← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الغيب النسبي أو الإضافي هو ما كان من عالم الشهادة، وكان غيبا بالنسبة والإضافة إلى بعض الخلق دون بعض، وذلك باختلاف الزمان والمكان وما يستخدم في الوصول إليه أي أن غيبيته لم تكن صفة لازمة له إنما هي صفة نسبية أو إضافية، مثال ذلك من الزمن الماضي ما جرى بين الرسل وأممهم من الوقائع والأحداث غيب بالنسبة والإضافة إلينا نحن الذين نعيش في زمان غير زمانهم وهي نفسها مشاهدة بالنسبة والإضافة لأهل زمانهم ومكانهم ولم تكن غيبا. وهي غيب أيضا لمن يعيش في مكان آخر في ذلك الزمان. وهذا القسم تحته ثلاثة أقسام بحسب الزمان: الأول: غيب الزمن الماضي. الثاني: غيب الزمن الحاضر. الثالث: غيب الزمن المستقبل. أما غيب الزمان الماضي: فهو ما يتعلق من الحوادث بغيب الأزمنة الماضية. وسبب غيبيتها وقوعها في زمن قد مضى قبل زمن قوم بلغهم الخبر عن ذلك الماضي لم يكونوا فيه. وأما غيب الزمان الحاضر: فهو ما كان من عالم الشهادة واقعاً في الزمن الذي أنت فيه، وسيأتي بيان سبب غيبيته في المبحث العاشر إن شاء الله تعالى. وأما غيب الزمان المستقبل: فهو ما سيحدث من الحوادث بعد اللحظة التي تعتبر الزمن الحاضر. وهو شبيه في غيبيته بالغيب المطلق لتوغله في الغيبية. فالإنسان لا يعلم شيئا مما سيحدث في المستقبل لقول الله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ((١) . وهذه الحوادث المذكورة في الآية الكريمة حوادث مستقبلة لا يعلمها إلا الله تعالى.

стр. 2557

فأولها: متى قيام الساعة، فعلم ذلك عند الله تعالى كما دلت على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. فمنها قول الله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ((١) ، ومنها قوله: (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ((٢) . وقال رسول الله (لجبريل (حينما سأله عن الساعة: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " (٣) .أي إن الرسول (لا يعلم ميعادها كما لا يعلم سائله جبريل (متى هي. وثاني تلك الحوادث التي تضمنتها الآية، موعد نزول الغيث، فعلمه كذلك عند الله تعالى، فكما أنه تعالى هو الذي ينزل الغيث فهو الذي يعلم موعد نزوله. وثالثها علم ما في الأرحام، ولا يعلم ما في الأرحام غير الله ، وهو الذي يعلم وحده ما حوته الأرحام علما جليا محيطا عميقا، وعلم ما في الأرحام ليس مقتصرا على معرفة نوع الجنين من ذكر وأنثى، وإنما هو أوسع من ذلك وأعمق بكثير. فمعرفة نوع الجنين في مراحل حياته المتأخرة بعد تكامل أعضائه مما أمكن العلم به في هذا العصر باستخدام الآلات الحديثة، وما دام الأمر كذلك فإن المراد بعلم ما في الأرحام الذي يختص به الله ليس هذا الجانب قطعا، وإنما يشمل علمه علم ما في الأرحام منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها النطفة في الرحم، أذكر أم أنثى، أسقط أو مولود، أشقي أم سعيد، أعالم أم جاهل، أخامل أم عامل، أرئيس أم مرؤس، أغني أم فقير، أعزيز أم ذليل، أعقيم أم يولد له، ويعلم علما دقيقا ماذا سيكون لهذه النطفة من الذراري وما تتصف به من صفات عدها في علمه وأحصاها ﵎ إلى آخر مولود من الخلائق وهو علام الغيوب سبحانه وتقدست أسماؤه وصفاته.

стр. 2558

ورابع تلك الأشياء التي دلت الآية الكريمة على اختصاص الرب بعلمها ما تكسبه النفوس في المستقبل بعد اللحظة التي هي فيها، وما سيكون من أمرها وماذا سيحدث منها أو سيحدث لها، كل ذلك علمه عند ربنا ﵎ ولهذا أمر الله تعالى رسوله (أن يقول لقومه: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ((١) . ولو كان أحدنا يعلم من أين يأتيه ما يخاف ويحذر لتجنبه، وما أصابه مكروه ولو كان يعلم من أين يأتي ما ترغب فيه النفس من الخير لتعرض له وما فاته شيء من المطلوب والمرغوب. ولكن الله تعالى استأثر بعلم ذلك وحده. وخامسها: علمه تعالى وحده أين تموت كل نفس، ومتى تموت وبم تموت، وعلى أية حال تموت، ولا يعلم أحد من خلقه، أين تموت نفسه ومتى، كما لا يعلم آجال غيره من النفوس. أما رب النفوس وخالقها ومحييها ومميتها وباعثها فهو الذي له علم ذلك كله: (إن الله عليم خبير (. فإن قيل إذا كان الخلق لا يعلمون ما يستقبل من الحوادث، فكيف استطاع الفلكيون معرفة تواريخ الكسوف وساعاته، واستطاع مراقبوا أحوال الطقس عن طريق المراصد الجوية الإخبار بأخباره قبل حدوثه. قيل أن ذلك من التجارب البشرية المتكررة التي مكنت العلماء الذين يقومون بالرصد المتواصل من توقع تلك الحوادث على سبيل التوقع والظن لا على سبيل العلم واليقين فكما يستنتج أحدنا تقابل قطارين في نقطة معينة إذا كان انطلاقها في وقت واحد وسرعة واحدة سائرا كلا منهما في الاتجاه المواجه للأخر. فكذلك توقع الفلكيين مرور القمر بين الأرض والشمس في موضع معين في ساعة معينة لا يدل على علم الغيب، وإنما هو توقع مبني على التجارب والملاحظات المتواصلة، والاختبارات المتكررة. وهذا مما لا يجزم بحدوثه ووقوعه، والعلم بالشيء هو الجزم بما هو عليه، أو بما سيقع لا محالة، فليتأمل. المبحث الخامس: حظ الإنسان من علم الغيب

стр. 2559

سعى الإنسان منذ نشأته إلى الوقوف على ما يجهله في هذه الحياة بالوسائل التي خلقها الله فيه، تدفعه غرائزه التي زوده بها. فوصل بالوسائل التي لديه إلى تحقيق الكثير مما يتوق إلى معرفته مما يمكن الوصول إليه من خبايا عالم الشهادة، غير أنه لم يكتف بذلك ولم يقتنع بما حققه من الإنجازات في ذلك، بل حاول في مختلف العصور الاطلاع على ما لم يتمكن من الوصول إليه بالوسائل التي ركّبت في بدنه، وزوده الله بها لتكون عوناً له في هذه الحياة، فاستعان بالجن والشياطين حتى نشأت بين الناس فئة ادعت أنها تعلم الغيب، وهي فئة الكهان والعرافين وقارئي الفناجين والمشعوذين الذين استغلوا التطلع الإنساني إلى المجاهيل، فأضلوه بما زعموا من معرفة الغيب من عالم الشهادة، بل تجاوزوا ذلك إلى عالم الغيب، فأخذوا يشيعون بين مصدقيهم أن لهم علاقة بالملائكة والجن، وأن لهم صلة بالنجوم والشمس والقمر والكواكب، فأقاموا لهذه الأجرام السماوية معابد وهياكل عبدوها من خلالها زاعمين أن لها أرواحاً وعقولاً وتصرفاً في الكون، وأنها ترضى وتغضب وتعطي وتمنع، وتفرق وتجمع، وتحيي وتميت، وتخفض وترفع، غير أن الله الذي خلق هذا الكون لحكمة أرادها، والذي يتنزه عن كل نقص، ما ترك الإنسان سدى، حتى يتخبط في جهالاته وضلالاته تستهويه الشياطين في الأرض حيران لا يهتدي سبيلاً، ولا يجد هادياً ولا دليلاً، فأرسل إليه رسله تترى في كل عصر وجيل، وأنزل عليهم الكتب، فهداهم من الظلمات إلى النور، فأطاع من أطاع وعصى من عصى، واستمر الصراع بين الحق والباطل استمرار الإنسان في هذه الحياة.

стр. 2560

ولقد أعلم الله الإنسان عن طريق رسله ما خلق من أجله، وما ينبغي عليه أن يؤمن به، وما يجب أن يعمله أو لا ينبغي أن يعتقده أو يعمله، غير أن الشيطان وجنوده من الجن والإنس ما فتئوا يزينون له الباطل من الاعتقاد والقول والعمل مع قيام الحجة، ووضوح المحجة، فاستمر الإنسان الذي لم يستجب لرسل الله تعالى، أو استجاب ولكنه لم يلتزم بمنهج الرسل وأتباعهم التزاماً صحيحاً، في التطلع إلى عالم الغيب، حتى وجد بين الناس من أطلق لعقله الزمام متجاوزاً بتفكيره القاصر الطموح ما وراء الطبيعة، حتى تجاوز ذلك إلى الكلام في ذات الله وأسمائه وصفاته، معرضاً عن نصوص الوحي المنزل أو مؤولاً لها، يصرفها عن دلالاتها اللغوية والشرعية، إلى ما تهواه نفسه، ويملي عليه هواها زاعماً أن عقله هو المعيار الصحيح الذي به توزن الغيبيات وزناً دقيقاً، فكان منهم من أنكر صفات الله تعالى الواردة في نصوص الوحي، فعطل رب العالمين عن صفاته الثابتة له كالمعتزلة، ومنهم من نفى أسماءه وصفاته غير مبال بنصوص الوحي كالجهمية، ومنهم من أقر ببعض صفاته على ما يلائم عقله، وأول ما لم يوافق عقله كالأشاعرة والماتريدية، فهدى الله الذين تمسكوا بنصوص الوحي وما دلت عليه من الحق من سلف هذه الأمة وخلفها، حيث لم يجعلوا العقل فوق نصوص الوحي يحكم عليها بأوهامه، ويتحكم فيها بظنونه، ولم يلغوا وظيفته، فتوسطوا في ذلك مدركين أن دور العقل هو الفهم عن الله ورسوله، والتصديق بكل ما جاء في نصوص الوحي على مراد الله تعالى كما بلغ رسوله الصادق الأمين، وأن الغيب يجب التصديق به على ما وردت به النصوص من غير أن يكون للعقل دخل في تصوره، فالله ما كلف الإنسان بما لا يطيق، وإن العقل الذي ركب فيه أداةٌ خاصةٌ لاستخدامها في عالم الشهادة من أمور دنياه، وأما عالم الغيب فكفاه الله مئونته بأن بين له ما يجب أن يصدق به منه، وما ذلك إلا لعلمه تعالى أن طاقة عقل الإنسان في هذه الحياة الدنيا

стр. 2561

لا تتجاوز هذا المجال ولا تتعداه، فكما أن الموازين التي تستخدم في المتاجر لوزن المبيعات من الفواكه والحبوب والثمار لا يصح أن توزن بها الجمال والجبال، فكذلك لا يصح أن توزن الغيبيات بهذا العقل الذي خلقه الله لأمر غير هذه الأمور ليس أهلاً له. ولذلك اختلفت الفرق وتباينت آراؤهم في الغيبيات، لاختلاف عقولهم، فعقل الجهمية يرى أن ما يتوهمه هو عين العقل والصواب، وعقل المعتزلة يرى ما يخالف ذلك في بعض الغيبيات، وعقل الأشاعرة كذلك يرى ما يخالفهم منفرداً ببعض الآراء عن الجهمية والمعتزلة، وهكذا يرى كل فريق أن عقله هو المعيار الصحيح والميزان القسط التي توازن به حقائق الغيبيات، فعقل من منهم العقل الذي يجب القول بما جنح إليه من الاعتقاد؟ إنه لا يوجد في الناس عقل كلي معصوم من الخطأ يجب الرجوع إليه عند الاختلاف في الغيبيات، ولكن الذي يجب الرجوع إليه والجزم بصحة ما دل عليه هو الوحي الرباني الذي من تمسك به رشد، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به نجا، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم. وفي هذه الدراسة التي تم ذكر أنواع الغيوب وأقسامها فيها، أذكر بشيء من التفصيل حظوظ الإنسان من الاطلاع على تلك الأنواع والأقسام من الغيوب، طبقاً لما دلت عليه النصوص الشرعية، وشهدت له التجارب الإنسانية عبر العصور المختلفة، وذلك في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى وأعان. المبحث السادس: حظ الإنسان من غيب الغيوب لقد سبق أن غيب الغيوب هو الغيب المتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته. وهو أعظم أنواع الغيب وذروته. وحظ الإنسان من هذا الغيب هو ما جاءت به النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وليس لأحد أن يقول شيئا في أسماء الله تعالى وصفاته إلا بإيقاف من الله تعالى ورسوله عليها. وهذا معنى قول العلماء: إن أسماء الله تعالى توقيفية، وكذلك صفاته تعالى على الراجح من كلام العلماء، قال السفاريني في الدرة المضيئة: لكنها في الحق توقيفية

стр. 2562

لنا بذا أدلة وفية وإن سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله (ومن تبعهم بإحسان، قد التزموا بقبول ما دلت عليه نصوص الوحي من أسمائه وصفاته فأثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه الكريمة في كتابه، أو أثبته له رسوله الصادق في سنته الثابتة عنه على الوجه الذي يليق به تعالى من غير تأويل يؤدي إلى التحريف، أو نفي يؤدي إلى التعطيل تحت ستار التنزيه. وكذلك نفوا عن الله تعالى ما نفاه عن نفسه في كتابه أو نفاه عنه رسوله (في سنته. ولم يكونوا في الإثبات غالين مشبهين، كما لم يكونوا في النفي متجاوزين لحدود النصوص الواردة في النفي حتى يكونوا بذلك معطلين. فهم بذلك وسط بين أهل التشبيه، وأهل التعطيل. وما لم يرد نفيه أو إثباته في الكتاب والسنة، توقفوا في إثباته ونفيه، ولم يثبتوا خشية أن يكون غير ثابت لله، ولم ينفوا خشية أن يكون ثابتاً لله تعالى، لأن ذلك راجع إلى القول على الله بغير علم، وهو مما لا يجوز في شرع الله تعالى. وهنا يتحتم بيان ثلاثة أمور في غاية الأهمية في الإسلام: الأمر الأول: تعلق مسائل الإيمان عامة بثوابت غيبيه، سواء كانت من غيب الغيوب الخاص بأسماء الله وصفاته. أومن عالم الغيب الذي منه الغيب المطلق، أو ما يلحق به في غيبيته من عالم الشهادة. الأمر الثاني: مسائل الإيمان توقيفية، أي أن النصوص الشرعية هي التي أوقفتنا على تلك المسائل التي لا نعلم عنها شيئا قبل ورود النصوص الشرعية التي بينتها لنا وأوقفتنا عليها. ولا يسع المسلم الحريص على دينه أن يتجاوز هذا الموقف الشرعي برأيه وعقله المحدود، وإنما يجب عليه الوقوف على ما أوقفه الشرع عليه من مسائل الإيمان التي يجب على الإنسان أن يتقبلها بقبول حسن على النحو الذي وردت به في النصوص الشرعية.

стр. 2563

ومن هنا يتبين أن المراد بالتوقيف أن الشارع أوقف العباد عليها بنصوص الوحي من الكتاب والسنة الصحيحة، والعباد يتوقفون على ذلك ولا يتجاوزونه بحال. أي توقيف من الله يترتب عليه توقف من العباد. وفعل التوقيف بناؤه للمطاوعة إذ تقول: وقفته إذا توقف. أما إذا لم يتوقف فلا تقول: وقفته ولكن تقول: استوقفته، أي طلبت منه أن يتوقف، واستفعل تدل على الطلب، وفعّل بتشديد عين الكلمة للمطاوعة، كما تقول: علمته فتعلم، وكسرته فتكسر، وقلبته فتقلب؛ تقول: وقفته فتوقف. والمطاوعة معناها؛ ظهور أثر الفعل في المفعول، فالله تعالى وقف عباده على ما ينبغي أن يتوقفوا عليه ولا يتجاوزوه، فتوقيفه العباد توقيف دلالة وإرشاد وتعليم، وليس توقيف جبر وقهر، لأن القضايا الإيمانية اختيارية وليست جبرية، فمن قبل توقيف الله تعالى ولم يتجاوز ما جاءت به النصوص الشرعية بتمثيل أو تأويل يؤدي إلى التعطيل فقد أفلح وفاز، ومن لم يتوقف بتوقيف الله تعالى، وتجاوز حدود النصوص الشرعية بعقله القاصر فقد تعدى حدود الله: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ((١) .

стр. 2564

ومن رأى أن يتجاوز حدود الإثبات الشرعي لأسماء الله وصفاته فشبه الله تعالى بخلقه في ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً، لأن ربنا ﵎ لا يشبهه أحد من خلقه في صفاته الذاتية والفعلية، فكما لا تشبه ذاته ذوات خلقه، لا تشبه صفاته صفات خلقه سبحانه. ومن رأى بعقله المحدود أن ما جاء في النصوص الشرعية من الأسماء والصفات ظاهر معانيها لا يليق بالله تعالى، فأتى بمعان زعم أنها هي المرادة من النصوص فقد استدرك على الله تعالى ورسوله، حيث اعتقد أن الظاهر من كلامه تعالى وكلام رسوله ﵊ لا يليق بالله تعالى، وأن الذي يراه ويؤول به النصوص هو الصواب، وذلك رجم بالغيب، وتزكية للنفس حيث رأى أن عباراته التي أتى بها لتفسير كلام الله تعالى وكلام رسوله أليق بالله تعالى وأوضح في تنزيهه عن مشابهة الخلق، وهذا منتهى الغرور أن يظن عبد بربه أنه خاطب عباده بما لا يفهم منه إلا ما لا يليق به، واتهام لرسوله المبلغ عنه البلاغ المبين أنه ما بين ما أنزل الله عليه لأمته، وأنه خاطب أمته بما لا يفهمون مراده منه، حتى نهض هؤلاء لبيان ما قصر عنه البيان في كتاب الله وسنة رسوله.الأمر الثالث: مسائل الإيمان غير قابلة للنسخ، فالقضايا الإيمانية هي التصديق بالأمور الواقعة، أو التي ستقع على سبيل القطع، على الوجه الذي وردت به النصوص الشرعية، وهي إخبار الله تعالى أو إخبار رسوله عن أمور واجبة التصديق والتسليم، فالأخبار لا تنسخ وإنما الأوامر والنواهي هي التي يدخلها النسخ، وأما الأخبار فنسخها يعني عدم صحتها، وذلك ما لا يجوز على أخبار الله تعالى، (ومن أصدق من الله حديثا ((١) (ومن أصدق من الله قيلا ((٢) ، وكذلك لا يجوز على أخبار رسوله إلا الصدق لأنه: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ((٣) ، فالله تعالى ما اصطفاه للرسالة إلا لعلمه أنه أصدق الناس وأحفظهم للأمانة التي حملها الله إياه. فمن فهم هذه الأمور الثلاثة

стр. 2565

فهماً صحيحاً، وعمل بمقتضاها، وعامل النصوص الشرعية على أساسها، فقد اهتدى، وأصاب كبد الحقيقة، ونجا من حيرة المتكلمين ومن سلك سبيلهم،، وكان على بصيرة ونور من ربه، وأما من زين له سوء عمله من التشبيه والتجسيم، أو التعطيل والتأويل فقد ظلم نفسه ولن يضر الله شيئاً. المبحث السابع: التصورات الخاطئة لغيب الغيوب ونتائجها السيئة إذا أخبر الإنسان بصفات إنسان لم يره قط، فلا بد أن توجد في ذهنه صورة لذلك الإنسان وتلك الصورة الذهنية هل تطابق الصورة الحقيقية لذلك الإنسان أو لا؟ وإذا أخبر عدد من الناس بمثل هذا الخبر، فإن كل واحد ممن سمعوا الخبر عن صفاته لديه صورة ذهنية عن ذلك الإنسان الموصوف، وهل يوجد تشابه بين تلك الصور الذهنية المتعددة أولا؟ وهل تطابق كل تلك الصور الذهنية، صورة ذلك الإنسان في الخارج؟ الجواب: أن ذلك غير حاصل، فالصورة الذهنية لشخص غير مشاهد، تخالف صورته في الخارج والواقع ولا تطابقه، فكيف إذا اختلفت التصورات وتعددت الصور الذهنية بتعدد المتصورين؟

стр. 2566

هذا في صفة إنسان يعتبر واحداً من أفراد جنسه، وجنسه ونوعه معروفان في الخارج، والصفات المشتركة بين أفراد الجنس الواحد كثيرة، ومع ذلك فقياس زيد الغائب على عمرو الشاهد من جميع الوجوه مع تجانسهما، فاسد إلا فيما كان من الخصائص الإنسانية العامة الشائعة في أفراد الجنس. فإذا كان هذا لا يصح في أفراد الجنس الواحد في بعض خصائصه، فكيف يصح قياس الغائب على الشاهد في موصوف ليس من جنس الخلق؟ وهو الله ﵎؟ من هنا أتي كل من المشبِهة والمعطِلة. لقد أتي من هاهنا فريقان وهما فريق المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات خلقه وفريق المعطلة الذي نفى أسماء الله تعالى وصفاته كالجهمية، أو نفى صفاته وأنكر أن تكون أسماؤه الكريمة دالة على صفاته كالمعتزلة، أو أثبت بعض صفاته إثباتاً مشوباً بالغموض والاضطراب، ونفى معظمها تحت ستار التأويل الذي يعتبر صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه من اللغة أو من النصوص الشرعية، وهم الأشاعرة والماتريدية. قياس المشبهة: إن المشبهة هم الذين غلوا في الأخذ بنصوص الصفات، وتجاوزوا ما دلت عليه النصوص الشرعية قياساً منهم للغيب على الشهادة، فذهبوا إلى أن صفاته تعالى الواردة في النصوص هي مماثلة لصفات خلقه، فجعلوا بذلك الشاهد أصلاً قاسوا عليه الغائب، وهو تصور خاطئ، وقياس فاسد، فقياس الغائب على الشاهد يصح فيما اتحد جنسه، واشترك في خصائصه كقياس الإنسان على الإنسان، في خصائص الإنسانية التي ثبت بالاستقراء أن الناس لا يختلفون فيها باختلاف الأزمان والأوطان.

стр. 2567

أما في حالة اختلاف الأجناس، فإن قياس الغائب على الشاهد لا يصح، فالملائكة جنس، والبشر جنس، وللملائكة كلام، وللبشر كلام، فإذا كان الشاهد في كلام الإنسان أن يكون بلسان وشفتين وغيرهما من الأدوات التي جعلها الله معينة على التكلم، فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون كلام الملائكة مثل كلام البشر بأدوات مشابهة لأدوات الإنسان، وهكذا في كل مختلف الأجناس من خلق الله تعالى، لا يصح قياس بعضها على بعض، وإن تشابهت الألفاظ التي تطلق على هذه الأجناس في خصائص صفاتها، فللطير أجنحة، وللملائكة أجنحة، فهل يقول عاقل أن أجنحة الملائكة كأجنحة الطير قياساً للشاهد على الغائب؟ هذا مالا يقوله عاقل. فإذا كان قياس بعض ما اختلفت أجناسه على بعض من المخلوقات لا يصح، فكيف يصح قياس الخالق على خلقه، إن هذا إلا إفك مبين. قياس المعطلة:

стр. 2568

إن المعطلة على اختلاف دركاتهم في التعطيل انطلقوا من منطلق واحد، وهو اعتبار أن الحقائق في الصفات هي التي في الشاهد، فاليد هي الجارحة، والعين هي الباصرة، والكلام لا يكون إلا بلسان وشفتين في الشاهد، والرحمة رقة تحدث في القلب في الشاهد، والغضب انفعال يحدث في النفس عند وجود موجبه، هذا هو الأصل في الشاهد. أما في حق الله تعالى، فقياسه على خلقه لا يصح، فلا بد إذن من البحث عن معنى آخر تتقبله عقولهم، فلتكن اليد هي القدرة أو النعمة، ولتكن الرحمة إرادة الثواب، والغضب إرادة العقاب، هكذا جعلوا كل المعاني التي دلت عليها اللغة عند إطلاقها أصلاً في الإنسان كما رأت ذلك المشبهة فشبهت، أما المعطلة فقد انطلقوا من نفس المنطلق، ولكنهم وجدوا أن التشبيه غير صحيح، فوجدوا النفي مركباً للهروب من التشبيه الذي توهموا أن إثبات صفات الله تعالى على نحو ما جاءت به النصوص الشرعية يؤدي إليه، هذا كله عند القائلين بالتأويل، وأما القائلون بالنفي الكلي أو الجزئي، فمنطلقهم أيضاً نفس منطلق المشبهة والمؤلة، غير أن كل فريق انطلق إلى اتجاه غير اتجاه الآخر، فالمشبهة إلى وحل التشبيه فسقطوا فيه، والمعطلة إلى التعطيل تحت غطاء التنزيه، فسقطوا في مستنقع التعطيل على تفاوت فيما بينهم في الغوص في أعماقه. وسبب هذا السقوط في تلك الأوحال والمستنقعات عدم نظرهم إلى القضايا الغيبية نظرة ثاقبة على ضوء ما دلت عليه النصوص الشرعية، فالمشبهة نظروا إلى الغيب نظرهم إلى الشاهد، فشبهوا ولم يأخذوا بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ((١) ، بل نظروا فقط إلى نصوص الإثبات نظرة سطحية فتطرفوا، والمعطلة نظروا إلى الغيب أيضاً نظرهم إلى الشاهد فتشابه الأمر عليهم فنفوا ولم يأخذوا بنصوص الإثبات مع نصوص التنزيه فعطلوا باسم التنزيه.

стр. 2569

فهدى الله سلف هذه الأمة، ومن اقتدى بهم من الخلف، فأثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه الكريمة في كتابه العزيز، وما أثبته له رسوله (في سنته الصحيحة إثباتاً بلا تمثيل، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه الكريمة في كتابه الكريم مما لا يليق به، أو نفاه عنه رسوله (في سنته الثابتة نفياً لا يؤدي إلى التعطيل مهتدين بقول الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (، (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ((١) ، ولما كانت فرقة المعطلة الكبرى: (المعتزلة والجهمية) لم يبق في ديار الإسلام منهما إلا ما اندرج تحت عباءة بعض الفرق الأخرى التي لا تحمل أسماء تلك الفرق، ولم يبق منها إلى الاسم والرسم بحمد الله تعالى، اضرب عنهم الذكر صفحاً، مكتفياً بما سبقت الإشارة إليه من أن الجهمية معطلة في الأسماء والصفات، والمعتزلة معطلة في الصفات، ولقد بادتا بشؤم الاعتقاد الفاسد الذي خالفتا به كتاب الله تعالى وسنة نبيه، وهكذا شؤم المعاصي على الأمم والجماعات، وهي سنة الله تعالى التي قد خلت في عباده. ولقد بقيت في ديار الإسلام فرق التأويل وهي تزعم أنها على مذهب أهل السنة والجماعة، غير أن ذلك ادعاء تعارضه الأدلة، ويكذبه الواقع، فلننظر فيما يأتي إلى أمثلة من تأويلاتهم المضطربة لنصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة والتي لا يزال يتشبث بها فريق من العلماء ظناً منهم أن ذلك هو الحق وأن ما خالفه هو الباطل. أمثلة من التأويلات الحائرة لنصوص الصفات

стр. 2570

إن صفات ربنا ﵎ من غيب الغيوب، وهي قسمان: صفات ذات، وهي التي يوصف الله تعالى بها على الدوام والاستمرار، ولا يجوز أن يوصف بضدها، كاليد، والوجه، والعين، والإصبع، والقدم، والساق، وصفات فعل، وهي التي تتعلق بإرادته ﵎، يفعلها متى شاء وكيف شاء، وقد يفعلها ويفعل ضدها، ولا يطرد هذا في جميع الصفات الفعلية، وأمثلة الصفات الفعلية الخلق، والرَزق، والإحياء، والإماتة، والاستواء، والمجيء، والإتيان، والنزول، والرضا، والغضب، والكلام، فكل هذه الصفات ثابتة لربنا ﵎، وهي صفات فعله الاختيارية يفعلها متى شاء، وكيف شاء على ما يليق بجلاله وعظمته. إن مؤولي صفات الله تعالى ذهبوا بعقولهم القاصرة، وأفكارهم الحائرة إلى القول بأن كثيراً مما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى الذاتية أو الفعلية تدل معانيها الظاهرة منها عند إطلاقها على ما لا يليق به تعالى، فمن أجل ذلك قالوا إن الواجب على المسلم إزاءها أحد أمرين: الأمر الأول: التأويل، وهو صرف المعنى الظاهر إلى معنى آخر لا يتحمله اللفظ ولا يدل عليه دليل لغة وشرعاً. الأمر الثاني: التفويض: أي إثبات لفظ مجرد عن المعنى وتفويض العلم بمعناه إلى الله تعالى، والتأويل هو القول المقدم عندهم، وفي هذا يقول صاحب جوهرة التوحيد: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها هذا ما ذهب إليه الأشاعرة، فواكبهم الماتريدية في ذلك، قال السفاريني رحمه الله تعالى في الدرة المضيئة: فكل من أول في الصفات كذاته من غير ما إثبات فقد تعدى واستطال واجترى وخاض في بحر الضلال وافترى (١) أ/ تأويلهم لصفات الذات: أولاً: تأويلهم لصفة الوجه:

стр. 2571

وردت صفة الوجه في كتاب الله تعالى في أحد عشر موضعاً (١) وصف الله تعالى بها نفسه الكريمة. ومع ذلك يأبى المؤولون إلا صرف معاني هذه الآيات عن ظاهرها. فقد قالوا في صفة الوجه: "إن المراد بالوجه الذات" (٢) ، "لأن الوجه وضع للجارحة، ولم يوضع لصفة أخرى بل لا يجوز وضعه لما لا يعقله المخاطب، فتعين المجاز " (٣) . ثانياً: تأويلهم لصفة اليد: وردت صفة اليد في حق ربنا ﵎ في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة، فقد وردت في القران وحده في أحد عشر موضعا (٤) أيضا. أما في السنة النبوية فما ورد من ذلك شيء كثير. وحال المؤولين في هذه الصفة كحالهم في صفة الوجه، فإنهم قالوا في تأويل معنى هذه الصفة: "وباليد القدرة" (٥) أي المراد بالوجه الذات والمراد باليد القدرة. وقال الإيجي نقلا عن القاضي في بعض كتبه: "وقال الأكثر: إنهما مجاز عن القدرة فإنه شائع (وخلقته بيدي) أي بقدرة كاملة" (٦) . ثالثاً: تأويلهم لصفة اليمين: وردت هذه الصفة في حق ربنا ﵎ في الكتاب والسنة. أما الكتاب فقد وردت في قوله ﵎: (والسماوات مطويات بيمينه ((٧) وقد قالوا في تأويل هذه الصفة وصرفها عن ظاهرها: "وإن المراد باليمين في قوله تعالى: (والسماوات مطويات بيمينه (: القوة" (٨) . رابعاً: تأويلهم لصفة العين: وردت في حق ربنا ﵎ صفة العين في القرآن الكريم بصيغة الإفراد وصيغة الجمع، فمن ذلك قوله تعالى: (ولتصنع على عيني ((٩) ، وقوله: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ((١٠) فقام أصحاب التأويل بصرف معناها عن ظاهرها حيث قالوا: المراد بالعين: "التربية والرعاية" (١١) .

стр. 2572

قال السفاريني رحمه الله تعالى: "فإن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فجمعوا بين التمثيل والتعطيل، فمثلوا أولاً وعطلوا آخراً فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، فعطلوا ما يستحقه من الأسماء والصفات اللائقة به ، بخلاف سلف الأمة، وأجلاَّء الأئمة، فإنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبييه (من غير تحريف ولا تشبيه) تعالى لله عن ذلك، فإنه تعالى قال في محكم كتابه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ((١) ، فرد على المشبهة بنفي المثلية ورد على المعطلة بقوله: (وهو السميع البصير (" (٢) . إن المؤولين قد قاسوا الغيب على الشهادة بعد أن جعلوا عالم الشهادة هو الأصل في كل التصورات والمعاني، فلما نظروا في النصوص الشرعية بهذه النظرة توهموا أن كل عبارة وردت في الكتاب والسنة في حق من ليس كمثله شيء من الصفات يوهم ظاهر معناها تشبيه الله تعالى بخلقه لأن الأصل عندهم دلالتها على صفات الخلق لا على صفات الخالق، فانطلقوا من قاعدة التشبيه إلى قاعدة التأويل والتعطيل، لأنهم لم يؤولوا حتى شبهوا، ثم فروا من تلك الأوهام التي تخيلوها، إلى الأوحال التي غاصوا فيها.

стр. 2573

ولو استحلف هؤلاء المؤولون لمعاني صفات الله تعالى آلله أعلمكم أنه ما أراد بتلك الكلمات إلا هذه المعاني التي ذكرتموها؟ لما أجاب أحد منهم بنعم، وإنما يقول: (إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين (، أفعلى مثل هذه الأوهام يبنون القضايا الإيمانية التي هي أساس دينهم الذي يرجون لقاء الله تعالى به؟ أوليسوا هم الذين يزعمون أن قضايا الاعتقاد لا يستدل عليها إلا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وقطعي الثبوت عندهم ما جاء عن طريق التواتر؟ فكيف اعتمدوا على هذه الأوهام التي لم يكن لها أصل يعتمد عليه لا من اللغة ولا من النصوص الشرعية الصحيحة؟ ب/ تأويلهم لصفات الفعل: أولاً: تأويلهم لصفة الاستواء: الاستواء على العرش من صفات الله الفعلية التي وردت في القرآن الكريم في سبع آيات (١) ، فقد أول المتأولون معنى الاستواء بالاستيلاء (٢) ، محتجين على هذا التأويل ببيت من الشعر جاء فيه: قد استوى بِشرٌ (٣) على العراق من غير سيف ودم مُهراق

стр. 2574

فالشاعر إن ثبت أنه قال: استوى لا استولى كما يقول بعض العلماء، فإن قوله لا يكون حجة في تفسير كلام الله تعالى، ولكن الذي ذكره أهل العلم أن الرواية الصحيحة في بيت الشاعر قوله: استولى لا استوى، فالاستيلاء على قطر من الأقطار بقتال أو بغير قتال أمر يجري بين الناس ولا ينكره منكر لا من حيث الجواز ولا من حيث الوقوع، لأن استيلاء الملوك والأمراء والقواد على بلد أو إدخاله في الحوزة والسيطرة بعد أن كان خارجاً عنها جائز، وواقعٌ كثيراً في تاريخ الأمم والشعوب وهل يصح ويستقيم هذا في حق من له ملك السموات والأرض؟ هل كان العرش خارجاً عن ملكه وحكمه وسلطانه، ثم استولى عليه من يد غيره وسلطانه؟ هذا ما لا يقوله عاقل، وإن الوهم الذي فروا منه وهو أن إثبات علو الله على عرشه يلزم منه التحيز، قد أوقعهم في أمر قبيح، واعتقاد فاسد، فأصبحوا كمن فر من المطر ووقف تحت الميزاب، فإذا كان المشبه قد غلا في الإثبات وشبه الله بخلقه بتجاوز حدود الإثبات، فإنه أثبت أولاً ولكنه تجاوز الحد بعد الإثبات أي أنه زاد على الحق باطلاً، وأما المؤول فإنه لم يثبت إلا لفظاً لا معنى له، فأي الفريقين أقبح سبيلاً وأوهى دليلاً؟ ثانياً: تأويلهم لصفة المجيء والإتيان: الإتيان والمجيء من صفات الفعل الثابتة لله تعالى وردا في كل من الكتاب والسنة أما الإتيان فقد جاء في موضعين من القرآن الكريم (١) وأما المجيء فقد جاء في موضع واحد (٢) وأما السنة فقد جاء فيها إتيان الرب لفصل القضاء.

стр. 2575

ولكن محبي التأويل والتحويل لم يرق لهم القبول بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة إذ أولوا الإتيان والمجيء بإتيان ومجيء أمره أو عذابه أو ملائكته. فكأن الرب خاطب الناس بألغاز، أو بعبارات لا يفهم منها المراد. وكأن الرسول لم يبين ما نزل إليه في الذكر فأتى هؤلاء المتكلمون المؤولون يستدركون على الله ورسوله، ولسان حالهم يقول؛ إن الذي قلته يا رب في كتابك عن نفسك أو قال عنك رسولك ظاهره لا يليق بك، لأنه يؤدي إلى التشبيه، لذا نرى أنك حينما قلت: (وجاء ربك ((١) أو قلت: (أو يأتي ربك ((٢) أردت بذلك إتيان أمرك أو عذابك أو ملائكتك؟! أوليس هذا لسان حال المؤولين الذين لا يتورعون عن التصريح بأن ظاهر هذه النصوص يوهم التشبيه فيجب صرفها عنه بأمثال هذه الأوهام. ثالثاً: تأويلهم صفة المحبة والرضا: وردت النصوص الشرعية الكثيرة من الكتاب والسنة بإثبات صفتي المحبة والرضا لربنا ﵎، وهو ﵎ يحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المقسطين، ويحب المتقين، ويحب المتوكلين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص. كل هذا مما دلت عليه آيات الكتاب الحكيم في غير ما موضع، وكذلك صفة الرضا وردت في القرآن فيما يزيد عن عشرين موضعاً في كل تلك الآيات إثبات صفة المحبة والرضا لربنا الكريم على ما يليق به ﵎، كما وردت نصوص أخرى في الكتاب والسنة صرحت أن الله لا يرضى ولا يحب ما لم يأمر به في دينه، وأنه لا يحب الظالمين والفاسقين والكافرين والمسرفين والمعتدين والمفسدين والمستكبرين والخائنين والفرحين، وأنه لا يحب كل كفار أثيم، ولا من كان مختالاً فخوراً، ولا من كان خواناً أثيماً، ولا كل خوان كفور، وأنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، ولا يرضى عن القوم الفاسقين.

стр. 2576

وهكذا تتابعت نصوص القرآن على هذه المعاني وتوالت نفياً أو إثباتاً لهاتين الصفتين وهما صفة المحبة وصفة الرضا أي بإثبات محبة الله لأهل طاعته، ونفي محبة الله لأهل الكفر والمعاصي. ولكن أهل التأويل لم يعجبهم إثباتهما لله تعالى على ما يليق به، فقالوا: إن ذلك في الشاهد رقة تحدث في القلب، ولا يليق ذلك بالله تعالى، فأولوهما بلازمهما، وهو إرادة الثواب، ولا شك أن الثواب يترتب على الرضا والمحبة، وليس الثواب هو المحبة والرضا لا لغة ولا شرعاً. رابعاً: تأويلهم لصفة الغضب: وردت صفة الغضب في القرآن الكريم في حق ربنا العظيم في نحو سبعة عشر موضعا من آياته. وهي من صفات فعله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره كسائر صفات الفعل التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها رسوله (في سنته الصحيحة. ومع وضوح الأدلة المثبتة لله تعالى صفة الغضب كما يليق به تعالى، أبى المؤولون إلا تأويلهم وتحويلهم وتبديلهم إذ قالوا إن إثبات صفة الغضب يؤدي إلى التشبيه لأن الغضب في الشاهد المألوف انفعال في النفس يحدث لحدوث موجبه، وهذا لا يليق بالله تعالى. فليصرف إذن معنى الغضب عن ظاهره إلى معنى آخر تتقبله عقول المؤولين الحائرة، وذلك المعنى هو إرادة العقاب وإرادة العقاب من لوازم الغضب وليس من معنى الغضب، وقد يغضب غاضب ولا يعاقب المغضوب عليه، كما قال الله تعالى في عباده: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون ((١) ، فوصفهم بأنهم يغفرون لمن أغضبهم، فلم يكن الغضب هو العقاب أو إرادة العقاب كما زعموا.

стр. 2577

إن سلف هذه الأمة من الصحابة، ومن سار على نهجهم من التابعين وأتباع التابعين وأئمة المسلمين المتمسكين بكتاب الله تعالى وسنة رسوله (يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله في سنته الصحيحة، وينفون ما نفى عن نفسه أو نفاه عنه رسوله فيما صح عنه، وهم في الإثبات متبعون لا مبتدعون ابتداع المشبهة التي شبهت الله بخلقه، وفي النفي ملتزمون بما ورد نفيه، ولا يتجاوزون تجاوز أهل التأويل والتعطيل، وهم بذلك ينزهون الملك الجليل مما وصفه به أهل التشبيه والتمثيل ويصفونه بما وصف به نفسه خلافاً لأهل التبديل والتأويل والتعطيل، ولله الحمد على التوفيق والتسديد، وأسأله الثبات على الحق والصواب، إنه هو المعين على كل أمر سديد، وعمل رشيد. المبحث الثامن: حظه من الغيب المطلق ووسائله لقد سبق بيان أن الغيب المطلق هو عالم الغيب وما يلحق به من عالم الشهادة. وهو ما لا سبيل إلى العلم به بالوسائل الخلقية الحسية أو الوسائل العلمية الصناعية. وفي هذا المبحث بيان لحظ الإنسان من العلم بعالم الغيب وما يلحق به، ووسائله في حظه من العلم بذلك.

стр. 2578

إن عالم الغيب قد يكون منه ما هو قريب من الإنسان قربا مفرطا، كالروح والملائكة الحفظة وشاهدي حلق الذكر منهم، والكرام الكاتبين، وما يكون بعيدا عن الإنسان بعدا مفرطا كحملة العرش من الملائكة، وسكان السماوات السبع والجنة وما فيها، وما يكون متوسطا بينهما كالجن والشياطين الذين قد يكونون قريبين من الإنسان أو بعيدين عنه. وكل ذلك مما لا سبيل للإنسان إلى العلم به سواء كان في غاية القرب منه كالروح أو في غاية البعد عنه كحملة العرش، أي أن القريب والبعيد في عالم الغيب لا يختلفان في الغيبية لأن الغيبية في عالم الغيب لا تتعلق بالقرب أو البعد، وإنما تتعلق بخلق الله له غير مهيأ لوصول وسائل العلم البشري إليه. ولا يختلف عالم الغيب في غيبيته عن غيب الغيوب الذي يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته، حيث ساوى بينهما الغيبية المطلقة وإن كان غيب الغيوب ذروتها وقمتها لتعلقه بما لربنا ﵎. وعالم الغيب منه ما هو متحرك متنقل كالملائكة والجن والشياطين، ومنه ما هو ثابت وغير متنقل كالجنة وما فيها، والنار وما فيها، ومنه ما لا يعلم حاله. وأما المتنقل المتحرك فمنه ما لا يتنقل ولا يتحرك إلا بأمر الله تعالى وهم الملائكة الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (ويفعلون ما يؤمرون (١) (٢) وقوله: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ((٣) وقوله حكاية عنهم: (وما نتنزل إلا بأمر ربك ((٤) . ومن المتنقل المتحرك ما يتحرك بإرادته واختياره كالجن والشياطين الذين يجولون في الأرض، ويقومون بأعمال مختلفة مريدين مختارين، يستطيعون أن يحادثوا الإنسان ويواصلوه بطرق مختلفة. ويعرفون إلى الإنسان أنفسهم، ويظهرون له بمظاهر شتى من صور الإنس من رجال ونساء، أو صور الحيوانات المختلفة.

стр. 2579

أما الإنسان فهو لا يستطيع الظهور عليهم برغبته وإرادته واختياره، وهو لا يراهم إلا إذا أرادوا ذلك، أو تجردوا من الحجاب لأمر ما فوقع بصر الإنسان على من تجرد منهم من غير قصد. اللهم إلا إذا كان السحرة الذين يستعينون ببعض أقويائهم على إخضاع ضعافهم لرغباتهم وتسلطهم. ويدل على غيبيتهم وعدم قدرة الإنسان على مشاهدتهم قوله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ((١) ،وقوله في الملائكة: (وأيده بجنود لم تروها ((٢) وقوله تعالى: (وأنزل جنوداً لم تروها ((٣) . وقوله: (فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ((٤) . وما دام الأمر كذلك فإن الإنسان لا يتمكن من الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ويعلم ما فيه بالوسائل التي وهب الله تعالى له ليستخدمها في عالم الشهادة. فكما أن أجهزة التحكم عن بعد لا تتحكم في جميع الأجهزة الكهربائية إلا فيما صنعت له، فكذلك حواس الإنسان ووسائله لا تقوى على الظهور على عالم الغيب مهما كان قريبا. أما حظ الإنسان من العلم بعالم الغيب فلم يكن يختلف عن حظه من العلم بغيب الغيوب. فالذي يعلمه الإنسان من عالم الغيب قليل من كثير مما خلق الله تعالى غيبا: (وما يعلم جنود ربك إلا هو ((٥) . ونسبة عالم الشهادة لعالم الغيب، كنسبة الطفل الرضيع في حضن أمه إلى عالم الشهادة بأسره. فماذا يعلم ذلك الطفل الصغير من العالم المشهود الذي يعيش فيه؟ إنه لا يعلم غير أمه التي ترضعه وبعض أهل بيته علما غير متكامل، وما لا يعلم مما يحيط به في بيت أهله من أثاث وأدوات وأمتعة، يعتبر بالنسبة إليه عالما كبيرا واسعا. فكيف بما هو خارج بيت أهله من الكائنات التي لا يعلم عنها أي شيء؟! إن حظ الإنسان من الاطلاع على عالم الغيب لوامع تلمع له من خلال عالم محيط به بعيد عن وسائل العلم التي خلقت له بعدا حسيا أو معنويا.

стр. 2580

أما وسائله إلى تلك اللوامع التي لمعت له من عالم الغيب من العلم فهي نصوص الوحي التي أنزلها الله تعالى على رسله صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى العلم بعالم الغيب إلا الوحي الرباني الذي بلغته الرسل إلى الأمم بلاغاً مبيناً، ووعته وحفظته من التبديل والتحريف، وتناقلته بالصدق والأمانة والضبط والدقة حتى تلقته الأجيال عن العدول الثقات جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن. وإن هذا التلقي المتصف بهذه الصفات لم يتوفر إلا لهذه الأمة الخيرة التي اختارها الله تعالى لحمل أمانة التبليغ عن رسول الله الذي بلغ البلاغ المبين، وأشهد ربه على أنه قام بذلك خير قيام على الوجه الذي أمر الله تعالى به وقال قبل وفاته بقليل مرارا وتكرارا أي في حجة الوداع: (ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد) . وقد حث أمته على حفظ ما بلغهم وتبليغه إلى من بعدهم بدقة وضبط، ودعا لمن فعل ذلك قائلا: (نضر الله عبدا سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها) (١) .وقال: (بلغوا عني ولو آية) . فقامت أمته بما أمرت به خير قيام، إذ وعت نصوص الوحي وبلغت إلى من بعدها كما سمعتها، ولم تنافسها في ذلك أمة من الأمم، لا في اتصال السند وضبط النصوص، ولا في تحري الصدق والأمانة والحفظ. حتى غدت مكائد أعدائها من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين الذين بذلوا جهوداً عظيمة في تحريف النصوص، ووضع الأحاديث في مهب الريح أمام جهود أئمة الإسلام الأمناء، فباءوا بالخيبة والخزي والعار، فبقيت بذلك المحجة بيضاء نقية ليلها كنهارها كما قال: (وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء) .

стр. 2581

ومع وضوح المحجة وقيام الحجة، فإن الذين فتنوا واغتروا بعقولهم القاصرة، لم يسعهم هذا المنهاج الواسع، والضياء اللامع، واستعاضوا عن الاستنارة بنور الوحي والسير في ضوئه ونهاره، بالوثب على الغيب بأنواعه وأقسامه، فاصطلموا بنيران الحجب وصواعق الشهب أيما اصطلام، كما تصطلم الهوام والفراشات باقتحام النيران المشتعلة في ليلة مظلمة، وهكذا كان كل من استعذب الخوض في لجج الغيب بلا هدى من نصوص الوحي، وحاول السباحة في الاتجاه العكسي للحق المبين، وجعل عقله القاصر وفكره الحائر حاكماً على نصوص الوحي الثابتة، فما وافق عقله ومزاجه العكر قبله، وما لم يجده موافقاً لهواه أوله وحوله، أو رفضه ورده بحجة مخالفته لعقله، أو طعنه في دلالته ونقله. وسبب ذلك راجع إلى اعتبار عالم الشهادة أصلاً يقاس عليه ويلحق به ما كان من عالم الغيب، أو غيب الغيوب الخاص بربنا ﵎، والأصل فيما لا تجانس بينها عدم التشابه، وعدم قياس بعضها على بعض ما دام التجانس غير متحقق كما سبق بيانه في المبحث السادس، ولبيان ما أدى إليه هذا التوجه من الأخطاء في تصور الغيبيات إليك أمثلة لما جنح إليه العقلانيون في دفع معاني النصوص الشرعية إلى ما تقره عقولهم وتتقبله أفكارهم غير مقيمين لدلالة النصوص وزناً، وقد غفلوا عن حقيقة ثابتة هي أن النصوص الشرعية وحي من الله تعالى، ووحي الله تعالى هو حبله الذي يعصم من اعتصم به، وأن ما أخبرت به النصوص الثابتة عن المعصوم يؤخذ به على الوجه الذي وردت به تلك النصوص، لا يزاد عليها ولا ينقص منها إلا بدليل شرعي، وأن الاجتهاد في تصور الغيبيات وإدراك حقيقتها مما لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، فمن أقدم على ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً. وأما أهل العلم بالكتاب والسنة الراسخون فيه فهم كما وصفهم الله تعالى:

стр. 2582

(يقولون آمنا به كل من عند ربنا ((١) ، وأما الغائصون في أوحال علم الكلام، وما لليونان من الجهل والهذيان، فقد أبوا إلا أن يكونوا أتباع أرسطو وأفلاطون، وظلوا في حيرتهم يعمهون، معرضين بذلك عما جاء به رسول الهدى من كتاب يهدي للتي هي أقوم وسنة من اعتصم بها ضمن الصلاح والهداية في الدنيا، والسلامة والفوز في الدار الآخرة اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وثبتنا عليه حتى نلقاك وأنت راض عنا، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا كراهيته واجتنابه، إنك رحيم ودود. أمثلة للغيبيات المصروفة نصوصها عن دلالتها: المثال الأول: نطق الجمادات وطاعاتها لله رب العالمين: وردت نصوص من الكتاب والسنة دلت بعبارات صريحة بينة أن الجمادات تسبح الله تعالى وتطيعه وتسجد له، قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ((٢) ، وقال: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ((٣) .

стр. 2583

لقد زعموا أن ما نسب في هذين النصين وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة إلى الجمادات من أقوال وأعمال إنما هو مجاز لا حقيقة، أي إنه لسان حال لا مقال، وأنها تطيع الله طاعة قهر وتسخير لا طاعة فكر وتخيير، وأما تسبيحها فمعناه أن من شاهدها سبح الله تعالى، لا أنها هي التي تسبح الله تعالى. والآيتان المذكورتان فيهما ما يرد هذا التأويل الفاسد، فآية سورة الأحزاب صريحة في أن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال، وعرض الشيء لا بد أن يكون على ما له إدراك، وإلا فيكون ذلك عبثاً، فالله تعالى منزه عن العبث، ثم إباؤها وإشفاقها من الأمانة دليل على الإدراك، وهذا المعنى تؤكده آية سورة فصلت التي قال الله تعالى فيها: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ((١) ، فبين فيها أنه خير السماوات والأرض بين أن يأتيا طوعاً لأمر الله على سبيل الطاعة والاختيار، وبين أن يأتيا على سبيل القهر والتسخير، فاختارتا الإتيان الطوعي على الإتيان القهري، وذلك دليل واضح على الإدراك والاختيار. وأما آية سورة الإسراء فقد بينت أن جميع الخلق يسبحون بحمد ربهم ﵎، ثم صرحت للإنس أنهم لا يفقهون كيف تسبح كل الكائنات ربها، ولكن أبى المفتونون بالتأويل والتحويل إلا أن يقولوا: إن تسبيحها غير معقول، وإدراكها غير مقبول، وأن الإنسان هو الكائن العاقل المدرك المتميز بعقله وإدراكه، وأن الجمادات لا تسبح الله إلا بلسان حالها لأنها لا تعقل، فكأنه يقول لربه الذي خلقه وقال له: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم (بل نفقه تسبيحهم، وأنه يتم بلسان الحال، لا بلسان المقال. المثال الثاني: وزن أعمال العباد يوم القيامة:

стр. 2584

زعموا أنها لا توزن، لأنها أعراض وليست أجساماً. ووزنها مجازات العاملين على أعمالهم كل بحسب عمله. فإذا كان العليم الخبير قد أخبر بذلك فما على المؤمن إلا أن يصدق ويؤمن ويسلم تسليماً، وأما أن يقول: كيف توزن الأعمال؟ فذلك مما لا سبيل لعقله القاصر على إدراكه، ولو سئل هذا المفتون: كيف توزن قوة التيار الكهربائي وضعفه وتعاير على ذلك الأجهزة الكهربائية مع أن التيار عرض من الأعراض، لما وجد جواباً إلا الإذعان. وبعد... فهذا بعض ما ذهب إليه أهل التأويل والرد والتحويل، من الفرق المبتدعة التي اغترت بعقلها القاصر، حيث جعلته حكماً على نصوص الشرع، مع أن العقل السليم يشهد لنصوص الشرع ويخضع لسلطانها، وذلك معيار سلامته وصحته. المبحث التاسع: وسائل العلم بعالم الشهادة إن الله تعالى جعل للإنسان وسائل العلم بعالم الشهادة الذي يعيش فيه، بها يتعرف عليه، ويتعامل معه، ويستفيد مما يفيد، ويحذر مما يضر. وتنحصر تلك الوسائل في الأمور التالية: ١- السمع. ... ٢- البصر. ... ٣- اللمس. ... ٤- الذوق. ... ٥- الشم. ... ٦- الحس. ويلحق بهذه الوسائل الخلقية الوسائل المستحدثة التي صنعها الإنسان للوصول إلى ما خفي عليه بتلك الوسائل. أما السمع: فيتعلق بالمسموعات، وهي الأصوات. وأما البصر: فيتعلق بالمبصرات من الذوات، والكتابة والرسوم والإشارات والرموز. وأما اللمس: فيتعلق بالأجسام الملموسة، فيدرك به النعومة والخشونة، والرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة، والصلابة والهشاشة، والحدة، وغيرها مما لا يمكن إدراكه إلا باللمس. وأما الذوق: فيعلم به طعم الأشياء من حلاوة ومرارة، وملوحة وحموضة، وحراقة وغيرها. وأما الشم: فتعلم به روائح الأشياء. وأما الحس: فتدرك به أمور لا تندرج تحت الوسائل التي سبق ذكرها، كالثقل والخفة.

стр. 2585

وقد جعل الله تعالى لهذه الوسائل قدرة محدودة، ومدى لا تتجاوزه، ولكنها تتفاوت قوة وضعفاً تفاوتاً يسيراً، فمن الناس من أوتي قوة السمع أكثر من غيره، ومنهم من أوتي حدة الإبصار أكثر من غيره، وكذلك في سائر الحواس والوسائل التي يدرك بها عالم الشهادة، يوجد شيء من التفاوت غير أن الغالب من الناس تكاد هذه الوسائل تتفق في مداها، إلا ما كان منها متعرضاً لمانع طارئ. ويكون ما تجاوز المدى المألوف من هذه الوسائل نادراً جديراً بالإشارة والتنبيه إليه. أما ما خرج من وصول الإنسان إليه بهذه الوسائل لكونه خارجاً عن مداها، فهو مما يعتبر غيبا، ولكنه غيب بالنسبة لمن كان خارجا عن حدوده ومداه، أما بالنسبة لمن كان قادرا على الوصول إليه بها فليس بغيب، ويسمى هذا بالغيب النسبي لأجل ذلك كما سبق بيانه. وهذا كله إن كان مما هو قائم في الزمن الحاضر، إذ لا تعلق لتلك الوسائل إلا بما هو موجود قائم في زمنها، فمن أجل ذلك سمي بغيب الزمان الحاضر. ويضاف إلى تلك الوسائل التي خلقها الله في الإنسان ليعلم بها ما يوجد معه في عالم الشهادة؛ الوسائل الحديثة التي صنعها الإنسان، والتي مكنته من الإطلاع على ما لا تصل إليه الوسائل الخلقية، فرأى بها البعيد وكبر بها الأجرام الصغيرة التي لا تراها العيون واخترق بها الحواجز والستائر والحجب، وسمع بها من الأصوات ما لا يمكن أن يسمع بالأذن المجردة عن الوسائل الحديثة لبعدها وخروجها عن مدى السماع، أو لضعفها وخفوتها بحيث لا تقوى الآذان على سماعها، وكذلك الوسائل الحديثة الأخرى التي أرسلها الإنسان إلى الأماكن البعيدة، فلمست أجهزته ما لا يمكن أن تلمس يده من الأجسام، وتعرف بها الإنسان على الطعوم والروائح التي لا يستطيع معرفتها بحاستي الذوق والشم اللتين لا يدركهما الإنسان بالوسائل الخلقية.

стр. 2586

والذي يملك هذه الوسائل الصناعية ويطلع بها على ما خفي على غيره لا تعد الأمور التي اطلع عليها غيبا بالنسبة له لظهوره واطلاعه عليها. أمثلة الوسائل الحديثة: أ- الوسائل الصناعية لسماع ما لا يسمع بالأذن وحدها: السمع أهم وسائل العلم التي خلقها الله في الإنسان، فلذلك نجده متقدما في الذكر على الوسائل الأخرى في كتاب الله تعالى، حيث ورد فيه تقديم السمع على البصر في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً ((١) وقوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ((٢) . ومما يؤكد أفضليته على سائر الحواس، أن من ولد أصم عاش أبكم، ولا يستطيع أن ينطق ويتكلم، ومن ولد أعمى فليس كذلك، فكم من العلماء ولدوا عميانا، ولكن الله تعالى منّ عليهم ببصائر العلم فكانوا مصابيح الدجى بما أوتوا من العلم الذي به يهتدى. أما وسائل تقوية مداه، فهي الأجهزة المكبرة للأصوات الخافتة كدقات القلب وحركة الأمعاء، أو دقات قلب الجنين وحركاته، أو التي يتنصت بها على الأصوات البعيدة أو يخترق بها الحواجز التي تحول عادة بين الإنسان ووصول ما خلفها أو داخلها من الأصوات إليه، وذلك كالمذياع والتلفاز والهاتف التي يستمع الإنسان بواسطتها إلى الأصوات البعيدة الخارجة عن مدى السمع وكأجهزة التصنت إلى أصوات الأحياء تحت المنازل أو المناجم المتهدمة أو تحت المياه. وقد يعود الظهور على الصوت الخافت بتكبيره بحيث يسمع من بعيد بالأذن المجردة أي أن السامع في هذه الحالة لم يستخدم شيئا من وسائل الاستماع، وإنما الصوت هو الذي قوي حتى أمكن سماعه من مسافة بعيدة، وذلك كالأصوات المسموعة بواسطة مكبرات الصوت. وكل ذلك راجع إلى استخدام الوسائل الصناعية سواء في ذلك السماع بواسطتها أو الإسماع بها. ب- الوسائل الصناعية لرؤية ما لا يرى بالعين وحدها:

стр. 2587

إذا كانت نعمة السمع أعظم نعم الحواس التي من الله بها على الإنسان، فإن نعمة البصر تليها في العظمة -وإن كانت كل نعم الله عظيمة وجليلة- فالبصر به ترى الذوات ويميز به بين شخص وشخص ويفرق به بين الألوان، ويتعلم به الكتابة والقراءة، وتتعلق به حركة الحياة برمتها. ولكن الله تعالى جعل للإبصار مدى لا تتعداه العيون، وجعل للذوات المبصرة أحجاماً لا ترى العيون ما هو أدق منها وأصغر، كما لا ترى الأبصار من الأنوار إلا بعض الألوان منها. ولما كان الإنسان مولعاً بحب الاطلاع على ما خفي عنه من الأمور استحدث من الوسائل ما يمكنه من الاطلاع والظهور على أمور لا يصل إليها ببصره، إما لبعدها المفرط عنه، وإما لصغر حجمها ودقتها، وإما لاحتجابها بحاجز مانع عن الرؤية، وهذا كله ما كان من عالم الشهادة. فمن تلك الوسائل: المناظير، والأجهزة المكبرة للأجرام الصغيرة، أو المقربة للبعيدة مع التكبير، أو الأجهزة المخترقة للحواجز المانعة من الرؤية والسمع، والأجهزة المميزة بين الأنوار على اختلافها. ولقد تمكن الإنسان في بعض مجتمعاته من مشاهدة النجوم والكواكب والشموس والأقمار والمجرات بواسطة مخترعاته التي استعان بها على رؤيتها كما شاهد الأشياء الخفية المحتجبة بحجب تمنع الأعين من رؤيتها كمشاهدة الجنين، ومعرفة وضعه وجنسه، واكتشاف أمراض خفية في جسم الإنسان، وكذلك رأى بها الأشياء الدقيقة التي ما كانت العين تراها لولا استخدام الإنسان للوسائل الحديثة. فمن اطلع وظهر على هذه الأشياء باستخدام هذه الأجهزة، فإن ما اطلع عليه منها لا يعتبر بالنسبة إليه غيباً، وإنما يعتبر غيباً بالنسبة إلى من لم يستخدم تلك الأدوات، فمثلهما في ذلك كمثل رجلين كانا في حجرة واحدة، فتح أحدهما نافذة الحجرة فرأى ما في الخارج من إنسان وسيارات، فلم يفعل الآخر ذلك، ولو أخبر الأول من في الحجرة بما شاهد لما قيل له إنه اطلع على الغيب أو علم به.

стр. 2588

ولو أخبر الثاني بما يجري خارج الحجرة، لقيل فيه إنه يتكلم عن الغيب، فالغيب هنا قد يكون قريباً جداً وقد يكون بعيداً جداً، وقد يكون قريباً قرباً يصل إليه مدى الإبصار لولا الحاجز المانع، فمن هذا معرفة نوع الجنين من قبل من استخدم الآلة الحديثة والتحاليل الدقيقة للسائل الأمينوسي لمعرفة الجنس (١) ، ومن هذا القبيل معرفة الألوان المختلفة للمبصر فإنها بالنسبة له من الأمور البدهية، ولكنها بالنسبة لمن ولد أعمى غيب نسبي، ولو أخبر المبصر عن الألوان التي يراها لكان ذلك خبراً عن المشاهدة، أما لو أخبر ذلك الضرير الذي لم يسبق أن رأى الألوان منذ ولادته لو أخبر عن الألوان، لكان ذلك إخباراً عن الغيب، فالغيبية في هذه الصور المختلفة وما شابهها لم تكن من صفات تلك الأشياء اللازمة لها، وإنما هي حالات طارئة على تلك الأشياء حتى حالت تلك الحالة بينها وبين مشاهدة من أراد رؤيتها بالعين، أو حالة طارئة على الإنسان منعته من رؤيتها. قال صاحب تفسير المنار: "والغيب قسمان: غيب حقيقي مطلق، وهو ما غاب علمه عن جميع الخلق حتى الملائكة، وفيه يقول الله : (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ((٢) ، وغيب إضافي: وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلاً، وأما ما يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه، واستعمالهم لها، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب، أو عجزهم عن استعمالها، فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب منها ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية، فإن بعض علماء الرياضيات وغيرها يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الكسوف والخسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بالألوف من

стр. 2589

الأعوام (١) . ومنها ما هو عملي كالتلغراف الهوائي أو اللاسلكي الذي يعلم به المرء بعض ما يقع في أقاصي البلاد، وأجواز البحار التي بينه وبينها ألوف من الأميال، ومنها ما قد يصل إلى حد العلم من الادراكات النفسية الخطية كالفراسة والإلهام، وأكثر هذا النوع من الانكشاف لوائح تلوح للنفس لا يجزم بها إلا بعد وقوعها. فما يصل منها إلى حد العلم الذي يجزم به صاحبه لاستكمال شروطه، يشبه ما ينفرد بإدراكه بعض الممتازين بقوة الحاسة كزرقاء اليمامة التي ترى على بعد عظيم ما لا يراه غيرها، أو بقوة بعض المدارك العقلية كالعلماء الذين أشرنا إليهم آنفاً " (٢) المبحث العاشر: غيب الزمن الماضي وأدلة غيبيته إن غيب الزمن الماضي كل ما حدث وانقضى في زمن غير زمنك من عالم الشهادة وهو ما كان بعد نشأة الإنسان وسكنه الأرض، أما ما كان قبل نشأة الإنسان فهو ليس غيبا نسبياً، لأنه لا يوجد أحد من الناس في الأرض ذلك الزمان حتى يقال؛ إنه بالنسبة لهم شهادة وبالنسبة لسواهم غيب، وعليه فإن ما كان قبل نشأة الإنسان في الأرض من الغيب المطلق، أي ملحق به في عدم العلم به بالوسائل العلمية خلقية كانت أم صناعية صنعها الإنسان. أمثلة غيب الزمن الماضي وأدلة غيبيته: أول ما يمكن أن يمثل به من حدث مضى على غيب الزمن قصة ابنيّ آدم التي حكى الله تعالى علينا في كتابه الكريم بقوله لرسوله محمد ﷺ : (واتل عليهم نبأ ابنيّ آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (لإن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (فبعث الله غرابا يبحث

стр. 2590

في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواريَ سوءة أخي فأصبح من النادمين ((١) . هذه هي القصة الأولى التي أخبرنا الله تعالى بها عن طريق وحيه إلى رسول الله ﷺ وليس لها مصدر آخر من أخبار البشر، فهي شهادة بالنسبة لابني آدم ومن كان ثم من إخوانهما والأبوين الكريمين، وغيب بالنسبة لمن جاء بعد ذلك من ذرية آدم ﵇. وثاني الأمثلة على حدث قد مضى قصة نبي الله ورسوله نوح مع قومه إذ أرسله الله تعالى إليهم بعد كفرهم به بعبادة غيره من الآلهة التي ذكر الله أسماءها في سورة نوح، واستمرار نوح على دعوتهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ودعائه عليهم في نهاية الأمر، وإهلاك الله تعالى لهم بالطوفان، كل هذا مما قص الله علينا في كتابه الكريم وسماه غيبا حيث قال: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ((٢) . هذه قصة نوح ﵇ مع قومه، فقد سمى الله تعالى تلك الأحداث الماضية التي لم يكن رسول الله ﷺ وقومه يعلمونها قبل وحي الله تعالى إليه غيبا حيث قال: (تلك من أنباء الغيب (،فدل هذا على أن أحداث الزمن الماضي من عالم الشهادة تسمى غيبا أي غيباً نسبيا. وثالث قصة سماها الله غيبا هي قصة يوسف واخوته التي قصها الله تعالى علينا في كتابه الكريم وسماها من أنباء الغيب التي أوحاها إلى رسوله حيث قال: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ اجمعوا أمرهم وهم يمكرون ((٣) . هكذا سماها غيبا وبين سبب الغيبية، وهو أنه ما كان لديهم أي ما كان في زمانهم ومكانهم، ولو كان في مكانهم وزمانهم لكان ذلك مشاهدة لا غيبا.

стр. 2591

ورابع مثال على تسميته تعالى أحداث الزمان الماضي غيبا قصة آل عمران حيث قال تعالى بعد ذكره خبر امرأة عمران، ونذرها لله بما في بطنها، وولادتها لمريم، وكفالة نبي الله زكريا (لها، ونشأتها نشأة صالحة في طاعة ربها، وما كان من دعاء زكريا ربه أن يهب له ذرية طيبة، وبشارة الملائكة له بيحيى ومخاطبة الملائكة لمريم بأمر الله تعالى واصطفائه إياها على نساء العالمين؛ بعد ذكر ذلك كله قال : (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ((١) . وبعد أن سمى الله تعالى ذلك غيبا بين سبب غيبية ذلك بقوله: (وما كنت لديهم (أي أن عدم وجودك في ذلك الزمان والمكان جعل ذلك غيبا عنك. وهكذا بين الله تعالى لنا أن هذا القسم مما مضى به الزمان وانقضى من عالم الشهادة غيب بسبب أن المخبر به لم يكن في ذلك الزمان والمكان أي أنه غيب نسبي. وهذا الغيب مع أنه من عالم الشهادة فإن العلم به على سبيل الإحاطة ليس إلا لربنا ﵎، فإذا علمنا بشيء منه عن طريق الوحي الرباني، أو النقل الصحيح لم يكن علمنا به علما شاملا محيطا، بل هو علم جزئي يعتبر قطرة من بحر علمه تعالى يعلم ببعضه من يشاء من عباده المصطفين ويطلعهم عليه بقدر ما تقتضي حكمته تعالى وهو الحكيم العليم.

стр. 2592

ألا ترى أنك حينما تنظر إلى شيء تراه أمامك لا تراه إلا من جانب واحد، حسب الجهة التي تليك منه، وأما ما لا يواجهك من جوانبه الأخرى فأنت لا تحيط به، وزد على هذا أنك تعلم الظواهر ولا تعلم البواطن والخفايا، ولهذا وصف الله الكافرين بعدم العلم، ثم وصفهم بأنهم يعلمون بظواهر الأمور في هذه الحياة، قال تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ((١) . وهذا ما يسمى بانفكاك الجهتين أي أن العلم المنفي غير العلم المثبت. المبحث الحادي عشر: وسائل العلم به إن لغيب الزمن الماضي وسائل تمكن الإنسان من العلم به، وقد تنوعت تلك الوسائل قديماً، وتعددت حديثاً، ولم يزل الناس يسعون للعلم بأخبار الغابرين من الأمم بوسائل شتى، وإليك بيان تلك الوسائل حسب أهميتها وأقدميتها التاريخية: الوسيلة الأولى: وحي الله تعالى إلى أنبيائه ورسله: لأن أخبار الله تعالى أصدق الأخبار، وأنبياؤه ورسله أعدل من حمل أخبار الله ونقلها إلى الناس، وورثتهم من العلماء العاملين أحرص الناس على نشر ما بلغتهم الأنبياء والرسل من أخبار الله على الوجه الذي حملوه، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل الصحيحة وأقدمها وجوداً مع الإنسان في تاريخه الطويل. الوسيلة الثانية: الأخبار الصحيحة: إن الأخبار المنقولة نقلاً صحيحاً من الوسائل التي استفاد الإنسان منها العلم بأخبار من مضى من الأمم، وقد سلك الناس في ذلك ثلاثة مسالك: المسلك الأول/ الكتابة: وهذا المسلك أكثر انتشاراً وازدهاراً في المجتمعات البشرية، حيث ألفت فيه كتب وبيضت فيه صحف، تناقلوا فيها الأخبار الماضية من تواريخ الملوك والأمم والأنبياء والرسل والقبائل والدول، والحروب والحوادث والفتن مما امتلأت به صفحات التاريخ، غير أن المفيد للعلم منها ما كان صحيح النقل ولم يكن مبنياً على استنتاج أو استنباط أو تحامل.

стр. 2593

المسلك الثاني/ الكتابة مع الرسوم: ومن المسالك التي استفاد منها الإنسان في تاريخه الطويل الكتابة مع الرسوم والصور الإيضاحية لبعض الحوادث، حيث كانت بعض الدول تسجل الحوادث المهمة من حياتها بالكتابة والصور، وقد سلك هذا المسلك الآشوريون والبابليون والمصريون القدامى، فجعلوا بذلك تاريخهم الماضي تنتقل أخباره إلى من بعدهم كتابة وتصويراً، وهذا المسلك –وإن كان استخدامه أقل من الأول- فإن أثره في نفس القارئ أقوى لاشتراك الكتابة والتصوير في نقله. المسلك الثالث/ النقل الشفهي: هذه الوسيلة أيضاً من الوسائل التي أفادت الإنسان في علم ما لم يعلم من أخبار من سبق حيث تناقلت أجياله المتعاقبة أخبار الغابرين تناقلاً جعل من لم يكن في ذلك الزمان والمكان على علم بما كان قبله من الأحداث، ولعل هذا المسلك هو المسلك الثاني في التاريخ البشري، لأن الكتابة والرسم لم يواكبا الحياة البشرية منذ النشأة الأولى، ولكنها مما طرأ على الحياة الإنسانية بعد أن لم تكن، والله تعالى أعلم. والمسلمون تميزوا على غيرهم من الأمم في حفظ الأخبار وضبطها بدقة متناهية، وهي أمة إذا روت ضبطت، وإذا أخبرت صدقت، وإذا قالت عدلت، وإذا خاصمت غلبت، وإذا جادلت دحضت، وما سبب ذلك إلا لما في أخبارهم من دقة وضبط وصدق وعدل. الوسيلة الثالثة: الوسائل الحديثة:

стр. 2594

زاد الله في خلقه ما شاء في هذا العصر الذي نحن فيه، حيث قويت فيه الوسائل القائمة من كتابة وتصوير، وتطورت تطوراً عظيماً، فالكتابة التي كانت تزاول باليد منذ آلاف السنين أصبح لها وسائل متعددة، كالمطابع الضخمة، والآلات الكاتبة المختلفة، وطابعات الكمبيوتر الدقيقة، فغدت الكتابة أسرع، ووسائلها أكثر، وعلمها أدق، كما أصبحت الرسوم والصور في هذا العصر صوراً للحقائق القائمة، والأحداث الجارية، إذا التقطت بالآلات الحديثة، وليست تمثيلاً وتشبيهاً كما كانت في الأزمنة الماضية، وإنما هي صور مطابقة للوقائع والأحداث كما وقعت وحدثت. ولقد حدثت في هذا العصر وسائل قوية لنقل الأخبار الماضية نقلاً صحيحاً دقيقاً، فمن تلك الوسائل: ١ - التصوير التلفزيوني أو الفيديوي: المتميز بنقل الصور والأصوات والحركات على ما هي عليه، وهذه الوسيلة تعتبر أقوى الوسائل وأجلاها، وأشدها إفادة للعلم، لأن الصور المتحركة فيها صور حقيقية لأشياء حقيقية، وأصوات حقيقية، وحركات حقيقية. لقد مكنت هذه الوسيلة الإنسان من سماع الأصوات الحقيقية ورؤية الصور الحقيقية لأناس قد مضوا، وحوادث قد جرت منذ عشرات السنين، كأحداث الحرب العالمية الثانية وغيرها من الحروب، فعلم بذلك الإنسان ما قد مضى علماً أقوى مما كان يعلم به من الأحداث عن طريق الوسائل القديمة، فرأى وسمع بها ما رأى وسمع من حضر وشهد. ٢ - التسجيل الصوتي: الذي تمكن الإنسان به من سماع الأصوات التي حدثت منذ عشرات السنين وقد يتمكن من الاستماع إليها بعد مئات السنين أو آلاف السنين، والله أعلم. ولقد كان الناس يتناقلون الكلام كتابياً أو شفهياً أن فلاناً قال كذا وكذا، وأما الآن فإنهم يسجلون صوت القائل بأنفاسه حتى استمع إليه من غاب كما استمع إليه من حضر، وشهد تلك الأحداث. لقد حفظت الآلات الحديثة الأصوات ونقلتها إلى الأجيال المتعاقبة، وذلك فتح جديد في مجال العلم في عصرنا.

стр. 2595

٣- التصوير الفوتوغرافي المقترن بالكتابة: إذا كانت الرسوم والصور القديمة تمثيلاً وتشبيهاً للحقائق على وجه التقريب على تفاوت بين المصورين والرسامين في الاقتراب من الحقيقة أو الابتعاد عنها، فإن التصوير الفوتوغرافي هو التقاط للصورة الحقيقية وليس تمثيلاً وتكلفاً، ولذلك تكون إفادة الصورة الفوتوغرافية للعلم إفادة تامة، وخاصة إذا اقترنت مع الكتابة التي تشرح موضوع الصورة، ويلاحظ هنا أن إطلاق اسم المصور على من يلتقط الصور بالآلة غير صحيح، وإنما هو ملتقط للصور الموجودة عن طريق الآلة، ولو أن أنساناً نظر إلى صورته في المرآة واستطاع إبقاءها فيها لما صح أن يقال له مصور، لأن المصور هو الذي يتكلف التصوير بالرسم أو النحت أو النقش أو العجن أو القص، وعلى هذا فإن المصور هو الذي يحدث الصورة لا الذي يلتقط الصورة الموجودة، فليتأمل. ٤ - التصوير الإشعاعي أو التلفزيوني: المستخدم لتشخيص الأمراض في المستشفيات والمراكز الطبية. ٥ - التحاليل الدقيقة في المختبرات الطبية والعلمية: التي تعرف بها الأمراض الخفية أو العناصر والجزيئات الدقيقة. المبحث الثاني عشر: غيب الزمن الحاضر وسبب غيبيته إن غيب الزمن الحاضر من أقسام الغيب النسبي الذي هو من عالم الشهادة كما سبق ذكره، وهو الغيب المعاصر للإنسان من عالم الشهادة، وسبب غيبيته راجع إما إلى ما حال بينه وبين الإنسان من حواجز وسواتر مع قربه، وإما راجع إلى بعده عن الإنسان، وإما راجع إلى صغر حجمه صغراً يمنع من رؤيته، أو ضعف صوته وخفوته خفوتاً يمنع من سماعه، أو راجع إلى ما قد يعتري الإنسان من عوارض تطرأ عليه كالصمم والعمى وفقدان الإحساس. وفيما يأتي بيان تفصيلي لتلك الأسباب التي من أجلها تعتبر من الغيب النسبي ما كان معاصراً للإنسان من الأمور: السبب الأول/ البعد المكاني:
следующие страницы →