في الحرج. وبارج: حسن وجميل.
انظر ضياء السالك: ٣/ ١٩٧.
١ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٩٥.
موطن الشاهد: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ .
وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذه الآية على عطف اسم الفاعل "مخرج" على الفعل "يخرج" -تبعا لابن مالك-؛ ويرى الزمخشري: أن "مخرج" معطوف على "فالق"؛ فيكون من عطف الاسم على الاسم؛ ولكل منهما مرجحان، فمرجح الأول: سلامته من الفصل بين المتعاطفين بجملة، وذكر الشيء ومقابله؛ ومرجح الثاني: عدم التأويل، والتوافق بين نوعي المتعاطفين. التصريح: ٢/ ١٥٣.
٢ فيكون من عطف الاسم على الاسم.
هذا، ويجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها؛ كما يجوز عطف الجملة الفعلية على مثلها؛ بشرط اتفاقهما خبرا أو إنشاء. ويمتنع إن اختلفا في ذلك على الصحيح. أما عطف الاسمية على الفعلية، والعكس؛ فجائز على الراجح. ومن الحكم المأثورة: "للباطل جولة ثم يضمحل"؛ فالجملة المضارعة معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. وقد تعطف الجملة على المفرد، أو العكس؛ إذا كانت الجملة في الحالتين مؤولة بالمفرد؛ كأن تكون نعتا، أو خبرا، أو حالا؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ؛ أي: أو قائلين. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ ؛ فقاعدا معطوف على قوله "لجنبه".стр. 1029
[ما تختص به الفاء والواو] :
فصل: تختص الفاء والواو بجواز حذفهما مع معطوفهما لدليل١؛ مثاله في الفاء: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ ٢؛ أي: فضرب فانبجست، وهذا الفعل المحذوف معطوف على "أوحينا"؛ ومثاله في الواو قوله٣: [الطويل]
٤٢٧- فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلا ليال قلائل٤
الحواشي
(١) ١ وتشاركهما في ذلك "أم" المتصلة؛ كقول الشاعر:
دعاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها
والتقدير: أرشد طلابها أم غي؟ فحذف أم ومعطوفها؛ لانفهام ذلك من همزة الاستفهام. وقيل: إن الهمزة للتصديق؛ فلا تحتاج لمعادل.
ونظير ذلك قول أبي ذؤيب أيضا:
وقال صحابي قد غبنت وخلتني ... غبنت فما أدري أشكلكم شكلي
وتقدير الكلام: فما أدري أشكلكم شكلي أم غيره؟
وإنما اقتصر المؤلف -هنا- على ذكر الواو والفاء -كما اقتصر ابن مالك في الألفية عليهما-؛ لأن حذفهما مع معطوفهما أكثر من ذلك الحذف مع غيرهما.
التصريح: ٢/ ١٥٤.
٢ ٧ سورة الأعراف، الآية: ١٦٠.
موطن الشاهد: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾
وجه الاستشهاد: عطف "فانبجست" على "ضرب" المحذوف؛ والتقدير: فضرب فانبجست؛ والفعل المحذوف "ضرب": معطوف على "أوحينا" من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ ؛ وتسمى الفاء العاطفة على مقدر فاء الفصيحة. التصريح: ٢/ ١٥٣.
٣ هو: النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة للنابغة، يرثي فيها أبا حجدر النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٣، والأشموني: ٨٤٤/ ٢/ ٤٣٠، والعيني: ٤/ ١٦٧، وديوان النابغة الذبياني: ٦٢.
المعنى: لم يكن بيني وبين ما كنت أرجو وأطمع فيه، من خير ونعمة، إلا مدة قليلة؛ لو سلم النعمان، وجاء إلينا؛ ولكن القدر كان له بالمرصاد؛ فذهبت آمالي.
الإعراب: ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. كان: فعل ماض ناقص. "بين": متعلق بمحذوف خبر "كان" تقدم على اسمه، وهو مضاف. الخير: مضاف إليه مجرور. لو: حرف شرط غير جازم. جاء: فعل ماض مبني على الفتح. سالما: حال =стр. 1030
أي: بين الخير وبيني؛ وقولهم: "راكب الناقة طليحان"؛ أي: والناقة.
وتختص الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله١؛ مرفوعا كان؛ نحو؛ ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٢؛ أي: وليسكن زوجك، أو منصوبا؛ نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ ٣؛ أي: وألفوا الإيمان، أو مجرورا، نحو: "ما كل سوداءَ تمرة ولا بيضاءَ شحمة"؛ أي، ولا كل بيضاء.
وإنما لم يجعل العطف فيهن على الموجود في الكلام لئلا يلزم في الأول: رفع
الحواشي
(١) = منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ تقدم على صاحبه "أبو حجر". أبو: فاعل جاء مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. حجر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وجواب "لو" محذوف؛ لدلالة سياق الكلام عليه؛ وجملة "لو وفعلها وجوابها": اعتراضية، لا محل لها؛ لاعتراضها بين خبر كان واسمها. إلا: أداة حصر، لا محل لها من الإعراب. ليال: اسم كان مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. قلائل. صفة لـ"ليال" مرفوعة، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
موطن الشاهد: "وبيني".
وجه الاستشهاد: حذف "الواو" ومعطوفها وهو "وبيني"؛ لأن التقدير: بين الخير وبيني؛ كما ذكر المصنف، والدليل على ذلك: أن "بين" يجب أن تضاف إلى متعدد، كما أسلفنا.
١ انظر هذا الموضوع في مباحث المفعول معه.
٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٣٥.
موطن الشاهد: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء "زوجك" فاعلا لفعل محذوف، معطوف على "سكن"؛ والتقدير: اسكن أنت ولتسكن زوجك؛ فهو من عطف الأمر على الأمر؛ وحكم هذا العطف الجواز باتفاق.
٣ ٥٩ سورة الحشر، الآية: ٩.
موطن الشاهد: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "الإيمان" مفعولا به؛ لفعل محذوف، معطوف على تبوءوا؛ والتقدير: تبوءوا الدار وألفوا الإيمان؛ فهو من عطف جملة على جملة؛ وحكم هذا العطف الجواز.стр. 1031
فعل الأمر للاسم الظاهر١؛ وفي الثاني: كون الإيمان متبوأ، وإنما يتبوأ المنزل٢؛ وفي الثالث: العطف على معمولي عاملين٣؛ ولا يجوز في الثاني أن يكون الإيمان مفعولا معه؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار بمصاحبة الإيمان؛ إذ هو أمر معلوم.
[جواز حذف المعطوف عليه بالفاء والواو] :
ويجوز حذف المعطوف عليه بالفاء والواو٤؛ فالأول كقول بعضهم: "وبك وأهلا وسهلا"، جوابا لمن قال له: مرحبا، والتقدير: ومرحبا بك وأهلا٥، والثاني؛ نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ٦؛ أي: أنهملكم فنضرب، ونحو:
الحواشي
(١) ١ أي: لو جعل "وزوجك" معطوفا على فاعل اسكن المستتر؛ لكان شريكه في عامله؛ والأمر لا يرفع الظاهر.
٢ أي: لو جعل "الإيمان" معطوفا على "الدار"؛ لكان معمولا لتبوءوا؛ والتبوء؛ معناه: التهيؤ. وقيل: إنه يقال: تبوأ فلان الدار، إذا لزمها، وعلى هذا يصح العطف، ولا يحتج إلى تقدير عامل.
٣ ذلك؛ لأن "سوداء": معمول لـ"كل"، و"تمرة" معمول "ما" فلو عطف بيضاء على سوداء، وشحمة على تمرة؛ لزم ذلك المحذور، وهو غير جائز على الأصح عند الجمهور.
التصريح: ٢/ ١٥٤.
٤ ومثلهما "أم" المتصلة، وذلك عند أمن اللبس في الجميع.
٥ الجار والمجرور وهو "بك" متعلقان بكلمة "مرحبا" المحذوفة "وأهلا" الواو عاطفة، و"أهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة؛ عطف مفرد على مفرد؛ فالمعطوف عليه محذوف؛ وهو محل الشاهد، و"سهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة؛ فالمعطوف عليه محذوف. وسيبويه يجعل "مرحبا" و"أهلا" منصوبين على المصدر. ونظير هذه العبارة قول القائل: "وعليكم السلام"؛ جوابا لمن قال: "السلام عليكم"، فالواو في الجواب؛ لعطف كلام المتكلم المجيب، على كلام المخاطب؛ مثلها في العبارة السابقة.
التصريح: ٢/ ١٥٥، كتاب سيبويه: ١/ ٢٩٥.
٦ ٤٣ سورة الزخرف، الآية: ٥.
موطن الشاهد: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف جملة "نضرب" على جملة محذوفة؛ والتقدير: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا؟.стр. 1032
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١؛ أي: أعموا فلم يروا.
الحواشي
(١) ١ ٣٤ سورة سبأ، الآية: ٩.
موطن الشاهد: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: عطف كل من جملتي "نضرب"، و"لم يروا" بالفاء على جملة محذوفة بينها وبين الهمزة؛ لأن المعطوف عليه بالفاء خاص بالجمل؛ والهمزة في الموضعين في موضعها الأصلي؛ وهذا رأي الزمخشري ومن تبعه، واختاره المصنف. غير أن سيبويه والجمهور، يرون: أن الهمزة قدمت من تأخير؛ تنبيها على أصالتها في التصدير؛ ومحلها الأصلي بعد الفاء؛ والأصل: فأنضرب، فألم يروا. والأول أرجح.
ومثال الحذف مع بقاء "أم" المتصلة، قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ؛ فالتقدير: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ... وقد أشار ابن مالك إلى ما تقدم بقوله:
"وحذف متبوع بدا هنا استبح".
والمعنى: أي استبح حذف معطوف عليه ظهر، وذكر في هذا الموضع، وهو العطف بالواو والفاء وأم.
انظر التصريح: ٢/ ١٥٤-١٥٥.
حاشية الصبان: ٣/ ١١٧.
فوائد وملحقات: أ- لا يجوز تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وما ورد من ذلك؛ فهو شاذ يقتصر فيه على المسموع؛ ومنه قول الأحوص:
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
ب- يجوز الفصل بين الواو ومعطوفها بظرف، أو جار ومجرور؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ، ولا يجوز بين الفاء ومعطوفها إلا في الضرورة الشعرية.
ج- الأصل في عطف النسق: المغايرة بين المتعاطفين، فلا يصح عطف الشيء على نفسه. وأجاز بعضهم ذلك إذا اختلف اللفظان لغرض بلاغي، أو لقصد التفسير والتوضيح، ومنه قول الشاعر:
وألفى قولها كذبا ومينا
انظر ضياء السالك: ٣/ ٢٠١.стр. 1033
باب عطف النسق
...
إلى مضاف لما قارنها؛ كقوله١: [الطويل]
٣٨٣- فنعم ابن أخت القوم غير مكذب٢
الحواشي
(١) ١ القائل: هو أبو طالب عم النبي ﷺ ؛ وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: البيت من كلمة يمدح فيها أبو طالب النبي ﷺ ، ويعاتب قريشا على ما كان منها، وهذا البيت يذكر فيه زهير بن أبي أمية -وهو ابن أخته عاتكة- يذكره بالخير؛ لأنه كان أحد الذين نقضوا الصحيفة التي كتبتها قريش لتقاطع آل النبي في حديث معروف.
وما ذكره المصنف صدر بيت وعجزه قوله:
زهير حساما مفردا من حمائل
والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٣٩/ ٢/ ٣٧١، والسيرة: ١٧٦، وتاريخ ابن كثير: ٣/ ٥٦، والعيني: ٤/ ١٥، والهمع: ٢/ ٨٥، والدرر: ٢/ ١٠٩، وديوان أبي طالب: الورقة: ٣.
المفردات الغريبة: حسام، الحسام: السيف القاطع سمي بذلك؛ لأنه يحسم الخلاف بين الناس، حمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف.
المعنى: يمدح أبو طالب زهيرًا ابن أخته بأنه صادق المودة، مخلص لرحمه، لا ينسب إلى الكذب، وهو ماضي العزيمة نسيج وحده، كالسيف الذي يفرد عن حمائله؛ وزهير هذا هو ابن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب؛ أخت أبي طالب، وعمة رسول الله ﷺ وكان زهير أحد الرجال الذين اتفقوا على نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم، وعلقوها في الكعبة؛ ليلجئوهم إلى حمل النبي على ترك دعوته.
الإعراب: نعم: فعل ماضٍ جامد، دال على إنشاء المدح مبني على الفتح. ابن: فاعل نعم مرفوع، وهو مضاف. أخت: مضاف إليه، وهو مضاف. القوم: مضاف إليه. غير: حال من فاعل نعم، وهو مضاف. مكذب: مضاف إليه؛ وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. زهير: مخصوص بالمدح مبتدأ مؤخر، ويجوز أن نعرب "زهير": خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير: هو زهير. حساما -بالنصب- حال من زهير منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ خلافا لرواية العيني بالرفع حيث أعربها صفة لزهير، وإن صحت هذه الرواية -بالرفع- لم يصح الإعراب؛ لأن زهيرا علم، فهو معرفة وحساما نكرة، ومعلوم أن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولهذا تخرج رواية الرفع على أن "حسام": خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو حسام. مفردا: صفة لـ"حسام" منصوب. من: حرف جر. حمائل: اسم مجرور، وجره =стр. 1034
هذا باب البدل ١
[تعريف البدل] :
وهو٢: "التابع، المقصود بالحكم، بلا واسطة".
[محترزات التعريف] :
فخرج بالفصل الأول النعت والبيان والتأكيد؛ فإنها مكملات للمقصود بالحكم.
وأما النسق فثلاثة أنواع:
أحدها: ما ليس مقصودا بالحكم، كـ"جاء زيد لا عمرو" و"ما جاء زيد بل عمرو"، أو "لكن عمرو" أما الأول": فواضح٣؛ لأن الحكم السابق منفي عنه؛ وأما
الحواشي
(١) ١ هذه هي تسمية البصريين؛ لهذا النوع من التوابع، وأما الكوفيون، فيسمونه الترجمة والتبيين؛ حكى ذلك الأخفش، وحكى ابن كيسان أنهم يسمونه؛ التكرير. التصريح: ١/ ١٥٥.
٢ البدل في اللغة العوض، وفي الاصطلاح ما ذكره المؤلف.
والغرض الذي يقصده المتكلم من الإتيان في كلامه بالبدل، بعد ذكره المبدل منه؛ هو إفادة توكيد الحكم، وتقريره، بواسطة ذكر الاسم مقصودا بالحكم، بعد أن يوطئ، ومهد لذلك، بالتصريح بتلك النسبة إلى ما قبله؛ ألا ترى أنك حين تقول: "سمعت أبا الأنوار محمدا"، أو تقول: "أعجبني الأستاذ علمه"، وقد ذكرت الاسم الثاني مقصودا لك، بنسبة الحكم إليه، بعد أن ذكرت هذا الحكم مصرحا بنسبته، إلى الاسم الأول؛ فكنت كمن ذكر الحكم والمحكوم عليه مرتين؛ وهذا هو السر في قولهم: "البدل في حكم تكرير العامل". وانظر حاشية الصبان: ٣/ ١٢٣-١٢٤، والتصريح: ٢/ ١٥٥، وأوضح المسالك: ٣/ ٣٩٩-٤٠٠.
٣ بيان ذلك: أن الحكم في المثال الأول؛ هو إثبات المجيء لزيد؛ وهذا الحكم منفي عن عمرو بواسطة لا.стр. 1035
الآخران: فلأن الحكم السابق؛ هو نفي المجيء، والمقصود به: إنما هو الأول١.
النوع الثاني: ما هو مقصود بالحكم هو وما قبله؛ فيصدق عليه أنه مقصود بالحكم لا أنه المقصود٢، وذلك كالمعطوف بالواو؛ نحو: "جاء زيد وعمرو"، و"ما جاء زيد ولا عمرو".
وهذان النوعان خارجان بما خرج به النعت والتوكيد والبيان.
النوع الثالث: ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله، وهذا هو المعطوف ببَل بعد الإثبات؛ نحو: "جاءني زيد بل عمرو".
وهذا أنوع خارج بقولنا: "بلا واسطة"، وسلم الحد بذلك للبدل.
وإذا تأملت ما ذكرته في تفسير هذا الحد، وما ذكره الناظم وابنه ومن قلدهما علمت أنهم عن إصابة الغرض بمعزل.
[أقسام البدل] :
وأقسام البدل أربعة٣:
الحواشي
(١) ١ وذلك؛ لأن المعطوف ببل والمعطوف بلكن بعد النفي يثبت لهما نقيض الحكم السابق؛ وأما الحكم المذكور؛ فالمقصود به: هو الأول؛ فقولك "ما جاء زيد بل عمرو"؛ معناه: أن عدم المجيء ثابت لزيد وأن عمرا ثبت له المجيء -عند غير المبرد- كما علمت مما تقدم؛ وكذلك شأن مثال لكن.
التصريح: ٢/ ١٥٥.
٢ أي: وحده؛ لأن قوله: "هذا مقصود بالحكم" لا يمنع أن يكون غير المشار إليه مقصودا بالحكم أيضا؛ وأما عبارة "المقصود بالحكم"؛ فتدل على أنه مقصود بالحكم وحده، ولا يشاركه غيره.
انظر التصريح: ٢/ ١٥٥.
٣ زاد بعض النحاة نوعا خامسا؛ سماه: بدل الكل من البعض، واستدل بأمثلة متعددة من القرآن، والحديث، والشعر؛ ففي القرآن قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ؛ فجنات بدل "كل" من الجنة، وهي جمع، والجنة مفرد. ويؤيد ذلك: ما رواه البخاري، عن أنس، أن حارثة أصيب يوم بدر؛ فقالت =стр. 1036
الأول: بدل كل من كل؛ وهو بدل الشي مما هو طبق معناه؛ نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ ١؛ سماه الناظم البدل المطابق؛ لوقوعه في اسم الله تعالى نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ٢، فيمن قرأ بالجر؛ وإنما يطلق "كل" على ذي أجزاء؛ وذلك ممتنع هنا.
الحواشي
(١) = أمه: إن يكن في الجنة صبت، فقال ﵊: "جنة واحدة؛ إنها جنات كثيرة" ...
ومن الشعر قول أحدهم:
كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
"فاليوم" بدل من "غداة" مع أنه يشملها؛ وهي جزء منه. وسمرات: جمع سمرة؛ وهي: شجرة الطلح. ناقف. وجامع الحنظل تدمع عيناه؛ فلهذا شبه به وعيناه تدمعان.
ومثله قول الآخر:
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات.
فإن "طلحة" بدل من قوله: "أعظما"؛ وطلحة كل؛ والأعظم: جمع عظم؛ وهو بعض طلحة.
الهمع: ٢/ ١٢٧، حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٥٥-١٥٦.
١ ١ سورة الفاتحة، الآية: ٦ والآية ٧.
موطن الشاهد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ .
وجد الاستشهاد: وقوع "صراط" الثانية بدل كل من كل من "صراط" الأولى.
٢ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ١.
أوجه القراءات: قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر والحسن: "الله" بالرفع، وقرأ الجمهور: "الله" بالجر. إتحاف الفضلاء: ٢٧١، والتيسير: ١٣٤، وإملاء ما من به الرحمن: ٢/ ٣٦.
موطن الشاهد: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة "الله" بدلا مطابقا من "العزيز"؛ ولا يقال فيه بدل كل من كل؛ لأن مسماه -تعالى- لا يقبل التجزئة. التصريح: ٢/ ١٥٦.
فائدة: لا يحتاج البدل المطابق إلى رابط يربطه بالمتبوع؛ لأنه نفس المبدل منه في المعنى، كما أن الجملة؛ التي هي نفس المبتدأ، في المعنى، لا تحتاج إلى رابط.стр. 1037
والثاني: بدل بعض من كل؛ وهو بدل الجزء من كله١؛ قليلا كان ذلك الجزء أو مساويا، أو أكثر، كـ"أكلت الرغيف ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه".
ولا بد من اتصاله بضمير يرجع على المبدل منه٢: مذكور كالأمثلة المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ٣، أو مقدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٤؛ أي: منهم.
الثالث: بدل الاشتمال، وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالا بطريق الإجمال٥؛ كـ"أعجبني زيد علمه؛ أو حسنه" و"سرق زيد ثوبه، أو فرسه".
الحواشي
(١) ١ ضابطه: أن يكون البدل جزءا حقيقيا من المبدل منه، وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه، ولا يفسد المعنى بحذفه.
٢ أي: ليربط البعض بكله. ويجب في هذا الضمير؛ أن يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما؛ ولا فرق بين أن يتصل هذا الضمير بالبدل مباشرة، أو بلفظ آخر له صلة بالبدل؛ نحو: قابلت العائدين من القتال أربعة منهم.
وقد يغني عن الضمير في إفادة الربط: "أل" عند أمن اللبس؛ نحو: إذا رأيت والدك فقبله اليدا؛ أي: يده، و"إلا" في الاستثناء إذا كان المبدل منه هو المستثنى منه في كلام تام؛ حيث يجوز في المستثنى النصب على الاستثناء، أو الإتباع على البدلية؛ نحو: ما نجح الطلاب إلا واحدا.
٣ ٥ سورة المائدة، الآية: ٧١.
موطن الشاهد: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "كثير" بدلا من الواو الأولى في "عموا"؛ والواو الثانية في "صموا" عائدة على "كثير"؛ لأنه مقدم رتبة؛ والتقدير -والله أعلم: ثم عموا كثير منهم وصموا؛ وإنما قدر هذا التقدير؛ لأنه لو جعل "كثير" بدلا من الواوين معا؛ لزم توارد عاملين على معمول واحد. انظر تفصيل ذلك في التصريح: ٢/ ١٥٦.
٤ ٣ سورة آل عمران: الآية: ٩٧.
موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "من استطاع" بدلا من "الناس"، بدل بعض من كل؛ والضمير العائد إلى المبدل منه مقدر كما بين المؤلف في المتن. التصريح: ٢/ ١٥٧.
٥ لتوضيح هذا التعريف، نقول: إن بدل الاشتمال، تابع يقصد به، تعيين وتوضيح أمر، =стр. 1038
وأمره في الضمير كأمر بدل البعض؛ فمثال المذكور ما تقدم من الأمثلة، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ١؛ ومثال المقدر قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ ٢؛ أي: النار فيه، وقيل: الأصل "ناره" ثم نابت أل عن الضمير.
[البدل المباين وأقسامه] :
والرابع: البدل المباين٣؛ وهو ثلاثة أقسام٤؛ لأنه لا بد أن يكون مقصودا كما تقدم في الحد:
الحواشي
(١) = في متبوعه؛ وهذا الأمر من الأمور العارضة الطارئة التي ليست جزءا أصيلا من المتبوع؛ ويشتمل على هذا الأمر، ويدل عليه "العامل" في المبدل منه، ولكن بطريق إجمالية؛ لأنه لا يليق نسبته إلى ذات المبدل منه. ويرى ابن مالك: أن المشتمل؛ هو المبدل منه. وذهب الفارسي: إلى أنه البدل، وما رآه المؤلف: من أن المشتمل؛ هو "العامل" جدير بالاتباع. وهذا الاشتمال، قد يكون في أمر مكتسب؛ كالعلم والكرم والزهد، أو غير مكتسب؛ ولكنه ملازم لصاحبه؛ كالحسن، أو غير ملازم؛ كالكلام، وقد يكون الاشتمال بطريق التبعية؛ كالثوب والفرس ...
انظر التصريح: ٢/ ١٥٧-١٥٨، وحاشية الصبان: ٣/ ١٢٤-١٢٥، وضياء السالك: ٣/ ٢٠٦-٢٠٧.
١ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
موطن الشاهد: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "قتال" بدل اشتمال من "الشهر"؛ والرابط بينهما الهاء المجرورة محلا بـ"في"؛ وهي متصلة بما يتعلق بالبدل. التصريح: ٢/ ١٥٨.
٢ ٨٥ سورة البروج، الآية: ٤.
موطن الشاهد: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "النار" بدل اشتمال من "الأخدود"؛ واختلف في الرابط، فقيل: محذوف متصل بغير البدل؛ أي: النار فيه؛ وهو قول البصريين؛ وقيل: لا تقدير؛ والأصل: ناره، ثم نابت أل عن الضمير، وهو قول الكوفيين. التصريح: ٢/ ١٥٨.
٣ أي المغاير للمبدل منه.
٤ لا بد من كل من الأقسام الثلاثة أن يكون البدل هو المقصود بالحكم؛ وهذا النوع بأقسامه الثلاثة، لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمتبوع.стр. 1039
تم الأول إن لم يكن مقصودا البتة، ولكن سبق إليه اللسان؛ فهو بدل الغلط، أي: بدل عن اللفظ الذي هو غلط؛ لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم.
وإن كان مقصودا؛ فإن تبين بعد ذكره فساد قصده؛ فبدل نسيان؛ أي: بدل شيء ذكر نسيانا.
وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان، والنسيان متعلق بالجنان١؛ والناظم وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما فسموا النوعين بدل غلط.
وإن كان قصد كل واحد منهما صحيحا؛ فبدل الإضراب، ويسمى أيضا بدل البداء٢.
وقول الناظم: "خذ نبلا مدى" يحتمل الثلاثة؛ وذلك باختلاف التقادير؛ وذلك لأن النبل: اسم جمع للسهم، والمدى: جمع مدية؛ وهي السكين.
فإذا كان المتكلم إنما أراد الأمر بأخذ المدى، فسبقه لسانه إلى النبل؛ فبدل غلط.
وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل، ثم تبين له فساد تلك الإرادة؛ وأن الصواب الأمر بأخذ المدى؛ فبدل نسيان.
وإن كان أراد الأول، ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى وجعل الأول في حكم المتروك؛ فبدل إضراب وبداء.
والأحسن فيهن أن يؤتى ببل٣.
الحواشي
(١) ١ الجنان -بفتح الجيم: هو القلب.
٢ البداء -بفتح الباء وبالدال المهملة: هو ظهور الأمر بعد أن لم يكن ظاهرا؛ والمراد أن يظهر لك الصواب، بعد خفاء حاله عليك.
٣ لئلا يتوهم: أن "مدى" صفة لنبل. والمعنى: نبلا حادا على ما بينه المصنف.
توجيهات: أ- لا يلزم موافقة البدل لمتبوعه في التعريف والتنكير، فقد يكونان معرفتين؛ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ؛ بجر كلمة "الله" على أنها بدل من =стр. 1040
[إبدال الظاهر من الظاهر] :
فصل: يبدل الظاهر من الظاهر كما تقدم.
ولا يبدل المضمر من المضمر، ونحو: "قمت أنت" و"مررت بك أنت" توكيد اتفاقا؛ وكذلك نحو: "رأيتك إياك" عند الكوفيين والناظم١.
[لا يبدل مضمر من ظاهر] :
ولا يبدل مضمر من ظاهر؛ ونحو: "رأيت زيدا إياه" من وضع النحويين، وليس بمسموع.
الحواشي
(١) = "العزيز" وقد يكونان نكرتين؛ كقوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ وقد تبدل المعرفة من النكرة؛ نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ والعكس؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ .
ب- أما الإفراد، والتذكير، وفروعهما؛ فإن كان بدل "كل" طابق مبتوعه فيها، ما لم يمنع مانع عن التثنية أو الجمع؛ كأن يكون أحدهما مصدرا، لا يثنى، ولا يجمع؛ كالمصدر الميمي في الآية السابقة؛ ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾ ، أو قصد التفصيل؛ كقول الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
أما غيره من أنواع البدل؛ فلا يلزم موافقته فيها.
ج- إذا اجتمعت التوابع كلها أو عدد منها؛ قدم النعت، ويليه عطف البيان، فالتوكيد، فالبدل، فعطف النسق.
الأشموني: ٢/ ٤٣٨.
١ لأنه لا فرق -عندهم- في تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل؛ بين المرفوع وغيره. وذهب البصريون إلى أنه بدل؛ لما ثبت عن العرب -كما نقل عن سيبويه، وتلقاه من بعده بالقبول- أنك إذا أردت التوكيد، أتيت بالضمير المرفوع المنفصل؛ فتقول: جئت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت. فإذا أردت البدلية؛ وافقت بين التابع والمتبوع؛ فقلت: جئت أنت، ورأيتك إياك، ومررت به به؛ فيتحد لفظ التوكيد والبدل في المرفوع، ويختلف في غيره. وذهب الكوفيون: إلى أن الضمير الثاني -في حالتي النصب والجر- توكيد للأول؛ كما هو في حالة الرفع، ولو كان موافقا له؛ نحو: رأيتك إياك، ومررت بك بك؛ وبهذا، أخذ ابن مالك.
انظر التصريح: ٢/ ١٩٥-١٦٠.
وضياء السالك: ٣/ ٢١١.стр. 1041
[يجوز إبدال الظاهر من مضمر] :
ويجوز عكسه: مطلقا١ إن كان الضمير لغائب؛ نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٢ في أحد الأوجه٣؛ أو كان لحاضر بشرط أن يكون بدل بعض؛ كـ"أعجبتني وجهك" وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ٤، أو بدل اشتمال، كـ"أعجبتني كلامك" وقول الشاعر٥: [الطويل]
الحواشي
(١) ١ المراد بالإطلاق في هذا الموضع: أن جميع أنواع البدل سواء.
٢ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٣.
موطن الشاهد: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ .
وجه الاستشهاد: إبدال "الذين" من الواو في "أسروا" بدل كل من كل؛ وقيل: الذين فاعل أسروا، والواو: حرف دال على الجمع، لا ضمير -لغة أكلوني البراغيث- وقيل: الذين: مبتدأ مؤخر و ﴿أَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ : خبر مقدم.
التصريح: ٢/ ١٦٠.
٣ هو إبدال "الذين" من الواو في "أسروا" بدل كل من كل. وقيل "الذين": فاعل أسروا؛ والواو حرف دال على الجمع، لا ضمير؛ وهو لغة أكلوني البراغيث؛ وقيل: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ : مبتدأ مؤخر، و ﴿أَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ ؛ خبر مقدم؛ ومثال: بدل البعض: محمد أوثقته يديه؛ والاشتمال: علي استجدته عقله؛ والغلط: إبراهيم ضرته فرسه.
التصريح: ٢/ ١٦٠.
٤ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
موطن الشاهد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "من" الموصولة المجرورة باللام في "لمن" بدلا من ضمير "لكم"، وأعيدت اللام مع البدل للفصل والتوكيد؛ وهذه الإعادة جائزة لا واجبة؛ والجر بها لا باللام الأولى ولا بأخرى مقدرة على الأصح. وزعم الأخفش: أنه بدل كل من كلح ونظير هذه الآية في إبدال الظاهر من الضمير بدل بعض من كل قول الراجز:
أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي فرجلي شثنة المناسم
فإن قوله: "رجلي" بدل بعض من كل؛ والمبدل منه: هو ياء المتكلم الواقعة مفعولا به، في قوله: "أوعدني".
التصريح: ٢/ ١٦٠، والأشموني: ٢/ ٤٣٩.
٥ الشاعر: هو النابغة الجعدي، قيس بن عبد الله، وقيل: حسان بن قيس، وقيل: غير =стр. 1042
٤٢٨- بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا
أو بدل كل مفيد للإحاطة؛ نحو: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ١ ويمتنع إن
الحواشي
(١) = ذلك، يكنى أبا ليلى؛ شاعر مفلق صحابي من المعمرين، كان ممن هجر الأوثان والخمر قبل الإسلام. أسلم وشهد صفين مع علي بن أبي طالب؛ له أخبار كثيرة، وديوان مطبوع؛ مات سنة ٥٠هـ. تجريد الأغاني: ٦١٣، والشعر والشعراء: ٢٨٩، والجمحي: ١٢٣، الأعلام: ٥/ ٢٠٧، السمط: ٢٤٧.
١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وهو من كلمة أنشدها الشاعر بين يدي حضرة النبي ﷺ .
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦١، والأشموني: ٨٥٩/ ٢/ ٤٣٩، والعيني: ٤/ ١٩٣، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ١٦، وجمهرة القرشي: ١٤٨، وديوان النابغة الجعدي: ٦٨، ٧٣.
المفردات الغريبة: بلغنا السماء: وصلنا إليها، وهو كناية عن علو المنزلة. مجدنا؛ المجد كرم الآباء. سناؤنا: السناء: الشرف والرفعة.
المعنى: واضح. وقيل: إنه لما أنشد هذا بين يدي الرسول ﷺ قال له: "إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ "، فقال: الجنة. فقال الرسول ﷺ : "أجل، إن شاء الله".
الإعراب: بلغنا: فعل ماض مبني على السكون، و"نا": في محل رفع فاعل. السماء: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. مجدنا: مجد بدل اشتمال من فاعل "بلغ" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و"نا": في محل جر بالإضافة. وسناؤنا: الواو عاطفة، سناؤنا: معطوف على "مجد" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و"نا" مضاف إليه. وإنا: الواو عاطفة، إنا: حرف مشبه بالفعل. و"نا" اسمها. لنرجو: اللام لام المزحلقة، نرجو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: نحن؛ وجملة "نرجو": في محل رفع خبر "إن". "فوق": متعلق بمحذوف حال من "مظهر" تقدم عليه، وهو مضاف. ذلك: ذا اسم إشارة في محل جر بالإضافة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. مظهرا: مفعولا به منصوب لـ"نرجو".
موطن الشاهد: "مجدنا وسناؤنا".
وجه الاستشهاد: مجيء "مجدنا وسناؤنا" بدل اشتمال من الضمير البارز الواقع فاعلا في "بلغنا".
١ ٥ سورة المائدة، الآية: ١١٤. =стр. 1043
لم يفد؛ خلافا للأخفش؛ فإنه أجاز "رأيتك زيدا"، و"رأيتني عمرا"١.
جواز إبدال كل من الاسم والفعل والجملة من مثله:
فصل: يبدل كل من الاسم، والفعل، والجملة من مثله٢، فالاسم -كما تقدم- والفعل: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ﴾ ٣، والجملة
الحواشي
(١) = موطن الشاهد: ﴿لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع "أولنا وآخرنا" بدل كل من الضمير "نا" المجرور محلا باللام؛ ولهذا، أعيدت اللام جوازا مع البدل مجاراة للمبدل منه؛ وهو مفيد للإحاطة والشمول؛ لأن المراد: بأولنا وآخرنا -جميعا- على عادة العرب؛ من ذكر طرفي الشيء، وإرادة جميعه. التصريح: ٢/ ١٦٢، وضياء السالك: ٣/ ٢١٢.
١ خرج الأخفش المثال الأول على أن "زيدا": بدل من الياء المنصوبة المحل في "رأيتك"، وخرج المثال الثاني على أن "عمرا": بدل من الياء المنصوبة المحل في "رأيتني"، ويؤيد الذي ذهب إليه الأخفش؛ ما حكاه الكسائي -عن بعض العرب- أنه قال: "إلى أبي عبد الله"؛ بإبدال "أبي عبد الله" من ياء المتكلم المجرورة محلا بإلى في قوله: "إلي" كما يؤيده قول الشاعر:
بكم قريش كفينا كل معضلة ... وأم نهج الهدى من كان ضليلا
محل الاستدلال قوله: "بكم قريش"؛ فإن قوله: "قريش" بالجر بدل من كاف المخاطب في قوله: "بكم"؛ والأخفش تابع للكوفيين، فيما ذهب إليه.
التصريح: ٢/ ١٦١.
٢ ويرى بعض النحاة: جواز إبدال الفعل من اسم يشبهه والعكس؛ كما جاز في العطف؛ تقول: محمد متق يخاف ربه، ومحمد يخاف ربه متق؛ وقيل: إن هذا خبر بعد خبر.
حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٦١.
٣ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٦٨.
موطن الشاهد: ﴿يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع فعل "يضاعف" بدل اشتمال من فعل "يلق"؛ لأن ملاقاة الآثام تستلزم مضاعفة العذاب؛ وقيل: بدل كل من كل؛ لأن مضاعفة العذاب هي ملاقاة الآثام.
التصريح: ٢/ ١٦١، وضياء السالك: ٣/ ٢١٣.
وهذه الآية الكريمة مثال لإبدال الفعل من الفعل، بدل كل من كل؛ ومثال بدل البعض فيه قولك: "إن تصل تسجد لله يرحمك" فتسجد بدل من تصل؛ وهو بدل بعض من كل؛ لأن السجود بعض الصلاة؛ ومثال بدل الاشتمال، قول الراجز:
إن علي الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
فإن الأخذ كرها والمجيء طائعا من صفات المبايعة؛ ومثال بدل الغلط فيه قولك: "إن تطعم الفقير تكسه تؤجر".
التصريح: ٢/ ١٦١.стр. 1044
كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ١، وقد تبدل الجملة من المفرد؛ كقوله٢: [الطويل]
٤٢٩- إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان٣
الحواشي
(١) ١ ٢٦ سورة الشعراء، الآية: ١٣٢ والآية: ١٣٣.
موطن الشاهد: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ .
وجه الاستشهاد: وقوع جملة "أمدكم" الثانية بدل بعض من كل من "أمدكم" الأولى؛ لأنها أخص منها؛ لأن "ما تعلمون" يشمل الأنعام وغيرها.
فائدة: تبدل الجملة من الجملة بدل اشتمال؛ كما في قول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
فإن قوله: "لا تقيمن عندنا": بدل من قوله "ارحل"؛ وليس توكيدا له؛ لأنه ليس بلفظه ولا بمعناه؛ وهو بدل اشتمال؛ لما بينهما من التلازم.
أما إبدال الجملة، من الجملة، بدل كل؛ فمنعه البعض، أجازه آخرون، بشرط أن تكون الجملة الثانية، أدل من الأولى على بيان المراد؛ نحو: اقطع عنقود العنب اقطعه. ولا يحتاج هذا النوع من البدل إلى ضمير يعود على المبدل منه؛ لتعذر عودته على الفعل؛ أو على الجملة.
التصريح: ٢/ ١٦٢، والأشموني: ٢/ ٤٤٠.
٢ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته.
٣ تخريج الشاهد: هذا بيت يشكو فيه الشاعر من تفرق حاجاته وتباعد ما بينها، وأنه موزع القلب مشتت البال، ويذكر بعده بيتا آخر، وهو:
سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان
والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٢، والأشموني: ٨٦٣/ ٢/ ٤٤٠، والعيني: ٤/ ٢٠١، والخزانة: ١/ ٣٢٨، والهمع: ٢/ ١٢٨، والدرر: ٢/ ١٦٦ والمغني: ٣٧٢/ ٢٧٣، ٧٨٨/ ٥٥٦، والسيوطي: ١٨٩، ٢٨٤، وهو في ديوان عمر بن أبي ربيعة: ٤٩٥.
المعنى: يشكو الشاعر من تفرق أغراضه، وتباعد ما بين حاجاته؛ فهو لذلك، موزع =стр. 1045
أبدل "كيف يلتقيان" من "حاجة وأخرى" أي: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما.
[الإبدال من اسم مضمن معنى الاستفهام والشرط] :
فصل: وإذا أبدل اسم من اسم مضمن معنى حرف استفهام، أو حرف شرط،
الحواشي
(١) = القلب، مشتت البال؛ لكونه لا يستطيع الجمع بين تلك الأغراض، وهاتيك الحاجات.
الإعراب: "إلى الله": متعلق بقوله "أشكو". أشكو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنا. "بالمدينة": متعلق بمحذوف حال من "حاجة" تقدم عليه؛ والأصل فيه صفة، فلما تقدم على النكرة أعرب حالا. حاجة: مفعول به منصوب لـ"أشكو". وبالشام: الواو عاطفة، "بالشام": معطوف على "بالمدينة". أخرى: معطوف بالواو على "حاجة"؛ وكلاهما معمول لـ"أشكو"؛ لأن العامل في الحال؛ هو العامل في صاحبها، كما هو معلوم؛ وكأنه قال: وأشكو أخرى بالشام. كيف: اسم استفهام مبني على الفتح، في محل نصب على الحال، تقدم على صاحبه وعامله؛ لأن أسماء الاستفهام لها الصدارة في الكلام. يلتقيان: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل.
موطن الشاهد: "كيف يلتقيان".
وجه الاستشهاد: إبدال جملة "كيف يلتقيان" من المفرد "حاجة، وأخرى" بدل كل؛ وسوغ ذلك، أن الجملة في التقدير: بمنزلة المفرد -كما بين المصنف- وما ذهب إليه المصنف؛ هو رأي ابن جني، ومن جاء بعده. وقال الدماميني: يحتمل أن يكون قوله: "كيف يلتقيان؟ " جملة مستأنفة؛ أريد بها التنبيه على سبب الشكوى؛ وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين.
فائدة: قد يبدل المفرد من الجملة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ ؛ فكلمة "قيما": بدل من جملة "لم يجعل له عوجا"؛ لأنها في معنى المفرد؛ أي: جعله مستقيما.
انظر تفصيل هذه المسألة والتي قبلها في:
شرح التصريح: ٢/ ١٦٣.
وهمع الهوامع: ٢/ ٦٢٨.
ومغني اللبيب: ٥٥٧.стр. 1046
ذكر ذلك الحرف مع البدل١؛ فالأول كقولك: "كم مالك أعشرون أم ثلاثون"، و"من رأيت أزيدا أم عمرا"، و"ما صنعت أخيرا أم شرا"٢؛ والثاني نحو: "من يقم إن زيد، وإن عمرو وأقم معه" و"ما تصنع إن خيرا، وإن شرا تجز به" و"متى تسافر إن غدا، وإن بعد غد، أسافر معك"٣.
الحواشي
(١) ١ وذلك؛ ليوافق البدل المبدل منه في تأدية المعنى؛ وهذا، بشرط ألا يظهر حرف الاستفهام مع المبدل منه؛ فإن ظهر، فلا يلي البدل ذلك. ومعنى تضمنه معنى همزة الاستفهام: أنه استفهام يؤدي معنى الهمزة؛ وهذا الاستفهام عام مجمل، وما بعد الهمزة من البدل فرد يدخل ضمنا في اسم الاستفهام المبدل منه، وكذلك يقال في الشرط.
٢ فعشرون وما عطف عليه: بدل تفصيل من "كم"، زيدا: بدل من "مَن"، وخيرا: بدل من "ما"؛ وقرن الجميع بالهمزة لتضمن المبدل منه معنى الاستفهام، وتكرير الأمثلة؛ لأن الاستفهام إما لمعرفة الكميات، أو لتعيين الذوات، أو المعاني.
٣ فزيد وعمرو: بدلان من "مَن"، وخيرا وشرا: بدلان من "ما" الشرطية، وغدا: بدل من "متى"، وقرنت كلها بإن لتضمن المبدل منه معنى الشرط. وكرر الأمثلة؛ للعاقل، وللزمان، والمكان.
انظر التصريح: ٢/ ١٦٣.стр. 1047
الفهارس
...
فهرس أوضح المسالك
الجزء الثالث
الموضوع الصفحة
باب حروف الجر ٣
باب الإضافة ٧٠
باب إعمال المصدر واسم المصدر ١٧٠
باب إعمال اسم الفاعل ١٨١
باب إعمال اسم المفعول ١٩٦
باب أبنية مصادر الثلاثي ١٩٨
باب مصدر غير الثلاثي ٢٠٢
باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبهات بها ٢١٢
باب أبنية أسماء المفعولين ٢١٦
باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد ٢١٨
باب التعجب ٢٢٤
باب نعم وبئس ٢٣٩
باب أفعل التفضيل ٢٥٥
باب النعت ٢٦٩
باب التوكيد ٢٩٣
باب عطف البيان ٣١٠
باب عطف النسق ٣١٧
باب البدل ٣٦٢
стр. 1048
المجلد الرابع
باب النداء
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[هذا باب النداء] :
وفيه فصول١:
الحواشي
(١) ١ النداء؛ معناه لغة: الطلب وتوجيه الدعوة بأي بلفظ كان.
معناه اصطلاحا: طلب المتكلم إقبال المخاطب إليه بالحرف "يا" أو إحدى أخواتها؛ سواء كان الإقبال حقيقيا، أو مجازيا يقصد به طلب الاستجابة؛ كنداء الله .
وقد اختلف النحاة في عامل المنادى؛ فذهب الجمهور إلى أن عامله فعل مضمر وجوبا فيكون المنادى مفعولا به لذلك العام؛ وأما إضمار ذلك العامل فللأسباب الأربعة التالية:
أ- الاستغناء بظهور معناه.
ب- قصدهم بعبارة النداء الإنشاء، وإظهار الفعل يوهم الإخبار فتحاشوا إظهاره.
ج- كثرة استعمال النداء في كلامهم.
د- تعويضهم من هذا الفعل حرف النداء؛ ومعلوم أنه لا يجمع في الكلام بين العوض والمعوض عنه.
وذهب بعض النحاة إلى أن العامل في النداء هو القصد؛ وعليه يكون العامل معنويا لا لفظيا؛ وهذا القول مردود؛ لأنه لم يعهد في عوامل النصب عامل معنوي، وإنما عهد ذلك في عوامل الرفع؛ كالابتداء الرافع للمبتدأ، والتجرد الرافع للفعل المضارع. وذهب أبو علي الفارسي إلى أن العامل في المنادى؛ هو حرف النداء، على سبيل النيابة عن الفعل والعوض به منه، وجعل المنادى مشبها بالمفعول به، لا مفعولا به -كما هو عند الجمهور- ويرد على هذا الرأي؛ بأن حرف النداء يحذف من الكلام، وحينئذٍ يكون العوض والمعوض منه محذوفين؛ ومعلوم أن العرب لا تجمع بين حذف العوض والمعوض عنه، وذهب بعضهم إلى أن العامل في المنادى هو أداة النداء؛ لا لكونها عوضا من الفعل المحذوف -كما قال الفارسي- بل لأن هذه الأول اسم فعل مضارع بمعنى: أدعو؛ وهذا مذهب ضعيف؛ لأن أدوات النداء لو كانت أسماء أفعال؛ لكان فيها ضمير مستتر؛ كما في سائر أسماء الأفعال؛ ولو كانت هذه الأدوات متحملة للضمير؛ لكانت هي والضمير المستتر جملة تامة، يجوز الاكتفاء بها، ولا يحتاج المتكلم إلى ذكر المنادى معها؛ لأنه فضلة، ولم يقل بذلك أحد. وذهب آخرون: إلى أن العامل في المنادى؛ هو أداة النداء على أن تلك الأدوات أفعال، لا أسماء أفعال ولا حروف عوض بها عن أفعال؛ وهذا قول مردود أيضا، والرأي الراجح؛ ورأي الجمهور؛ الذي اختاره ابن مالك.
انظر همع الهوامع: ١/ ١٧١، وحاشية الصبان: ٢/ ١٤١.стр. 1049
الفصل الأول: الأحرف التي ينادى بها وأحكامها:
في الأحرف التي ينبه بها المنادى، وأحكامها:
وهذه الأحرف ثمانية: الهمزة١.
وأي٢ مقصورتين، وممدوتين٣ ويا٤............................
الحواشي
(١) ١ ذهب جمهور النحاة أنها للقريب، وزعم شيخ ابن الخباز أنها للمتوسط، وفي هذا خرق لإجماعهم، وذكر ابن مالك -في شرح التسهيل- أن النداء بها قليل، وفي كلام العرب؛ وتبعه ابن الصائغ -في حواشي المغني- ويقول السيوطي: "وما قالاه مردود، فقد وقفت لذلك على أكثر من ثلاثمائة شاهد، وأفردتها بتأليف".ا. هـ.
ومن شواهد النداء بالهمزة؛ قول امرئ القيس في معلقته:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وقول قيس بن ذريح صاحب لبنى:
ألبنى لقد حلت عليك مصيبتي ... غداة غدٍ إذ حَلَّ ما أتوقع
همع الهوامع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ١٧، ورصف المباني: ٥١.
٢ بفتح الهمزة وسكون الياء والقصر؛ في معناها أقوال؛ قيل للقريب؛ كالهمزة وعليه المبرد والجزولي؛ وقيل للبعيد، كـ "يا" وعليه ابن مالك؛ وقيل للمتوسط. ومن شواهد النداء بها؛ ما ورد في الحديث: "أي رب"؛ وقول الشعر:
ألم تسمعي -أي عبد- في رونق الضحى ... بكاء حمامات لهن هدير
همع الهوامع: ١/ ١٧٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٧. والمغني: ١٠٦.
٣ تقول في حالة القصر: أمحمد؛ أي محمد، وفي حالة المد: آمحمد؛ آي محمد، أما بقية الأحرف؛ فممدودة.
٤ هي أم الباب؛ ومن ثم قال أبو حيان: إنها أعم الحروف، وأنها تستعمل للقريب والبعيد مطلقا؛ وأنه الذي يظهر من استقراء كلام العرب؛ وقال ابن مالك؛ هي للبعيد حقيقة، أو حكما؛ كالنائم والساهي؛ وقد ينادى بها القريب توكيدا؛ وقيل: هي مشتركة بين البعيد والقريب؛ وقيل بينهما وبين المتوسط وذكر ابن الخباز عن شيخه أن "يا" للقريب؛ وهو خرق لإجماعهم.
همع الهوامع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ٤٨٨، ورصف المباني: ٤٥١.стр. 1050
وأيا١، وهيا٢، ووا٣.
فالهمزة المقصورة للقريب إلا إن نزل منزلة البعيد، فله بقية الأحراف كما أنها للبعيد الحقيقي.
وأعمها "يا" فإنها تدخل على كل نداء، وتتعين في نداء اسم الله تعالى، وفي
الحواشي
(١) ١ عند جمهور النحاة لنداء البعيد؛ وفي الصحاح: أنها لنداء القريب والبعيد؛ وقال في المغني: وليس كذلك، ومن شواهد النداء بها؛ قول ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ
الهمع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ٢٩.
٢ "هيا" للبعيد؛ وهاؤه أصل؛ لأن الإبدال نوع من التصريف؛ والتصريف لا يدخل الحروف. وقيل: بدل من همزة "أيا"؛ لأن هذا إبدال لغوي؛ والإبدال التصريفي هو المختص بالأسماء المتمكنة والأفعال؛ ومن شواهد النداء بـ "هيا" قول الشاعر:
هيا أم عمرو هل لي اليوم عندكمْ ... بغيبة أبصار الوشاة سبيلُ
الهمع: ١/ ١٧٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٨، رصف المباني: ٤٠، الجنى الداني: ٥٠٧.
٣ ذكرها ابن عصفور في حروف النداء، واستشهد بقول أحد بني أسد:
وافقعسا وأين مني فقعسُ ... أإبلي يأخذها كروسُ
والجمهور على أن "وا": حرف لا يستعمل في غير الندبة، وحكى بعضهم: أنها تستعمل في غير الندبة قليلا؛ كقول عمر بن الخطاب: "واعجبا لك يا ابن العاص"، وقال في المغني: "وا" على وجهين؛ أحدهما: أن تكون حرف نداء مختصا، بباب لندبة؛ نحو: وازيداه؛ وأجاز بعضهم: استعماله في النداء الحقيقي".ا. هـ.
الهمع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ٤٨٢، والجنى الداني: ٣٥١، ورصف المباني: ٤٣١.
٤ أي: في لفظ الجلالة "الله"؛ وكذلك نداء لفظ "أيها"، و"أيتها"؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ ، ولم يرد عن العرب نداء هذه الأشياء بحرف آخر.стр. 1051
باب الاستغاثة، نحو: "بالله للمسلمين"، وتتعين هي أو "وا" في باب الندبة، و"وا" أكثر استعمالا، منها في ذلك الباب، وإنما تدخل "يا" إذا أمن اللبس؛ كقوله١:
[البسيط]
٤٣٠- وقمت فيه بأمر الله يا عمرا٢
الحواشي
(١) ١ القائل هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله:
حملت أمرا عظيما فاصطبرت له
وهو ثاني ثلاثة أبيات في رثاء أمير المؤمنين، عمر بن عبد العزيز؛ وقبله قوله:
نعي النعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حج بيت الله واعتمرا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٤، والأشموني: "٨٦٥/ ٢/ ٤٤٢" والعيني: ٤/ ٢٢٩، ٢٧٣، والهمع: ١/ ١٨٠، والدرر: ١/ ١٥٥، والمغني: "٦٩٨/ ٤٨٦"، والسيوطي: ٢٦٨، وديوان جرير: ٣٠٤.
المفردات الغريبة: حملت: كلفت. أمرا عظيما: هو الخلافة وتبعاتها الشاقة. اصطبرت: بالغت في الصبر والاحتمال.
المعنى: كلفت الخلافة وعهد إليك بشئون المسلمين في وقت عم فيه الظلم وفشا الجور؛ فصبرت على تلك المشاق، وقمت بما أمر الله؛ فقضيت على الفساد ونشرت العدل بين الناس، فأرضيت الخالق والخلق.
الإعراب: حملت: فعل ماضٍ مبني للمجهول والتاء ضمير متصل في حل رفع نائب منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. فاصطبرت: الفاء عاطفة، اصطبر: فعل ماضٍ مبني على السكون: والتاء في محل رفع فاعل. "له": متعلق بـ "اصطبر". وقمت: الواو عاطفة، قمت: فعل ماضٍ، والتاء: في حل رفع فعل. "فيه": متعلق بـ "قام". "بأمر": متعلق بـ "قام" ايضا. و"أمر": مضاف. الله: "لفظ الجلالة": مضاف إليه مجرور. يا: حرف نداء وندبة. عمرا: منادى مندوب مبني على الضم المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالحركة المناسبة المأتي بها؛ لمناسبة ألف الندبة.
موطن الشاهد: "يا عمرا".
وجه الاستشهاد: استعمال "يا" للندبة؛ لوضوح الأمر وأمن اللبس فإن صدور ذلك بعد موت "عمر" دليل على أن المقصود الرثاء والتوجع لا النداء؛ فهو يعلم أن عمر لن يجيبه، ولن يسمعه، وكذلك اتصال ألف الندبة في آخره دليل على أنه أراد الندبة لا النداء.стр. 1052
[جواز حذف حرف النداء] :
ويجوز حذف الحرف١؛ نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ٢، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ٣، ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ٤، إلا في ثماني مسائل: المندوب نحو: "يا عمرا"، والمستغاث؛ نحو: "يالله"، والمنادى البعيد؛ لأن المراد فيهن إطالة الصوت، والحذف ينافيه، واسم الجنس غير المعين٥؛ كقول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، والمضمر٦؛ ونداؤه شاذ، ويأتي على صيغتي المنصوب والمرفوع؛ كقول بعضهم: "يا إياك قد كفيتك"٧........
الحواشي
(١) ١ أي لفظا فقط، مع مراعاة تقديره، ويتعين تقدير "يا" عند الحذف؛ لكونه أعم حروف النداء استعمالا. وقد مثل المؤلف للمنادى؛ المفرد والشبيه به، والمضاف؛ ليشير إلى أنه لا فرق في أن يكون المنادى أحدا منها.
٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٢٩.
موطن الشاهد: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف حرف النداء "يا"؛ لأن التقدير؛ يا يوسف؛ وحكم هذا الحذف جائز باتفاق.
٣ "٥٥" سورة الرحمن، الآية: ٣١.
موطن الشاهد: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف حرف النداء قبل أيها؛ لأن التقدير: يا أيها الثقلان.
٤ "٤٤" سورة الدخان، الآية: ١٨.
موطن الشاهد: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ .
وجه الاستشهاد: حذف حرف النداء "يا" قبل المنادى المضاف عبد الله؛ قال الدنوشري: ويجوز أن يكون عباد الله مفعولا لـ "أدوا"، والأول أرجح.
٥ هو: النكرة غير المقصودة.
٦ المراد: ضمير المخاطب؛ لأن غيره لا ينادى مطلقا؛ فلا يقال: يا أنا، ولا يا هو. وإنما امتنع الحذف؛ لأن حذف الحرف معه، يفوت الدلالة على النداء. واختلفوا في ضمير المخاطب؛ فقد ذهب أبو حيان إلى أنه لا يجوز نداؤه مطلقا؛ وذهب ابن عصفور إلى أنه مقصور على ضرورة الشعر؛ وأجازه ابن مالك.
التصريح: ٢/ ١٦٥، والأشموني: ٢/ ٤٤٣.
٧ قيل: إن الأحوص اليربوعي، وفد مع ابنه على معاوية؛ فقام الأب فخطب، فلما انتهى قام الابن ليخطب؛ فقال له الأب ذلك؛ أي: قد أغنيتك عن القول. وبعضهم أعرب "يا": للتنبيه، و"إياك" مفعول لفعل محذوف، يفسره: كفيتك" المذكو؛ ويكون من باب الاشغال، ولا شاهديه.
حاشية يس على اتصريح: ٢/ ١٦٤.стр. 1053
وقول الآخر١: [الرجز] .
٤٣١- يا أبجر بن أبجر يا أنتا٢
الحواشي
(١) ١ ينسب هذا البيت إلى الأحوص؛ وينسب إلى سالم بن دارة؛ وهو الصواب.
٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله:
أنت الذي طلقت عام جعثا
والبيت من عدة أبيات؛ يقولها الشاعر في مر بن واقع، وصوب بعضهم الشاهد هكذا:
أنت الذي طلقت عام جعتا
وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٤، والأشموني: "٨٦٦/ ٢/ ٤٤٣، والعيني: ونسبه إلى الأحوص، والهمع: ١/ ١٧٤، والدرر: ١/ ١٥١، ونوادر أبي زيد: ١٦٣ وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٧٩، والإنصاف: ٣٢٥، ٦٨٢، وشرح المفصل: ١/ ١٢٧، ١٣٠ والمقرب: ٣٧، والخزانة: ١/ ٢٨٩، والعيني: ٤/ ٢٣٢.
المفردات لغريبة: الأبجر: المنتفخ البطن. طلقت: فارقت حلائلك. عام جعتا؛ أي: في الوقت الذي وقعت في المجاعة.
المعنى: يذم المخاطب بقوله: يا عظيم البطن وابن عظيمها، أنت الذي فارقت زوجاتك حين لم تجد ما تسد به رمقك وتملأ به كرشك، وأبيت السعي؛ لجلب رزقهن.
الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. أبجر: منادى مفرد علم مبني على الضم في حل نسب. ابن: صفة لـ "أبجر" وهو منصوب لوقوعه تابعًا لمحل المنادى؛ لأن محله النصب، وهو مضاف. أبجر: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، وقد صرفه الشاعر ونونه؛ لضرورة الشعر. يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. أنتا: منادى مبني على ضم مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، والألف للإطلاق. أنت: ضمير رفع منفصل، في محل رفع مبتدأز الذي: اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ. طلقت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء في محل رفع فاعل؛ وجملة "طلقت": صلة للموصول، لا محل لها من الإعراب. "عام": متعلق بـ "طلق". جعتا: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع فاعل، والألف: للإطلاق. وجملة "جعت": في محل جر بالإضافة.
موطن الشاهد: "يا أنتا".
وجه الاستشهاد: نادى الضمير الذي يستعمل في مواطن الرفع وجيء بالضمير المنادى على صيغة الرفع؛ لأنه لما تعذر بناؤه على الضم عدلوا إلى ما هو قريب من البناء على الضم؛ وهو الإتيان به على الصيغة الموضوعة على الرفع. وقيل إن "يا" في البيت المذكور للتنبيه، و"أنت" الأولى مبتدأ والثانية توكيد، والموصول خبر، ولا شاهد فيه حينئذٍ.стр. 1054
واسم الله تعالى إذا لم يعوض في آخره الميم المشددة، وأجازه بعضهم وعليه قول أمية بن الصلت١: [الطويل] .
٤٣٢- رضيت بك اللهم ربًّا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا٢
الحواشي
(١) ١ مرت ترجمته.
٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة طويلة في سيرة ابن هشام، لأمية بن أبي الصلت الذي يقول فيه النبي ﷺ : "آمن لسنه ولم يؤمن قلبه" وذلك أنه كان قد قرأ في الكتب عن مبعث نبي فظن نفسه أنه سيكون هذا النبي، وعندما بعث النبي ﷺ حسده ولم يوفق إلى الإيمان به؛ وقيل: إنه هو الذي أنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٥، والعيني: ٣/ ٢٤٣، وليس في ديوانه.
المفردات الغريبة: أدين: اتخذ دينا، من دان بالشيء، اتخذه دينا.
المعنى: رضيت رضًا بك ربا يا الله، فلن أرى أن أتخذ إلها غيرك أعبده أو أدين له.
الإعراب: رضيت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: في محل رفع فاعل. "بك": متعلق بـ "رضي". اللهم: الله: منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا الله مبني على الضم في محل نصب على النداء، والميم المشددة عوض عن حرف النداء المحذوف.
ربا: حال من لفظ الجلال منصوب؛ أو مفعول به لـ "رضي"، أو تمييز. فلن: الفاء تفريعية، لن: حرف نفي، ونصب، واستقبلا. أرى: فعل مضارع مبني للمجهول منصب بـ "لن" وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، ونائب الفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا. أدين: فعل مضارع مرفوع؛ ارتفع بعد حذف الناصب؛ لأن التقدير: أن أدين؛ مثل "تسمع بالمعيدي"؛ والفعل أنا، وجملة "أدين": في محل نصب مفعول ثانيا "أرى" إن عدت علمية؛ أو في حل نصب على الحال؛ إن عدت بصرية. إلها: مفعول به منصوب لـ "أدين"؛ لأنه بمعنى أعبد غيرك: صفة لـ "إلها" منصوب، وهو مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة. الله: "لفظ الجلالة" منادى بحرف نداء محذوف، مبني على الضم في محل نصب على النداء. ثانيا: صفة لـ "إلها" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره؛ وفي رواية التصريح "راضيا" بدل "ثانيا"؛ فهي حال من فاعل رضيت أو أدين؛ أو مفعول مطلق من "رضيت"؛ والأول أفضل.
موطن الشاهد: "الله".
وجه الاستشهاد: مجيء "الله" في عجز البيت منادى بحرف نداء محذوف ومن دون أن يعوض عنه بالميم المشددة؛ وذلك شاذ، ولا يقاس عليه، وعلمنا سابقا أنه يجب حذف حرف النداء متى لحقت الميم لفظ الجلالة؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض عنه؛ وما جاء مغايرا لذلك؛ فهو مخالف للقياس.стр. 1055
واسم الإشارة، واسم الجنس لمعين١" خلافا للكوفيين فيهما٢، واحتجوا بقوله٣: [الطويل] .
٤٣٣- بمثلك هذا لوعة وغرام٤
الحواشي
(١) ١ المراد به: النكرة المقصودة المبنية على الضم عند ندائها.
٢ يجوز نداء اسم الإشارة على قلة -شريطة أن لا تتصل به كاف الخطاب- إلا في الندبة فيصح؛ فإن اتصلت به الكاف ففي جواز خلاف والصحيح: المنع؛ لاستلزامه اجتماع النقيضين؛ لأن مدلول كاف الخطاب، يخالف مدلول المنادى. وكذلك، يجوز نداء اسم الجنس لمعين قليلا.
واختلف الكوفيون والبصريون في اسم الإشارة، واسم الجنس لمعين، إذا نوديا هل يجب ذكر حرف النداء، أو يجوز ذكره وحذفه؟.
فذهب البصريون إلى وجوب ذكر حرف النداء مع اسم الجنس لمعين، واسم الإشارة؛ ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر. وذهب الكوفيون إلى جواز ذكر حرف النداء وجواز حذفه، واستدلوا على جواز الحذف بما ورد في السماع؛ وقد حملوا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فقدروا أن "هؤلاء" اسم إشارة منادى بحرف نداء محذوف؛ أي: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم؛ وجعلوا من نداء اسم الجنس بحرف نداء محذوف قوله ﵊ حكايةً عن موسى ﵇: "ثوبي حجر"؛ أي: يا حجر. غير أن البصريين، زعموا: أن كل ما احتج به الكوفيون ضرورة. التصريح: ٢/ ١٦٥، وحاشية الصبان: ٣/ ١٣٦-١٣٧.
٣ القائل: هو غيلان بن عقبة المعروف بذي الرمة، وقد مرت ترجمته.
٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله:
إذا هملت عيني لها قال صاحبي
وهو من قصيدة مشهورة له؛ ومطلعها قوله:
عليكن يا أطلال ميٍّ بشارع ... على ما مضى من عهدكن سلامُ
والشاهد من شواهد: التصريح ٢/ ١٦٥، والأشموني: ٨٦٧/ ٢/ ٤٤٣ والعيني: ٤/ ٢٣٥، والهمع: ١/ ١٧٤، والدرر: ١/ ١٥٠، والمغني: "١٠٩٠/ ٨٤٠" وديوان ذي الرمة: ٥٦٣؛ وفيه: "فتنة" بدل "لوعة".следующие страницы →