← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1188

القرآن وإعجازه العلمي

محمد إسماعيل ابراهيم

Полный текст (171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

في القصر والانكماش شيئا فشيئا حتى يصير عند الولادة عصعصة تختفى تحت الجلد في مكان العجز، وفى الاشهر الاخيرة يكون جسم الجنين كله مكسوا بالشعر الذى يبدأ في الزوال قبل الولادة، وهذه هي المراحل التى يمر بها جنين الانسان وهو في ظلام الرحم من أمه يعيد فيها باختصار كل الخطوات التطورية الكبرى التى مر بها أجداده وأسلافه خلال ليل التاريخ الجيولوجي الطويل، ومن أنصع الادلة على هذه التطورات ما ورد في علوم الحفريات من تتبع أطوار النمو في الحيوانات من طبقة إلى طبقة في الصخور، وقد أثبتت الصور الفوتوغرافية الدقيقة التى أخذت للجنين هذه الحالات في بطن أمه يوما بعد يوم بشكل ظاهر للعيان. قال الله تعالى في سورة النحل آية - ٧٨: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون) . تفسير علماء الدين: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تدركون شيئا مما يحيط بكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة وسائل للعلم والادراك لتؤمنوا به عن طريق العلم وتشكروه على ما تفضل به عليكم. النظرة العلمية: يؤكد لنا العلم بدلائله الكثيرة أن حاسة السمع تسبق حاسة البصر في أداء وظيفتها، ولم يكن أحد يعلم ذلك وقت نزول القرآن، وقد ورد تقديم السمع على البصر في أكثر من سبعة عشر موضعا منها قوله تعالى:

стр. 107

(وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة) (الاحقاف آية ٢٦) (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم) (فصلت آية ٢٠) (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (الاسراء ٣٦) ويقرر العلم أن حاسة السمع تبدأ مبكرة في أداء عملها في الاسابيع القليلة الاولى بعد ولادة الطفل، أما البصر فيبدأ عمله في الشهر الثالث ولا يتم تركيز الابصار إلا بعد الشهر السادس، ودليل ذلك أن أذن الطفل تؤدى وظيفتها عقب ولادته لانه إذا سمع صوتا شعر به وأحسه فورا وصدر عنه ما يدل على التأثر به، أما عين الطفل فإنها لا تؤدى وظيفتها إلا بعد فترة من ولادته، ودليل ذلك أنك إذا مددت يدك قريبا منها لا ترمش ولا تتحرك. ومن روعة الاعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه يذكر الفؤاد بعد السمع والبصر لمعنى علمي دقيق أيضا وهو أن اكتساب العلم يحصل بعد الانتقال من مرحلة الادراك الحسى بالسمع والبصر إلى مرحلة الادراك العقلي، وهذه هي طريقة تعلم المعارف والخبرات وكلها تجيئ بحسب الترتيب الذى ذكره القرآن وهو الادراك الحسى أولا ثم الادراك العقلي، ودليل ذلك وأضح في أن الطفل يولد لا يعلم شيئا ثم تتوالى عليه المدركات الحسية وتتكاثر عن طريق السمع ثم اليصر فإذا ما صارت مجموعة المدركات الحسية كافية يأتي دور الفؤاد ليعقل ويعى ما أدركه الطفل منها بحواسه. وهناك حقيقة أخرى في تقديم السمع على البصر وهو أن القرآن يذكر السمع مفردا ويذكر الابصار بصيغة الجمع وفى ذلك سر من أسرار الاعجاز أيضا لان استقبال الاذن للمسموع لا خيار للانسان فيه حيث لا حجاب يحجب وصول

стр. 108

الصوت إلى طبلة الاذن، أما العين فللانسان الخيار في أن يرى أو لا يرى ولها جفون تساعد على ذلك. وقال تعالى في سورة القيامة آية - ٣، ٤: (أيحسب الانسان ألن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوي بنانه) . تفسير علماء الدين: أيحسب الانسان بعد أن خلقناه من عدم أن لن نجمع ما بلى وتفرق من عظامه؟ نعم إننا نقدر على أن نسوي أطراف أصابعه الصغيرة ونجعلها كما كانت قبل الموت فكيف بالعظام الكبار. النظرة العلمية: تدل عبارة تسوية البنان على معنى لم يكشف العلم سره إلا بعد نزول الآية بأكثر من ألف سنة حينما عرف أن لكل بنان بصمة خاصة به، تختلف فيها اتجاهات خطوطها اختلافا واضحا بين فرد وآخر، وبين جميع البشر وقد استخدم الانسان هذه الاختلافات في تحقيق الشخصية عن طريق البصمات وقد أفادت هذه الحقيقة في التعرف على الاشخاص عن طريق بصماتهم في حالة وقوع جرائم يترك الجناة فيها بصماتهم على أي شئ تناولوه. وقال تعالى في سورة فصلت آية - ٥٣، ٥٤: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف

стр. 109

بربك أنه على كل شئ شهيد، ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط) . تفسير علماء الدين: سنريهم آيات وحدتنا وقدرتنا في أقطار السماوات والارض والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والامطار والنبات والاشجار والجبال والبحار وغيرها وسنريهم ما أودعنا في نفوسهم من الحواس والقوى والعقل والروح وما يصيبهم من البلايا والمحن وما نجريه عليهم من النعم، حتى يظهر لهم ما جئت به يا محمد من الحق، أينكرون إظهارنا لهم الآيات؟ أو لم يكف بربك أنه مطلع على كل شئ، ألا إن الكفار في شك من لقاء ربهم لاستبعادهم البعث، ألا إن الله بكل شئ محيط بعلمه وقدرته. النظرة العلمية: تصرح هذه الآية بحقيقة كبرى في ذات الانسان وهى نفسه التى تناول علم النفس دراستها وكشف ما في النفوس البشرية من عوالم مكنونة حافلة بالاسرار وبالعجائب والغرائب من السلوك والمشاعر ومن تقلبات بين طمأنينة وقلق وبين انشغال واستقرار وبين هدوء وانفعال، وكيف أن النفس لها حالات من الرشد والهداية مع النفس اللوامة وحالات من للفجور والطغيان مع النفس الامارة، وإليك بعض الآيات التى تفصح عن أمثال هذه الحالات فقد قال تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (سورة الشمس آية ٧ - ١٠) . (وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى) (سورة يوسف آية - ٥٣)

стр. 110

وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (سورة النساء - ٧٩) (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين) (سورة المائدة آية - ٣٠) . (وفى الارض آيات للمؤمنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون) سورة الذاريات (آية - ١٠) . والحقيقة أن علم النفس قد صارت له أهمية في تفسير تصرفات الناس ودوافعها وأمراضها وعللها، كما أن فيه مجالات لكشف مناطق اللاشعور في الانسان وإظهار عوامل الكبت التى هي سبب العقد النفسية وبيان طرق معالجتها وغير ذلك من مجالات أبحاثه الحيوية المتعددة. وقال تعالى في سورة المائدة آية - ٦: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) .

стр. 111

تفسير علماء الدين: يا أيها المؤمنون إذا قمتم للصلاة ولم تكونوا متوضئين فتوضئوا بغسل وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا رؤوسكم كلها أو بعضها واغسلوا أرجلكم مع الكعبين، وإن كنتم جنبا فاغسلوا جميع أبدانكم بالماء، وإن كنتم مرضى مرضا يمنع استعمال الماء أو كنتم مسافرين وتعذر وجود الماء فعليكم بالتيمم بالتراب الطهور، ما يريد الله فيما أمركم به التضيق عليكم ولكنه شرع ذلك لتطهيركم ظاهرا وباطنا وليتم نعمه عليكم بالهدية والبيان والتيسير لتشكروا الله على هدايته وتمام نعمته بالمداومة على طاعته. النظرة العلمية: يقرر العلم الحديث أن هذه الآية الكريمة تظهر لنا علاقتها بالطب ولاسيما الطب الوقائى للانسان من الامراض الجلدية التى يتعرض لها الانسان إذا لم ينظف أعضاء جسمه وبخاصة المعرضة للعوامل الجوية وما فيها من أتربة وجراثيم وغازات ضارة، ولا شك أن الوجه والايدى والارجل هي أكثر أجزاء الجسم تعرضا للتلوث والتأثر بهذه الميكروبات وهى تعد بملايين الملايين في كل سنتيمتر مكعب من الهواء، وأن الوضوء خمس مرات في اليوم لا يترك مطلقا أي درن على الجسم يخشى منه الضرر وهكذا نرى آيات الله سبقت الحكمة القائلة بأن الوقاية خير من العلاج. وقال تعالى في سورة البقرة آية - ٢٢٢: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن

стр. 112

حتى يطهرن فإذا تطهرن فآتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) . تفسير علماء الدين: يسألونك يا محمد عن إتيان الزوجات زمن المحيض فأجبهم أن المحيض أذى فامتنعوا عن إتيانهن خلال مدته، ولا تأتوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن في المكان الطبيعي، ومن كان وقع منه شئ من ذلك فليتب فإن الله يحب من عباده كثرة التوبة والطهارة من الافذار والفحش. النظرة العلمية: لا يقتصر الاعجاز في هذه الآية على أسلوبها الرفيع ونظمها البديع الذى يجد فيه رجل البلاغة والبيان روعة اللفظ والاداء ودقة التعبير عن الامور الجنسية بل إن إعجازها يتجلى فيما حوت من جلال المعاني الطبية وأغراضها النبيلة، وإليك ما يقرره علم الطب في شأن المرأة الحائضة وضرورة اعتزالها في مدته، وذلك لان دورة الحيض رغم كونها حالة طبيعية إلا أنها تسبب للمرأة آلاما في بدنها وانحرافا في مزاجها يصرفها عن الرغبة في الاتصال الجنسى، وتعاني منه حدة في طبعها، وقد تشعر بمغص شديد تصحبه أحيانا أعراض اضطرابات نفسية، كما أن الجهاز التناسلي للمرأة أيام الحيض يكون معرضا لكثير من العلل لان المهبل في أوقات الحيض يكون ميدانا مفتوحا لغزو أسراب مختلفة من الجراثيم، وإن الوطئ في هذه الفترة يؤدى إلى التهابات بالمبيض قد يسبب العقم أحيانا، كما أنها قد تصيب الرجل بالعدوى فتحدث عنده التهابات في أعضائه التناسلية، ولا شك أن الجماع في المحيض ينذر الرجل بخطر داهم هو في غنى عنه لو خالف هوى

стр. 113

نفسه وأطاع أمر ربه، وهذا هو ما وجهه القرآن للناس لاتباعه والتزامه حرصا على صحتهم وسلامتهم، وما كان أحد يعلم ذلك ولكن كان علمه عند خالق كل شئ وأنزله في قرآنه لحماية عباده من أضرار وأمراض محققة، لان ربنا رؤوف رحيم بعباده. قال تعالى في سورة محمد آية - ٤: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) تفسير علماء الدين: (فإذا لقيتم الذين كفروا في الحرب فأضربوا رقابهم) النظرة العلمية: تبين الآية الكريمة أن أ؟ - ع وأسرع وسيلة للاجهاز على المراد قتله من الاعداء بغير تعذيب له ولا تمثيل به هو ضرب الرقاب لقطعها، إذ ثبت أن الرقبة هي حلقة الاتصال بين الرأس وسائر الجسد، فإذا قطع ما في الرقبة من الجهاز العصبي شلت وظائف الجسم الرئيسية، كما أن قطعها فيه قطع للشرايين والاوردة وبذلك يمتنع وصول الدم إلى المخ، كما تنقطع الممرات الهوائية ويتوقف التنفس وهذا يؤدى إلى إنهاء حياة المضروب سريعا، فسبحان من أحاط علمه بكل ما في جسم الانسان من أعضاء وأعصاب فيها الاسباب المؤدية إلى حياته أو موته، وقد نزلت الآية في وقت كانت السيوف فيه هي أكثر الاسلحة استعمالا وما تزال.

стр. 114

وقال تعالى في سورة محمد آية - ١٥: (مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) . تفسير علماء الدين: صفة الجنة التى وعد الله المتقين فيها أنهار من ماء غير متغير وأنهار من لبن لم يتغير طعمه. النظرة العلمية: قررت الآية الكريمة حقيقة علمية قبل أن يكشف العلم بوسائله وأدواته عالم الميكروبات أي الجراثيم التى توجد في الماء الراكد الذى يصير مستودعا لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التى تصيب الانسان والحيوان بالامراض، فانه لما اخترع الانسان المناظير المكبرة رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملايين الكائنات الدقيقة التى لا ترى بالعين المجردة وتتكاثر بسرعة هائلة فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم وسببا في الامراض والاوبئة التى ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي مكبر الصور إلى درجة كبيرة. وقال تعالى في سورة فصلت آية - ٣٩: ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذى أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير.

стр. 115

تفسير علماء الدين: ومن دلائل قدرة الله تعالى أنك ترى الارض يابسة فإذا أنزلنا عليها الماء تحركت بالنبات وانتفخت وزادت إن الذى أحيا الارض بعد موتها لخليق أن يحيى الموتى من الحيوان إنه على كل شئ تام القدرة. النطرة العلمية: يؤكد القرآن الكريم في كثير من آياته التى نزلت في بيان أهمية الماء بل ضرورته للحياة والاحياء في قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شئ حى) (والذى نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدا ميتا) (وانزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) وتدل أبحاث علم النبات على أن عناصر التربة ومركباتها المختلفة الميتة عندما ينزل عليها ماء المطر تذوب فيه وتتحلل فيسهل وصوله إلى بذور النبات وجذوره حيث تتحول إلى خلايا وأنسجة حية، ولذلك تبدو حية ويزيد حجمها بما يتخللها وما يعلوها من نبات، وقد سبقت الاشارة إلى الماء وأهميته. وقال تعالى في سورة فصلت آية - ٩: (قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين) .

стр. 116

تفسير علماء الدين: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: عجبا لكم! تكفرون بالله الذى خلق الارض في يومين وأنتم مع هذا تجعلون له شركاء متساوين مع ذلك الخالق للارض ومالك العوالم كلها رب العالمين. النظرة العلمية: ذكر الله ﵎ كلمة اليوم والايام في عدة آيات منها: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) سورة الحج آية - ٤٧. (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) سورة السجدة آية - ٥. (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) سورة المعارج آية - ٤ يقول علماء الفلك إن وحدات الزمن التى يستخدمها الناس لتقدير الوقت في دنيانا مرتبطة بالارض ودورانها حول محورها مرة كل ٢٤ ساعة، وحول محورها كل سنة، فإذا ما غادر أحد الارض إلى أي جرم سماوي آخر اختلفت الوحدات الزمنية طولا وقصرا، والآيات الكريمة السابقة تشير إلى هذه الحقيقة العلمية وإلى أن الزمن مختلف في مقداره، وأن هناك سنوات فلكية نسبية يمكن التفرقة بينها، فالسنة الشمسية على الارض تحسب بمقدار الزمن الذى تقطع فيه الارض دروة كاملة حول الشمس في ٣٦٥ يوما شمسيا على حين أن السيارات القريبة من الشمس مثل عطارد فإنه يقطع دورته حول الشمس في ٨٨ يوما،

стр. 117

على حين أن بلوتو وهو أبعد الكواكب السيارة من الشمس وأبطؤها حركة يتم دورته حولها في ٢٥٠ سنة من سنواتنا، فالايام في ملك الله مختلفة طولا وعددا. وقال الله تعالى في سورة الاسراء آية - ٣٢: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) تفسير رجال الدين: ولا تقربوا الزنى بمباشرة أسبابه ودواعيه لانه رذيلة واضحة القبح ويئس طريقا طريقه. النظرة العلمية: لقد أثبت علم الطب أن الزنى فيه أضرار صحية خطيرة تهدد البشرية بالامراض الخبيثة التى يصعب علاجها، فهو السبب المباشر في الزهري وهو مرض يعدى بمجرد اللمس ويؤثر تأثيرا سيئا في الجهار العصبي، وكذلك بسبب مرض السيلان الذى هو من المعضلات المرضية الخطيرة التى حار في علاجها الطب وهو يترك المصاب به في حالة من الالم والمرض يعطلان حركته وبشلان تفكيره ويجعلانه عضو أشل لا فائدة فيه، كما أنه سبب تشويه النسل، وقد ثبت أن كل امرأة اتصلت برجل مصاب بهذه الامراض الخبيثة لابد أن تصاب هي الاخرى بها وإننا نحمد الله تعالى ونشكره على تفضله تعالى بالارشاد إلى كل ما فيه صحة عباده وسلامتهم، فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين يريد بهم الخير دائما.

стр. 118

قال تعالى في سورة الشعراء آية - ١٦٥: (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) . تفسير علماء الدين: قال نبى الله لوط لقومه: أتستمتعون بوطئ المذكور دون الاناث وقد خلقها الله لكم؟ بل أنتم قوم متجاوزون الحد بارتكاب هذه الفاحشة المنكرة. النظرة العلمية: يرى علماء الاجتماع أن هذه الفاحشة المنكرة التى تنفر منها الطباع الكريمة هي أسوأ ما ينزل بالانسان إلى أحط الحضيض من الكرامة الآدمية، وأن إشاعتها وتفشيها وتعودها يؤدى إلى تعطيل سنة الزواج التى هي سنة الله في خلقه والتى هي طريقة التناسل الطبيعية والتكاثر الذى عليه عمارة الارض وإصلاحها، ثم إن علماء الطب يرون في جريمة اللواط من الاخطار الصحية لفاعلها مثل ما يصيب الزناة من أمراض جنسية خبيثة يصعب البرء منها مثل الزهري والسيلان والقرحة والجرب كما أنه يفقد الانسان السيطرة على عملية التبرز فيحدث منه عن غير إرادة، وقد يفضى الامر بالمجنى عليه في هذا الفسق أن يصير مخنثا إذا لزمته هذه العادة من صغره ويفقد بذلك رجولته. قال الله تعالى في سورة النور آية ٢٠: الزانى والزانية فاجلدوا كلا منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)

стр. 119

تفسير علماء الدين: اضربوا كلا من الزانى والزانية مائة جلدة ولا يمنعكم شئ من الرأفة عند تنفيذ الحكم. النظرة العلمية: يرى علماء التشريع أن ضرب الزانى أو الزانية مائة جلدة لا رحمة فيها أمام الناس هو العقاب الرادع لكل من تسول له نفسه ارتكاب هذه الجريمة النكرا وبروا أن القوانين الوضعية التى تعاقب الزانى بالحبس أو التهاون في مؤاخذته باستعمال توافه العقوبات قد أدى إلى إشاعة الفسق والفجور وهانت الاعراض وفسدت النفوس وضاعت الانساب وضاعت كرامة العائلات وقد يؤدى ذلك إلى الدفاع عن الشرف بالقتل والاخذ بالثأر في أعراض المعتدين كرها وغير ذلك من عوامل الهدم والتخريب للمجتمعات. وقال تعالى في سورة النور آية - ٣: الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) . تفسير علماء الدين: المجرم الخبيث الذى من دأبه الزنا ولا يرغب إلا في نكاح مجرمة خبيثة عرفت بالزنا أو الشرك، والخبيثة التى من دأبها الزنا لا يرغب في نكاحها

стр. 120

إلا خبيث عرف بالزنا أو الشرك، ولا يليق هذا النكاح بالمؤمنين لما فيه من مقارفة الفسق والتعرض للتهم. النظرة العلمية: ينظر علم النفس وعلم الاجتماع إلى هذه الآية نظرة علمية تحليلية، فيرى في طبيعة الزانى أنه مخلوق شاذ لا يتفق سلوكه مع سلوك الرجل العادى السوى من الناحية العقلية والنفسية والاخلاقية، وهو يقدم على جريمته النكراء مع من ثمائله الشذوذ في الحالة النفسية والعقلية والاخلاقية ولو أردنا معرفة العوامل التى تحمل الزانى على فحشه هذا نجد أنها شذوذ عن الطبيعة وانحلال في الاخلاق واستسلام للاهواء الشهوانية الفاسدة، وأنه لا يقع في جريمة الزنا إلا من كان فاسقا مستهترا بدينه، أما الرجل المتدين الذى يعبد الله ويخشاه فإنه لا يقع في هذه الفاحشة مهما كانت المغريات لان له من الدين حصانة تحميه وتحقظه من الوقوع في هذه الجريمة النكراء. قال تعالى في سورة ق آية - ٣، ٤: (أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد، قد علمنا ما تنقص الارض منهم وعندنا كتاب حفيظ) تفسير علماء الدين: أبعد أن نموت ونصير ترابا نرجع أحياء؟ ذلك البعث بعد الموت رجع بعيد الوقوع، قد علمنا ما تأخذه الارض من أجسامهم بعد الموت وعندنا كتاب دقيق الاحصاء والحفظ.

стр. 121

النظرة العلمية: تحمل هذه الآية في طياتها معنى القانون العلمي الذى يقول بأن المادة لا تفنى، ودليل ذلك أن الشمعة التي احترقت لم تفن مادتها بل إنها تحولت أثناء احترقها إلى مواد غازية وأخرى سائلة لو جمعها الانسان ووزنها لم يجد بها نقصا عن وزنها السابق قبل احتراقها، وحقيقة عدم فناء المادة قانون الله وسنته في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وقد تكونت الخلائق في أول أمرها من التراب، وبعد ذلك تناسلوا وتغذوا بما تخرجه الارض من نبات وبما يتغذى من الارض من حيوان، ثم إنهم بعد ذلك يقبرون ثم يبعثون ولا ينقصون، أي أن الناس نشئوا نشأتهم الاولى من الارض ثم إنهم إلى الارض يعودون، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى) ومعنى ذلك أن جثة الميت التى تحللت وصارات سائلا تسرب في التراب وغارات انتشرت لم تتبدد، وإنما ترجع إلى أصلها كما كانت دون نقص، وسبحان الله الذى عنده كتاب حفيظ لكل ذرة في السماوات والارض فهو القائل: (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) فكيف يذهب الانسان وهو أشرف المخلوقات هباء ويتبدد سدى، قال تعالى، (أفحسبتم أنا خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) كلا إن مادة الاجسام لا تفنى بعد موتها بل هي باقية موجودة بصور مختلفة وفى حفط من التبدد والضياع بأمر الله.

стр. 122

وقال تعالى في سورة الغاشية آية - ١٩: (أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت؟) . تفسير علماء الدين: أيهمل الناس التدبر في آيات الله فلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت خلقا بديعا يدل على قدرة الله، وإلى السماء التى يشاهدونها دائما كيف رفعت رفعا بعيد المدى بلا عمد تحملها، وإلى الجبال كيف أقيمت شامخة تمسك الارض فلا تميل ولا تميد؟ النظرة العلمية: تدعو هذه الآية الكريمة إلى التفكر في عجائب صنع الله الماثلة في الابل لتكون سفن الصحراء، ويدخل التفكر في خلقها وتكوينها في علم الاحياء، وإلى رفع السماء لتكون سقفا واقيا للارض من الرجوم التى تتساقط عليها من شهب ونيازك وأشعة كونية مهلكة، ويدخل ذلك في علم الفلك، وتدعو هذه الآية إلى التفكر في الجبال وكيف أنها تكونت من حركات الارض الباطنية التى لا يهدأ باطنها من الثوران وكذا التفكر في صخورها المختلفة الانواع ويدخل ذلك في علم الجيولوجيا، وهكذا تبدو آيات الله الخلاق العظيم في قرآنه الكريم لتذكر الناس وتحثهم على التأمل والتفكر والتدبر في آيات الله المحيطة بهم في الارض وفى السماء.

стр. 123

وقال تعالى في سورة الاسراء آية - ٨٥: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) تفسير علماء الدين: يسألك قومك يا محمد بإيعاز من اليهود عن حقيقة الروح، فقل لهم الروح من علم ربى الذى استأثر به، وما أوتيتم من العلم إلا شيئا قليلا في جنب علم الله. النظرة العلمية: يقرر الفلاسفة والعلماء أنه مهما بلغ اجتهادهم وتبحرهم في العلم وأكثروا من التأمل والتفكير في الكون فإنهم أعجر من أن يقطعوا برأى حاسم في حقيقة الروح أو التعرف على أي شئ من ماهيتها، وقد حاول بعض كبار الفلاسفة القدماء أن يحلوا لغز الروح ويكشفوا عن سرها فحاموا حول حماها وأكثروا من التأمل والتفكير في أمرها ولكنهم لم يصلوا إلى شئ يكشف عن جوهرها، وخير ما قيل في الروح ما جاء في آيات الله وأحاديث رسوله عن النفس الانسانية ذاتها وأنها سر مكنون في كيان الانسان مثل الروح من حيث أنها شئ يحس بمختلف الاحاسيس من اطمئنان وقلق وسعادة وشقاء وغير ذلك من تقلب في شتى الانفعالات والحالات الشعورية والوجدانية. وقد اختلف العلماء في معنى الروح الانسانية وكيفية تعلقها بالبدن وسريانها فيه أو في تجردها عنه وأشهر الآراء في ذلك قولان: أولهما - أنها ليست جسما ولا عرضا بل هي جوهر مجرد قائم بنفسه وليس حالا في بدن الانسان ولا متعلقا به تعلقا يسهل زواله بل هو تعلق وسط بين بين

стр. 124

كتعلق العاشق بالمعشوق عشقا جبليا إلهاميا لا ينقطع ما دام البدن صالحا لان يتعلق به. ثانيهما أنها جسم نوراني سرى في الاعضاء سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم لا يتبدل ولا يتحلل، وهو الجسم المعنوي الحامل لصفات الكمال من العقل والفهم داخل الهيكل المحسوس القابل للزوال الذى يطلق عليه مجازا إسم إنسان كما يسمى ضوء الشمس شمسا لان ضوء الشمس قائم بها وتابع لها ويستدل به عليها، كذلك الانسان الظاهر فهو ظل وشبح للانسان الحقيقي لانه مظهر انفعاله ومحل تصرفاته وهو المراد بقوله تعالى: (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) أي في أحسن حالة من الفطرة التى تقر وتعترف بالربوبية لخالقها والمزودة بالغرائز المستعدة لادراك الحقائق الكلية والجزئية. ويقول ابن القيم وهو من أصحاب الرأى في هذا البحث: إن الارواح أجساد حاملة لاغراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة ومميزة للاشياء وأنها مخالفة في الماهية لهذه الاجسام المحسوسة، وأن الروح جسم نوراني خفيف متحرك في جوهر الاعضاء يسرى فيها سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون، والنار في الفحم. وقال تعالى في سورة الحج آية - ٧٣: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وأن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)

стр. 125

تفسير علماء الدين: يا أيها الناس (والمراد أهل مكة وغيرهم) : إنا نبرز أمامكم حقيقة عجيبة في شأنها فاستمعوا إليها وتدبروها: إن أصنامكم لن تستطيع أبدا خلق شئ مهما يكن تافها حقيرا كالذباب وإن تضافروا جميعا على خلقه، بل إن هذا المخلوق التافه لو سلب من الاصنام شيئا من القرابين التى تقدم إليها فإنها لا تستطيع بحال من الاحوال أن تمنعه عنه أو تسترده منه، وما أضعف الذى يهزم أمام الذباب عن استرداد ما سلبه منه، وما أضعف نفس الذباب، كلاهما شديد الضعف، بل الاصنام أشد ضعفا، فكيف يليق بإنسان عاقل أن يعبدها ويلتمس النفع منها؟ ! النظرة العلمية: لقد جاءت في القرآن آيات نزلت تتحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، وتكرر في القرآن هذا التحدي البيانى الذى كانوا يفتخرون ببراعتهم وتفوقهم فيه فعجزوا عن أن يأتوا بأصغر سورة من مثله، ثم إن القرآن بعد ذلك تحدى الناس جميعا تحديا ماديا أن يخلقوا ذبابة وهى حشرة ضئيلة فلم يقدروا كذلك، واستمر هذا التحدي قائما إلى عصرنا هذا أي بعد أكثر من ألف سنة من نزول القرآن وبعد أن تقدم العلم تقدما هائلا وبلغت التكنولوجيا ذروتها في التطور والاختراع، فهل تستطيع دولة العلم بعد ما بلغت ما بلغت من التفوق أن يقف الناس أمام هذا التحدي المادى ويصنع ذبابة واحدة؟ ثم يسألهم هل لو بسلبهم الذباب حياتهم بمرض فتاك ينفل جراثيمه إليهم هل يمكنهم استرداد حياتهم؟ إن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز حقا قديما وحديثا، وكتابه الذى لا ريب فيه، ونختم كلامنا بأن القرآن معجزة خالدة ولكن إعجازها لا يقتصر على الاسلوب البيانى المعجز وإنما فيما حوى من منهج

стр. 126

على تناول حقائق الاكوان والانسان والحيوان والنبات والحشرات وغير ذلك لان القرآن لم ينزل للعرب فقط وإنما نزل للناس كافة وفيهم من لا يعرفون العربية فكيف يكون الاعجاز القرآني مفهوما لديهم؟ لقد تبين لهم هذا الاعجاز عن طريق المناهج العلمية والتشريعية والاصلاحية التى هي من أسرار الاعجاز العليا للقرآن والتى كلما تجلت علميا زانها الاداء البيانى البليغ والاسلوب القرآني الرائع في مبناه ومعناه. قال تعالى في سورة الرعد آية - ٣: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) تفسير علماء الدين: وجعل الله سبحانه من الثمرات الانواع المتقابلة أصنافا منها الحلو والحامض ومنها الابيض والاسود. النظرة العلمية: يقرر العلم الحديث أن أزهار النباتات على اختلاف أنواعها تنقسم ثلاثة أقسام: أزهار مذكرة وأزهار مؤنثة وأزهار خنثى تجمع الناحيتين من عضو التذكير وعضو التأنيث معا، ومن الامثلة الموضحة لذلك النخيل فمنه نوع مذكر وآخر مؤنث، ونبات الذرة يحمل في وقت واحد أزهارا مذكرة وأخرى مؤنثة ونبات القول له زهرة تجمع بين عضوى التأنيث والتذكير معا

стр. 127

وقال الله تعالى في سورة يس آية - ٦٥: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) . تفسير علماء الدين: اليوم نغطى على أفواههم فلا تنطق وتكلمنا أيهديهم وتنطق أرجلهم شاهدة عليهم بما كانوا يعملون) . النظرة العلمية: رأى العلم في هذه الحقيقة الكبري أن الاعضاء وهى حية ليست مركبة إلا من جزئيات وذرات تكونت وتجمعت فكانت أجساما وسيبعث الانسان على هيئته الاولى كما كان في الحياة بأعضائه جميعا وما انطبع عليها من آثار، وهذه عملية سهلة بالنسبة للخالق القادر الذى يقول في كتابه الحكيم: (وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وله المثل الاعلى في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم) . وقد أنطق الانسان الجماد في عديد من مخترعاته في الحاكى وفى شرائط التسجيلات الصوتية، ولم يقتصر على هذا بل اخترع جهازا اليكترونيا يقرأ الصحف والمجلات وغيرها من المطبوعات للعميان الذين فقدوا نعمة الابصار، كما اخترع تليفونا يسجل الرسائل التى تصل إلى صاحبه في أثناء غيابه عن منزله أو عمله ثم يعيد عليه ما سجله عند عودته. وها هم رجال المخابرات يسجلون أقوال المتهمين آليا وهم لا يشعرون، ويجب أن يعرف كل إنسان أن مخابراتنا موجودة في أجسامنا ومنطبعة في حواسنا

стр. 128

وكأنها شرائط تسجيل، وهى شهود لنا أو علينا يوم الجزاء في المحكمة الكبرى التى لن يكون قاضيها من قضاة البشر إنما قاضيها رب العالمين أحكم الحاكمين. فإذا كان الانسان هذا المخلوق الضعيف توصل بعلمه المحدود إلى هذه المخترعات فهل يشك أحد في قدرة الخالق على إنطاق أعضاء الجسم بكل أعمالها المسجلة عليها. وقال تعالى في سورة النحل آية - ٧٠: والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير " تفسير علماء الدين: والله خلقكم وقدر لكم آجالا مختلفة، منكم من يتوفاه مبكرا، ومنكم من يبلغ أرذل العمر فيرجع بدلك إلى حال الضعف إذ تأخذ حيوته في الهبوط التدريجي فيقل نشاط الخلايا وتهن العظام والعضلات والاعصاب فتكون عاقبته أن يفقد كل ما كان عليه، إن الله عليم بأسرار خلقه، قادر على تنفيذ ما يريده. النظرة العلمية: من عجائب بلاغة القرآن وأسرار إعجازه أنه يأتي بتعبيرات علمية غاية في الدقة ولا يعقلها إلا العالمون، فعبارة - لكيلا يعلم بعد علم شيئا - وهى مكونة من ست كلمات معناها بكل بساطة (ينسى) ، وإذا كانت كلمة ينسى تغنى

стр. 129

عن الكلمات الست فلم كان هذا الاطناب الذى لا داعى له؟ ولكن الطبيب المختص بالامراض العقلية يبين لنا الفرق بين ينسى وبين لا يعلم من بعد علم شيئا وهذا سر الاعجاز العلمي في هذه القضية العلمية. وذلك أن الشخص إذا نسى شيئا يمكنه بعد تذكر بعض الظروف أن يستعيد ما نسيه، أما الذى لا يعلم بعد علم شيئا فلا يمكن أن يتذكر مهما حاول ذلك، بل إنه في هذه الحالة قد ينسى إسمه، وهذه حالة من عوارض مرض انسداد شرايين صغيرة في المخ، وهذا الانسداد يكثر كلما تقدم الانسان في السن والذى يقول هذا الكلام بهذا الاسلوب الدقيق جدا علميا هو رب محمد ﷺ ، وهو رب العاملين، وهى كلمات مضيئة بنور العلم الربانى ويسجد أمام إعجازها علماء الطب وغيرهم من ذوى الالباب. وقال الله تعالى في سورة الانبياء آية - ١٠٤: (يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) تفسير علماء الدين: يوم نطوى السماء كما تطوى الورقة في الكتاب ونعيد الخلق إلى الحساب والجزاء، لا تعجزنا إعادتهم فقد بدأنا خلقهم، وكما بدأناهم نعيدهم، وعدنا بذلك وعدا حقا، إنا كنا فاعلين دائما ما نعد به. النظرة العلمية: لقد وصل العلم أخيرا وبعد جهاد شاق في الدراسات والابحاث وبعد استعمال

стр. 130

أدق الآلات من مجاهر ومحللات والطيف إلى أن هذا الكون الذى نعيش فيه قد بدأ من كتلة من السحاب تفجرت واتسعت لتكون وحدات الكون من مجرات وغيرها، وأنها لابد ستعود إلى التراجع لتعود كما كانت أول الخلق، وأن هذه السماوات المتسعة لابد وأن تطوى يوما لتصبح كما كانت أول مرة وأنه بذلك يكون فناء الكون، وقد يشاء الله المبدع فيخلق كونا جديدا لخلق آخرين، وقد جاء نص صريح عن فناء الكون في قوله تعالى: (فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر ويقول الانسان يومئذ أين المفر) أي أنه يحدث وقت التحام الشمس والقمر أي وقت حدوث اضطراب بين النجوم والكواكب وتوابعها وتصادمها وتحطيم بعضها بعضا. وقال تعالى في سورة الحديد آية - ٢٥: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) تفسير علماء الدين: وخلقنا الحديد فيه عذاب شديد في الحرب ومنافع للناس في السلم يستغلونه في التصنيع لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم) . النظرة العلمية: الحديد أكثر الفلذات (المعادن) انتشارا في الطبيعة فيوجد أساسا في الحالة المركبة على هيئة أكاسيد وكبريتيد وكربونات وسلكات، وتوجد كذلك مقادير صغيرة من الحديد الخالص في الشهب والنيازك الحديدية، وقد أشارت الآية إلى أن الحديد ذو بأس شديد ومنافع للناس وليس أدل على ذلك من امتياز الحديد

стр. 131

وسبائكه المتنوعة بخواص متعددة ومتفاوتة الدرجات في مجال الحرارة والشد والصدأ والبلى وفى تقبل المرونة والمغناطيسية وغيرها، ولذلك كان أنسب الفلذات لصناعة أسلحة الحروب وأدواتها وأساسا لجميع الصناعات الثقيلة والخفيفة التى هي دعامة للحضارات المادية، وللحديد منافع أخرى جمة للكائنات الحية إذ تدخل مركبات الحديد في عملية تكوين الكلوروفل وهو المادة الاساسية في عمليات التمثيل الضوئى التى ينشأ عنها تنفس النباتات وتكوين البروتوبلازم الحى وعن طريقه يدخل الحديد جسم الانسان والحيوان ومن ذلك نجد أن الحديد له شأن خطير في الحياة، ولذا سميت سورة باسمه في القرآن للاشادة بأهميته. وقال تعالى في سورة النور آية - ٤٠: (أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور) تفسير علماء الدين: ظلمات في بحر واسع عميق متلاطم بالامواج التى يعلو بعضها فوق بعض ويغطيها سحاب كثيف يحجب النور عنها ولا يستطيع راكب البحر معها أن يرى يده، ومن لم يوفقه الله لنور الايمان فليس له نور يهديه إلى الخير. النظرة العلمية: تجمع هذه الآية أهم ظواهر عواصف البحر وأمواجه، فالمعروف أن عواصف

стр. 132

البحار العميقة تنطلق منها أمواج مختلفة الطول أو السعة أو الارتفاع بحيث يبدو الموج منطلقا في طبقات بعضها فوق بعض فيحجب ضياء الشمس لما تثيره هذه العواصف من سحب ركامية سمكية يخيم معها الظلام في سلسلة من عمليات الاعتام التى تصل إلى حد انعدام رؤية الاجسام، ولما كانت نشأة الرسول ﷺ في البادية حيث قضى طول حياته في الصحراء بعيدا عن البيئة البحريه فإن ورود هذه الدقائق العلمية عن الظواهر البحرية على لسانه وحيا من الله تعالى دليل على أن القرآن الكريم من عند الله، وعلى أنه معجزة هذا الرسول الكريم. وقال تعالى في سورة الانعام آية - ١٥، ١٦: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ذلكم الله فأنى تؤفكون، فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم) تفسير علماء الدين: إن الله بقدرته يشق الحب ويخرج منه النبات، ويشق النوى ويخرج منه الشجر، ويخرج الحى من الميت كالانسان من التراب، ويخرج الميت من الحى كاللبن من الحيوان ذلك القادر العظيم هو الاله الحق فليس هناك صارف يصرفكم عن عبادته إلى عبادة غيره. النظرة العلمية: نرى النظرة العلمية في الآيتين معا أن هناك علاقة وطيدة بين قوله تعالى فالق

стр. 133

الاصباح وفالق الحب والنوى فظهور الضياء بانفلاق الصباح من الظلام هو في حد ذاته عنصر أساسى في نمو النبات والاشجار وهو الضوء، وذلك أن الحب والنوى بعد أن ينفلق كل منهما يحتاج إلى غذاء ينميها، وهذا الغذاء يتكون من عناصر الارض ومن ضوء الشمس، فضوء الشمس يقوم بعملية التمثيل الكلوروفلى الذى تنتج عنه المادة الخضراء اللازمة لتكوين المادة الغذائية داخل عروق النبات وفى ذلك دلالة على أن الحى من النبات يستمد حياته من الارض ومن الضياء وهما شيئان ميتان. وقال الله تعالى في سورة يونس آية - ٦١: (وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) . تفسير علماء الدين: إن الله ﷻ لا يغيب عن علمه شئ في وزن الذرة في الارض ولا في السماء ولا أصغر من هذا ولا أكبر منه إن ذلك كله يسجل في كتاب عند الله واضح بين. النظرة العلمية: كان الاعتقاد السائد قديما أن الذرة هي أصغر شئ يتصور عقل الانسان وجوده من المادة، وأنه لا شئ أصغر منها حجما ووزنا، ولكن العلم أثبت أن الذرة تلك الشئ الضئيل الذى لا تراه العين مادة قابلية للتجزئة، وهذا ما نطق

стр. 134

به القرآن قبل الكشوف العلمية الحديثة التى توصل إليها الانسان في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وقد تحقق قول القرآن بأن الذرة يمكن تحطيمها وأن ذلك التحطيم الصناعي لها قد أوجد منها قوة رهيبة يمكن استخدامها لدمار العالم أو عماره، وكل هذه الحقائق مسجلة في كتاب الله وعلمه المحيط بكل شئ فيه لانه هو الذى لا يعزب عنه شئ في الارض ولا في السماء. الذرة في أوائل القرن العشرين ظهر أن بعض المواد كالراديوم واليورانيوم تتجزأ من تلقاء نفسها وتخرج منها جسيمات ذات كهرباء موجبة تسمى (ألفا) وجسيمات ذات كهرباء سالبة تسمى (بيتا) وأشعة تسمى (جاما) ، وقد توصل العلماء إلى وصف الذرة بأنها شئ ضئيل جدا يتكون من نواة مركزية مشحونة بشحنة كهربية موجبة تدور حولها جسيمات صغيرة جدا مشحونة شحنة سالبة، وتسمى هذه الجسيمات الكترونات بينها وبين النواة تجاذب، وقد توصل العلماء إلى تحطيم الذرة تحطيما صناعيا، وقد نشأت عن تحطيمها قوى هائلة ذات حدين أحدهما خطر مدمر والآخر صالح معمر. قال تعالى في سورة الحجر آية - ٢٢: وأرسلنا الرياح لوافح فأنزلنا من السماء ماء فاسقيناكموه وما أنتم له بخازنين) تفسير علماء الدين: لقد أرسلنا الرياح حافلة بالامطار وحاملة بذور الانبات وأنزلنا منها المياه وجعلناه سقيا لكم، ولا يقدر أن يتحكم منكم أحد في تخزبنه.

стр. 135

النظرة العلمية: تبين لنا الآية إعجازا علميا غاية في الدقة والاحكام فهى تدل على أن الرياح أثناء هبوبها تحمل في طياتها حبوب اللقاح التى تأخذها من زهرة لتلقى بها في مبيض زهرة أخري فيكون على أثر ذلك التلقيح بين النباتات، كما أن الرياح علاوة على ذلك تحدث تلاقحا بين السحب المكهربة بالسلب والايجاب فينتج عن ذلك البرق والرعد والمطر، والمطر عندما يسقط على الارض بخصبها وتحيى مواتها، وهذا هو التلقيح بأوسع معانيه في الطبيعة.

стр. 136

آيات في عالم الحيوان والحشرات وغيرها من المخلوقات لها مدلول علمي قال تعالى في سورة النور آية - ٤٥: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه، ومنهم من يمشى على رجلين، ومنهم من يمشى على أربع يخلق ما يشاء إن الله على كل شى قدير) تفسير علماء الدين: والله خلق كل دابة على وجه الارض من ماء الذكر والانثى فمنهم من يمشى على بطنه مثل الحية وأشباهها، ومنهم من يمشى على رجلين مثل الانشان وأشباهه ومنهم من يمشى على أربع مثل الدواب، ويخلق الله ما يشاء إنه على كل شئ قدير. النظرة العلمية: تنظر عين العلم الباحثة الفاحصة إلى هذه الآية الكريمة على أنها دليل قائم على أن مصدر كل ما في العالم من كائنات حية هو الخلية الحيوانية المكونة من الماء الذى جعل الله منه كل شئ حى من نبات وحيوان، ثم أنشأت في مملكة الحيوان أنواعا شتى منها ما يمشى على بطنه كالزواحف وما يمشى على رجلين كالانسان وما يمشى على أربع كالدواب، وقد ألف الناس رؤية هذه الحيوانات فلم يتغير عجبهم منها، ولكن العلماء المشتغلين بعلوم الاحياء يرون فيها مع الفحص والملاحظة والتشريح من عجائب الخلق ودقة الصنع ما يقوى إيمانهم

стр. 137

بقدرة الله البديع الذى أتقن كل شئ أراد خلقه بصورة تذهل العقول فتبارك الله أحسن الخالقين. ومما يدل على روعة الخلق وحكمته تعالى في إبداعه لها قوله تعالى: (هو الذى يصوركم في الارحام كيف يشاء ألا هو العزيز الحكيم (الذى أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين) (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تفيض الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار) (وفي خلقكم وما يدب من دابة آيات لقوم يوقنون) قال تعالى في سورة الانعام آية - ٣٨ (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحين إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون) تفسير علماء الدين: ليس في الارض من حيوان يدب في ظاهر الارض وباطنها، أو طائر يطير بجناحيه في الهواء إلا خلقها الله جماعات تماثلكم وجعل لها خصائصها ومميزاتها ونظام حياتها، ما تركنا في الكتاب المحفوظ عندنا شيئا من الاشياء إلا أثبتناه وإن كانوا قد كذبوا فسوف يحشرون مع كل الامم للحساب يوم القيامة.

стр. 138

النظرة العلمية: لقد اكتشف علماء الحيوان الذين يدرسون حياته الاجتماعية سواء منها ما تسعى في الارض أو تطير في السماء أو تسبح في الماء أنما هي شعوب وقبائل وأمم تربطها صلات وعلاقات وثيقة فهى لا تختلف في أسلوب حياتها ونشاطها عن أمم البشر الذين يعمرون الارض، وقد ألف علماء علم الاحياء مؤلفات كثيرة تبين نتائج ما وصلوا إليه من معلومات وحقائق عن نظام كل نوع من الحيوان والحشرات في حالة السلم والحرب وفى السعي لطب الغذاء وفى رعاية الصغار والضعفاء وما تلجأ إليه من حيل في التغلب على ما يواجهها من مصاعب وأخطار وفى انقيادها لما هيأه لها الخالق العظيم من أعمال تتلاءم مع بيئتها وبنيتها، والاهداف التى خلقت لها ويقول في سورة النحل (آية ٦ - ٩) تبيانا لذلك: (والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس إن ربكم لرءوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) وقال الله في سورة البقرة آية - ١٦٤: (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار، والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون) .

стр. 139

تفسير علماء الدين: إن من دلائل قدرة الله هذه السماوات التى ترونها تسير فيها الكواكب بانتظام، والارض وما فيها من البر والبحر وتعاقب الليل والنهار وما يجرى في البحر من السفن تحمل الناس والمتاع ولا يسيرها إلا الله فهو الذى يرسل الرياح لتسييرها، وهو الذى ينزل المطر يسقى النبات والحيوان، والسحاب المعلق بين السماء والارض، وكل هذه الآيات قامت بكل إحكام وإتقان بقدرة الله الذى لا يعجزه شئ ويدرك حقائقها المتدبرون العاقلون. النظرة العلمية: تتجلى في هذه الآية مجموعة من العلوم الطبيعية التى بحث العلماء المتأخرون في موضوعاتها ووجدوا من القرآن خير مرشد للتفكير فيها، فقد أشارت إلى علم الفلك ونشأة الكون في قوله تعالى (خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار) وأشارت إلى علم الملاحة البحرية في قوله تعالى، (والفلك التى تجرى في البحر) . وأشارت إلى علم النبات والزراعة في قوله تعالى: (فأحيا به الارض بعد موتها) وأشارت إلى علم الحيوان في قوله تعالى (وبث فيها من كل دابة) . وأشارت إلى علم الارصاد الجوية في قوله تعالى: (وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض) وقد أدى التفكير فيها إلى معرفة نواميسها ومقوماتها ونظامها، فسبحان من هذا كلامه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويهدى إلى سواء السبيل، ويوجه عقل الانسان وقلبه إلى ملك الله يتأمله ليرى قدرته وحكمته وتدبيره الرائع في صنعه.

стр. 140

وقال الله تعالى في سورة المؤمنون آية - ١٨: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون) تفسير علماء الدين: وأنزلنا من السماء مطرا بحكمة وتقدير في تكوينه وإنزاله وتيسيرا للانتفاع به جعلناه مستقرا في الارض على ظهرها وفي جوفها وإنا على إزالته وعدم الانتفاع به لقادرون. النظرة العلمية: توجه هذه الآية النظر إلى المطر الذى ينزل من السماء وكيف أنه يتكون نتيجة تبخر مياه المحيطات والبحار بحرارة الشمس وارتفاع هذه الابخرة لخفتها ثم تجمعها في السماه على شكل سحب لا تلبث أن تبرد ثم تتكاثف ويسقط منها مطرها بمائه العذب على سطح الارض مكونا بانحداره السريع من فوق الجبال والهضاب التى يسقط عليها أخاديد في الارض تجرى فيها مكونة الانهار لتروى الحقول وتخصبها، وإن من مياه الامطار ما يتسرب إلى باطن القشرة الارضية ويستقر بها مكونا المياه الجوفية التى توجد أحواضها في باطن بعض صحراوات العالم القاحلة والتى تخرج منها العيون والآبار لامداد الانسان والحيوان بالماء، والله سبحانه قد جعل هذه الدورة المائية بين السماء والارض متكررة بانتظام دائم، ولو شاء ربك لاوقفها ولكنه رب رحيم كتب على نفسه الرحمة ولا يترك عباده للهلاك، ويؤيد هذا الفضل من الله تعالى قوله تعالى في آيات أخرى: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) (القمر آية - ١١، ١٢)

стр. 141

وقوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا) (الرعد آية - ١٧) وقوله تعالى: (وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) (البقرة آية ٢٣) وقال تعالى في سورة الرعد آية - ٤: (وفى الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) تفسير علماء الدين: من عجائب قدرة الله أن في الارض قطع يجاور بعضها بعضا، وهى مختلفة التربة بعضها قاحل وبعضها خصب وإن اتحدت التربة، ففيها حدائق مملوءة بكروم العنب، وفيها زرع يحصد، ونخيل مثمر وهى مجتمعة ومتفرقة، ومع أنها تسقى بماء واحد يختلف طعمها، وإن في ذلك دلائل واضحة على قدرة الله تعالى لمن له عقل يفكر به. النظرة العلمية: يقرر علماء الجيولوجيا وهو علم طبقات الارض أن تربة القشرة الارضية

стр. 142

التى تحطمت وتفتتت بفعل عوامل التعرية من رياح وعواصف وأمطار جعلتها لا تتحد في عناصرها بل صار لكل تربة طبيعتها وخواصها الذاتية، ويقرر علماء النبات أن جذور النباتات تمتد في التربة لتمتص الغذاء من عناصرها الملائمة لها وتحولها إلى ثمار يتميز بعضها عن بعض في الشكل والطعم والرائحة، وهذا هو المعنى العلمي الذى تشير إليه الآية بأن قطعة الارض الواحدة تتكون من عدة أجزاء متجاورة ومتلاصقة ولكنها تشمل في تكوينها مواد معدنية أو عضوية أو بكتيرية مختلفة، وعندما تسقى قطعة الارض الواحدة نجد أن ثمارها متنوعة لان بها أجزاء طينية وأخرى رملية إلى ثالثة كلية وأن كلا منها يختلف عن الآخر اختلافا تاما وعند ما تسقى قطعة الارض نجد أن ثمارها متنوعة في أشكالها وألوانها وطعومها من عنب وخضر ونخل ورمان مع أنها كلها سقيت بماء واحد. وقال تعالى في سورة الرعد آية - ٣: وهو الذى مد الارض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) تفسير علماء الدين: هو سبحانه الذى بسط لكم الارض وجعلها ذلولا تسيرون فيها شرقا وغربا، وجعل في هذه الارض جبالا ثابتة وأنهارا تجرى فيها المياه العذبة وجعل من هذه المياه الثمرات المختلفة التى؟ توالد، وجعل منها الانواع المختلفة المتقابلة أصنافا منها الحلو والحامض، ومنها الابيض والاسود، وأنه سبحانه يستر النهار بالليل، وأن في هذا الكون وعجائبه لعلامات بينة تثبت قدرة الله العظيم ووحدانيته لمن يتفكر ويتدبر.

стр. 143

النظرة العلمية: في طيات هذه الآية الكريمة ثلاث حقائق أيدها العلم بدلائل قوية وهى: أولا أن الله مد الارض وجعل فيها رواسي، ومد الارض أي يسطها أينما سار الانسان عليها وقد سبق القول في بيان ذلك عند شرح قوله تعالى والارض بعد ذلك دحاها والتعبير بلفظ دحاها يدل على الاستدارة مع البسط في نفس الوقت. ثانيا أنه سبحانه جعل في الارض رواسي أي جبالا لتحفظ التوازن اللازم للكرة الارضية التى تتكون من منخفضات عميقة في البحار والمحيطات ومرتفعات شامخة من الجبال والهضاب، وأنه لابد في هذه الحالة من استقرار للارض واتزان لانتظام حركتها مع ثباتها، وقد أثبتت الابحاث العلمية نظرية التوازن في الكرة الارضية بالبراهين الدامغة. ثالثا - أنه سبحانه جعل من كل الثمرات زوجين اثنين، أي جعل في الاشجار التى تحمل الثمار نوعي الذكر والانثى حتى يتم تلقيح الاعضاء الانثية بطريق حبوب اللقاح الموجودة بالاعضاء الذكرية وبذلك تتوالد الانواع وتتكاثر. وقال تعالى في سورة الرعد آية - ٢: (الله الذى رفع السموات والارض بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) تفسير علماء الدين: إن الله هو الذى رفع ما ترون من سماوات تجري فيها النجوم بغير أعمدة ترى ولا يعلمها إلا الله، وإن كان قد ربط بينها وبين الارض بروابط لا تنقطع

стр. 144

إلا أن يشاء الله، وذلل الشمس والقمر بسلطانه ولمنفعتكم، وهما يدوران بانتظام لزمن قدره الله ، وهو سبحانه يدبر كل شئ في السموات والارض، ويبين لكم آياته الكونية رجاء أن توقنوا بالوحدانية. النظرة العلمية: كلما نظر الانسان إلى نجوم السماء وكواكبها يراها متماسكة وثابتة في مواضعها وهى سابحة في أفلاكها طبقا لنظام بديع لا تحيد عنه أبدا، وقد فسر العلم هذه القوة الكونية التى تحفظ السماء والارض والكون من التفكك وتصونه من الاضطراب والخلل بأنها قوة إلجاذبية التى اكتشفها عالم رياضيات انجليزى هو نيوتن في أوائل القرن السابع عشر عند ما لاحظ يوما أن تفاحة سفطت من شجرتها على الارض، فأخذ يفكر في أسباب سقوطها هي وغيرها من الاجسام التى تقع تلقائيا على الارض، وهداه تفكيره العميق إلى الوصول إلى استنباط نظرية الجاذبية واستطاع أن يضع لها قوانين دقيقة أثبت صحتها بالتجارب العلمية، ووضح بما لا يقبل الشك أن هناك علاقة بين كتل الاجسام المتجاذبة وبين المسافات التى بينهما، وقد ساعد قانون الجاذبية علماء الفلك على فهم الكثير من الحقائق الكونية التى كانت مجهولة تماما من قبل. ويؤيد قانون الجاذبية هذا وأثره في تماسك الاكوان قوله تعالى في سورة فاطر آية - ٤١: (إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا) وتدل هذه الآية على أن الله سبحانه هو الذى يمنع اختلال نظام السموات

стр. 145

والارض ويحفظهما بقدرته من الزوال، ولئن قدر لهما الزوال ما استطاع أحد أن يحفظهما. وقال ﵎ في سورة الانعام آية - ٩٧: (وهو الله جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) تفسير علماء الدين: هو الله الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بمواقعها إلى مقاصدكم وأنتم سائرون في ظلمات الليل بالبر والبحر، إنا قد بينا دلائل رحمتنا وقدرتنا لقوم ينتفعون بالعلم. النظرة العلمية: لقد ثبت بالملاحظة العلمية الدقيقة وبالمناظير المقربة أن النجم القطبى هو أحد نجوم السماء التى تبعد عنا بآلاف الملايين من الاميال، وأنه يبعد عن الكرة الارضية بنحو ٣٠٠ سنة ضوئية، لوحظ أن هذا النجم يقع جهة الشمال دائما بالنسبة لسكان نصف الكرة الشمالي، أي أننا إذا اتجهنا نحوه تكون جهة الشمال أمامنا وجهة الجنوب خلفنا وجهة الشرق على يميننا وجهة الغرب على يسارنا، وبواسطة هذا النجم يمكننا أن نعرف مواضع الاماكن على سطح الكرة الارضية سواء كنا في سفر أو حضر، وقد استطاع الفلكيون بوسائلهم وأجهزتهم العلمية وحساب المثلثات أن يرصدوا أكثر النجوم ويعملوا لها جداول تبين مواقعها بالنسبة للارض لتكون مرشدا للمسافرين في البر والبحر وفى رحلات الفضاء إلى الكواكب، فسبحان الذى خلق هذا الكون الهائل في اتساعه الشاسع وفى امتداده الذى
следующие страницы →