معاوية الرشيد بحديث: "احتج آدم وموسى .. " (١)، فقال رجل شريف: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النِّطعَ والسيفَ، زنديق يطعن في الحديث، فما زال أبو معاوية يسكته ويقول: "بادرة منه يا أمير المؤمنين، حتى سكت" اهـ (٢).
وهذا الأصل يقتضي أمورا منها:
أولا: الاعتماد على الأحاديث الصحيحة دون الضعيفة ونبذ الأحاديث الموضوعة:
" وقد تمثل هذا عند السلف بالإنكار على من اعترض على الأحاديث الصحيحة الثابتة، وتمثل أيضا بذكرهم للأسانيد فيما يروونه، معلوم أنه إذا أسند الراوي فلا بد من النظر في إسناده والحكم على الحديث صحة وضعفا بعد جمع طرقه ورواياته" اهـ (٣)، تأسيا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٤).
والفرق التي ضلت في هذا الباب فهم ما بين الإفراط والتفريط: فمنهم من قبل كلما جاء باسم حديث الرسول ﷺ ، إذا وافق أهواءهم بدون أن يميزوا بين الصحيح والضعيف أو الموضوع، فأدخلوا في الدين ما ليس
стр. 72
منه، ومنهم من رد الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ بزعمهم أنها تخالف العقل لأنها لم توافق أهواءهم فأخرجوا من الدين ما كان منه.
ثانيا: حجية خبر الآحاد في الاعتقاد والأحكام إذا صح:
هذا من أهم المعالم لمنهج السلف، والقول بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم، ومن ثم فلا يحتج بها في العقيدة بدعة كبرى تلقفها أو أحدثها المعتزلة.
يقول ابن تيمية ﵀: "وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العمليات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات ... لم تزل الصحابة والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه، وصفاته، فأين سلف المفرِّقين بين البابين" اهـ (١)؟
وهذا التفريق ربما جاء لسببين: أحدهما قولهم إن الآحاد ثبوتها ظني ليس قطعيا، والثاني أن العقيدة لا يقترن بها عمل والأحكام العملية لا تقترن بها عقيدة، وكل هذا باطل وهو من بدع أهل الكلام (٢).
стр. 73
القاعدة الخامسة: حجية فهم السلف الصالح (الصحابة) لنصوص الكتاب والسنة:
وقد أسس لهذه القاعدة الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: " (الصحابة) أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوبا، وأعمقهم، وأقلهم تكلفا، أصحهم قصودا، وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكا، وأصفاهم أذهانا الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل" اهـ (١).
"وقد سمعوا من النبي ﷺ من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده ودعوته ما يوجب فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه، فليس من سمع وعلم ورأى حال المتكلم كمن كان غائبا لم ير ولم يسمع أو سمع وعلم بواسطة، أو وسائط كثيرة وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعينا قطعا (٢).
ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ " اهـ (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤).
стр. 74
ويقول ابن جرير الطبري ﵀: " ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويتبع طريقا غير طريق أهل التصديق (الصحابة) ويسلك منهاجا غير منهاجهم" اهـ (١).
قال تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
وقال ﵊ في بيان منهج الفرقة الناجية: " .. ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٣)، فكل من أراد أن يكون من الفرقة الناجية لزم أن يركب سفينتها، وسفينة النجاة، ما عليه النبي ﷺ وأصحابه: من العلم والاعتقاد والعمل الصالح، ومن يرغب عنها فقد سفه نفسه" اهـ (٤).
القاعدة السادسة: درء التعارض بين النقل والعقل:
وقد أسّس لهذه القاعدة الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: "إن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان (العقل)، فكلاهما في الإنزال أخوان في معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح (العقل الصريح) لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة (الكتاب والسنة)، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة
стр. 75
(المعقولات)، ولا دلالة النص الصحيح القياس الصحيح بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض، فلا يتناقض القياس الصحيح والنص الصحيح أبدا" اهـ (١).
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ (٢) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣).
وقد جمع الله في هذه الآية دليلين دليل النقل والعقل وقدم النقل على العقل، يقول ابن كثير ﵀: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو النقل الصادق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ وهو العدل قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة ... " اهـ (٤).
وهذا الأصل يقتضي أمورا منها:
стр. 76
أولا: التسليم لما جاء به الوحي مع إعطاء العقل دوره الحقيقي وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه (١).
يقول الإمام الشاطبي ﵀: "إن الله تعالى جعل للعقول في إدراكها حدّا تنتهي إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون فمعلومات الله لا تتناهي ومعلومات العبد متناهية والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهي" اهـ (٢).
ثانيا: "وجوب تقديم النقل على العقل عند توهم التعارض وإلّا ففي الحقيقة والواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح " (٣).
يقول الإمام الشاطبي ﵀: "إذا تعارض النقل والعقل في المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل، فيكون متبوعا، ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر (كما في الغيبيات) إلا بقدر ما يسرحه النقل" اهـ (٤).
стр. 77
ثالثا: إن العقل وإن لم يدرك بعض حقائق الشرع فهو لا يحيلها:
لأن عدم العلم ليس علما بالعدم، بل كل ما أخبر به الشارع أو أمر به فهو إما يكون معقول المعنى والكيف، أو يكون معقول المعنى دون الكيف .... وفي هذا الأخير إثبات عجز العقل عن درك حقائق بعض المسائل، وما ذلك إلا لكمال الشريعة وتفوقها (١).
يقول ابن خلدون ﵀: "ليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل يعقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية .... غير أنك لا توزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في مُحال، ومثال ذلك رجل رأى الميزان الذي يزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال ..... " اهـ (٢).
فتعين أن العقل عاجز عن معرفة الأمور الغيبية، وهو بهذا ليس في موضع الإهانة والازدراء، بل هو في موضع التكريم حيث لم يكلفه الله فوق طاقته، ولم يطلب إليه الضرب في مجالات يعلم إخفافه فيها سلفا (٣).
فهذه القواعد وما تقتضيه من الأمور بمثابة المعالم الرئيسة للمنهج العقدي السني الذي كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان رضوان الله عليهم أجمعين، وهناك قواعد أخرى فرعية سوف نذكرها عند مناقشة مناهج المستشرقين وآرائهم وتقويم آراء المتأثرين بالاستشراق ومناهجهم حسب ما تقتضه المناقشة في الفصول القادمة إن شاء الله.
стр. 78
المطلب الثاني: مدى سيادة هذا المنهج بديار الهند وفيه:
* دخول الإسلام إلى الهند.
* المنهج السني في الهند.
* بداية الانحراف.
* نحو المنهج السني.
* العلماء الذين شاركوا في التجديد.
* منهجهم في التجديد.
* أهل الحديث وتمسكهم بالمنهج السني.
* موقفهم من الاستشراق.
стр. 79
المطلب الثاني: مدى سيادة هذا المنهج بديار الهند
بعد أن ذكرنا المعالم الرئيسة التي تبين منهج سلف هذه الأمة في تلقي العقيدة يتعين علينا أن نبين إلى أي مدى ساد هذا المنهج ببلاد الهند فكرا عند علماء المسلمين وعامتهم.
دخول الإسلام إلى الهند:
من المعروف أن الهند دخلها الإسلام من طريقين: طريق التجار والملاحين في الجنوب وطريق الفاتحين في الشمال (١)، ويُذكر أن أول فاتح دخل الهند بالإسلام هو محمد بن القاسم الثقفي في عهد الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي (٢).
ولكن التحقيق العلمي قد أثبت بأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في خلافتي عمر وعثمان ﵄ قد فتحوا أوائل بلاد الهند كما أشار إليه الإمام ابن كثير ﵀، فبعد أن ذكر فتوحات محمد بن القاسم قال: "وقبل ذلك كان الصحابة في زمن عمر وعثمان ﵄ فتحوا غالب النواحي (نواحي الهند) ودخلوا مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار مثل: الشام، ومصر، والعراق، واليمن،
стр. 80
وأوائل بلاد الترك، -ودخلوا إلى ما وراء النهر- وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند". اهـ (١).
وأكدت هذا القول المستشرقة د. أنا ماري شمل فقالت: "وقد تسلط الجيش الإسلامي على بعض نواحي السند وغجرات في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ واستمر هذا التسلط إلى عهد الخلفاء الآخرين من بعده" اهـ (٢).
وقال مؤرخ الهند أبو المعالي أطهر المباركبوري: "وكان في عساكر بني أمية في الغزو الصالحون، والأولياء، والعلماء من كبار التابعين في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه، وكان عامة من دخل الهند في هذه الأيام غزاة أو دعاة من أصاغر الصحابة، وأكابر التابعين، ومنهم من صرح العلماء أنه من الصحابة أو التابعين، ومنهم من يُعلم أنه صحابي أو تابعي من ضوابط قررها علماء الرجال والطبقات" اهـ (٣).
ويقول الشيخ غازي عزير: "وقد بلغ عدد الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ﵃ خمسة وعشرين صحابيا وسبعة وثلاثين تابعيا وخمسة عشر تابعا للتابعين، ومما لا شك فيه أن عدد هؤلاء النفوس القدسية قد يكون أكثر من هذه الأعداد المذكورة، ولكن هذا مبلغ تحقيقي بعد الرجوع إلى الكتب القديمة" اهـ (٤).
стр. 81
ويقول أيضا: "وقد تتابع ورود هؤلاء الصحابة وغيرهم من التابعين وأتباع التابعين من بلاد العرب في أزمنة مختلفة إلى أقاليم الهند، وكان شغلهم الشاغل ليل نهار رواية أحاديث الرسول ﷺ وترويجها بين الناس وتثقيفهم بثقافة دين الفطرة وحضارته وتعليمهم بمبادئ الخلق الحسن الأعلى الأرفع الذي هو أساس الدين الإسلامي" اهـ (١).
المنهج السني في الهند:
قد تبين بما تقدم أن أهل الهند كانوا على المنهج العقدي الصحيح إلى مدى الثلاثة القرون الأولى المفضلة، ولم يكونوا يعرفون علم الكلام ولا الفلسفة اليونانية، ولم ينشأ فيهم التعصب المذهبي، بل كانوا عاملين بالكتاب والسنة بعيدين عن التفرقة الدينية وكانوا يستفتون أهل العلم بدون تحديد مذهب أو تعيين شخص بعينه (٢).
يقول الشيخ عبد الحي الحسني ﵀: "فإن أهل الهند كغيرهم لم يعرفوا إلا القرآن والحديث، ولم يعلموا إلا ما صح عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى مدة طويلة" اهـ (٣).
وهذا بالطبع هو منهج أهل السنة والجماعة، ولم يكن هناك للمسلمين منهج غير هذا المنهج لتلقي العقيدة، فمن هنا يمكننا القول بأن المنهج السني قد ساد في الهند فكرا عند علماء المسلمين وعامتهم إلى مدى القرون الثلاثة المفضلة.
بداية الانحراف في المنهج:
ثم جاء القرن الرابع الهجري، وتتابعت الفتوحات الإسلامية في الهند من جهة إيران وأفغانستان، فأول فتح في هذا القرن كان على يد السلطان محمد الغزنوي (٤)،
стр. 82
ومن المعلوم أن المناهج الثلاثة من الأشعرية والماتريدية والاثنى عشرية وغيرها من المناهج العقدية (١) والمذاهب الفقهية الأربعة كانت منتشرة في العالم في ذلك الوقت، فجاء الفاتحون بهذه المناهج كلها، إلا أن الغَلَبة كتبت للماتريدية والأشعرية في العقيدة، وللمذهب الحنفي في الأحكام، ومع مرور الزمن ازدادت الفتن والأهواء حتى ملك البلاد الملك "أكبر" (٢) المغولي الملحد، فاختفى المنهج السني الخالص وإن لم ينعدم.
يقول الشيخ إسماعيل السلفي: "وبعد العلامة الصغاني (م- ٦٥٠ هـ) (٣) لا نرى هنا (في الهند) إلا عددا ضئيلا جدا من العلماء (٤) المحققين، ومنهم الشيخ علي المتقي
стр. 83
(م - ٩٧٥ هـ) (١)، والشيخ محمد طاهر الفتني الشهيد (م - ٩٨٦ هـ) (٢)، وأخيرا الشيخ عبد الحق الدهلوي (م -١٠٥٢ هـ) (٣)، ومن الطبيعي أن البلد الذي يحكمه ملك فاسق مثل "أكبر"، وتسيطر على نظامه أسرة الملا مبارك (٤)، ويحصل التشجيع للفجور
стр. 84
والفواحش من قبل الدولة، كيف تتحرّر فيه العقول من أغلال التقليد والجمود، وكيف تنطلق فيه الأفكار وكيف يستطيع لفيف من العلماء المخلصين من مقاومة موجات البدع والشرك والإلحاد" اهـ (١).
نحو المنهج السني:
وكان هذا الوقت قد بلغ فيه الضلال إلى منتهاه، وابتعد الناس عن المنهج الصحيح كل البعد، ولكن في الوقت نفسه كانت هذه بداية رجوع الناس إلى المنهج السني الصحيح، "وقد اختار الله تعالى لهذا الواجب العظيم الشيخ أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي المعروف بمجدد الألف الثاني (م-١٠٣٤ هـ)، وكان ﵀ قد دعا الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة، ونبذ البدع والعادات القبيحة، ومحاربة الجمود والتخلف باسم الدين، وبايع على متابعة السنة واجتناب البدعة خلق كثير لا يأتي عليهم الإحصاء" اهـ (٢).
وهذه الجهود الجبارة قد شقت للمسلمين طريقا نحو المنهج السني، وإن لم توصلهم إليه تماما، لأن الشيخ أحمد مع محاولته في تفنيد الزعم بتقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة، وتصريحه بأن النبي ﷺ كان يكره جميع البدع، فليس لأحد أن يسميها بالحسنة، ولا تسمى في الشرع بدعة حسنة، لم يتمكن من
стр. 85
إخراج الناس من بدعة التصوف، وإنما استطاع أن يخرج الناس من فلسفة وحدة الوجود إلى نظرية وحدة الشهود فحسب (١).
ثم جاء بعده الشيخ أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشاه ولي الله المحدث الدهلوي (ت- ١١٧٤ هـ) لإكمال هذه المهمة، وهي إرجاع الناس إلى المنهج العقدي السني.
يقول الشيخ إسماعيل السلفي: "كان الشاه ولي الله يحاول توضيح الطريق الوسط مجتنبا الإفراط والتفريط، ويهدف إلى أن يُعلي كلمة الإسلام بدون إثارة الفتن والفوضى وأن يعود الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة .... و (كان) يرى إلى إصلاح التصوف وإلى القضاء على الجمود الفقهي، حتى يتمكن الناس من العمل بسنة النبي ﷺ ، وبطريقة أصحابه، ولا شك أن فهم الدين يستأنس بالأئمة المجتهدين، ولكنهم لا يصلون أبدا (٢) إلى منزلة الشارع، بل يبقى الكتاب والسنة المصدر الأصلي للدين، .....
إلى هذا الاقتصاد والتوسط أشار الشاه ولي الله في "حجة الله البالغة" و"المصفى" و"المسوي" و"إزالة الخفاء" من كتبه القيمة الفريدة مما يدل على أن حكيم الأمة كان يرمي إلى ثورة تكون أساسا لإحياء الكتاب والسنة حتى تشرق أرض الهند بنور الله" اهـ (٣).
العلماء الذين شاركوا في التجديد:
وبالجملة كانت العناصر المهمة لهذه المدرسة التجديدية هم الشيخ أحمد الفاروقي مجدد الألف الثاني، والقاضي ثناء الله الباني بتي، والميرزا مظهر جانجانان،
стр. 86
والشيخ فاخر زائر الإله آبادي، وغلام علي آزاد البلكرامي، والشاه ولي الله، والشاه عبد العزيز، والشاه رفيع الدين، والشاه إسماعيل الشهيد، والشيخ عنايت علي، والشيخ ولايت علي، والشيخ عبد الحي ﵏ جميعا.
ومنهم من ينتمي إلى المنهج الكلامي (الأشعري والماتريدي) في تلقي العقيدة وإلى منهج فقهاء أهل الرأي في استنباط الأحكام، ومنهم من ينتمي إلى المنهج السني السلفي في الاعتقاد، وإلى منهج فقهاء أهل الحديث في استنباط الأحكام، ولكن الذي يشترك فيه الجميع هو أنهم لم يبرزوا هذا الاختلاف قط (١).
منهجهم في التجديد:
ويتلخص منهج هؤلاء العلماء في النقاط التالية (٢):
١ - مع تمسك أكثرهم بالمذهب الحنفي إنهم كانوا يكرهون الجمود الفقهي والعصبية.
٢ - إنهم كانوا يتوسعون في المسائل الخلافية لدى الأئمة، ولم يكن يسخطهم العمل بمذهب من المذاهب الأربعة المشهورة.
٣ - إنهم كانوا يكرهون البدع وينكرونها إنكارا شديدا.
٤ - إنهم كانوا لا يرون المسالمة مع الشيعة إلا أن يغيروا موقفهم تماما مع الصحابة رضوان الله عليهم .......
٥ - إن معظمهم كانوا متأثرين بالتصوف، ولكن يتنفرون من بدعه وعاداته.
٦ - إنهم كانوا يرون أن أهل السنة (٣) منقسمون من حيث استنباطهم للأحكام الفقهية إلى قسمين: أهل الحديث وأهل الرأي، فالطائفتان من أهل السنة، ولكن الشاه ولي الله يحب طريق فقهاء أهل الحديث أكثر.
стр. 87
٧ - إنهم كانوا لا يريدون السيطرة السياسية، ولكنه إذا ساد الإلحاد فكانوا يفضلون مقاومته بدلا من أن يجلسوا ساكتين مسالمين مع الذين يساندون هذا الإلحاد.
وقد تبين بهذا التفصيل أن المنهج السني في تلقي العقيدة بعد أن كان مختفيا بدأ يظهر ويسيطر على البلاد فكرا عند المسلمين عامة، بجهود العلماء السابق ذكرهم، إلا أنه لم يكن واضحا عند بعض العلماء منهم، فامتزجت السنية عندهم بالتصوف إضافة إلى الأشعرية والماتريدية، ولكنها لم تبرزهم كفرقة بمقابلة أصحاب المنهج السني، فمن تمسك بمنهج أهل الحديث في الفروع كان أقرب في العقيدة إلى المنهج السني، ومن تمسك بمنهج أهل الرأي كان أقرب في العقيدة إلى المنهج الكلامي، إلا أنهم كانوا متفقين على مقاومة الإلحاد والكفر والشرك والبدع.
وأكبر دليل على كونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم هو الجهاد الذي قام به الإمامان الشهيدان السيد أحمد بن عرفان والشاه محمد إسماعيل بن عبد الغني رحمهما الله، فكان أولهم أمير المؤمنين في الجهاد، وهو على منهج أهل الرأي في الفروع، والثاني كان قائد الجيش في المعارك، وكان يأخذ بمنهج أهل الحديث في الفروع، ولكنهما لم يختلفا في أمر من الأمور، بل أصبحا كشخص واحد روحا ومعنى يكمل أحدهما الآخر (١)، وعلى هذا المنهج نفسه كان المجاهدون، إذ أنساهم الجهاد الاختلاف في الفروع.
стр. 88
أهل الحديث وتمسكهم بالمنهج السني:
وانتهت الحركة الجهادية إلى نهايتها بأيدي الإنجليز الظالمة بأرض بالاكوت، في ٧ جمادى الآخرة سنة ١٢٤١ هـ الموافق ١٧ يناير ١٨٢٦ م (١)، وهذه المأساة أدت إلى مأساة أخرى وهي انشقاق هذه الشِرذمة من المجاهدين إلى فرقتين متميزتين منهجا وسلوكا، واشتهرت إحداهما بحركة أهل الحدث، والأخرى بالحركة الولي اللهية ثم بالديوبندية (٢) فيما بعد.
فأهل الحديث تمسكوا بالمنهج السني في الاعتقاد والأحكام الفقهية، واستمروا على الجهاد والدعوة على الطريقة السلفية.
وأما الديوبندية فسلكوا مسلك المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وتمسكوا بالمذهب الحنفي في الفروع، وتجمدوا علي ذلك، وانتسبوا إلى الطرق الصوفية المعروفة بالنقشبندية والقادرية والجشتية والسهروردية (٣).
стр. 89
بعد أن انحصر المنهج السني في جماعة أهل الحديث بالهند (١)، برزت في ساحة الجهاد والدعوة شخصيات حافظوا على حركة الجهاد من ناحية، وعلى حركة الدعوة من ناحية أخرى، فمن العلماء الذين ثبتوا في الجهاد، وقدموا تضحيات كبيرة رائعة في سبيل الله: الشيخ ولايت علي، والشيخ عنايت علي، والحافط عبد الله الغازيبوري، والشيخ عبد العزيز الرحيم آبادي، والشيخ ولي محمد، والشيخ فضل إلهي، والشيخ محمد حسين وغيرهم ﵏ (٢).
وأما القسم الآخر (من العلماء) فـ "ضمنوا متابعة ما بقي من أعمال الإصلاح مثل تنظيم المدارس والدراسات على نهج يؤيد الفكرة السلفية (والمنهج السني)، وتوزيع كتب السنة والرد على البدع والعادات الشركية، والقضاء على الجمود والتقليد، فاستمروا على نهجهم حتى صفا الجو كثيرا للعمل بالكتاب والسنة، والتمسك بهما وما زالوا على عملهم" اهـ (٣).
стр. 90
وفي هذه الآونة الصعبة برز في مجال الدعوة والإصلاح إمامان جليلان الشيخ النواب صديق حسن خان البهوفالي القَنّوجي (١) والشيخ نذير حسين المعروف بشيخ الكل (٢)، فلهما يد عظيمة في انتشار وتدعيم الدعوة السلفية السنية في الهند.
"ونظرا إلى ظروف الهند الخاصة وسياسة الإنجليز المعادية للمسلمين، ووقوف الطوائف المختلفة بالهند ضد الإسلام، وابتعاد كثير من المسلمين عن تعليم الدين الصحيح، قرر العلماء السلفيون، تكوين جمعية أهل الحديث المركزية، حتى يتمكنوا من مواجهة تحديات العصر، ومن نشر الدعوة الإسلامية بين أبناء البلاد على صورة
стр. 91
منسقة، وقد جاء قرار إنشاء هذه الجمعية في سنة ١٣٢٤ هـ / ١٩٠٦ م، وقد انضم إليها فطاحل العلماء السلفيين، وكبار الشخصيات البارزة المعنية بإصلاح حال المسلمين، وبرفع مستواهم الديني والعلمي" اهـ (١).
موقفهم من الاستشراق:
وخلاصة القول إن أهل الحديث انطلاقا بالمنهج العقدي السني الذي سبق أن بينا قواعده في المطلب الأول أسسوا مراكز علمية ومدارس دينية (٢)، وألفوا كتبا قيمة دفاعا عن العقيدة الصحيحة والمنهج السني (٣)، ولما ظهر الاستشراق في الهند بكل وسائله، وحاول تشكيك المسلمين بدينهم بتغيير الطرق المنهجية التي ينظر بها إلى الدين وأحكامه بل ونصوصه، كان لأهل الحديث موقف متميز عن غيرهم من
стр. 92
الجماعات، وبرز لهذه المهمة الشاقة علماء أجلاء منهم الشيخ ثناء الله الأمرتسري (١) والشيخ أبو الكلام آزاد (٢)، فوضعوا أسسا وضوابط لمقاومة الاستشراق ونقد آثاره عند المسلمين، ومن هذه الأسس ما أشار إليه الشيخ أبو الكلام آزاد ﵀، وخلاصته ما يلي:
١ - أنه لا ينبغي للعالم المسلم التسارع إلى الفتن والشبهات بحجة المقاومة، لأن المقاوم هو أول من ينجرح بأسلحة الشكوك والشبهات، كما حدث ذلك للمعتزلة القديمة، عندما قاوموا الفلسفة اليونانية، فلا بد من التريث والتأني في مقاومة (الاستشراق) الفلسفة الأوربية الجديدة (٣).
٢ - أنّنا لسنا بحاجة إلى إحداث علم كلام جديدا لمقاومة الاستشراق، لأن علم الكلام القديم لم يُفد شيئا في مقاومة شبهات الفلسفة اليونانية القديمة، بل جرّ إلى الأمة فتنة الاعتزال، فينبغي أن نستخدم أسلحة الكتاب السنة، فتجمع الشبهات بدون التفريق بين الجديد والقديم، ثم ينظر فيها بالسبر والتقسيم، فهل من جديد في أصولها، أو هي كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٤)(٥).
стр. 93
٣ - أنه ما من شبهة صغيرة أو كبيرة أثيرت في هذا الزمن حول القرآن والسنة، وتعليمات الأنبياء عامة إلّا وقد سبقت إثارتها أصلا وفرعا في زمن النبي ﷺ ، وقد فندها القرآن والسنة، ولقد صدق الحق فيما قال: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١) وقال: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢)(٣).
٤ - أن جميع الطوائف المتكلمة في مقاومة الفلسفة القديمة (اليونانية) قد فشلوا، وكذلك ليس باستطاعتهم أن ينتصروا في مقاومة (الاستشراق) الفلسفة الغربية الحديثة، فكانت الطائفة المنصورة في الماضي طائفة أصحاب الحديث، أصحاب طريقة السلف، وكذلك الحال اليوم فكل من أراد أن يتغلب على التيارات الهدامة الجديدة فعليه أن يسلك مسلك أصحاب الحديث ومنهج أهل السنة وطريقة السلف (٤).
٥ - أنه ليس للأشعرية والماتريدية أن يعيبوا المتأثرين بالاستشراق لأن الأولين أئمتهم فلاسفة اليونان (٥)، والآخرين قادتهم فلاسفة الغرب، فالفكرتان من مشكاة
стр. 94
واحدة، بعيدتان عن منهج الكتاب والسنة، ومن ثم لا يمكن القضاء على آثار الاستشراق إلّا لمن اتبع المنهج السني الصحيح (١).
٦ - أنه قد تكالب في هذا الزمن كل الفتن التي كانت موزعة على مدى تاريخ العقيدة الإسلامية الطويل، فأحسن وسيلة لمواجهة هذه الفتن كلها هي مؤلفات ومعارف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لأن فيها البراهين القاطعة من الأدلة النقلية والعقلية، ولكن هذه الخزائن من المعرفة، وكنوزها مدفونة منذ زمن طويل بل جحدت وتركت، وهذه ليست أول قارورة كسرت في الإسلام، وكم نوبةٍ قد رموا الحق والعلم عن قوس واحدة (٢).
وهكذا انطلق السلفيون (أهل الحديث) في الهند في مقاومة الاستشراق وأثره على عقائد المسلمين، فسوف نرى في الفصول القادمة مدى تأثيرهم وتأثرهم في المقاومة، إن شاء الله.
стр. 95
المبحث الثاني: المنهج الكلامي (منهج الماتريدية والأشعرية)
فيه مطلبان:
* المطلب الأول: طبيعة المنهج الكلامي بالهند.
* المطلب الثاني: ملامح عامة لمنهج الماتريدية والأشعرية.
стр. 96
المطلب الأول: طبيعة المنهج الكلامي بالهند .
قد عرضنا فيما سبق الملامح العامة للمنهج العقدي السني وهنا نشير إلى طبيعة المنهج الكلامي الذي كُتب له الانتشار بالهند كغيرها من البلاد الإسلامية، وهو المنهج الكلامي المتمثل في الماتريدية (١) والأشعرية (٢)، فإن السلطان شهاب الدين الغوري لما فتح الهند حاول جمع الناس على هذا المنهج، ونظرا لقوة السلطة الإسلامية آنذاك صار هذا المذهب هو السمة الغالبة على مسلمي الهند.
يقول الشيخ عبد الحي اللكهنوي ﵀: "ولما ملك السلطان شهاب الدين الغوري (الهند) قاتل الإسماعيليين (٣) ثم أخرجهم إلى بلاد "غجرات"، فصار الناس متفقين على كلمة واحدة على مذهب الأشاعرة، والسلطة الإسلامية كانت قوية الشوكة لا يستطيع أحد أن يتفوه بأمر يخالف الأشاعرة إلا في نواحي الهند" اهاهـ (٤)
ويقول أيضا: "كان منهجهم في تلقي العقيدة يتردد بين منهجين منهج الأشاعرة و (منهج) الماتريدية، وكان مسلكهم في الأحكام أو الفروع مسلك الأحناف، وسلكوا مسالك عديدة في السلوك، بل جمعوا بين سلاسل الصوفية وطرقهم كلها، والكتب التي كانت تدرس في مجال العقيدة كالتالي: "شرح العقائد النسفية" للسيد محمد يوسف
стр. 97
الحسيني، و"شرح الفقه الأكبر" للسيد يوسف الحسيني الدهلوي، و"شرح التجريد للأصفهاني" للشيخ وجيه الدين العلوي، و"شرح العقائد العضدية" للدواويني للشيخ عبد النبي الغجراتي، و"شرح العقائد النسفية" للتفتازاني وغيرها من الكتب" اهـ (١)
وكانت الماتريدية والأشعرية من حيث الاستدلال على أمور العقيدة على منهج واحد، ويمكن تسميته بالمنهج الكلامي نظرا لاستدلالهم بالكلام في كثير من الأمور العقدية، وإنما كان الاختلاف في بعض النتائج.
يقول الشيخ عبد الحق الحقاني الدهلوي ﵀: "عند الاختلاف في بعض المسائل العقدية تمسك الشافعية بما ذهب إليه الإمام أبو الحسن الأشعري (٢) فسُمُّوا بالأشعرية، وتمسك الحنفية بما ذهب إليه أبو منصور الماتريدي (٣) فسُمُّوا بالماتريدية" اهـ (٤).
стр. 98
وامتزجت الماتريدية والأشعرية بالصوفية لدى عامة المسلمين الهنود قبل الاستعمار (١)، وبعد الاستعمار دخل الاستشراق وافترق المسلمون على فرق، فالذين تمسكوا بهذا المنهج الكلامي، ووقاموا بالدفاع عنه هم "الديوبندية" (٢).
يقول الشيخ خليل أحمد السهارنبوري الديوبندي: "إنا -بحمد الله- ومشايخنا رضوان الله عليهم أجمعين وجميع طائفتنا مقلدون لقدوة الأنام وذروة الإسلام الإمام الهمام الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ﵁ في الفروع.
ومتبعون للإمام الهمام أبي الحسن الأشعري والإمام الهمام أبي منصور الماتريدي ﵄ في الاعتقاد والأصول.
ومنتسبون من طرق الصوفية إلى الطريقة العلمية المنسوبة إلى السادة النقشبندية (٣)، وإلى الطريقة الزكية المنسوبة إلى السادة الجشتية (٤)، وإلى الطريقة البهية
стр. 99
المنسوبة إلى السادة القادرية (١)، وإلى الطريقة المرضية المنسوبة إلى السادة السُّهروردية (٢) ﵃ أجمعين (٣) اهـ (٤).
وفيما يلي نذكر بعض السمات التي امتازت بها الماتريدية والأشعرية في منهجهما في الاستدلال على أمور العقيدة نقلا عن كتبهما الأصلية.
стр. 100
المطلب الثاني: ملامح عامة لمنهج الماتريدية والأشعرية في تلقي العقيدة:
١ - تقسيم أصول الدين بحسب مصدر التلقي إلى عقليات وسمعيات:
قسمت الماتريدية والأشعرية أصول الدين حسب مصدر التلقي إلى عقليات وسمعيات، وما سموه عقليات فمصدر التلقي فيه عندهم هو العقل، والعقل أصل والنقل تابع معارض له، وهذا جار في معظم أبواب التوحيد والصفات. وما سموه سمعيات فمصدر التلقي فيه عندهم النقل، والعقل تابع له كعذاب القبر والصراط والميزان وأحوال الآخرة (١).
وهم قد وافقوا أهل السنة في معظم أبواب السمعيات، ومن ثم هم أهل السنة فيما وافقوهم، وليسوا على منهج أهل السنة فيما خالفوهم.
٢ - استخدام المقدمات الكلامية والمنطقية لتحديد المصطلحات العقدية، والإحالة عليها عند عرض ما يتعلق بموضوعات العقيدة:
يكاد لا يخلو كتاب من كتب الماتريدية والأشعرية المؤلفة في علم العقيدة من أثر علم الكلام والمنطق والفلسفة، فقد ألف الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ كتابه "كتاب التوحيد"، وذكر فيه القدمات الكلامية الطويلة حيث يشعر القارئ أنه يقرأ
стр. 101
كتاب فلسفة ومنطق وكلام، وكما وضع تفسيرا بعنوان "تأويلات أهل السنة" وهو أيضا مليئ بالمصطلحات الكلامية وتعطيل كثير من الصفات وتأويل النصوص.
وسموا علم التوحيد بعلم الكلام خلافا لما جرى عليه السلف وأئمتهم من تسميته بعلم السنة والشريعة والاعتقاد والتوحيد.
قال التفتازاني (١): "فإن مبنى علم الشرائع والأحكام وأساس قواعد الإسلام هو علم التوحيد والصفات الموسوم بـ "الكلام" المنجي من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام" اهـ (٢).
وأما الأشاعرة فقد تبلغ مقدماتهم الفلسفية والكلامية أكثر من ثلثي الكتب قبل أن يدخل المؤلف في موضوع كتابه (٣).
ومن ناحية أخرى حرص كثير منهم على نسبة أعلام الصحابة والسلف إلى علم الكلام، فذكر عبد القاهر البغدادي (٤) عليا بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ﵄، وعمر بن عبد العزيز، وزيد بن علي بن الحسين، الحسن البصري،
стр. 102
والزهري، والشعبي، وجعفر الصادق، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا يوسف ﵏، وزعم بأنهم كانوا من متكلمين (١).
ودافع القشيري (٢) عن علم الكلام، ورأى أن القول بأنه بدعة صفة الحشوية الذين لا تحصيل لهم (٣).
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ..... ولهذا يوجد في كلام هذا (الرازي) وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي (٤) وذويه، ويوجد في كلام هذا (الرازي) وأبي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري، وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه، ويوجد في كلام ابن كلاب (٥) من النفي الذي قارب فيه المعتزلة
стр. 103
ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة، وإذا كان الغلط شبرا صار في الأتباع ذراعا ثم باعا حتى آل هذا المآل، فالسعيد من لزم السنة" اهـ (١)
٣ - الاستدلال على وجود الله بدليل حدوث العالم:
ومن أشهر أدلة الماتريدية والأشعرية في الاستدلال على وجود الله دليل الحدوث، وهو إثبات حدوث العالم، وذلك أن العالم عندهم جواهر وأعراض والجواهر لا تنفك عن الأعراض، والأعراض حادثة، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث فالعالم حادث.
فيقول أبو منصور الماتريدي ﵀: "وإذا ثبت حدوث الأجسام فالأجسام لا تجتمع ولا تفترق بنفسها، ولا هي قادرة على إصلاح ما فسد منها في حال.
قوتها وكمالها، إذا كانت الطبائع المتضادة المتناثرة لا تجتمع بنفسها فلا بد من قاهر يقهرها على غير طبعها وهو الله" اهـ (٢)
ومن علماء الأشاعرة عبد القاهر البغدادي (٣) وابن فورك (٤) وغيرهما يرون ضرورة دليل حدوث الأجسام للاستدلال على وجود الخالق، فيقول ابن فورك: "إن الخلق عرفوا الله بدلالاته المنصوبة، وآياته التي ركبها في الصور، وهي الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ...... " اهـ (٥).
стр. 104
وقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الدليل من عدة وجوه وخلاصته كما يلي:
١ - أنه دليل مبتدع في دين الله لم يدع إليه رسول الله ﷺ ولا أصحابه من بعده ولا أئمة السلف، وإنما هو قول مبتدع حدث بعد المائة الأولى وانقراض عهد التابعين.
٢ - أنه دليل طويل، كثير المقدمات التي لا يفهمها كثير من الناس.
٣ - أنه يلزم عليه لوازم فاسدة، من نفي صفات الله، ونفي قدرته على الفعل، والقول بأنه فعل بعد أن كان الفعل ممتنعا عليه وأنه يرجح أحد المقدورين على الآخر بلا مرجح، وكل هذا خلاف المعقول الصحيح، وخلاف الكتاب والسنة.
٤ - أن هذا أوجب تسلط الفلاسفة على المتكلمين في مسألة حدوث العالم إلى غير ذلك من الوجوه (١).
٤ - تقديم العقليات على السمعيات، واستقرار القانون العقلي عند توهم تعارض العقل والنقل، ويلجأون إليه على أنه قانون مسلم عندما يواجهون بالنصوص:
قد ساق التفتازاني ﵀ عددا من آيات الصفات، ثم ذكر قانونا كليا في الجواب عنها، فقال: "والجواب: أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله، مع اعتقاد حقيقتها، جريا
стр. 105
على الطريق الأسلم ...... أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفسير، وشروح الأحاديث، سلوكا للطريق الأحكم" اهـ (١).
وأما الأشاعرة فموقفهم من الأدلة العقلية لا يختلف عن موقف الماتريدية، فيقررون بأن الاستدلال بالنقل متوقف على حكم العقل بالجواز وإلى هذا الموقف ذهب أئمة الأشاعرة أمثال الغزالي (٢)، والباقلاني (٣)، والجويني (٤)، والرازي ﵏.
فيقول الرازي: "قيل الدلائل النقلية لا تفيد اليقين: لأنها مبنية على نقل اللغات، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراط، وعدم المجاز، وعدم الإضمار، وعدم النقل، وعدم التقديم والتأخير، وعدم التخصيص، وعدم النسخ، وعدم المعارض العقلي، وعدم هذه الأشياء مظنون لا معلوم، والموقوف على المظنون مظنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية وأن العقلية قطعية، والظن لا يعارض القطع" اهـ (٥).
وخلاصة هذه القاعدة عندهم: أن العقل أصل والنقل تبع ولا يستدل بالنقل إلا إذا أجازه العقل، وعند التعارض يقدم العقل على النقل، إذ أن ما ثبت بالعقل قطعي
стр. 106
وما ثبت بالنقل ظني، والظني مصيره إما تأويل أو تفويض، ولا شك هذا المنهج العقلي لم يكن عند السلف، بل كان هذا سمة المعتزلة.
يقول أبو المظفر السمعاني ﵀: "اعلم أنه فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول، وأما أهل السنة فقالوا الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغني المخلوق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا" اهـ (١).
وأما أهل السنة فجعلوا للعقل مع الشرع ثلاث حالات:
الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع، فيكون شاهدا ومؤيدا ومصدقا، فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع، وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير، فأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية.
الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إثباتا فحكم العقل إذن جواز ما جاء به الشرع.
الثالثة: أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له، فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة إن العقل الصريح لا يعارض النص الصحيح، وقالوا إن الرسل جاءوا بمجازات العقول لا بمحالات العقول، أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل ولكن يخبرون ما يجيزه العقل ويَحارُ فيه، هذا تحديد موقف أهل
стр. 107
السنة من العقل مع الشرع، فإذا دل العقل على خلاف ما جاء به في الشرع الثابت الصحيح نتهم العقل ونخطئه ونتبع النقل الثابت الصحيح (١).
٥ - عدم الاحتجاج بأخبار الآحاد في أمور الاعتقاد:
بعد أن تقررت عند الأشعرية والماتريدية قاعدة تقديم العقل على النقل قالوا خبر الآحاد ظني الثبوت وظني الدلالة، والنص المتواتر وإن كان قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، ولما أن العقل عندهم أحكامه قطعية، وأحكام النقل ظنية فاتهموا ناقلي خبر الآحاد بالافتراء والسهو والغلط.
فيقول الزَّبيدي (٢) ﵀: "كل لفظ يرد في الشرع ..... وهو مخالف للعقل إما أن يتواتر أو ينقل آحادا، والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد ... " اهـ (٣).
وأما الأشعرية فقد صرحوا بعدَم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة، قال الرازي ﵀: "إن أخبار الآحاد مظنونة فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته" اهـ (٤).
ثم ساق خمسة أوجه على ظنية أخبار الآحاد وعدم الاحتجاج بها في الاعتقاد وهي كلها مجرد شبهات.
стр. 108
ومن المعروف أن حديث الآحاد عند المحدثين ما دون المتواتر يدخل فيه الغريب والعزيز والمشهور، فهو كل حديث لم يبلغ عدد الرواة -في كل طبقة من الطبقات- إلى مبلغ يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب، وقد يتفرد به واحد فيسمى غريبا، وقد يرويه اثنان فأكثر فيسمى عزيزا، وقد يستفيض أن يرويه جماعة فيكون مشهورا أو مستفيضا، وعلى هذا فلا يفيد وصفه بأنه حديث آحاد أنه مروي عن واحد دائما، وعلى هذا معظم أحاديث الصحيحين والسنن المشهورة آحاد ليست متواترة (١).
وقال ابن القيم ﵀: "فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك، والشافعي، وأصحاب أبي خنيفة، وداود بن علي وأصحابه، كأبي محمد ابن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي (٢)، والحارث بن أسد المحاسبي (٣) " اهـ (٤).
وقال الشيخ الألباني ﵀: "وقد اختلف العلماء في إفادة حديث الآحاد الصحيح العلم واليقين، فبعضهم كالإمام النووي في "التقريب" ذهب إلى أنه يفيد الظن الراجح، وذهب آخرون إلى أن ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما من الأحاديث المسندة يفيد العلم والقطع، ورأى الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الإحكام (٥) أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معا.
стр. 109
والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث صحيح تلقته الأمة بالقبول من غير نكير منها عليه، أو طعن فيه، فإنه يفيد العلم واليقين، وسواء كان في أحد الصحيحين أو في غيرهما. وأما ما تنازعت الأمة فيه، فصححه بعض العلماء وضعفه آخرون فإنما يفيد عند من صححه الظن الغالب فحسب، والله تعالى أعلم" اهـ (١)
والسلف لم يفرقوا إذا صح الحدث بين الأخذ به في العقائد والأخذ به في الأحكام، يقول ابن القيم نقلا عن ابن تيمية رحمهما الله: "وهذا التفريق باطل بإحماع الأمة فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العمليات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات ... لم تزل الصحابة والتابعون، وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه، وصفاته، فأين سلف المفرِّقين بين البابين؟ " اهـ (٢).
٦ - تأويل النصوص وتعطيل الصفات:
قد ضيقت الماتريدية والأشعرية دائرة الإثبات في الصفات فأثبتت الماتريدية ثماني صفات فقط وهي: الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين (٣). والأشعرية قد أثبتت سبعا منها ما عدا صفة التكوين (٤).
стр. 110
وبعد هذا الاتفاق والتقارب في الإثبات وهم عطلوا الباقي من الصفات إما بالتأويل في النصوص أو تفويض معناها وكيفيتها إلى الله تعالى.
قال البزدوي (١) ﵀: "ليس الله على المكان لا على العرش ولا على غيره وهو ليس فوق العرش وليس له جهة من الجهات" اهـ (٢).
ثم يستدل على ذلك فيقول: "الدليل على أنه ليس لله تعالى مكان بل هو على الصفة التي كان عليها قبل خلق المكان: أنّا لو قلنا إنه صار بعد خلق العالم على المكان، وهو العرش حصل في ذاته التغير، وهو الانتقال منها إلى المكان، والقديم لا يتصور عليه التغير والانتقال لأنه واجب الوجود بجميع صفاته، ولأن الانتقال إلى المكان والاستقرار عليه من صفات الأجسام، وقد ذكرنا أنه ليس بجسم" اهـ (٣).
وبهذه التأويلات الكلامية والفلسفية عطلوا كثيرا من صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة وأولوها إلى غير معانيها مثل صفات العلو والاستواء والنزول والوجه واليد والغضب والرضى ونحوها (٤).