Полный текст (2 812 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
العرف الشذي شرح سنن الترمذي
محمد أنور شاه ابن معظم شاه الكشميري
الهندي
الطبعة الأولى
المحقق محمود أحمد شاكر
стр. 2
مقدمة الشرح
стр. 3
حمداً لمنعم الآلاء العظام ومالك زمام الأنام على ما وفقنا لشرح معاني الآثار، وحل مشكل الأخبار، وألهمنا اختيار ميزان الاعتدال، صادفين عما قيل أو قال وهدانا لما هو عمدة القاري ومشكاة الساري، وفي فيض فتح من الباري، ونور قلوبنا بنور الهداية، وشرح صدورنا بفيض نصّ الرسالة، والصلاة والسلام على من أرسله شافياً لجميع السقام، وسبباً للفوز والسعادة يوم القيام، وأطلعه على ما شاء من الأمور العظام، وعلى آله وأصحابه الغرر الكرام، الذين حازو النعم الجسام، وهم نجوم الاهتداء وسبب الفلاح، بأيهم أردنا الاقتداء سيما الخلفاء البررة والبركاة الذين هم كالأصول الأربعة وتبعهم إلى يوم الدين.
وبَعد: فيقول العبد المفتقر إلى رحمة الله المقتدر، وفقه الله لامتثال الأمر والانتهاء عن المنكر، المدعو بمحمد جراغ وقاه الله عما زاغ، حاكياً عن لسان الشيخ العلامة الحبر ألفهامة مولانا أُستاذنا سيدي محمد أنورشاه كان الله مولاه، أنا الشيخ محمود الدهر وفريد العصر مولانا محمود حسن، أنا الشيخ قاسم العلوم والخيرات مولانا محمد قاسم النانوتوي، أنا الشيخ الشاه عبد الغني الدهلوي طيب الله ثراه، أنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق الدهلوي، وقال مولانا ومرشدنا محمود حسن مد ظله العالي حصل في الإجازة من مرشدنا مولانا رشيد أحمد گتگوهي المرحوم، أنا الشيخ الشاه عبد الغني الدهلوي ﵀، تعالى أنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق، وأيضاً قال: حصل لي الإجازة من مولانا أحمد علي السهار نفوري ومولانا محمد مظهر النانوتوي ﵀ ومولانا عبد الرحمن الپاني پتي وقال مولانا أحمد علي ومن بعده: أخبرنا الشيخ المشتهر في الآفاق الشاه محمد إسحاق رحمه الله تعالى، قال: حصل لي الإجازة والسماعة والقراءة من الشيخ الأجل والحبر الأبجل، الذي فاق بين الأقران بالتميز، أعني الشيخ عبد العزيز ﵀، وحصل له الإجازة والقراءة والسماعة عن والده الشيخ ولي الله بن الشاه عبد الرحيم الدهلوي، أنا الشيخ أبو الطاهر المدني، أنا الشيخ والدي إبراهيم الكروي عن الشيخ المزاحي عن الشهاب أحمد السبكي عن الشيخ النجم الغيطي عن الزين زكريا عن العز عبد الرحيم عن الشيخ معمر المراغي عن الفخر بن البخاري عن عمر بن طبرزد والبغدادي ﵀، أنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم. . إلخ، للسند وليعلم أن منا إلى صاحب الشريعة ﷺ قطعات الأولى منا إلى الشاه محمد إسحاق وهي غير مذكورة في الكتاب، والثانية من الشاه محمد إسحاق إلى عمر بن طبرزد والبغدادي وهي مذكورة في
الكتاب قبل التسمية لكونها سائرة في بعض البلاد لا في بعض، والثالثة من البغدادي إلى الإمام
стр. 4
الترمذي وهي مذكورة في الكتاب بعد التسمية لاشتهارها في أكثر البلاد، والرابعة من المصنف إلى نص الرسالة ﷺ ومتكفلها الإمام المصنف.
قوله حصل لي الإجازة والقراءة والسماعة …
قوله: (حصل لي الإجازة والقراءة والسماعة إلخ) واعلم أن القراءة على قسمين: أحدهما: أن تقرأ على الشيخ وهو يسم، ع وثانيهما: أن يقرأ غيرك على الشيخ وأنت تسمع، ويقال في الثاني: قراءة عليه وأنا أسمع. والسماعة أيضاً على قسمين: السماعة على الشيخ وهي أن يقرأ التلميذ ويسمع الشيخ، ويعبر عنها بأخبرنا فلان إلخ، والسماعة من الشيخ، وهي أن يقرأ الشيخ ويسمع التلميذ، ويعبر عنها بحدثنا فلان إلخ، وأما الإجازة في هذا الزمان أن يقرأ التلميذ على شيخه كتاباً كاملاً ثم بعد الختم يطلب الإجازة بكتابة السند المتعارف فيما بيننا أو غيره، وأما في المتقدمين فكانت بأن يكتب التلميذ الأحاديث ويعرضها بحضرة شيخه أو يعرضها بحضرته بدون الكتابة فيجيزه الشيخ بالكتابة أو غيرها، وأما التحديث والإخبار فليس بينهما فرق لغة، وفرق المحدثون بينهما كما حررنا، وقيل إن الراوي مخير بين التعبير بحدثنا موضع أخبرنا وبالعكس لأنه إذا قرأ على الشيخ وأجازه به كان كأنه أخبره به كما إذا سمعت واقعة وعرضتها على أحد فأخبرك بها أيضاً حتى وثقت بها تقول بعد ذلك: أخبرني بها فلان، فهذا هو الوجه لمن خير بينهما، وقيل: إنه ليس بمخير بل يستعمل كل واحد منهما في موضعه مع تسليم الطائفتين التساوي في القبول والقوة، قال مسلم صاحب الصحيح ومن تبعه: إن التحديث أقوى من الإخبار، وقال مالك بن أنس بالعكس ويقولان بقبولهما في التمسك الاحتجاج، والفرق في المراتب.
قوله: (أبو الطاهر المدني) إذا كان منسوباً إلى مدينة الرسول، فيقال: مدني بلا ياء قبل النون، وإذا نسب إلى مدينة آخر كمدينة منصور (بغداد) ، يقال: مديني بالياء قبل النون، والمنسوب عند النحاة كالمشتق في العمل والاشتمال على الذات والصفة.
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) شرع الإمام المصنف ﵀ في كتابه بالتسمية ولم يذكر الحمد اقتداء بكتب النبي ﷺ ، وأما حديث (كل أمر ذي بال لم يبدء: إلخ) فمضطرب فإن في بعض ألفاظ (بحمد الله) وفي بعضها (بذكر الله) ، وفي بعضها (ببسم الله) وقال الشيخ تاج الدين السبكي إن الحديث يبلغ مرتبة الحسن وفي سنده قرة وهو مختلف فيه، وأما على تقدير ثبوته فيدل على الابتداء بذكر الله لا بخصوص الحمد الله، وأما ما قال المصنفون من الجمع بين بسم الله والحمد لله بالابتداء الحقيقي والمجازي فليس بمراد، وتدل أقاويلهم على تعدد الحديث، والحال أن الحديث واحد واختلفت الألفاظ.
قوله: (عبد الملك بن أبي القاسم إلخ) لفظ الابن إذا وقع بين العلمين المتناسقين يسقط التنوين من العلم الأول، ويسقط الهمزة من الابن في الكتابة أيضاً، ولا يكون الابن مضافاً إليه للعلم الأول، وأما إذا وقع في ابتداء السطر لا يسقط الهمزة.
стр. 5
قوله الهروي الكروخي
قوله: (الهروي الكروخي) صفته لأبي الفتح لضابطة إن الصفات والأحوال إنما تكون للراوي لا لأبيه أو جده إلا عند النقل، كما في يحيى بن سعيد القطان أن القطان صفة سعيد على قول.
قوله: (في العشر الأول) عادة العرب أنهم يعتبرون الليالي في التواريخ ولذلك، أتى بالعشر بدون التاء.
قوله: (الأزدي) نسبة إلى بني أزد ـ بسكون الزاي ـ المعجمة اسم قبيلة، وقد يبدل الزاي بالسين، فيقال بني أسد، فإذن يلتبس الأسدي المنسوب إلى هذه القبيلة بالمنسوب إلى بني أسد قبيلة أخرى، فقيل في رفع اللبس أن المنسوب إلى بني أزد يستعمل باللام، فيقال: بني أسد والمنسوب إلى بني أسد بلا لام، فيقال: بني أسد، أقول: هذا إذا لم يكن معه ياء نسبة وإن كانت فلا فرق بينهما، فلا يرتفع الالتباس إلا بأن المنسوب إلى بني أزد يقرأ أَسْدياً بسكون الوسط، والمنسوب إلى بني أسد يقرأ أسَدَيّاً بفتح الوسط، وبمعرفة أسماء الآباء والأجداد والتلامذة والمشايخ بالاستقراء.
قوله: (وأنا أسمع) وإنما زاد هذا لأنه لم يكن قارئاً بل القارىء غيره، وكان هذا سامياً فكان اسمه مكتوباً في الطبقة، والطبقة في إصطلاح المحدثين ثبت يكون فيه أسماء شركاء الجماعة، ويكتبه كل واحد من الشركاء ليكون سنداً عند التحديث بالأحاديث التي أخذها من ذلك الشيخ مع هؤلاء الشركاء.
قوله: (المروزي والمرزباني) قال علماء اللغة: إن مرو نسب إليه الشخص فيقال: مروزي بزيادة (ز) أو كما في النسبة إلى الرّي يقال: رازي، وأما إذا نسب إليه غير الشخص يقال: مروى، ومرزبان لفظ فارسي يقال له دهقان ومرز اسم بنت.
قوله: (فأقر به الشيخ الثقة) المراد بالشيخ هو المحبوبي كما في ثبت ابن عابدين، وهذه العبارة ليست في النسخ المعتبرة كما قال مولانا مد ظله العالي، وأما على تقدير وجودها في الكتاب فمرادها أن الشيخ المحبوبي نسخ الكتاب وكان علم من قبله بالصدور، فإذا صار العلم بالكتاب فاحتاج تلامذة الشيخ المحبوبي إلى أن يقر المحبوبي بكتابه وصحته، فلذا قال تلميذ المحبوبي: أقر الشيخ المحبوبي بهذا الكتاب لتوثيق الكتاب.
قوله: (قال أبو عيسى إلخ) قد ورد النهي عن التكني بهذه الكنية، ولعل المصنف ﵀ حمله على خلاف الأولى، لكنه بعيد عن شأن المصنف، ولم يتعرض أحد إلى هذا، وعندي العذر من جانب المصنف أن مغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى بإجازة النبي ﷺ ، واسم المصنف محمد بن عيسى الترمذي، وترمذ بلدة على ساحل جيحون وهو النهر الذي يضاف إليه ما وراء النهر، وأما النهران جيحان وسيحان ففي بلدة الشام، وعمر المصنف ﵀ سبعون سنة، وارتحل إلى دار البقاء سنة ٢٧٩ مائتين وتسعة وسبعين من الهجرة النبوية كما قيل:
стр. 6
~ الترمذي محمد ذو زين … عطر مداه وعمره في مين
وله مناقب غير عديدة، منها ما قال شيخه البخاري: استفدت منك ما لم تستفد مني، وأقول: لست احصل هذا القول، فإن الترمذي وإن كان من جبال الحديث ولكن البخاري كان شمس سماء هذا الفن، ولعله مراده أنه أخذ منه العلم مثل ما لم يأخذ غيره، فإن التلميذ كما يحتاج إلى الاستفادة من الشيخ كذلك يكون الشيخ محتاجاً إلى إفادته وإفشاءه علم الدين، ويحتاج إلى تلميذ ذكي والله أعلم، وله مناقب في الحفظ منها أنه سافر للحج فلقيه بعض المحدثين في الطريق والتمس منه التحديث، قال الشيخ: جيء بالقلم والدواة، فالتمس الترمذي فلم يجدهما فجلس بين يدي شيخه وجعل يجر أصبعه على القرطاس، وأخذ الشيخ في التحديث، وروى له قريب ستين حديثاً، فإذن وقع نظر الشيخ على القرطاس فوجده خالياً صافياً فغضب على الترمذي وأخذ يقول إنك تضيع أوقاتي، فقال الترمذي: حفظت الأحاديث فقرأ الأحاديث المسموعة عنه عنده، وله مناقب أخر وأما مرتبة كتاب المصنف ﵀، فأول مراتب الصحاح مرتبة البخاري، والثانية مرتبة مسلم، والثالث مرتبة أبي داود، والرابع مرتبة النسائي، والخامس مرتبة الترمذي، وهذا المذكور من الترتيب هو المشهور، وعندي أن مرتبة النسائي أي كتابه أعلى من كتاب أبي داود، فيكون النسائي في المرتبة الثالثة لما قال النسائي: ما أخرجت في الصغرى صحيح، وقال أبو داود ما أخرجت في كتابي صالح للعمل فيعم الحسن والصحيح، ومرتبة الترمذي في المرتبة الخامسة حتى قال الحافظ سراج الدين القزويني الحنفي: إن في الترمذي ثلاثة أحاديث موضوعة، لكن المحدثين لم يسلموا حكم وضعه، نعم قبلوا ضعفها أشد الضعف، ولو التفت إلى أن الترمذي يحكم على أكثر الأحاديث من الصحة والحسن والضعف فيكون أعلى من أبي داود، لكن أبا داود أعلى من الترمذي بحسب الإجمال وإن لم يحكم على كل واحد من الأحاديث، وأما ابن ماجه فقالت جماعة من المحدثين إن ابن ماجة ليس بداخل في
الصحاح لا شتماله على قريب من اثنين وعشرين حديثاً موضوعاً، فعلى هذا السادس من الصحاح الستة موطأ مالك بن أنس إلا أنه رأى مكتوباً على ابن ماجه صحيح ابن ماجه بقلم علاء الدين المغلطائي الحنفي وهو معاصر ابن تيمية ومن حفاظ الحديث.
واعلم أن المؤلفات على أنواع كما ذكر الشاه عبد العزيز ﵀ في العجالة النافعة: الجامع الذي يحتوي على ثمانية أشياء وهي هذه سير وآداب وتفسير وعقائد وفتن وأحكام وأشراط ومناقب، والجامع هو الترمذي والبخاري، وأما صحيح مسلم فليس بجامع لقلة التفسير فيه،
والسنن هي التي فيها الأحكام فقط على ترتيب أبواب الفقه، والسنن أبو داود والنسائي وابن ماجه، ويسمى الترمذي أيضاً سنناً تغليباً، وكذلك إطلاق الصحاح الستة على هذه المعهودة لأن الصحيح صحيح البخاري ومسلم وباقيتها السنن، والمسند الذي يذكر فيها الأحاديث من الصحابة
стр. 7
بحسب رعاية ترتيبهم بدون الترتيب في أبواب الفقه، مثلاً يذكر أولاً الأحاديث المروية عن أبي بكر ثم عن عمر ثم عن عثمان وهكذا،
والمعجم الذي يذكر فيه أحاديث الشيوخ مرتبة كالترتيب في المسند.
والجزء الذي يحتوي على أحاديث مسألة واحدة معينة كجزء القراءة للبخاري، وجزء رفع اليدين له، والمفرد: الذي يحتوي على أحاديث شخص واحد مثل أحاديث أبي هريرة أو حذيفة، والغريبة: التي فيها تفردات تلميذ واحد من شيوخه ولم تكن مروية عن غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وأنواع أخر، مثل المستخرج، والمستدرك.
أما شرط أرباب الصحاح فاشترط البخاري الإتقان وكثرة الملازمة للشيخ، واشترط مسلم الإتقان فقط، ولا يشترط ثبوت اللقاء أو كثرة الملازمة، بل يكتفي بالمعاصرة بين الراوي والمروي عنه، وهو مذهب الجمهور في التمسك.
واشترط أبو داود كثرة الملازمة فقط، ولم يشترط الترمذي شيئاً منهما، والمراد بهذه الشروط أنهم يكتفون بهذه الشروط ويأتون بما يكون بشرط أعلى من شرطه أيضاً، وبسبب اعتبار كثرة الملازمة وقلتها يقال: إن فلاناً ضعيف في حق فلان وإن كانا ثقتين في أنفسهما، فعلم أن الضعف على قسمين: ضعف في نفسه، وضعف في غيره.
وأما مذهب أرباب الستة الصحاح فقيل: إن البخاري شافعي لأنه تلميذ الحميدي وهو تلميذ الشافعي.
أقول: لو كان المراد على هذا لقيل: إنه حنفي لأنه تلميذ إسحاق بن راهويه، وأما غيره من شيوخه فمفيدون، وإسحاق من أساتذته الكبار، وإسحاق من خاصة تلامذة ابن المبارك، وهو من خاصة تلامذة أبي حنيفة، ولكن الحق أن البخاري مجتهد، وكثيراً ما يكون اجتهاده موافق الأحناف إلا أنه وافق في المسائل المشهورة بين أهل العصر الإمام الشافعي، مثل: القراءة خلف الإمام، ورفع اليدين، والجهر بآمين.
ويظهر هذا لمن يتتبع صحيحه، ولله در ما قال القاضي أبو زيد الدبوسي: ولمسألة يختلف فيها كبار الصحابة يعوذ فهمها ويصعب الخروج منها، وإن المسائل مختلفة فيما بين المجتهدين، وهي تحت الحديث ويساعده تعامل السلف ويكون السلف الصالح مختلفين فيها لا يمكن الاتفاق على أحدها إلى قيام القيام.
وأما مسلم فلا أعلم مذهبه بالتحقيق، وأما ابن ماجه فلعله شافعي، والترمذي شافعي، وأما أبو داود والنسائي والمشهور أنهما شافعيان، ولكن الحق أنهما حنبليان، وقد شحنت كتب الحنابلة بروايات أبي داود عن أحمد، والله أعلم.
стр. 8
أبواب الطهارة
стр. 9
قال الحافظ بدر الدين العيني الحنفي: ومن مصطلحات أرباب الحديث التعبير بالكتاب إذا كانت تحته أحاديث أنواع مختلفة، ولك التعبير بالأبواب، وبالباب إذا كانت الأحاديث من نوع واحد، وقول الترمذي: أبواب الطهارة ترجمة، ويظهر فقه المحدث من ترجمته، كما قيل: فقه البخاري في تراجمه، وله محملان:
أحدهما: أن مسائل فقه المختارة عنده تظهر من تراجمه، وثانيهما: أن ذكاءه يظهر من تراجمه، والبخاري سابق الغايات في وضع التراجم، فإنه قد تحيرت العقلاء فيها، وسهل التراجم تراجم الترمذي، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي، واقتفى النسائي في تراجمه أثر شيخه البخاري، وبعض تراجمها متحدة حرفاً حرفاً، ومستبعد ـ والله أعلم ـ سيما إذا كان النسائي من تلامذة البخاري، وما وضع مسلم بنفسه التراجم.
قوله: (عن رسول الله ﷺ : إلخ) كان المحدثون المتقدمون يخلطون بين المرفوعات والأثار، وأول من ميز بينهما الإمام أحمد بن حنبل وتبعه المتأخرون.
وقال الترمذي: عن رسول الله مشيراً إلى أن الورادة ههنا مرفوعات لا آثار.
والمرفوع: ما أسند إلى النبي ﷺ فعلاً أو قولاً أو تقريراً.
стр. 10
باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور
стр. 11
[١] قوله: (ح وحدثنا الخ) ح يسمى تحويلاً، والاختلاف في القراءة فإن المغاربة يقرؤون تحويل والمشارقة يقرؤون ح بالمد أو القصر.
قال سيبويه: إن أسماء حروف التهجي إن كانت مركبة في الكلام فممدودة، كما قال محمد في قصيدة البردة:
стр. 12
~. . . . . . . . . . . . . . . … لولا التشهد كانت لاءه نعم
وإن كانت منفردة فمقصورة كما يقال في حين التعداد: با، تا، ثا.
أقول: إن هذه الضابطة ليست بأسماء حروف التهجي بل في ذلك كلمة ثنائية تكون في آخرها ألف. واعلم أن التحويل على قسمين: أحدهما: اجتماع الطرق المتعددة من الأسفل، ويسمى الراوي المشترك مداراً ومخرجاً، وهذا التحويل كثير، ثانيهما: افتراق الطريق الواحد من الأسفل إلى طرق كثيرة، والتحويل بكلا قسميه قد يكون بطريقين وقد يكون بأزيد منهما.
(فـ) ربما تجد في كتب الصحاح وغيرها أنهم يبدؤون السند من الأول أي الأعلى بالعنعنة ثم في الأسفل بالإخبار والتحديث؛ لأن التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين فاحتاج المحدثون إلى التصريح بالسماع، ولا يقبل حديث المدلس إلا عند التصريح بالسماع أو ما يدل عليه.
والتدليس على أنواع:
أحدها: أن يسقط الراوي اسم شيخه لغرض من الأغراض ويروي عن شيخ شيخه بعن كي لا يكون كاذباً، وثانيهما: تدليس التسوية وهو حذف الرواة الضعفاء من بين السند ورواية الحديث بطريق ثقاته بالعنعنة كتدليس وليد بن مسلم عن الأوزاعي كما سيجيء. وثالثها: أن يذكر الراوي اسم شيخه إن كانت المشهورة كنيته، أو يذكر كنيته إن كان المشهور اسمه ولا يسقط بهذا عدالته ولا ضيق في هذا، وأما القسمان الأولان فقبيحان، وقال شعبة: إن التدليس حرام والمدلس ساقط العدالة، ومن ثم قالوا: السند الذي فيه شعبة بريء عن التدليس وإن كان بالعنعنة والجمهور إلى قبح التدليس، ولكنه لا يسقط به العدالة، وإذا صرح بالسماع أو ما حاذاه يقبل الحديث، ومن عادة المحدثين ضم المتن لأقرب الطرق المتعددة، ومن عادتهم أيضاً ضم متن الحديث للسند العالي، والمصنف راعى العادة الثانية كما يدل عليه قوله: قال هناد في حديثه: إلا بطهور إلخ، فعلم أن المذكور ليس متن هناد، وأما وجه اختياره العادة الثانية على الأولى فعلى ما قيل: سئل ابن المبارك: ما يشتهي قلبه؟ قال: سند عالٍ وبيت خالٍ.
قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور إلخ) القبول على قسمين: أحدهما: كون الشيء متجمعاً بجميع الأركان والشرائط.
وثانيهما: وقوعه في حيز مرضاة الله، وقال ابن دقيق العيد: إن القبول مشترك في المعنيين ولا قرينة على المعنى الأول، وأما الثاني فغير معلوم بغير الله تعالى فلا نعلم ما في حديث الباب، وأقول: إن المراد هو الأول بقرينة الإجماع على عدم صحة الصلاة بدون الطهور، وعدم القبول هو الرد سواء كان لذا أو لهذا، ونسب إلى مالك بن أنس عدم الإعادة على من صلى بلا وضوء، وليست هذه النسبة
стр. 13
صحيحة، ولعل وجه النسبة الاشتهار على الألسنة عدم اشتراط طهارة الثوب والمكان عند مالك ﵀ فقاسوا عليهما طهور البدن أيضاً، واعلم أن قول: لا تقبل صلاة بالتنوين مثل لا رجل في الدار، بمعنى (نيست هيج مردي ورخانه) ومعنى لا رجل في الدار بالفتح (نيست مردوخانه) ومعنى ما من رجل في الدار (نيت هيج إزمري مردي وخانه) فعلى هذا معنى لا تقبل صلاة بلا طهور (قبول نمى شود سپح غازي بغير طهور وباكى) فعلم أن كل فرد صلاة موقوف على الطهور، واختلفوا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة في اشتراط الوضوء لهما فقال بعض: لا يشترط الوضوء لصلاة الجنازة، وأما الإمام الشافعي فليس بقائل بما قالوا، ولعل وجه ما قالوا: إن قال الشافعي بالجنازة على الغائب، ويقول: إنها دعاء كسائر الأدعية، فزعم أنها دعاء كسائر الأدعية في عدم وجوب التوضئ أيضاً، والإمام البخاري موافق لنا في اشتراط الوضوء للجنازة، وأما سجدة التلاوة فقال الشعبي والبخاري: لا يشترط التوضئ، كما أخرج البخاري عن ابن عمر: «أنه كان يسجد على غير وضوء» الخ وفي نسخة البخاري الأصيلي: «كان ابن عمر يسجد على وضوء» وقال خدام البخاري: إن الأول أصح وأما الأئمة الأربعة فقائلون بوجوب التوضئ في سجدة التلاوة لأنها ـ أي: السجدة ـ أخص مدارج الصلاة فيشترط لها كما اشترط لها، وأما فاقد الطهورين فرواية عن أبي حنيفة إنه يتشبه بالمصلين، أي يركع ويسجد بلا قراءة، قال مالك: لا يصلي الآن، وقال أحمد بن حنبل: يصلي الآن، ولا يقضي، وللشافعية وجوه أربعة، أحدها: القضاء فقط، وثانيها: الأداء فقط، وثالثها: الأداء في الحال ثم القضاء بعده، ورابعها: وجوب الأداء واستحباب القضاء.
(ف) من مصطلحات فقهاءنا التعبير بالقول عما قال المشائخ وبالرواية عما قال الأئمة، وعند الشافعية قول الإمام رواية وأقوال المشائخ وجوه، لنا في التشبه بالمصلين لفاقد الطهورين القياس المستنبط من الإجماعين، أحدهما: من أفسد الصوم أو حاضت المرأة في نهار رمضان أو طهرت أو بلغ الصبي يجب عليهم الإمساك في بقية النهار، وهل هذا إلا تشبه بالصائمين، والإجماع الثاني: أن من أفسد حجة يجب عليه المضي على الأركان ثم يقضي وليس المضي على الأركان إلا تشبه بالمصلين فلما ثبت التشبه في الصوم والحج نعديه إلى الصلاة، وكذا اِكتفاء بعض السلف بالتكبيرة في التحام القتال من هذا، واعترض الخصم علينا في قولنا: البناء على الصلاة لمن أحدث فيها بحديث الباب، فالجواب: أولاً: إن المشي في الصلاة ليس بصلاة كالإياب والذهاب في صلاة الخوف ليس بصلاة، بل فعل في الصلاة، وثانياً: بأن البناء روي مرفوعاً عن عائشة، ولكن الصواب عند أرباب الحديث الإرسال، والإرسال مقبول سيما إذا كان مؤيداً بفتيا الصحابة، فيكون حجة قطعاً، ومن الفتاوى استخلاف عمر وعلي رضوان الله عليهما.
قوله: (ولا صدقة من غلول الخ) الغلول في اللغة: سرقة الإبل، وفي اصطلاح الفقهاء: سرقة مال الغنيمة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل مال خبيث، قال في الدر المختار: إن التصدق بالمال الحرام ثم رجاء الثواب منه حرام وكفر، وفرَّق البعض بين الحرام لعينه ولغيره، ومنهم العلامة التفتازاني،
стр. 14
أقول: ينبغي الفرق بين الحرام الظني والقطعي، لا في لعينه ولغيره، قال ابن قيم في بدائع الفوائد: من اجتمع عنده مال حرام فتصدق يثاب عليه، وفي الهداية: من اجتمع عنده مال حرام سبيله التصدق وقع التعارض بين الدر والهداية، أقول في دفع التعارض إن ها هنا شيئان:
أحدهما: ائتمار أمر الشارع والثواب عليه.
والثاني: التصدق بمال خبيث، والرجاء من نفس المال بدون لحاظ رجاء الثواب من امتثال الشارع، فالثواب إنما يكون على ائتمار الشارع، وأما رجاء الثواب من نفس المال فحرام، بل ينبغي لمتصدق الحرام أن يزعم بتصدق المال تخليص رقبته ولا يرجو الثواب منه، بل يرجوه من ائتمار أمر الشارع، وأخرج الدارقطني في أواخر الكتاب: أن أبا حنيفة ﵀ سئل عن هذا فاستدل بما روى أبو داود من قصة الشاة والتصدق بها.
قوله: (هذا الحديث أصح) لا يلزم من قوله هذا أن يكون صحيحاً في نفسه، بل مراده بالأصح والأحسن أعلى الحديث في هذا الباب وإن لم يكن حسناً عند المحدثين، ومن عادة الترمذي إخراجه الأحاديث التي لم يخرجها غيره للاطلاع على ذخيرة الحديث، فمراده أنه أعلى الأحاديث التي لم يخرجها أرباب الصحاح، كذلك قال بعض حفاظ الحديث في عادة الترمذي هذه.
قوله: (وفي الباب عن ابن مليح ﵀ الخ) المراد بذكره ههنا هو أبو أبي المليح لا أبو المليح نفسه، لأن الراوي أبوه، واعلم أن الترمذي مع كونه جامعاً ذخيرة الحديث فيه قليلة بخلاف غيره من أرباب الصحاح إلا أنه يكافئه يذكر: وفي الباب عن فلان وعن فلان الخ، وصنف ابن حجر العسقلاني في استخراج ما ذكر الترمذي في الباب وسماه: «اللباب فيما قال الترمذي وفي الباب» ولكنه غير مطبوع، والأسهل لاستخراج أحاديثه المراجعة إلى مسند أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
стр. 15
باب ما جاء في فضل الطهور
стр. 16
[٢] لفظة «أو» قد يكون لشك الراوي، وقد يكون للتنويع، وإذا كان للشك من الراوي فيقرء بعده لفظ «قال» ، ويعرف ذلك بالذوق.
стр. 17
واعلم أن المصنف أخرج حديث الباب مختصراً، وفي غيره: «وإذا مسح الرأس خرجت كل خطيئته سمعها بأذنيه» الخ فدل على أن الأذنين في حكم الرأس، ودل على عدم ضرورة تجديد الماء لمسح الأذنين كما هو مذهب أبي حنيفة.
قوله: (يخرج نقياً من الذنوب الخ) قال المتأخرون: الحسنات مكفرات السيئات الصغائر، وقال المتقدمون: يفوض الأمر إلى الله بلا تقييد بالصغائر والكبائر، وتمسك المتأخرون بما سيأتي «ما لم يغش الكبائر» وأقول: التحقيق أن لا يقيد بالصغائر، ويتمشى على ألفاظ الأحاديث لغة، وفي اللغة: الذنوب العيوب والخطايا ما ليس بصواب، والمعصية (نافر ماني والسيئة برائي) ، فالمعاصي في أعلى مراتب الإثم ودونها السيئات ودونها الخطايا، ودونها الذنوب، وأشكل الحديث بأنه يدل على خروج الذنوب، والخروج يقتضي أن يكون الشيء الخارج ذا جرم، والذنوب أخواتها من المعاني، فالأصوب التفويض إلى الله تعالى، ومن أراد أن يقع في التكلفات، فيرجع إلى ما قال الصوفية بأن وراء هذا العالم المشاهد عالماً يسمى بعالم الأمثال، وراءه عالم الأدوات، وفي عالم الأمثال صور كل شيء في هذا العالم من الأجسام والمعاني، وفي عالم الأرواح أرواح كل شيء كما قالوا:
~ رأابري وآب ويگراست … آسمان وآفتاب ويگراست
وقالوا: إن عالم الأمثال متصرف في هذا العالم المشاهد وألطف منه، وعالم الأرواح متصرف في عالم الأمثال وألطف منه، وليس عالم الأمثال هو دار الآخرة بل موجود الآن، وقالوا: من يذهب في عالم الأَْمْثَالِ أو الأرواح لا يتميز بين أشياء عالم الشهادة وأشياء عالم الأمثال، وأما الروح فعند أهل الإسلام جسم لطيف على شكل كل ذي ذلك الروح واحتجوا على هذا أي جسمية الروح بما ورد في الأحاديث، كما في حديث البراء بن عازب «فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول» الخ أخرجه أحمد في مسنده، وصاحب المشكاة ص١٣٤، وفيه: «فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن» وأحاديث أخر دالة على جسمية الروح، ونقل قاضي زاده في تهافت الفلاسفة أن الغزالي قائل بتجرد الروح وكذلك نسب إلى القاضي أبي زيد الدبوسي الحنفي.
فأقول: أولاً: إن خلافهما لا يكفي، فإنا نتمسك بنصوص الشريعة من القرآن والحديث.
وثانياً: بأن نقل المذهب متعسر، فما لم أر عبارة القاضي أبي زيد لا أنسب إليه هذا الخلاف، وأما الغزالي فقال تلميذه أبو بكر بن العربي: إن الأستاذ غمس في الفلسفة، ثم ضرب بيده وسعى للخروج فلم يسعف بمرامه، والمتقدمون من علماء الإسلام يريدون بالتجرد عدم الكثافة يظهر ذلك من
стр. 18
تفسير سورة الإخلاص للحافظ ابن تيمية ﵀، ثم اختلف الصوفية بعد اتفاقهم على مادية الروح في أنه كالبدن للثياب، أو أعضاءه سارية في أعضاء الجسد المشاهد، وقال الشيخ الأكبر في الفصوص: الروح يتشكل بأشكال مختلفة، وقال الجهلاء الفلاسفة: إن الروح مجرد، وتشبثوا بأوهام بما هي أوهن من بيت العنكبوت، منها ما قال الفارابي: إن الروح محل التصور والتصديق وهما معنيان مجردان، ومحل المجرد مجرد، وهذا كما ترى لأنه لم لا يجوز أن يكون تعلق التصور والتصديق بالروح كتعلق النفس الناطقة بالبدن المادي؟
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) الحسن والصحيح متقابلان في المشهور، لأن الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ويكون سالماً عن العلة والشذوذ والنكارة، والحسن الذي يكون رواته أقل اتفاقاً من رواة الصحيح وأقل ضبطاً من رواته، فكيف جمع المصنف بين المتنافيين فالأجوبة عديدة، منهاما قال الحافظ ابن حجر: بتقدير كلمته «أو» وعلى تقدير «أو» يكون الحاصل هذا الحديث حسن أو صحيح، أي تردد الترمذي في الحسن والصحة، أو يقال: بتقدير الواو أي حسن وصحيح، والحسن باعتبار طريق، والصحة باعتبار طريق آخر، لكنه ليس بشاف، فإن هذا التردد من الترمذي بعيد، وأما تقدير الواو فلا يجري في جميع المواضع، ومنها ما قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: إن الحسن الصحيح مرتبة بين الحسن والصحيح، كالحلو الحامض لكنه أيضاً غير صحيح، لأنه يأتي بأحاديث الصحيحين ويحكم عليها بالحسن الصحيح، والحق ما قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: بأنهما متبائنان مفهوماً، ومتصادقان مصداقاً، وبينهما عموم وخصوص مصداقاً كالظاهر والنص، وسيأتي بعض كلام على هذا عن قريب.
مقدمة
واعلم أن الصحيح عندي على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون رواته ثقات وعدولاً ويساعده تعامل السلف.
والثاني: أن يصححه إمام من أئمة الحديث بخصوصه.
والثالث: أن يخرجه من التزم الصحة في كتابه مثل صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن السكن، وصحيح ابن حبان، والنسائي، وإن لم يحكم عليه بخصوصه بالصّحة.
والرابع: أن يكون الرواة سالمين عن الجرح، ويكونون ثقات فعندي المرتبة الأولى أعلى مراتب الصحيح.
والتواتر عندي أيضاً على أربعة أقسام:
أحدها: تواتر الإسناد: وهو أن يروي الحديث جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، وكذلك يكون في القرون الثلاثة وهذا التواتر تواتر المحدثين.
стр. 19
والثاني: تواتر الطبقة: وهو أن يأخذ طبقة عن طبقة بلا إسناد، والقرآن متواتر بهذا التواتر، وهذا تواتر الفقهاء.
الثالث: تواتر التعامل: وهو أن يعمل به أهل العمل بحيث يستحيل تكذيبهم، وهذا التواتر قريب من التواتر الثاني، ومثال هذا التواتر العمل برفع اليدين عند الركوع وتركه فإنه عمل به غير واحد في القرون الثلاثة.
الرابع: تواتر القدر المشترك: وهو أن يكون مضمون مذكوراً في كثير من الآحاد، كتواتر المعجزة، فإن مفرداتها وإن كانت آحاداً لكن القدر المشترك متواتر، وحكم الثلاثة الأول تكفير جاحده.
وأما الرابع: فإن كان ضرورياً فكذلك، وإن كان نظرياً فلا.
قوله: (وهو حديث مالك الخ) وإنما أعاده إشارة إلى تفرد مالك واشتهاره عنه، ولم يوجد له متابع بهذا الطريق عن أبي هريرة.
قوله: (وأبو هريرة اختلفوا الخ) في اسم أبي هريرة ففيه خمسة وثلاثون قولاً، قيل: عبد شمس، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد شمس في الجاهلية، وعبد الله في الإسلام، واختلف في انصراف أبي هريرة وعدم انصرافه، فقال ملا علي القاري: سئل الحافظ ابن حجر عن انصرافه وعدمه، فقال: وجدناه غير منصرف، والقياس الانصراف، ولعله زعم أن من شروط عدم الانصرف كون هريرة غير منصرف وعلماً قبل إضافة أبي إليه، والحال إنه لا حاجة إلى هذا كما في أبي حمزة وأبي صفرة فعلى هذا يكون عدم الانصراف برواية ودراية، وأما وجه التسمية بأبي هريرة، قيل: كانت له هرة كان كلما يخرج من البيت يضعها في كمه، وكلما دخل يضعها بأصل شجرة والله أعلم.
قوله: (الصنابحي الخ) الصنابحي ثلاثة: أحدهم صنابحي بالياء صحابي، والثاني صنابحي بالياء
стр. 20
تابعي واسمه عبد الرحمن ويكنى بأبي عبد الله، ورجل آخر صنابح بلا ياء وهو صحابي، وقد يقال له: صنابحي للشرب ثانياً بالياء أيضاً.
стр. 21
باب ما جاء في مفتاح الصلاة الطهور
стр. 22
[٣] قوله: (عن سفيان) بعد سفيان تحويل، ولكنه غير مكتوب في الكتاب، وسفيان هذا قد أشكل على أرباب الحديث أنه سفيان بن عيينة أو سفيان الثوري، لأن المعرفة إنما يكون بذكر الآباء والأجداد أو التلامذة أو الشيوخ، والأب والجد غير مذكور، واكثر تلامذة سفيانين وشيوخهم متحدون، فتتبعت ووجدت في تخريج الهداية للطبراني أنه ثوري لا ابن عيينة.
قوله: (صدوق) صادق في لهجته وسيء في حفظه.
قوله: (وهو مقارب الحديث) اختلفوا في أنه توثيق للراوي أم تضعيفه، وأما في اللغة فلا يدل اللفظ على التليين، فإن معناه أنه متوسط، ولكنه لفظ التوثيق كما سيأتي في الترمذي في مواضع أنه ثقة ومقارب الحديث، منها ما في (ص٢٠٠) : إن إسماعيل بن رافع ثقة وقوي ومقارب الحديث.
قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) واعلم أن في هذه الجملة وقرينتيه قصراً لتعريف المبتدأ والخبر، كما قال صاحب التلخيص: وتعريف أحد الطرفين قد يفيد القصر، وقال العلامة: وإنما قال قد يفيد الخ لأن إفادة تعريف أحد الطرفين القصر ليس بضابطة كلية فإنه قد لا يفيده، وقال السيوطي: إن تعريف الطرفين يفيد القصر، وأقول: إن تعريف أحد الطرفين يفيد القصر إذا كان الطرف الآخر مشتملاً على معين القصر كاللام أو في أو غيرهما، مثل: الحمد لله، والكرم في العرب، ثم اعلم أنه
стр. 23
قلما يفيد تعريف أحد الطرفين القصر بلا معين أيضاً، كما في قصيدة بانت سعاد:
ذو إبل مسهن الأرض تحليل
أي تحلة قسم، ففي: (مسهن الأرض تحليل) قصر بلا معين، وقد لا يكون القصر مع تعريف الطرفين أيضاً، كما في: الكرم الخلق الحسن، ولذا قال مولانا مد ظله العالي: إن الضوابط عصا الأعمى. وقال الزمخشري في الفائق في حديث: (إن الله هو الدهر) : إن فيه قصر المُسنَد إليه على المُسنَد، والمعنى: إن الله هو جالب الحوادث لا غير الجالب، وقال العلامة: فيه قصر المسند على المسند إليه، وردَّ على الزمخشري، أقول: إن ردَّه ليس بذلك، لأن تعريف الطرفين يصلح لقصر المسند إليه على المسند ويصلح للعكس.
ثم اعلم أن اللام عند أهل المعاني قسمين: لام العهد الخارجي، ولام الحقيقة، والأول على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يكون المعهود مذكوراً سابقاً، ويسمى بالعهد الذكري.
والثاني: ما يكون حاضراً، ويسمى بالعهد الحضوري.
والثالث: ما يكون معلوماً بين المتكلم والمخاطب، ويسمى بالعهد العلمي.
ومثال العهد الحضوري: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (الخ) .
والثاني: أيضاً على ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يكون المراد من مدخوله نفس الحقيقة من حيث هي هي، ويسمى لام الجنس، أو من حيث وجودُها في حصة منتشرة، ويسمى لام العهد الذهني، أو من حيث وجودُها في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها اللغة، فيسمى لام الاستغراق.
وأما عند النحاة فالقسم الثالث للعهد الخارجي عهد ذهني عندهم، ولام العهد الذهني، لأهل المعاني لام الجنس عند النحاة، والمختار عندي هو قول النحاة.
وبالجملة الحديث مشتمل على القصر، فقالت الشافعية وتبعهم بفرضية صيغة السلام، وصيغة (الله أكبر) ، وقالوا: الحديث دال على عدم صحة الصلاة وعدم وجودها بدون السلام عليكم ورحمة الله وبدون الله أكبر، ويقول الأحناف بعدم فرضيتهما، ومدار الخلاف على أن المتكلم إذا تكلم ففي كلامه مفهوم ومنطوق، ثم المفهوم المخالف غير معتبر عندنا، ومعتبر عند الشافعية حتى
стр. 24
جعلوه دليلاً، أقول: إن الكلية غير صحيحة من الطرفين، بل يقال باعتبار المفهوم المخالف من غير جعله دليلاً فيحتاج إلى بيان نكات الشروط والقيود والصفات المذكورة في النصوص، ولا تدل نفيها على نفي الحكم، وقد بسطه أبو البقاء في كلياته، ثم قال الأحناف: إن المفهوم المخالف معتبر في عبارات كتب الفقه، والمحاورات فيما بيننا، لأن تحصيل مرادها سهل بخلاف نصوص الشارع، فإن تحصيل مراد كلامه متعسر، فقال الشافعي ومالك وأحمد بركنية السلام والله أكبر بعينهما، والفرض عند الأحناف كل ذكر مشعر بالتعظيم، والسنة الموكدة الله أكبر، وكذلك الخروج بصنع المصلي فرض، ولفظ السلام واجب، هذا هو المشهور منا، ثم اعترض علينا بمَ الفرق بين سنية الله أكبر ووجوب السلام مع أن الحديث لهما واحد، فإما أن يكون كل واحد منهما سنةً وإما أن يكون واجباً؟ فيقال: أن هناك قولاً بالسنية أيضاً، ذكره في البناية على الهداية عن المحيط، ومذهب الطحاوي ـ وهو أعلم الناس بمذهب أبي حنيفة ـ سنية السلام، وتمسك الطحاوي أن علياً ﵁ راوي حديث الباب أفتى بتمامية صلاة من سبقه الحدث بعد التشهد، وأما تأويل كلام الطحاوي بأن المراد بالسنية ثبوته بالسنة وجعله موافقاً للقائلين بالوجوب يأبى عنه العقل السليم، فقال الشيخ الكمال بوجوب الله أكبر، وتمسّك بأن في الكافي أن تارك الله أكبر، آثم ومن المعلوم أن الإثم لا يكون إلا على ترك الواجب، أقول: إن صيغة الأمر من الشارع للوجوب
عند صاحب الفتح والبحر، وكذلك نكيره ﵊ على الترك يدل على الوجوب، ومواظبة النبي ﷺ مع الترك أحياناً يدل على السنية عندهما وأما مواظبته ﵊ على أمر بلا تركه أحياناً فللوجوب عند ابن همام، وللسنية عند صاحب البحر، فمدار اختلافهم على هذا، وأما اختلافهم في إثم تارك السنة ـ بأن الشيخ يقول بعدم الإثم، وابن نجيم يقول بالإثم ـ مبني على الاختلاف الأول، لكن صاحب البحر يقول بإثمٍ أقل من الإثم على ترك الواجب، وقال المحقق ابن أمير الحاج: ترك السنة ليس بإثم إلا من اعتاد أو اعتقد عدم السنية، وقال ابن همام: من ترك رفع اليدين عند التحريمة مع التهاون يأثم والله أعلم، أقول: ترك السنة بقدر زائد على ما تركه النبي ﷺ لا يخلو من إثم فبالجملة اندفع الاعتراض الوارد علينا بناء على المشهور، ثم يرد علينا حديث الباب على وجوب لفظ السلام والله أكبر، وأجاب المدرسون عنه بأن المراد من التكبير كل ذكر ينبئ عن التعظيم، أقول: هذا التأويل يرده ذخيرة الحديث من تصريح لفظ (الله أكبر) أخرجه أرباب الصحيحين وغيرهما، وجرى تعامل السلف على الشروع في الصلاة بالله أكبر.
واعلم أن ههنا مرتبة الواجب التي قال بها الأحناف، مدارها على تمهيد مقدمة، وهي أن الخبر على ثلاثة أقسام: المتواتر، وهو المروي عن جماعة يستحيل اجتماعهم على الكذب، ويكون هذا الحال في القرون الثلاثة والمشهور هو الذي يكون خبر الواحد في القرون الأول واشتهر بعده، وخبر الواحد، الذي يكون واحداً في القرون الثلاثة، ثم قال الأحناف ـ أي العراقيون ـ بعدم جواز الزيادة
стр. 25
على القاطع بخبر الواحد، وقال الشافعية ومن تبعهم: بجواز الزيادة به على القاطع، أقول: يجوز الزيادة بخبر الواحد عندنا لكن لا في مرتبة الركن والشرط، فيثبت الوجوب والسنية بالخبر الواحد، ولا نهمل خبر الواحد عن الأصل كما زعمه بعض من لاحظّ له في العلم، وتصدى إلى الاعتراض علينا كالنواب المعزول، وليعلم أن الثابت بالظني يجوز إثبات ركنه وشرط بالظني وخبر الواحد، والكلام فيما ثبت بالقاطع، ونقول: إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فعملنا به معاملة الظن، ولم تثبت به الركن والشرط، وأما الشافعية فعاملوا بالظني معاملة القاطع، فجوزوا زيادة ركن أو شرط بخبر الواحد، والأقرب إلى الضوابط مذهبنا، فإذا تمهد هذا فنقول: إن الشافعية قالوا بركنية ما ثبت بخبر الواحد، ونقول: لا يوجب الركنية لأنه ظني الثبوت فلا يثبت به إلا الوجوب تثبت مرتبة واجب الشيء من هذا المذكور وليعلم أن واجب الشيء لم أجده إلا في الصلاة والحج لا في المعاملات، ولم أجد فيها فرائض أيضاً، وإنما يذكرون لها شرائط وأركاناً لا واجبات وفرائض، بخلاف الشيء الواجب فهو عام، وقد قال الشافعية في الحج بواجب الشيء، أنكروه في الصلاة، وكذلك أنكر غير الشافعية أيضاً مرتبة الواجب، وأقول: قال ابن تيمية في منهاج السنة: إن الصلاة تتركب من الفرائض والواجبات والسنن عند الثلاثة، وعند الشافعي من الفرائض والسنن، فدل على قول الموالك والحنابلة بواجب الشيء فكيف ينكرون علينا إلا أن الواجب قسم من السنة عند الموالك، وأقول: أيضاً يقول الحنابلة بفرضية القعدة الأولى وانجبارها لو تركها بسجدة السهو، وهل هذا إلا مرتبة واجب الشيء، والاختلاف في الألقاب لا في الحكم، ولما وجدنا في الصلاة والحج أشياء أكيدة ثم جبر نقصانها وعدم فساد الصلاة والحج فقلنا بمرتبة الواجب، فالحاصل أن ثبوت مرتبة الواجب من ظنية الدليل، وكذلك يدل تعريف أرباب أصولنا الواجبَ
عليها، فعلى هذا قال ابن همام: ليس الواجب في حقه ﵊، فإنه ليس له ظن في شيء، وأقول: إن بحث أرباب الأصول في الواجب يكون من حيث صورة الدليل، ولا يتعرضون إلى حقيقة الواجب، تعرض إليها بعض الحذاق، فحقيقته أن الواجب يكون لاستكمال الفرض مثل السنن إلا أن الواجب آكد في الاستكمال، فإذا ثبت وتمهد ما ذكر نقول: إنّ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] القاطع دل على فرضية ما يشعر بالتعظيم، والحديث الظني ثبوتاً دل على وجوب (الله أكبر) خاصة، وكذلك يقال في غيره، فأصل المناسبة ولكل ذكر مشعر بالتعظيم، وكمالها للفظ (الله أكبر) ، وهذا هو الجواب عما استشكل في التحرير من اعتبار جنس العلة في عين الحكم، فقال: إنه راجع إلى اعتبار العين، في العين وليس كذلك، فإن هناك
стр. 26
أصل وكمال على أن الجنس هناك بمعنى المجانس لا بمعنى الوصف الشامل، فعلم أن بحث الشيخ في (لا صلاة لمن لم يقرأ. . الخ) بأن (لا) لنفي الكمال، فيدل على وجوب الفاتحة ـ غير جيد، فإن مقتضاه ظنية الدليل في الدلالة مع كونه ظني الثبوت، وهو لا يوجب الواجب كما سيبدأ عن قريب، والأصوب البحث في ظنية الدليل في الثبوت، كما أشار إليه صاحب الهداية هو أيضاً الحديث ليس ظني الدلالة، بل هو قطعي الدلالة لتعامل السلف على ابتداء الصلاة (بالله أكبر) ، وإن قيل: فعلى هذا التعامل وإجماع السلف يكون (الله أكبر) ركناً نقول: إن اجتماعهم وتعاملهم على الإتيان (بالله أكبر) لا على ركنيته، وبينهما بون بعيد، فمرتبة الواجب القائل بها الأحناف ثابتة بلا ريب، وتفصيل الأمر أن الأدلة على أربعة أنواع: الأول: الدليل قطعي الدلالة والثبوت. ويُفيد الفرضية في جانب الأمر، والحرمة في جانب النهي، والثاني: ظني الثبوت والدلالة، ويفيد الكراهة تنزيهاً في جانب النهي، والاستحباب في جانب الأمر، والثالث: ظني الثبوت وقطعي الدلالة، والرابع: بالعكس، وكلا القسمين يفيدان الوجوب أو السنية في جانب الأمر، والكراهة تحريماً في جانب النهي، فعلى هذا ظهر الفرق بين الفرض والواجب، فهذه نبذة من إثبات مرتبة الواجب والكلام المحول، وبعض كلام سيأتي في باب صفة الصلاة في صلاة مسيء الصلاة.
قال المحقق ابن أمير الحاج: إن الخروج بصنعه ليس بفرض، فإن الفرض يتأدى في ضمن القربات لا في ضمن المنكرات، وقد قلنا بأداء الخروج بصنعه تحت القهقهة والتكلم، وهما مكروهان في الصلاة، وزعم هذا المحقق أن هذا القائل قاسَ القهقهة وإخراج الريح والتكلم وغيرها على لفظ السلام بجامع الخروج بصنع المصلي والحال أنه لم يقس بل أبدى حكمه وحقق أمراً واقعياً، على وزان ما يقال: إن الصلاة للذكر، والصوم لقمع النفس عن الشهوات، فهو حكمة مجردة، وإن كان قياساً فمرسل ملائم.
واعلم أن ههنا ثلاثة أعمال: تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، قال الشيخ الكمال بن همام: إن هذه الألقاب الثلاثة ألقاب عند الشافعية لا عندنا، ولكن العمل كذلك عند مشايخنا أيضاً، فأما تحقيق المناط فهو إجراء الأحكام النوعية أو الجنسية على أفرادها وأنواعها، ولا يختص بالمجتهد، بل كل مكلف يقدر عليه، مثل: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، فإجراء الآية على أفرادها ليس بمختص بالمجتهد، وأما تنقيح المناط فقال الشوكاني في (إرشاد الفحول في علم الأصول) : إن تنقيح المناط نوع من أنواع القياس، والفرق أن القياس هو إبداء لجامع، وتنقيح المناط إلغاء الفارق بين المقيس والمقيس عليه، وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: إن التنقيح يجري في النصوص أيضاً، وقال: التنقيح حذف الأوصاف التي ليست بمؤثرة
стр. 27
وإبقاء المؤثرات كما في قصة الأعرابي الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، فكانت فيها أوصاف، كونه عامداً، أو كونه صحابياً، أو رجلاً، أو كونه مفطر صومه في نهار رمضان عمداً، فقال أبو حنيفة: إن الوصفَ المؤثرَ إفسادُه صومَه في نهار رمضان عمداً، فيتعدى الكفارة إلى الأكل والشرب عمداً، وسائر الصفات غير مؤثرة، وقال الشافعي أن المؤثر جماعه في نهار رمضان فلا تكون الكفارة في الأكل والشرب فهذا التنقيح تنقيح في النصوص، فعلم أنه ليس بقياس يكون في غير المنصوص، فقول الشوكاني غير جيد، وتنقيح المناط مختص بالمجتهدين، وأما تخريج المناط فهو: ترجيح المجتهد وصفاً من الأوصاف لعلّية الحكم، وفي التنقيح حذف غير المؤثر وإبقاء المؤثر، وفي التخريج ترجيح وصف للعلية، ومثال التخريج: الأشياء الستة الواردة في حديث الربا، من الحنطة، والشعير. . ففي هذه الأشياء أوصاف عديدة من الكيل والوزن والادخار والطعم والثمنية وغيرها فقال أبو حنيفة: إن العلة القدر والجنس، وقال الشافعي: إن مشار النهي هو الطعم والثمنية، وقال مالك: إنه اقتيات وادخار، فهذا القسم أي التخريج قياس، لأن المجتهد لما قرر علة يبني عليها الأحكام والفروع، ثم إن القياس قد يكون مثل تشبيه أهل المعاني، فإن التشبيه عندهم بيان الجامع بين المشبه والمشبه به، يعمل المشبه على المشبه به ولعله هو قياس الشبه، وأما في القياس للعلة فيدعي المجتهد كون الوصف علة للحكم واقتضاءه الحكم، ولا يكفي الصحة المحضة، والفرق بين القياس وتنقيح المناط: للعلة في القياس تعدية الحكم الشرعي بعينه إلى المقيس، ويكون الالتفات إليه أولاً ثم يلحقونه بما أشبه من المنصوص، والتنقيح لتعرف حال المنصوص أولاً أو إن لزمه التعدية، آخراً ثم إن قيل: فأي شيء ألجأ إلى القول بالشيئين الفرض والواجب؟ يقال: إن في أخواته أيضاً فرضاً وواجباً فكذلك قلنا فيما نحن فيه، وأخواته
مثل (الله أكبر) واجب لحديث الباب، وذكر الله المشعر بالتعظيم فرض لآية، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وكذلك القراءة المطلقة فريضة لآية: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية وتعيين الفاتحة مع ضم آية سورة واجب واعلم أنه لا يقال في الآية إن ما في عامة، والمراد منها أية سورة شاء من الفاتحة أو السورة بلا تعيين الفاتحة كما يقول أهل العصر، بل يقال: إن المراد مما في الآية هو الفاتحة وأية سورة شاء، إلا أن هذا المراد من هذه الآية ظني، فالظن في كون المراد مراداً له، لو قلنا ما قال أهل العصر لزم إدخال الكراهة التحريمية في أمر الشارع، ولا يقبله العاقل ذو عقل سليم، فإن الامتثال بهذا الأمر يوجب الثواب، والحمل والإتيان بما قالوا لا يوجب الثواب، فيراد بأمره ما يكون جامعاً للفرائض والواجبات والسنن الأكيدة، وكذلك أقول في حديث مسيء الصلاة: «ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن» ، ومن أخوات ما نحن فيه الركوع والسجود، فإن ما يصدق عليه الركوع والسجود فرض لآية: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وأما المكث قدر تسبيحة أو ثلاث تسبيحات فثابت بالحديث ويكون واجباً، وأما فرضية القعدة فثبت بالإجماع فكذلك قلنا فيما نحن فيه، أي في فرضية الصنع بخروجه، ووجوب السلام، وفي مثل هذه
стр. 28
الأشياء يتأدى الفرض في ضمن الواجب ويكون المرئي ظاهر الواجب، وفي ضمنه الفرض، ولذا قال مولانا محمد قاسم النانوتوي: إن الفرض كالمادة، والواجب كالصورة.
стр. 29
باب ما يقول إذا دخل الخلاء
стр. 30
[٥] قيل: معناه حين دخوله، وقيل: إذا أراد الدخول، قال ابن هشام صاحب المغني: إنّ تقدير (أراد) بعد (إذا) في مثل هذا المقام مطّرد، وأقول: قد ورد في بعض ألفاظ الحديث: (إذا أراد الدخول) ، وفي البحر: إذا كان بين بيت الخلاء وموضع الخلاء مسافة شيء فقيل: يدعو بهذا الدعاء عند الباب، وقيل: عند موضع الخلاء، وقال مالك: إن نسي وقت الدخول فليقل وقت الجلوس، خلاف الجمهور في هذه الحالة.
قوله: (من الخُبُث والخَبيث) هاهنا شك الراوي، وفي رواية أخرى: (من الخُبُث والخبائث) كما سيجيء، والخُبُث ذكور الشياطين، والخبائث إناث الشياطين، ويأمر الشارع بالأوراد نظراً لنا.
وأما الأول، أي (من الخبث والخبيث) إن كان الخبْث بسكون الوسط فمصدر، وإن كان بضمه فجمع خبيث، ويكون المراد من الخبيث: الفعل الخبيث، ومن الخُبُث بضم الوسط: ذكور الشياطين، وفي الحديث: (الحشوش محتضرة. . إلخ) أي مواقع النجاسة، وقصة سعد مشهورة أنه ذهب في المغتسل، فأبطأ عليهم، فذهب الناس فوجدوه ميتاً، وسمعوا من ظهر غيب:
~ قتلنا رئيس الخزرج سعد بن عبادة … رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
فعلم وجود الجنات والشياطين في الحشوش والمغتسل، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن البول في الحجر.
قوله: (وفي إسناده اضطراب إلخ) الاضطراب قد يكون في المتن وهو اختلاف الألفاظ، وقد يكون في الإسناد، وهو اختلاف الرواة وقفاً ورفعاً ووصلاً وإرسالاً، والاضطراب ههنا من ثلاثة أوجه، لأن لقتادة أربعة تلامذة، اثنان في أول الكلام، وهو هشام وسعيد، واثنان في آخر الكلام، وهو معمر وشعبة، ثم اختلف الأولان فيما بينهما، ثم اختلف الآخران فيما بينهما، واختلاف الأوليين إنما رويا عن قتادة ثم قال سعيد: إن بعد قتادة قاسم بن عوف الشيباني، فأثبت الواسطة بين قتادة وزيد بن أرقم، ونفى هشام الواسطة، والراجح ما قال سعيد، وأما هشام فحذف الواسطة، وأما الآخران فرويا عن قتادة عن النضر بن أنس، ثم اختلفا، فقال شعبة: إن الراوي فوق النضر هو زيد بن أرقم، وقال معمر: إن الراوي فوقه هو أبوه، أي أنس، فصار الخلاف من ثلاثة أوجه:
стр. 31
الأول: إن الأوليين يرويان عن قتادة عن زيد بلا واسطة النضر، وقال، الآخر أن بواسطة النضر.
والثاني: بين الأوليين فقال أحدهما بواسطة قاسم بين قتادة وزيد، ونفاها الآخر، وأما الخلاف الواقع بين سعيد وبين شعبة ومعمر فدفعه الترمذي بقوله نقلاً عن البخاري، قال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما، أي عن النضر وعن القاسم، ومرجع الضمير النضر والقاسم، لا ما هو مذكور فيما بين سطور الكتاب أن المرجع زيد والنضر.
والثالث: بين الآخرين، فقال أحدهما: أنس بعد النضر، الآخر قال: زيد، أقول: إن الصحيح عن النضر عن زيد، ومن قال عن النضر عن أبيه فقد وهم، ولقد نظمت فيما ذكرت:
~ هشام عن قتادة ثم زيد … سعيد عن قتادة فابن عوف
~ وقال البيهقي: أنس خطاء … وعن زيد قتادة غير صرف
وأخذت هذا المضمون من السنن الكبرى للبيهقي ولقد غلطا بعض الناظرين في هذا المقام.
وحكم الاضطراب أن يطلب الترجيح وإلا فيسقط الاحتجاج بالمضطرب.
стр. 32
باب ما يقول إذا خرج من الخلاء
стр. 33
قرر الشارع الأوراد والأذكار في الأحوال المتواردة، كدخول المسجد، والخروج عنه، والدخول في الخلاء، والخروج عنه، وفي حديث: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) ، فقيل: المراد به الذكر اللساني، فيرد عليهم أنه ﵊ كان يشتغل بغيره من الأشغال، فكيف يذكر الله على كل أحيانه، وقيل: إن الذكر هو الذكر القلبي، كما في أشغال التصوف، وهذا أيضاً بعيد، فإن اللغة آبية عن هذا المعنى فإن الذكر في اللغة هو اللساني، وأقول: إن المراد من الأحوال هي الأحوال المتواردة لا الأحوال المتشابهة.
стр. 34
[٧] قوله: (غفرانك) في الحاشية: أي اغفر غفرانك، أو أسأل غفرانك، ويعني أنه مفعول مطلق أو مفعول به، وعندي أنه مفعول مطلق، كما ذكر الرضي ضابطة، وهي هذه: إذا كان فاعلُ عاملِ المفعول المطلق أو مفعولُه مذكوراً بعده بواسطة الإضافة أو حرف الجر يجب حذف العامل، كما في (سبحانك) وأشار إليه ابن حاجب مجملاً، وأما نكتة حذف العامل فمذكورة في كتاب سيبويه.
قال المغربي: رأيت في كتاب أن آدم لما هبط على الأرض وجد الريح النتنة من الغائط، فقال: (غفرانك) زعماً منه أنه بسبب ما عهده من أكل الحبة، فجرت هذه السنة في أولاده، والله أعلم.
قوله: (حسن غريب) في بعض المواضع يكون غريب حسن بتقديم الغريب، فقال أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري:
إن الأقدم اتهم بشأنه، ثم جمع المصنف بين الحسن والغريب، وللغريب معان:
أحدها: ما فسرها الجمهور به، وهو ما حصل فيه التفرد في أي موضع كان، ولا تنافي بين الغريب والحسن عند الجمهور، لأن سند الحسن أيضاً قد يكون واحداً.
وثانيها: ما تفرد فيه الراوي بزيادة شيء وليس في المشهور تلك الزيادة.
وثالثها: أحد السندين الواصلين إلى شيخ معين يكون أحدها مشهوراً والآخر متفرداً فيه، فالثاني
стр. 35
يكون غريباً، لكن باعتبار قول الترمذي بين الحسن والغريب تناف، لأنه فسر الحسن في العلل الصغرى، واشترط فيه تعدد الطرق، وفي الغريب تكون وحدة الطريقة، فالأجوبة عديدة، إن مدار الحديث قد يكون واحداً والرواة عن المدار كثير، فيسمى الحديث بالنسبة إليه غريباً، وبالنسبة إلى ما تحته من الرواة حسناً، كما تشير إليه عبارة الترمذي في مواضع، لكن هذا الجواب لا يجري فيما قال الترمذي في الحسن من تعدد الطرق، وقال: ويروى من غير وجه نحو ذلك، وأجيب بأن تعريف الترمذي إنما يؤخذ به إذا كان غير مقرون بالغريب، وإذا كان مقروناً بالغريب لا يكون المراد ذلك الحسن، وقال ابن صلاح: إن تعريف الخطابي للحسن محمول على الحسن لذاته، وتعريف الترمذي له محمول على الحسن لغيره، ولكنه بعيد لأن الترمذي ربما يحكم بالحسن على أحاديث الصحيحين، ومن القطع أن أحاديث الصحيحين لا تنحط عن مرتبة الحسن لذاته، فكلام ابن صلاح بمراحل عن الصواب، ومنشأ زعمه عدم تقييده رواة الحسان بالإتقان، والحال أن القيد مراد له ومنوي، والجواب: إن تعدد الطرق في الحسن مشروط إذا كان التفرد تفرداً مضراً، وأما إذا لم يكن مضراً فلا يشترط التعدد، والتفرد المضر زيادة راوٍ في حديث عن شيخ لم يذكرها غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وغير المضر الذي يروى راو حديثاً بتمامه عن شيخ لم يروه غيره من تلامذته عنه وتفرد الراوي المضر قد يكون مقبولاً عند المحدثين، وقد لا يقبل، وأما بعضهم فيقبلونه كلياً، وسبيل التفرد تتبع متابعٍ له أو شاهد، والمتابعة تكون في الرواة، والشهادة من الصحابي، ثم المتابعة قريبة وبعيدة.
(ف) وإذا أقول: لفظ الحجازيين فأريد به الشافعية والموالك، وإذا أقول: لفظ العراقيين أريد به الأحناف، ومذهب أحمد دائر بين العراقيين والحجازيين، ومن عادة الترمذي وأبي داود والنسائي إخراج أحاديث الحجازيين والعراقيين، وقد يأتي بهما مسلم وأما البخاري فيبوب على ما هو مختار عنده.
стр. 36
باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول
стр. 37
[٨] في الاستقبال والاستدبار عند الخلاء سبعة مذاهب:
قال أبو حنيفة بكراهيتهما في الصحاري والبنيان.
وقال الشافعي بالجواز في البنيان لا في الصحاري.
وقال أحمد ابن حنبل بجواز الاستدبار لا الاستقبال، وفي رواية شاذة عن أبي حنيفة ـ كما في الهداية ـ وفاق أحمد، وينبغي الجمع بين الروايات عن الأئمة مهما أمكن، والاختيار في الأقوال عن المشائخ، وترجيح أحدها، والجمع في روايتي أبي حنيفة ﵀ أن الاستدبار والاستقبال مكروه إلا أن كراهة الاستدبار أقل من كراهة الاستقبال، وقال الشاه ولي الله في ترجمة الموطأ: إن الاستدبار والاستقبال مكروهان تنزيهاً عند أبي حنيفة ﵀ ، ولعله مما في البناية على الهداية وعن البناية في النهر، وذكر صدر الإسلام أبو اليسر الأخ الأكبر لفخر الإسلام أبي العسر: إن بين الكراهة تحريماً وتنزيهاً واسطة تسمى إساءة.
(ف) قال أشياخنا ﵏ أجمعين: إذا وردت الأحاديث المختلفة في المسألة فيأخذ الشافعي ﵀ بأصح ما في الباب مرفوعاً، ويأخذ مالك ﵀ بتعامل أهل المدينة وإن خالفه حديث مرفوع، ويأخذ أبو حنيفة ﵀ بكل المرفوعات بالحمل على محمل واحد، وربما يأخذ بالقولي ويخرج المحامل في الوقائع المخالفة له، ويأخذ أحمد بن حنبل ﵀ بالكل مع لحاظ أقوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، ولذا تجد عنه روايات في مسألة وإذا تعارض الحديثان ففي كتب الشافعية يعمل بالتطبيق ثم بالترجيح ثم بالنسخ ثم بالتساقط، وفي كتبنا يؤخذ أولاً بالنسخ ثم بالترجيح ثم بالتطبيق ثم بالتساقط، والمقدم عندنا هو النسخ الثابت بالنقل، وأما النسخ الاجتهادي فمرتبة بعد الترجيح وقبل التطبيق، وأما تقدم الترجيح قبل التطبيق فهو مقتضى القريحة السليمة فإن في الترجيح عملاً بالعلم، وفي التطبيق عملاً بعدمه، والعلم مقدم على عدمه.
قوله: (إذا أتيتم الغائط) هذا الأمر لأهل المدينة، والغائط الأرض المنخفضة المطمئنة، وقد يطلق على ما يخرج.
стр. 38
قوله: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها) استنبط الغزالي ﵀ من حديث الباب أن الواجب في الصلاة إدراك جهة القبلة لا عينها، لأنه ﵊ ذكر أربع جوانب، وإدراك الجهة يتحقق بإمكان الخط المستقيم بين بيت الله وصدر المصلي، ونقل ابن عابدين أن الاستقبال والاستدبار عند الخلاء معتبر باعتبار العضو المخصوص لا الوجه.
قوله: (فننحرف عنها. . الخ) مرجع الضمير إما الكعبة، فيكون المعنى: نتخلى في تلك المراحيض، وننحرف عن القبلة مهما أمكن، ونستغفر الله من عدم الانحراف الكامل، أو يكون المرجع المراحيض، فيكون الاستغفار من فعلهم الشنيع، أي فعل أهل الشام، والمراحيض: جمع مرحاض، من الرحض (صاف كرون) .
قوله: (هكذا قال إسحاق الخ) . . أي إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وفي راهويه ونفطويه وسيبويه وأخواتهما نعقان قال المحدثون: يقرأ سيبوْيَة ونفطوْيَة وراهوْيَة، وقال النحاة ـ وهو المشهور على ألسنتنا: ويقرأ سيبوَيْه و. . . ونفطوَيْه، وكذلك في غيرها.
стр. 39
باب ما جاء من الرخصة في ذلك
стр. 40
[٩] حديث الباب تمسُّك الشافعي ﵀ وتمسكنما ضابطة الشارع.
قوله: (محمد بن إسحاق) اختلف أهل الجرح والتعديل فيه ما لم يختلف في غيره حتى أن قال
следующие страницы →