Полный текст (6 828 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
ولا شك أن هذا الزنديق قد فاق إبليس جرأة، وتفوق على فرعون طغياناً وكفراً، فقد صرح بما لم يصرح به إبليس، وتبجح بما لم يتبجح بمثله فرعون. والعجب ليس من الكافر أن يصرح بالكفر فإن الإنسان ظلوم كفور، ولكن العجب كل العجب ممن يعتقد صلاح هؤلاء الزنادقة أو ولايتهم أو أنهم يحبون الله أو يعظمونه فإن المسلم لا يتمالك نفسه حين يسمع مثل هذا من أن يقول: سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومثله في الضلالة من يُسمى ابن عامر (١) حيث يقول:
نظرت فلم أبصر سوى محض وحدة
بغير شريك قد تغطت بكثرة
تكثرت الأشياء والكل واحد
صفات وذات ضمناً في هوية
فأنت أنا لا بل أنا أنت وحدة
منزهة عن كل غير وشركة (٢)
ومثلهم قال عبد الغني النابلسي حيث يقول في شرحه لكتاب
((التحفة المرسلة في علم حقيقة الشريعة المحمدية)) : ((واعلموا أيضاً (أن ذلك الوجود) المحض الذي هو الحق تعالى هو (حقيقة جميع الموجودات) أي الماهيات المحسوسة والمعقولة وصفاتها وأحوالها من حيث هي موجودات، ولهذا سماها الموجودات (وباطنها) أي باطن جميع الموجودات حيث هي المنظور إليها ... ثم قال: إن الخالق الحق هو وجود جميع الموجودات ولا يكون هناك للموجودات وجود حادث أصلاً، وإنما هو الوجود القديم الحق ظهر بما قدره وصوره من المعدومات)) (٣) .
هذا إفكهم وما يفترون، ونسألهم عن قولهم هذا هل الله أخبرهم بذلك أم على الله يفترون؟ لا شك أنهم على الله يفترون، وسيحكم الله (بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
المطلب الرابع:الرد على فلاسفة الصوفية في دعوى وحدة الوجود.
هذا القول وهو دعوى وحدة الوجود لم يظهر صريحاً قبل ابن عربي في المسلمين، وقد تابعه عليه العديد من ملاحدة الصوفية وصارت تحوم حوله أقوالهم إشارة مرة وتلويحاً مرة وتصريحاً أخرى.
стр. 2662
وهي مقالة مركبة من قول فلاسفة اليونان القائلين بوحدة الوجود مثل: أكسينوفان (١) ، وبرمنيدس (٢) ، والرواقيين (٣) وغيرهم، ومن قول المؤلهة كأفلاطون (٤) ، وأرسطو (٥) ، وأفلوطين (٦) وغيرهم.
فقد أخذوا عن الأولين قولهم بوحدة الوجود وأن الله تعالى عن قولهم منبث في هذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر جرم فيه.
وأخذوا عن الآخرين قولهم بإثبات الوجود المطلق لله، والقول بصدور النفس الكلية عنه والتي تماثل وتشابه الأول الذي صدرت عنه، وهذه توازي عند ابن عربي وأتباعه ما يسميه الحقيقة المحمدية.
ثم عن النفس الكلية صدرت أرواح الكواكب كما هو عند أرسطو وهكذا هو عند ابن عربي حيث زعم أن الله أنشأ من الحقيقة المحمدية محمداً (ثم اقتطع العالم كله تفصيلاً على تلك الصورة بالخيال ثم أنشأ من الحقيقة سائر العالم المحسوس.
فمن هذا يتبين أن هذا الضال المضل أسس مذهباً مركباً من قول الفلاسفة الوثنيين وأضاف عليه بعض المسميات التي جاءت في الإسلام والشرع كاسم محمد (والعرش والكرسي ونحو ذلك، وذكر هذه الأسماء وإقحامها في مقولته لا تصحح انتماءه إلى الإسلام لا من قريب ولا بعيد بل هو مغرق في الإلحاد والكفر، وهو أشد كفراً وبعداً عن الحق من هذا الوجه من مقالة أرسطو وأتباعه، لأن أولئك اعتقدوا تنزيه الله (عن المحدثات على العموم والذي يعني التعطيل.
وهؤلاء قالوا بتنزيهه أي تعطيله أولاً، ثم جعلوه هو المحدثات طيبها وخبيثها حسنها وقبيحها، وهذا متضمن لنفي وجوده مرتين:
الأولى: بتعطيله وإثبات الوجود المطلق الذي هو وجود ذهني.
والثانية: بزعمهم أنه هو الوجود كله والكون كله.
فمن هنا فكل رد لنا على القائلين بوحدة الوجود أو على القائلين بالوجود المطلق من فلاسفة اليونان على مقتضى العقل (٧) هو رد على هؤلاء، وكذلك كل رد على الفلاسفة المنتسبين للإسلام بمقتضى الشرع (٨) هو رد على هؤلاء في تعطيلهم لله (وعدم وصفه بالصفات.
стр. 2663
يبقى أن نرد عليهم في دعواهم وحدة الوجود بمقتضى الشرع مع أن باطلهم أظهر وأوضح من أن يرد عليهم فيه، ولكن نقول على سبيل الاختصار حتى لا يغتر أحد بتدليسهم وتلبيسهم وزخرفتهم للباطل بالتحريفات الفاسدة ما يلي:
١ إن الله (قد أثبت لنفسه الصفات والأفعال نحو قوله ( ﴿وهو السميع البصير﴾ الشورى (١١) ، وقوله ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص (٨٨) ، ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص (٧٥) ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه (٥) ، ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما نفسك﴾ المائدة (١١٦) ، ﴿وهو العليم القدير﴾ الروم (٥٤) ، ﴿الله خالق كل شيء﴾ الزمر (٦٢) ، ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الأنعام (١) .
فهذه النصوص الدالة على صفات الله تعالى وأفعاله، وغيرها كثير مما يعتبر أعظم وأكبر موضوع تكرر ذكره في القرآن الكريم بشكل فاق جميع الموضوعات بكثرة الآيات الواردة فيه، فإنه لا تكاد تخلو آية من ذكره كيف لا وهو متضمن للتعريف بالله (وتمجيده وتعظيمه.
فإذا كانت هذه الآيات مع كثرتها لا تدل على ذات موصوفة بالصفات، وذات للخالق ﵎ تميزه عن سائر مخلوقاته، وتجعل لكل من الخالق والمخلوق وجوده الذي يتميز به وصفاته التي يتميز بها، فإن نصوص التوحيد والصلاة والحج والإيمان باليوم الآخر والجنة والنار، وكذلك النصوص التي تحرم الشرك وتحرم القتل والزنا والربا والظلم والبغي وسائر المحرمات والفواحش، لا تدل على تلك الواجبات ولا على تحريم تلك المحرمات، ويكون الدين بذلك كله باطلاً.
стр. 2664
٢ إن دعوى هؤلاء الصوفية الضلال متناقضة غاية التناقض وهي أشد في تناقضها من دعوى فلاسفة اليونان المؤلهة، حيث يزعم هؤلاء أن الله ﵎ ليس له صفة ولا نعت ولا حد ولا ماهية ولا وجود إلا الوجود المحض، ثم يزعمون مع هذا أنه المادة قبل تشكلها وتصورها أو ما يسمونه التعين والظهور، فهذا تناقض بين لا يستقيم بحال؛ إذ كيف يستقيم أن يكون مادة ثم مع ذلك ليس له نعت ولا وصف ولا وجود ولا ماهية؟ هذا يعني شيئاً واحداً أن أصحاب هذه المقالة زنادقة امتلأت قلوبهم كفراً وإلحاداً فأخذوا يبرزون المقالات المتناقضة لعلهم بذلك يتوصلون إلى غرضهم في إضلال الناس مع التعمية على إلحادهم ودهريتهم.
٣ إن دعواهم أن الله لا صفة له ولا رسم ولا نعت ولا ماهية، كل هذه الدعاوى تمنع أن يكون خالقاً موجداً كما تمنع أن يكون هو هذا الكون، لأن حقيقة المقالة أنه غير موجود وإن كان موجوداً فهو عاجز لأنه لا صفة له ولا رسم ولا ماهية، فكيف يمكن أن يوجد ما له صفة ورسم وماهية ووجود؟ (ففاقد الشيء لا يعطيه.
٤ لو كانت دعوى ابن عربي وأمثاله صحيحة للزم من ذلك أن القرآن والسنة وجميع ما فيهما من العلوم والأوامر والنواهي كلمات جوفاء لا معنى لها حقيقي وظاهر، بل هي مجرد رموز لمعان بعيدة ظلت خفية على الرسول (وعلى أصحابه والمسلمين في العصور الأولى، بل استمر خفاؤها على المسلمين، ولم يعرف تلك المعاني الخفية إلا ابن عربي وأضرابه من أفراخ ملاحدة الفلاسفة.
٥- لماذا لم يصرح الله ﵎ بوحدة الوجود، ويدع إليها وينبه عليها؟ مع أن ذلك لو حدث لما وجد من يعارض ذلك ويرده لأن فيه أمران خطيران:
الأمر الأول: أن جميع البشر بل جميع الأشياء آلهة بل هم الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 2665
الأمر الثاني: أنه ليس هناك شيء محرم أو لا يجوز أو مكروه، بل كل شيء محبوب مطلوب سواء كان شركاً أو قبيحاً مثل الزنا أو الربا، أو بغياً وظلماً مثل القتل والاعتداء. فكل ذلك داخل في نطاق المباح الذي ليس فيه حرمة بوجه من الوجوه، إذ الكل الله تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
٦ أن الرسول (لم يرد عنه لا من قريب ولا بعيد شيء يدل على دعوى وحدة الوجود، فما الذي منعه ﵊ من الدعوة إلى ذلك والجهر به؟ مع كمال شجاعته وكمال نصحه وفصاحته وبلاغته ﵊، وهو الذي عرض نفسه للقتل في سبيل الله وفي بيان بطلان معبودات أولئك المشركين، بل استباح دماءهم وأموالهم بسبب شركهم، كما استباح المشركون أيضاً دمه (ودم أصحابه بسبب معارضته لمعبوداتهم ودعوته لهم إلى توحيد الله (. فبناءً على دعوى ابن عربي وأضرابه كل ذلك كان من العبث، إذ أن الأمر لا يستحق شيئاً من ذلك، لأن المشركين على دعوى ابن عربي وأضرابه إنما كانوا يعبدون الله -تعالى الله علواً كبيراً- فهل في الأقوال الفاسدة أفسد من هذه الأقوال.
٧ أن الله (قد لعن من أشرك معه في العبادة وأوجب له الخلود في النار وذلك في مثل قوله تعالى ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ المائدة (٧٢) ، كما لعن إبليس وذلك في قوله
﴿وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ ص (٧٨) ، كما لعن الله (اليهود في قوله ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بماعصوا وكانوا يعتدون﴾ المائدة (٧٨) ، فالله (في هذه الآيات وغيرها كثير لعن وأثبت غضبه وعذابه لمن عبد شيئاً معه أو غيره عاماً أو خاصاً.
فلو كان الأمر كما زعم هؤلاء الزنادقة من أنه ما ثمَّ إلا الله وأن الوجود كله مظهر ومجلى لله (لكان لازم ذلك أن يكون الله (لعن نفسه -عياذاً بالله تعالى-وحكم على نفسه بالخلود في النار سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 2666
٨ أن الله لعن من عبد غيره وكذلك كل من ادعى الألوهية من البشر، فقد لعن فرعون وجعله إماماً في الضلال متبوعاً بلعنة الله هو ومن اتبعه قال ( ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ القصص (٤٢) وذلك لقوله
﴿أنا ربكم الأعلى﴾ الذاريات (٢٤) ، فمن زعم أن المخلوق هو الخالق فقد زعم أن فرعون كان صادقاً وأن اللعنة والتقبيح له ولأتباعه بغير وجه حق أو هو ظلم غاية الظلم.
وقد التزم ابن عربي الضال المضل في مقابل ذلك إيمان فرعون ونجاته، بل زعم أنه صادق في قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (١) .
ولا شك أن هذا تكذيب صريح لكلام الله (واستدلال على الفاسد وهو قوله بوحدة الوجود بما هو مثله في الفساد وهو تكذيب
الله (وتحريف كلامه بادعاء أن فرعون مؤمن وأنه صادق في دعواه للربوبية.
٩ إن دعوى وحدة الوجود يلزم منها أن كل إنسان هو الله أو جزء من الإله، وهذا أمر لا وجود له في قرارة الإنسان، بل كل إنسان يشعر بنقصه وعجزه وحاجته وفقره، وأنه مخلوق مربوب، هذا واقع كل إنسان وهو مما يشعر به أيضاً، لهذا يسعى الإنسان إلى تكميل نفسه وتسديد حاجة نفسه من غيره، وإذا انقطعت الأسباب بالنسبة للإنسان على العموم لجأ إلى خالقه وموجده وهو يقر بوجوده وربوبيته، هذا مما لا يستطيع بشر أن ينفك عنه إلا مكابرة، وفرعون وهو من أكبر المتكبرين عن عبادة الله لما دهمه الماء وأشرف على الغرق وأدرك أن نجاته وحاجته عند واحد فقط وهو رب العالمين اضطر إلى ندائه والاستغاثة به لعله ينجو.
١٠ يقال للصوفية من أصحاب وحدة الوجود في جميع دعاويهم التي ادعوها في الله (:من أين علمتم وأخذتم معلوماتكم هذه التي تتناقض مع الشرع تناقضاً بيناً؟ فإن ما في الشرع جاء عن طريق الوحي وما ادعيتموه لابد أن تثبتوا مصدره فإن العقل لا يستطيع أن يتوصل إلى ما ذكرتموه.
стр. 2667
وشيوخ الصوفية الضلال من أصحاب وحدة الوجود ليسوا أنبياء ينزل عليهم الوحي.
فهنا قد يدعون أن فيهم خاتم الأولياء (١) .
فنقول: إن الأنبياء ﵈ قد أقاموا الأدلة والبراهين على صدقهم، فأين براهين هؤلاء الكذبة من أصحاب وحدة الوجود على دعاويهم؟ وأين معجزاتهم التي تبرهن على أنه يوحى إليهم؟ لا شك أنه لا يوجد شيء من ذلك سوى الدعاوى الكاذبة التي يفترون بها على الله بدون أن يقيموا عليها برهاناً شرعياً ولا حتى عقلياً.
١١ إن ما ادعاه ابن عربي الضال في الله (وما ادعاه من وحدة الوجود ادعاه من أخذ بمنهجه من الصوفية بعده،بدون أن يسندوه إلى الله (أو إلى الأنبياء ﵈، كما أنهم لم يسندوه إلى ابن عربي نفسه بل كل واحد منهم يزعم أنه توصل إلى هذا القول من خلال عرفانه ومقامه، فمعنى ذلك أنهم لم يأخذوا معلوماتهم من خاتم الأولياء ابن عربي في زعمهم. فهي إذا -أعني ختم الولاية- دعوى فارغة المضمون، كما أن معنى ذلك أن كل واحد منهم يوحى إليه في هذا المقام بهذه الدعاوي الخطيرة التي هي عين الكفر والزندقة ولا شك أنها إذا تناقضت مع الوحي المنزل من الرحمن لم يبق إلا وحي الشيطان كما قال الله (:
﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ الأنعام (١١٢-١١٣)
وهذه الآية نص في أولئك الضلال، وبيان صريح لمصدرهم في العلم، وكذلك سبب دعاويهم تلك ألا وهو: الغرور والإعجاب بالنفس مع عدم الإيمان باليوم الآخر.
١٢ نرى أن ما ادعاه ابن عربي وكذلك ما ادعاه سائر الصوفية من بعده من أصحاب وحدة الوجود ويزعمون أنه حصل لهم من
стр. 2668
الله (من خلال مقاماتهم التي يدعونها أو من خلال منامات رأوها أو القاء من قبل الله ((١) كل ذلك كذب بين واضح، إذ أن أقوالهم لم تخرج عن قول ملاحدة اليونان قبلهم سواء كانوا من الفلاسفة الدهريين والوجوديين أو المؤلهة منهم، وكذلك من جاء بعدهم من أصحاب الأفلاطونية الحديثة، وكذلك من أخذ بتلك الأقوال من المنتسبين للأديان من اليهود والنصارى والمسلمين من أمثال الفارابي وابن سينا وملاحدة الباطنية وغيرهم، فهي دعاوى قد سبق إليها ملاحدة اليونان ابن عربي وأضرابه من دعاة وحدة الوجود، وكان دور هؤلاء الزنادقة أنهم جمعوها ولفقوا بينها وأضافوا إليها بعض المسميات الإسلامية حتى تروج على الناس.
فيظهر من هذا كذب ابن عربي وأتباعه في دعواهم أن هذا العلم حصلوه بالكشف أو الوحي فهم كاذبون في ذلك مستحقون لوعيد الكاذب على الله في ادعاء الوحي قال ( ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ الأنعام (٩٣) .
وقد زاد ابن عربي وأضرابه على فلاسفة اليونان في الضلال والفجور؛ إذ أن أولئك توصلوا إلى أقوالهم تلك بالبحث والنظر العقلي البعيد تماماً عن الوحي.
أما هؤلاء فقد أخذوا أقوالهم تلك من الفلاسفة السابقين،وعزوها إلى أنفسهم، وزعموا أيضاً أنها وحي من الله أوحاه إليهم فزادوا بذلك الكذب على الله (والافتراء عليه، عليهم من لله عالى مايستحقون.
• • •
خاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والحمد لله الذي هدانا بغير حول منا ولا طول والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وصلي الله على معلم البشرية الخير وهاديها إلى كل فلاح ونجاح نبينا وسيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أما بعد:
стр. 2669
فبعد أن طوفنا خلال هذا البحث المختصر على قول أهل الباطل ممن أخذ بقول الفلاسفة من المنتسبين للإسلام نختم هذا البحث بأهم النتائج المستفادة منه وهي:
١ أن العقل غير قادر باستقلال للوصول إلى العلم الصحيح عن الله (.
٢ أن العقل مهما كان ناضجاً وقوياً فإنه لا يسلم من تأثير البيئات المحيطة به والتربية التي تربى عليها الشخص، فلهذا تأتي أحكامه وتصوراته متأثرة بمؤثرات خارجية تفسد عليه نقاوته وصحته وتقلب في بعض الأحيان موازينه.
٣ أن الفلاسفة الوثنيين أثروا في أناس عديدين من أهل الأديان من اليهود والنصارى والمسلمين.
٤ أن الفلاسفة المنتسبين إلى الاسلام تركوا النور والهدى الذي بين أيديهم، وراحوا يتلمسون الهدى في زبالات الأذهان والخيالات والأوهام
٥ أن أهل الفلسفة المحضة، وكذلك الباطنية المنتسبين للإسلام قد أخذوا بقول فلاسفة اليونان الوثنيين في الله (في صفاته وفي أفعاله وإيجاده لهذا العالم حذو القذة بالقذة.
٦ أن فلاسفة الصوفية كابن عربي وأتباعه قد أتوا بخليط متناقض من الأقوال غاية التناقض لأنهم لفقوا بين أفسد الأقوال وأقبحها، فقد أخذوا بقول الوجوديين من الفلاسفة وقول الفلاسفة المؤلهة وجمعوا بينها، فأفرز لهم مقالة هي من أفسد المقالات وأقبحها وأبعدها عن الإسلام والحق بل أبعدها عن العقل والفهم السليم.
٧ أن فلاسفة الصوفية غلفوا أقوالهم ببعض المسميات الإسلامية حتى تروج على بعض المسلمين ويظهروا بمظهر المنتمي للإسلام والمعتمد عليه.
стр. 2670
٨ أن الله (بفضله وكرمه قد حمى هذا الدين فحفظ له أصوله القرآن والسنة والطائفة التي تلتزم بمنهج القرآن والسنة وهم السلف ومن سار على منهجهم، ولولا هذا التكرم من ربنا الكريم لأصاب الإسلام ما أصاب الأديان الأخرى من اختلاط الحق بالباطل وتلبسه على الناس بحيث لا يستطيع الإنسان أن يتوصل إلى الحق من خلاله وذلك بفعل الفلسفات الوافدة وأصحاب الضلالة والانحراف والأهواء من المنتسبين للدين، الذين يزخرفون الباطل بالألفاظ المنمقة والدعاوى الباطلة.
فلربنا الحمد والشكر والثناء الأول والآخر وله سبحانه المنة والفضل في كل هدى وخير.
هذا آخر ما تيسر جمعه في هذه الدراسة المختصرة. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يهدي المسلمين ويبصرهم بمواقع عزهم ورفعتهم في دنياهم وأخراهم، وأن يردهم إلى الحق رداً جميلاً، وأن يستعملنا في طاعته، ويثبتنا على دينه، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه، وأن يتقبله منا، ويبارك لنا فيه،وينفع به اخواننا المسلمين، إنه جواد كريم غفور حليم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحواشي والتعليقات
انظر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية ص ٢٥٤-٢٦٢.
حران مدينة في الجزيرة على طريق الموصل والشام وقد فتحت في عهد عمر بن الخطاب (معجم البلدان (٢/٢٣٦) .
الفيثاغورية: نسبة إلى فيثاغورس اليوناني كان نحو ٥٧٠ - ٤٥٧ ق. م هرب بسبب الاضطرابات في بلاده إلى إيطاليا وأسس بها فرقة دينية سياسية فلسفية سيطرت بعض الوقت على بعض المدن هناك ثم قضي عليها وبقيت تعاليمه، وهي تدور على الدعوة إلى الطهارة بالصمت واختبار الذات والامتناع عن اللحوم باعتبار أن المخلوقات أقارب، ويرى تناسخ الأرواح ويرون أن الأشياء أعداد، والعدد عندهم ليس رقماً إنما هو شكل وهو ما يسمى الأصل الرياضي. انظر: الموسوعة الفلسفية ص ٣٥٣.
стр. 2671
الأفلاطونية المحدثة: هي فلسفة تعزى في أصلها إلى أفلوطين المصري وتابعه غيره عليها، وهي تجمع بين فلسفة أفلاطون وأرسطوا والرواقيين والفيثاغوريين، فهي فلسفة دينية تذهب إلى احتواء المعتقدات السائدة والأساطير والطقوس، وعبادات الشرق والسحر والكيمياء القديمة، وقد أثرت تأثيراً قوياً في النصرانية. انظر: الموسوعة الفلسفية
(ص ٥٦) .
جنديسابور: مدينة بخورستان، فتحها المسلمون صلحاً سنة ١٩ هـ في عهد عمر بن الخطاب (. معجم البلدان
(٢/١٧١) .
النساطرة: فرقة من النصارى تنسب إلى نسطور المتوفى سنة ٤٥١ م الذي ادعى: أن المسيح له طبيعتان إلهية وبشرية وأن مريم أم الإنسان وليس أم الإله، ومن النصارى من يعزو إليه أنه يقول: أن المسيح لم يكن إلهاً وإنما كان إنساناً، والنساطرة على القول الأول. وقد عقد مجمع أفسس سنة ٤٣١م من أجل مقالته وطرد نسطور من الكنيسة إلا أن مذهبه انتشر في فارس والعراق وهو المذهب الرسمي هناك. وقد استمر وجودهم هناك إلى العصر الحديث، إلا أن أعدادهم قليلة. انظر: معجم الحضارات السامية (ص ٨٤٦) ، قاموس المذاهب والأديان ص٢٠٩، موسوعة الأديان ٢/٦٦١.
السريان: تسمية تطلق على نصارى سورية وهم ينقسمون إلى عدة كنائس منها الكنيسة النسطورية، واليعقوبية، والمارونية، والكلدانية والملكانية. انظر: معجم الحضارات السامية (ص٤٧٤) .
فيلون اليهودي كان نحو ٢٠ ق. م-٤٠م. وكان من أسرة غنية بالاسكندرية من ضمن الجالية اليهودية التي بها، وقد درس الفلسفة وشرح التوراة بالرمز والتأويل وفق الفلسفة اليونانيةخاصة مذهب أفلاطون. الموسوعة الفلسفية (ص ٣٥٦) .
стр. 2672
اليعاقبة: هم فرقة من من فرق النصارى القائلين بالطبيعة الواحدة وهو مذهب أقباط مصر، وينتسبون إلى يعقوب البرادعي، وهو أسقف الرها من أصل سوري ولد نحو ٤٩٠م وتوفي ٥٧٨م كان له نشاط في تنظيم كنيسة الطبيعة الواحدة، فنسبوا إليه وإلا فالمذهب أقدم منه يعود إلى مجمع أفسس عام ٤٣١م. معجم الحضارات السامية (ص ٩١٧) .
انظر في هذا: كتاب الفهرست لابن النديم ص٣٣٨-٣٤٠، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام د/ محمد علي أبو ريان ٩٠-١٠٤، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ت. ج دي بور ٣٦-٣٨.
المأمون هو عبد الله بن هارون الرشيد الخليفة العباسي تولى الخلافة بعد خلع أخيه الأمين سنة ١٩٨هـ وتوفي سنة ٢١٨هـ. الإعلام للزركلي (٤/١٤٢) .
المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد الخليفة العباسي تولى الخلافة بعد أخيه المأمون بعهد منه سنة ٢١٨هـ وتوفي سنة ٢٢٧هـ. الأعلام للزركلي (٧/١٢٧) .
الواثق بالله هارون بن محمد بن هارون الرشيد الخليفة العباسي تولى الخلافة بعد أبيه المعتصم سنة ٢٢٧هـ وتوفي سنة ٢٣٢هـ. الأعلام للزركلي (٨/٦٢) .
أفلاطون، ولد نحو ٤٢٧ وتوفي نحو ٣٤٧ ق. م من مشاهير فلاسفة اليونان، وهو تلميذ سقراط ومعلم أرسطو. الموسوعة الفلسفية (ص ٥٢) ، والمنجد في الأعلام (ص ٥٤) .
أرسطو طاليس ولد نحو ٣٨٤ وتوفي نحو ٣٢٢ ق. م، وهو أشهر فلاسفة اليونان وأكثرهم تأثيراً فيمن بعدهم وهو مربي الأسكندر المقدوني وتلميذ أفلاطون. انظر: الموسوعة الفلسفية (ص ٣٥) والمنجد في الأعلام (ص ٣٤) .
أبقراط الحكيم أحد أطباء اليونان ولد في حدود ٤٦٠ ق. م. انظر: في سبيل موسوعة فلسفية ص١١.
стр. 2673
هي دعوى المعتزلة بأن القرآن مخلوق فمال إلى قولهم، وأخذ به المأمون وحمل الناس على القول به وامتحنهم في ذلك، وقد دامت هذه المحنة خلال آخر حياة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق إلى أن جاء المتوكل سنة ٢٣٢هـ ورفع المحنة عن الناس وأوقف الجدل في القرآن وكان ثبت في ذلك الامتحان الإمام أحمد بن حنبل، وأبى أن يقول إن القرآن مخلوق فحبس وجلد على ذلك فصبر حتى جاء الفرج في زمن المتوكل على الله سنة ٢٣٧ هـ فانقمع المعتزلة وارتفعت راية السنة. انظر: البداية والنهاية (٩/٢٩٦-٣٤٢) .
ابن سينا كما هو معلوم من عائلة باطنية، إلا أن قوله في التوحيد من جنس مقالة الفارابي، وليست من جنس مقالة الباطنيين، كما سيتبين.
هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف الكندي. كان له حظوة عند المأمون والمعتصم، نشأ في البصرة ثم في بغداد وتوفي نحو سنة ٢٦٠هـ. الأعلام للزركلي (٨/١٩٥) ، موسوعة الفلسفة (٢/٢٩٧) .
موسوعة الفلسفة (٢/٣٠١-٣٠٢) .
هو محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي من أهل فارس درس ببغداد واتصل بسيف الدولة الحمداني أمير حلب وأخذ الفلسفة عن رجل نصراني يسمى يوحنا بن حيلان، وكان من رفقائه في الدرس أبو بشر متى بن يونس القنائي، ومن تلاميذه يحي بن عدي، وكل هؤلاء من النصارى، وقد اعتنى الفارابي بكتب أرسطو عناية خاصة حتى قال: ((قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة وأرىأني محتاج إلى معاودته)) . توفي في دمشق سنة ٣٢٩هـ وهو في الثمانين من عمره. انظر: تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب (ص ١٣-١٧) .
تاريخ الفلسفة في الإسلام ص ٢٠٩.
стр. 2674
هو أبو علي بن الحسين بن عبد الله بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس، فارسي الأصل، نشأ في بلاد ما وراء النهر، وكان ذكياً حاز كثيراً من العلوم في وقت مبكر من عمره، وبرز في مجال الطب ووضع كتاب ((القانون في الطب)) وهو من أشهر كتبه، وكان أبوه وأخوه اسماعيليين، وقد تتلمذ على كتب أرسطو، واستفاد من الفارابي كثيراً في فهمها ومعرفتها. توفي سنة ٤٢٨هـ. انظر: فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب (ص ٥٣) .
الشفا (١/٣٥٤) ، الرسالة العرشية ص ١٦، ٢٢، موسوعة الفلسفة (١/٤٨-٤٩) .
معنى السلب: أي يقال ليس بجاهل ولا عاجز ولا ميت.
الإضافة: بالنسبة إلى ما هو سبب فيه وهي عندهم جميع صفات الأفعال مثل خالق وبارئ ومصور، فهي مضافة إليه على اعتبار أنه سبب فيها وليس أنه فاعلها.
المركب منهما مثل المريد والقادر، فإنهما مركبان من العلم الذي هو عندهم العقل والإضافة الذي هو سبب في وجوده كالخلق والرزق. انظر: هذه التعريفات في الرسالة العرشية (ص٥٤) .
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني. زين العابدين. كان مع أبيه الحسين ﵁ حين قتل، إلا أنه سلم. قال الزهري: ما رأيت أحداً كان أفقه منه، ولكنه كان قليل الحديث. توفي سنة ٩٤هـ، وقيل: بعدها. انظر تهذيب التهذيب (٧/٣٠٤) .
محمد بن علي بن الحسين، أبو جعفر. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وليس يروي عنه من يحتج به. وذكره النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وسئل عن أبي بكر وعمر، فقال: ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. توفي سنة ١١٨هـ. انظر تهذيب التهذيب (٩/٣٥٠) .
стр. 2675
جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الهاشمي، المدني. قال الساجي: كان صدوقاً مأموناً. إذا حدث عنه الثقات فحديثه مستقيم. وقيل له: إن جاراً لي يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برىء الله من جارك. والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. توفي سنة ١٤٨هـ. انظر تهذيب التهذيب (٢/١٠٣) .
إسماعيل بن جعفر بن محمد. يعرف بالأعرج، كان أكبر ولد أبيه، ومات في حياة أبيه سنة ١٣٣هـ، ودفن بالبقيع. انظر: الشجرة الزكية في الأنساب وسير آل بيت النبوة ص٤٢٨.
محمد بن إسماعيل بن جعفر الهاشمي. إمام عند القرامطة، وعند الدروز أول الأئمة المستورين، وكانت وفاته نحو ١٩٨هـ. انظر: فرق الشيعة ص٧٢-٧٤، الأعلام للزركلي (٦/٣٤) . والرافضة الاثنا عشرية تعرض عن إسماعيل وابنه محمد، ويجعلون الإمام بعد جعفر ابنه موسى الكاظم. انظر: أصول مذهب الشيعة،١/١٠٤،١٠٥.
انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص ٦٨، الملل والنحل للشهرستاني (١/١٩١) ، أديان وفرق (ص ١٤٤) ، فرق معاصرة
(١/٣١٠) .
أحمد حميد الدين الكرماني، من أصل فارسي من مدينة كرمان، تلقى علومه في المدارس الإسماعيلية، يلقب بحجة العراقيين. توفي بعد سنة ٤١٢هـ. انظر معجم الأعلام (ص ٤٩) .
راحة العقل (ص ١٣٠) .
راحة العقل (ص ١٤٧) .
إبراهيم بن الحسن الهمداني الحامدي، أحد دعاة الإسماعيلية وعلمائها في اليمن، توفي سنة ٥٥٧ هـ، الأعلام (١/٣٦) .
نقلاً عن: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي (ص ٨٥) .
لم أقف له على ترجمة.
الكافية ضمن ثلاث رسائل إسماعيلية لعارف تامر (ص ٢٥) .
منصور بن نزار. من خلفاء الدولة الفاطمية. تولى الخلافة وعمره أحد عشر عاماً في القاهرة، وتوفي وعمره ست وثلاثون سنة، وذلك عام ٤١١هـ، بعد أن دعا إلى تأليه نفسه. انظر الأعلام (٧/٣٠٥) .
انظر: موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب ص٣٤٤، عقيدة الدروز عرض ونقد ص١٢١.
هكذا في المطبوع، ولعلها " ولا مستقبل"
أضواء على مسلك التوحيد ص٧١.
стр. 2676
انظر في ذلك: الرد على المنطقيين ص٣٦٤.
انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٦، بمعناه.
انظر: نهاية الأقدام في علم الكلام ص ١٢٨، غاية المرام في علم الكلام ص ٩.
صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/٣٨٨) ، بشر ح النووي.
انظر ص ٣٧٨.
انظر ص ٣٧٩.
انظر: التعريفات ص١٣٧.
انظر المراجع في ذلك في الدراسة الأولى " قول الفلاسفة الوثنيين في التوحيد عرض ونقد في ضوء مذهب السلف ".
موسوعة الفلسفة (١/٣٠٦ - ٣٠٧) .
المرجع السابق (٢/٣٠٤) ، وانظر تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام ص٩٨.
انظر تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام ص١٤٩.
انظر: موسوعة الفلسفة ٢/١٠٤-١٠٦، تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام ١٤٩-١٥٢.
الشفا لابن سينا (١/٤٠٢-٤٠٦) ، وانظر: موسوعة الفلسفة (١/٥٠) .
انظر: في سبيل موسوعة فلسفية (ص ٤٧) .
الشفا (١/٤٠٧) .
في سبيل موسوعة فلسفية (ص ٤٨) .
الشفا (١/٤١٥) .
في سبيل موسوعة فلسفية (ص ٤٣) .
راحة العقل (ص ١٧٦) .
المصدر السابق (ص ١٨١) .
المصدر السابق (ص ١٩٧) .
راحة العقل (ص ١٥٩) .
تحفة المستجيبين لأبي يعقوب السجستاني (ص ١٣-١٤) ضمن مجموعة ((ثلاث رسائل إسماعيلية)) .
ضمن مجموعة ((ثلاث رسائل إسماعيلية)) (ص ٢٥-٢٦) .
انظر: اخوان الصفا لمصطفى غالب (ص ٤٩-٥٤) .
إخوان الصفا (ص ٦٨) .
المرجع السابق (ص ٩١) . وانظر: الحركات الباطنية في الإسلام (ص ١٧٩-١٨٠) .
أضواء على مسلك التوحيد ((الدرزية)) (ص ٨١-٨٣) .
أضواء على مسلك التوحيد (ص ٨٣-٨٤) .
سبق أن رددنا على دعوى الفلاسفة في الدراسة الأولى.
مجموع الفتاوى (١١/٦، ١٦) ، الرسالة القشيرية (ص ١٢٦) ، فرق معاصرة (٢/٥٧٨) .
الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الحزاز، أبو القاسم الصوفي، شيخ الصوفية في زمانه. توفي سنة ٢٩٧هـ. الأعلام (٢/١٤١) .
الحسين بن منصور الحلاج. قتل ببغداد في دعوى الحلول سنة ٣٠٩هـ. الأعلام (٢/٢٦٠) .
محمد بن سليمان بن محمد الحنفي، أبو سهل الصعلوكي، فقيه شافعي. توفي في نيسابور سنة ٣٦٩هـ. الأعلام
(٦/١٤٩) .
стр. 2677
الرسالة القشيرية (ص ١٢٦-١٢٨) ، التصوف المنشأ والمصادر (ص ٢٠-٣٥) .
انظر: كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم، فتح الباري (١/١٦٥) .
أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة البصري. قال ابن حجر: ثقة. توفي سنة ١٠٩هـ. التقريب ص٣٤٧.
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/٣٩٩) ، وأخرجه ابن سعد في الطبقات مختصراً (٣/٤٩٩) .
مجموع الفتاوى (١١/٦-١٩) .
السري السقطي: هو خال الجنيد، متقدم من زهاد الصوفية. توفي سنة ٢٥٣هـ.
انظر: تاريخ بغداد ٩/١٩٢، الرسالة القشيرية ص١٠..
سهل بن عبد الله التستري. متوفى سنة ٢٨٣هـ. انظر: الرسالة القشيرية ص١٥.
انظر في المراحل كتاب الصوفية نشأتها وتطورها (ص ٢٠) .
انظر: الموسوعة الصوفية، عبد المنعم الحفني ص١٢٨.
اللمع لأبي سراج الطوسي ص٣٨٢ نقلاً عن تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي ص٤٨٥.
محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الملقب بالشيخ الأكبر، فيلسوف توفي سنة ٦٣٨هـ. الأعلام (٩/٢٨١) .
عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري ابن الفارض، أشعر المتصوفين، توفي سنة ٦٣٢هـ. الأعلام (٥/٥٥) .
انظر: مصرع التصوف (ص ٦٤) ، وهذه هي الصوفية (ص ٢٩) .
هذه هي الصوفية (ص ١٧٤-١٧٥) .
هذا كلامه على حديث ((حبب إلي من دنياكم النساء والطيب)) .
فصوص الحكم (ص ٢١٧) .
فصوص الحكم (١/٩٠) .
المصدر السابق (١/١٣٠) .
المصدر السابق (١/٢٠٠) .
عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس مغرب (ص ٢٨) .
عنقا مغرب (ص ٢٩) ، ويلاحظ أنه في هذا الكتاب قد ألغز ألغازاً شديداً وحجب المقصود تحت عبارات تلاعب فيها ساتراً لعقيدته مرة وملوحاً بها أخرى.
عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين الأشبيلي،من الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود متوفى سنة ٦٦٩هـ. الأعلام (٣/٢٨٠) .
نقلاً عن بغية المرتاد لشيخ الإسلام (ص ٤١٩) .
عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي مكثر من التصنيف، متصوف توفي سنة ١١٤٣هـ. الأعلام (٤/٣٢) .
стр. 2678
محمد بن فضل الله البرهابنوري الهندي، صوفي من القائلين بوحدة الوجود، توفي سنة ١٠٢٩هـ في الهند. الأعلام
(٦/٣٣١) .
القول المتين في بيان توحيد العارفين (ص ٤) .
سبق ذكر أقوالهم والرد عليها في الدراسة الأولى.
هكذا فهمتها من كلامه مع شدة انغلاق عبارته وإلغازه.
كلام غير ظاهر المعنى وإنما أراد منه إثبات أن الحقيقة المحمدية قطعة منه سبحانه ومنها أوجد العالم أو ظهر في العالم.
عنقا مغرب (ص ٣٣-٤٥) .
عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي صوفي من دعاة وحدة الوجود توفي سنة ٨٣٢هـ. الأعلام (٤/٥٠) .
القول المتين في بيان توحيد العارفين (ص ١١-١٧) .
يقصد أسماء الله تعالى.
يقصد أن يظهر لأسماء الله وصفاته ذات.
هكذا في المطبوعة ويبدو أنها (فعندما) .
عنقا مغرب (ص ٣٥) .
المصدر السابق.
فصوص الحكم (١/١٠٣) .
المصدر السابق (ص ٢٠٤) .
محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف القونوي الرومي صدر الدين صوفي ربيب ابن عربي توفي سنة ٦٧٣هـ. الأعلام (٦/٣٠) .
نقل هذا عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بغية المرتاد (ص ٤١٠) .
سليمان بن علي بن عبد الله الكرمي التلمساني يتبع طريقة ابن عربي، توفي سنة ٦٩٠هـ. الأعلام (٣/١٣٠) .
نقلاً عن بغية المرتاد ص ٤١٩-٤٢١.
مصرع التصوف ص ٦٤، هذه هي الصوفية ص ٢٩-٣٠. وقد سبق أن ذكرنا الأبيات من قبل عند ذكر مراحل التصوف.
عامر بن عامر أبو الفضل عزالدين. صوفي متشيع، كان يعيش في القرن الثامن الهجري. انظر: الموسوعة الصوفية ص٢٨١.
هذه هي الصوفية (٥٧) .
القول المتين في بيان توحيد العارفين (ص ٥،٩) .
أكسينوفان القولوفوني. فيلسوف يوناني، كان نحو ٥٧٠-٤٨٠ق. م. انظر: موسوعة الفلسفة والفلاسفة (١/١٧٦) .
برمنيدس الإلياني. فبلسوف يوناني، له قصيدة في الطبيعة ادعى فيها التوحيد المطلق، وعدم التغير، وأزلية كل شيء. كان نحو ٥٤٠-٤٥٠ق. م. المنجد ص١٢٧.
стр. 2679
الرواقيون: نسبة إلى الرواق الذي اتخذه زينون مقراً له يجتمع فيه مع أصحابه في أثينا، فسموا رواقيين. والرواقية فلسفة خلقية، ومن قولهم القول بوحدة الوجود. انظر: الموسوعة الفلسفية ص٢١٤.
أفلاطون. ولد نحو ٤٢٧، وتوفي نحو ٣٤٧ق. م. من مشاهير فلاسفة اليونان،وهو تلميذ سقراط، ومعلم أرسطو. الموسوعة الفلسفية ص٥٢، والمنجد في الأعلام ص٥٤.
أرسطوطاليس. ولد نحو ٣٨٤، وتوفي نحو ٣٢٢ق. م. وهو أشهر فلاسفة اليونان، وأكثرهم تأثيراً فيمن بعدهم، وهو مربي الإسكندر المقدوني، وتلميذ أفلاطون.
انظر: الموسوعة الفلسفية ص٣٥، والمنجد في الأعلام ص٣٤.
أفلوطين.ولد نحو ٢٠٥م، وتوفي ٢٧٠م، وهو فيلسوف مصري، متأثر بأفلاطون، وتعزى إليه مع آخرين الأفلاطونية الحديثة، وكان يسعى في فلسفته للتوفيق بين المعتقدات الدينية النصرانيةوالفلسفة اليونانية، وكان له تأثير كبير على النصرانية.الموسوعة الفلسفية ص٥٧، والمنجد في الأعلام ص٥٦.
انظر الدراسة الأولى " قول فلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية " ص٣٨٤.
انظر ما سبق ص ٣٨٧.
انظر فصوص الحكم (ص ٢٠١، ٢١٠، ٢١٢) .
ختم الولاية دعوى ادعاها الحكيم الترمذي،وادعاها لنفسه ابن عربي وغيره من الكذبة وهي أنه كما للأنبياء خاتم فللأولياء خاتم يأخذ علمه من المشكاة التي يأخذ منها خاتم الأنبياء، وهم يفضلون ختم الولاية على ختم النبوة. انظر: فصوص الحكم (٢/٣٠) ، هذه هي الصوفية (ص ١٢٧) .
كما يدعي ابن عربي في كتابه الفصوص (ص ٤٧) حيث يزعم أن الرسول هو الذي أعطاه كتاب الفصوص في المنام، وأمره أن يخرجه للناس، ثم زعم (ص ٥٦) أن الله أطلعه في سره على ما أودع في آدم ﵇ وجعل ذلك في كتابه الفصوص حسب ما حُدَّ له.
المصادر والمراجع
أديان وفرق. أمين القضاة. ط١. عمان: دار عمار /١٤١١هـ.
стр. 2680
اصطلاحات الصوفية. عبد الرزاق أحمد القاشاني. تحقيق: محمد كمال إبراهيم. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب /١٩٦١م.
أصول مذهب الشيعة. ناصر عبد الله القفاري. ط٢ /١٤١٥هـ.
أضواء على مسلك التوحيد. سامي نسيب مكارم. بيروت: دار صادر /١٩٦٦م.
الأعلام. خير الدين الزركلي.ط٨. بيروت: دار العلم /١٩٨٩م.
البداية والنهاية. الجافظ ابن كثير. تحقيق: أحمد عبد الوهاب قدح. دار زمزم/١٤١٤هـ بغية المرتاد. ابن تيمية. تحقيق: موسى الدويش. ط١. مكتبة العلوم والحكم / ١٤٠٨هـ
تاريخ بغداد. أبو بكر أحمد البغدادي. بيروت: دار الكتب.
تاريخ الفكر الفلسفي. محمد أبو ريان. ط٢. بيروت: دار النهضة العربية /١٩٧٦م.
تاريخ الفكر الفلسفي في الاسلام.د. مصطفى شاهين. الفجالة. دار الثقافة والنشر.
تاريخ الفلسفة في الإسلام. ت. ج.دي بور عربه: محمد أبو ريدة.ط٥.دار النهضة.
تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب. محمد لطفي جمعة. المكتبة العلمية.
التصوف المنشأ والمصدر. إحسان إلهي ظهير.ط١. إدارة ترجمان السنة /١٤٠٦هـ.
تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي. محمد أحمد لوح. ط١. الرياض: دار الهجرة.
التعرف لمذهب أهل التصوف. أبو بكر محمد الكلاباذي. تقديم: محمود أمين النواوي. ط٢. الكليات الأزهرية /١٤٠٠هـ.
التعريفات. علي بن محمد الجرجاني. ط١. بيروت: دار الكتب /١٤٠٣هـ.
ثلاث رسائل إسماعيلية. تحقيق: عارف تامر. ط١. دار الآفاق الجديدة /١٤٠٣هـ.
الحركات الباطنية في العالم الإسلامي. محمد أحمد الخطيب.ط١. عمان: مكتبة الأقصى.
دراسات في الأديان. سعود بن عبد العزيز الخلف.ط١. المدينة: مكتبة العلوم والحكم.
راحة العقل. أحمد حميد الدين الكرماني. مصطفى غالب. ط٢. بيروت: دار الأندلس.
الرد على المنطقيين. ابن تيمية. ط٤. مكة: المكتبة الإمدادية /١٤٠٢هـ.
стр. 2681
الرسالة العرشية (ضمن مجموعة رسائل ابن سينا) . ط: حيدر أباد /١٣٥٤هـ.
الرسالة القشيرية. عبد الكريم القشيري. بيروت: دار الكتاب العربي.
الشجرة الزكية في الأنساب وسيرة آل بيت النبوة. يوسف جمل الليل. الرياض: دار الحازمي للطباعة والنشر.
الشفا. ابن سينا. تحقيق: إبراهيم مدكور. وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصر.
الصوفية نشأتها وتطورها. محمد العبده، طارق عبد الحليم.ط١. دار الأرقم: ١٤٠٦هـ
عقيدة الدروز عرض ونقد. محمد أحمد الخطيب. ط٣. الرياض: دار عالم الكتب.
عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس مغرب. ابن عربي. الناشر: محمد علي صبيح.
فرق الشيعة. النوبختي. تحقيق: عبد المنعم الحفني. ط١. دار الرشاد /١٤١٢هـ.
فرق معاصرة. غالب عواجي. ط١. مكتبة لينة /١٤١٤هـ.
فصوص الحكم. محي الدين بن عربي. ط٢. دار الكتاب العربي /١٤٠٠هـ.
القول المتين في بيان توحيد العارفين. عبد الغني النابلسي. الناشر: محمد علي صبيح.
مصرع التصوف. برهان الدين البقاعي. ت: عبد الرحمن الوكيل. مكتبة الباز /١٤٠٠هـ.
معجم البلدان. شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت الحموي.بيروت: دار صادر / ١٤٠٤هـ
معجم الحضارات السامية. هنري.س. عبودي. ط٢. لبنان: جروس برس /
١٤١١هـ.
الملل والنحل. الشهرستاني.تحقيق: محمد سيد كيلاني. بيروت: دار المعرفة.
الموسوعة الصوفية. عبد المنعم الحفني. ط١. دار الرشاد /١٤١٢هـ.
موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب. عبد المنعم الحفني. ط٢. القاهرة: مكتبة مدبولي /١٩٩٩م.
هذه هي الصوفية. عبد الرحمن الوكيل. ط٣. بيروت: دار الكتب /١٣٩٩هـ.
стр. 2682
حكم
نقض الوضوء بأكل لحم الإبل
د / علي بن محمد الأخضر العربي
الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية - كلية التربية
فرع جامعة الملك عبد العزيز - بالمدينة
ملخص البحث
يبين البحث أن الفقهاء اختلفوا في كون أكل لحم الإبل ناقضاً للوضوء على قولين:
... الأول: يرى أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، وهو قول الظاهرية، والمعتمد عند الحنابلة، وإليه ذهب الإمام الشافعي في القديم، واختاره بعض فقهاء المالكية كابن العربي وبعض فقهاء الشافعية كابن خزيمة وأبي ثور وابن المنذر والبيهقي والنووي.
... الثاني: يرى أن أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والشافعية - في الصحيح عندهم -، والزيدية.
وبعد استعراض أدلة كل فريق بالتفصيل وماورد عليها من مناقشات وردود تبين للباحث رجحان أدلة القائلين بأن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء، وعليه فإن القول الراجح في المسألة هو القول بالنقض.
• • •
مقدمة البحث:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، قائد الغر المحجلين، وبعد فهذا بحث عن حكم (نقض الوضوء بأكل لحم الإبل) ، جمعت فيه آراء الفقهاء في هذه المسألة، وكذلك أدلتهم ومناقشاتهم وردودهم بغية الوصول إلى القول الراجح.
وتنبع أهمية الموضوع من أن الوضوء الطهور، (والطهور شطر الإيمان) كما قال المصطفى ﵊ (١) .
وقد قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة:
التمهيد: في معنى الوضوء والنقض والإبل.
المبحث الأول: في رأي القائلين بالنقض وأدلتهم، وفيه مطلبان:
... ... المطلب الأول: في رأي القائلين بالنقض.
... ... المطلب الثاني: في أدلة القائلين بالنقض.
المبحث الثاني: في رأي القائلين بعدم النقض وأدلتهم، وفيه مطلبان:
... ... المطلب الأول: في رأي القائلين بعدم النقض.
... ... المطلب الثاني: في أدلة القائلين بعدم النقض.
стр. 2683
الخاتمة: في بيان القول الراجح وأسباب ترجيحه.
وآخراً أرجو من الله العلي القدير أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعفو عن زلاتنا، ويجبر تقصيرنا، إنه على كل شيء قدير، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تمهيد: في معنى الوضوء والنقض والإبل
- في معنى الوضوء:
الوضوء في اللغة (١) مشتق من الوضاءة وهي النظافة والحسن، وهو بضم الواو اسم للفعل، وبالفتح اسم للماء الذي يتوضأ به، وفي قول عند أهل اللغة فتح الواو فيها، وفي آخر ضم الواو فيهما، والأول هو المشهور، والأخير هو أضعفها وأما في الاصطلاح الشرعي فسنكتفي بذكر تعريف واحد في كل مذهب:
الحنفية:
الوضوء (هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس) (٢) .
المالكية:
الوضوء (غسل أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص) (٣) .
الشافعية:
الوضوء (أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية) (٤) .
الحنابلة:
الوضوء (استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة وهي الوجه واليدين والرأس والرجلان، على صفة مخصوصة) (٥) .
- في معنى النقض:
النقض في اللغة (٦) إفساد الشيء بعد إحكامه، تقول: نقضت البناء إذا هدمته ونقضت الحبل إذا حللت برمه، ومن المجاز استعماله في المعاني كنقض العهد والوضوء.
وأما في الاصطلاح الشرعي فالفقهاء متفقون على معنى نقض الوضوء وإن اختلفت عباراتهم، وهذا بعض منها:
الحنفية: قال الإمام الخوارزمي في الكفاية (٧) - تحت عنوان [فصل في نواقض الوضوء]-:
( ... والنقض متى أضيف إلى الأجسام يراد به إبطال تأليفها، ومتى أضيف إلى غيرها يراد به إخراجه عما هو المطلوب منه ... والمطلوب هنا من الوضوء استباحة الصلاة) .
المالكية: قال الإمام البناني في حاشيته على الزرقاني (٨) :
(نقض الوضوء: رفع استمرار حكمه) .
الشافعية: قال الإمام الأنصاري في أسنى المطالب (٩) :
(نواقض الوضوء يعني ما ينتهي به الوضوء) .
стр. 2684
الحنابلة: قال الإمام ابن مفلح في المبدع (١) :
(النواقض جمع ناقضة ... يقال: نقضت الشيء إذا أفسدته، فنواقض الوضوء مفسداته) .
قلت: ويعبر بعض الفقهاء (٢) عن النواقض بالموجبات أو المفسدات أو المبطلات أو الأحداث، واختلفوا في أي هذه الألفاظ أولى من الآخر (٣) .
في معنى الإبل:
الإبل: بكسر الباء الجمال والنوق، لا واحد لها من لفظها؛ وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لازم لها؛ وربما قالوا للإبل إبْل يسكنون الباء للتخفيف، والجمع آبال (٤) .
القائلون بالنقض:
ذهب الظاهرية (٥) ، والحنابلة في المعتمد (٦) عندهم، والشافعي في القديم (٧) ، إلى أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء، وهو قول محمد بن إسحاق (٨) ، وأبي خيثمة زهير بن حرب (٩) ويحي بن يحي النيسابوري (١٠) ، وإسحاق بن راهويه (١١) ، واختاره من الشافعية ابن خزيمة (١٢) ، وأبو ثور (١٣) ، وابن المنذر (١٤) ، والبيهقي (١٥) ، والنووي (١٦) ، ومن المالكية ابن العربي (١٧) .
قال الإمام الخطابي في معالم السنن (١٨) (.. ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الإبل) .
أدلة القائلين بالنقض:
الدليل الأول:
ما أخرجه الإمام مسلم (١٩) – وغيره (٢٠) – في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحم
الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ، قال: أتوضأ من لحم
الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحم الإبل، قال أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) .
الدليل الثاني:
ما أخرجه الإمام أبو داود (٢١) – وغيره (٢٢) – في سننه بسنده عن البراء بن عازب قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحم
стр. 2685
الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحم الغنم فقال: لا تتوضؤوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها، فإنها بركة) .
درجة الحديثين: هذان الحديثان صحيحان كما نص على ذلك أهل العلم بالحديث وإليك بعض أقوالهم.
١ – قال الإمام أحمد بن حنبل: (فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة) (١) .
٢ – قال الإمام إسحاق بن راهويه: (صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة) (٢) .
٣ – قال الإمام أبو بكر محمد خزيمة في صحيحه (٣) عقب حديث جابر بن سمرة:
(لم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل) ، وقال عقب حديث البراء: (... ولم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه) (٤) .
٤ – قال الإمام أبو بكر ابن المنذر في كتابه الأوسط (٥) : (والوضوء من لحوم الإبل يجب، لثبوت هذين الحديثين وجودة إسنادهما) .
٥ – قال الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار (٦) : (.. وقد صح فيه حديثان عند أهل العلم بالحديث: أحدهما جابر ن سمرة .... والحديث الآخر حديث البراء بن عازب) .
قلت: وقد صحح أحاديث النقض غير هؤلاء الأئمة ابن حبان (٧) ، والنووي (٨) ، وابن العربي المالكي (٩) ، وابن تيمية (١٠) ، وابن القيم (١١) ، والألباني (١٢) ، وغيرهم.
وجه الدلالة (١٣) :
إن النبي ﷺ أمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف – كما هو مقرر عند عامة الأصوليين (١٤) - وإنما يجب الوضوء عند الانتقاض.
ونوقش هذا الدليل بالمناقشات التالية:
المناقشة الأولى:
стр. 2686
إن الدليل منسوخ بما أخرجه أبو داود في سننه (١) بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلي الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار) .
قال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢) :
(... وقد روينا في الباب الأول في حديث جابر أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار، فإذا كان ما تقدم منه هو الوضوء مما مست النار، وفي ذلك لحوم الإبل وغيرها، كان في تركه ذلك ترك الوضوء من لحوم الإبل) .
وقال الإمام النووي في المجموع (٣) :
(وأجاب الأصحاب عن حديث جابر بن سمرة والبراء بجوابين أحدهما أن النسخ بحديث جابر كان آخر الأمرين ...) .
وقال ابن قاسم في حاشيته على تحفة المحتاج (٤) :
(... الجواب الشافي وهو جواب الأصحاب بنسخهما بحديث جابر وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار) .
وقال في المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (٥) :
(... وأقوى أجوبة القائلين بعدم النقض الجواب بالنسخ ...) .
وردت هذه المناقشة بالآتي:
الرد الأول: إن النسخ في أصل المسألة (نسخ الوضوء مما غيرت النار) غير مسلم به، يقول العلامة ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين (٦) :
стр. 2687
(... أُمِرْنا بالوضوء مما مست النار إما إيجاباً منسوخاً وإما استحباباً غير منسوخ، وهذا الثاني أظهر لوجوه منها: أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين، ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة، ومنها أن المعنى الذي أمرنا الوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء، وهذا المعني موجود فيها، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب، ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه ﷺ أكل مما مست النار ولم يتوضأ، وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء لا على عدم استحبابه، فلا تنافي بين أمره وفعله، وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي، وتحقق التاريخ، وكلاهما منتف) .
الرد الثاني: إن النسخ لا يتحقق عند العلماء إلا بشروط من أهمها تحقق تأخر الناسخ عن المنسوخ، وتعارض الناسخ مع المنسوخ، وهذان الشرطان غير متحققين في مسألتنا.
أما الشرط الأول وهو تأخر الناسخ عن المنسوخ فهو غير متحقق للآتي:
١ - لم يأت دعاة النسخ بدليل على تأخر حديث جابر بن عبد الله
(كان آخر الأمرين ...) عن حديث جابر بن سمرة وغيره (توضؤوا من لحم الإبل ...) ... فهل يثبت تأخر الناسخ عن المنسوخ بمجرد الدعوى؟ .
٢ - إن الدليل المدعى نسخه نفسه يدل على عدم صحة الدعوى، يوضح ذلك الإمام ابن قدامة في المغني (١) بقوله:
стр. 2688
(الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار، فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي، وإما أن يكون بشيء قبله، فإن كان به والأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار، فكيف يجوز أن يكون منسوخاً به؟ ومن شروط النسخ تأخر الناسخ، وإن كان الناسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله) .
وأجيب باحتمال أن يكون حديث جابر بن سمرة ﵄ جاء أولاً فأمروا بالوضوء من لحوم الإبل ثم أمروا بعد ذلك بالوضوء مما مسته عموماً ثم نسخ ذلك بحديث جابر بن عبد الله ﵁ وما شابهه (١) .
ورد بأن النسخ لا يبنى على الاحتمالات بل من شروطه كما ذكرنا العلم بتأخر الناسخ عن المنسوخ.
وأما الشرط الثاني وهو التعارض بين الناسخ والمنسوخ فغير متحقق للآتي:
أولاً: إن الدليل المدعى فيه النسخ (توضؤوا من لحوم الإبل ...) يقرر نفس ما يقرره الدليل الناسخ – عندكم – وهو أن الوضوء مما مست النار غير واجب، وذلك لأن في حديث الوضوء من لحم الإبل (وسئل عن لحوم الغنم فقال: لا تتوضؤوا منها) وفي الرواية الأخرى (أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ) .
أما إيجاب الوضوء من لحم الإبل فهذا أمر آخر لا يتعلق بأكل ما مست النار بل هو متعلق بذات لحم الإبل وعينه، فالحديث علق الوجوب بذات لحم الإبل (أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل) أي أن الحديث جعل أكل لحم الإبل ذاته سبباً في إيجاب الوضوء، ولذلك فإنه ينقض الوضوء مطبوخاً (مسته النار) ونيئاً (لم تمسه النار) . (٢)
ورد بأن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل محمول على أكله مطبوخاً – ما غيرته النار – لأنه الغالب المعهود (٣) ، والوضوء مما غيرته النار منسوخ كما ذكرنا.
стр. 2689
وأما قولكم إن لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء غيرته النار أم لم تغيره فلا يسلم به لأنه يلزم منه أن يجعل الدليل شاملاً للأكل والمس أيضاً، فلحم الإبل كما أنه غير مقيد بكونه مطبوخاً فانه غير مقيد بالأكل، فإذا جعلتموه شاملاً للمطبوخ والنيء لزم أن تجعلوه شاملاً للأكل والمس، ولم يقل أحد بنقض الوضوء من مس لحم الإبل (١) .
وأجيب بالآتي:
١ - إن الدليل جاء بصيغة العموم (فتوضأ من لحوم الإبل) إذ هو جمع أضيف إلى معرفة (٢) ، وهذا يقتضي أن يعم كل لحم للإبل سواء كان مطبوخاً أو غير مطبوخ.
٢- إذا سلمنا أن الغالب المعهود في أكل لحم الإبل أن يكون مطبوخاً فان سياق الدليل اشتمل على قرينة تخرجه عن الغالب المعهود، ألا وهي أن لحم الغنم مثل لحم الإبل، أي أن الغالب المعهود في أكله أن يكون مطبوخاً، وقد رأينا النبي ﷺ يأمر بالوضوء من لحم الإبل ولم يأمر به من لحم الغنم فكان هذا قرينة على أن سبب الأمر بالوضوء من لحم الإبل هو ذات اللحم وعينه لا كونه مطبوخاً مسته النار وإلا لكان هو ولحم الغنم سواء في الحكم لاشتراكهما في مسيس النار.
٣ - الإلزام بجعل الدليل شاملاً للمس كما هو شامل للأكل بحجة أنه غير مقيد بالأكل قياساً على جعله شاملاً للنيء والمطبوخ بحجة أنه غير مقيد بالطبخ غير مسلم به لأمرين.
أ – ما تقرر في الأصول (٣) من أن الأعيان لا توصف بالحل والحرمة والوجوب.. وإنما يوصف الفعل المتعلق بها، فإذا وصفت بذلك أضيف الوصف إلى الفعل المتعلق بها عادة وعرفاً، كما قي قوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم ((٤) أي حرم عليكم نكاحهن، وقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة ((٥) أي حرم عليكم أكلها، وهكذا.
стр. 2690
والفعل المتعلق بإيجاب الوضوء من اللحم عادة وعرفاً هو الأكل لا اللمس أو غيره، وهذا ما فهمه عامة علماء المسلمين من الدليل فاختلفوا بين قائل بالنقض من أكل لحم الإبل وقائل بعدم النقض من الأكل لا غيره من اللمس والنظر ونحوه، وهذا ما فهمه عامة الصحابة والمسلمين من حديث (توضؤوا مما مست النار) (١) فاختلفوا بين قائل بالنقض من أكل ما مسته النار وبين قائل بعدم النقض من أكل ما مسته النار (٢) .
ب- إننا لم نجعل لحم الإبل شاملاً للنيء والمطبوخ لمجرد أنه غير مقيد بالطبخ كما تقررون بل لما سبق ذكره من العموم والقرينة.
ثانيا: إن الدليل الناسخ – حسب دعواكم – من باب الفعل النبوي (٣) ، وقد اختلف الأصوليون في حكاية الصحابي لفعل النبي ﷺ بلفظ ظاهره العموم هل تفيد العموم أو لا تفيده؟ على قولين رئيسين:
الأول: تفيد العموم (٤) .
الثاني: لا تفيد العموم (٥) .
قلت: وعلى أي من هذين القولين فإن التعارض الذي يحوج إلى القول بالنسخ منتف، وإليك تفصيل ذلك.
القول الأول (إفادة العموم)
قال الشيخ محمود السبكي عند شرحه لحديث جابر ﵁ (كان آخر الأمرين..) في كتابه المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (٦) .
(.. ولما كان لحم الإبل فرداً مما مسته النار وقد نسخ وجوب الوضوء منه بجميع أفراده فاستلزم نسخ وجوبه من لحم الإبل، فما قاله النووي (٧) من أن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام مندفع بأنا لا نسلم أن نسخه لكونه خاصاً، بل لأنه فرد من أفراد العام الذي نسخ، وإذا نسخ العام الذي هو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ كل فرد من أفراده ومنه لحم الإبل ...) .
وأجيب بأنه لا تعارض من وجهين:
١- إن الأمر بالوضوء من لحم الإبل لذاته وليس لأنه من مما مسته النار ولذا ينقض مطبوخاً ونيئاً كما بينا سابقاً.
يقول الإمام ابن قدامه في المغني (٨) :
стр. 2691
(إن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض وإن كان نيئاً، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى، كما لو حرمت المرأة للرضاع ولكونها ربيبة، فنسخ التحريم بالرضاع لم يكن نسخاً لتحريم الربيبة) .
٢- لو سلمنا جدلاً بأن الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل لكونه مما مسته النار، وسلمنا بالعموم في حديث جابر بن عبد الله رصي الله عنه فإنه لا تعارض يحوج إلى النسخ بل الجمع ممكن لأن دليلكم عام ودليل النقض بلحم الإبل خاص، والخاص يقدم على العام سواء كان قبله أو بعده (١) على رأي جمهور الأصوليين (٢) .
قلت: أما ما قاله صاحب المنهل العذب المورود في تعقيبه السابق على الإمام النووي من أن نسخ الوضوء بأكل لحم الإبل ليس لكونه خاصاً بل لكونه فرداً من أفراد العام الذي نسخ فكلام غريب حقاً لأن التخصيص كما يقرر الأصوليون (٣) هو إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص، أو بيان أن بعض مدلول اللفظ غير مراد بالحكم.
وهذا يقتضي إخراج لحم الإبل من أفراد العام (ما مسته النار) الذي حكم فيه بعدم النقض.
القول الثاني (عدم إفادة العموم)
قال العلامة ابن القاسم في حاشيته (٤) على تحفة المحتاج - معلقاً على قول صاحب التحفة (٥) عندما اعترض على أصحابه الشافعية القائلين بعدم النقض فقال: (ونوزعوا بأن فيه حديثين صحيحين ليس عنهما جواب شاف) -:
стр. 2692
(أقول هذا ممنوع بل عنهما الجواب الشافي وهو جواب الأصحاب بنسخهما بحديث جابر وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار، وأما اعتراض النووي عليه بأن هذا الجواب ضعيف أمر باطل لأن حديث ترك الوضوء مما مسته النار عام وحديث الوضوء من لحم الجزور خاص والخاص مقدم على العام تقدم أو تأخر اه، فهو اعتراض باطل فإن هذين الحديثين ليسا من العام والخاص اللذين يقدم منهما الخاص مطلقاً، إذ عبارة جابر لم يحكها النبي ﷺ حتى يكونا من ذلك، وإنما هي من عند نفسه بين بها ما عرفه من حال النبي ﷺ وما استقر عليه أمره وذلك صريح في النسخ واطلاعه على تركه ﵊ الوضوء مما غيرت النار مطلقاً، وهذا في غاية الوضوح
للمتأمل، فجواب الأصحاب في غاية الاستقامة والظهور) .
وأجيب بالآتي:
١- لو سلمنا جدلاً أن حديث جابر بن عبد الله صريح في النسخ فإنما هو نسخ للوضوء من أكل ما مسته النار، وقد ذكرنا سابقاً أن الوضوء من أكل لحم الإبل لذاته لا لكونه مما مسته النار، وهذا ظاهر لأن حديث الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل تضمن عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الغنم و ےهو مما مسته النار.
٢- إنه ليس في حديث جابر بن عبد الله ما يدل على نسخ الوضوء مما مسته النار صراحة كما تدعون، بل هو قضية عين وحكاية لفعل النبي ﷺ أنه ترك في آخر الأمر الوضوء مما مسته النار، وكل ما تدل عليه أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء (١) .
يوضح ما قلناه ما ذكره ابن أبي حاتم في كتابه علل الحديث (٢) حيث قال:
стр. 2693
(سألت أبي عن حديث رواه على بن عياش عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: كان آخر الأمر من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبي ﷺ أكل كتفاً ولم يتوضأ، وكذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه) .
وقد فصل ابن حبان في صحيحه القول في هذا فقال (١) بعد ذكر حديث شعيب بن أبي حمزة السابق:
(هذا خبر مختصر من حديث طويل اختصره شعيب ابن أبي حمزة متوهماً لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقاً، وإنما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مست النار خلا لحم الجزور فقط) .
ثم عنون ابن حبان بعد ذلك بقوله (٢) :
(ذكر الخبر المقتضي للفظة المختصرة التي ذكرناها:
] ١١٣٢ [أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا أبو علقمة (٣) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة المديني، قال: حدثني محمد بن المنكدر عن جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ أكل طعاماً مما مست النار ثم صلى قبل أن يتوضا، ثم رأيت بعد رسول الله ﷺ أكل طعاماً مما مسته النار ثم صلى قبل أن يتوضأ)
ثم عنون ابن حبان بعد ذلك في صحيحه (٤) فقال:
(ذكر البيان بأن هذا الطعام الذي لم يتوضأ ﷺ من أكله كان لحم شاة لا لحم إبل.
] ١١٣٤ [أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال حدثنا الحسن بن خزعة، قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: حدثنا أيوب (٥) عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: دعت امرأة من الأنصار رسول الله ﷺ على شاة فأكل النبي ﷺ وأصحابه، فحضرت الصلاة فتوضأ رسول الله ﷺ ثم عاد إلى بقيتها فأكلوا، فحضرت العصر فلم يتوضأ رسول الله ﷺ ...
стр. 2694
الرد الثالث: إن القرائن التي تحف بالدليل المدعى نسخه تؤكد عدم النسخ ومن ذلك:
١- إن الدليل أمر بالوضوء من أكل لحم الإبل ولم يأمر به في لحم الغنم مع أنه لا فرق بينهما، فلو كان هناك نسخ بسبب مس النار لساوى بينهما. (١)
٢- إن الدليل يدل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء حيث خير النبي ﷺ السائل في الوضوء من لحم الغنم بين الفعل والترك، وهذا هو نفس ما يدل عليه الدليل الناسخ عندكم، فكيف يكون دليلنا منسوخاً؟ .
٣- إن الدليل إذا كان منسوخاً لأنه من باب ما مسته النار – كما تقررون – فإن هذا يقتضي أن ينسخ شطر الحديث – عدم الأمر بالوضوء من لحم الغنم – شطره الآخر - الأمر بالوضوء من لحم الإبل – وهذا غير ممكن.
٤- إن الدليل أمر بالوضوء من لحم الإبل مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد مع ترخصه في ترك الوضوء من لحم الغنم وإذنه في الصلاة في مرابضها، أي أن الإبل اختصت بوصف قابلت به الغنم واستوجبت لأجله فعل التوضؤ وترك الصلاة، وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة فكذلك ينبغي أن يكون في الوضوء (٢) .
المناقشة الثانية:
إن المراد بالوضوء في الدليل غسل اليدين والفم (الوضوء اللغوي) (٣) لما يأتي:
أولا: الجمع بين الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما غيرت النار (٤) وبين دليلكم الذي يأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل، قال العلامة القرافي في الذخيرة (٥) :
(أكل ما مسته النار أو شربه لا يوجب وضوءاً خلافاً لأحمد في لحوم الإبل ... لما في الموطأ (٦) أنه ﵇ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، وأما الأحاديث الواردة في الوضوء فمحمولة على الوضوء اللغوي جمعاً بين الأحاديث) .
وأجيب بما سبق من أنه لا تعارض بين دليلنا الذي يوجب الوضوء من أكل لحم الإبل وبين الأدلة الدالة على ترك الوضوء مما مستهالنار – كما بينا (٧) سابقاً – فلا حاجة للجمع أصلاً.
стр. 2695
ثانياً: إن إطلاق الوضوء على غسل اليدين استعمال شائع في عرف الشرع، قال في رأب الصدع (١) : (... حديث جابر بن سمرة والبراء متأولان على معنى النظافة ونفي الزهومة ... وذلك استعمال شايع في عرف الشرع.
أقول: ولا يلتفت إلى القول بأن الوضوء في عرف الشرع إنما يطلق على غسل جميع أعضاء الوضوء، إذ يطلق في عرف الشرع على غسل اليدين، قال في النهاية (٢) : الوضوء قد يراد به غسل بعض الأعضاء) .
ومن الأدلة على هذا الاستعمال (٣) ما يلي:
ما أخرجه الترمذي في جامعه (٤) بسنده عن عِكْراش بن ذؤيب وفيه (.. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يديه ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار) .
ما أخرجه البيهقي في سننه (٥) بسنده عن معاذ بن جبل أنه قال:
(ليس الوضوء من الرعاف والقيء ومس الذكر وما مست النار بواجب فقيل له:
إن أناساً يقولون إن رسول الله ﷺ قال: توضؤوا مما مست النار، فقال: إن قوماً سمعوا ولم يعوا، كنا نسمي غسل اليد والفم وضوءاً وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله ﷺ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار وليس بواجب) .
ما أخرجه الترمذي في جامعه (٦) بسنده عن سلمان الفارسي أن النبي ﷺ قال: (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) .
ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر وهو من سنن المرسلين. (٧)
ما روى عنه ﷺ من قوله (توضؤوا من اللبن فإن له دسما) . (٨)
قلت: وقد بحثت عن هذا الحديث بهذا اللفظ في المصادر الحديثية المتوفرة عندي فلم أجده. (٩)
... وأجيب بالآتي:
أ- لا يسلم لكم أن إطلاق الوضوء على غسل اليدين استعمال شائع في عرف الشرع لسببين:
стр. 2696
الأول: الأدلة التي سيقت للدلالة على هذا الاستعمال غير ثابتة كما رأينا فلا حجة فيها.
الثاني: حديثا سلمان ومعاذ ﵄ ليس فيهما ما يدل على
الدعوى، بل هو استدلال بمكان النزاع، إذ كيف يفسر فيهما الوضوء الذي جاء مطلقاً أن المقصود به الوضوء اللغوي؟ .
وحديث الوضوء من اللبن لم يثبت بلفظ الوضوء بل ثبت كما رأينا عند البخاري وغيره بلفظ المضمضة.
وأما حديثا معاذ وعكراش ﵄ فهما صريحان في تفسير
الوضوء مما مست النار بالوضوء اللغوي ولكنهما – مع ضعفهما سنداً – يخالفان ما ثبت عن جمع من الصحابة (١) والتابعين وعامة فقهاء الأمة من أن الوضوء مما غيرت النار يقصد به الوضوء الشرعي لا اللغوي. (٢)
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٣) :
(وذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي ﷺ إلى أن قوله ﵇ توضؤوا مما مست النار أنه عني به غسل اليد لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، فكأنه قال: فنظفوا أيديكم من غمر (٤) ما مست النار، ومن دسم ما مست النار، وهذا لا معنى له عند أهل العلم ولو كان كما ظن هذا القائل لكان دسم ما لم تمسه النار، وودك (٥) ما لم تمسه النار لا يتنظف منه، ولا تغسل منه اليد، وهذا لا يصح عند ذي لب.
وتأويله هذا يدل على ضعف نظره، وقلة علمه بما جاء عن السلف في هذه المسألة) .
ب- إن إطلاق لفظ الوضوء على الوضوء للصلاة في استعمال الشارع هو من باب الحقيقة الشرعية للآتي:
إنه لفظ استعمل في ما وضع له بوضع الشارع. (٦)
إنه هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وهذه علامة
الحقيقة (٧) .
إن التأويل – وقد أقرَّبه المخالفون – لا يكون إلا على خلاف الأصل (الوضوء الشرعي) .
قال الإمام الخطابي في معالم السنن (٨) :
(... وأما عامة الفقهاء فمعني الوضوء عندهم متأول على الوضوء الذي هو النظافة ونفي الزهومة ...) .
стр. 2697
وإذا كان الوضوء للصلاة من باب الحقيقة الشرعية فإنه عند الإطلاق يصرف إلى المعنى الشرعي لا اللغوي ما لم يوجد دليل يصرفه إلى المعنى اللغوي (١) .
(إنه لا يطلق الوضوء في الشريعة إلا لوضوء الصلاة فقط، وقد أنكر رسول الله ﷺ إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء
للصلاة، كما رويناه (٢) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء من الغائط وأتى بطعام، فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال ﵇ لم أصلى فأتوضأ) (٣) .
ثالثاً- إن النبي ﵇ لو أراد في الحديث الوضوء للصلاة لقال كما قال (٤) : من جامع
ولو يمن فليتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره (٥) .
وأجيب بالآتي:
أ- إن قولكم يقتضي أن ما جاء بلفظ الوضوء في الأحاديث النبوية غير مقيد بهذا القيد فانه لا يحمل على الوضوء الذي للصلاة (الشرعي) ، وهذا لا يقول به أحد لأن غالب أحكام الوضوء جاءت في أحاديث مطلقة من القيد السابق.
ب- إن هذا القيد كان منه ﵊ قبل استقرار وانتشار المعنى الشرعي للوضوء (في أول الإسلام) ، يؤكد ذلك ما أخرجه الإمام ابن خزيمة (٦) وغيره بسنده عن أبي بن كعب قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون
(الماء من الماء) رخصة رخصها رسول الله ﷺ في أول الإسلام ثم أمر بالغسل بعدها) .
ج- ما سبق من أن لفظ الوضوء حقيقة شرعية في الوضوء الذي للصلاة فلا يعدل عنه عند الإطلاق إلا بدليل.
رابعاً- إن النبي ﷺ (قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل، وليس ذلك من أجل أن بين الأمرين فرقاً في باب الطهارة والنجاسة لأن الناس على أحد قولين: أما قائل يرى نجاسة الأبوال كلها، أو قائل يرى طهارة بول ما يؤكل لحمه، والغنم والإبل سواء عند الفريقين في القضيتين معاً.
стр. 2698
وإنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل لأن فيها نفاراً وشراداً لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى بحضرتها أو تفسد عليه صلاته، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها من السكون وقلة النفار، ومعلوم أن في لحم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد لوجود سببه دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه) (١) .
ويظهر لنا من هذا الدليل ما يلي:
إن النهي عن الصلاة في معاطن الإبل والأمر بها في مرابض الغنم حكم معلل بالسكون في الغنم والنفار في الإبل.
إن الأمر بالوضوء من لحم الإبل – في نفس الدليل – معلل مثله، والعلة فيه شدة الزهومة في لحم الإبل.
إن العلة المذكورة – شدة الزهومة – تصرف الوضوء من معناه الشرعي (الوضوء للصلاة) إلى معناه اللغوي (النظافة) .
وأجب بالآتي:
عدم التسليم بالتعليل في الحكم الأول (النهي عن الصلاة في معاطن
الإبل..) لأن الحكم تعبدي (٢) ، يؤكد ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه (٣) عن البراء بن عازب قال:
(... وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشيطان، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة) .
لو سلمنا – جدلاً – بالتعليل المذكور في الصورة الأولى فظاهر أن الحكمين تعاكسا لتعاكس العلة، النفار في الإبل والسكون في الغنم، أما الصورة الثانية (الوضوء من لحم الإبل ...) فإن الزهومة علة مشتركة بين لحم الإبل والغنم فافترقت الصورتان.
إن جعل إزالة الزهومة علة للأمر بالوضوء اللغوي (النظافة) يرده أن الشارع فرق في الحكم بين لحم الإبل ولحم الغنم فأمر بذلك في لحم الإبل ولم يأمر في لحم الغنم مع أن إزالة الزهومة (النظافة) مطلوبة في الحالين.
يؤكد ذلك أن النبي ﷺ قال:
(من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه) (٤) .
стр. 2699
ولا يقال إن في لحم الإبل زيادة زهومة على لحم الغنم لأن ذلك لا يوجب اختصاص الإبل الحكم إذ أنه ﵇ شرب لبناً فمضمض وقال إن له دسماً (١) ، وفي رواية ابن ماجه (٢) :
(إذا شربتم اللبن فمضمضوا فإن له دسماً) . (٣)
ومن هذا العرض للقرائن الصارفة للوضوء عن معناه الشرعي إلى معناه اللغوي والمناقشات الواردة عليها يتضح لنا ضعف هذه القرائن الصارفة وسقوطها، بل إن الدليل المؤول حفت به قرائن تؤكد إرادة المعنى الشرعي للوضوء وتنفي إرادة المعنى اللغوي، ونجمل هذه القرائن في الآتي:
١- إن راوي الدليل جابر بن سمرة ﵁ فهم منه الوضوء الشرعي وهو أعلم بمعنى ما سمع. (٤)
أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥) بسنده عن جابر بن سمرة قال:
(كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم) .
٢- إن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، فإذا حمل الوضوء على غسل الفم واليدين اقتضى ذلك وجوبه، ولا قائل به. (٦)
٣- إن النبي ﷺ ذكر الوضوء في سياق الصلاة مبيناً حكم الوضوء والصلاة في هذين النوعين، والوضوء المقرون بالصلاة هو وضوؤها لا غير. (٧)
٤- إن السائل إنما جاء يسأل النبي ﷺ عن حكم الوضوء الشرعي لا عن نظافة يديه وفمه بعد أكل لحم الإبل أو الغنم.
٥- (إن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل: إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على غسل اليد والفم، وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم
الغنم، والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم ما أثبته للحم الإبل، وهذا يبطل كونه غسل اليد، سواء كان حكم الحديث إيجاباً أو استحباباً) . (٨)
المناقشة الثالثة:
إن الأمر في الدليل محمول على الاستحباب، قال الإمام الماوردي في الحاوي (٩) الكبير.
(... وهذا الحديث محمول على الاستحباب والإرشاد) .
стр. 2700
وأجيب بأن ظاهر الأمر الوجوب عند جمهور الفقهاء (١) ، ولا يجوز الخروج عن هذا الظاهر إلا بقرينة صارفة تكون في قوة الظاهر أو أقوى منه، ولم يذكر أصحاب هذا التأويل هذه القرينة الصارفة، فيبقى الأمر على أصله من الوجوب (٢) ، بل إن هذا الأمر حفت به قرائن تؤيد الظاهر وتؤكده، وتمنع هذا التأويل، ومن هذه القرائن ما يلي:
١ - إن النبي ﷺ سئل عن حكم الوضوء من لحم الإبل فأجاب بالأمر بالوضوء منه فلا يجوز حمله على غير الوجوب لأنه يكون تلبيساً على السائل لا جواباً (٣) .
٢ - إن الحكم ذكر في جواب السائل، والحكم في مثل هذا لا يفهم منه إلا الإيجاب، كالوضوء من الصوت والريح ومس الذكر (٤) .
٣ - إن الدليل فرق بين لحم الإبل ولحم الغنم، والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الإيجاب لا التحريم، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيداً للإيجاب ليحصل الفرق (٥) .
٤ - إن الوضوء مستحب في لحم الغنم – ليخرج من خلاف من قال بوجوب الوضوء مما مست النار – وقد نفاه الدليل في لحم الغنم وأثبته في لحم الإبل، فكيف يحمل الأمر على الاستحباب (٦) ؟ .
٥ - إن الدليل أثبت صفة في الإبل تقتضي الوضوء، والأصل في الأسباب المقتضية للوضوء أن نكون موجبة (٧) .
المناقشة الرابعة:
إن أكل لحم الإبل مما يغلب وجوده فلو جعل حدثاً لوقع الناس في الحرج (٨) .
ونوقش الدليل بالآتي:
١ - لا يسلم لكم أن جعل أكل لحم الإبل حدثاً يؤدي إلى الحرج، إذ الواقع ينفي ذلك لأن الإنسان لا يأكل في العادة لحم الإبل (أو غيره من
اللحوم) إلا مرة في اليوم أو مرتين على الأكثر، فإذا توضأ الإنسان بعد ذلك الأكل (مرة أو مرتين) فأين وجه الحرج؟.
٢ - إن خروج البول حدثٌ بالإجماع يوجب الوضوء، وهو أكثر وجوداً من أكل لحم الإبل إذ الإنسان عادة ما يتبول أكثر من مرتين في اليوم، ومع ذلك لم يكن ذلك سبباً لإيقاع الناس في الحرج.
следующие страницы →