Полный текст (6 828 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
* التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر العسقلاني، ط/المكتبة الأثرية، باكستان.
* سنن أبي داود، ط/دار الفكر.
* سنن الترمذي (جامع الترمذي) ، تحقيق أحمد محمد عثمان، ط/دار الفكر.
* سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط/دار إحياء التراث العربي، بيروت.
* سنن النسائي، ط/مصطفى البابي الحلبي، مصر.
* صحيح البخاري، المكتبة الإسلامية، استانبول، تركيا.
* فيض القدير للمناوي شرح الجامع الصغير للسيوطي، ط/٢، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩١هـ، توزيع دار الباز بمكة.
* المستدرك للحاكم النيسابوري، ط/دار الكتاب العربي، بيروت.
* المسند للإمام أحمد بن حنبل، ط/دار الفكر
كتب اللغة:
* الصحاح للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط/٣، ١٤٠٤هـ.
* المصباح المنير للفيومي، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.
* معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية، إيران.
* القاموس المحيط للفيروزآبادي، ط/الحلبي، القاهرة.
كتب الأصول:
* الإبهاج للسبكي، ط/١، ١٤٠٤هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، توزيع دار الباز بمكة.
* الإحكام للآمدي، تحقيق وتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، ط/المكتب الإسلامي، بيروت.
* الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم الظاهري، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، ط/١، ١٣٩٨هـ، الناشر مكتبة عاطف بمصر.
* إرشاد الفحول للشوكاني، ط/دار المعرفة، بيروت.
* أصول الفقه، محمد مصطفى شلبي، ط/دار النهضة العربية، بيروت، ط/٣، ١٤٠٢هـ.
* البحر المحيط للزركشي، تحقيق د. عمر الأشقر، ط/وزارة الشئون الإسلامية، الكويت.
* بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب للأصفهاني محمد بن عبد الرحمن، تحقيق د. محمد مظهر بقا، ط/مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.
стр. 1752
* التبصرة في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي، تحقيق د. محمد حسن هيتو، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٠هـ.
* التمهيد لأبي الخطاب، تحقيق د. مفيد أبو عمشة، ط/مركز البحث العلمي جامعة أم القرى، ط/١، ١٤٠٦هـ.
* التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للاسنوي، تحقيق د. محمد حسن هيتو، ط/مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/١، ١٤٠٠هـ.
* تيسير التحرير لأمير بادشاه، توزيع دار الباز، مكة، ط/دار الكتب العلمية، بيروت.
* جمع الجوامع بشرح المحلى، ط/دار الفكر، ١٤٠٢هـ.
* حاشية الشيخ حسن العطار على جمع الجوامع لعبد الوهاب السبكي، ط/مصطفى الحلبي، مصر.
* حاشية البناني على جمع الجوامع، ط/دار الفكر، ١٤٠٢هـ.
* شرح ابن بدران على الروضة (نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر) ط/المكتب الإسلامي، ودار الكتب العلمية، بيروت
* شرح البدخشي (مناهج العقول) ، محمد بن الحسن على منهاج الوصول للبيضاوي، ط/صبيح مصر.
* شرح تنقيح الفصول للقرافي، ط/دار الفكر، بيروت، القاهرة.
* شرح المحلى على جمع الجوامع مع حاشية البناني، ط/دار الفكر، ١٤٠٢هـ.
* شرح الكوكب المنير لابن النجار، تحقيق د. محمد الزحيلي، ود. نزيه حماد، ط/مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى ١٤٠٢هـ.
* العدة لأبي يعلى، تحقيق د. أحمد سير المباركي، مؤسسة الرسالة بيروت.
* فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، مطبوع بهامش المستصفى، ط/دار إحياء التراث العربي، بيروت.
* المحصول في أصول الفقه لفخر الدين الرازي، تحقيق د. طه جابر العلواني، ط١، ١٤٠٠هـ، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
* مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي محمد الأمين، ط/المكتبة السلفية المدينة المنورة.
* المسودة لآل تيميه، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت.
стр. 1753
* المستصفى للغزالي، ط/مع فواتح الرحموت، مصورة عن المطبعة الأميرية، بولاق بمصر، نشر دار إحياء التراث العربي ومكتبة المثنى، بيروت، لبنان.
* المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، ١٤٠٣هـ.
* منتهى الوصول والأمل لابن الحاجب، ط/دار الكتب العلمية، بيروت، ط/١، سنة ١٤٠٥هـ.
* نهاية السول للاسنوي على منهاج الوصول للبيضاوي، ط/دار الكتب العلمية، عالم الكتب، بيروت.
كتب التراجم:
* البداية والنهاية لابن كثير، مكتبة المعارف، بيروت.
* الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب للقاضي برهان الدين ابن فرحون، تحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور، ط/دار التراث، القاهرة، ١٩٧٤م.
* ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، صححه محمد حامد الفقي، ط/السنة المحمدية، سنة ١٣٧٢هـ.
* سير أعلام النبلاء للذهبي، ط/مؤسسة الرسالة.
* شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف، ط/بالأوفست عن الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩هـ.
* شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، ط/دار الآفاق الجديدة، بيروت.
* طبقات الحفاظ للسيوطي، ت/علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط/١٩٧٣م.
* طبقات الشافعية للسبكي، دار المعرفة، بيروت، ط/٢.
* طبقات الفقهاء للشيرازي، تحقيق د. إحسان عباس، نشر دار الرائد العربي، بيروت، ١٩٧٠م.
* لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، نشر مؤسسة الأعلمي، بيروت.
* المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي، ط/حيدر أباد الدكن، ١٣٥٩هـ.
* وفيات الأعيان لابن خلكان، تحقيق د. إحسان عباس، ط/دار صادر، بيروت.
مصادر خاصة:
* المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة بالقاهرة.
* منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مطبوع في آخر أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للمؤلف، ١٤٠٣هـ.
стр. 1754
* فلسفة المجاز بين البلاغة العربية والفكر الحديث، د. لطفي عبد البديع، نشر النادبي، جدة، ط٢، ١٤٠٦هـ.
كتب أخرى:
* الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيميه، ط/٢، المكتب الإسلامي، بيروت.
* التعريفات للجرجاني، مكتبة لبنان، بيروت، ١٩٧٨م.
* الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية، الرياض.
* مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه، جمع عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، نشر الرئاسة العامة للبحوث العلمية الرياض.
* مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم، اختصار محمد الموصلي، دار الندوة الجديدة، بيروت.
* موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضا ونقدا، د. سليمان بن صالح الغصن، دار العاصمة الرياض، ط١، ١٤١٦هـ.
стр. 1755
العلاقات السياسية بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية
في عهد الخليفة هارون الرشيد
١٧٠ - ١٩٣ هـ / ٧٨٦ - ٨٠٨ م
د. محمد بن ناصر بن أحمد الملحم
أستاذ التاريخ الإسلامي المشارك - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الأحساء
ملخص البحث
يشتمل هذا البحث على:
- العلاقة بين المسلمين والبيزنطيين قبل خلافة الرشيد، وتناولت العلاقة في عهد أبي جعفر المنصور، الذي اهتم بتحصين الحدود الإسلامية وحدد أسلوب القتال بالصوائف والشواتي، كما وضحت دور الرشيد في خلافة والده المهدي، حيث قاد الرشيد جيشاً كبيراً انتصر على الروم.
- العلاقة بين المسلمين والبيزنطيين في خلافة الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ / ٧٨٦ - ٨٠٨ م) . وفيها عني الرشيد بإنشاء منطقة العواصم قرب إنطاكية، وبنى مدينة طرسوس، لتكون مركزاً استراتيجياً يغزون المسلمين منه، وحرّك جيوش الصوائف والشواتي ناحية الروم، كما بينت العلاقة بين الرشيد وإيريني - سنة ١٨٣ - ١٨٦ هـ / ٧٩٩ - ٨٠٢ م - والتي توقفت فيها الشواتي والصوائف على بلاد الروم، لإعلان إيريني الطاعة للمسلمين ودفع الجزية السنوية لهم ووضّحت - أيضاً - العلاقة العدائية بين الرشيد ونقفور - سنة ١٨٧ - ١٩٣ هـ / ٨٠٢ - ٨٠٨ م حيث تقدم الجيش الإسلامي صوب هر قلة وفتحها سنة ١٨٧ هـ / ٨٠٢ م.
وفي نهاية هذا البحث خاتمة بأهم نتائجه ومنها: أنه تحقق الهدف المنشود من الشواتي والصوائف، وأخذ صوت الإسلام يعلو في بعض المدن الرومية، وبدأ الروم يحسبون للمسلمين ألف حساب، باعتبارهم القوة الغالبة، ودخل الآلاف من الروم في دين الإسلام.
• • •
مقدمة:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، سيّدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
стр. 1756
فإن العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين - الروم الشرقية - قديمة، ترجع إلى عصر الرسول ﷺ كما في سرية مؤتة وغزوة تبوك، وفي عصر الراشدين تمكن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب - (- أن يفتح بلاد الروم ويسترد بيت المقدس من أيديهم، ومن وقتها زادت حدة التوتّر بين المسلمين والروم، وغلب عليها الطابع العدائي؛ نظراً لاختلاف الديانة، ولأهمية مدينة بيت المقدس وكنيسة القيامة التي يحجّون إليها، إضافة إلى الحدود المتشابكة بين الطرفين والغارات المتواصلة، وعليه فقد أصبحت الحرب بين المسلمين والبيزنطيين في العصر العباسي لا تعدو تبادل الغارات وما يصحب ذلك من تدمير وتخريب وقتل وسبي، ولم تنقطع غزوات المسلمين عن بلاد البيزنطيين في عهد هارون الرشيد – ١٧٠ – ١٩٣هـ/٧٨٦ - ٨٠٨م - لكن كم عدد الحملات؟ وما نظامها؟ وما الهدف منها؟ وما سرّ انتصارات الجيوش الإسلامية فيها؟ وما موقف الإمبراطورة إيريني والإمبراطور نقفور منها؟ وما أهم النتائج التي حققتها؟ ولماذا توقفت هذه الحملات بعد وفاة الرشيد؟ . كل ذلك تناوله البحث وناقشه بالتفصيل من خلال المباحث التالية:
أولاً: العلاقة بين المسلمين والبيزنطيين قبل خلافة الرشيد.
أ. تمهيد عن العلاقة في عهد أبي جعفر المنصور وابنه المهدي.
ب. دور الرشيد في هذه العلاقة في خلافة والده المهدي.
ثانياً:
أ. طبيعة العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين في خلافة هارون الرشيد١٧٠ - ١٩٣هـ/ ٧٨٦ – ٨٠٨ م.
ب. سياسة الصوائف والشواتي سنة١٧٠– ١٨٢هـ / ٧٨٦ - ٧٩٨م.
ج. بين الرشيد وإيريني في الفترة ١٨٣ - ١٨٦هـ / ٧٩٩ - ٨٠٢م.
د. بين الرشيد ونقفور في الفترة ١٨٧ - ١٩٣هـ / ٨٠٢ - ٨٠٨م.
الخاتمة.
أولاً: العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين قبل خلافة الرشيد في الدولة العباسية:
أ - تمهيد عن العلاقة في عهد أبي جعفر المنصور وابنه المهدي:
стр. 1757
بعد أن أقام العباسيون دولتهم في العراق سنة ١٣١هـ / ٧٤٨م كان النفوذ البيزنطي قابعاً في شمال الشام حيث تحصن الروم في مواقع حصينة في جبال طوروس وآسيا الصغرى وبحر مرمرة (١) ، وأخذوا يطلّون منها على المسلمين ساعات الضعف أو الانشغال ويتراجعون إليها في ساعة القوة، وبدايةً انتهز الإمبراطور قسطنطين الخامس كوروليموس (٢) (١٢٤ – ١٥٩هـ / ٧٤١ - ٧٧٥م) فرصة انشغال العباسيين بأحداث إقامة دولتهم والتمكن لأنفسهم ومواجهة مشاكل المركزية والإقليمية وأغار في سنة (١٣٣هـ/ ٧٥٠م) على منطقة الحدود (الحدود بين المسلمين والروم) - أي منطقة الثغور (٣) - وأتى على جهود المسلمين في التحصين، ودمَّر خطّ حصون الفرات، ثم الخطّ الممتد من نهر الفرات إلى البحر الأبيض المتوسط، وهدّد النظام الثغري كله تهديداً خطيراً فحاصر ملطية (٤) واستسلم أهلها له، ولذلك اهتم أبو جعفر المنصور (٥) (١٣٧ - ١٥٨هـ/٧٥٤ - ٧٧٤م) بتحصين الحدود، فأمر عمّه - صالح بن علي - بإعادة تحصين ملطية (٦) .
ويبدو أنه أول من جعل لمنطقة الجزيرة كياناً إدارياً مستقلاً (٧) ؛ فقد ولى عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام على الجزيرة والثغور، وسخّر في ذلك العمل الجليل جنود الدولة الجدد، فقد خرج الحسن بن قحطبة في سبعين ألفاً، وجمع العمال من كافة البلاد الإسلامية، ويذكر البعض أن الحسن كان يحمل الحجارة بنفسه احتساباً، وقد استطاع الجند الخراسانية أن يعيدوا بناء ملطية في نحو ستة شهور (٨) ، ومن ذلك تبين أن المنصور هو الذي وضع أساس النظام الثغري الذي وصل إلى حدّ الكمال زمن المعتصم (٩) (٢١٨ – ٢٢٧هـ / ٨٣٣ - ٨٤١) (١٠) .
стр. 1758
كما حرص المنصور على وضع أسلوب للقتال وتقاليده، والذي حافظ عليه الخلفاء الذين تعاقبوا بعده، ففي عهده نظمت الصوائف والشواتي، فقد كانت هناك أوقات معيّنة يغير فيها المرابطون في الثغور تحدث في فصل الربيع والصيف وتسمى بالصوائف ويشير قدامة بن جعفر (١) إلى أن غزو الربيع كان يبدأ في منتصف مايو بعد أن تكون الخيل قد سمنت وقويت من رعيها، ويستمر الغزو ثلاثين يوماً (أي حتى منتصف شهر يونيو) وتجد الخيول أثناء هذه الغارات الغذاء الوفير والمرعى الخصيب في أراضي البيزنطيين التي تعيث فيها، ثم يركن المسلمون إلى الراحة حتى منتصف يوليو، فتبدأ غارات الصيف وتستغرق قرابة الشهرين. ويبدو أن ممن اشتهر بالبطولة في ميدان الصوائف في عهد المنصور رجل يدعى مالك بن عبد الله الخثعمي الذي بلغ من شدة بلائه في الحرب وظفره فيها وغنائمه الكثيرة منها أن سمي مالك الصوائف (٢) .
أما الشواتي فكانت تبدأ في مستهل فبراير والنصف الأول من مارس (٣) وكانت غزوات المسلمين تتركز في الصيف وقلّما تحدث في الشتاء؛ نظراً للبرودة الشديدة في بلاد الروم، وخاصة أن الثغور يقع معظمها في أعالي جبال طوروس حيث تغطى بالثلج أغلب فصل الشتاء والربيع (٤) ، وربما أيضاً لأن طبيعة العنصر العربي الشرقي لا يحتمل هذه البرودة وهذه الثلوج.
وكذلك لأن تحركات الجند تكون بطيئة بسبب الأمطار والوحول وغيرها.
وتابع محمد المهدي (٥) (١٥٨ - ١٦٩هـ/ ٧٧٤ – ٧٨٥م) السير على درب أبيه في بناء الحصون، وحشد الجند ومحاولة تأمين حدود الشام من غارات البيزنطيين، فتصدى للإمبراطور البيزنطي ليو الرابع (١٥٩-١٦٤هـ٧٧٥-٧٨٠م) وأرسل عدة حملات، منها حملة بقيادة الحسن ابن قحطبة سنة (١٦١هـ / ٧٧٧م) الذي دخل بلاد الروم وثقلت وطأته على أهلها حتى صوّروه في كنائسهم (٦) .
стр. 1759
ولقد أثمرت استراتيجية المنصور وابنه المهدي في شمال الشام، وأصبحت مدنه - وفي مقدمتها ملطية - حصناً منيعاً للقوات الإسلامية يهاجمون منه القوات البيزنطية التي لا تفتأ في الإغارة على المسلمين من حين لآخر، وكانت سنّة حميدة طبّقها من جاء بعدهم من خلفاء بني العباس حتى إذا اكتملت أصبحت درعاً يقي المسلمين من أخطار أعدائهم.
وكان للصوائف والشواتي أثرها الكبير في نفوس البيزنطيين، فبعد أن كانت الإدارة البيزنطية لا تعير المسلمين كثيراً من الاهتمام؛ لأنهم في نظرهم قبائل بدائية يفتقرون إلى النظام والوحدة (١) ، - وربما كان هذا قبل خلافة معاوية بن أبي سفيان - أصبحوا بعد ذلك يحسبون لهم ألف حساب، فقد أرغمتهم سياسة المسلمين في الشواتي والصوائف إلى إخلاء منطقة الحدود في أطراف دولتهم من السكان؛ حتى لا تتعرض لهجمات المسلمين في الصيف والشتاء، في حين أبقوا بعض الحاميات للدفاع عنها فقط، مما شجع خلفاء بني العباس بعد المهدي على انتهاج نفس السياسة.
ب - دور الرشيد (٢) في هذه العلاقة في خلافة والده المهدي:
لم يكتف المهدي بما أحرزه الحسن بن قحطبة من نصر في أرض الروم؛ بل قرر أن يغزوهم بنفسه ويصحب معه ابنه هارون الرشيد، فتحرك الجيش الإسلامي من بغداد في جمادى الآخرة سنه ١٦٣هـ / ٧٧٩م وجعل عليها ابنه موسى الهادي (٣) (١٦٩ - ١٧٠هـ / ٧٨٥ - ٧٨٦م) وبعد أن وصل المسلمون حلب سلّم قيادة الجيش لابنه الرشيد لانشغاله بإدارة الدولة العباسية - فواصل الطريق مخترقاً آسيا الصغرى حتى بلغ مدينة صمالو (٤) ، وحاصر قلعتها صمالو، ونصب المجانيق عليها ثمان وثلاثين ليلة حتى فتحها الله عليهم (٥) .
стр. 1760
ويعزى انتصار الرشيد إلى نشاطه وقوته، وكان لوجود المهدي معه دافعاً قوياً شجعه على التقدم إلى بلاد العدو، كما كان لوجود عناصر متعددة في جيشه من خراسان والعراق والشام دافعاً لهم على التنافس الشريف في إظهار القوة أمام الروم، فضلاً عن أنهم كانوا هيئوا أنفسهم للقاء الخصم مدة شهرين، حيث أقاموا بالبردان (١) وأنفق فيهم نفقة كبيرة، كما كان لآل برمك دور في التعجيل بالنصر فقد أظهروا بسالة في حربهم للروم. يقول ابن كثير: " وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره وكذلك أبناؤه "، ثم صالحهم الرشيد على ألاّ يقتلوا ولا يرحّلوا ولا يفرّق بينهم (٢) .
وفي سنة ١٦٤هـ / ٧٨٠م عاد عبد الكبير بن عبد الحميد (٣) أدراجه مع الجيش الإسلامي – وكان قد بعث به المهدي على رأس الصوائف ذلك العام – حقناً لدماء المسلمين؛ لعلمه أن الروم استعدوا لهم في درب الحدث (٤) في تسعين ألفاً يتقدمهم بطارقتهم (ميخائيل وطازاذا) (٥) ، ولابد أنهم جاءوا لرد الاعتبار بعد هزيمتهم في قلعة صمالو، إلاّ أن المهدي أغاضه ذلك وعدّه انهزاماً (٦) ، ولهذا بعث بابنه الرشيد في العام الذي يليه سنة ١٦٥هـ / ٧٨١م على رأس الصائفة لغزو الروم؛ لثقته في حسن قيادته، ولقد ألقت الدولة العباسية بثقلها كله في هذه الحرب، وهذا واضح في قول بعض المؤرخين (٧) ((أن الجيش الذي قاده هارون الرشيد بلغ خمسة وتسعين ألفاً وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلاً، وكان معه من النفقة مائة ألف دينار وأربعة وتسعون ألف دينار وأربعمائة وخمسون ديناراً، ومن الفضة إحدى وعشرون ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم)) .
стр. 1761
وتقدم هارون الرشيد بهذا الجيش حتى توغل في بلاد الروم فافتتح حصن ماجدة (١) ، وتصدى له البيزنطيون بقيادة نقيطا Niceta قومس (٢) القوامسة، ولكنهم هزموا، وواصل الرشيد توسعه في قلب آسيا الصغرى متجهاً إلى نقمودية (٣) (نيقوميديا) ؛ ليحارب الدمسق – صاحب المسالح – وظل الرشيد ينتقل من نصر إلى آخر حتى أشرف على خليج البحر الذي على القسطنطينية عند مدينة كريزوبوليس Chrysopolis (٤) (٥) .
وساعد الرشيد على إحراز هذا النصر الحاسم تردي الأوضاع للدولة البيزنطية فقد كان يحكمها (قسطنطين السادس بن ليو الرابع - ١٦٤ - ١٨١هـ / ٧٨٠ – ٧٩٧م – وهو طفل لم يتجاوز حينئذ العاشرة من عمره بوصاية أمه إيريني (٦) والتي لم يكن لها دراية كافية بسياسة المسلمين (٧) ، كما أن الدولة البيزنطية لم تهيئ نفسها لمواجهة الجيوش الإسلامية التي بلغت استعداداتها ما بلغت، فضلاً عن رغبة المسلمين الأكيدة في رد الاعتبار للمسلمين الذين انسحبوا أمام البيزنطيين سنة ١٦٤هـ / ٧٨٠م وقد أحدث هذا النصر أثره الواضح والعاجل إذ بادرت إيريني إلى طلب المصالحة مع المسلمين؛ خوفاً من اجتياح الرشيد بلادها.
وكانت الهدنة تنص على توقف الحرب بين المسلمين والبيزنطيين مدة ثلاث سنوات، وتتعهد إيريني أن تدفع للمسلمين جزية سنوية وقدرها تسعون ألف قطعة دينار تؤديها في نيسان الأول من كل سنة وفي حزيران، وأن تمدّ الجيش العباسي بالأدلاء، وتيّسر لهم المؤن في الطريق عند كل منزلة (٨) .
ولقد بالغ المؤرخون المسلمون (٩) حين ذكروا أن من قتل من الروم في هذه الصائفة أربعة وخمسون ألفاً، وما ذلك إلاّ لإظهار قوة الخلافة العباسية والحطّ من شأن البيزنطيين وفي هذه الغزوة يقول الشاعر مروان بن أبي حفصة:
أطفت بقسطنطينية الروم مسنداً
إليها القنا حتى اكتسى الذلّ سورها
وما رمتها حتى أتتك ملوكها
بجزيتها والحرب تغلي قدورها (١٠)
стр. 1762
وقبل انتهاء مدة الهدنة بأربعة أشهر تجدد القتال بين الطرفين (١) ؛ لامتناع البيزنطيين عن دفع الجزية للمسلمين ويظهر أن سوء الأحوال الاقتصادية كان سبباً مباشراً في ذلك، فقد رأت إيريني بنظرتها الخاطئة أن معالجة هذه الأوضاع لا يكون من الداخل؛ حتى لا تفقد محبة الناس لها وتستبعد عن الحكم، وبناء على ذلك تجاوزت عن كثير من الضرائب المقررة على السكان، وأمعنت في منح امتيازات للأديرة لما للرهبان من أهمية في تأييدها ومساعدتها (٢) فرأت في الامتناع عن دفع الجزية تعويضاً لهذا؛ ظناً منها أن المسلمين بعيدون عن أراضيها وليس لهم في تلك الأموال أي حق يذكر، وأنهم لن يتمكنوا من عمل أي شيء في هذا الصدد.
وعليه فقد سيّر المهدي سرية على رأسها علي بن سليمان (والي الجزيرة وقنسرين) ويزيد بن بدر بن البطال (٣) - سنة ١٦٨هـ/ ٧٨٤م – وصلت إلى بلاد الروم وقاتلت البيزنطيين وهدمت بعض القلاع التي على الحدود وغنموا وعادوا سالمين (٤) .
كما اصطدم معيوف بن يحيى الذي انطلق على رأس الصائفة سنة ١٦٩هـ/ ٧٨٥م بالجيش البيزنطي الذي تحرك بأمر من إيريني؛ لرد اعتبار الروم بعد هزيمتهم الأخيرة، وتقابل الجيشان في منطقة الحدث وهُزم البيزنطيون وتوغل المسلمون في بلاد الروم حتى بلغوا مدينة أُشْنُة وأصابوا غنائم وفيرة وأسروا (٥) خمسمائة رجل - تقريباً -.
стр. 1763
وهكذا ساءت العلاقات بين الخلافة العباسية والدولة البيزنطية في عهد المهدي، والذي رأى ضرورة استمرار غزوات الصوائف والشواتي، مثلما كان عليه الحال في عهد أبيه المنصور؛ لأن إيقافها سيدفع البيزنطيين إلى التحرك لمهاجمة المسلمين كلما سنحت لهم الفرصة ويلاحظ اعتماده في قيادتها على ابنه هارون الرشيد، حيث كان محل ثقته من بين أبنائه ولذلك حققّ انتصارات كبيرة في معظم حملاته، حتى أشرف في أحدها – سنة ١٦٥هـ / ٧٨١م - على خليج البحر الأسود فكانت حملته تلك خاتمة الحملات العربية على البسفور كما أفاد بعض المؤرخين (١) المحدثين، حيث أظهر فيها من الحنكة والبطولة ما أهلّه لحمل لقب الرشيد قبل أن يتولى الخلافة (٢) .
وكان لانتصارات الرشيد على الإمبراطورية البيزنطية أثره في تشجيع البلغار (٣) على توجيه حملاتهم ضدها، وتمكنوا من إحراز عدة انتصارات عليها دون أن تستطيع القيام بعمل إيجابي ضدّهم (٤) ، فلقد كانت إيريني - إلى جانب مواجهة المسلمين لها - تعاني من الاضطرابات الداخلية، فقد بدأ ابنها - قسطنطين السادس - بعد أن بلغ سنّ الرشد يطالب بالعرش ودخل معها في صراع مرير، وساندته بعض العناصر الكارهة لأمه، كما كان عليها أيضاً أن تواجه أطماع شارلمان (٥) في الغرب (٦) .
كما أن هذا النصر مكّن المهدي من أن يفرض الطاعة في آسيا الوسطى، فيشير اليعقوبي (٧) إلى أن ملك كابل شاه (حنحل) وملك طبرستان (الاصبهبذ) وملك السغد (الإخشيد) وملك طخارستان (شروين) وغيرهم (٨) دانوا له بالطاعة والولاء، ولعل هذه التطورات جعلت المهدي -قبل وفاته بعدة أشهر- يعزم على تقديم ابنه هارون على ابنه موسى الهادي، حيث بعث إليه وهو بجرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة ويقدم أخيه الرشيد (٩) .
ثانياً:
(أ) طبيعة العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين في خلافة هارون الرشيد ٧٠ - ١٩٣هـ / ٧٨٦ – ٨٠٨م.
стр. 1764
كان للفترة التي عاشها الرشيد مع أبيه المهدي ١٥٨ – ١٦٩هـ / ٧٧٤ - ٧٨٥م أثرها الواضح في علاقته مع الروم بعد توليه الخلافة سنة ١٧٠هـ / ٧٨٦م، فقد اطلع بنفسه على خطر البيزنطيين على المسلمين، ورأى أن خطرهم سيبقى قائماً طالما بقيت الحدود مفتوحة بين الجانبين لذا عوّل على إتمام ما بدأه أسلافه، فأنشأ التحصينات على المناطق المخوّفة لتكون جميعاً بمثابة الحصن الحصين الذي يحمي دار الإسلام من ناحية، وليتخذوها قواعد لهم يشنون منها حملاتهم على أراضي الدولة البيزنطية من جهة أخرى (١) .
كما أقام منطقة جديدة قريبة من إنطاكية أطلق عليها العواصم (٢) ؛ لأن المسلمين كانوا يعتصمون بها، فتعصمهم وتمنعهم من العدو البيزنطي – بإذن الله – إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر الشامي (٣) ، وأسكنها جنداً عرفوا بجند العواصم، واختار الرشيد هذه الجهة دون غيرها؛ لأن الروم اعتادوا مهاجمة المسلمين منها، فأخذوا يغيرون عليهم بين فترة وأخرى (٤) .
واهتم بطرسوس (٥) - وكانت على حدود بلاد الروم –؛ للأخبار التي وصلت إليه من عزم الروم على الاتجاه إليها وتحصينها (٦) ، لتكون مركزاً استراتيجياً يغزون المسلمين منه، ولهذا أرسل الرشيد سنة ١٧١هـ / ٧٨٧م جيشاُ بقيادة هرثمة بن أعين (٧) ، وأمره - بعد أن ينتهي من غزو الروم - أن يهتم بأمر طرسوس، وينقل البنائين المهرة ليبنوا المساكن والحصون فيها، وينقل إليها الناس ليسكنوها، وتمصّر كبقية الأمصار الإسلامية الأخرى (٨) .
стр. 1765
ولما أحرز هرثمة بن أعين النصر على الروم بادر في تنفيذ ما أوصاه به الرشيد، وأوكل هذه المهمة إلى فرج الخادم (١) ؛ لما له من خبرة واستعداد جيد للقيام بمثل هذه الأمور، يدل على ذلك مباشرته للعمل بنفسه، ولا بد أنه دعا كل من لديه معرفة ببناء المساكن والحصون وتخطيط المدن، وزودهم بما يحتاجونه من أدوات البناء، وجلب إليهم الطين والأحجار القوية لبناء الحصون، كما أغدق الأموال على البنائين، لمضاعفة العمل وإنجازه في وقت مبكر، وأحكم بناءها – بعد سنة تقريباً – وجعل لها خمسة أبواب، وحولها سبعة وثمانين برجاً، ولها نهر عظيم يشق في وسطها، عليه القناطر المعقودة (٢) واتجه فرج الخادم إلى بغداد، ونقل المجموعة الأولى من السكان – وكانوا في الأصل من أهل خراسان ممن دخلوا بغداد بعد حركة الفتح الإسلامي وأقاموا فيها – وعددهم ثلاثة آلاف رجل، وكانت المجموعة الثانية من ألفي رجل ألف من المصيصة وألف من إنطاكية، وطلب من الجميع أن يعسكروا في المدائن (٣) ريثما يستكمل بناء مساكن طرسوس وحصونها ومساجدها، وحين انتهى البناء منها سنة ١٧٢هـ / ٧٨٨م (٤) نقل إليها الجميع ومصّرها، وأقطع أهل طرسوس الخطط (٥) ، وزاد كل رجل عشرة دنانير في أصل عطائه (٦) .
والحقيقة أنه ترتب على سياسة الرشيد على الحدود مع الروم أنهم لم يستطيعوا اختراق منطقة الثغور؛ لقوة تحصيناتها ومرابطة الجيوش الإسلامية الدائمة فيها، والذي مكنّهم من تسيير جيوشهم مرتين أو أكثر في السنة من غير تعب أو ملل وهذا ما سنبيّنه لاحقاً – إن شاء الله تعالى.
ب – سياسة الصوائف والشواتي سنة ١٧٠ – ١٨٢هـ / ٧٨٦ – ٧٩٨م:
стр. 1766
بعد أن أكمل الرشيد تحصينات الثغور والعواصم، وضم طرسوس إلى حوزة المسلمين، ودفع بالجيش الإسلامي للمرابطة فيها لجأ إلى مجادلة البيزنطيين بالتي هي أحسن؛ إذ أرسل إليهم شارحاً حقائق الإسلام مؤكداً على ضرورة سيادة السلم بينهما وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية، وكان موقف البيزنطيين سلبياً (١) مما دفع بهارون الرشيد إلى مضاعفة جهده في تسيير الحملات إلى بلاد الروم، لا رغبة في زحزحتهم عن مراكزهم وفتح بلادهم، بل لتثبيت العواصم والثغور في حدود الروم (٢) ، وإشعار البيزنطيين بقوة المسلمين، ليظلوا يهابوهم ولا يفكرون في مهاجمتهم تحت أية ظروف يمروا بها، فيأمن المسلمون جانبهم في حالة انشغالهم بتسكين الفتن والثورات التي تطلّ عليهم - من خراسان وبلاد ما وراء النهر وشمال أفريقية – من حين لآخر.
وتحركت صائفة مع بدء خلافة الرشيد – سنة ١٧٠هـ / ٧٨٦م -، وكان يقودها: سليمان بن عبد الله البكائي (٣) فغزا بلاداً كثيرة – لم تبينها المصادر – في أرض الروم، ونصره الله عليهم، ورجع سالماً مع جنده، وهذا يفيد أمرين:
الأول: أن الرشيد لم يشغله أمر تحصين الثغور سنة ١٧٠هـ / ٧٨٦م عن إرسال حملة إلى العدو البيزنطي؛ حتى لا يستغل الفرصة ويشن هجومه على المسلمين.
الثاني: كان نصر المسلمين في هذه الصائفة دافعاً قوياً لهم على إكمال بناء تحصينات الثغور، والسيطرة على طرسوس، ثم ضمها إلى حوزتهم سنة ١٧١هـ / ٧٨٧م (٤) .
وفي سنة ١٧٠هـ / ٧٨٦م أيضاً قدم جماعة من الروم - لم تحدد المصادر عددهم - ليفدوا أسراهم (٥) ، ويظهر أن هؤلاء هم الذين وقعوا في أسر المسلمين بعد دخول معيوف ابن يحيى بلادهم سنة ١٦٩هـ / ٧٨٥م وسيطرته على مدينة أُشنة – كما أوردنا سلفاً – ودفع الروم مبالغ طائلة لفداء أسراهم، وعادوا معهم بعد أن أقاموا بين المسلمين سنة - تقريباً - تعلموا فيها دين الإسلام وكانوا نواة خير في بلادهم بعد رجوعهم.
стр. 1767
وتقدمت صائفة سنة ١٧١هـ / ٧٨٧م وعلى رأسها سليمان بن عبد الله الأصم، وتوغلت في أرض الروم واصطدمت بهم وأحرزت النصر عليهم، وغنمت الكثير ثم عادت سالمة (١) .
وفي سنة ١٧٢هـ / ٧٨٨م نزل الرشيد بالجيش في مرج القلعة (٢) ، وبعث على الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي (٣) (٤) ، كما غزا فيها – سنة ١٧٢هـ / ٧٨٨م – زفر بن عاصم الهلالي (٥) ، حيث أرسل ابنه عبد العزيز على قيادة الجيش، فمضى حتى أتى جيحان (٦) ، وعاد بسبب البرد الشديد (٧) .
ويبدو أن جيش صائفة ١٧٢هـ / ٧٨٨م غزا أرض الروم، ودار بينه وبين البيزنطيين معركة هزم فيها البيزنطيون وقتل قائدهم ديجنيس أكريتاس Digenis Akritas (بطل حرب الثغور البيزنطيين) (٨) ، في حين انطلقت الأخرى في فصل الشتاء، إلاّ أنها لم تتوغل في أرض الروم لشدة البرودة، وفضلوا العودة، حتى لا يهلك الجيش.
وقاد صائفة سنة ١٧٣هـ / ٧٨٩م عبد الملك بن صالح بن علي (٩) ، ولابد أنها وصلت إلى أرض الروم ولم تتوغل فيها (١٠) ، وعادت بعد النصر والغنيمة.
وربما استقرت هذه الصائفة – بعد رجوعها من الغزو – في منطقة العواصم؛ ولهذا عاد عبد الملك بن صالح – بأمر من الرشيد – ليقود الصائفة – سنة ١٧٤هـ / ٧٩٠م – وقدم ابنه عبد الرحمن على رأس الجيش حتى بلغ عقبة السيَّر (١١) واصطدم بالروم، ونصره الله عليهم، فأسر وغنم (١٢) .
كما قاد عبد الرحمن بن عبد الملك – أيضاً – الشاتية – سنة ١٧٥هـ / ٧٩١م – واستعان هذه المرة بأهل الثغور الشامية، وشكل الجميع جبهة واحدة، لم يستطع الروم مقاومتها ووصلوا إلى اقريطية (١٣) وفتحوها (١٤) ، ثم عاد أهل الثغور إلى أماكنهم؛ لحمايتها من البيزنطين.
стр. 1768
وقاد عبد الرحمن بن عبد الملك – كذلك – الصائفة – سنة ١٧٦هـ / ٧٩٢م – وفتح المسلمون أحد حصون الروم (١) كما فتحوا مدينة دبسة (٢) ، ثم عادوا سالمين، وإن قيادة عبد الرحمن بن عبد الملك المتكررة يدل على أنه كان على اطلاع تام بسياسة البيزنطيين، ومعرفة واضحة بنقاط الضعف والقوة فيهم، وخبرة بأرض الروم، مما دفع الرشيد إلى أن يبعث به على قيادة الصوائف أكثر من مرة.
وفي سنة ١٧٧هـ / ٧٩٣م سيّر الرشيد ثلاث صوائف وشاتية، قاد الصائفة الأولى عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي (٣) ، وحين وصل المسلمون حدود أرض الروم (مساء السبت، السادس والعشرين من محرم) هبت ريح قوية، وتلوّنت السماء بالحمرة وأعقب ذلك ظلام دامس، فعاد المسلمون إلى معسكرهم في العواصم، وبعد ليلتين (مساء الثلاثاء الثامن والعشرين من محرم) حاولوا إعادة الكرة على الروم، وحال دون ذلك شدة الظلام، ثم حاولوا للمرة الثالثة بعد ثلاث ليالٍ (مساء الجمعة أول يوم من صفر) فعادت الريح قوية واشتد ظلام الليل، وعاد المسلمون إلى الشام (٤) ، دون أن يلتقوا بالروم بسبب الظروف المناخية التي أرسلها الله إليهم؛ لتمنع وصولهم إلى أرض الروم حتى لا تصيبهم سيوف العدو الذي يفوقهم عدداً وعدة، أو يأخذهم الروم بغتة من حيث لا يشعرون في خضم هذه الأجواء المتقلبة.
ويذكر ابن خياط (٥) أن الصائفة الثانية – وكانت في ربيع أول سنة ١٧٧هـ/ ٧٩٣م – كانت على يد عبد الله بن صالح بن علي (٦) ، وأن الله تعالى أراد بهم خيراً، وكان الجو صافياً، ودخل المسلمون أرض الروم وغزوهم ورجعوا سالمين بعد أن أسروا وغنموا.
وكانت الصائفة الثالثة – وكانت في جمادى أول سنة ١٧٧هـ / ٧٩٣م – على يد يسار بن صقلاب (٧) . وتقدم بأهل المصيّصة (٨) عن طريق الصفصاف (٩) ، ثم طوانة (١٠) ، حتى دخل أرض الروم، وهزمهم وعاد أدراجه بعد أن غنم الكثير وسلم من خطر الروم (١١) .
стр. 1769
كما أمر الرشيد سليمان بن راشد الثقفي أن يقود الشاتية سنة ١٧٧هـ/ ٧٩٣م. فتقدم بالجيش حتى وصل ملطية (١) بعد معاناة كبيرة من شدة البرد، وتمكن المسلمون من هزيمة البيزنطيين ثم عادوا بعد أن مات بعضهم من شدة البرد (٢) .
وأدى نجاح يسار بن صقلاب وسليمان الثقفي إلى أن يسيّر الرشيد في سنة ١٧٨هـ/ ٧٩٤م صائفة بقيادة معاوية بن زفر بن عاصم، وشاتية يقودها سليمان الثقفي (٣) ، ولقد بلغ كلاهما أرض العدو واصطدما بالروم وحققا نصراً مؤزراً.
أما في سنة ١٨٠هـ / ٧٩٦م فقد قاد الرشيد الصائفة بنفسه؛ - لنقض الروم لعهدهم – وشاركه فيها معاوية بن زفر بن عاصم (٤) ، وأقام الجيش في الرقة (٥) شهراً يعدّ نفسه للغزو، ثم اتجه إلى بلاد الشام ووصل أرض الروم وفتح مدينة مَعْصوف (٦) ، وأسر وغنم ثم عاد مرة أخرى إلى الرقّة، وأقام بها بقية عامه ذلك (٧) .
وقاد الرشيد – أيضاً – الصائفة سنة ١٨١هـ / ٧٩٧م، وشاركه فيها عبد الملك ابن صالح، ودخل أرض الروم وفتح الله عليهم حصن الصفصاف، وربما كان الرشيد يعلم خطورة هذا الحصن على المسلمين، إذ كان الروم يلجأون إليه ليعتصموا فيه بعد مهاجمتهم للمسلمين، ولهذا هدمه الرشيد وسوى به الأرض وحرم الروم منه.
يقول الشاعر: مروان بن أبي حفصة:
إن أمير المؤمنين المصطفى قد ترك الصفصاف قاعاً صفصفا (٨)
стр. 1770
ودفع هذا النصر المؤزر الرشيد أن يرسل عبد الملك بن صالح في نفس السنة ١٨١هـ / ٧٩٧م على رأس صائفة إلى شمال أرض الروم (١) ، وفتح الله على أيديهم أنقرة (٢) ومطمورة (٣) كما غزا منطقة مالاجينا - قرب مطمورة - وغنم منها خيولاً ومعدات حربية، وعزز المسلمون هذا النصر بنصر آخر حين أرسل الرشيد عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح سنة ١٨٢هـ / ٧٩٨م على رأس صائفة توغلت في أرض الروم ودار بينها وبين البيزنطيين - وقائدهم بول Paul - معركة قوية انتصر المسلمون فيها وغنموا وزحفوا إلى أفسوس (٤) ، وانتصروا - أيضاً - وغنموا ثم عادوا (٥) بعد أن أسروا سبعة آلاف بيزنطي (٦) .
ويظهر أن هذه الصائفة أفزعت الإمبراطورة إيريني، وجعلتها تدفع جزية مقدارها تسعين ألف دينار؛ لخوفها على عرشها من السقوط (٧) ، وعاد الجيش الإسلامي إلى الشام بعد أن أبلى بلاءً حسناً في قتاله للروم.
والحقيقة أن مقاومة البيزنطيين للصوائف والشواتي كانت ضعيفة جدّاً؛ لأن الإمبراطورية البيزنطية تعاني من اضطرابات داخلية، وأهمها الخلاف الذي دار بين إيريني وبين ابنها قسطنطين حول مطالبتها ببقاء الوضع على ما كان عليه – الوصاية على ابنها – ليصبح تحت سلطانها.
стр. 1771
ووقف الجيش إلى جانب إيريني، وساندت العناصر من رجال الدين البارزين قسطنطين السادس، حتى تولى الحكم ولم يعد لأمّه من صفة غير والدة الإمبراطور، ولكن أعاد إليها ابنها لقب إمبراطورة لرغبة أمه وتوسلاتها الكثيرة، فبدأت الأم من هذا المنطلق في الإطاحة بابنها حتى تظل إمبراطورة من الناحية الرسمية والعملية، فأثارت رجال الدين ضدّه بعدّة طرق (١) ، فاضطر قسطنطين السادس إلى القبض عليهم وإنزال العذاب بهم ونفيهم، وأثارت جيش أرمينية عليه حينما أقدم على سمل عيني قائدهم الأرمني – الكسيوس – لمعارضته له وأغضبت أعمامه عليه – وهم الذين ساعدوه في الوصول إلى العرش – عندما سمل عيني أكبرهم – نقفور (٢) – ونتيجة لذلك انفض الجميع من حوله وكرهوه وتمنوا الخلاص منه، فأمرت إيريني بإلقاء القبض عليه ثم سمل عينيه – سنة ١٨٢هـ / ٧٩٧م (٣) – ليبقى بقية عمره على هامش الحياة (٤) ، وهذا يشير بوضوح إلى أنه ليس ابنها وإنما ابن زوجها.
стр. 1772
جدير بالذكر أن هذه الخلافات استمرت حوالي عشر سنوات ١٧٠ – ١٨١هـ / ٧٨٦ – ٧٩٧م (أي منذ بلوغ قسطنطين السادس سن الرشد حتى قرب دخول الجيش الإسلامي أفسوس) . وهذا يفيد انشغال إيريني بالأوضاع الداخلية فلم تلق بالاً للدولة البيزنطية، وكان همّها الأكبر أن تظل إمبراطورة من الناحية الرسمية والفعلية، وربما أثّر عدم اهتمامها بأمن بلادها على الشعب والجيش فلم يحرصا كذلك على الأمن، ولهذا كان دفاع الجيش عنها ضعيفاً، وهذا لا يعني ضعف استعدادات الروم وتساهلهم في قتال المسلمين، بدليل القتال المستمر بين الطرفين والانتصارات والهزائم والغنائم والأسرى، ولكن يبدو أنه لم يكن هناك جدّية في القتال من جانب الروم لا براً ولا بحراً. يذكر أحد المؤرخين (١) أنه في سنة ١٨٢هـ / ٧٩٨م حدث لقاء بين الأسطولين الإسلامي والبيزنطي في الخليج المقابل لمدينة أضاليا، هُزم فيه الأسطول البيزنطي هزيمة ساحقة، وأسر قائدهم البيزنطي ثيوفيلوس Theopilus.
ج – بين الرشيد وإيريني في الفترة - ١٨٣ – ١٨٦هـ / ٧٩٩ – ٨٠٢م:
أصبحت إيريني الحاكم الفعلي على الإمبراطورية البيزنطية بعد سمل عيني ابنها قسطنطين، ونعتت نفسها بأنها إمبراطور Basilieus لا إمبراطورة Basilissa (٢) ، والتمست الوسائل العديدة لتوطيد سلطانها، فتقربت إلى المسلمين بجزية سنوية مقدارها تسعين ألف دينار تدفعها كل سنة؛ لتوقف حملاتهم على بلادها، خشية تساقط المدن الرومية، مما يؤدي إلى ثورة الشعب عليها، وبالتالي زوال سلطانها، وبذلت الهبات والمنح لسكان العاصمة (بيزنطة) الذي يتوقف على رضاهم – إلى حدّ كبير – مصير حكومة قلقة غير مستقرة، وألغت ضريبة البلدية التي يدفعها سكان بيزنطة؛ لأنها تعتبر عبئاً ثقيلاً عليهم (٣) .
стр. 1773
واستفادت الخلافة العباسية من هذا الصلح الذي عقد بين الرشيد وإيريني - والذي توقفت فيه الشواتي والصوائف على أرض الروم في الفترة بين ١٨٣ – ١٨٦هـ / ٧٩٩ – ٨٠٢ م – ففضلاً عن هذه الجزية التي تسلّم للخلافة العباسية – تسعون ألف دينار – مع بداية كل سنة، أتيح للرشيد – خلال فترة الصلح – أن يوجّه اهتمامه للخزر (١) ، الذين دخلوا سنة ١٨٣هـ/ ٧٩٩م على المسلمين من ثلمة (٢) أرمينية بأكثر من مائة ألف، وهدموا بعض المدن، وقتلوا عدداً من سكانها وأسروا آخرين، فاضطر الرشيد أن يوجّه قوات الخلافة العباسية عليهم، يقودها: خازم بن خزيمة (٣) ويزيد ابن مزيد الشيباني (٤) ، فطردوا الخزر من أرض المسلمين، وسدّت الثلمة، وأصلحوا ما خرّبوه (٥) . كما تفرغ الرشيد لتنفيذ بعض الأمور التي كانت تشغل باله ويتحين الفرصة المناسبة ليتخذ قراره بشأنها، ففي الداخل بدأ يتخذ خطوات فعالة للتخلص من نفوذ البرامكة (٦) وفي الخارج اتخذ هارون واحداً من أقوى المواقف التي تحسب له؛ إذ اعترف بالأغالبة (٧) أمراء مستقلون لشؤون تونس (أفريقية) ولكن في إطار التبعية الإسمية للخلافة العباسية (٨) .
стр. 1774
ولم يدم الصلح – أعني الصلح الأخير (سنة ١٨٢هـ / ٧٩٨م) الذي تعهدت فيه إيريني بدفع جزية سنوية للمسلمين مقدارها تسعون ألف دينار؛ مقابل عدم غزو المسلمين لأرضها – أكثر من أربع سنوات، فاتهمت - من القادة العسكريين وكبار الموظفين - إيريني بتدمير الموارد المالية للدولة البيزنطية (١) ، وخيّم على بلاطها جوّ التآمر والاستبداد، واشتدت المنافسة بين الطواشي (٢) ستورياكوس Stauriacus والطواشي أيتوس Aetius على السلطة والنفوذ (٣) مما أدى إلى نشوب ثورة بالقصر – ١٨٦هـ / ٨٠٢م – دبرّها كبار الموظفين والقادة العسكريين، انتهت باختيار نقفور الأول ١٨٦هـ - ١٩٦هـ ٨٠٢م - ٨١١م (٤) متولي الخزانة (بيت المال) إمبراطوراً، وتقرر نفي إيريني إلى جزائر الأمراء ثم إلى جزيرة لسبوس (٥) سنة ١٩٢هـ / ٨٠٧م ولم تلق الإمبراطورة من يدافع عنها، ويعيدها إلى عرشها الذي اغتصب منها، فكان الجزاء من جنس العمل (٦) .
د – بين الرشيد ونقفور في الفترة ١٨٧ – ١٩٣هـ / ٨٠٢ - ٨٠٨م:
تولى نقفور حكم الإمبراطورية البيزنطية بعد أن كان مسؤولا عن الخزانة المالية فيها، فاهتم بتدعيم اقتصاد البلاد وإنقاذ الخزانة من الإفلاس، الذي نشأ عن إهمال حكومة إيريني، فألغى الأوامر التي أصدرتها إيريني، وامتنع عن دفع الجزية للمسلمين والبلغار، وأعاد الضرائب على سكان بيزنطة، واستولى على بعض أملاك الكنيسة، وأضافها إلى الضياع الإمبراطورية، غير أنه لم يخفض ما عليها من الضرائب، ليستعيد ما بذلته إيريني من الامتيازات والمنح للكنيسة والأديرة كما قام بإصلاح نظام الدفاع عن الإمبراطورية البيزنطية فجعل لكل جندي قطعة أرض مقابل أن يأتي على الفور عند الحاجة إليه بفرس وأداة حربية كاملة، وفرض الخدمة العسكرية على الفلاحين، على أن يلتزم أهل المدن والقرى بتجهيزهم بالعدة الحربية عن طريق ضريبة سنوية تدفع للحكومة (٧) .
стр. 1775
ونجح نقفور في إصلاح أوضاع الخزانة، وسدّت الحكومة البيزنطية العجز في قوتها الحربية عن طريق الجيوش الناشئة والتي درّبت أفضل تدريب على أحدث الأسلحة التي وصلت إليها الإمبراطورية البيزنطية آنذاك. حتى أنه استطاع القائد بارادنيس توركوس Bardans turcus أن يتصدى لحملة القاسم بن الرشيد وعبد الملك بن صالح التي انطلقت جمادى الثاني سنة ١٨٧هـ / ٨٠٢م (١) ، لكن اهتمام المقاتلين البيزنطيين بالدفاع عن أرض الروم والذود عنها لم يكن في المستوى الذي هيأهم نقفور من أجله، ففي شعبان سنة ١٨٧هـ / ٨٠٢م أرسل الرشيد ابنه القاسم على رأس الصائفة لنقض نقفور الصلح الذي عقده الرشيد مع إيريني سنة ١٨٢هـ / ٧٩٨م وامتناعه عن دفع الجزية المفروضة عليهم وفرض الحصار على حصن قرّة (٢) ، بينما حاصر العباس ابن جعفر (٣) – وكان معه في الصائفة – حصن سنان (٤) ويظهر أن المسلمين فاجأوا العدو البيزنطي وأحكموا الحصار حول الحصنين، لذلك رأى نقفور عدم الاصطدام بالمسلمين الذين هيأوا أنفسهم للقتال، لأن دخولهم الحرب يعني هزيمتهم وانهيار روحهم المعنوية، واستسلام المدن البيزنطية وضياعها من الإمبراطورية، وسارع نقفور إلى إخراج أسرى المسلمين من السجون البيزنطية – وكانوا ثلاثمائة وعشرين رجلاً – وسلّمهم القاسم ابن الرشيد مقابل أن يرحلوا عنهم (٥) ، وهذا يفيد أموراً كثيرة:
стр. 1776
أولاً: حرص القاسم بن الرشيد على استعادة أسرى المسلمين الذين وقعوا في قبضة العدو البيزنطي أثناء غزوة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح سنة ١٨٢هـ / ٧٩٨م؛ لأنها توغلت في أرض الروم حتى بلغت أفسوس، وكان لاستراتيجية بيزنطة الدفاعية في مواجهة المسلمين دور في ذلك، فكانت تضع عصابات الروم في الممرات الجبلية لتعترض المسلمين أثناء عودتهم محملين بالغنائم وتهاجمهم (١) ، وقد فهم نقفور رغبة القاسم منذ قدومه بلاده، ولذلك بادر إلى إطلاق سراح الأسرى مقابل أن يرحلوا عن بلادهم.
ثانياً: شدة حصار المسلمين للروم، مما دفعهم إلى طلب النجدة من نقفور وهذا يفهم من قول ابن الأثير ((فحصر العباس بن جعفر حصن سنان حتى جهد أهلها (تعبوا) فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيراً من المسلمين على أن يرحل عنهم، فأجابهم ورحل عنهم صلحاً)) (٢) .
وفي نفس السنة أيضاً (سنة ١٨٧هـ / ٨٠٢م – نهاية شعبان) كتب نقفور إلى الرشيد: ((من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب؛ أما بعد؛ فإن الملكة التي كانت قبلي. . . حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن؛ فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلاّ فالسيف بيننا وبينك)) (٣) .
اعتمد كتاب نقفور على محاور ثلاثة:
الأول: الترضية للرشيد والاعتراف بمكانته الحقيقية على العرب وأنه ملك العرب، ليجعل نفسه في مصافّه بأنه ملك الروم؛ ليرتفع قدره أمام شعبه حين يخاطب بهذا اللقب في المكاتبات. ودفعه إلى ذلك عدم احترام السكان له، لما فرض عليهم من الضرائب التي كانت أعفتهم منها الإمبراطورة إيريني.
стр. 1777
الثاني: النقد اللاذع لسياسة النساء وأولهن إيريني، واتهامهن بالحمق والضعف، بسبب الجزية التي كانت تدفعها للرشيد كل سنة؛ للمحافظة على عرشها ومكانتها بين السكان، ولو أنها رفضت دفع الجزية للرشيد وحدثت حرب بين الطرفين، لاتهمت أيضاً بالحمق والضعف لكونها لم تجنب شعبها خطر المسلمين.
ثالثاً: إرهاب الرشيد وتخويفه بالحرب إن لم ينفّذ ما يطلبه نقفور منه، ويرد جميع الأموال التي بعثت بها إليه إيريني في الفترة بين سنة ١٦٤ – ١٨٦هـ / ٧٨٠ – ٨٠٢م، أي عليه أن يدفع لنقفور مليون وتسعمائة وثمانون ألف دينار (جزية اثنتين وعشرين سنة) ولعل دافعه إلى هذا حاجة الدولة البيزنطية إلى هذه الأموال؛ لإصلاح خزانتها المالية؛ بسبب عدم انضباط السكان في دفع الضرائب المفروضة عليهم، وتهاون نقفور في ذلك؛ خشية قيام ثورة داخلية تضعف الحكومة البيزنطية، وتصبح لقمة سائقة لجيرانها، وربما لإظهار نفسه بالمطالب بحقوق البيزنطيين من المسلمين – في الأموال – مما يرفع شأنه أمام شعبه، ولعل نقفور أراد أن يجرّب أسلوب الحرب النفسية مع الرشيد، ظناً منه أن هذا سيؤثر عليه ويدفعه إلى إرسال الأموال التي طلبها منه أو على الأقل يفاوض على بعضها
стр. 1778
ولم يقصد نقفور تحدي الرشيد على الحقيقة وإن كان في ظاهر الكتاب ما يشير إلى التحدي (وإلاّ فالسيف بيننا وبينك) لأنه يعلم أنه ليس في مستوى هذا التحدي، – لما يعرفه من التجارب السابقة مع الرشيد (١) – وأن الروم تنقصهم الشجاعة في مجابهة القوات الإسلامية في ميادين القتال. ولو علم نقفور أن هذا الكتاب سيجلب عليه نقمة الحرب لما أرسله ومن الواضح أن وظيفة نقفور السابقة كمسؤول عن المالية قد غلبت على سياسة الإمبراطورية التي تركزت على إصلاح انهيار الاقتصاد المالي للبلاد، ولكن لسوء حظه أنه افتقر إلى الحكنة السياسية وبعد النظر، وسوء تقدير قوة الخصم وبعبارة أخرى أساء نقفور تقدير وفهم خصمه الخليفة العباسي هارون الرشيد (٢) .
وكان موقف الرشيد من كتاب نقفور: أنه حين قرأه اشتد غضبه، ولم يمكّن أحداً أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، فتفرق جلساؤه عنه؛ خوفاً من زيادة قول أو فعل يكون منهم، ورفض أن يستشير أحداً في أمر نقفور (٣) .
ودعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب:
((بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. والسلام)) (٤) .
والحقيقة أن كتاب نقفور هو الذي حتّم على الرشيد هذا الموقف فما كان لخليفة مثل الرشيد قضى أربعة وعشرين سنة – ١٦٣ – ١٨٧هـ / ٧٧٩ – ٨٠٢م – يجاهد الروم أن يقبل هذا التهديد المشين، ولهذا كانت إجابته عليه واضحة جليّة وهي تجريد الجيش إليه، فوق إهانته وتحقيره.
стр. 1779
وفي أول رمضان سنة ١٨٧هـ / ٨٠٢م (١) سار الرشيد على رأس حملة من مائة وعشرين ألف (٢) ؛ لتأديب نقفور، واتجه إلى هرقلة (٣) ، وحين بلغ نقفور خبر تقدم هارون أمر قادته بسرعة اقتلاع الأشجار وإلقاءها أمام طريق هارون وإشعال النيران فيها؛ ليمنعه من الوصول إلى هرقلة، لكن هارون وصل النار ولبس ثياب النفاطين فخاضها ثم تبعه الناس حتى وصل هرقلة (٤) ، وحاصرها عدة أيام حتى فتحها (٥) عنوة، وغنم أموالاً كثيرة، وأسر عدداً من أهلها وفيهم ابنه ملكها، ولم يجد نقفور بداً – حين علم بذلك – من مصالحة الرشيد على جزية – تسعين ألف دينار (٦) – كل سنة؛ ليبعد المسلمين عن بلاده؛ لانشغال عدد كبير من جيشه بالقضاء على ثورة بارادانس توركس Bardanus Torcus الذي دان لزعامته جميع ثغور آسيا الصغرى سنة ١٨٨هـ / ٨٠٣م (٧)
стр. 1780
أثبتت هذه الأحداث أن بيزنطة كانت تعاني من ضعف الحكام وافتقارهم إلى المقدرة السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بمواجهة خصمها التقليدي وهو الخلافة العباسية، فنقفور الذي رفض مواصلة دفع جزية إيريني أصبح عليه الآن الالتزام بالدفع مرة أخرى، بمقتضى اتفاقه مع هارون على النحو الذي عرضنا له، بل إن نقفور يسيء تقدير المواقف مرة أخرى معرضاً بيزنطة للخطر من جانب هارون الرشيد، وذلك حينما خرق اتفاقيته السابقة مع الخليفة العباسي فبعدما تأكد نقفور أن هارون قد وصل إلى الرقة نقض الصلح الذي عقده مع الرشيد (١) ، ولعله ندم على مصالحته للرشيد، خاصة وأنه كرهه قبل ذلك، واتهم إيريني بالضعف والحمق بسببه، ولابد أنه وجد من سوّل له نقض الصلح وطمأنه بأن المسلمين عادوا إلى ديارهم، وأصبحوا بعيدين عنهم، وأنهم لن يتمكنوا من غزوهم في الشتاء القارس وأنهم سيتهيأون لقتالهم في الصيف القادم إن عادوا إليهم. ولعل نقفور قام بهذا العمل من قبيل محاولة الإعلان عن قوة بيزنطة منتهزاً فرصة انشغال هارون الرشيد ببعض الفتن داخل الخلافة العباسية (٢) .
ولما وصلت أخبار نقض الصلح إلى المسلمين ترددوا في إبلاغ الرشيد؛ إشفاقاً عليه وعلى أنفسهم من الكرّة عليهم في مثل تلك الأيام التي كان البرد فيها شديداً (٣) ، لكن احتيل له بشاعر من جنده يقال له: الحجاج بن يوسف التميمي فقال للرشيد:
نقض الذي أعطيته نقفور
فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه
غنمٌ أتاك به الإله كبير
فلقد تباشرت الرعية أن أتى
بالنقض عنه وافدٌ وبشير
ورجت يمينك أن تعجل غزوة
تشفي النفوس مكانها مذكور
أعطاك جزيته وطأطأ خدّه
حذر الصوارم والردى محذور
فأجرته من وقعها وكأنها
بأكفّنا شعل الضرام تطير
وصرفت بالطول العساكر قافلاً
عنه وجارك آمن مسرور
نقفور إنك حين تغدر إن نأى
عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت
هبلتك أمك ما ظننت غرور
стр. 1781
ألقاك حينك في زواجر بحره
فطمت عليك من الإمام بحور
إن الإمام على اقتسارك قادر
قربت ديارك أم نأت بك دور
ليس الإمام وإن غفلنا غافلاً
عمّا يسوس بحزمه ويديرُ
ملك تجرّد للجهاد بنفسه
فعدوّه أبداً به مقهور (١)
ولما تأكد الرشيد من نقض نقفور الصلح الذي عقده معه تجهز إليهم وتحرك للمرة الثانية في شهر شوال سنة ١٨٧هـ / ٨٠٢م - على رأس حملة من ثمانين ألفاً؛ لتأديب نقفور، واتجه صوب هرقلة، وكان البرد قارساً وعانى بسببه معاناة شديدة، وهذا واضح من قول ابن الأثير (٢) ((فرجع إلى بلاد الروم في أشد زمان وأعظم كلفة)) وحاصر هرقلة (٣) ورماها بالنفط والنار حتى سلّم أهلها (٤) . يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخراب
من الملك الموفق للصواب
غدا هارون يرعد بالمنايا
ويبرق بالمذكرة القضاب
ورايات يحلّ النصر فيها
تمرّ كأنها قطع السحاب (٥)
стр. 1782
هكذا كانت العلاقة بين الخلافة العباسية والدولة البيزنطية سنة ١٨٧هـ / ٨٠٢م - وخاصة شهر شعبان ورمضان وشوال – عدائية فنقض نقفور الصلح مع الرشيد وامتنع عن دفع الجزية التي اعتادت إيريني دفعها كل سنة، فتمخض عن ذلك فتح المسلمين لبعض حصون الروم، كحصن قرة وحصن سنان، وطلب نقفور من الرشيد ردّ الأموال التي دفعتها إيريني خلال حكمها، فترتب على ذلك فتح هرقلة وتأديب نقفور، ودفعه للجزية المقررة عليه، وبعد عودة المسلمين إلى بلادهم نقض نقفور الصلح واسترد هرقلة، فعاد المسلمون واستردوها، وهذا يدل على أهمية هرقلة لدى الطرفين؛ لأنها تمثل مركزاً استراتيجياً باعتبار أنها مدخل أرض الروم بعد الثغور الشامية، ونهاية حدود الدولة الإسلامية من أرض الشام، كما يدل أيضاً على تحمل الرشيد والمسلمين للغزو وصبرهم عليه، فقد دخلوا أرض الروم ثلاث مرات خلال ثلاثة أشهر؛ بينما يدل على ضعف المقاتلين البيزنطيين؛ لأنهم يقاتلون من وراء الحصون والقلاع مهابة الموت تحت سيوف المسلمين ويتضح كذلك حب نقفور الشديد لنقض العهد والغدر بالآخرين، فقد حدث منه ذلك مع المسلمين ثلاث مرات، فكان من شرّ ما دبّ على وجه الأرض؛ لأنه كفر بالله تعالى، ونقض العهود والمواثيق أكثر من مرة فلا عهد له بعد ذلك ولا ذمة (١) . يقول الله تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون﴾ (٢) .
стр. 1783
وكعادته نقض نقفور الصلح سنة ١٨٨هـ / ٨٠٣م، وامتنع عن دفع الجزية المقررة عليه – تسعون ألف دينار - فسيّر إليه الرشيد في جمادى الأولى سنة ١٨٨هـ / ٨٠٣م جيش الصائفة بقيادة إبراهيم بن جبريل (١) ، ودخل أرض الروم من ناحية الصفصاف، وتقابل الفريقان في حرب شديدة، ترتب عليها هزيمة الروم وفرار نقفور من الميدان بعدما جرح ثلاث جراحات، وحصول المسلمين على أربعة آلاف دابة من الروم، وقتل أربعين ألفاً وسبعمائة من الجيش البيزنطي (٢) ، وإن كان العدد مبالغاً فيه؛ لإظهار قوة الخلافة العباسية، إلاّ أنه يدل على أمرين: أحدهما: كثرة قتلى الروم والآخر: المعاناة التي بذلها المسلمون في هذه الغزوة، والآخر: اعتراف نقفور بقوة المسلمين، وإرساله الجزية للمسلمين، وأحدث كل هذا استياءً عاماً لدى الروم، وخاصة بعد قتل الأعداد الكبيرة منهم وأسر الآخرين، مما دفعهم إلى المطالبة باستعادة أسراهم، وتم لنقفور هذا في فداء سنة ١٨٩هـ / ٨٠٤م، وكان عدد الأسرى المسلمين حوالي ثلاثة آلاف وسبعمائة أسير، أما الأسرى البيزنطيين فلم تمدنا المصادر ببيانات عددية عنهم – لكثرتهم - (٣) ، وقد تولى القاسم بن الرشيد عملية فداء الأسرى التي تمت على نهر اللامس، وحضره العلماء والأعيان وخلق من أهل الثغور وثلاثون ألفاً من الجنود (٤) فلم يبق بأرض الروم مسلم إلاّ فودي به (٥) ، فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:
وفكّت بك الأسرى التي شيّدت لها
محابس ما فيها حميم يزورها
على حين أعيا المسلمين فكاكها
وقالوا سجون المشركين قبورها (٦)
واستفاد كلا الطرفين من هذه المناداة، فقد أظهر الروم الرضا عن نقفور، وخاصة بعد إعلانه الانتقام من المسلمين في وقت قريب واسترداد ما أخذ من غنائم وخيرات، وهذا ساعد على امتصاص غضب الروم وهدوء الأحوال في الدولة البيزنطية سنة ١٨٩هـ / ٨٠٤م.
стр. 1784
وفي محاولة من نقفور قطع على نفسه عهداً – بتأثير من الروم سنة ١٨٩هـ/ ٨٠٤م – بردّ اعتبار الروم في أقرب وقت ممكن؛ كسباً لرضاهم ورفعاً لمكانته فيهم، وفوق هذا امتنع عن دفع الجزية للرشيد، وعليه تقدم في ٢٠ رجب سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م (١) بقوة من الروم ناحية المدن التي تحمي الجزيرة (الشمالية الشرقية) وأغار على عين زربي (٢) وعلى الكنيسة السوداء (٣) (بلد بالثغر من نواحي المصيصة) (٤) ، وقاتل المسلمين المرابطين فيها وأسر عدداً منهم، إلاّ أنه لم يتمكن من المحافظة على هذا النصر، واستطاع أهل المصيصة أن يلحقوا بالروم – أثناء عودتهم إلى بلادهم – ويستنقذوا ما في أيديهم من الأسرى المسلمين (٥) .
وغضب الرشيد لهذه التطورات وسار في بداية شعبان سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م وسار معه مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف فيهم من المرتزقة سوى الأتباع وسوى المطّوعة وسوى من لا ديوان لهم (٦) وساروا بعد أن أكملوا استعداداتهم وهيأوا أنفسهم للقاء الروم.
ويذكر الجهشياري (٧) أن الرشيد اتخذ دراعة (٨) مكتوباً عليها (غاز حاج) فكان يلبسها فقال أبو المعالي الكلابي:
فمن يطلب لقاءك أو يُرده
فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمِرّ
وفي أرض الترفّه فوق كور
وما حاز الثغور سواك خلق
من المتخلفين على الأمور (٩)
стр. 1785
ولما وصل الرشيد أطراف بلاد الروم وزع قواده فيها (١) ؛ لئلا يؤخذ المسلمون على غرّة، ولا يتاح للروم الإعداد للقاء المسلمين في جهات متعددة، فأرسل: عبد الله بن مالك ناحية ذي الكلاع (٢) ، فحاصرها وفتح حصنها عنوة بعد أيام، وغنم وعاد سالماً، ووجه داود بن عيسى بن موسى في سبعين ألفاً إلى أرض الروم، ففتح بلاداً كثيرة – لم تذكرها المصادر – وهدم بعض الحصون والقلاع وغنم وعاد مع المسلمين، وبعث شراحيل ابن معن بن زائدة ناحية حصن الصقالبة ودبسة فافتتحهما وأدبّ من فيها من الروم، ثم أسر منهم عدداً (لا يقل عن خمسين رجلاً) وعاد سالماً وأرسل يزيد بن مخلد إلى الصفّصاف وملقونية (٣) ففتحهما عنوة وغنم وسبى، ووجه حميد بن معيوف الهمداني إلى ساحل البحر المتوسط فبلغ قبرص (٤) ، فافتتحها (٥) عنوة، وهدم بعض قلاعها وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً (٦) .
والواضح أن الرشيد تحرك مع المسلمين صوب هرقلة؛ لتأديب نقفور وإخضاعه لدفع الجزية، إلاّ أنه لما وصل أطراف بلاد الروم غيّر استراتيجيته؛ لأنه علم أن نقفور أثار سكان المدن الرومية على المسلمين، وأمرهم أن يُعدّوا العدة للقائهم فأراد الرشيد أن يباغتهم قبل أن يكملوا استعداداتهم، ففرق القادة في أماكن متعددة من بلادهم – وكان نصيب الرشيد هرقلة والتي سنتحدث عنها لاحقاً – إن شاء الله – ففتحوا مدناً في البر والبحر.
стр. 1786
وإن غزو حميد بن معيوف قبرص سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م يدل على أن العباسيين أخذوا يسعون منذ خلافة الرشيد (١٧٠ – ١٩٣هـ / ٧٨٦ – ٨٠٨م) إلى استعادة السيادة البحرية الإسلامية في البحر المتوسط (١) ، ومما يثبت هذا السعي والاهتمام أن الرشيد أحبّ أن يوصل ما بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر مما يلي بلاد الفرما (٢) فنصحه يحيى بن خالد البرمكي بالانصراف عن تنفيذ ذلك، وخوّفه من دخول مراكب الروم في البحر الأحمر وتهديد الحجاز، فعدل الرشيد عن المضي في تنفيذه (٣) .
أما أسرى قبرص فقد أقاموا مع المسلمين في الرافقة تسعة شهور، أظهروا فيها الاستقامة، فأمر الرشيد بردّهم إلى بلادهم (٤) ، ولابد أنه أخذ عليهم عهداً بالنصيحة للمسلمين وإنذارهم الروم، وألاّ يقفوا إلى صفّهم في حالة هجومهم على المسلمين.
وبعد فتح المسلمين للمدن والقلاع السابقة اتجهوا صوب هرقلة، وكان سكانها قد تحصنوا في قلعتها الحصينة التي أحيطت بخندق كبير لا يمكن الوصول إليه إلاّ بمشقة، فأقام المسلمون على حصارها شهراً، استخدموا فيه السهام والمجانيق والعرادات (٥) .
وحاول أهل هرقلة تخويف المسلمين، فأرسلوا لهم في اليوم الأول (٣ شوال سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م) رجلاً من أعلاج الروم (٦) ، وأعلن تحديه لقتال المسلمين رجلاً رجلاً ثم رجلين رجلين وهكذا حتى وصل العشرين، ولم يردّ عليه أحد من المسلمين؛ سياسة منهم.
стр. 1787
وفي اليوم التالي (٤ شوال سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م) خرج العلج الرومي وتحدى المسلمين كاليوم الأول فخرج إليه رجل (يدعى ابن الجزري) عرف بالبأس والنجدة، وتقابل الرجلان وأخذ كلاهما يضرب ترس الآخر، حتى انهزم ابن الجزري أمام الرومي بعيداً عن الحصن، سياسة منه ليلحق بهم الرومي ثم يلتف عليه ابن الجزري ويقتله، ولما رأى الروم – وكانوا عشرين رجلاً – ذلك المشهد لجأوا إلى الحصن وأغلقوه عليهم، فأوصى الرشيد قادته بتحطيم أسوار القلعة بضربها بالمجانيق وكُتَل النار المشتعلة، ولما رأى الروم تهافت جنبات السور لجأوا إلى فتح أبواب القلعة وأعلنوا الولاء والطاعة للمسلمين ووافقوا على دفع الجزية، مقابل أن يعطوا الأمان على أنفسهم ولا يفرّق بينهم (١) . فقال الشاعر المكي الذي كان ينزل جدة:
هوت هرقلة لما أن رأت عجباً ... حوائماً ترتمي بالنفط والنار
كأن نيراننا في جنب قلعتهم مصبغات على أرسان قصَّار (٢)
وكان لفتح هرقلة أثره على نقفور الذي بادر إلى دفع الخراج عن أرضه والجزية عن رأسه وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار منها عن رأسه أربعة دنانير وعن رأس ولده (إستبراق) ديناران (٣) ، وهذا يدل على قوة المسلمين وضعف نقفور أمام المسلمين، الذين فتحوا كثيراً من مدنهم وحصونهم حتى أن هرقلة في هذا الفتح الأخير هُدِمَت أسوارها وحصونها وسُوّيت بالأرض؛ لئلا يتحصن بها الروم مرة أخرى.
وزيادة في تأكيد هذا الغَرَض اشترط الرشيد على نقفور ألاّ يعمّرها، وأن يحمل إليه ثلاثمائة ألف دينار (٤) ، وأبقى على حصن ذي الكلاع وصملة وسنان من غير تخريب (٥) ؛ لأنها لا تشكل خطراً على المسلمين كهرقلة وقال أبو العتاهية في ذلك:
إمام الهدى أصبحت بالدين معنّياً
وأصبحت تسقي كل مستمطر ريّا
لك اسمان شقا من رشاد ومن هدى
فأنت الذي تدعى رشيداً ومهديا
إذا ما سخطت الشيء كان مسخطاً
وإن ترض شيئاً كان في الناس مرضيا
стр. 1788
بسطت لنا شرقاً وغرباً يَدُ العلا
فأوسعت شرقياً وأوسعت غربيا
ووشيت وجه الأرض بالجود والندى
فأصبح وجه الأرض بالجود موشيا
وأنت أمير المؤمنين فتى التقى
نشرت من الإحسان ما كان مطويّا
تجليّت للدنيا وللدين بالرضا
فأصبح نقفور لهارون ذميا (١)
وكان لفتح هرقلة أثره في الروم،فقد أعلن أهل الطوانة نقضهم للطاعة، وأرادوا الكيد للمسلمين، فتحرك الرشيد ناحيتهم لتأديبهم (١٥ شوال سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م) وأقام عليها فأظهر أهلها الطاعة، وأقام مسجداً هناك، كما أقام معسكرات لا حصر لها (٢) وخلف عليها عقبة بن جعفر وأمره ببناء منزل هنالك (٣) . ليوافيه بأخبار أهلها.
كما نقض أهل جزيرة قبرص الصلح الذي عقدوه مع حميد بن معيوف وأعلنوا عداءهم للمسلمين، فبعث الرشيد إليهم (٢٢ شوال سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م) معيوف ابن يحيى، فقاتلهم وسبى وقتل عدداً كبيراً من أهلها (٤) .
والحقيقة أن انتصارات المسلمين على الروم سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م أكّدت لنقفور عدم مقدرته على التصدي عسكرياً للمسلمين في خلافة هارون الرشيد، مما جعله يلجأ إلى انتهاج سياسة اللين والموادعة، يدل على ذلك كتابه إلى الرشيد – أواخر سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م -: ((لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم، سلام عليكم، أما بعد أيها الملك فإن لي إليك حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك، هيّنة يسيرة أن تَهَبَ لابني جارية من بنات أهل هرقلة كُنْتُ قد خطبتها على ابني فإن رأيت أن تسعفني بحاجتي فعلت. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) (٥) .
стр. 1789
ويظهر من هذا الكتاب مدى تذلل نقفور وتوسله إلى هارون الرشيد في طلب هذه الجارية بغرض تزويجها لابنه استبراق، كما يتضح تغير لهجته في الاعتراف لهارون أميراً للمؤمنين، كما صدّر كتابه بالسلام وختمه به، وأرسل مع هذا الكتاب هدية من الطيب وسرادقاً (١) ، ولهذا كله أجاب الرشيد إلى طلبه، وأمر بحمل الجارية على سرير ومعها هدايا من عطور وتمور ومتاع وأخبصة (٢) وزبيب، فكافأه نقفور بأن بعث إليه هدية تتكون من وِقْر (حمل) برذون (٣) دراهم مبلغه خمسين ألف درهم ومائة ثوب ديباج واثنتي عشر صقراً وأربعة أكلب من كلاب الصيد وثلاثة براذين (٤) .
ولم تثمر هذه العلاقة الجديدة وما تخللها من تبادل الهدايا في تحسين العلاقة بين الطرفين وتبيّن للرشيد أن الهدايا التي يبعث بها نقفور إليه ما هي إلاّ مكافأة له حين ردّ الجارية إليه، وأنها لا تعني اقتناعه بالرشيد، ولا تعني أيضاً وجود رغبة في إقامة علاقات ودية بينه وبين الرشيد.
ففي جمادى الثاني سنة ١٩١هـ / ٨٠٦م وكعادة نقفور نقض عهده وامتنع عن دفع الجزية، فأرسل الرشيد إليه يزيد بن مخلد الهبيري (٥) على رأس عشرة آلاف، فاعترضه الروم في أحد المضايق فقتلوه على مقربة من طرسوس مع خمسين رجلاً (٦) ، ولما رأى المسلمون مهاجمة الروم لهم بأعداد كبيرة فضّلوا العودة إلى الشام حقناً للدماء وطلباً للنجدة من الرشيد.
стр. 1790
وفي شعبان سنة ١٩١هـ / ٨٠٦م بعث الرشيد هرثمة بن أعين – ومعه مسرور الخادم – على رأس الصائفة، وضم إليه ثلاثين ألفاً من جند خراسان؛ لقوتهم وشدة مراسهم، وتقدمّهم الرشيد إلى درب الحدث، وأقام بها ثلاثة أيام من رمضان ومنها وجّه سعيد بن سلم بن قتيبة، فأقام مع المسلمين في مرعش (١) ، فأغارت الروم عليها وأصابوا من المسلمين، وانصرفوا وسعيد ابن سلم مقيم بها، فأرسل الرشيد إلى الروم محمد بن يزيد ابن مزيد يتتبعهم، فلحق بهم في طرسوس وأوقع بهم ثم عاد أدراجه مع المسلمين، وحين اطمأن الرشيد على الأوضاع في الثغور عاد إلى الرقة ليقيم فيها (٢) .
وولى الرشيد ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي إمارة الثغور الشامية سنة ١٩٢هـ / ٨٠٧م، فغزا الروم في الصائفة وفتح مطمورة (٣) وكان لكثرة غزوات المسلمين في الفترة الأخيرة سنة ١٩١ – ١٩٢هـ / ٨٠٦ – ٨٠٧م أثرها في إلقاء الرعب في قلوبهم، فقد ذهبت بسببها الآلاف منهم، مما دفعهم إلى التفكير في مصالحة المسلمين (٤) . يقول ثيوفان (المؤرخ البيزنطي) أن هناك سفارة تكونت من ثلاثة من كبار رجال الدين لهذا الغرض وهم: المطران سينادا Synnada ورئيس دير جولياس Gulaias وأسقف أماستريس Amastris (٥) ، إلا أنه لم يذكر ما حدث مع هذه السفارة، في حين أشارت المصادر الإسلامية إلى أن الصلح والفداء كان على يد ثابت بن نصر في قرية البذندون (٦) ، حيث فودي في هذا العام من المسلمين في سبعة أيام نحو ألفين وخمسمائة رجل وامرأة (٧) .
وفي ٥ جمادى الآخرة سنة ١٩٣هـ / ٨٠٨م (٨) توفي الخليفة هارون الرشيد، وتوقفت حملات الصوائف والشواتي على الإمبراطورية البيزنطية؛ لانشغال المسلمين بفتنة الأمين والمأمون في الفترة ١٩٣ – ١٩٨هـ / ٨٠٨ – ٨١٣م (٩) ، إلاّ أنه استطاع بعدها المأمون أن يُعيد وحدة الدولة العباسية، وأخذ يتفرغ لمواجهة البيزنطيين (١٠) .
следующие страницы →