١ - قول النبي ش: ((من خرج عن السلطان شبراً مات ميتة الجاهلية)) (١) والسلطان هنا ظاهر في أن معناه الإمام: وقد أطلق الحنفية لقب “ السلطان ” على “ الوالي الذي لا والي فوقه ” (٢) ، والبعض أطلقه على من تحت سلطته ملوك (٣) فيكون السلطان في السنة النبوية وارداً بمعنى صاحب السلطة العليا في الدولة.
ونحن هنا نميز بين مصطلح السلطة العليا في الدولة ومصطلح السيادة، فإن السيادة هي الاختصاص بالأمر والنهي اللذين لا يعارضان، وهي في الإسلام لله وحده، بينما السلطة في الإسلام للأمة.
٢ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ش: ((ولا يومنَّ الرجل الرجل في سلطانه)) (٤) .
قال البغوي: ((“ سلطانه ” هنا معناها “ بيته ”)) (٥) .
стр. 317
٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ش: ((صاحب الدين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه)) (١) . والسلطان هنا معناها “ الحجة ”.
المطلب الثاني: السلطة السياسية في الاصطلاح:
تمهيد: مصطلح “ السلطة السياسية ” بهذا التركيب لم يُعرف في الفقه الإسلامي، ولكن عرف مضمونه، والفقه الإسلامي أسبق إلى التشريع في مجال السلطة السياسية من الفقه الدستوري الوضعي، ولبيان ذلك إن السلطة العامة العليا في حقيقتها هي السيطرة، أي القدرة على الإلزام التي يتمتع بها صاحب الولاية العامة العليا وهو الإمام، وهذه القدرة شرعت في الإسلام للإمام في مجال التشريع والتنفيذ على حد سواء، ففي مجال التشريع والقضاء، شرع للإمام المجتهد أن يتخير من الآراء الخلافية في شؤون التشريع، وما تبناه يلزم القضاة أن يتركوا اجتهادهم - إن كانوا مجتهدين - فيه إلى اجتهاده، وقد قرر الفقهاء قاعدة تدخل في مجالها هذه الحالة، نصها: ((حكم الحاكم يقطع النزاع)) (٢) . لكن إذا لم يكن الإمام مجتهداً فيجب عليه أن يعين من أهل الاجتهاد من يكتفي بهم الاستنباط الأحكام الشرعية ويقرر تنفيذ ما أوصله إليه اجتهادهم.
ويمكن أن يجعل الأمر لاجتهاد القضاة، إن كانوا بلغوا رتبة الاجتهاد، أو أن يقيدهم بمذهب فقهي يعتمدونه في فصل الخصومات، ورأيه في ذلك كله ملزم.
стр. 318
وفي مجال التنفيذ، الإمام يترأس جميع موظفي السلطة التنفيذية، سواء في ذلك وزير التفويض ووزراء التنفيذ والأمراء على الولايات وقادة الجيوش ورؤساء مديرو - الإدارات المختلفة في الدولة، وقادة الأجهزة الأمنية على اختلافهم (١) .
وقد عرف الإسلام السلطة السياسية العليا منذ أقام الرسول ش الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، في اليوم الأول من وصوله مهاجراً إليها.
تعريف السلطة السياسية العليا:
عرفت السلطة في الفقه الدستوري الوضعي تعريفين: تعريفاً معنوياً، وتعريفاً مادياً.
١ - التعريف المعنوي: هي ((القوة والقدرة على السيطرة التي يمارسها الحاكم أو مجموع الحكام على المحكومين)) (٢) وتتمثل ((في إصدار القواعد القانونية الملزمة للأفراد وفي إمكانية فرض هذه القواعد على الأفراد باستخدام القوة المادية)) (٣) .
٢ - التعريف المادي: وعرفت السلطة السياسية العليا في الفقه الدستوري الوضعي تعريفاً مادياً، هو: ((أجهزة الدولة التي تقوم بممارسة السلطة بمعناها المعنوي. أي ما يطلق عليه عادة لفظ “ الحكومة ” وأجهزتها التنفيذية)) (٤) .
مناقشة:
تعريف السلطة بالقوة تعريف مسلم في الجملة، ذلك أن السيطرة ثمرة القوة، فبالقوة يكتسب صاحب الولاية صفة “ السيطرة ” التي هي: الإلزام النافذ، بالقوة، دون نظر إلى رضا الملزَم، ومظهر السيطرة هو نفاذ مقتضيات الولاية.
فلا غنى لصاحب الولاية عن القوة، لتكون له السيطرة، التي تنفذ بها مقتضيات ولايته، فالقوة هي جوهر السلطة السياسية في الدولة.
стр. 319
ولو عرَّف السلطة بالسيطرة لكان التعريف أدق.
ويؤخذ عليه من وجهة النظر الإسلامية أنه قال: ((التي يمارسها الحاكم أو مجموع الحكام)) . وهذا يصح في النظام غير الإسلامي عندما تكون السلطة التنفيذية في الدولة متمثلة في مجلس حاكم أو جمعية حاكمة، أو مجلس وزراء، فإن من النظم الديمقراطية البرلمانية ما تكون السلطة السياسية فيها لمجلس الوزراء، فلا يكون لرئيس الدولة دور فاعل في ميدان السلطة التنفيذية، ذلك أنه يمارس سلطانه بواسطة وزرائه (١) ، فلا يحتل مركز الصدارة من الناحية الواقعية في مجال ممارسة شؤون الحكم والسياسة (٢) .
ولا يصح التعريف من وجهة النظر الإسلامية، ذلك أنه في النظام الإسلامي يتولى الإمام رسم السياسة العامة في الدولة، والإشراف على تنفيذها بنفسه، فهو رجل الحكم والسياسة الأول في الدولة ومن سواه، إما أن يكونوا منفذين تحت يده، أو مفوضين من قِبَله، ومكلفين بالتقيد بسياسته.
لكن إذا فرغ منصب الإمام بسبب وفاة أو عجز أو غير ذلك، فهل يتولى السلطة مؤقتاً نائب الإمام أو مجلس جماعي؟ لعل في الأمر سعة والله أعلم.
ومن جهة أخرى تفترق السلطة السياسية العليا في الدولة الإسلامية، من حيث الصلاحيات التشريعية عنها في الفقه الدستوري الوضعي، فواضع التشريع في الفقه الوضعي هو السلطة التشريعية، المتمثلة في مجلس النواب، بينما في النظام الإسلامي المشرع الله، لذلك ينحصر دور السلطة التشريعية في تفهم نصوص المشرع – الله وحده - واستنباط التشريعات في صورتها القانونية من تلك النصوص، ليتم إلزام المحكومين بالتقيد بها. ولذلك يمكن أن تعرف السلطة السياسية بتعريف غير هذا التعريف.
стр. 320
تعريف السلطة السياسية في الفقه الإسلامي:
أولاً: التعريف المعنوي:
السلطة السياسية العليا، هي: السيطرة العليا العامة في الدولة.
وهذه السيطرة يمارسها وفق النظرية الإسلامية في الدولة الخليفة أو من يفوضه الخليفة.
ثانياً: التعريف المادي:
المؤسسة المختصة بممارسة السيطرة العليا العامة في الدولة:
وفي النظام الإسلامي يوجد مؤسسة واحدة تمارس السلطة العليا في الدولة، هي مؤسسة “ الخلافة ” وصاحبها الخليفة، ويتفرع عنها مؤسسة أخرى هي وزارة التفويض، وصاحبها وزير التفويض.
ووزير التفويض كما عرفه الفراء (١) ، والماوردي (٢) : ((من يفوض إليه الإمام تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده)) . وعرفه ابن جماعة (٣) بأنه: من ((يفوض إليه الإمام أو السلطان جميع الأمور المتعلقة به، يدبرها برأيه ويمضيها على اجتهاده)) وهو ملزم بمطالعة الإمام في الخطير من الأمور دون اليسير، فإن شاء الإمام أمضاه، وإن شاء رده (٤) .
المطلب الثالث: أهمية السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي:
الإسلام دين هداية: هداية في التصور والاعتقاد، وهداية في تقويم السلوك الإنساني وتنظيم العلاقات الإنسانية، فهو عقيدة ونظام.
والتشريع جزءٌ تكويني في حقيقته، ولذلك لا محل في الفكر الإسلامي لمبدأ “ فصل الدين عن الحياة ”، أو ما يسمى “ فصل الدين عن الدولة ”.
стр. 321
كذلك، الإسلام لا يعرف في جانب العقيدة التجريدات الذهنية، ولا التأملات الفلسفية ولا الترف الفكري، ذلك أن العقيدة الإسلامية عقيدة واقعية، أنزلت لتعالج بمقرراتها، وبما ينبثق عنها من تشريع، واقع الحياة البشرية، الفكري والسلوكي معاً فهي عقيدة الفكرة والحركة، لا عقيدة العزلة، عقيدة تقويم الواقع، لا عقيدة التسليم له. فالعقيدة الإسلامية تُصلح الأفكار، والتشريع الإسلامي يقوِّم السلوك وينظم العلاقات، ومن هنا فالعقيدة في الإسلام سلوكية، والسلوك في الإسلام عقدي.
ولكن الإيمان الذي تصنعه العقيدة الإسلامية في نفس المسلم قد يضعف، فيضعف الالتزام بأحكام التشريع، لذلك، لا غنى للمسلمين عن سلطة سياسية عليا فيهم، تحمل العقيدة وتحميها، وتتفهم التشريع الإسلامي وتنفذه، وتنظم سلوك الأمة في المجتمع على أساسه، وقد صرح الغزالي بضرورة إيجاد السلطة السياسية العليا في الدولة، فقال: ((فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة)) (١) .
هذا، وضرورة السلطة السياسية في نظرية الدولة في الإسلام تنشأ عن أهمية الغاية التي تمثل الباعث على تشريعها، وهو تحقيق مصالح إنسانية كبرى، والناس قد يُبَطئون في تحقيق مصالحهم، أو يفرطون، فتلحقهم بذلك مفاسد، فيصبح من الضروري وجود سلطة سياسية عامة عليا، يكون صلب وظيفتها ((حمل الناس على مراشدهم)) (٢) ، وأساس عملها ((السياسة لاستصلاح الخلق، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم)) (٣) .
стр. 322
هذا، وإن من أهداف الإسلام بناء العقلية الإنسانية على أساس الهداية العقدية الإسلامية، وتنظيم العلاقات الفردية والدولية على أساس من هداية الإسلام التشريعية، إذ دون ذلك لا يقوم العدل، ولا يستقر الأمن، فلا يسعد الناس، ولا تتحقق كرامتهم.
والتشريع الإسلامي أساسه التقييد المانع من العدوان، والتنظيم الواقي من الفوضى، والنفس الإنسانية غالباً ما تكره التقييد والنظام إلا إذا كانت مصلحتها فيهما عاجلة، ولذلك، لزم وجود سلطة تُلزم بالقيود من يتشوف إلى التفلت، وتُكره على التقيُّد بالنظام من يكرهه، لكي يسعد الجميع وتتحقق الكرامة والأمن للجميع.
ومن جهة أخرى، يمثل النظام الإسلامي العدل، وكثير من الناس لا يذعنون للعدل، فلزم إكراههم على الإذعان إليه، والصغار ولو كرهاً أمامه، إذا لم يذعنوا له طوعاً، وهنا نتذكر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النظام السياسي الإسلامي، فإنه إحدى الوظائف السياسية الرئيسية للسلطة السياسية في الدولة الإسلامية، قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (١) وقال تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ (٢) . غير أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يؤتي أكله إذا لم تقم به جهة مسيطرة، فلزم لتحقيق ذلك إيجاد سلطة سياسية عامة عليا في المجتمع
المسلم، تتكفل بمالا يُكلف به الأفراد أو لا يطيقونه من أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك، مثلاً: تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها.
ومن جهة ثالثة، إن التوحيد الذي هو أُسُّ العقيدة الإسلامية، يقتضي من الأمة المسلمة تحقيق مظاهره في واقع حياتها.
وأهم مظهرين تقتضي العقيدة الإسلامية وجودهما في حياة الأمة المسلمة، هما:
стр. 323
المظهر الأول: النظام “ التشريع ” القانوني الإسلامي:
إن التوحيد في العقيدة الإسلامية يقتضي التوحيد في التشريع، بأن يكون المشرع في المجتمع الإسلامي هو الله وحده، وذلك بأن يكون المرجع التشريعي الوحيد هو الإرادة التشريعية الإلهية لا غير، وهي متمثلة بالوحي “ القرآن والسنة ”، قال تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (٣) . والرد إلى الله والرسول، يكون بالرد إلى القرآن والسنة: ((فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر)) (٤) .
المظهر الثاني: التوحيد على سلطة سياسية عامة واحدة.
إن الأمة المسلمة مالم تتوحد سياسياً، تكون قد فرطت بتكليف إلهي تقتضيه عقيدتها، فينعكس ذلك سلباً على كمال اتصافها بالحفاظ على مظاهر هذه العقيدة.
стр. 324
وأخذاً من هذه الحقيقة للعقيدة الإسلامية يمكن القول إن السلطة السياسية في المجتمع المسلم، ووحدتها، وكون التشريع الذي تحكم به هو التشريع الإسلامي لا غير هي مظاهر تقتضيها العقيدة الإسلامية، باعتبارها عقيدة ذات أثر سلوكي في جميع جوانب الحياة، سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية ... وقد لا يتيسر للأمة في زمان ما أو قطر ما أن تأتي بكل ما أمرت به فيجب عليها أن تقصد الكمال ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ومالا تستطيعه لا تكلفة، وما لا يدرك كله ولا يترك جله.
المطلب الرابع: حكم إيجاد السلطة السياسية في الإسلام:
المسلمون متفقون سوى النجدات من الخوارج، وهشام الفوطي من المعتزلة (١) على أن إيجاد السلطة السياسية واجب على المسلمين.
لكن الشيعة يجعلونها حقاً لأئمتهم خاصة، بناءاً على نظرية النص لديهم ويرون بطلانها إذا خرجت عن النص وعن أئمتهم.
وقد نسب إلى أبي بكر الأصم القول بعدم الوجوب، ومن عبارات العلماء الذين نقلوا الاتفاق، ما يأتي:
١ - قال ابن حزم: ((اتفق جميع أهل السنة والمرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أى بها رسول الله، حاشا النجدات من الخوارج، فإنهم
قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم ... وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي للرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا)) (٢) .
стр. 325
٢ - وقال الجويني: ((اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الإمامة، ثم أطبقوا على أن سبيل إثباتها النص أو الاختيار)) (١) .
٣ - وقال ابن خلدون: ((إن نصب الإمام واجب، قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله ش عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁ وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم يُترك الناس فوضى في عصر من الأعصار واستقر ذلك إجماعاً دالاً على وجوب نصب الإمام)) (٢) .
٤ - وقال الماوردي: ((الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم)) (٣) .
٥ - وطريق الوجوب عند أهل السنة السمع، قال ابن الهمام: ((ونصب الإمام واجب سمعاً لا عقلاً)) (٤) .
هذه النصوص تعاضدت في نقل اتفاق الأمة المسلمة على وجوب إيجاد السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي، وهو اتفاق لا يقدح فيه مخالفة النجدات ولا مخالفة هشام الفوطي، ذلك أنه خلاف لا ينبني على دليل مسلَّم، ويعارض رأياً يستند إلى نصوص تشريعية، ولا يصح معارضة استدلال يستند إلى نص باستدلال يستند إلى نظر مجرد، وعلى الرغم من ذلك سنبين خطأ مذهبهم.
أولاً: النجدات: استدل النجدات بأدلة عقلية من أظهرها:
стр. 326
١ - نصب الإمام يثير الفتنة، لتنازع الناس بسبب ذلك (١) وما يثير الفتنة يكون غير واجب. وقالوا بعدم الوجوب ولم يقولوا بالتحريم، لاحتمال أن يتفق الناس على تنصيب إمام دون حصول فتنة (٢) .
٢ - العربان في البوادي تنتظم أمورهم الدينية والدنيوية مع عدم وجود سلطان له فيهم الرياسة، فلا حاجة لنصب إمام، فلا يكون واجباً (٣) .
٣ - الانتفاع بالإمام يحصل بالوصول إليه، وآحاد الناس لا يستطيعون الوصول إليه، فلا يتحقق الانتفاع العام به، فلا يكون نصبه واجباً (٤) .
وهذه أدلة لا تصمد أمام النقد، أما قولهم: نصب الإمام يثير الفتنة، يرد عليه بأن الفتنة في عدم نصب الإمام أعظم وأدوم، وعلى التسليم بأن نصب الإمام يثير فتنة، يكون ترك الفتنة الأشد إلى الفتنة الأخف واجباً، فيكون نصب إمام واجباً.
وأما قولهم أن العربان تنتظم أمورهم دون سلطان يترأسهم ويدبر أمورهم، فغير مسلم، فإن أعمال الغزو والسلب والنهب في البوادي لعلها أكثر وأخطر منها في الحاضرة وذلك لأن سيطرة السلطان عليهم أخف.
وأما قولهم أن آحاد الناس لا يصلون إلى السلطان، فلا ينتفعون به، فيمكن الرد عليه بأن الإسلام يفرض على السلطان أن يوصل النفع إلى مستحقه، وأن يمكِّن كل ذي حاجة من الوصول إليه أو إلى نوابه، كل في مكانه واختصاصه.
ثانياً: هشام الفوطي:
стр. 327
ذهب هشام الفوطي إلى أن نصب الإمام واجب عند ظهور العدل ولا يجب عند ظهور الفتن (١) استدل بأن نصب الإمام حال الفتنة يزيد في الفتنة، فلا يجب (٢) .
ويرد عليه بأن هذه دعوى تعارض دلالات النصوص التشريعية المطلقة الدالة على وجوب نصب إمام، دون تفريق بين حال العدل وحال ظهور الفتن.
ويمكن أن يرد عليه أيضاً بأن عدم نصب إمام من أخطر أسباب الفتنة، قال الإمام أحمد: ((الفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس)) (٣) وقال التفتازاني: ((عند فساد الزمان واختلاف الآراء واستيلاء الظلمة، احتياج الناس إلى الإمام أشد وانقيادهم له أسهل)) (٤) .
ثالثاً: أبو بكر الأصم:
نسب إلى أبي بكر الأصم أنه كان يقول بعدم وجوب الإمامة وذلك أخذاً من قوله: ((لو أنصف الناس بعضهم بعضاً، وزال التظالم وما يوجب إقامة الحد لاستغنى الناس عن الإمام (٥) .
стр. 328
ونحن لا نسلم هذه النسبة إلى أبي بكر الأصم، فإن عبارته لا تفيد ذلك، فقد علّق القول بعدم الوجوب على وجود التناصف، وهو ما جعل البعض ينسب إليه القول بوجوب نصب الإمام في حال عدم التناصف (١) .
ولكن ما دام التناصف دون سلطة سياسية غير ممكن في الواقع وإن كان ممكناً عقلاً لا نستطيع أن ننسب إلى الأصم القول بعدم وجوب نصب إمام، وهذا ما فهمه القاضي عبد الجبار المعتزلي وصرح به إذ علق على عبارة الأصم قائلاً: ((والمعلوم من حال الناس خلاف ذلك، فإذن عُلم من قوله أن إقامة الإمام واجب)) (٢) .
وعلى هذا يمكن القول بعدم وجود دليل يسلم من الطعون للقائلين بعدم وجوب نصب إمام، وهم النجدات من الخوارج، ولا لمن قال بعدم وجوبه حال الفتن، وهو هشام الفوطي، ولا لمن قال بعدم وجوبه حال تناصف الناس، وهو الأصم، على التسليم بأن عبارته تفيد ذلك.
وهنا يمكن الاستدلال بإجماع الصحابة ﵃ على وجوب نصب إمام؛ إذ لم ينقل أن أحداً منهم ذهب إلى عدم وجوب نصب إمام. قال الجويني: ((وأما أصحاب رسول الله ش فقد رأوا البدار إلى نصب الإمام حقاً، فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله ش ودفنه مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة)) (٣) .
стр. 329
وقد صرحت السنة النبوية بتحريم أن يبيت المسلمون ليلتين وليس لهم إمام فقد قال ش: ((لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين وليس في عنقه بيعة إمام (١) . والحديث ظاهر في تحريم المبيت ليلتين دون بيعة لإمام، ويدل دلالة نصية (٢) على وجوب تنصيب إمام.
ومما سبق يتبين أن إيجاد سلطة سياسية في المجتمع الإسلامي واجب. وكون مشروعية إيجاد السلطة السياسية من رتبة الواجب يدل على أهميتها، وأنها من المقاصد التي لا تستغني الأمة عن تحقيقها، فهي التي تنهض بالمصالح العامة في المجتمع، وتتكفل برعاية مصالح الأفراد وحقوقهم وحمايتها، لذلك كانت السلطة السياسية في الإسلام من المقاصد التي لا يفضلها غيرها من المقاصد السياسية.
هذا، والذي يدرك المهام الجسام التي تنوء بها السلطة السياسية يدرك أهمية هذه السلطة، ولذلك، فإن السلطة السياسية قضية سياسية أساسية في الإسلام، فبوجودها توجد الدولة، وبانتفائها تنتفي الدولة، ودون الدولة لا تحمى عقيدة الإسلام، ولا تظهر شريعته.
المطلب الخامس: خصائص السلطة السياسية في الإسلام:
أبرز خصائص السلطة السياسية ما يأتي:
أولاً: اعتمادها على القوة المسيطرة - أي القوة القاهرة -:
إن القوة المسيطرة ضرورية للسلطة السياسية في المجتمع إذ دون ذلك لا يستتب الأمن، ولا يستقر النظام، ولا يذعن الناس للقانون الذي ما وجدت السلطة إلا لتنفذه، وتحقق مصالح الناس على أساسه.
стр. 330
ودون سلطة سياسية تمسك القوة في المجتمع لا تقوم الدولة، ذلك أن القوة هي الوسيلة الملزمة للأفراد الحاملة لهم على الامتثال للنظام التشريعي في المجتمع فحاجة السلطة السياسية للقوة تنشأ من كون عمل السلطة في حقيقته يقوم على الإكراه على امتثال القانون، وإجبار الفرد على عمل مالا يرغب وتقييد حريته، لذلك، لا يكون للسلطة معنى إلا إذا اقترنت بقوة مسيطرة (١) .
ثانياً: انفرادها بحيازة القوة القاهرة:
لا يكفي للسلطة السياسية أن تحوز القوة المسيطرة، فلابد من أن تنفرد بحيازة هذه القوة، بحيث لا يكون في المجتمع قوة تدانيها، فإن وجود جهة في المجتمع تحوز قوة تنافس قوة السلطة السياسية من شأنه أن يهدد السلطة السياسية نفسها، ذلك، أن أية جهة لاسيما التنظيمات إذا حازت السلاح تتجرأ على مخالفة النظام وعصيان السلطة والخروج عن طاعتها، بل والخروج عليها للإطاحة بها.
وفي الإسلام لا تأبى قواعد الشريعة أن يكون من صلاحيات السلطة السياسية في المجتمع تجريد المواطنين من أي نوع من أنواع الأسلحة التي قد تستخدم في تهديد الأمن، أو في معارضة السلطة السياسية، بل ولا أجد ما يمنع شرعاً السلطة السياسية في الدولة الإسلامية من سن القوانين التي تحضر اقتناء أسلحة معينة بالاسم أو النوع أو الصفة، وحضر الاتجار بها، وقد وجدنا فقهاءنا تعرضوا لحكم بيع الأسلحة في أوقات الفتنة وذهبوا في ذلك إلى التحريم، لما في ذلك من الإعانة على المعصية (٢) فإن امتلاك الأسلحة من قِبَل أية جهة في المجتمع قد يغريها باقتراف العصيان أو سلوك مسالك الفتنة وتهديد الأمن والاستقرار في الدولة.
стр. 331
هذا، وإن أظهر ما يميز السلطة السياسية عن أي تنظيم سياسي أو اجتماعي في الدولة امتلاك السلطة القوة المسيطرة، وحقها في حظر حيازة أي سلاح من قِبَل أي تنظيم سياسي أو اجتماعي في الدولة، وحقها في استخدام أي إجراء مشروع وقائي أو علاجي يكفل خلو الدولة من قوة منافسة لقوة السلطة السياسية.
وقد لاحظ الفقهاء المسلمون أهمية القوة المادية بالنسبة للسلطة السياسية في الدولة الإسلامية، فحرصوا على توافرها لها منذ لحظة انعقاد البيعة، وذلك إذا لم تتوافر قاهرة مسيطرة، من جيش وشرطة يكونان رهن أمر الإمام، فاشترطوا في المبايعين حتى تنعقد الإمامة بمبايعتهم أن يكونوا من أهل الشوكة، ويقصدون بالشوكة، أي القوة، فمن نصوصهم في ذلك:
١ - قال ابن تيمية: ((الإمامة تثبت عندهم - أهل السنة - بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافق أهل الشوكة، الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير مُلْكاً بموافقة واحد واثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكاً بذلك، ... ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوا أبا بكر وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الأمة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمن قال: يصير إماماً بموافقة واحد واثنين وأربعة، وليسوا هم أهل القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد والاثنين والعشرة يضر فقد غلط)) (١) .
стр. 332
فابن تيمية في هذا النص يقرر أهمية اتصاف المبايعين بالشوكة، أي القوة، كي تنعقد البيعة بمبايعتهم، إذ دون ذلك لا يذعن الناس للنظام، ولا تستقر الأوضاع السياسية في الدولة، ولا تخضع الأقلية لرأي الأغلبية. وعلى هذا المعنى جاء قول الشهرستاني:
((ولو عقد واحد ولم يسمع من الباقين نكير كفى ذلك)) (١) ، وقول النووي: ((تنعقد الإمامة ببيعة واحد انحصر الحل والعقد فيه)) (٢) ، لأنه يكون حينئذ صاحب الشوكة في الدولة، وكذا لو كان أهل الحل والعقد عدداً قليلاً، ولكنهم أهل شوكة، وقد علل الرملي ذلك، فقال: ((لأن الأمر ينتظم بهم ويتبعهم سائر الناس)) (٣) .
٢ - وقال الغزالي: ((والذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام، مهما كان ذلك الواحد مطاعاً ذا شوكة لا تطال، ومهما إذا مال إلى جانب مال بسببه الجماهير، ولم يخالفه إلا من لا يُكترَث بمخالفته، فالشخص الواحد المتبوع المطاع، بهذه الصفة يكفي، إذ في موافقته موافقة الجماهير، فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخص واحد أو ثلاثة فلابد من اتفاقهم، وليس المقصود أعيان المبايعين، إنما الغرض قيام شوكة الإمام بالأتباع والأشياع، وذلك يحصل بكل مستول مطاع، ونحن نقول: لما بايع عمر أبا بكر لم تنعقد البيعة له بمجرد بيعته، ولكن بتتابع الأيدي إلى البيعة، بسبب مبادرته، ولو لم يبايعوه لما انعقدت الإمامة، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وإنصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن على المبايعة)) (٤) .
стр. 333
٣ - وقال الجويني: ((إن بايع رجل واحد، مرموق، كثير الأتباع والأشياع، مطاع في قومه، وكانت منعته تقيد استتباب الأمن واستقرار السلطة، انعقدت بيعة. وقد يبايع رجال لا تفيد مبايعتهم شوكة ومنة قهرية، فلست أرى للإمامة استقراراً)) (١) .
والشوكة فيما مضى كانت تحصل بالقوة الناشئة من الكثرة العددية، من قبل أشياع وأتباع المبايعين، وذلك لعدم وجود قوة عسكرية ضاربة تقدم الولاء للسلطان على الولاء للقبيلة، وإنما كانت الجيوش من أبناء القبائل الذين يغلب عليهم الولاء للقبيلة على الولاء للسلطان، ولذلك كان شرط البيعة اتصاف من يعقد البيعة من أهل الحل والعقد للإمام بالشوكة، ولعل شوكة قريش آنذاك كانت علة اشتراط القرشية في الإمام وهو ما قرره ابن خلدون (٢) ، فإن قريشاً كانت تمثل بكثرتها قوة ضاربة يحصل بها الاستقرار للإمام إذا كان من قريش، وتُخشى معارضتها إذا جُعلت الإمامة في غيرها، فإن الناس كانوا ينقادون لها، ولكنها قد لا تنقاد لغيرها، وبإنتهاء شوكتها انتهت القرشية شرطاً من شروط استحقاق الإمامة - والله أعلم -.
وإن عبارات العلماء السابقين لتدل على أهمية تفرد السلطة السياسية في المجتمع بالقوة القاهرة، إذ دون قوة قاهرة لا يحترم في المجتمع نظام، وتنزع من قلوب المتمردين والمجرمين المهابة من السلطة الحاكمة.
وتنبه هنا إلى أن الإسلام يجعل أهمية كبرى لرضا الأمة قاطبة أو رضا الأغلبية منهم بأفراد السلطة السياسية، وذلك لتكون الأمة ذاتها قوة في يد أشخاص السلطة السياسية يستعين بهم لبسط سلطان وممارسة اختصاصاته.
ثالثاً: عامة عليا:
стр. 334
ومعنى كون السلطة السياسية سلطة عامة أي أن سيطرتها تمتد إلى الأفراد والهيئات والمؤسسات كافة التابعة للدولة، فإذا وجدت سلطةمماثلة لها، تعددت السلطات السياسية في المجتمع، فيفسد المعنى الحقيقي للسلطة السياسية وهو الحكم المسيطر المتفرد في المجتمع، وبذلك تفقد الدولة مضمونها السيادي الداخلي المتمثل بواحدية السلطة العامة فيها، فتعم الفوضى ويختل الأمن، وينهدم الاستقرار.
ولكيلا تتعدد السلطات السياسية الحاكمة في الدولة شرع في الإسلام قتل من بويع بالإمامة بعد حصول بيعة شرعية لإمام موجود. فقد قال ش: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) (١) ، وذلك لأنه سيمثل من حيث الواقع سلطة سياسية، ولو لم تكن سلطته شرعية، ويريد أن تكون سلطته هي العليا والعامة في الدولة، ومع وجود سلطتين يفقد المجتمع الأمن والاستقرار السياسي، فلابد أن تكون السلطة السياسية في المجتمع واحدة عامة عليا، ذلك أن السلطات السياسية متى تعددت فقدت كل منها مضمونها، كلياً أو جزئياً.
ومن أجل تحقيق وحدة السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي، واستقرارها، جاء ((الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين)) (٢) ، كما سبق.
رابعاً: قابليتها لأن تتفرع عنها سلطات وأجهزة للحكم والإدارة:
стр. 335
وهذا يكون بحسب حاجة الأمة، ومتطلبات العصر. ويكون لها تجاه ما تفرع عنها من الأجهزة والإدارات والمؤسسات حق الإشراف عليها وتحديد صلاحياتها والتعديل فيها بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة للأمة، فإن ((تصرف الإمام على الرعية منوط بمصلحتها)) (١)
стр. 336
كذلك لها حق إلغاء بعض الأجهزة أو الإدارات أو المؤسسات التي يظهر لها أنها استنفذت أغراضها المقصودة من إنشائها.
الهوامش والتعليقات
стр. 337
حقوق الإنسان في فلسفة
الثورة الفرنسية
د. أحمد باسل نور الدين الرفاعي
أستاذ مساعد - كلية الحقوق - جامعة مؤتة
ملخص البحث
تحاول هذه الدراسة جلاء البنية العميقة للنظام الجديد الذي أقامته الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر. إنها تحاول اكتناه الأساس المبتكر لحقوق الإنسان، ثم استشراف المآل الحتميّ الذي تؤول إليه هذه الحقوق عملياً بحكم الأساس ذاته الذي تنطلق منه. ولقد قادتنا التحليلات إلى أن النظام الجديد الذي أقامته ثورة ١٧٨٩ م هو في جوهره ذات النظام القديم الذي هدمته، نظام السلطة المطلقة أو نظام القوة الذي أخذ مع الثورة صورةً “ جديدة ” يتربّع فيها الفرد، كل فرد من أفراد الجماعة السياسية، على عرش القوة ويصبح هو الحقيقة الأساسية في النظام الجديد. إن هذا النظام يقوم على سيادة الإرادة الفردية وقرينتها سيادة الإرادة العامة. ومع هذه السيادة المزدوجة لا يبقى للقانون حقيقة مستقلة بل يصبح الوسيلة التي تبتكرها القوة لتحقيق مآربها. وهكذا يدخل الفرد والجماعة في طور الالتحام الجوهري والطوعي مع السلطة التي هي هنا أعلى درجات القوة؛ وهو طور خطير بالنسبة إلى الوضع الحقيقي والنهائي لحقوق الإنسان. إننا أمام دكتاتورية لم يقم لها من قبل نظير في التاريخ: دكتاتورية الدولة المرتكزة على الطابع المطلق للحرية الفردية وعلى الديمقراطية وسيادة الأمة والتي تحقق أغراضها
بالقانون.
• • •
المقدمة:
стр. 338
يرتبط الوضع الذي تأخذه حقوق الإنسان بنوع العلاقات القائمة بين مكوِّنات المجتمع السياسي الثلاثة، الفرد والجماعة والسلطة؛ وهي علاقات تحدِّدها، في مجتمع سياسي معيَّن، الأسسُ التي يقوم عليها. ولا يمكن أبداً أن تأخذ حقوق الإنسان وضعاً معيناً، إيجابياً أو سلبياً، بمعزل عن طبيعة الدولة؛ فوضعها في نظام ثيوقراطي (١) غير وضعها في نظام ديمقراطي (٢) ؛ ووضعها في دولة قانونية غير وضعها في دولة تسيطر فيها إرادة القابضين على السلطة.
وعلى الصعيد الدولي ترتبط حقوق الإنسان بطبيعة المجتمع الدولي ونظامه القانوني؛ فمصيرها في المجتمع الدولي التقليدي القائم على مبدأ سيادة الدولة غير مصيرها في مجتمع دولي ينطوي نظامه القانوني على طبيعة دستورية تقرِّب الدولة من شخص القانون
الداخلي. وعلى سبيل المثال فإن الفرد يتمتع في نظام السوق الأوروبية المشتركة بشخصية قانونية دولية لا يتمتع بها في نظام الأمم المتحدة؛ ونظام السوق يزوِّده بالقدرة القانونية التي يدافع بها عن حقوقه دفاعاً مباشراً على الصعيد الدولي.
стр. 339
لقد قدّمت الثورة الفرنسية التي نشبت في العام ١٧٨٩ م والتي هي ثمرة المذهب الفردي إنموذجاً للمجتمع السياسي قائماً على تمجيد الفرد وتكريس الحرية والمساواة وبالتالي على سلطة الأمة؛ وكانت بذلك انتقاضاً على حق الملوك المقدس، الذي أحلّت محله حق الفرد، وعلى سلطانهم المطلق الذي أحلّت محله سلطان الأمة. وسوف نرى أن قيمتها العميقة ليست في مجرد تكريس الحرية والمساواة بل في إعطاء الحرية والمساواة مضموناً مبتكراً أصبحت معه الدولة صورة الإنسان الحر الذي يتمتع بكينونة مطلقة تخوِّله أن يفعل ما يشاء بالطريقة التي يشاء. ولاشك في أنها قد أقامت إنموذجاً للدولة لا عهد للإنسانية به من قبل؛ بل إنها قد افتتحت عالماً جديداً من الفكر والأخلاق والقانون والتنظيم السياسي والدولي. وإذا كانت جذورها أوروبية فإنها، من حيث أنها تؤصِّل نظام المجتمع السياسي ونظام حقوق الإنسان في الطبيعة الإنسانية الواحدة التي لا تختلف بين شعب وشعب ولا بين عصر وعصر، قد كانت إيذاناً بتغيرات عميقة، فكرية وأخلاقية وقانونية وسياسية، على صعيد العالم كله. وقد سرت آثارها في أوروبا ثم امتدت إلى سائر المجتمعات التي غزتها أوروبة ووقعت تحت هيمنتها السياسية والثقافية. وهكذا ظهرت نتائج الثورة الفرنسية على صعيد المجتمعات الوطنية وأنظمتها القانونية وعلى صعيد المجتمع الدولي ونظامه القانوني، وأصبح نظام حقوق الإنسان متأثراً على الصعيدين بهذه النتائج. ونستطيع أن نقول إن تاريخ حقوق الإنسان قد دخل منذ العام ١٧٨٩ م عصر ما بعد الثورة الفرنسية التي أرادت أن تكون بداية جديدة للتاريخ الإنساني فألغت التقويم الميلادي وجعلت العام ١٧٩٢ م هو السنة الأولى من التقويم الجمهوري أو الثوري.
стр. 340
فأهمية دراسة حقوق الإنسان في فلسفة الثورة الفرنسية ليست منحصرة زمانياً ولا مكانياً، لأن الثورة الفرنسية ليست في جوهرها حقبة ماضية من التاريخ ولا حركة محصورة جغرافياً؛ فهي أهمية تتجاوز زمان الحدث ومكانه وتتصل بتداعياته المستمرة على صعيد العالم كله. وبتعبير أدق فإن نظام حقوق الإنسان الذي جاءت به الثورة الفرنسية ينطوي على أهمية تعليمية متجددة بالنسبة لأية محاولة لخدمة حقوق الإنسان وتوفير ضمانات ازدهارها. وهو كذلك، وهذا هو الأخطر، يطرح على العالم العربي والإسلامي تحدّياً لنظام حقوق الإنسان القائم في تراثه وحضارته والمتناقض معه تناقضاً جذرياً ليس في نطاق هذه الدراسة أن تتصدى له. وسوف يثبت هذا البحث أن نظام حقوق الإنسان الذي ولد مع إعلان ١٧٨٩ م يحمل في طياته تهديداً خطيراً لحقوق الإنسان، وإنْ كانت واجهته البراقة تخفي هذا التهديد تحت ثوب قشيب من تمجيد حرية الفرد. وهذه الحقيقة قمينة بأن تستحث الفكر الإسلامي على استجلاء الأسس العميقة التي يطرحها الإسلام لحقوق الإنسان والتي تمثِّل النقيض الجذريّ لفلسفة الثورة الفرنسية.
خطة البحث:
تدور هذه الدراسة حول ثلاثة محاور هي الفرد والسلطة والقانون. ذلك أن الفرد، في فلسفة الثورة الفرنسية، هو الحقيقة الأساسية أو الأولى؛ إنه جوهر الدولة التي ليس لها أصل تتأصل فيه وراء الحقيقة الفردية المطلقة. فكان لابد إذن من أن نبدأ بالفرد لفحص مضامين هذه الفردية المطلقة التي هي روح عصر التنوير (القرن الثامن عشر) والتي تشبّع بها الجيل الذي فجّر الثورة في أواخر هذا العصر أي في العام
стр. 341
١٧٨٩ م. وقد قادتنا هذه المضامين نفسها إلى الحقيقة العميقة للعلاقة بين الفرد والسلطة، تلك الحقيقة التي هي شيء آخر غير ما يبدو من ظاهر هذه العلاقة أي شيء آخر غير التأصيل الكلاسيكي البسيط للسلطة في الفرد. وهكذا خلصنا إلى الطبيعة النهائية للسلطة وإلى منطق التطور الحتمي الذي تفرزه طبيعتها هذه. أما المحور الثالث أي القانون فقد كان الانتقال إليه طبيعياً ومنطقياً بعد الفراغ من محوري الفرد والسلطة؛ فالفرد، لا القانون، كان هو الحقيقة الأولى في تكوين الدولة التي أقامتها الثورة؛ وقد استتبعت أولوية الفرد المطلقة نتائج خطيرة تتصل بما يسمى سيادة القانون وبالقيمة الحقيقية للضمانات القانونية لحقوق الإنسان.
المبحث الأول: الهوية الأوروبية للثورة الفرنسية:
المطلب الأول: صلة الثورة بالمذهب الفردي.
стр. 342
الثورة الفرنسية التي قامت في ١٧٨٩ م هي، كما يقول لويس كاقاريه Louis Cavar'e، وليدة المذهب الفردي L’individualisme (١) . إنها التجلِّي الأقوى للروح الفردية التي حرّكا العالم الأوروبي منذ عصر النهضة La Renaissance والتي نمت منذ ذلك الحين في اتجاهين: اتجاه صاعد نحو جعل الفرد هو الحقيقة الجوهرية بل المطلقة، واتجاه ممتدّ في دائرة الجمهور. وقد وصل الاتجاهان إلى الذروة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية في ٢٦ آب ١٧٨٩ م. فالحرية التي يولد الناس عليها، كما تقول المادة الأولى من الإعلان، هي حرية مطلقة لا قيد عليها إلاّ القيد الذي يجعل الناس سواسيةً في التمتع بها. وفي المناقشات التي جرت في الجمعية الوطنية الفرنسية حول حرية الفكر انتصرت الروح الليبرالية (٢) التي عبَّر عنها ميرابو Mirabeau، خطيب الثورة الفرنسية الشهير، أقوى تعبير. فلا توجد في نظره حقيقة خارجية، حقيقة مستقلة عن الوعي أو سابقة للتصوّر؛ إنما الحقيقة بنت الوعي، إنها ما يراه الفرد في داخل وعيه ويعتقده الحقيقة؛ ولذا فالآراء كلها، صحيحها وزائفها، ذات قيمة متساوية (٣) . فحرية الفكر في إعلان ١٧٨٩ م هي إذن حرية مطلقة؛ إنها سيادة العقل الفردي La Souverainete de La raison individuelle التي نادى بها من قبل الفيلسوف الانكليزي جون لوك John Locke (١٦٣٢ - ١٧٠٤) الذي يعتبر (واضع أسس فلسفة حقوق الإنسان) (٤) . وبديهي أن هذا المفهوم الليبرالي للحقيقة ينطوي على نفي كل معيار موضوعي للسلوك الفردي؛ فالخطأ، كما يقول ميرابو، له حق مساوٍ لما للصواب من حق (٥) . لا يجوز إذن للقانون أن يتدخَّل في مجال الحرية الفردية؛ لا يجوز له أن يفرض على الفرد واجبات مسبقة تقيِّد حريته المطلقة. ولهذا كان إعلانُ ١٧٨٩ إعلانَ حقوق ولم يكن إعلان حقوق وواجبات. وجدير بالذكر أن الجمعية الوطنية
стр. 343
كانت تتنازعها في هذا الصدد فكرتان تذهب إحداهما إلى إصدار إعلان لجملة متوازنة من الحقوق والواجبات بينما تذهب الأخرى إلى الاكتفاء بإعلان حقوق؛ وظهر ذلك في صياغتين للإعلان أعدّهما مكتبان متفرِّعان من الجمعية الوطنية؛ وفي لحظة معينة كادت تنتصر النزعة المعتدلة المتوازنة وكاد يصدر إعلان ذو طبيعة مزدوجة، لكن النزعة الفردية غلبت في النهاية وحدّدت طبيعة الاعلان (١) . إننا هنا أمام تعبير صريح عن النظرية الغربية الليبرالية للقانون: الفرد سيِّد مطلق، إنه إلهُ نفسِه وخالق تصرّفاته، ووظيفة القانون أن يضع الحدود التي تحمي الحرية الفردية المطلقة وتكفل تمتع الجميع بها على قدم المساواة. ومن الطبيعي إذن أن تكون سلطة الأمة في إعلان ١٧٨٩ سلطة مطلقة؛ وهو ما نجده واضحاً في المادة الثالثة منه: ((السلطة تكمن جوهرياً في الأمّة)) ؛ فالنص يجعل الأمة كائناً سياسياً قائماً بذاته، يستمدّ سلطته من نفسه لا من خارج، أي هو يجعلها كائناً مطلقاً. إنّ آباء الثورة الفرنسية، أعضاء الجمعية الوطنية، وهم في غالبيتهم تلاميذ مدرسة جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau (١٧١٢ - ١٧٧٨) يكرِّسون هكذا نظريته حول سيادة الإرادة العامة La Souverainete de La Volonte generale. فالإرادة العامة، عند روسو، هي دائماً في الاتجاه الصحيح، لأن ما هي عليه فعلياً هو نفسه ما ينبغي أن تكون عليه؛ إنها قانون نفسها ولا يوجد أي قانون أساسي ملزم لها حتى ولو كان العقد الاجتماعي الذي هو سبب وجودها؛ إنها إرادة مطلقة (٢) . ونستطيع بسهولة البادهة أن نربط بين نظرية ميرابو التي مفادها سيادة العقل الفردي وبين نظرية روسو حول سيادة الارادة العامة؛ فكما أن الحقيقة هي بنت الوعي الفردي فإن القانون هو وليد الارادة العامة التي يكشف عنها صندوق الاقتراع والتي هي وحدها مصدر الحقيقة القانونية ومعيارها. وتتجلّى هذه الليبرالية عند سييس
стр. 344
Sieyes تلميذ روسو وعضو الجمعية الوطنية: فهو يعرِّف الأمة بأنها مطلقة وذات سيادة؛ وإذ لاشيء يقيِّدها فإنها دائماً بالنسبة إلى نفسها في حالة الطبيعة (١) . وقد ساهم سييس بفكره في التمهيد للثورة (٢) ثم أصبح هو وميرابو أكبر زعيمين لها في مراحلها الأولى (٣) ، وكان تأثيرهما عميقاً في مجرى الثورة وفي مضمون إعلان الحقوق؛ وسييس الذي وصف بأنه روح الجمعية الوطنية هو الذي حملها على تسمية نفسها “ الجمعية التأسيسية ” (٤) . ورغم أنه في الأصل من رجال الدين فقد دعا إلى هيمنة الدولة على الدين (٥) ؛ وهو أمر له دلالته على الطبيعة المطلقة للدولة عنده. وممّا يشير إلى تأثير فكر روسو وسييس على أعضاء الجمعية الوطنية التي أعدّت الاعلان ليكون ديباجة للدستور أن الجمعية الوطنية كانت منقسمة إلى حزبين: حزب الدستوريين الذي كان يدعو إلى سيادة مقيَّدة، وحزب الثوريين الذي كان يمثِّل الروح الليبرالية ويدعو إلى سيادة غير مقيَّدة؛ وممّا له دلالته في هذا الصدد أن حزب اليسار في الجمعية الوطنية كان يقول بإمكان التضحية بالدستور نفسه لمصلحة الثورة رغم أنه صادر باسم الأمة (٦) . وهكذا فإن الدستور الذي تضعه الأمة ليقيِّد الحكام لن يقيِّد الأمة نفسها التي تستطيع دائماً، كما يقول سييس، أن تنقض الأشكال الدستورية وتبدِّلها.
стр. 345
وهكذا فإن الثورة الفرنسية التي قامت ضد السلطان المطلق للملوك قد أحلّت (المواطن الحديث) الذي ولد مع إعلان ١٧٨٩ م محل الملك في التمتع بالسلطان المطلق، مع فارق خطير هو أن المواطن الحديث يستمدّ سلطته السياسية من نفسه أو فرديته المطلقة بينما كان الملك يستمدّها من نظرية التفويض الالهي. وبتعبير أكثر دقة فإن عمل الثورة الأساسي الذي عبَّر عنه إعلان الحقوق هو نقل السيادة من الملك إلى الأمة مع تجريد السيادة من كل ما كان يمكن أن يشوبها، بحكم سندها القانوني القديم (نظرية التفويض الالهي) ، من تأثير للدين أو للضمير، أي مع جعلها إرادة بحتة. إن المجتمع الدمقراطي الذي ولد مع إعلان ١٧٨٩ م هو مجتمع من الآلهة، لأن أفراده ينحون منحى الآلهة في تقرير الحقيقة وفي اتخاذ القرار. ونستطيع في ضور ما تقدّم أن نرى مدى دقة الوصف الذي يقدِّمه جابرييل كوميايره Gabriel Compayre لحقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة: إن المؤسِّسين (ويقصد بهم أعضاء الجمعية الوطنية أو التأسيسية كما سمّت نفسها لاحقاً) يخلعون على حقوق الإنسان الخصائص التي كان يُعترف بها قديماً لحقوق الملوك (١) . إن هذا التشبيه يصف نصف الحقيقة؛ أما الحقيقة الكاملة فهي أن ثورة ١٧٨٩ م قد أحلّت الإنسان محل الله بواقع مضمونها الفكري. وحقَّ إذن لجماعة الدول الأوروبية المسيحية أن تصرخ محذِّرة: ((إنها قضية حياة أو موت للحضارة، لسلام أوروبا والمجتمع المدني)) (٢) . لقد قال أعضاء الجمعية الوطنية في مقدمة إعلانهم إنهم اجتمعوا في حضرة الكائن الأعلى (Sous les auspices de l’Etre supreme) ؛ فهل كان الكائن الأعلى في أذهانهم هو الله أم الأمة أم الإنسان؟!
стр. 346
نشبت الثورة الفرنسية في أواخر عصر التنوير (القرن الثامن عشر) ، ولهيبها لم يكن إلاّ وهج أنوار ذلك العصر؛ وهي أنوار سطعت في مختلف أقطار أوروبا فأصبحت مهيَّأةً كفرنسا للتغير العميق القادم؛ وإذا كان سيل الثورة الهادر قد تفجّر في فرنسا فإنه لم يكن إلاّ ذروة تيار عقلي اكتسح سائر القارة الأوروبية. لقد كانت مناقشات حقوق الإنسان، التي جرت داخل الجمعية الوطنية، (متأثرة إلى حد كبير بأفكار فلاسفة التنوير) (١) . ويجدر بنا الإشارة إلى أن تلك الثورة الثقافية الأوروبية اتي نجمت على يد فلاسفة التنوير (روسو ومونتسكيو وفولتير في فرنسا، كانت في ألمانيا، جيفرسون في أمريكا، على سبيل المثال) قد تجاوزت دائرة النخبة المفكرة وأسفرت عن ظهور جيل يؤمن بالإنسان بل يمجِّده ويعتبره الحقيقة الأساسية ويؤمن بالقدرة الهائلة للعقل الإنساني (٢) . لقد أصبح المذهب الفردي آنذاك هو مذهب الإنسان الأوروبي بعامة. ويتبين لنا من ذلك أن الجمعية الوطنية الفرنسية كانت في إنجازاتها الفكرية والقانونية مدعومة بتيار عام يجمع حولها الأمة الفرنسية بفئاتها المختلفة ويدفعها إلى النجاح في تحقيق رسالتها التحررية. كانت الثورة إذن في جوهرها ثورة عقلية، ثورة العقل الأوروبي على النظام القديم الذي كان الإنسان فيه يرسف في قيود الخضوع، خضوعه للملكية المطلقة وخضوعه للكنيسة؛ وكلتاهما سلطتان مطلقتان سيطرتا على الشعوب الأوروبية خلال قرون عديدة. وقد سمِّيتْ “ ثورة الفقهاء ” revolution des juristes؛ وهي تسمية تشير بلا ريب إلى أنها كانت في مرحلتها الأصلية حدثاً قانونياً حاسماً، وإلى أن العنف طارئ عليها. والكيفية التي وقع بها ذلك الحدث الفذّ تستوجب الوقوف عندها قليلاً لما تحمله من دلالة بالغة الأهمية:
стр. 347
كان البرلمان الفرنسي في عهد الملكية طبقي التكوين أي مكوَّناً من ممثلي ثلاث طبقات هي طبقة رجال الدين بالدرجة الأولى وطبقة النبلاء الارستقراطية الاقطاعية بالدرجة الثانية وطبقة العامة أو الطبقة الثالثة التي هي الشعب ومن ينتمي إليه من الفئات البرجوازية من التجار والصناعيين وأصحاب المهن الحرة، وهي فئات كانت تتطلع إلى إعلان الحريات وممارستها في إطار ديمقراطي يضمن بقاءها (١) . والطبقة الثالثة كانت هي الطبقة المسحوقة وصاحبة المصلحة في الثورة. قال عنها سييس: ما هي الطبقة الثالثة؟ وأجاب: كل شيء؛ وتساءل: ما وضعها في النظام السياسي حتى الآن؟ وأجاب: لا شيء؛ وتساءل أيضاً: ماذا تطلب؟ وأجاب: أن تصبح شيئاً؟ وأضاف: الطبقة الثالثة هي أمة كاملة (٢) . وقد أجريت انتخابات آخر برلمان في عهد ما قبل الثورة، بأمر من الملك لويس السادس عشر، في إبريل (نيسان) ١٧٨٩. (وفي اجتماع ٦ مايو ١٧٨٩ قرر نواب “ الطبقة الثالثة ” أن يكون اسمهم الجديد “ جمعية العموم ” أو “ مجلس العموم ” Commune أسوة بمجلس العموم البريطاني، بدلاً من “ الطبقة الثالثة ”. ولكنهم عادوا في اجتماع ١٧ يونيو ١٧٨٩ ورفضوا مبدأ الفصل بين طبقات المجتمع وأعلنوا أن اسم البرلمان الجديد ليس “ مجلس الطبقات ” Etats Generaux ولكن “ الجمعية الوطنية ” Assemblee Nationale) (٣) . ومن المناسب أن نلحظ أن عدد نواب الطبقة الثالثة كان في يوم افتتاح البرلمان، ٤ مايو (مايس) ١٧٨٩، خمسمائة وخمسين بينهم أكثر من ثلثمائة من رجال القانون من المحامين والقضاة (وكأنهم يمثلون تمثيلاً صادقاً مجيء حكم القانون) (٤) . وفي ٦ تموز عيّنت الجمعية الوطنية لجنة من أعضائها لوضع دستور للبلاد (٥) . أي أنها بعد أن ولدت بإرادتها الذاتية أخذت تفرض نفسها ومنطقها الجديد على النظام القائم. (وهكذا بدت الملكية منذ ذلك الحين مقيَّدة فعلياً بوجود “ الجمعية
стр. 348
الوطنية ”) (١) . وقد مضت الجمعية الوطنية تناقش مشروع إعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ وكانت مناقشته سجال أفكار استمر إلى ٢٦ آب ١٧٨٩ حيث صادقت الجمعية على الإعلان الذي أُعِدَّ ليكون مقدمة للدستور. وبعد صدور الإعلان بدأت مناقشات الدستور.
وينبغي أن نلحظ على هذه الأحداث أنه إذا كانت انتخابات مجلس الطبقات قد جرت بإرادة الملك لويس السادس عشر فإن إرادة أخرى، إرادة الأمة الفرنسية ممثلةً في نواب الطبقة الأكبر أي الطبقة الثالثة، هي التي فرضت وجود الجمعية الوطنية وأسستْ برلماناً دمج طوائف الأمة المختلفة في جسد وطني واحد. لقد ولد (البرلمان الحديث) بنفسه وفرض نفسه فرضاً على النظام القائم، وكان ميلاده يعبِّر بوضوح عن حلول الحق الطبيعي، حق الفرد والأمة، محل الحق الالهي وحقوق الألقاب الارستقراطية المتوارثة أو المصطنعة. وهذا الانبثاق الطبيعي للجمعية الوطنية وما اقترن به من التفاف الأمة، وبخاصة عموم الشعب الفرنسي، حولها هما اللذان يفسِّران بلا ريب قدرتها على
أن تصمد وتمضي قدماً في طريق التغيير. لقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن هذا البرلمان الحقيقي هو قوة لا تقاومُ لأن وراءه سنداً من الحق الطبيعي للإنسان وسنداً من إرادة الأمة. إن نظرية الحق الالهي سقطت لأن النظرية الديمقراطية القائمة على المذهب الفردي قد دقّت ساعتها إذ سطعت في عقول الناس واختمرت في ضمائرهم. لقد كانت نواة الثورة الفرنسية أولئك النواب الثلاثمائة من رجال القانون، ولقد كانت تلك النواة تحمل من القابلية للصمود والتغلّب قَدْرَ ما تحمل من قوة الفكرة الجديدة.
стр. 349
وكما سميِّت الثورةُ الفرنسية “ ثورة الفقهاء ” فإنها وُصِفَتْ بأنها ثورة أوروبية. كتب جوريس Jaures يقول: ((لا توجد ثورة فرنسية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل توجد ثورة أوروبية على رأسها فرنسا)) (١) . بل وصفها بعضهم بأنها ثورة أطلسية revolution atlantique أو غربية (٢) .
ولابد من الإشارة في هذا الصدد إلى الوشيجة العميقة بين إعلان الحقوق الفرنسي وإعلانات الحقوق الأمريكية التي توّجت كفاح المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشرة للاستقلال عن التاج البريطاني في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. من هذه الإعلانات إعلان الحقوق الذي أعتمدته دولة فرجينيا مقدمةً لدستورها في ١٢ حزيران ١٧٧٦. وقد نصت المادة الأولى منه على أن البشر متساوون بطبيعتهم في الحرية والاستقلال وأنهم يتمتعون بحقوق طبيعية غير قابلة للتنازل؛ وقد تكامل هذا المبدأ الأساسي الأول مع مبدأ السيادة الوطنية والنظام الانتخابي ومبدأ فصل السلطات. على أن أكبر تلك الإعلانات بلاشك هو إعلان الاستقلال الصادر في ٤ تموز ١٧٧٦، تلك الوثيقة التاريخية التي أعدّها الزعيم والمفكر الأمريكي الكبير توماس جيفرسون. ويتلخص ذلك الإعلان التاريخي في أن الحرية والمساواة حقان طبيعيان وأن المجتمع السياسي تكوّن بالاتفاق بين الأفراد لتأمين حرياتهم، وهو كما رأينا في إعلان فرجينيا يؤكد على سيادة الشعب. وكان جيفرسون يسعى إلى تضمين وثيقة الاستقلال مشروعه لمنع استيراد العبيد ومكافحة تجارة الرقيق، لكن المعارضة الشديدة التي لقيها أدّت إلى حذفه من الوثيقة. وكان يكافح أيضاً لتأمين الحرية الدينية وإنهاء الاضطهاد الذي كانت تمارسه الكنيسة، ووضع قانونه الخاص بالفصل بين الدولة والكنيسة (٣) . وبعد برهة من الزمن لا تتجاوز ثلاثة عشر عاماً صدر الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن متضمناً المباديء ذاتها. فقد نصت المادة الأولى على مبدأ الحرية الطبيعية ومبدأ
стр. 350
المساواة، وترجمتها المادة الثالثة بالنص على مبدأ سيادة الأمة، وجاءت المادة السادسة عشرة للتوّج هذه المباديء الثلاثة بمبدأ الفصل بين السلطات؛ وكما رأينا في إعلان الاستقلال الأمريكي الصادر في ١٧٧٦ فإن إعلان الحقوق الفرنسي نصّ على أن هدف المجتمع السياسي هو الحفاظ على حقوق الإنسان الطبيعية.
الثورتان رضعتا إذن لبان الأفكار ذاتها، والثورة الفرنسية سلكت طريقاً ارتادته قبلها الثورة الأمريكية. والأجدر أن نقول إن الثورتين قد خرجتا من أصول ثقافية مشتركة. ويكفي في الإشارة إلى ما بين الثورتين من نسب فكري عميق أن نذكر أن أعداء جيفرسون، وهو من كبار رجال معركة الاستقلال والديمقراطية الأمريكية، قد اتهموه بأنه “ آلة في يد فرنسا ” و “ أداة روبسييير ” و “ والملحد اليعقوبي ” و “ قاتل الملوك ” (١) . ونادي اليعاقبة هو الجناح المتطرف في الثورة الفرنسية، ومن أعضائه روبسييير.
المطلب الثاني: الخلفية التاريخية للثورة الفرنسية.
لا يمكن فصل عصر التنوير عما سبقه من عصور، بل هو ثمرة تطور عقلي عميق حصل للشعوب الأوروبية خلال تاريخها الطويل. وإذا كان عصر التنوير يبدو لنا وثيق الصلة بعصر النهضة الأوروبية فإنه متصل بما سبقها من مراحل التطور العميق والبطىء. وإذا كانت الثورة الفرنسية هي بنت المذهب الفردي الذي سطعت أنواره في القرن الثامن عشر فإن معرفة مضامين التطور العقلي الذي أفضى إليه تتيح لنا أن نصل إلى الكنه العميق للأساس الجديد المزدوج للدولة أي الحرية الفردية وسلطة الأمة وأن نستشرف، من هناك أي من حيث نرى كنه هذا الأساس، مستقبل العلاقة بين الإنسان والدولة ومستقبل حقوق الإنسان والمواطن.
стр. 351
نستطيع أن نرى بذرة المذهب الفردي في نظرية القانون الطبيعي كما صاغها الفقيه والمفكر الروماني الشهير شيشرون Ciceron (١٠٦ - ٤٣ق. م) . ونظرية القانون الطبيعي ظهرت أول مرة على يد فلاسفة الاغريق المتأخرين وبخاصةٍ الرواقيين stoiciens في أواخر العصر الاغريقي عندما أخذ الفكر السياسي يتحرّر من طغيان فكرة الدولة ويرى للفرد وجوداً ذاتياً مستقلاً عن الدولة أي وجوداً طبيعياً غير وجوده السياسي، (مناقضاً بذلك تعاليم أرسطو) (١) . وشيشرون الذي هو أحد أبرز فقهاء الرومان المتأثرين بفلسفة الرواقيين ذهب إلى وجود قانون طبيعي منتشر في جميع البشر وإلى أن الناس أحرار بخضوعهم لهذا القانون وإلى أنهم في ضوئه متساوون؛ وإنما هم متساوون في تكوينهم النفسي وفي كونهم كائنات عاقلة وفي تمييزهم المشترك بين الخير والشر. وفي تحديد مصدر هذا القانون الطبيعي قال شيشرون إنه نابع من العناية الربانية ومن الطبيعة البشرية العاقلة؛ أنه قانون العقل الصحيح. لكنه قال أيضاً إن الإنسان هو المصدر الأول لفكرة العدل، وأرجع القوانين إلى التمييز المتأصل في طبيعته بين الخير والشر. وهكذا يبدو الميل عند شيشرون إلى اعتبار العقل مرجعاً أصلياً لمعرفة القانون الطبيعي، رغم المسحة الميتافيزيقية (٢) التي يخلعها على هذا القانون. وكما تلقّى فقهاء الرومان فكرة القانون الطبيعي من فلاسفة الاغريق فإن الأوروبيين تلقَّوا من شيشرون نظريته في القانون الطبيعي وأصبحت عندهم على مدى قرون سلاحاً لمقارعة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والمساواة. وإذا كان واضحاً أن هذه النظرية قد وجهت الفكر الأوروبي نحو تدعيم حرية الفرد وذاتيته المستقلة فإننا نستطيع أن نقول إنها أسهمت في دفع هذا الفكر في الاتجاه المؤدي إلى تكريس سيادة العقل الفردي.
стр. 352
هذا الاتجاه إلى تكريس سيادة العقل سوف يتلقى في القرن الخامس الميلادي دفعة قوية على يد القديس أوغسطين Saint Augustin صاحب (مدينة الله La Cite de Dieu) و (سلطة النوع الإنساني - L’autorite du genre humain) والذي عرّف الوجود بأنه ظاهرة وعي Phenomene do la Conscience. وواضح أن القديس أوغسطين أعطى الوعي أولوية تجعل منه، وهو من أوائل فلاسفة المسيحية الكبار، رائد المذهب العقلاني في التاريخ الأوروبي. إنه، كما يقول كوستاس يايويانوّ Kostas Papoiannou (١) ، الجدّ الأعلى لهيجل Hegel. وهيجل (١٧٧٠ - ١٨٣١ م) هو الذي قال إن الدولة هي التجسيد الواقعي للفكرة المطلقة. وفي قلب العصر الوسيط تطالعنا في أوساط رهبان الكنيسة النزعات التي سوف تطبع العصر الحديث، وهي العقلانية والليبرالية والفردية التي حاولت الكنيسة دون جدوى قمعها والتي نجم عنها في أوساط الرهبان تصوّر للأخلاق متحرر من القانون الديني. وتسلمنا هذه المرحلة القلقة من مراحل العصر الوسيط إلى رمز كبير من رموز الكاثوليكية في القرن الثالث عشر (أواخر العصر الوسيط) ، إلى القديس توماس الاكويني Saint Thomas D'Aquin (١٢٢٦ - ١٢٧٤ م) الذي يعرِّف الإنسان بأنه من الناحية الجوهرية عقل L’homme est essentiellement raison والذي يكرِّس الفرد على ما هو عليه في واقعه المحسوس. وقد قيل إنه أبو الفلسفة الحديثة (٢) . وتتجاوب رؤيته للسلطة السياسية مع رؤيته هذه للإنسان: فالسلطة التي هي حق إلهي طبيعي، مفوَّضة إلى الشعب، بمعنى أن الشعب يختص بتعيين الحكام من وسطه؛ وهكذا يعرِّف رئيس الدولة بأنه نائب الجماعة Vicaire de la multitude (٣) . ونستطيع أن نلحظ الدلالة الخطيرة والمثيرة التي ينطوي عليها مذهبه: فإذا كان الإنسان جوهراً عقلياً فإن السلطة الطبيعية للجماعة هي في التحليل الأخير سلطة قائمة بذاتها أي مطلقة. إن مذهب القديس توماس الاكويني
стр. 353
يحمل هكذا بذرة الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، تماماً كما هو يسلم الفرد إلى واقعه المحسوس. إننا أمام الامارات الأولى لسقوط الميتافيزيقيا من حياة المجتمع المدني. أليس مثيراً جداً أن نرى عند هذا الذي كرّسته الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد أباً من آبائها الارهاصات غير المباشرة للحركة العقلية التي قادت إلى الثورة الفرنسية؟!
أمّا في القرن التالي، الرابع عشر، حيث بدأت تختمر الخمائر الأولى للنهضة الأوروبية، فقد اهتزت البنية العقلية التقليدية تحت ضربات المذهب الاسمي nominalisme الذي شكّك في الحقائق المجرّدة واستبدل بها الحقائق المستمدة من الطبيعة الحسيّة. وظهرت حينئذ الدعوة إلى الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية (١) ، وهو الفصل الذي سوف تضع الثورة الفرنسية بعد أربعة قرون أساسه الايديولوجي في إعلان ١٧٨٩ م. ونستطيع في ضوء هذه المعطيات أن ندرك كنه الاتجاه الإنساني Humanisme الذي أفرزه هذا التطور العقلي على مدى قرون والذي هو روح عصر النهضة الممتد بين أواخر الربع الأول من القرن الرابع عشر وأواسط القرن السادس عشر: إنه الاتجاه إلى تكريس الوعي الفردي تكريساً يعطيه الصفة المطلقة ويوحِّده مع الطبيعة الحسيّة؛ إنه الاتجاه إلى جعل الأنا الفردية إليهاً أرضياً يرى الحقيقة من خلال واقعه المادي المحض؛ إنه الاتجاه إلى إنزال (المطلق) من علوِّه الميتافيزيقي وجعله في هذه الإنسانية التي وصفها الفيلسوف الألماني فيورباخ Feuerbach بأنها الإنسانية التي تتغذى من نفسها، من لحمها ودمها (٢) . هذا الاتجاه الذي يخرج الفرد من حالة الخضوع للمبدأ الميتافيزيقي وللسلطة الروحية التي تحكم باسمه ويدفعه إلى حالة الحرية المطلقة حيث يتحد مع العالم المادي يقود طبيعياً إلى نتيجة حتمية هي خضوع الفرد للدولة بوصفها واقعاً مادياً ضخماً ومسيطراً؛ وهو خضوع طوعي يجعله والدولة شيئاً واحداً ويخلع على الدولة صفة
стр. 354
المطلق. أي أن الفرد والدولة يصبحان صورتين للقوة مندمجتين أولاهما في أخراهما، على أن أولاهما قوة خاضعة إلى حدّ التلاشي في الأخرى بينما الأخرى قوة مسيطرة إلى حدّ أن تكون إلهاً للأولى. لقد عرّف المفكر الألماني Treitschke الدولة بأنها قوة l”Etat est force (١) ، وعرّف هيجل الدولة بأنها المطلق، وفي نظر الفقيه الفرنسي العميد ديكي Duguit فإن جوهر الدولة يكمن في فرق القوة بين الحكام والمحكومين (٢) ؛ أما كانت Kant فقد فقد أصلّ القانون، الذي هو نظام حياة الدولة، في القوة. ومن هنا قول الفقيه الألماني إهرنك Ihering إن غياب القوة المادية هو الخطيئة القاتلة للدولة (٣) . وهو خطيئتها القاتلة لأن القوة المادية ليست أداةً لقمع حالات الخروج على نظام الدولة فحسب، ولكنها القاعدة العامة لنظام الدولة واكسير حياتها.
стр. 355
ونستطيع أيضاً أن نرى ما في تيار الإنسانية هذا من قوة اندفاع نحو تحطيم القوالب التقليدية للعقل والحياة والدولة: إنه تيار يتغذى على تكريس إرادة القوة في الفرد والدولة على السواء. وقد وصل هذا التيار مع رينيه ديكارت Rene Descartes في القرن السادس عشر إلى لحظة التحطيم الجذري لهذه القوالب التقليدية عندما أطلق قولته المشهورة: ((أنا أفكِّر، إذن أنا موجود)) ؛ وهكذا هدم ديكارت جميع الحقائق أو، وفق لغته، أحلام العالم الموضوعي ونهضت من بين ركام الحقائق المنهارة هذه الأنا التي تتكلم في فراغ مطلق وتقرِّر الحقائق كما يقرِّرها إله. وواضح أن أولوية الأنا عند ديكارت تتجاوب مع أولوية الوعي عند القديس أوغسطين وواضح أيضاً أن اعتباره الحقيقة فكرة العقل ذاتها يتجاوب مع قول القديس توماس الاكويني إن الإنسان هو جوهرياً عقل. وهكذا فإن العصور القديمة والوسطى والحديثة تلتقي على أمر جامع هو تأليه الإنسان أو بالأحرى تأليه الأنا الفردية La divinisation du moi؛ وهو، كما رأينا آنفاً، الطريق الذي يوصل طبيعياً إلى تأليه الدولة. وليس هذا التأليه للإنسان فكرة مستقرة في العقل الباطن الأوروبي فحسب، بل هو فكرة واعية وجدت تعبيرها الصريح في البيئة المسيحية في العصر الوسيط حيث ظهر تعريف للإنسان بأنه إله ثانٍ L’homme est un second dieu (١) . لقد قدّم ديكارت لأوروبا أساساً جديداً للفكر والحياة حينما هدم جذرياً ثنائية العقل والحقيقة وحرّر الإنسان الأوروبي من ربقتها ومما تنطوي عليه من قيود للفكر والسلوك؛ إن صيحته المشهورة الآتية من أعماق الحضارة الأوروبية المسيحية تعلن نهاية النظام القديم وتفتتح عهد الإنسان الحرّ والدولة الحرة: عهد الإنسان الذي (يقرِّر) الحقيقة بوعيه الفردي البحت و (يبتكر) تصرفاته بإرادته الفردية البحتة، وعهد الدولة صاحبة السلطة العليا المطلقة أي الدولة ذات السيادة؛ إنها بشارة