Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
ورابع مثال على تسميته تعالى أحداث الزمان الماضي غيبا قصة آل عمران حيث قال تعالى بعد ذكره خبر امرأة عمران، ونذرها لله بما في بطنها، وولادتها لمريم، وكفالة نبي الله زكريا (لها، ونشأتها نشأة صالحة في طاعة ربها، وما كان من دعاء زكريا ربه أن يهب له ذرية طيبة، وبشارة الملائكة له بيحيى ومخاطبة الملائكة لمريم بأمر الله تعالى واصطفائه إياها على نساء العالمين؛ بعد ذكر ذلك كله قال : (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ((١) .
وبعد أن سمى الله تعالى ذلك غيبا بين سبب غيبية ذلك بقوله: (وما كنت لديهم (أي أن عدم وجودك في ذلك الزمان والمكان جعل ذلك غيبا عنك.
وهكذا بين الله تعالى لنا أن هذا القسم مما مضى به الزمان وانقضى من عالم الشهادة غيب بسبب أن المخبر به لم يكن في ذلك الزمان والمكان أي أنه غيب نسبي.
وهذا الغيب مع أنه من عالم الشهادة فإن العلم به على سبيل الإحاطة ليس إلا لربنا ﵎، فإذا علمنا بشيء منه عن طريق الوحي الرباني، أو النقل الصحيح لم يكن علمنا به علما شاملا محيطا، بل هو علم جزئي يعتبر قطرة من بحر علمه تعالى يعلم ببعضه من يشاء من عباده المصطفين ويطلعهم عليه بقدر ما تقتضي حكمته تعالى وهو الحكيم العليم.
стр. 2592
ألا ترى أنك حينما تنظر إلى شيء تراه أمامك لا تراه إلا من جانب واحد، حسب الجهة التي تليك منه، وأما ما لا يواجهك من جوانبه الأخرى فأنت لا تحيط به، وزد على هذا أنك تعلم الظواهر ولا تعلم البواطن والخفايا، ولهذا وصف الله الكافرين بعدم العلم، ثم وصفهم بأنهم يعلمون بظواهر الأمور في هذه الحياة، قال تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ((١) .
وهذا ما يسمى بانفكاك الجهتين أي أن العلم المنفي غير العلم المثبت.
المبحث الحادي عشر: وسائل العلم به
إن لغيب الزمن الماضي وسائل تمكن الإنسان من العلم به، وقد تنوعت تلك الوسائل قديماً، وتعددت حديثاً، ولم يزل الناس يسعون للعلم بأخبار الغابرين من الأمم بوسائل شتى، وإليك بيان تلك الوسائل حسب أهميتها وأقدميتها التاريخية:
الوسيلة الأولى: وحي الله تعالى إلى أنبيائه ورسله:
لأن أخبار الله تعالى أصدق الأخبار، وأنبياؤه ورسله أعدل من حمل أخبار الله ونقلها إلى الناس، وورثتهم من العلماء العاملين أحرص الناس على نشر ما بلغتهم الأنبياء والرسل من أخبار الله على الوجه الذي حملوه، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل الصحيحة وأقدمها وجوداً مع الإنسان في تاريخه الطويل.
الوسيلة الثانية: الأخبار الصحيحة:
إن الأخبار المنقولة نقلاً صحيحاً من الوسائل التي استفاد الإنسان منها العلم بأخبار من مضى من الأمم، وقد سلك الناس في ذلك ثلاثة مسالك:
المسلك الأول/ الكتابة:
وهذا المسلك أكثر انتشاراً وازدهاراً في المجتمعات البشرية، حيث ألفت فيه كتب وبيضت فيه صحف، تناقلوا فيها الأخبار الماضية من تواريخ الملوك والأمم والأنبياء والرسل والقبائل والدول، والحروب والحوادث والفتن مما امتلأت به صفحات التاريخ، غير أن المفيد للعلم منها ما كان صحيح النقل ولم يكن مبنياً على استنتاج أو استنباط أو تحامل.
стр. 2593
المسلك الثاني/ الكتابة مع الرسوم:
ومن المسالك التي استفاد منها الإنسان في تاريخه الطويل الكتابة مع الرسوم والصور الإيضاحية لبعض الحوادث، حيث كانت بعض الدول تسجل الحوادث المهمة من حياتها بالكتابة والصور، وقد سلك هذا المسلك الآشوريون والبابليون والمصريون القدامى، فجعلوا بذلك تاريخهم الماضي تنتقل أخباره إلى من بعدهم كتابة وتصويراً، وهذا المسلك –وإن كان استخدامه أقل من الأول- فإن أثره في نفس القارئ أقوى لاشتراك الكتابة والتصوير في نقله.
المسلك الثالث/ النقل الشفهي:
هذه الوسيلة أيضاً من الوسائل التي أفادت الإنسان في علم ما لم يعلم من أخبار من سبق حيث تناقلت أجياله المتعاقبة أخبار الغابرين تناقلاً جعل من لم يكن في ذلك الزمان والمكان على علم بما كان قبله من الأحداث، ولعل هذا المسلك هو المسلك الثاني في التاريخ البشري، لأن الكتابة والرسم لم يواكبا الحياة البشرية منذ النشأة الأولى، ولكنها مما طرأ على الحياة الإنسانية بعد أن لم تكن، والله تعالى أعلم.
والمسلمون تميزوا على غيرهم من الأمم في حفظ الأخبار وضبطها بدقة متناهية، وهي أمة إذا روت ضبطت، وإذا أخبرت صدقت، وإذا قالت عدلت، وإذا خاصمت غلبت، وإذا جادلت دحضت، وما سبب ذلك إلا لما في أخبارهم من دقة وضبط وصدق وعدل.
الوسيلة الثالثة: الوسائل الحديثة:
стр. 2594
زاد الله في خلقه ما شاء في هذا العصر الذي نحن فيه، حيث قويت فيه الوسائل القائمة من كتابة وتصوير، وتطورت تطوراً عظيماً، فالكتابة التي كانت تزاول باليد منذ آلاف السنين أصبح لها وسائل متعددة، كالمطابع الضخمة، والآلات الكاتبة المختلفة، وطابعات الكمبيوتر الدقيقة، فغدت الكتابة أسرع، ووسائلها أكثر، وعلمها أدق، كما أصبحت الرسوم والصور في هذا العصر صوراً للحقائق القائمة، والأحداث الجارية، إذا التقطت بالآلات الحديثة، وليست تمثيلاً وتشبيهاً كما كانت في الأزمنة الماضية، وإنما هي صور مطابقة للوقائع والأحداث كما وقعت وحدثت.
ولقد حدثت في هذا العصر وسائل قوية لنقل الأخبار الماضية نقلاً صحيحاً دقيقاً، فمن تلك الوسائل:
١ - التصوير التلفزيوني أو الفيديوي: المتميز بنقل الصور والأصوات والحركات على ما هي عليه، وهذه الوسيلة تعتبر أقوى الوسائل وأجلاها، وأشدها إفادة للعلم، لأن الصور المتحركة فيها صور حقيقية لأشياء حقيقية، وأصوات حقيقية، وحركات حقيقية.
لقد مكنت هذه الوسيلة الإنسان من سماع الأصوات الحقيقية ورؤية الصور الحقيقية لأناس قد مضوا، وحوادث قد جرت منذ عشرات السنين، كأحداث الحرب العالمية الثانية وغيرها من الحروب، فعلم بذلك الإنسان ما قد مضى علماً أقوى مما كان يعلم به من الأحداث عن طريق الوسائل القديمة، فرأى وسمع بها ما رأى وسمع من حضر وشهد.
٢ - التسجيل الصوتي: الذي تمكن الإنسان به من سماع الأصوات التي حدثت منذ عشرات السنين وقد يتمكن من الاستماع إليها بعد مئات السنين أو آلاف السنين، والله أعلم.
ولقد كان الناس يتناقلون الكلام كتابياً أو شفهياً أن فلاناً قال كذا وكذا، وأما الآن فإنهم يسجلون صوت القائل بأنفاسه حتى استمع إليه من غاب كما استمع إليه من حضر، وشهد تلك الأحداث.
لقد حفظت الآلات الحديثة الأصوات ونقلتها إلى الأجيال المتعاقبة، وذلك فتح جديد في مجال العلم في عصرنا.
стр. 2595
٣- التصوير الفوتوغرافي المقترن بالكتابة: إذا كانت الرسوم والصور القديمة تمثيلاً وتشبيهاً للحقائق على وجه التقريب على تفاوت بين المصورين والرسامين في الاقتراب من الحقيقة أو الابتعاد عنها، فإن التصوير الفوتوغرافي هو التقاط للصورة الحقيقية وليس تمثيلاً وتكلفاً، ولذلك تكون إفادة الصورة الفوتوغرافية للعلم إفادة تامة، وخاصة إذا اقترنت مع الكتابة التي تشرح موضوع الصورة، ويلاحظ هنا أن إطلاق اسم المصور على من يلتقط الصور بالآلة غير صحيح، وإنما هو ملتقط للصور الموجودة عن طريق الآلة، ولو أن أنساناً نظر إلى صورته في المرآة واستطاع إبقاءها فيها لما صح أن يقال له مصور، لأن المصور هو الذي يتكلف التصوير بالرسم أو النحت أو النقش أو العجن أو القص، وعلى هذا فإن المصور هو الذي يحدث الصورة لا الذي يلتقط الصورة الموجودة، فليتأمل.
٤ - التصوير الإشعاعي أو التلفزيوني: المستخدم لتشخيص الأمراض في المستشفيات والمراكز الطبية.
٥ - التحاليل الدقيقة في المختبرات الطبية والعلمية: التي تعرف بها الأمراض الخفية أو العناصر والجزيئات الدقيقة.
المبحث الثاني عشر: غيب الزمن الحاضر وسبب غيبيته
إن غيب الزمن الحاضر من أقسام الغيب النسبي الذي هو من عالم الشهادة كما سبق ذكره، وهو الغيب المعاصر للإنسان من عالم الشهادة، وسبب غيبيته راجع إما إلى ما حال بينه وبين الإنسان من حواجز وسواتر مع قربه، وإما راجع إلى بعده عن الإنسان، وإما راجع إلى صغر حجمه صغراً يمنع من رؤيته، أو ضعف صوته وخفوته خفوتاً يمنع من سماعه، أو راجع إلى ما قد يعتري الإنسان من عوارض تطرأ عليه كالصمم والعمى وفقدان الإحساس.
وفيما يأتي بيان تفصيلي لتلك الأسباب التي من أجلها تعتبر من الغيب النسبي ما كان معاصراً للإنسان من الأمور:
السبب الأول/ البعد المكاني:
стр. 2596
أي ما كان البعد المكاني مانعاً من الوصول إلى العلم به، ولولا بعد المكان لأمكن رؤية ما يرى وسمع ما يسمع، وشم ما يشم، ولمس ما يلمس وذوق ما يطعم.
أما أمثلته فالبعيد عن الرؤية والإبصار ما كان خارج مدى النظر في العادة، وما كان كذلك فرؤيته تكون بالآلات المقربة للبعيد كالمناظير المقربة بمختلف أنواعها ودرجاتها، فقد تمكن الإنسان من مشاهدة ما خرج عن مدى الرؤية بالعين المجردة إلى الأجرام البعيدة بعداً كبيراً كالنجوم والكواكب والأقمار والمجرات، وفي الأصوات البعيدة عن السماع استخدم الأجهزة المقوية لسمعه، أو المكبرة للأصوات الخافتة، أو البعيدة، حتى استطاع الاستماع إليها، وهكذا في سائر ما خفي وغاب عن حواسه من الغيب النسبي الذي هو غيب الزمن الحاضر، فتمكن بها من علم خفايا هذه الأشياء من عالم الشهادة.
وهذه الأمور تعتبر غيباً نسبياً، إذ هي بالنسبة لمن استخدم تلك الآلات ليست غيباً بل هي شهادة، وبالنسبة لمن لم يستخدمها غيب.
السبب الثاني: الحاجز المانع:
أي ما حال بين الإنسان وبين علمه حاجز منع من الوصول إليه والعلم به، ولولا وجود ذلك الحاجز لما كان غيباً.
أمثلة ذلك ما يمنع الرؤية أو السمع أو الشم أو اللمس من السواتر كالجدران والألواح والأوعية، وسائر الأجسام، ويدخل في هذا ما في الأرحام من الأجنة بعد تمام الخلقة واكتمال الصورة، وهذا أيضاً لا يعتبر غيباً لمن استخدم الآلات المخترقة لتلك الموانع الساترة.
السبب الثالث: التناهي في الصغر إن كان جرماً، والخفوت الشديد إن كان صوتاً:
стр. 2597
فاستخدم الإنسان من الأجهزة ما مكنه من رؤية الأجرام الدقيقة جداً بتكبيرها آلاف المرات أو ملايين المرات، كما تمكن بآلات أخرى من سماع الأصوات الخافتة التي ما كان يسمعها بالأذن المجردة، واستخدم أجهزة أخرى في معرفة ما خفي عليه من الروائح والطعوم، فأصبحت تلك الأمور مرئية مسموعة بواسطة تلك الآلات، ومن هذا القبيل معرفة فصائل الدم، ومشاهدة كريات الدم والشرايين الدقيقة للجسم.
السبب الرابع: الآفات والنقائص:
وهي ما يعتري البعض من النقائص كالعمى الذي يمنع من الرؤية، والصمم الذي يمنع من السمع، وفقدان حاسة الشم الذي يمنع من تمييز الروائح، وحاسة الذوق التي يعرف بها طعم الأشياء المختلفة والخدر الذي يمنع إحساس الجسم بالألم والحرارة والبرودة. وهذه الأشياء تعتبر غيبا نسبيا، إذ هي بالنسبة لمن يملك تلك الوسائل جلية ليست بغيب، بينما تعتبر بالنسبة لمن فقدها غيبا.
السبب الخامس: الحجب الرباني:
لقد حجب الله بعض عالم الشهادة حجبا لا سبيل لأحد من الخلق إلى اختراقه مع أنه من حيث الجنس من عالم الشهادة، ليعلم عباده أنه هو الذي حجب عنهم ما حجب من خلقه، وكشف لهم ما كشف، وكل ذلك راجع إلى قدرته تعالى لا إلى طبيعة الأشياء الذاتية، فلا الإنسان قادر على إدراك ما أدرك بقدرته وطبيعته، ولا ما كان غيبا قادرا على الغيبية بقدرته، وإنما طبع الله تعالى خلقه على تلك الأحوال بقدرته ومشيئته، فمتى شاء أن يخرق سننه الكونية لحكمة أرادها، غيرها وبدلها حتى يدرك الخلق أن للطبيعة خالقا مريدا طبعها بما شاء وكيف شاء. فمن أمثلة ذلك:
أولاً: خفاء المسيح الدجال (١) :
стр. 2598
المسيح الدجال رجل من اليهود ورد ذكره في الأحاديث النبوية على سبيل التحذير من فتنته، وأن جميع الأنبياء حذروا أممهم منه كذلك. وذكر من صفاته أنه خارج من موضع بين الشام والعراق. وأن الله تعالى يسخر له كثيرا من الخلق ليفتن بذلك العباد، حيث تظهر على يديه الخوارق الشيطانية، وأنه يدعي الألوهية، ومكتوب بين عينيه كافر، يقرأ ذلك أهل الإيمان ممن يقرأ وممن لا يقرأ، وأنه أعور العين اليمنى، وأنه يجوب في الأرض سريعا ويمكث فيها أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كالأيام المعتادة، وأنه يذوب كما يذوب الملح في الماء حينما يرى المسيح عيسى ابن مريم عليه
السلام (١) ، وأنه يقتله نبي الله عيسى بفلسطين، في مكان يدعى "باب لد" (٢) وهو موضع المطار الدولي الحالي لليهود المحتلين لفلسطين، وأنه يمنع من دخول مكة والمدينة (٣) .
والدجال موجود في مكان غير معلوم للناس في هذه الأرض. ومع كونه من بني آدم الذين هم من عالم الشهادة فإن أحدا من الناس لا يعلم في أي بقعة من الأرض هو. ويدل على وجوده حديث تميم الداري ﵁ المشهور حيث رواه عنه رسول الله (على سبيل الاستشهاد بما رآه لا على سبيل استفادة العلم بما لا يعلم صلوات الله وسلامه عليه. فقد علم من ربه وأعلم الناس بما علم. ولما سمع من تميم الداري ما طابق علمه مما شاهد أخبر بذلك الصحابة ﵃، إذ الأمر قبل ذلك خبر جاء به الوحي الإلهي وأما الذي رواه تميم فكانت معاينة ومشاهدة لغيب أراد الله أن يطلعه عليه هو ومن معه ليكون ذلك شاهدا لنبيه (.
стр. 2599
وتجنبا للإطالة أورد موضع الشاهد من حديث تميم ابن أوس الداري الذي روته فاطمة بنت قيس: حيث كان قد ركب البحر مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم موج البحر شهرا فخرجوا في النهاية إلى جزيرة فلقيتهم دابة غزيرة الشعر فسألوها ما هي؟ فقالت: أنا الجساسة (١) ، فطلبت منهم أن ينطلقوا إلى رجل في الدير لشوقه إلى الأخبار، فانطلقوا إلى الدير سراعاً فرأوا فيه إنسانا عظيم الجثة شديد الوثاق مجموعة يداه إلى عنقه وما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. فسألهم من هم؟ وكيف وصلوا إلى الجزيرة؟ وما الذي دلهم عليه؟ فلما عرف منهم أنهم من العرب سألهم عن أمور كثيرة في بلاد العرب حتى سألهم عن نبي الأميين ما فعل؟ فأخبروه أنه خرج من مكة ونزل بيثرب، وسألهم عن قتال العرب له وماذا فعل بهم؟ فأجابوه أنه ظهر على من يليه من العرب فأطاعوه. ثم إنه قال لهم: "وإني مخبركم عني؛ إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدا أو واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت راوية الحديث فاطمة بنت قيس ﵂: " قال رسول الله (وطعن بمخصرته في المنبر: " هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة" بمعنى المدينة " ألا هل كنت حدثتكم ذلك" فقال الناس: نعم." فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو" وأومأ بيده إلى المشرق) (٢) .
стр. 2600
إنه من قبل المشرق كما أكد رسول الله (ذلك في هذا الحديث، ولكن أين ذلك الموضع بالتحديد؟ ذلك ما لا يعلمه إلا عالم الغيب والشهادة. والشاهد من الحديث هنا أن الدجال موجود منذ عهد بعيد في مكان غير معلوم، وأنه سيخرج حينما يأذن الله بخروجه ولا يعلم أحد متى ذلك. ومن هنا نعلم أيضا أن ما كان في أصله من عالم الشهادة، إذا شاء الله غيبيته كان من عالم الغيب ولو شاء الله أن يقلب الغيب شهادة، والشهادة غيبا لفعل، ولكنه لا يخرق نواميسه وسننه الكونية إلا تأييدا لرسله أو من أخلص في اتباعهم من أهل طاعته، ليبين في كلتا الحالتين أن ما جاءت به الرسل حق منزل من عند الله تعالى الذي له ملكوت كل شيء سبحانه.
ثانياً: خفاء يأجوج ومأجوج:
لقد أخفى الله يأجوج ومأجوج على من سواهم من الناس مع أنهم من ذرية آدم ﵇، ومع أنهم قد كانوا موجودين مشاهدين، حيث يقومون بالإغارة على مجاوريهم، والإفساد في أرضهم حتى قام ذو القرنين بعزلهم عن الناس حينما جعل بينهم وبين مجاوريهم سدا لا يفتح إلا يوم الوعد، وذلك بين جبلين لم يستطيعوا بعده أن يظهروه.
وإن أحدا من الناس لا يراهم الآن ولا يعلم أين هم لأنهم أصبحوا غيبا بعد أن كانوا شهادة.
ولقد ورد ذكرهم في القرآن والسنة. أما القرآن فقد ذكرهم في سورة الكهف وسورة الأنبياء.
стр. 2601
وفي سورة الكهف قال الله تعالى في الإخبار عن رحلة ذي القرنين وما جرى فيها من الأمور وأنه بلغ بين السدين ووجد من دونهما قوما: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سداً (قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطراً (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً ((١) .
وأما في سورة الأنبياء فقال الله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين ((٢) .
لقد دلت آية سورة الكهف في شأنهم على الأمور الآتية:
الأمر الأول: وجودهم في ذلك الزمن الغابر وجودا مشاهدا.
الأمر الثاني: إنهم أهل كفر وفساد في الأرض.
الأمر الثالث: إنهم حجزوا وراء السد وحيل بينهم وبين الإفساد في الحرث والنسل.
الأمر الرابع: إن هذا السد المنيع لا يمكنهم نقبه من أسفله ولا الصعود من أعلاه.
الأمر الخامس: إن ذلك السد لا يفتح إلا في آخر الزمان قرب قيام الساعة وعليه دلت آية سورة الأنبياء أيضا.
الأمر السادس: إن ذلك السد يتكون من قطع من الحديد الذي أفرغ عليه الصفر المذاب وهو أقوى ما يكون.
الأمر السابع: إنه لا بد من خروجهم إذا جاء وعد الله تعالى بأن يجعله دكا. وعليه دلت أيضا آية سورة الأنبياء.
أما آية سورة الأنبياء فقد صرحت بأمور:
الأمر الأول: خروجهم في آخر الزمان.
الأمر الثاني: إن خروجهم علامة على قرب قيام الساعة.
الأمر الثالث: إنهم حين يأتي وعد الله بفتح السد يخرجون ويموج بعضهم في بعض حيث يندفعون ويسرعون وينحدرون من كل حدب.
стр. 2602
هذا ما جاء في القرآن الكريم في شأن يأجوج ومأجوج.
وأما ما جاء في السنة فهو على كثرة الروايات لا يخرج عما تضمنته الآيات القرآنية في كثير من الأمور (١) . غير أن الأحاديث تميزت بالنص على أنهم من بني آدم، وأنهم أكثر بني آدم عددا، وأن العدد الأكبر من بعث النار يكون منهم يوم القيامة (٢) .
وليس المقصود هنا ذكر ما يتعلق بيأجوج ومأجوج من الروايات على سبيل الاستقصاء، ولكن المراد بيان أنهما مع كونهما من عالم الشهادة خلقا، فإن الله أخفاهما عن المشاهدة. فمن ادعى أنه يعلم مكانهما أو أنهم من الشعوب المعروفة التي تتعامل مع سائر الشعوب في هذا العصر، فقد تكلم في الغيب الذي حجبه الله تعالى عن البشر إلى أن يأتي وعده حيث يفاجئون بخروجهم مقترنا ذلك ببعض علامات الساعة الكبرى كخروج الدجال ونزول المسيح ﵇. ومع تقدم الوسائل العلمية وتطورها فإنها لا تتخطى عالم الشهادة المسخر للحواس.
المبحث الثالث عشر: وسائل العلم به
إن غيب الزمن الحاضر من عالم الشهادة سعى الإنسان لمعرفته بالوسائل المختلفة، ولكن الذي نريد البحث فيه هنا الوسائل المفيدة للعلم، لا كل الوسائل التي استخدمها الإنسان.
وتلك الوسائل تتجلى فيما يأتي:
الوسيلة الأولى/ الوحي الرباني:
حيث يُعلم الله تعالى أنبياءه ورسله ببعض ما هو خفي عن الناس في أزمانهم، مما يقع في سر وخفاء إن كان قريباً أو مما يقع في أماكن بعيدة عن الأحداث في عصورهم. ويتجلى ذلك في الأمثلة التالية:
إخبار الله تعالى نبيه ﷺ باستشهاد جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة في موقعة مؤتة ساعة استشهادهم، وأخذ خالد بن الوليد للراية وفتح الله عليه (٣) .
إخبار الله له باستشهاد أصحاب بئر معونة من الحفاظ (٤) .
إخبار الله له بقتل كسرى على يد ابنه شيرويه (٥) .
إخبار الله له بالظعينة التي حملت خطاب حاطب بن أبي بلتعة (٦) .
стр. 2603
إخبار الله إياه بموت النجاشي ﵀ يوم وفاته (١) .
إخبار الله تعالى إياه بما كان بين عمير بن وهب وصفوان بن أبي أمية بمكة (٢) .
إخبار الله إياه بأكل الأرضة من صحيفة المقاطعة التي كتبتها قريش وعلقتها داخل الكعبة كل اسم لله ورد فيها، وأبقت ما فيها من شرك وظلم وقطيعة (٣) .
إخباره بما جرى بين زوجيه عائشة وحفصة في أمر أسره النبي إلى عائشة، كما في صورة التحريم (٤) .
والأمثلة على هذا الأمر أكثر من أن تعد وتحصى، وهذا خاص بزمن الوحي، أما بعد توقف الوحي وانقطاعه بوفاة النبي فقد انقطعت هذه الوسيلة وتوقفت.
الوسيلة الثانية/ الأجهزة العلمية الحديثة:
حينما انقطع الوحي بوفاة رسول الله ﷺ لم تكن هناك وسيلة يعلم بها ما يجري في خفاء أو بعد، فالوحي الرباني لم تكن مهمته إنباء الناس بما غاب عنهم أو خفي عنهم، ولكنه يأتي بإجلاء ذلك بقدر ما تحتاج إليه الدعوة، ويكون مؤيداً لها، وليس من مهمة الوحي الإخبار عن أماكن وجود الضالة، والكشف عن المسروقات، فإن تلك أعمال العرافين والكهان والمشعوذين، غير أن الإنسان اهتدى في هذا العصر إلى اختراع آلات تمكن بها من الوصول إلى علم ما لا يعلم مما في عصره من خفايا عالم الشهادة، فمن تلك الآلات ما يأتي:
البث المباشر المرئي المسموع، وجهاز الاستقبال: (التلفاز) .
البث الإذاعي المسموع عن طريق جهاز الالتقاط: (الراديو) .
الهاتف الذي ينقل الصوت الحي من مسافة بعيدة بين طرفين متحادثين، والفاكس.
أجهزة التصنت على الأصوات من بعد.
الأقمار الصناعية وما تشتمل عليه من أجهزة دقيقة كاشفة لبعض الخفايا.
المراصد التي يتم بها اكتشاف الفضاء الكوني وما بث الله تعالى فيه من الأجرام المختلفة.
стр. 2604
المركبات الفضائية التي تجوب الفضاء الكوني السحيق وتبث إلى أجهزة في الأرض صوراً عن النجوم والشموس والأقمار والمجرات، إلى غير ذلك مما تنتجه مصانع الدول الصناعية المتطورة من آلات جعلت الاطلاع على كثير من الخفايا في غاية من السهولة واليسر.
المبحث الرابع عشر: غيب الزمن المستقبل وأدلة غيبيته
الزمن المستقبل هو الزمن الذي يأتي بعد اللحظة التي نحن فيها، وغيبه هو ما سيقع فيه من حوادث لم تقع بعد، فهو وإن كان من عالم الشهادة قبل وقوعه، فليس من الغيب النسبي الذي يعلم به قوم دون قوم، ومع عده من حيث التقسيم من غيب عالم الشهادة، فإنه في غيبيته عن الحس والإدراك الإنساني يشبه الغيب المطلق الذي هو من عالم الغيب، كما يشبه في حكمه أيضا ما قبل نشأة الإنسان من غيب الزمن الماضي من عالم الشهادة.
وسيلة الإطلاع على غيب الزمن المستقبل:
إن الوسيلة التي يمكن أن يعلم بها الإنسان ما يأتي في المستقبل من ساعاته وأيامه وشهوره وسنواته، هي وحي الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، أي إن الله تعالى هو الذي يعلم وحده ما سيكون فهو الذي يعلم من يشاء من عباده المصطفين ما سيأتي غير أن سنن الله في الوحي إلى أنبيائه بذلك جرت على عدم تحديد تواريخ ما سيأتي من الأحداث، وإنما يوحي الله تعالى إليهم بصفات تلك الأحداث وحالاتها حتى يترقبها الإنسان في حياته كلها لا في يوم معين أو شهر معين أو سنة معينة، فكما علم الناس أن لهم آجالا تنتهي إليها أعمارهم، ولا يعلمون متى ذلك، فإنهم لا يعلمون متى سيقع حدث من الحوادث التي أوحى الله تعالى بحدوثها في المستقبل ولكنهم يفاجأون بحدوث ما قد آمنوا بحدوثه، وفي هذا يقول الشاعر:
ما مضى فات والمؤمل غيب
ولك الساعة التي أنت فيها
وقال زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عمي
أما أدلة غيبية حوادث المستقبل في عالم الشهادة فكثيرة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه فمن ذلك:
стр. 2605
١- قوله تعالى حكاية عما قاله العاص بن وائل لخباب (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولداً (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (، لقد زعم أنه سيكون له مال وولد إذا بعث، وأنه سيوفي خباباً حقه هناك، قال ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء من البعث بعد الموت. بيان سبب ذلك أن خباباً قال: "جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقاً لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: إن لي هناك مالا وولدا فأقضيكه. فنزلت هذه الآيات.
وقد سمى الله تعالى هذا غيبا، وأنكر على من زعم أن له مالا وولدا في الآخرة، بأن قال: (أطلع الغيب (أظهر على ما في الغيب وعلم أن له مالا وولدا.
٢- كذلك سمى الله تعالى المستقبل غيبا لا يعلمه سواه، فقال لملائكته (إني أعلم ما لا تعلمون (، وذلك أنهم لما أخبرهم الله تعالى بأنه (جاعل في الأرض خليفة (قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (، فأخبرهم الله تعالى بأنه هو وحده يعلم ما سيكون وهم لا يعلمون من ذلك شيئاً، ثم إنه تعالى لما خلق آدم علمه الأسماء كلها، ثم عرض على الملائكة تلك المسميات، فسألهم عن أسمائها فلم يعلموا هنالك أمر الله آدم أن يعلمهم ما لم يعلموا. حيث قال تعالى في ذلك كلها (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ((١) .
وهذا دليل آخر على أن ما سيقع في المستقبل من الأحداث في عالم الشهادة غيب انفرد الله بعلمه .
стр. 2606
٣- وكذلك دل على غيبية حوادث المستقبل قول الله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (، أي إن هذه الأمور المذكورة في الآية من حوادث المستقبل علمها عند الله تعالى وحده ليس لأحد من خلقه علم بها.
وأما السنة النبوية فقد امتلأت كتبها بأحاديث الفتن، وما سيحدثه الله في المستقبل من الحوادث التي يكون حدوثها من علامات الساعة، مما أعلم الله نبيه عن طريق الوحي فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها.
٤- ولقد دلت آية من كتاب الله تعالى على حدثين أحدهما من غيب الزمن الحاضر والآخر من غيب الزمن المستقبل عند نزول الآية فتحقق ذلك في زمن يسير، ذلك هو قول الله : (آلم (غلبت الروم (في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ((١) .
وقوله: (غلبت الروم (: إخبار بغيب الزمن الحاضر حيث إن غلبة فارس للروم وقعت في ذلك الزمن، والناس لم يقفوا بعد على ذلك، فكان الوحي في ذلك الزمن هو الوسيلة والمصدر الوحيد للوقوف على هذا القسم من الغيب ونقله إلى من غاب عنه، وقوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون (في بضع سنين (، إخبار بغيب الزمن المستقبل الذي سيقع في زمن لا يزيد عن عشر سنين، وهو انتصار الروم على الفرس، وأن ذلك اليوم يوم فرح للمؤمنين لانتصار أهل الكتاب على أهل الشرك، أو المراد بيوم الفرح هو يوم بدر الذي يوافق يوم انتصار الروم على الفرس كما قال بذلك بعض العلماء، وهذا أبلغ في الفرح وأليق، وهو يعتبر أيضاَ إخباراً بغيب المستقبل، وهو انتصار أهل الحق على أهل الباطل يوم بدر.
• • •
الخاتمة:
стр. 2607
إن الحوادث المستقبلة لا يعلم ميعادها وحقيقتها وصورتها وحجمها وكل ما يتعلق بها إلا رب العالمين. ومن زعم أن أحدا من الخلق يعلم ما يستقبل من الأمور فقد كذب على الله وكذب برسول الله (. وقد زعم بعض المفتونين أن حوادث معينة ستقع في سنة معينة وشهر معين، فلم يحدث من ذلك شيء. مع مضي تلك السنة وذلك الشهر. ومنذ بضع سنوات سرت إشاعات زعم أصحابها أن صيحة ستحدث ليلة الجمعة في النصف من شهر رمضان، فصدق بذلك بعض العوام وحدثت بلبلة للأفكار، وقلق وفزع، فانبرى أهل البصيرة لبيان زيف تلك الدعوى وعدم صحة الحديث الذي بنيت عليه تلك الأوهام، فجاء اليوم الموعد الذي ترقب الجهال أن تحدث فيه تلك الصيحة ولم يحدث شيء، ثم في هذه السنة أعادوا الكرة على نطاق أوسع ومستوى أعلى وأرفع فيما أطلق عليه عام ألفين، ووقوع حوادث في الليلة الأولى منه، وقيام الساعة فيه، ولكنهم خسئوا وخابوا فلم يحدث من ذلك شيء. وعلى المسلم الحريص على دينه وسلامة عقيدته، وحسن تصديقه، لما بلغه عن الله تعالى ورسوله، ألا يركن إلى ما يشيعه أعداء الإسلام، والجاهلون من أبنائه، ومدعوا العلم ممن لم يؤتوا العلم بمنهج أهل العلم الصحيح من سلف هذه الأمة، وأن لا يندفع نحو كل صارخ وناعق، فكتاب الله تعالى وسنة رسوله (هما مصدر العلم الصحيح، والعقيدة الصافية، فيلتزم المسلم بها مستنيرا في فهمها بأقوال العلماء الربانيين من أهل السنة والجماعة) .
وأسأل الله تعالى العظيم، رب العرش الكريم، أن يهدينا إلى الحق ويثبتنا عليه اعتقادا وقولا وعملا، وأن يميتنا على ذلك بمنه وكرمه وإحسانه إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحواشي والتعليقات
سورة إبراهيم: ٤.
رواه البخاري/كتاب الإيمان/ باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم/كتاب المساقاة/باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
سورة البقرة: ٣
سورة فاطر: ١٨
سورة فاطر: ١٨.
سورة يس: ١١
سورة ق: ٣٣
سورة الملك: ١٢
стр. 2608
أنظر تفسير الجواهر الحسان المعروف بتفسير الثعالبي لمحمد بن عبد الرحمن الثعالبي ج١ ص١٨٣ وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ج٤ ص١٥٢ وإرشاد العقل السليم المعروف بتفسير أبي السعود لمحمد بن العماد الحنفي ج١= = ص٥٣-٥٤ وتفسير الرازي المشهور بمفاتيح الغيب لمحمد بن ضباء الدين عمر المشتهر بالفخر الرازي ج١ ص٣١ وكتاب التسهيل لعلوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي ج١ ص٦٢.
انظر مجموع الفتاوى ج ١١ ص ٣٣٦.
سورة ق: ١٨.
سورة ق: ١٦.
سورة آل عمران: ٥.
سورة الانفطار: ١٢.
سورة طه: ٧.
سورة يس: ٧٦.
سورة البقرة: ٢٣٥.
سورة الأنعام: ٣.
سورة الفرقان: ٦.
سورة القصص: ٦٩.
سورة البقرة: ٢٨٤.
سورة الأعراف: ٥٦.
سورة الأنبياء: ٩٠.
لفظ البخاري: (أين يا سعد) واللفظ المذكور في الإصابة والاستيعاب وفي مسند أحمد: (يا أبا عمرو أين) .
سورة الأحزاب: ٢٣.
أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ١ ص ١٥٥ وانظر صحيح البخاري كتاب المغازي / باب غزوة أحد.
سورة مريم: ٦١.
انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ٣ ص ٧٨٧ – ٧٨٨. والسيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٦٢٧.
صحيح مسلم كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنة للشهيد.
البخاري / كتاب المغازي / باب غزوة أحد.
المعجم الكبير للطبراني ج٣ ص٢٦٦-٢٦٧ حديث ٣٣٦٧ وراجع في ترجمته أسد الغابة في معرفة الصحابة ج١ ص٤١٤ والإصابة في تمييز الصحابة ج١ ص٢٨٩.
رواه مسلم /كتاب الإيمان / باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج.
سورة آل عمران: ٢٠٠.
شمرت عن ساقها: شمر عن ساقه وشمر في أمره: أي خف. لسان العرب. وهو كناية عن شدة الحرب.
واضطرمت لظى: ضرمت النار وتضرمت النار واضطرمت إذا التهبت. واللظى:
النار. الصحاح.
وحللت: أي غشيت وألبست.
على أوراقها: أوراقها هم المتقاتلون.
стр. 2609
وطيسها: الوطيس المعركة وقيل تنور من حديد شبهت به الحرب. وقيل الضراب في الحرب وقيل غير هذا. أنظر لسان العرب.
خميسها: الخميس: الجيش سمي كذلك إما لأنه خمس فرق: المقدمة، والقلب والساقة والميمنة والميسرة، ولأنه يخمس الغنائم. أنظر لسان العرب.
الإصابة في تمييز الصحابة ج ٤ ص٢٨٧ – ٢٨٩ وانظر أسد الغابة ج٦ ص٨٨-٩٠، وانظر الاستيعاب لابن عبد البر رحمه الله تعالى على هامش الإصابة ج٤ ص٢٩٥-٢٩٧.
انظر ترجمتها في مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق لأبي زكريا أحمد بن إبراهيم الدمشقي ثم الدمياطي المتوفى سنة ٨١٤ هـ ج ١ ص ٢١٥.
أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله . وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل مجالس الذكر، كلاهما عن أبي هريرة ﵁. واللفظ للبخاري.
سورة الرعد: ٢٨.
رواه أحمد في المسند ج ١ ص ٣٠٦-٣٠٧ بهذا اللفظ. وقال المحققون للمسند:
" حديث صحيح " انظر الموسوعة الحديثية: مسند الإمام أحمد بن حنبل ج٥ ص١٩ حديث ٢٨٠٣ ورواه الترمذي بلفظ آخر في كتاب صفة القيامة. باب ٥٩ حديث ٢٥١٦ وقال حديث: حديث حسن صحيح. وأبو يعلي في مسنده ج٣ ص٨٤-٨٥ حديث ٢٥٤٩.
سورة الشرح: ٥.
سورة الزمر: ١٠.
سورة البقرة: ١٥٥-١٥٧.
سورة البقرة: ١٧٧.
سورة الطلاق: ٤.
سورة الطلاق: ٢ - ٣.
سورة البقرة: ٢٦٤.
سورة الإنسان: ٨ –١٠.
سورة المطففين: ١-٦.
سورة المائدة: ٨.
سورة النساء: ١٣٥.
سورة الممتحنة: ٤.
سورة المؤمنون: ١٠١.
سورة المعارج: ١٠.
سورة لقمان: ٣٣.
سورة الحج: ١٩.
سورة المجادلة: ٢٢
سورة آل عمران: ١٣٤
سورة الشورى: ٣٩ – ٤٣.
أخرجه البخاري / كتاب الإيمان / باب حلاوة الإيمان. ومسلم / كتاب الإيمان / باب بيان خصال من انصف بهن وجد حلاوة الإيمان ومسلم / كتاب البر والصلة / باب في فضل الحب في الله.
стр. 2610
أخرجه أحمد في المسند ج٢ ص ٣٣٨ و ٣٧٠، ٢٣ عن أبي هريرة وصححه الألباني / كلاهما عن أنس بن مالك ﵁ / في مختصر العلو للبيهقي، ص١٠٥ بتحقيق وتعليق ناصر الدين الألباني.
أخرجه مسلم / كتاب الإيمان / باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ص ١٠٥.
رواه مسلم / كتاب الإيمان / باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
سورة آل عمران: ١١٠.
أخرجه أحمد في مسنده ج٥، ص١٢٨.
رواه ابن حبان في صحيحه / ذكر إيجاب محبة الله للمتناصحين والمتباذلين.
رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة وقال حديث حسن غريب كتاب البيوع باب ٣٨ حديث ١٢٦٤ وانظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير للمناوي ج ١ ص ٢٢٣ ورمز السيوطي لصحته. وانظر الصحيحة للألباني ٤٢٤ والإرواء ١٥٤٤.
سورة النساء: ٥٨.
البخاري / كتاب العلم / باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه ...
سورة الأحزاب: ٧٢.
رواه الترمذي وقال حديثٌ حسنٌ صحيح.
سورة النمل: ٦٥.
سورة الجن: ٢٦.
سورة الأنعام: ٥٩.
سورة الأنعام: ٧٣.
سورة فاطر: ٣٨.
سورة سبأ: ٤٨.
سورة هود: ٤٩.
سورة يوسف: ١٠٢.
سورة آل عمرآن: ٤٤-٤٥.
سورة يوسف: ١٠٢.
سورة القصص: ٤٤-٤٦.
انظر صحيح البخاري/ كتاب التفسير/ باب قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام (. وكتاب فضائل الصحابة، باب حديث الإسراء.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: " رواه أحمد وأبو يعلى والبزار... والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد ج١٠ ص١٣٦.
انظر الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي ج٣ ص٣٠٣-٣٠٤. وانظر كتاب: عالم الغيب والشهادة لعثمان جمعة ٧٥.
اقرأ قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى (سورة النجم: ١٣-١٤.
انظر البخاري/ كتاب بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة، وكتاب فضائل الصحابة/ باب المعراج. ومسلم/ كتاب الإيمان/ باب الإسراء برسول الله (.
سورة النساء: ١٥٨.
стр. 2611
سورة البقرة: ٣.
سورة يونس: ٩٠-٩١.
رواه الترمذي وقال حديث حسن. كتاب الدعوات باب فضل التوبة والاستغفار. حديث ٣٥٣٧.
سورة إبراهيم: ١٠.
سورة الأعراف: ٧٥.
سورة الرعد: ٤٣.
سورة يس: ١٥.
سورة الأنعام: ٩١.
سورة المدثر: ٢٥.
سورة الهود: ٥.
سورة القصص: ٦٩.
سورة الملك: ١٣.
سورة لقمان: ٣٤.
سورة الأعراف: ٨٧.
سورة الأحزاب: ٦٣.
رواه مسلم من حديث جبريل المشهور.
سورة الأعراف: ١٨٨.
سورة الطلاق: ١.
سورة النساء: ٨٧.
سورة النساء: ١٢٢.
سورة النجم: ٣.
سورة الشورى: ١١.
سورة البقرة: ٢١٣.
لوامع الأنوار البهية ص١، ص١٠١.
سورة البقرة: ١١٥و٢٧٢، الرعد: ٢٢، الروم ٣٨، ٣٩، الرحمن: ٢٧،
الإنسان: ٩، الليل: ٢٠، الأنعام: ٥٢، الكهف: ٢٨، القصص: ٨٨.
شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجوري ص١٦١.
المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٢٩٨، وشرح المقاصد ج ٤، ص ١٧٤.
آل عمران: ٢٦، ٧٣، المائدة: ٦٤ مرتين، الفتح: ١٠، الحديد: ٢٩،
المؤمنون: ٨٨، يس: ٤٥، ٨٣، ص: ٧٥، الملك: ١.
شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجوري ص١٦١.
المواقف ص ٢٩٨ وشرح المقاصد ج ٤ ص ١٧٤.
سورة الزمر: ٦٧.
شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجوري ص ١٦١.
سورة طه: ٣٩.
سورة هود: ٣٧.
شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجوري ص ١٦١.
سورة الشورى: ١١.
لوامع الأنوار البهية ج١ ص ٩٤.
الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، طه: ٥، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤.
انظر المواقف ص٢٩٧ وشرح المقاصد ج٤ ص١٧٤.
وفي المواقف عمرو مكان بشر.
سورة البقرة: ٢١٠، الأنعام: ١٥٨.
سورة الفجر: ٣٢.
سورة الفجر: ٢٢.
سورة الأنعام: ١٥٨.
الشورى: ٣٥.
سورة التحريم: ٦.
سورة الأنبياء: ٢٧.
سورة مريم: ٦٤.
سورة الأعراف: ٢٧.
سورة التوبة: ٤٠.
سورة التوبة: ٢٦.
سورة الأحزاب: ٩.
سورة المدثر: ٣١.
стр. 2612
رواه الشافعي بهذا اللفظ في المسند ج١ ص ١٦ كتاب العلم. وابن حبان كتاب العلم باب ذكر دعاء المصطفى. وذكر المنذري في الترغيب والترهيب ج١ حديث ٦.
سورة آل عمرن: ٧.
سورة الأحزاب: ٧٧.
سورة الإسراء: ٤٤.
سورة فصلت: ١١.
سورة الإنسان: ٢.
سورة الملك: ٢٣.
ثبت لدى المختصين من العلماء أن تحليل ما لديهم بالسائل الأمنيوسي بعد مضي أربعة أشهر من الحمل يمكنهم من معرفة نوع الجنين أذكر أم أثنى، حيث إن حرف (y) يدل على خصائص الذكورة وأن حرف (x) يدل على خصائص الأنوثة، فبهاتين العلامتين يمكن التعرف على نوع الجنين.
سورة النمل: ٦٥.
هذا التحديد أمر مبني على سياق ما سيأتي على ما قد مضى من التجارب، ولا يعلم أحد أن ذلك يقع حتماً، لاحتمال أن الدنيا قد لا تستمر إلى ذلك الزمن أو على ذلك النحو المعلوم من قبل فليتأمل.
تفسير القرآن الحكيم المعروف بتفسير المنار ج ٧ ص ٤٢٢-٤٢٣.
سورة المائدة: ٢٧-٣١.
سورة هود: ٤٩.
سورة يوسف: ١٠٢.
سورة آل عمران: ٤٤-٤٥.
سورة الروم: ٦-٧.
إن المسيح الدجاللم يرد ذكر له في القرآن الكريم غير أن بعض العلماء يرون أنه داخل في قوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل (أنظر النهاية للفتن والملاحم للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي ج١ ص ١٢٨-١٢٩ بتعليق وتحقيق محمد خير طعمة وخليل مأمون شيحا.
أنظر في هذه الصفات كلها صحيح مسلم كتاب الفتن باب خروج الدجال وصفته، وباب قصة الحساسة. وانظر الترمذي أيضاً كتاب الفتن باب ما جاء في فتنة الدجال وأبا داود كتاب الملاحم باب خروج الدجال.
رواه الترمذي في كتاب الفتن باب ما جاء في قتل عيسى بن مريم الدجال. وقال حديث حسن صحيح.
أنظر صحيح مسلم كتاب الفتن باب في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه. وباب قصة الجساسة. والترمذي كتاب الفتن باب ما جاء في الدجال لا يدخل المدينة.
стр. 2613
الجساسة: اسم تلك الدابة قيل إنها سميت بذلك لأنها تجسس الأخبار للدجال. وذكر بعضهم أنها هي الدابة التي ذكرت في القرآن والسنة أنها تخرج في آخر الزمان وتكلم الناس.
رواه مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب قصة الجساسة وأبو داود كتاب الملاحم باب في خبر الجساسة.
سورة الكهف: ٩٤-٩٨.
سورة الأنبياء: ٩٦-٩٧.
أنظر صحيح البخاري / كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج. وصحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج كلاهما عن زينب بنت جحش.
أنظر البخاري / كتاب الأنبياء / باب قصة يأجوج ومأجوج. وصحيح مسلم / كتاب الإيمان / باب قوله
(يقول الله يا آدم: أخرج بعث النار (.
أنظر البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام.
أنظر البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة.
السيرة النبوية لابن كثير، ج٣، ص ٥٠٩-٥١٠.
أنظر البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح.
البخاري فضائل الصحابة، باب هجرة الحبشة.
أنظر السيرة النبوية لابن هشام، ج١، ص ٦٦١-٦٦٣.
أنظر السيرة النبوية لابن كثير، ج٢، ص٤٤-٤٦.
أنظر البخاري، كتاب التفسير، باب (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً (.
سورة البقرة: ٣١-٣٣.
سورة الروم: ١-٥.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
إرشاد العقل السليم، أبو السعود محمد بن العمادي الحنفي.
أسد الغابة في معرفة الصحابة، مجد الدين أبو السعادات المبارك محمد الجزري ابن الأثير.
الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
الاستيعاب، أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري.
بصائر ذوي التمييز، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي.
الترغيب والترهيب، زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المشهور بالحافظ المنذري.
تفسير القرآن الحكيم، رشيد رضا ومحمد عبده.
الجامع الصحيح، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي.
стр. 2614
الجامع الصغير، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي.
الجواهر الحسان، محمد بن عبد الرحمن الثعالبي.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني.
سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني.
سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي.
السيرة النبوية، أبو محمد عبد المك بن هشام الحميري.
السيرة النبوية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي.
شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني.
شرح جوهرة التوحيد، إبراهيم الباجوري.
صحيح ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي.
صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري.
صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
عالم الغيب والشهادة، عثمان جمعة.
الكليات، أيوب بن موسى الكفوي.
كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي.
لوامع الأنوار البهية، محمد بن أحمد السفاريني.
مجمع الزوائد، نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي.
مختصر العلو للعلي الغفار، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي.
المسند، الإمام أحمد بن حنبل.
مسند أبي يعلى، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي.
مسند الإمام الشافعي، الإمام محمد بن إدريس الشافعي.
مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، أحمد بن إبراهيم الدمشقي.
معجم الطبراني الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني.
مفاتيح الغيب، المشهور بتفسير الرازي، محمد بن ضياء الدين عمر الشهير بالفخر الرازي.
المواقف في علم الكلام، عضد الدين الإيجي.
موسوعة حياة الصحابيات، محمد سعيد مبيض.
стр. 2615
قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام في
توحيد الربوبية
عرض ونقد في ضوء مذهب السلف
د. سعود بن عبد العزيز الخلف
الأستاذ المشارك في قسم العقيدة - كلية الدعوة وأصول الدين -
بالجامعة الإسلامية
ملخص البحث
إن وجود الله أمر ظاهر ودليله واضح في كل متحرك وساكن وقد فطر الناس على ذلك إلا أن طائفة ممن ينتمي إلى الإسلام زوراً وبهتاناً بحثوا في هذا الأمر بعقول مريضة وقياسات فاسدة متبعين في ذلك قول فلاسفة اليونان الوثنيين فزعموا جميعاً أن الله لا صفة له ولا فعل ولا خلق ولا تدبير ولا خلق وإنما هو علة أولى استنفدت أغراضها وانتهى دورها، وقبعت في أبعد نقطة من عقل الإنسان وإحساسه. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
ويمكننا تقسيمهم باعتبار انتماءاتهم المذهبية إلى ثلاثة أقسام:
١ - أهل الفلسفة المحضة: وقولهم هو المذكور سابقاً ما عدا الكندي الذي قال إن الله خلق العالم من العدم.
٢ - الباطنيون: الذين زادوا على القول السابق نفي النقيضين لا موجود ولا لا موجود ولا موصوف ولا لا موصوف.
٣ - فلاسفة الصوفية: الذين قالوا بقول الفلاسفة وزادوا دعوى وحدة الوجود التي هي من ضمن دعاوى بعض فلاسفة الوجود.
وقد بينت تلك المقالات من ناحيتين:
من الناحية العقلية: لإثبات أنهم من أضل الناس في العقل الذي هو مصدرهم ولا يقيمون لغيره وزناً.
ومن الناحية الشرعية: لإثبات أن دعواهم تناقض مع الشرع تماماً فقولهم لا عقل ولا شرع.
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
стр. 2616
فإن الله تعالى أرسل رسله ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويهدوهم إلى صراطه المستقيم، ويقيموهم على الملة القويمة، ويعلموهم العلم الصحيح النافع لهم في دينهم ودنياهم.
وكان مما أنزل الله على أنبيائه ورسله الهدى والبينات التي تعرف الخلق بربهم، وتنير قلوبهم بمعرفته المعرفة الصحيحة، التي تثمر تعظيمه وإجلاله ومحبته وخشيته ورجاءه والتعلق به، وتبعثهم على العمل الصالح والعلم النافع، مع التزكية والطهارة، ولزوم الأخلاق الحميدة والخصال الكريمة.
وفازت هذه الأمة من تلك التعاليم والنور والهدى بالحظ الأوفى والنصيب الأعلى بواسطة نبيها الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
إلا أن طائفة من الأمة تنكبت الصراط، وزاغت عن المنهاج، وأخذت تبحث عن الطريق إلى معرفة الله تعالى من غير طريق الأنبياء ومسلك الأتقياء، ووقع اختيارها لسوء طالعها وشؤم نظرها وفساد فكرها على أفسد المسالك، وأعقد الطرائق، وابعدها عن الهدى، وأقربها وألصقها بمسلك إبليس عدو الله وعدوها، ألا وهو منهج الفلاسفة الوثنيين المتقدمين من اليونان ومقالتهم. فأحلوها بعجرها وبجرها محل وحي الله ورحمته وتعليمه وهدايته، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، واشتروا الضلالة بالهدى، والغواية بالرشاد. فأعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم وحيرة في نفوسهم مع ريب وشك، بل طعن وتنقص لربهم، وإنكار وجحود لخالقهم، والمنعم عليهم ربهم، رب العالمين سبحانه عما يصفون، وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وهذه الطائفة ممن تنتسب إلى الإسلام زوراً وبهتاناً، وهم من يسمون " فلاسفة المسلمين "، الذين لايثبتون لله تعالى وجوداً ولاصفة، ولافعلاً ولاربوبية ولا ألوهية، وإنما حقيقة قولهم الإلحاد والكفر.
стр. 2617
وكان سبق لي أن كتبت دراسة مختصرة في قول الفلاسفة الوثنيين اليونان في التوحيد، وبينت من خلال النقول عنهم أنهم لا يقرون لله تعالى بوجود حقيقي ولاربوبية ولاألوهية، سواء منهم من صرح بالإلحاد وإنكار وجود الخالق، وأن العالم خلق من غير شيء، ومن زعم أنه يثبت موجوداً أعلى هو العلة لوجود العالم، لكنها علة ضعيفة هزيلة، تعالى الله عن قولهم جميعاً علواً كبيراً.
وكانت تلك الدراسة الأولى ضمن سلسلة في ذكر قول الفلاسفة في الله تعالى، وأثر قولهم.
وهذه دراسة ثانية أشير بها إشارات مختصرة إلى مقالة تلاميذ أولئك من المنتسبين للإسلام، وأبين فيها قولهم ثم أبين بطلانه، وأنه قول لايقوم على شرع صحيح، ولا عقل صريح، بل هو لاعقل ولاشرع، وإنما هو ترديد لكلام السابقين من الوثنيين، وقد يضيفون عليه شيئاً من المسميات الإسلامية ذراً منهم للرماد في العيون، ورغبة في أن تروج تلك البضاعة الفاسدة على المسلمين.
ولكن الله لهم بالمرصاد يخزيهم ويفضحهم، ويثبت عباده الصالحين على الحق والهدى، بما أنزل في كتابه من النور والبركة، وبما أوحى لنبيه من الحق والرشاد، وبتكفله ﵎ لهذا الدين بالبقاء والثبات والعلو والنصرة. قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ التوبة (٣٣) ، وقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ الحجر (٩) .
وفيما أنزل الله من الحق والهدى والنور، المضمن في كتابه وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في باب التوحيد وغيره، ما فيه غناء عما سواه، وكفاية عن قول كل ما عداه.
стр. 2618
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ونسأله سبحانه إذ هدانا بفضله وكرمه أن يمن علينا بالثبات على الحق والهدى إلى يوم نلقاه، وأن يقينا والمسلمين من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يثبتنا على الحق والهدى إلى يوم نلقاه. إنه فعال لما يريد، جواد كريم، رؤوف رحيم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. آمين
خطة الدراسة:
جعلت هذه الدراسة في فصل واحد في قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام، ويتضمن تمهيداً ومبحثين على النحو التالي:
التمهيد: في تاريخ دخول الفلسفة على المسلمين.
المبحث الأول: قول أهل الفلسفة المحضة والباطنيين، وبيان بطلانه، وفيه مطالب:
المطلب الأول: قولهم في وجود الله تعالى وصفاته.
أولاً _ أهل الفلسفة المحضة.
ثانياً_ الباطنيون.
ثالثاً _ الرد على الفلاسفة والباطنيين في قولهم في الله تعال.
المطلب الثاني: قولهم في إيجاد الكون:
أولاً _ أهل الفلسفة المحضة.
ثانياً _ الباطنيون.
ثالثاً _ بيان بطلان قولهم.
المبحث الثاني: قول فلاسفة الصوفية أصحاب وحدة الوجود:
تمهيد: فيه تعريف بالصوفية.
المطلب الأول: قولهم في وجود الله تعالى وصفاته.
المطلب الثاني: قولهم في إيجاد الكون.
المطلب الثالث: قولهم في وحدة الوجود.
المطلب الرابع: الرد عليهم في دعوى وحدة الوجود.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج.
فصل: في قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام في التوحيد
وفيه تمهيد ومبحثان:
مقدمة:
فلاسفة اليونان ورثوا العالم شراً عظيماً فيما يتعلق بالاعتقاد بالله (ومعرفته وعبادته وقد تأثر بهم في مقالاتهم كثير من اليهود كما تأثر بهم النصارى تأثراً قوياً، بل يمكن القول إن مقالاتهم صبغت تعاليم المسيح (وحلت محلها وذلك عن طريق بولس وغيره من فلاسفة النصارى مع عوامل أخرى عديدة (١) .
стр. 2619
وكما أثرت في اليهود والنصارى فقد أثرت أيضاً في المسلمين وانتحلها بعض المنتسبين للإسلام وتبنوا تلك الآراء وأخذوا بها، كما أثرت في آخرين أخذوا ببعض مناهج الفلاسفة فأحلوها محل مقابلها من الشرع، إلا أن المسلمين تميزوا بفضل الله عن غيرهم بأن دخول الفلسفة كان لبعض المنتسبين للإسلام، بحيث صاروا فرقة أو طائفة ولم يكن قولاً عاماً يأخذ به جل المسلمين فضلاً عن جميعهم، وإنما أخذ به من كان خاوياً من الوحي والنور المنزل في القرآن والسنة أو كان حظه منهما ضعيفاً وليس كاملاً.
وهؤلاء الذين أخذوا بقول الفلاسفة من المنتسبين للإسلام يمكننا أن نقسمهم إلى ثلاثة أقسام:
١ -أهل الفلسفة المحضة.
٢ -الباطنيون.
٣- فلاسفة الصوفية.
وقبل أن نذكر قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام نقدم بتمهيد نذكر فيه باختصار تأريخ دخول الفلسفة على المسلمين.
تمهيد: تاريخ دخول الفلسفة على المسلمين
المسلمون كانوا في سلامة وعافية من أقوال أهل الضلالة والانحراف، فقد كانوا زمن الصحابة (والتابعين مجمعين على كتاب ربهم وسنة نبيهم (ليس لهم نظر في غيرهما ولا التفات إلا إليهما، إلى أن ابتلوا بداء من قبلهم من الأمم باسم العقل، فدب فيهم الخلاف والانحراف كما دب في الذين من قبلهم من أتباع الأنبياء. وسنشير في عجالة مختصرة لتاريخ دخول الفلسفة على المسلمين.
أولاً: انتقال فلسفة اليونان إلى المناطق التي طالتها الفتوح الإسلامية
الفلسفة اليونانية كما ذكر كثير من المؤرخين تمركزت قبل الإسلام في ثلاث مناطق هي:
حران (١) : وهي بلاد الصابئة وقد التقت في تلك المدينة الفلسفة اليونانية وخاصة مذهب الفيثاغوريين (٢) والأفلاطونية المحدثة (٣) مع وثنية أهل البلاد.
ومدينة جنديسابور (٤) : حيث أسس كسرى أنوشروان فيها معهداً للدراسات الفلسفية والطبية وكان معظم معلمي ذلك المعهد من النصارى النساطرة (٥) السريان (٦) .
стр. 2620
والإسكندرية: التي كانت وارثة أثينا في الفلسفة، حيث أنشأ فيها بطليموس الثاني فيلادلفوس الحاكم اليوناني مكتبة الحكمة وذلك بعد سنة ٢٨٥ ق. م وجمع فيها كتب الفلسفة، فاجتمع عنده فيها ديانة البلاد وفلسفة اليونان وفيها ظهرت الأفلاطونية المحدثة على يد أفلوطين وفيلون اليهودي (١) وهما مصريان.
ثانياً: دخول تلك الفلسفة على المسلمين
لما دخل المسلمون تلك البلدان التي كانت مراكز للفلسفة اليونانية واحتكوا بأهلها تأثر بعضهم بتلك الفلسفات، ومما زاد في التأثير شغف بعض حكام المسلمين بالعلوم الطبيعية ثم بالعلوم العقلية، فقاموا بترجمة ما وجدوا في تلك البلدان من الكتب.
ويهمنا من ذلك كتب الفلسفة المتعلقة بخالق هذا الكون وإيجاده له. وكان هذا الأمر وهو ترجمة كتب اليونان إلى العربية قد تم عن طريق النصارى السريان سواء كانوا من النساطرة أو اليعاقبة (٢) حيث كانوا نقلوا من قبل بعض كتب اليونان إلى لغاتهم خاصة السريان منهم ثم صاروا الواسطة في اطلاع المسلمين على فلسفة اليونان وكان من أوائل المترجمين:
يحي بن البطريق المتوفى ٢٠٠هـ: الذي ترجم كتاباً سماه ((طيماوس)) لأفلاطون الذي يتحدث فيه عن ترتيب ما يسميه الطبيعة، كما ترجم كتاب ((الأثار العلوية)) لأرسطو.
ومنهم عبد المسيح الحمصي: المتوفى في حدود ٢٢٠ هـ ترجم كتاب
((الأغاليط)) لأرسطو، وكتاباً نسب خطأً لأرسطو يسمى ((الربوبية)) وهو جزء من تاسوعات أفلاطون.
وأبو زيد حنين بن إسحاق المتوفى عام ٢٦٠ هـ وابنه إسحاق بن حنين المتوفى عام ٢٩٨هـ وابن أخته حبيش بن الحسن.
وهم من مترجمي الدولة العباسية وبالأخص المأمون، وقد عني حنين بن إسحاق بترجمة كتب الطب، أما ابنه إسحاق فقد عني بترجمة كتب الفلسفة.
ومنهم قسطا بن لوقا البعلبكي: وهو من نصارى الشام وقد شرح كثيراً من كتب أفلاطون وأرسطو كما ترجم من اليونانية إلى العربية بعض كتب شراح أرسطو.
стр. 2621
وأبو بشر متى بن يونس القنائي المتوفى عام ٣٢٨ هـ وتلميذه يحيى بن عدي بن زكريا المتوفى عام ٣٦٤هـ. وكل هؤلاء من النصارى إما النساطرة أو اليعاقبة. (١)
وبسبب هذه الترجمات اتصل المسلمون بتلك العلوم الفلسفية، ومما زاد في تأثير ذلك اهتمام بعض الخلفاء بهذه العلوم وتشجيعهم لها بل وتقديم المتأثرين بها وانتحال مذهبهم، كما هو الحال مع المأمون (٢) والمعتصم (٣) والواثق (٤) .
وقد كان المأمون من أكثرهم حرصاً على هذه العلوم، حتى أنه راسل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا، ملتمساً منهم أن يرسلوا بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه ما كان لديهم من كتب أفلاطون (٥) وأرسطو (٦) وأبقراط (٧) وغيرهم من الفلاسفة، فاختار لها أمهر المترجمين وكلفهم إحكام ترجمتها ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعلمها.
وكما هو معلوم فإن المأمون قد انتحل مذهب المعتزلة القائم على أصول فلسفية في صفات الله (وأفعاله، كما حمل الناس بقوة السلطان على الأخذ بذلك ومن أبى فليس له إلا الإقصاء أو الحبس والأذى، وتابعه على ذلك أخوه المعتصم ثم ابنه الواثق في امتحان الناس على مذهب المعتزلة بما يسمى في التاريخ ((بفتنة القول بخلق القرآن)) (٨) أو ((محنة الإمام أحمد بن حنبل)) .
وهكذا وجدت الفلسفة اليونانية الوثنية طريقها إلى المسلمين، فزاحمت في عقول العديد منهم وقلوبهم وحي الله ونوره المتمثل في القرآن والسنة فراح بعضهم يحاول التلفيق بين الوحي المنزل وبين الفلسفة الوثنية، ومنهم من أقصى الوحي المنزل وأحل محله في جميع الأمور المتعلقة بالله (وصفاته وأفعاله قول فلاسفة اليونان.
стр. 2622
كما ثبتت طائفة من المسلمين على الحق المتمثل في القرآن والسنة وفهم السلف معرضة بل ومحتقرة سخافات العقول وترهاتها المتمثلة في كلام فلاسفة اليونان ومن أخذ بقولهم مستغنية في عقيدتها وجميع شؤونها الدينية بما جاء من الحكيم الخبير ﴿ومن أصدق من الله حديثاً﴾ النساء (٨٧) ، وهي في نفس الوقت عالمة ومتيقنة بصحته وسلامته من كل خطأ أو شذوذ أو تناقض أو انحراف في كل معلومة متعلقه بالله (أو غيره مما ورد في الوحي المنزل، بخلاف ما عليه كلام الفلاسفة المتخرصين الذين لا يكادون يصيبون في قضية، ولا يسلم ولا يصح لهم وسيلة ولا هدف ولا نتيجة وإنما هم متخبطون متناقضون متهافتون وهم كما قال الله ( ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون﴾ الأنعام (١٤٨) .
المبحث الأول: قول أهل الفلسفة المحضة والباطنيين وبيان بطلانه
المطلب الأول: قولهم في وجود الله (وصفاته.
أولاً: أهل الفلسفة المحضة:
أهل الفلسفة المحضة، ونقصد بهم من لم يكن منتمياً إلى فرق أخرى، مثل الباطنية والصوفية ونحوه، وذلك مثل: الكندي والفارابي وابن سينا (١) ونحوهم هم تلاميذ لأرسطو وأفلاطون وغيرهم من فلاسفة اليونان الوثنيين، وهم وإن لم يجلسوا في حلقاتهم ويستمعوا إلى دروسهم إلا أنهم تتلمذوا على كتبهم التي ترجمت كما قلنا أولاً من قبل النصارى، فتلقفها عنهم هؤلاء وأخلصوا لها والتزموا ما فيها معرضين عن النور الذي أوحي إلى نبيهم وفيه فصل المقال والحكمة الحقة من لدن حكيم خبير.
فأخذ هؤلاء المتفلسفة بالحظ الأدنى والحال الأردى، فقالوا في الله تعالى قولاً عظيماً ونأوا عن الإسلام وأهله نأياً بعيداً.
стр. 2623
فمن ذلك قول الكندي (١) الذي يعتبر من فلاسفة المسلمين الأوائل ومما عزي إليه من القول في ذلك: أن الله ﵎ أزلي واحد بإطلاق لا يسمح بأية كثرة، ولا تركيب، ولا ينعت ولا يتصف بأية مقولة، ولا يتحرك، وهو وحدة محضة، وعنه تصدر كل وحدة وكل ماهية، وهو الخالق والمبدأ لكل حركة (٢) .
أما الفارابي (٣) فيقول إن الله ﵎ هو واجب الوجود، وهو قائم بذاته منذ الأزل لا يعتريه تغير من حال إلى حال، وهو عقل محض، وخير محض، ومعقول محض، وعاقل محض، وهو العلة الأولى لسائر الموجودات، وتعينه هو تعين ذاته، وهو إذا وصف بصفات فإنها لا تدل على المعاني التي جرت العادة أنها تدل عليها، وهي صفات مجازية لا يدرك كنهها إلا بالتمثيل (٤) .
ويقول ابن سينا (٥) : إن الله ﵎ واجب الوجود، ووجوده عين ماهيته، وهو واحد لا كثرة في ذاته بوجه، ولا تصدر عنه الكثرة، وهو عقل محض لا جنس له، ولا ماهية له، ولا كيفية ولا كمية، ولا أين له، ولا متى، ولا ندَّ له، ولا شريك، ولا ضد له، ولا حد له، ولا برهان عليه، وهو يستحيل عليه التغير، وهو مبدأ كل شيء، وليس هو شيئاً من الأشياء بعده، وهو لا يتحرك وإنما يحرك غيره على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه (٦) .
وهو يرى أن الله لا يوصف إلا بالسلب (٧) أو الإضافة (٨) أو مركب منهما (٩) .
ويتضح من ذلك أن هؤلاء المنتسبين للإسلام من الفلاسفة لم يدخل قلوبهم ولا عقولهم شيء من نور الوحي، وإنما راحوا خانعين يرددون كالببغاوات ما قال أشياخهم الفلاسفة الوثنيون، وصاروا إلى المقالة نفسها وهي: أن الله لايوصف لا بالصفات ولا بالأفعال، كما أنه لا ذات له على الحقيقة وإنما هو وجود ذهني مطلق لا وجود له خارج الذهن.
ثانياً: الباطنيون
стр. 2624
الباطنيون ممن ينتسب للإسلام زوراً وبهتاناً فقد درجوا على كل نحلة وملة إلا الإسلام فإنهم لم يعرفوه ولم يعرجوا عليه. والباطنيون هم من غلاة الشيعة الذين أظهروا التشيع لأهل البيت وأبطنو الكفر والزندقة.
وهم فرق عديدة من أهمها.
الإسماعيلية: وهم الذين يسوقون الإمامة في علي ثم أولاده من بعده الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين (١) ، ثم محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر (٢) ،ثم جعفر بن محمد بن علي الملقب بالصادق (٣) ،ثم إسماعيل بن جعفر (٤) ، إلا أن إسماعيل هذا مات في حياة أبيه وقد خلَّف ابناً اسمه محمد (٥) .
فمن الشيعة من وقف على إسماعيل واعتبره الإمام، وأنه غاب بسبب خوفه على نفسه، وهو لا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
ومنهم من قال: إن الإمام بعد جعفر هو حفيده محمد بن إسماعيل ثم زعموا أن الأئمة المستورين الذين يدعون إلى المذهب في سائر البلدان ابتدأوا من محمد ابن إسماعيل.
وقالوا: إن الإمام إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور، فإذا كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإذا كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين.
وللإسماعيلية عقائد كفرية من أهمها قولهم بقول الفلاسفة الوثنيين في التوحيد كما سنبين.
كما أنهم يزعمون أن للأنبياء أدواراً كل سبعة منهم يمثلون دوراً وكلما جاء آخر السبعة نسخ شرائع الذين قبله ويعتبرون أن محمد بن إسماعيل هو الدور السابع بعد نبينا محمد (فهو ناسخ لشريعته.
وينكرون المعاد والبعث الجسدي والجنة والنار ويزعمون بقاء الحياة وأنها لا تنقطع أبداً، أما القيامة عندهم فهي رمز لخروج إمامهم وهو محمد بن إسماعيل وزعموا أن أعداء الإسماعيلية تبقى أرواحهم في هذه الدنيا تنتقل من بدن إلى بدن، أما الأرواح الزكية فتتحد في العالم الروحاني بعد مفارقتها الجسد وذلك هو جنتها (٦) .
ومن الإسماعيلية انبثق القرامطة والحشاشون والفاطميون والدروز.
стр. 2625
وسنذكر قول كل من الإسماعيلية والدروز إذ هم المنتشرة كتبهم من الفرق الباطنية.
قول الإسماعيلية في وجود الله (وصفاته:
الإسماعيلية قالوا بما قال به من قبلهم من الفلاسفة، فلم يختلف قولهم عن قول من قبلهم إلا في المسميات التي يلبسون بها على المسلمين، فقد نفو عن الله (جميع الصفات بل الذات والأفعال بل قالوا ما يدل على نفي وجوده ﵎ عما يقولون.
يقول الداعي الكرماني (١) في كتابه ((راحة العقل)) : إن الله تعالى لا يوصف بالوجود، وعلل ذلك بأن إثبات وجوده يحتاج إلى إثبات موجد، فعليه فهو غير موجود (٢) كما أنه لا موصوف ولا هو لا موصوف (٣) فكل صفة يوصف بها المخلوق الموجود لا يوصف الله (بها.
وقال الحامدي (٤) : ((فلا يقال عليه -يعني الله (- حي ولا قادر ولا عالم ولا عاقل ولا كامل ولا تام ولا فاعل لأنه مبدع الحي القادر العالم التام الكامل الفاعل ولا يقال له ذات لأن كل ذات حاملة للصفات)) (٥) .
ومن هذا قول محمد بن سعد بن داؤد الرفنة (٦) في رسالته الكافية:
((الحمد لله الملك المبدع الأحد الفرد الصمد من غير عدد رافع السموات بلا عمد الذي لم يزل في القدم موجوداً، وبأزل الأزل معبوداً لا يدخل على ذاته التغيير ولا يعزب مثقال ذرة عن علمه ولا تحويه الأشياء ولا يدركه العقل أو يشمله الفكر، ليس هو موجوداً فيوصف ولا غائباً فينعت سبحانه لا إله إلا هو ظهر للكل بالكل، فلولا وجوده لما عرفه أحد لأنه لا بمكان كائن ولا يوجد تفاوت في ذاته القويمة القديمة)) (٧) .
قول الدروز:
الدروز طائفة من الباطنية الإسماعيلية، تعزى إلى رجل تركي يسمى: محمد بن إسماعيل الدرزي، واسمه الحقيقي " نشتكين". وفد إلى مصر سنة ٤٠٧هـ، فحسن للحاكم بأمر الله الفاطمي (٨) ادعاء الألوهية.
стр. 2626
فالدروز يؤلهون الحاكم، ويعتقدون أنه الصورة الناسوتية للإله، ويعبدونه ويصرحون بذلك، وإن كان بعضهم يحاول أن يخفي ذلك. وهم يقولون بالتناسخ بعد الموت، وأن الشرائع كلها منقوضة إلا عقيدتهم، التي يطلقون عليها التوحيدية. (١)
والدروز كإخوانهم الإسماعيلية وعموم الباطنية في نفيهم عن الله تعالى جميع الصفات، بل الذات والأفعال، فهذا د. سامي نسيب مكارم الدرزي يقول في كتابه " أضواء على مسلك التوحيد ": " فهو تعالى لا شخص ولا روح ولا شيء، ولا جوهر ولا عرض ولا فكر ولا جسم ولا وجود ولا عدم، ولا عنصر، ولا كثيف ولا لطيف، ولا نور ولا ظلمة، ولا جزء ولا كل، ولا علوي ولا سفلي، ولا قائم ولا حاضر، ولا ماض ولا مقبل (٢) ، ولا كبير ولا صغير، ولا قريب ولا بعيد، ولا أية صفة تضمنتها اللغات والكلمات أو تصورتها وتخيلتها الأفهام. فهو منزه يتعدى جميع الصفات التي يدركها البشر بحواسهم وبعقولهم، وبمشاعر قلوبهم، بل كل ما يقال عنه مجاز ودلالة " (٣) .
ثالثاُ: الرد على الفلاسفة والباطنيين في قولهم في الله (
الفلاسفة المنتسبون للإسلام الحجة عليهم قائمة أكثر وأعظم ممن قبلهم من الوثنيين، لأنهم أدركوا الإسلام وعرفوه، ووجد بين أيديهم ما يفضح فساد قول أهل الضلالة، ويظهر عوره ونقصه، لو كانوا يبصرون. وهؤلاء نرد عليهم من ناحيتين عقلية وشرعية:
أما عقلاً فنقول:
١ إن كلام الفلاسفة السابقين واللاحقين عن الخالق ﵎ كله من باب الظن والتخمين، لأنهم لم يروا الباري ﵎، ولم يروا شبيهاً له، ولم يشهدوا خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، كما لم يأخذوا قولهم هذا عن مخبر صادق، فبالتالي لا يعدو أن يكون ظناً وتخميناً.
стр. 2627
٢ إنهم بنوا كلامهم عن الباري ﵎ على النظر في مخلوقاته مما يحيط بهم ويرونه ويشاهدونه، وهذا ليس كافياً في إعطاء العلم الصحيح الكامل بالله لأن مخلوقاته تدل على أشياء عامة وليس أشياء دقيقة كما راحوا يحاولون أن يقرروا ويثبتوا.
٣ إنهم استخدموا في كلامهم عن الله (قياس الغائب على الشاهد قياس تمثيل وقياس شمول، وكل ذلك باطل بالنسبة لله (،لأن قياس التمثيل قياس يستوي فيه الأصل والفرع، وقياس الشمول يستوي فيه الأفراد تحت حكم واحد (١) ، وإذا كان الفلاسفة يرون أن الله لا يشبهه أحد فقياسهم فاسد وموصل لفساد، لأنهم به: إما أن يجعلوه شبيهاً لغيره، بناءً على قياس التمثيل، أو يجعلوه محكوماً بقاعدة واحدة هو وأفراد من جنسه، بناءً على قياس الشمول، أو ينفوا وجوده، بناءً على الغلو في نفي المشابهة.
وهذا كله باطل والأولى من ذلك استعمال قياس الأولى وهو أن ما كان كمالاً في المخلوق فالخالق واهبه فهو أولى به، وما كان من نقص فالخالق منزه عنه لكماله وجلاله (٢) .
٤ إنهم لم يقفوا في نظرهم ومحاولتهم التعرف على خالق هذا الكون على النظر إلى المخلوقات الظاهرة أمام أعينهم فيهديهم ذلك إلى كمال وجلال موجدها وخالقها، وإنما راحوا يبحثون في أصل مادة الكون وعلة وجوده ومباحث أخرى هي تبع لذلك مبنية على الظن والتخمين وبنوا على ذلك الخرص والتخمين وصف الله (ومعرفته، مع أن معرفة أصل الأشياء ومادتها الأولية فيه صعوبة بل عسر، أما مابعد عنا كالكواكب والسموات وما غاب عنا من المخلوقات فمعرفة أصل مادته أقرب إلى المستحيل، فيكون إدراج ذلك كله في قضية واحدة مع المشاهد المحسوس من الخلق خلفاً وخطأً كبيراً.
стр. 2628
٥ إن إثبات وجود الله (ضرورة من الضروريات بل هو من أوجبها وألزمها وأوضحها، ولا ينكر وجوده جل وعلا إلا مكابر جاحد لأن مما هو مستقر في الفطر وبدهي في العقل أن كل موجود لا بد له من موجد، ولا بد أن يصل التسلسل إلى نهاية وإلا كان باطلاً والتسلسل في الوجود موصل إلى نهاية وهو الله ﵎، وهذا لا يخالف فيه إلا شذاذ ملاحدة الفلاسفة. (١) وهنا نقول كما أن الله ﵎ وجوده ضروري، فكذلك إثبات صفاته تعالى ضروري لعدة أمور:
أأن وجوده موجب لإثبات صفاته لأن كل موجود لابد أن يكون له صفات، فإذا لم يكن له صفات فهو المعدوم، والمعدوم ليس شيئاً موجوداً بل هو كاسمه ليس بشيء.
فلا يفرق بين الموجود والمعدوم إلا بوجود الصفات في الموجود وانتفائها عن المعدوم.
ب أن كل موجود إنما يتميز عن غيره بالصفات الخاصة به فالبشر يتميزون فيما بينهم بالصفات وهكذا سائر المخلوقات، وهي وإن كان بينها تماثل من وجه في تلك الصفات إلا أن بينها تمايزاً ظاهراً من وجوه أخرى، فكذلك الخالق ﵎ يتميز عن البشر بالصفات التي تميزه عن المخلوقات تميزاً ظاهراً.
ج أن إثبات التمايز وعدم التماثل بين الخالق والمخلوق ضروري، كإثباتنا لوجوده وصفاته، لأنه وإن كان البشر وسائر المخلوقات تتصف بصفة الوجود، والخالق ﵎ متصف بذلك إلا أن الفرق بين الوجودين ظاهر واضح، فوجود كل موجود سوى الله (محدود له بداية، كما أنه يستمد وجوده من إيجاد الله ﵎ له، أما الله ﵎ فلا بداية لوجوده ولا يستمد وجوده من أحد سبحانه فهو الفرد الصمد وهو الأول والآخر. فعلى هذا لا بد أن يكون له من الصفات أكملها وأعلاها مما لا يماثله فيها أحد من مخلوقاته.
стр. 2629
د أن وجود المخلوقات موجب لوجود الصفات للخالق لأنه لا يمكن بحال أن توجد هذه المخلوقات مع ما هي عليه من حسن الخلق وعجيب الصنع وبديع النظام، ممن هو فاقد للصفات، فلا بد من إثبات الصفات حتى يصح نسبة الإيجاد إليه، وعزو الفلاسفة ومن أخذ بقولهم الإيجاد إلى أشياء في زعمهم صدرت عن الله مثل النفس الكلية والعقل وما إلى ذلك، إنما هو خرافة لأنه لا يمكن أن توجد النفس الكلية التي تفعل وتوجد أو تدبر وتتصرف والأصل الذي صدرت عنه فاقد لذلك، فمن أين لها أن توجد لنفسها الصفات التي تؤهلها للفعل والتدبير ما لم يكن أصلها يملك ذلك.
٦ أن ما ذكره الفلاسفة في وصفهم لله ﵎ كلام فاسد لا يعدو أن يكون كلاماُ لا يثبت به شيء. وذلك يتضح من وجوه:
أولاً: قولهم إن الله ﵎ عقل، كما يصرح بذلك الفارابي وابن سينا، يعني أن الله فكر أو فكرة أو شيء معقول أو يَعْقِل ويُعْقَل، وهذا كله إثبات لمعنى بدون ذات، وهو أمر لا يعقل ولا يفهم، إنما المفهوم منه أنه لا ذات له جل وعلا، ومنهم من صرح بذلك، كما قال بذلك الحامدي والدرزي، وكل ما لا ذات له لا وجود له، أو لا وجود له بنفسه، بل يكون قائماً في غيره أو صادراً عن غيره مثل الأفكار والكلام فهي معان وصفات تقوم بغيرها ولا تقوم بنفسها، والفلاسفة ينفون أن يكون الله قائماً بغيره أو صادراً عن غيره، لأنهم يدعون أنه علة للوجود، فبالتالي يكون مرادهم أنه لا ذات له، وهذا نفي لوجوده وهو قول يتناقض تماماً مع دعوى وجوده ودعوى صدور العالم عنه كما سيأتي. فيتفقون بذلك مع ملاحدة الفلاسفة.
стр. 2630
ثانياً: قولهم بأنه واحد أو أوحد مرادهم به: أنه واحد من كل وجه بحيث لا يوصف بغير الواحدية أو الأحدية وهذا نفي لصفاته، وهو نفي لوجوده أيضاً، لأن كل موجود لا بد أن يوصف بالصفات، كما سبق أن بينا، فإذا انتفت عنه الصفات فذلك نفي لوجوده، لأن إثبات وجود الشيء إنما هو إثبات لصفاته، فلا يمكن أن يكون موجوداً لا صفة له لأنك حين تقول لا صفة له فذلك يعني أحد أمرين: إما أنك غير قادر على التعبير عن صفاته بالعبارات الصحيحة مثل قول النبي (عن سدرة المنتهى: ((فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها)) (١) . وهذا ما لا يقصده الفلاسفة.
والمعنى الآخر الذي يقصدونه: أنه لا صفة له في نفس الأمر يمكن أن تذكر أو يعبر عنها بعبارة، وحقيقة هذا أنه مثل قولك لا وجود له، لأن ما لا صفة له هو المعدوم الذي لا وجود له، وهذا يتنافى مع العقل، ولازم أخذهم بالعقل يوجب عليهم إثبات الصفات لأن نفي الصفات بالكلية عن الموجود ينافي العقل، فإن العقل لا يثبت موجوداً إلا له صفات، وما نفى العقل وجوده هو ما لا يستطيع أن يصفه بصفة وهذا هو حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة الدهرية.
следующие страницы →