← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نستطيع أن نرى بذرة المذهب الفردي في نظرية القانون الطبيعي كما صاغها الفقيه والمفكر الروماني الشهير شيشرون Ciceron (١٠٦ - ٤٣ق. م) . ونظرية القانون الطبيعي ظهرت أول مرة على يد فلاسفة الاغريق المتأخرين وبخاصةٍ الرواقيين stoiciens في أواخر العصر الاغريقي عندما أخذ الفكر السياسي يتحرّر من طغيان فكرة الدولة ويرى للفرد وجوداً ذاتياً مستقلاً عن الدولة أي وجوداً طبيعياً غير وجوده السياسي، (مناقضاً بذلك تعاليم أرسطو) (١) . وشيشرون الذي هو أحد أبرز فقهاء الرومان المتأثرين بفلسفة الرواقيين ذهب إلى وجود قانون طبيعي منتشر في جميع البشر وإلى أن الناس أحرار بخضوعهم لهذا القانون وإلى أنهم في ضوئه متساوون؛ وإنما هم متساوون في تكوينهم النفسي وفي كونهم كائنات عاقلة وفي تمييزهم المشترك بين الخير والشر. وفي تحديد مصدر هذا القانون الطبيعي قال شيشرون إنه نابع من العناية الربانية ومن الطبيعة البشرية العاقلة؛ أنه قانون العقل الصحيح. لكنه قال أيضاً إن الإنسان هو المصدر الأول لفكرة العدل، وأرجع القوانين إلى التمييز المتأصل في طبيعته بين الخير والشر. وهكذا يبدو الميل عند شيشرون إلى اعتبار العقل مرجعاً أصلياً لمعرفة القانون الطبيعي، رغم المسحة الميتافيزيقية (٢) التي يخلعها على هذا القانون. وكما تلقّى فقهاء الرومان فكرة القانون الطبيعي من فلاسفة الاغريق فإن الأوروبيين تلقَّوا من شيشرون نظريته في القانون الطبيعي وأصبحت عندهم على مدى قرون سلاحاً لمقارعة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والمساواة. وإذا كان واضحاً أن هذه النظرية قد وجهت الفكر الأوروبي نحو تدعيم حرية الفرد وذاتيته المستقلة فإننا نستطيع أن نقول إنها أسهمت في دفع هذا الفكر في الاتجاه المؤدي إلى تكريس سيادة العقل الفردي.

стр. 352

هذا الاتجاه إلى تكريس سيادة العقل سوف يتلقى في القرن الخامس الميلادي دفعة قوية على يد القديس أوغسطين Saint Augustin صاحب (مدينة الله La Cite de Dieu) و (سلطة النوع الإنساني - L’autorite du genre humain) والذي عرّف الوجود بأنه ظاهرة وعي Phenomene do la Conscience. وواضح أن القديس أوغسطين أعطى الوعي أولوية تجعل منه، وهو من أوائل فلاسفة المسيحية الكبار، رائد المذهب العقلاني في التاريخ الأوروبي. إنه، كما يقول كوستاس يايويانوّ Kostas Papoiannou (١) ، الجدّ الأعلى لهيجل Hegel. وهيجل (١٧٧٠ - ١٨٣١ م) هو الذي قال إن الدولة هي التجسيد الواقعي للفكرة المطلقة. وفي قلب العصر الوسيط تطالعنا في أوساط رهبان الكنيسة النزعات التي سوف تطبع العصر الحديث، وهي العقلانية والليبرالية والفردية التي حاولت الكنيسة دون جدوى قمعها والتي نجم عنها في أوساط الرهبان تصوّر للأخلاق متحرر من القانون الديني. وتسلمنا هذه المرحلة القلقة من مراحل العصر الوسيط إلى رمز كبير من رموز الكاثوليكية في القرن الثالث عشر (أواخر العصر الوسيط) ، إلى القديس توماس الاكويني Saint Thomas D'Aquin (١٢٢٦ - ١٢٧٤ م) الذي يعرِّف الإنسان بأنه من الناحية الجوهرية عقل L’homme est essentiellement raison والذي يكرِّس الفرد على ما هو عليه في واقعه المحسوس. وقد قيل إنه أبو الفلسفة الحديثة (٢) . وتتجاوب رؤيته للسلطة السياسية مع رؤيته هذه للإنسان: فالسلطة التي هي حق إلهي طبيعي، مفوَّضة إلى الشعب، بمعنى أن الشعب يختص بتعيين الحكام من وسطه؛ وهكذا يعرِّف رئيس الدولة بأنه نائب الجماعة Vicaire de la multitude (٣) . ونستطيع أن نلحظ الدلالة الخطيرة والمثيرة التي ينطوي عليها مذهبه: فإذا كان الإنسان جوهراً عقلياً فإن السلطة الطبيعية للجماعة هي في التحليل الأخير سلطة قائمة بذاتها أي مطلقة. إن مذهب القديس توماس الاكويني

стр. 353

يحمل هكذا بذرة الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، تماماً كما هو يسلم الفرد إلى واقعه المحسوس. إننا أمام الامارات الأولى لسقوط الميتافيزيقيا من حياة المجتمع المدني. أليس مثيراً جداً أن نرى عند هذا الذي كرّسته الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد أباً من آبائها الارهاصات غير المباشرة للحركة العقلية التي قادت إلى الثورة الفرنسية؟! أمّا في القرن التالي، الرابع عشر، حيث بدأت تختمر الخمائر الأولى للنهضة الأوروبية، فقد اهتزت البنية العقلية التقليدية تحت ضربات المذهب الاسمي nominalisme الذي شكّك في الحقائق المجرّدة واستبدل بها الحقائق المستمدة من الطبيعة الحسيّة. وظهرت حينئذ الدعوة إلى الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية (١) ، وهو الفصل الذي سوف تضع الثورة الفرنسية بعد أربعة قرون أساسه الايديولوجي في إعلان ١٧٨٩ م. ونستطيع في ضوء هذه المعطيات أن ندرك كنه الاتجاه الإنساني Humanisme الذي أفرزه هذا التطور العقلي على مدى قرون والذي هو روح عصر النهضة الممتد بين أواخر الربع الأول من القرن الرابع عشر وأواسط القرن السادس عشر: إنه الاتجاه إلى تكريس الوعي الفردي تكريساً يعطيه الصفة المطلقة ويوحِّده مع الطبيعة الحسيّة؛ إنه الاتجاه إلى جعل الأنا الفردية إليهاً أرضياً يرى الحقيقة من خلال واقعه المادي المحض؛ إنه الاتجاه إلى إنزال (المطلق) من علوِّه الميتافيزيقي وجعله في هذه الإنسانية التي وصفها الفيلسوف الألماني فيورباخ Feuerbach بأنها الإنسانية التي تتغذى من نفسها، من لحمها ودمها (٢) . هذا الاتجاه الذي يخرج الفرد من حالة الخضوع للمبدأ الميتافيزيقي وللسلطة الروحية التي تحكم باسمه ويدفعه إلى حالة الحرية المطلقة حيث يتحد مع العالم المادي يقود طبيعياً إلى نتيجة حتمية هي خضوع الفرد للدولة بوصفها واقعاً مادياً ضخماً ومسيطراً؛ وهو خضوع طوعي يجعله والدولة شيئاً واحداً ويخلع على الدولة صفة

стр. 354

المطلق. أي أن الفرد والدولة يصبحان صورتين للقوة مندمجتين أولاهما في أخراهما، على أن أولاهما قوة خاضعة إلى حدّ التلاشي في الأخرى بينما الأخرى قوة مسيطرة إلى حدّ أن تكون إلهاً للأولى. لقد عرّف المفكر الألماني Treitschke الدولة بأنها قوة l”Etat est force (١) ، وعرّف هيجل الدولة بأنها المطلق، وفي نظر الفقيه الفرنسي العميد ديكي Duguit فإن جوهر الدولة يكمن في فرق القوة بين الحكام والمحكومين (٢) ؛ أما كانت Kant فقد فقد أصلّ القانون، الذي هو نظام حياة الدولة، في القوة. ومن هنا قول الفقيه الألماني إهرنك Ihering إن غياب القوة المادية هو الخطيئة القاتلة للدولة (٣) . وهو خطيئتها القاتلة لأن القوة المادية ليست أداةً لقمع حالات الخروج على نظام الدولة فحسب، ولكنها القاعدة العامة لنظام الدولة واكسير حياتها.

стр. 355

ونستطيع أيضاً أن نرى ما في تيار الإنسانية هذا من قوة اندفاع نحو تحطيم القوالب التقليدية للعقل والحياة والدولة: إنه تيار يتغذى على تكريس إرادة القوة في الفرد والدولة على السواء. وقد وصل هذا التيار مع رينيه ديكارت Rene Descartes في القرن السادس عشر إلى لحظة التحطيم الجذري لهذه القوالب التقليدية عندما أطلق قولته المشهورة: ((أنا أفكِّر، إذن أنا موجود)) ؛ وهكذا هدم ديكارت جميع الحقائق أو، وفق لغته، أحلام العالم الموضوعي ونهضت من بين ركام الحقائق المنهارة هذه الأنا التي تتكلم في فراغ مطلق وتقرِّر الحقائق كما يقرِّرها إله. وواضح أن أولوية الأنا عند ديكارت تتجاوب مع أولوية الوعي عند القديس أوغسطين وواضح أيضاً أن اعتباره الحقيقة فكرة العقل ذاتها يتجاوب مع قول القديس توماس الاكويني إن الإنسان هو جوهرياً عقل. وهكذا فإن العصور القديمة والوسطى والحديثة تلتقي على أمر جامع هو تأليه الإنسان أو بالأحرى تأليه الأنا الفردية La divinisation du moi؛ وهو، كما رأينا آنفاً، الطريق الذي يوصل طبيعياً إلى تأليه الدولة. وليس هذا التأليه للإنسان فكرة مستقرة في العقل الباطن الأوروبي فحسب، بل هو فكرة واعية وجدت تعبيرها الصريح في البيئة المسيحية في العصر الوسيط حيث ظهر تعريف للإنسان بأنه إله ثانٍ L’homme est un second dieu (١) . لقد قدّم ديكارت لأوروبا أساساً جديداً للفكر والحياة حينما هدم جذرياً ثنائية العقل والحقيقة وحرّر الإنسان الأوروبي من ربقتها ومما تنطوي عليه من قيود للفكر والسلوك؛ إن صيحته المشهورة الآتية من أعماق الحضارة الأوروبية المسيحية تعلن نهاية النظام القديم وتفتتح عهد الإنسان الحرّ والدولة الحرة: عهد الإنسان الذي (يقرِّر) الحقيقة بوعيه الفردي البحت و (يبتكر) تصرفاته بإرادته الفردية البحتة، وعهد الدولة صاحبة السلطة العليا المطلقة أي الدولة ذات السيادة؛ إنها بشارة

стр. 356

إلى أوروبا بالدخول في عصرها الحديث، عصر الدول القوية وحركة التوسع الأوروبي. وإذا كان ديكارت قد حرّر العقل نهائياً من قوالب بنيته التقليدية وأطلق حيويته الحرة فإنه قد ضمن بذلك لمنهجه أن يصل في تأثيره إلى الدرجة التي يشير إليها لويس كارديه Louis Gardet بقوله إنه بلغ حدّ توجيه منطق الرجل العادي (١) . ونستطيع إذن أن نؤرخ بهذه اللحظة الفاصلة من تاريخ أوروبا بدء مسيرتها نحو الديمقراطية الحديثة، حيث بزغ فجر إيمان جديد، إيمان الفرد بنفسه إيماناً جعله في وعي حقيقةً مطلقة؛ وتلك هي المسيرة الطويلة التي سوف تتوِّجها الثورة الفرنسية في ١٧٨٩ م. ولا ريب في أن نموّ هذا الإيمان الجديد يبدِّد تدريجياً في وعي الفرد والجماعة صورة صاحب السيادة بوصفه حقيقةً مستقلة عن الجماعة بحيث يصبح صاحب السيادة هو الجماعة نفسها وتصبح هي مصدر السلطة والقانون. ونستطيع أن نرى هذا التحوّل العميق عندما نقارن بين مفهوم جون لوك وبين مفهوم جان جاك روسو لصاحب السيادة في نظريتيهما عن العقد الاجتماعي. فالعقد الاجتماعي عند لوك ينعقد بين طرفين أحدهما الجماعة والثاني فرد يصبح بمقتضى العقد صاحب السيادة؛ وهذا العقد ينشئ حقوقاً وواجبات متبادلةً بين طرفيه بحيث تكون سلطة صاحب السيادة نسبية خاضعة لشروط معينة تتحكم في نشوئها وفي بقائها. أما العقد الاجتماعي عند روسو فإنه عقد تبرمه الجماعة مع نفسها وتصبح بمقتضاه هي صاحبة السيادة وتكون سلطتها بطبيعة الحال مطلقة؛ إن حصيلة العقد الاجتماعي هي ما أسماه روسو سيادة الإرادة العامة (٢) . إنَّ انهيار ثنائية العقل والحقيقة على يد ديكارت، أي صيرورة الحقيقة فكرة العقل ذاتها، قد أذن بانهيار ثنائية الإنسان والدولة وصيرورة الفرد، وبالتالي الأمة، جوهر الدولة وحقيقتها النهائية. وإن هذه الأحادية العقلية والسياسية التي هي روح العصر الحديث هي الطور الأخير الذي أصبحت تسير نحوه

стр. 357

الدولة سيراً تصاعدت قوته خلال عصر التنوير حيث ظهر جيل جديد متشبع بالمذهب الفردي. وفي طورها الأخير هذا تنقطع الدولة الحديثة عن جذورها الميتافيزيقية ولا يبقى للسلطة الروحية وجود في حياة المجتمع السياسي الذي يصفه كانت بأنه جذوره من نفسه؛ فمحلَّ سيادة الملك المستندة إلى نظرية الحق الإلهي سوف تحلّ سيادة الأمة التي تجد سندها في نفسها أي في الحق الطبيعي المطلق الذي يُحِلّ الفرد لا محل الملك فحسب بل محلّ الله ويجعل سيادة الإرادة العامة التي تحدث عنها روسو بديلاً عن الإرادة الإلهية المطلقة. إن هذا الطور الأخير هو طور علمانية الدولة La Laicite de L’Etat (١) التي سوف تكرِّسها الثورة الفرنسية في إعلان ١٧٨٩ م والتي أقامها ميرابو في مناقشات الجمعية الوطنية على أساسٍ من الطبيعة المطلقة للوعي الفردي. وفي هذا الصدد يقول Gabriel Compayre إنه ((لا يوجد ظلّ للميتافيزيقيا في إعلان معتقد سياسي)) ، مدافعاً عن إعلان الحقوق ضدّ أولئك الذين كانوا يحتجّون على عقلانيته المطلقة أو طابعه المادي (٢) . وإذا كانت الفلسفة الحديثة، وعلى رأسها ديكارت، قد بذرت بذور الإيمان الجديد الذي أشرنا إليه والذي قاد إلى هذا التحوّل العميق في طبيعة الدولة، أي بذرة الوعي الفردي المطلق، في أرض خصبة صالحة للإنبات بحكم تطوّرها التاريخي فإن جان جاك روسو ومن بعده تلميذه سييس قد تعهّدا هذه البذرة بالرعاية وأعطياها ثمرتها السياسية الكاملة: فالأول حرّر الإرادة العامة من كل قانون أساسي بل من العقد الاجتماعي الذي هو مصدرها وجعلها مطلقة تستطيع فعل أي شيء، والثاني اعتبر الأمة كائناً مطلقاً لا يقع عليه أي إلزام وافترض أنها، بالنسبة إلى ذاتها، في حالة الطبيعة دائماً؛ وبهذا التعليم أثارا حركة عقلية عامة قادت إلى الثورة الفرنسية. المبحث الثاني: الفرد والدولة: المطلب الأول: ماهية الحرية الفردية في إعلان ١٧٨٩ م

стр. 358

تحتلّ الحرية الفردية مركز الدائرة في النظام السياسي الذي أقامته الثورة الفرنسية للمجتمع السياسي. تنص المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية في ٢٦ آب ١٧٨٩ م على أن الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الحقوق ويبقون كذلك، وتسلِّط المادتان الرابعة والخامسة ضوءً قوياً على مضمون المادة الأولى يكشف حقيقة هذه الحرية التي يتمتع بها الإنسان بمقتضى إنسانيته نفسها وبمجرّد واقعة ميلاده ذاتها. فالمادة الرابعة تعرِّف هذه الحرية الطبيعية بأنها قدرة الفرد على القيام بكل مالا يلحق ضرراً بالآخرين؛ وهكذا، كما تقول المادة، فإنه لا حدود لممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان إلاّ تلك التي تؤمِّن للأعضاء الآخرين للمجتمع التمتع بهذه الحقوق نفسها؛ وتسند المادة إلى القانون وحده تحديد هذه الحدود. وواضح إذن أن الحرية التي يكرِّسها الإعلان هي في ذاتها حرية مطلقة، حرية الفرد في أن يفعل ما يشاء ويدع ما يشاء؛ إنها ليست خاضعة لقانون سابق أي لمعيار أخلاقي يضبطها ويحدِّد لها مسالكها، والقانون الوحيد الذي يضبطها لا شأن له بمضمونها الداخلي وإنما هو يضبط علاقاتها الخارجية مع حريات الآخرين حتى لا تفتئت عليها وتبقى حرية كل فرد مطلقة في عالمها الداخلي؛ ونصّ المادة الرابعة يُشعِرُ بوضوح بنفي أي معيار لضبط الحرية الفردية غير القانون الوضعي الذي يتولّى وحده تعيين الحدود الفاصلة بين الحريات الفردية؛ وينبني على هذا النفي نتيجة خطيرة بيّنتها المادة الخامسة هي أن كل مالا يحرمه القانون لا يمكن منعه وما لا يأمر به القانون لا يمكن إجبار أحد على فعله. فالقانون هو إذن خادم للحرية الفردية لا حاكمُ عليها، إنه مأمور لا آمر، مأمور بأن يؤدّي في خدمتها مهمة ليس له أن يتجاوزها، وهذه المهمة المحصورة قد بيّنتها المادة الخامسة: (ليس للقانون الحق في أن يمنع غير الأعمال الضارة

стр. 359

بالمجتمع) . ولا نستطيع أن نُغفِل التناقض الظاهر والجذري بين هذا المفهوم الليبرالي للحرية وبين مفهوم الحرية في نظرية القانون الطبيعي التي انطلق منها المذهب الفردي، وهو المذهب الذي على أساسٍ منه قامت الثورة الفرنسية. فالخضوع للقانون هو قوام الحرية عند شيشرون الذي كانت نظريته في القانون الطبيعي منطلقاً لتطور فكري وسياسي دام قروناً في أوروبا؛ وموقف شيشرون في هذا الشأن موقف جذري إذ يقول: ((إننا عبيد للقانون لكي نكون أحراراً)) ؛ وبديهي أن القانون الذي يعنيه هو القانون الطبيعي أي القانون القائم بنفسه السابق للإرادة والذي يقرِّر للإرادة ما ينبغي أن تتَّجه إليه؛ والحرية التي يعنيها هي إذن حرية أخلاقية قائمة على ثنائية المثال المجرَّد والإرادة البشرية. وهكذا نستطيع أن نرى أن المذهب الفردي في طوره النهائي الذي أفرز الثورة الفرنسية قد تنكَّر لأصله التاريخي الذي انحدر منه بأن جرَّد الحرية من طابعها المعياري وأفقدها عمقها الأخلاقي وجعلها إرادة محضة بعد أن كان جوهرها القانون.

стр. 360

ينبغي إذن تعريف الحرية التي كرّسها الاعلان بأنها إرادة النفس الحسّيّة بالمعنى المطلق لهذا التعبير. وهكذا نصل إلى الفلسفة النهائية لواضعي الاعلان: حقيقة الإنسان تكمن في نفسه الحسّيّة: أي أن جوهر الإنسان هو المادة، والروح ليست حقيقة مستقلة عن الجسد. وقد رأينا آنفاً أن الذين أخذوا على الإعلان عقلانيته المطلقة قد وصموه أيضاً بالمادية. ويمكن أن نرى أن الثورة الفرنسية (١٧٨٩) والثورة البلشفية التي نشبت في روسيا في ١٩١٧ تشتركان في رؤيتهما المادية للإنسان وأنهما في هذه الرؤية المشتركة ثمرة تطور عقليّ متشابه مرّت به عائلة الشعوب الأوروبية. الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع السياسي هو، في فلسفة الثورة الفرنسية، حيوان سياسي؛ وفي هذا يلتقي فكر الثورة مع الفكر الاغريقي القديم. والحقيقة القانونية التي تقرِّرها الإرادة العامة، كما تنص عليه المادة السادسة من الإعلان، تتجذَّر إذن في غرائز هذا الحيوان السياسي. ولا محل إذن للدين في حياة المجتمع السياسي الذي أقامته الثورة. ومن سوء الفهم بل من السطحية أن نتوهم أن علمانية الدولة التي كرّسها الإعلان تقتصر على فصل الدولة عن الكنيسة؛ إنها لا تطرد السلطة الروحية وحدها من حياة المجتمع السياسي بل تطرد معها وقبلها الحقيقة الدينية نفسها إذ هي تقوم على إنكار أن يكون لأية حقيقة وجود خارجي مستقل عن الوعي وعلى اعتبار الحقيقة بنت الوعي الفردي. وفي الحساب الأخير فإن الحقيقة الدينية تتجذر، رغم ما يبدو في هذا القول من غرابة شديدة، في الغريزة الحيوانية، شأنها في هذا شأن الحقيقة القانونية. لسنا هنا بعيدين عن هيجل الذي عاصر الثورة الفرنسية والذي يصل عنده تكريس الغريزة الحيوانية في الإنسان إلى درجة التقديس: فالله، كما يقول، تجسّد في المادة ثم في الغريزة الحيوانية للإنسان ومازال يواصل من خلالها عمله

стр. 361

الخلاّق (١) . وإذا كان ديكارت قد هدم هدماً جذرياً وصريحاً ثنائية العقل والحقيقة وافتتح الطريق المباشر إلى الديمقراطية الحديثة وإلى الثورة الفرنسية، كما رأينا، فإن هيجل قد أماط اللثام عن المغزى النهائي لهذه الأحادية التي أقامها ديكارت: فالله والإنسان هما عند هيجل حقيقة واحدة تكمن في الغريزة الحسيّة وتتجسّد في الدولة التي هي المطلق. فلسفة الثورة التي عبّر عنها الإعلان كانت إذن فلسفة الحادية وإن كان لم تصرّح بالالحاد. وترينا المعطيات السابقة المتعلقة بالهوية الأوروبية للثورة أن إلحادها كان ذا جذور تاريخية عميقة. والنظام الجديد الذي كان الالحاد هو النسغ الذي يمشي في مفاصله الكبرى (الفرد، الارادة العامة، القانون) لم يكن فيه مكان لصوت يتكلم عن خلود الروح ووجود الله ويدعو إلى الفضيلة. لم يكن فيها مكان لرجل مثل روبسييير Maximilien Rebspierre (١٧٥٨ - ١٧٩٤) الذي كان يرى أن الدين (لبنة هامة في بنيان المواطنة) (٢) . كان روبسييير من أعضاء الجمعية التأسيسية و (لم يكن هناك من يجادل في زعامته للثوار) بعد موت ميرابوا وكانت الجماهير مفتونة به، وعند حلّ الجمعية التأسيسية كانت شعبيته قد بلغت مداها و (سمّاه الناس رجل الساعة) وفي لحظة من تاريخ الثورة (أصبح مطلق اليد في فرنسا) (٣) . قال في تقريره المؤرخ في ٥ فبراير / شباط ١٧٩٤: (ما هو هدفنا؟ أن ننعم في هدوء بالحرية والمساواة وبعهد العدالة الأبدية المنقوشة قوانينه، لا على الرخام أو الحجر، بل في قلب كل رجل، حتى العبد الذي ينسى أن له حقوقاً والطاغية الذي ينكر هذه الحقوق) . وقال أيضاً في نفس التقرير:

стр. 362

(نحن نريد أن نحقق عهود الطبيعة لبني الإنسان) (١) . لكن دعوته الصريحة إلى إدخال الدين في حياة الدولة جاءت في تقريره المشهور الذي كتبه في ٧ مايو / مارس ١٧٩٤ وسمّاه تقريراً عن العلاقة بين الدين والأفكار والمبادىء الجمهورية واستعرض فيه التقدم من حكم الجريمة إلى حكم الفضيلة قائلاً: (من ذا الذي فوّضكم أن تعلنوا للناس أنه ليس هناك شيء إلهي؟ وماذا يستفيد الإنسان لو اقتنع بأن قوة عمياء تسيطر على مقدّراته وتضرب عشوائياً في كل اتجاه: آناً بالفضيلة وآناً بالجريمة؟ أو أن روح الإنسان مجرد بخار خفيف يتبدّد عند فتحة القبر؟ وهل فكرة تلاشي الإنسان ستوحي له بأشياء أشدّ نقاءً من فكرة خلوده؟ ... هل ستزيد من صلابته في مواجهة الطغيان أو تعمِّق احتقاره للملذات أو للموت؟ ... حتى القول بوجود الله وخلود الروح سيكون أجمل ما ابتكره عقل الإنسان.... والخلاصة: يجب أن يعلن المؤتمر الوطني أن الشعب الفرنسي يعترف بوجود الكائن الاسمي وبخلود الروح ويجيز ديانة مقامة من الدولة على هذا الأساس) (٢) . كان رجل مثل هذا خطراً على النظام الجديد يوشك أن يصيبه في مقتل لاسيما أنه راح يندِّد بالالحاد؛ فكان لابد من التخلص منه، وقد تم إعدامه على المقصلة في ٢٧ يوليو / تموز ١٧٩٤. ولو قدّر له أن يبقى لتغير وجه فرنسا الجديدة ومن ورائها وجه التاريخ الحديث والمعاصر الذي حدّدت الثورة الفرنسية اتجاهه. المطلب الثاني: من حرية الفرد إلى طغيان الدولة.

стр. 363

الوحدة التكوينية للمجتمع السياسي الجديد، أي الفرد، لها إذن صفتان: فهي تتصف في ظاهرها بالقوة من حيث أن ماهيتها إرادة مطلقة تقرر الحقيقة وتقرر شكل السلوك كما تشاء؛ وهي تتصف في حقيقتها العميقة بالضعف من حيث أنها تحيا تحت استبداد الغريزة الحسية أي تحيا في استسلام للواقع المادي ولاسيما للدولة التي هي أقوى صور هذا الواقع وأشدّها تأثيراً على الفرد من حيث امتلاك الدولة لأدوات السيطرة التي لا تتوفر لسواها. إن الحرية الفردية المطلقة في إعلان ١٧٨٩ هي في التحليل الأخير عبودية الفرد للدولة أو بالأحرى للسلطة السياسية. وينبغي أن نضيف أن هذه العبودية ليست عبودية قسرية، بل هي عبودية طوعية واستسلام رضائي تلقائي يصل في تطوره إلى أن يكون قاعدة تفكير الفرد وتصرّفه داخل الدولة. وبتعبير أدق فإن الإعلان الذي يقيم نظرياً ثلاث صور من السيادة، سيادة الإرادة الفردية وسيادة الإرادة العامة وسيادة الدولة، يقود عملياً إلى تكريس سيادة واحدة هي سيادة الدولة أو سلطتها العليا المطلقة بينما تتحول الأخريان إلى عبودية طوعية للدولة؛ إنه يقيم دكتاتورية الدولة أو طغيان السلطة على أساس من ارتضاء الجميع بمقتضى حريتهم المطلقة أن يكونوا عبيداً للسلطة. وهكذا يبدو حق مقاومة الطغيان الذي قررته المادة الثانية من الإعلان حقاً نظرياً لا بسبب العجز عن مقاومة الطغيان بل بسبب أخطر وأعمق هو الفقدان الفعلي والتدريجي لإرادة مقاومة الطغيان والتحوّل إلى الوداعة السلبية اللامسؤولة والمتعامية عن خطايا السلطة ثم التحوّل أخيراً إلى موقف تبريري يسبغ الشرعية على كل وضع فعلي تصنعه السلطة. إن الإرادة العامة التي أسند إليها جان جاك روسو إيجاد القانون وأجاز لها نقض أي قانون أساسي ثم أجاز لها سييس من بعده نقض كافة الأشكال الدستورية يؤول أمرها من الناحية العملية إلى الرضا بكل انتهاك تقترفه السلطة للدستور أو القانون. إن الإرادة

стр. 364

العامة تنتقل هكذا من السيادة (العزيزة) التي تفرض ما تشاء إلى السيادة (الذليلة) التي ترضى كل ما يفرض عليها. هذا المآل الحتمي الذي تؤول إليه عملياً الوحدة التكوينية للمجتمع السياسي، الفرد، أي الفقدان الفعلي للذاتية المستقلة والذوبان الفعلي في السلطة، يترافق ويتكامل مع الوضع الذي تؤول إليه السلطة ذاتها في صيرورة حتمية تنطلق من ذات المنطلق أي من الطبيعة المطلقة للحرية الفردية. فكما أن جوهر الحرية الفردية هو الإرادة لا القانون كما رأينا من قبل (المبحث الثاني - المطلب الأول: “ ماهية الحرية الفردية في إعلان ١٧٨٩ ”؛ ما قلناه عنها في ضوء نظرية القانون الطبيعي) وكما أن القانون يستمد بالتالي أصل وجوده من الإرادة العامة المطلقة فإن السلطة التي تنبثق من هذه الأخيرة هي جوهرياً إرادة لا قانون، أي أن شرعيتها الدستورية التي تستند إليها وصبغتها القانونية التي تصبغ تصرفاتها تخفيان طبيعة مطلقة تجعل استقامتها على طريق الدستور والقانون متوقفة على إرادتها الحرة وتجعل انحرافها قابلية جوهرية تكمن في طبيعتها لا إمكانية عرضية تعتور عملها. وهكذا، من جهة وأخرى، أي مع استسلام الفرد ومع طغيان السلطة، وكلاهما جوهري أصيل، تصبح الحقوق والحريات حصوناً بلا أبواب تمنع اقتحامها. فالفرد يؤول أمره إلى أن يفقد حريته الداخلية كلما أوغل في التمتع بحريته المطلقة حتى يصبح هو والسلطة شيئاً واحداً ويفقد حيالها كل استقلال حقيقي يكفل تحرّكه للدفاع عن الحقوق والحريات وعن القانون الذي يكفلها، وربما التمس من القانون نفسه تبريرات لتصرفات السلطة اللاقانونية. والسلطة الديمقراطية يؤول أمرها إلى أن تفقد كل خضوع حقيقي للقانون وتصبح قوة بحتة تختفي وراء ثوب القانون، قوة قانونية المظهر سياسية الجوهر تضرب في كل اتجاه وتذهب آناً مع الحقوق والحريات وآناً ضدها وتتخذ من القانون نفسه ذرائع لتصرفاتها اللاقانونية.

стр. 365

لقد اعتبر إعلان حقوق الإنسان والمواطن وثيقة ميلاد المواطن الحديث. لكن أليس هو، بفتحه الباب عملياً لطغيان السلطة من ناحية ولانحلال الإرادة العامة من ناحية أخرى، وثيقة إعدام الحريات تحت شعار تمجيدها؟! والمسار الفعلي الذي اتخذته الثورة الفرنسية يقدِّم الجواب على هذا التساؤل، فقد انتهى إلى خروجها على منطق إعلان الحقوق نفسه. بل إن المرحلة الأولى من تاريخها قد انطوت على ما ينذر بهذا المصير. فقد رأينا من قبل (المبحث الأول - المطلب الأول: صلة الثورة بالمذهب الفردي) أن حزب اليسار في الجمعية الوطنية، الجيروند les Jirondins، ذهب إلى إمكانية التضحية بالدستور لمصلحة الثورة، رغم أنه صادر باسم الأمة. ولاشك في أن هذا الموقف يفتح الباب لانحراف السلطة إذا لم تكن الإرادة العامة على درجة من اليقظة تكفي لصيانة خياراتها الدستورية. وقد سارت الثورة بعد ذلك بتأثير هذه الليبرالية المتطرفة في طريق الانفصال عن إرادة الأمة: تمثل هذا الانفصال في حلّ الجمعية الوطنية التي على يدها قامت الثورة والتي بفضلها اندمجت طبقات المجتمع الفرنسي الثلاثة الممثلة في مجلس الطبقات في كيان واحد هو الأمة الفرنسية التي كانت الجمعية الوطنية مرآاتها الصادقة؛ وتمثل هذا الانفصال أيضاً في إقامة الكوميون الثوري La Commune الذي حكم الحياة السياسية نحو عامين هما عهد الإرهاب والمذابح والاعدامات بالجملة؛ وزاد دخول الشارع الفرنسي طرفاً في الأحداث من إشاعة الفوضى وتضييع صوت الإرادة العامة؛ ويكفي للتدليل على تنكّر الثورة لأصلها الذي قامت عليه أن المؤتمر الوطني الذي حاكم الملك قد رفض مبدأ الرجوع إلى الأمة إدانة الملك بعد أن طالب الجيروند Les Jirondins، وهم من أعضاء الجمعية الوطنية، بعرض الأمر على الاستفتاء العام على أساس أن ذات الملك مصونة بموجب دستور ١٧٩١ وأن الشعب وحده يملك تجريد الملك من حصانته الدستورية (١) .

стр. 366

وكما انفصلت سلطة الثورة عن القاعدة التي انطلقت منها أي إرادة الأمة وراحت تتصرف حسب رؤى المسيطرين عليها ونوازعهم فإنها على الصعيد الخارجي نكصت عن رسالتها التحريرية. ففي ١٩ نوفيمبر / تشرين الثاني ١٧٩٢ أصدرت الثورة مرسومها العالمي الذي تمدّ فيه يد الإخاء والمساعدة إلى كافة الشعوب التي تريد استرداد حريتها (١) ؛ ولكنها بعد برهة قصيرة وقبل انتهاء العام نفسه نقضت عهدها إذ رجعت إلى السياسة الاستعمارية القديمة (٢) . لقد داس نابليون بونابرت، وهو من جيل الثورة، على إعلان الحقوق والحريات الصادر في ١٧٨٩ وعلى منشور المؤتمر الوطني الصادر في ١٧٩٢ والذي يعلن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وسطورهما لم تزل نديّة، عندما احتل مصر في العام ١٧٩٨ ودنَّس بسنابك خيله الأزهر الشريف وقتل علماء مصر (٣) . فأين كانت الأمة الفرنسية التي وقفت وراء الجمعية الوطنية ووراء الإعلان الذي صادقت عليه في ٢٦ آب ١٧٨٩ وقفة أجبرت الملك نفسه على التراجع خوفاً من سوء العواقب التي تترتب على رفضه المصادقة على الإعلان؟! وما الذي يفسِّر تصويت البرلمان الفرنسي في ١٨٣٠ بالموافقة على احتلال الجزائر؟! أليس مجرى الأحداث قد انتهى إلى انحلال الإرادة العامة حيال سلطة فارقت قاعدتها الديمقراطية وتحوّلت إلى سلطة دكتاتورية في الداخل واستعمارية على الصعيد الدولي؟! المطلب الثالث: موقع القانون وقيمة الضمانات القانونية للحقوق والحريات.

стр. 367

يحدِّد الإعلان دور القانون باسلوب يثير الاستغراب. فللقانون حدود ينبغي له ألاّ يتجاوزها: ((أليس للقانون الحق في أن يمنع غير الأعمال الضارة بالمجتمع)) - المادة الخامسة. هذا النص يتكامل مع نص المادة السادسة التي تقول إن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة. وهكذا فإن الإعلان يجعل القانون خاضعاً في الأصل لمعيار تفرضه عليه الإرادة، بدلاً من أن يكون هو المعيار الأول الذي يعيِّن للإرادة اتجاهها وخياراتها. القانون في الديمقراطية الليبرالية الحديثة التي افتتح الإعلان عهدها هو من الناحية الأساسية القانون المحكوم لا الحاكم، القانون الذي لا يتمتع بالسلطة الأولى بل يأخذ موقعه تحت الإرادة العامة التي تتمتع، هي، بالسلطة الأولى أو العليا، أي هو النظام الذي تضعه القوة لتحقق به مآربها. وكون القوة هي قوة الجماعة، لا قوة فرد أو طبقة أو طائفة، لا يعطي القانون وصفاً آخر، فالقوة هي القوة. ومن الناحية الجوهرية، إذن، فإن موقع القانون هو نفسُه في النظام القديم الذي قوّضته الثورة وفي النظام الجديد الذي أقامته. بل إن موقع القانون قد أصبح مطبوعاً أكثر من ذي قبل بطابع التبعية في النظام الجديد الذي حرّر القوة تحريراً كاملاً إذ فصل السلطة عن جذورها الميتافيزيقية وردّها جوهرياً إلى الأمة (المادة الثالثة من الإعلان) . وهكذا تتبدّد فكرة سيادة القانون أو أولوية القانون التي تتغنّى بها الديمقراطيات الليبرالية الحديثة ولا يبقى منها إلاّ شعار وهميّ بغير محتوىً حقيقي. وإذا جاز لنا أن نتحدث عن أولوية القانون في النظرية الليبرالية فإنما هي أولوية نسبية لا مطلقة؛ وهذه الأولوية هي بلاشك شيء آخر غير السيادة التي هي أولوية مطلقة ولا يمكن تصوّرها غير ذلك. ولاشك في أن الاكتفاء بالنظر إلى الوجه القانوني المباشر للديمقراطية الليبرالية الحديثة وعدم إمعان النظر فيما وراء هذا الوجه الظاهر من سلطان

стр. 368

مطلق للإرادة هو الذي يفسِّر وقوع الكثيرين تحت وهم سيادة القانون. بتعبير آخر فإن سيادة الأمة التي نصت عليها المادة الثالثة من الإعلان، أو سيادة الإرادة العامة بتعبير جان جاك روسو، تنقض سيادة القانون وتحيلها وهماً خطيراً لأنه يُلْبِسُ حكم القوةِ ثوبَ القانون. وسيادة الدولة التي ترتكز على سيادة الأمة تتناقض تناقضاً أشدّ وأكثر جذريّة مع سيادة القانون لأنها في التحليل الأخير هي السلطة العليا للحكّام أنفسهم. وقد أشار شارل روسو Charles Ruosses في تحليله لظاهرة الدولة إلى هذا التناقض قائلاً إن السيادة فكرة مضادَّة بعمق للقانون notion foncierement anti-juridique (١)

стр. 369

مصادر الحافظ ابن الفرضي في كتابه " تاريخ العلماء والرواة " د. حمد بن صالح السحيباني الأستاذ المشارك في قسم التاريخ والحضارة بكلية العلوم الاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ملخص البحث تناولت هذه الدراسة القضايا التالية: أولاً: بدأت بمقدمة مختصرة عن كتب التراجم والرجال حتى عصر ظهور هذا الكتاب، ثم تناولت التعريف بالمؤلف وطلبه العلم بالأندلس، ثم رحلته إلى المشرق، وأهم مؤلفاته الموجودة والمفقودة، والوظائف التي تقلدها، ثم وفاته. ثانياً: كتاب تاريخ العلماء، وأسماؤه وسبب تأليفه، وما يحويه من مادة علمية، والمنهج الذي سار عليه المؤلف، وزمن تأليفه ثم جاء الحديث عن مصادره على النحو التالي: أولاً: المصادر المكتوبة وتضم الأقسام التالية: أ - المؤلفات والكتب التاريخية. ب - الاستكباب ويعني بها تلك الرسائل والكتب التي كان يرسلها مستفسراً من خلالها عن بعض القضايا حول الأشخاص الذين يترجم لهم. ج - اللوحات والوثائق المادية وأهم هذا النوع اللوحات الموجودة على القبور، وكذلك وثائق المبايعات. ثانياً: مصادر المعاينة والمشاهدة: كان هذا النوع من المصادر مهماً عند ابن الفرضي وذلك لأنه عاصر وعايش عدداً من العلماء الذين كتب عنهم، كما احتك ببعضهم في المناسبات والمنتديات المختلفة، وبالتالي أصبح شاهد عيان لكثير من القضايا التي تحدث عنها حيث قام برصد كل ما شاهده وعايشه حول بعض الأشخاص ثم ضمنه كتابه. ثالثاً: المصادر الشفهية: شكلت الرواية الشفهية التي سمعها ابن الفرضي من أفواه الرجال حيزاً مهماً بين مصادره في كتابه تاريخ العلماء.

стр. 370

وبعد ذلك جاء الحديث عن حاسة النقد التاريخي عند ابن الفرضي وأثرها على موقفه من مصادره حيث عالجت هذه الفقرة كيف كان ابن الفرضي العالم، الحافظ الراوية، المحدث الفقيه، القاضي، يتعامل مع مصادره المختلفة حسبما يقتضيه المنهج العلمي من المناقشة أو التحليل، وأخيراً جاءت خاتمة البحث مُبرزاً فيها أهم استنتاجات هذه الدراسة.. والله أعلم. المقدمة: اهتم المؤرخون والكتاب المسلمون بكتب التراجم وتاريخ الرجال، حيث ظهر هذا النمط من الكتابة التاريخية منذ وقت مبكر في تاريخ المسلمين، بل إنه كان وليدًا لحركة التدوين التاريخي عندهم، وينقسم هذا النوع من الكتابة إلى أنماط مختلفة فمنه ما يهتم برجال فترة معينة أو بلدٍ معينٍ، ومنه ما يكون خاصاً بتراجم أرباب الصنعة الواحدة أو الفن الواحد، وهكذا ظهرت كتب تأريخ القضاء، والفقهاء، والأدباء، والأطباء، والنحاة، وغيرهم، وقد كان علماء الحديث هم أول من اهتم بتراجم رجال الحديث وعلماء السنة، وقد تميز هذا النوع من كتب الرجال بالدقة والاقتضاب حيث عني أصحابها بالحديث عن السيرة الذاتية لهؤلاء الرجال مع ذكر عدالتهم، ونزعتهم العلمية، ومصنفاتهم، وشيوخهم (١) .

стр. 371

ويعد كتاب تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس لمؤلفه الحافظ ابن الفرضي من كتب الرجال التي تحدثت عن علماء بلد معين في فترة محددة، حيث عُني هذا الكتاب بنخبة من علماء المجتمع الإسلامي بالأندلس منذ أن دخلها الإسلام وحتى نهاية القرن الرابع الهجري، وبالرغم من كون هذا الكتاب يمثل المحاولة الأولى لهذا النمط من الكتابة التاريخية بالأندلس إلا أنه جاء ضافياً ومهماً في موضوعه، ولهذا عد الدكتور حسين مؤنس ابن الفرضي شيخ أصحاب معاجم التراجم الأندلسية ومقرر أصول هذا الفن الذي اتصل في الأندلس والمغرب بعد ذلك قروناً طويلة (١) ، كما عده المستشرق الأسباني انخيل حنثالث بالنثيا بأنه أقدم معجم رجال بين أيدينا (٢) ، وقد لقي هذا الكتاب قبولاً عند عدد من مؤرخي وكتاب الأندلس كالحميدي (٣) ، وابن عميرة (٤) ، وغيرهم، وغير الأندلسيين كالذهبي (٥) ، ولعل هذا التميز الذي حظي به هذا الكتاب وتلك المنزلة العالية التي تبوأها من الأسباب القوية التي جعلت شيخ مؤرخي الأندلس أبا مروان بن حيان يقول عن مؤلفه ابن الفرضي: (لم ير مثله بقرطبة في سعة الرواية، وحفظ الحديث، ومعرفة الرجال ...) (٦) .

стр. 372

ولا شك أن هذا القبول الذي لقيه هذا الكتاب يرجع لعدد من عوامل النجاح كان من أهمها أن مؤلفه اتكأ على قاعدة مهمة من مصادر المعلومات حين تدوينه لمادته العلمية حيث تعددت وتنوعت هذه القاعدة مما أضفى على الكتاب عددا من السمات العلمية الجيدة كالعمق، والدقة، وسعة الاطلاع، مع الشمولية، والإحاطة بالجزئيات الصغيرة التي تهم أولئك العلماء. وهكذا أصبحت مصادر ابن الفرضي في هذا الكتاب وموارده من الموضوعات المهمة والجديرة بالوقوف عندها للتعريف بها والتعرف على أنواعها، ومعرفة منهج ابن الفرضي في التعامل معها، ومدى ما وفرته للمؤلف من مادة علمية خصبة أثرت الكتاب وجعلت المؤلف يتحرك أثناء تأليفه باتجاهات متعددة، وهذا ما سوف تحاول هذه الدراسة - بعون الله - بيانه ومعالجته خدمة لهذا الكتاب المهم أولاً، ثم لإبراز جهود مؤلفه ذلكم العالم الأندلسي الذي يعد من أوائل من خاض تجربة التأليف في هذا الميدان بالأندلس، وأخيراً خدمة للمكتبة الأندلسية والمهتمين بها من الباحثين، ومن الله أستمد العون وأرجو التوفيق والسداد. أولاً: ابن الفرضي. اسمه ومولده ونشأته: هو أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي (١) .

стр. 373

ولد بقرطبة في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة (١) ، وبها طلب العلم أول حياته على عدد من العلماء يكثر تعدادهم كما يقول ابن بشكوال (٢) وكان من أهمهم عبد الله بن إسماعيل بن حرب بن خير المتوفى سنة ثمانين وثلاثمائة، وقد ذكر ابن الفرضي أنه سمع منه وكتب عنه وأجاز له كل ما رواه (٣) . ومنهم عبد الله بن محمد ابن القاسم بن حزم بن خلف الثغري المتوفى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة؛ إذ يذكر ابن الفرضي أنه أخذ عنه ما لم يكن عند شيوخه وذلك حينما نُفي من " قلعة أيوب " (٤) إلى قرطبة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وكان مما أخذه عنه كتاب معاني القرآن للزجاج، حيث قرأ عليه الكتاب من أوله إلى آخره (٥) .

стр. 374

وقد أخذ بعض علوم اللغة عن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم المعروف بابن القوطية، المتوفى سنة سبع وستين وثلاثمائة حيث ذكر أنه تردد عليه أيام اهتمامه بعلم العربية فأسمعه كتاب الكامل لمحمد بن يزيد المبرّد إذ كان يرويه عن سعيد بن جابر (١) . كما تردد على الحافظ محمد بن أحمد بن يحيى ابن مفرج أحد علماء الأندلس ومحدثيها حيث أجازه في جميع ما رواه غير مرة وكتب له ذلك بخطه (٢) ، كما ذكر أنه أخذ كتاب السنن لابن السكن، والتفسير المنسوب إلى ابن عباس من أبي عبد الله محمد ابن سعدون المعروف بابن الزنوني والمتوفى ببطليوس (٣) فجأة في جمادى الأولى سنة ثنتين وتسعين وثلاثمائة (٤) .

стр. 375

أما صحيح البخاري فقد قرأه على أبي عبد الله محمد بن يحيى ابن زكريا المعروف بابن برطال المتوفى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وقد بيّن بأن مجلسه مع هذا الشيخ كان من أجلّ المجالس العلمية التي شهدها بالأندلس حيث سمع معه صحيح البخاري عدد من الشيوخ والكهول، وقد أجازه في جميع ما رواه عنه (١) . كما سمع موطأ مالك، وكتب التفسير لعبد الله بن نافع بن يحيى بن عبد الله الليثي المتوفى سنة سبع وستين وثلاثمائة (٢) .

стр. 376

ولم يقتصر ابن الفرضي على علماء قرطبة، بل إنه رحل إلى عدد من المدن الأندلسية للاستزادة من طلب العلم، فقد ذكر أنه في سنة ثنتين وسبعين وثلاثمائة كان بأشبيلية يتلقى العلم من أبي محمد الباجي (١) ، وفي السنة التالية انتقل إلى شذونه (٢) حيث طلب العلم على ابن أبي الحزم طود بن قاسم بن أبي الفتح المتوفى سنه ست وثمانين وثلاثمائة (٣) وفي البيرة (٤) قرأ تفسير القرآن ليحيى بن سلام على أبي الحسن علي بن عمر بن حفص بن عمرو الخولاني المتوفى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة (٥) ، كما ذكر بأنه لقي أبا الحسن مجاهد ابن أصبغ ابن حسان بقرية وركر - بين بجانه (٦) والمريه - وقرأ عليه كتبه الثلاثة طبقات الزمان، وفساد الزمان، والناسخ والمنسوخ هذا بالإضافة إلى كتاب شرح غريب الموطأ لابن حبيب ﵀ (٧) ، وبالإضافة إلى هؤلاء فقد سمع ابن الفرضي ببجانه من أبي عبد الله محمود بن حكم المتوفى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة (٨) وفي طليطلة من أبي

стр. 377

الفرج عبدوس بن محمد بن عبدوس المتوفى سنة تسعين وثلاثمائة (١) ، وفي قلسانه (٢) سمع من أبي عمرو يوسف بن محمد الهمداني المتوفى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. حيث أجاز له جميع ما رواه (٣) . وكان يكرر الرحلة إلى البلد الواحد أكثر من مرة حينما يجد فيها ضالته من أهل العلم، فقد ذكر أنه سمع من عبد الله بن محمد بن علي الباجي في قرطبة كثيراً ثم رحل إليه بأشبيلية رحلتين سنة ثلاث وتسعين وأربع وتسعين (٤) ، كما ذكر أنه تردد على شيخه عبد السلام بن السمح بن نايل الهواري في مدينة الزهراء (٥) ، وأنه قرأ عليه مجموعة من الكتب (٦) . رحلته إلى المشرق:

стр. 378

حينما شعر ابن الفرضي بأنه قد أخذ ما عند علماء الأندلس من علوم ومعارف رحل إلى المشرق في سنة ثنتين وثمانين وثلاثمائة حيث حج وأخذ العلم عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد ابن الدخيل المكي (١) وأبي الحسن علي بن عبد الله بن جهضم (٢) وغيرهما (٣) ، ثم رحل إلى مصر حيث أخذ عن أبي بكر أحمد بن محمد بن اسماعيل البنا، وأبي بكر الخطيبي، وأبي الفتح ابن سْيُبخت، وأبي محمد الحسن بن إسماعيل الضراب وغيرهم (٤) وفي طريق عودته مر بالقيروان حيث أخذ العلم عن أبي محمد بن أبي زيد الفقيه وأبي جعفر أحمد بن دحمون، وأحمد بن نصر الدّاودي وغيرهم (٥) .

стр. 379

ولم يذكر المؤرخون مدة هذه الرحلة، كما لم يذكروا تاريخاً محدداً لعودته منها، لكنه يستوحى من بعض النصوص التي ذكرها ابن الفرضي أن رحلته استغرقت حوالي ثلاث سنين فقد بدأها سنة إحدى وثمانين،كما ذكر أنه كان خلال عامي اثنتين وثمانين وثلاث وثمانين بالمشرق (١) . أما عودته فكانت في مستهل سنة أربع وثمانين وثلاثمائة كما يفهم هذا من قوله: (وتوفي بقرطبة - عفا الله عنه - يعني إسماعيل بن إسحاق - ليلة السبت آخر يوم من صفر سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وشهدت جنازته) (٢) . وبالإضافة إلى هؤلاء العلماء فقد ذكر ابن الفرضي في مواضع كثيرة من كتابه عدداً من الشيوخ الذين أفاد منهم في طلب العلم إذ تجاوز عددهم خمسة وأربعين عالما ويدرك من يستقريء تاريخ مشواره العلمي الحقائق التالية:

стр. 380

أنه لم يكن يحتقر عالما، أو يستهين بأحد يتوقع أنه قد يفيده بشيء من العلم مهما كان علمه أو مكانته؛ ولهذا تنقل بين عدد من المدن الأندلسية، ومكة، ومصر، والقيروان بحثا عن علمائها، حيث كان لا يقلل من شأن أحد، فقد جلس إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن ربيع المتوفى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وكذلك إلى رشيد بن فتح المتوفى سنة ست وتسعين وثلاثمائة، ولم يأخذ عن كل واحد منهما سوى حديث واحد فقط (١) كما سمع من محمد بن أحمد بن مسور على الرغم من كونه قليل العلم (٢) ، بل إنه كان يجلس لأخذ بعض الحكايات، كما فعل مع محمد بن عبد الله بن محمد بن ذي النون المتوفى سنة ست وتسعين وثلاثمائة (٣) ، وكذلك مع محمد بن أحمد المعافري (٤) بل إنه كان يأخذ حتى من بعض الكذابين وذوي الاتجاه المنحرف حينما يتوقع أن لديهم علما ينفعه، فقد قال عن على بن معاذ بن موسى الرعيني: (سمعت أنا منه، وكان يكذب، وقفت على ذلك منه وعلمته..) (٥) كما ذكر أنه قد أخذ عن رشيد بن فتح الدجاج وكان يتهم بمذهب (٦)

стр. 381

ابن مسرة (١) . أن مشاربه الفكرية قد تعددت،فبالرغم من كونه مالكي المذهب إلا أنه كان يأخذ العلم من أصحاب المذاهب الأخرى فقد أخذ العلم من علي بن محمد بن بشر من أهل أنطاكية على الرغم من نزعته الشافعية (٢) ، كما كانت له اهتمامات باللغة العربية وعلومها فقد ذكر أنه انقطع فيما بين سنتي ست وستين وتسع وستين وثلاثمائة عن طلب العلم الشرعي حيث كرس كل جهوده للنظر في اللغة العربية وعن هذا يقول: (ثم شغلني النظر في العربية عن مواصلة الطلب إلى سنة تسع وستين، ومن هذا التأريخ اتصل سماعي من الشيوخ) (٣) ويبدو أن النزعة الأدبية لديه، إلى جانب إدراكه لأهمية اللغة قد جعلته يولي اللغة العربية وآدابها اهتماما خاصا أثناء مشواره العلمي، فقد ذكر أنه كان يأخذ علم اللغة من محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن القوطية، وأنه قرأ عليه كتاب الكامل للمبرد (٤) ، كما سمع من شاعر وقته يحيى بن هذيل بن عبد الملك بن هذيل المتوفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة الشعر وكتب من حديثه وشعره، كما أجاز له روايته وديوان شعره (٥) .

стр. 382

كما كان يتحمل في سبيل الحصول على العلم المشقة والمتاعب النفسية من بعض الشيوخ الذين كانوا صعبي المراس، فقد ذكر عن شيخه خلف بن محمد الخولاني أنه كان عسرا في الإسماع، ممتنعا إلا من يسيره، نكر الخلق حرج الصدر لكن لما كان عنده فوائد فقد كان يصبر على الاختلاف إليه (١) ، كما بين أن رشيد بن فتح الدّجّاج كان يأبى الإسماع إلا في اليسير ممن يستحبه، وأنه لم يكتب عنه سوى حديث واحد (٢) ، وقد لقي هذه المعاناة - أيضا - من شيخه عبد الله بن محمد بن ربيع المتوفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة حيث كان رجلا منقبضا ملازما للبادية أكثر وقته يأبى من الإسماع، ولهذا لم يكتب عنه ابن الفرضي سوى حديث واحد (٣) وهكذا تعددت المشارب الثقافية التي استقى منها ابن الفرضي ثقافته وعلومه، كما تعددت المدارس والاتجاهات الفكرية التي تردد عليها، وهذا بلا شك مما أكسبه علما غزيرا متنوعا، مكنه من التعرف على تجارب كثيرة، كان لها أثر كبير في صقل مواهبه، وتنمية قدراته العلمية. علمه ومؤلفاته: أولاً: علمه:

стр. 383

أجمع المؤرخون والكتاب على أن ابن الفرضي كان واسع الثقافة، غزير العلم حافظا للحديث ورجاله، فقد قال عنه الحميدي بأنه كان: (حافظا متقنا عالما ذا حظ من الأدب وافر) (١) كما قال عنه تلميذه أبو عمر بن عبد البر: (كان فقيها عالما في جميع فنون العلم في الحديث وعلم الرجال، وله تواليف حسان ... أخذت منه عن أكثر شيوخه، وأدرك من الشيوخ ما لم أدرك ...) (٢) أما ابن حيان فقد وصفه بالأديب الراوية الفقيه الفصيح الذي لم ير مثله بقرطبة من سعة الرواية وحفظ الحديث ومعرفة الرجال والافتنان بالعلوم (٣) ، كما قال عنه أبو عبد الله الخولاني بأنه كان من أهل العلم جليلا ومقدما في الأدب (٤) ووصفه كل من ابن بشكوال (٥) وابن عميرة (٦) بالحافظ العالم، أما الإمام الذهبي فقد سماه بالحافظ الإمام الحجة البارع الثقة (٧) ولعل الإجازات العلمية الكثيرة التي حصل عليها من علماء كثيرين دليل واضح يؤكد سعة علمه، ومن الذين أجازوه عبد الله بن محمد الثغري (٨) . ويدرك من يستقرئ ما خلّفه من تراث أن رواية الحديث وعلم الرجال كانت من أولى اهتماماته العلمية، ولهذا حدث عنه عدد من العلماء منهم أبو عمر بن عبد البر حيث أثنى على حسن صحبته (٩) كما أخذ عنه أبو عبد الله الخولاني (١٠) ومحمد بن إسماعيل من أهل أستجه (١١)

стр. 384

، وكان شيخا فاضلا ذكر ابن الفرضي أنه كثيرا ما يسأله عن معاني في الحديث تشكل عليه (١) ، كما كتب عنه عبد الله بن شعيب بن أبي شعيب من أهل (٢) أشبونة (٣) . ولا شك أن إلمامه الجيد باللغة العربية وعلومها،إلى جانب نزعته الأدبية مكنه من استيعاب كل ما يقرأ أو يسمع - هذا فضلا عن استطاعته تبليغ ما يريد بأسلوب جيد وفصاحة مطبوعة، ولهذا كان عند حديثه قلما يلحن في جميع كلامه مع حضور الشاهد والمثل، كما يقول ابن بشكوال (٤) . وقد بدت نزعته الأدبية واضحة في نتاجه العلمي، ولهذا وصفه ابن حيان (٥) بالأديب الفصيح، كما وصفه ابن بسام بأنه شاعر مقل حسن النظام، مقترن الكلام، هو في العلماء أدخل منه في الشعراء (٦) وقد روى عنه أبو عمر بن عبد البر شعرا ومنه: أسير الخطايا عند بابك واقف على وجل مما به أنت عارف يخاف ذنوبا لم يغب عنك غيبها ويرجوك فيها فهو راج وخائف (٧) كما روى الحميدي قصيدة قالها وهو في طريقه إلى المشرق، وكتب بها إلى أهله ومنها: مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثة وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا وما لي حياة بعدكم استلذها ولو كان هذا لم أكن في الهوى حُرّا ولم يُسلَني طول التنائي هواكُمُ بلى زادني وجدا وجدّد لي ذكرى (٨)

стр. 385

كما ذكر الحميدي أن أبا بكر علي بن أحمد الفقيه أنشده قول ابن الفرضي: إن الذي أصبحت طوع يمينه إن لم يكن قمرا فليس بدونه ذُلّي له في الحبّ من سلطانه وسقام جفني من سقام جفونه (١) وقد ذكر ابن بشكوال أن ابن الفرضي لما عاد إلى قرطبة من المشرق كان قد جمع علما كثيرا في فنون العلم (٢) ، كما ذكر ابن حيان أن رحلته إلى المشرق قد أكسبته علما حيث أخذ عن شيوخ عدة فتوسع جدا وكان جماعا للكتب فجمع منها أكثر ما جمع أحد من عظماء البلد (٣) . ولا شك أن هذا النبوغ العلمي المتعدد النزعات هو الذي أهله لأن يطلب منه أهل مصر الإقامة عندهم لكنه قال لهم: (من المروءة النزاع إلى الوطن) (٤) كما أهله لقراءة الكتب في عهد العامريين، وأن يتولى قضاء مدينة بلنسية في عهد الخليفة محمد بن عبد الجبار المهدي (٥) . ثانياً: مؤلفاته: ذكر المؤرخون أن ابن الفرضي لما عاد من رحلته إلى المشرق شرع في التأليف، فصنف عددا من الكتب في فنون مختلفة، وأنها كانت ذات قيمة علمية، وتدل بوضوح على غزارة علمه، وسعة مداركه وقدراته العلمية لا سيما في علمي الحديث وتاريخ الرجال، ولكي تتضح الصورة في هذه القضية لابد من التعريف بهذه المؤلفات، حيث قسمتها إلى قسمين هما: أولاً: الكتب المفقودة (٦) : ١ - المؤتلف والمختلف:

стр. 386

أشار إلى هذا الكتاب كل من الحميدي (١) ، وابن عميرة (٢) ، والذهبي (٣) ، كما ذكره ابن حزم (٤) وعده من الأعمال الكبيرة التي قدمها الأندلسيون وتفوقوا بها على أهل المشرق، وأنه في أسماء الرجال وأن الحافظ عبد الغني (٥) الأزدي لم يبلغ عند هذا المعنى إلا كتابين، وبلغ أبو الوليد نحو الثلاثين، كما وضّح ابن حزم أنه لا يعلم مثله في فنه البتة.

стр. 387

وقد ذكره ابن بشكوال بقوله: (وجمع في المؤتلف والمختلف كتابا حسنا) (١) . هكذا أشاد هذان المؤرخان بهذا الكتاب، ولكن نظرا لكونه مفقودا ولم يصل إلينا منه شيء فإنه من الصعب التعريف به وبمنهجه، ومحتواه، ولكن ومن استقراء ما ذكره لنا ابن حزم من وصف مقتضب عن الكتاب، حيث ربط المحتوى بما ألفه عبد الغني الأزدي في كتابه المؤتلف والمختلف (٢) ، وبعد الاطلاع على هذا الكتاب يتبين لنا أن موضوعه يعنى بذكر الأسماء المؤتلفة باللفظ، أو المتقاربة والمختلفة في المعنى مثل بَرَكة وبُركة، وبَحَر بَحُر وغيرها (٣) . هذا عن موضوع الكتاب، أما المحتوى فقد ذكر ابن حزم أن الحافظ المصري لم يبلغ سوى كتابين بينما بلغ ابن الفرضي نحو ثلاثين كتابا، وعلى هذا يكون هذا الكتاب يحوي مادة علمية ضخمة تبلغ حوالي أربعة عشر ضعفا لما ذكره سابقه، ولا يستبعد أن تكون الظروف السياسية السيئة التي كانت سببا لنهاية المؤلف كانت - أيضا - سببا لنهاية الكتاب حيث لم يبق منه سوى ذكره، بل إن عدم اعتماد المؤرخين القدامى عليه كمصدر لهم في موضوعه يؤكد الجزم بفقده. ٢ - مُشتَبِه النسبة:

стр. 388

أشار إلى هذا الكتاب كل من ابن بشكوال (١) ، والذهبي (٢) ، وابن خلكان (٣) ، والمقري (٤) إلا أنه كسابقه لم يمكن التعرف على محتواه، وذلك بسبب عدم وصوله إلينا حيث لم يمكن التعرف سوى على اسمه، ولكن بمقارنة هذا العنوان بكتب الرجال والأنساب ندرك أن المقصود به الحديث عن الرجال الذين يشتبه في نسبتهم في الخط ويفترق في اللفظ والمعنى، وقد وضح هذا الأمر عبد الغني الأزدي في كتابه الذي يحمل هذا العنوان حيث قال: (أما بعد فإني لما صنفت كتابي في مؤتلف أسماء المحدثين ومختلفها، فنظرت فإذا من ينسب منهم إلى قبيلة أو بلدة، أو صنيعة قد يقع فيها من التصحيف والتحريف مثلما يقع في الأسماء والكنى التي حواها كتاب المؤتلف والمختلف ... وألفت كتابا في المنسوب منهم إلى قبيلة أو بلدة، أو صنيعة يشتبه في انتسابه في الخط ويفترق في اللفظ والمعنى ...) (٥) . هكذا يبدو لنا من خلال ما ذكره الأزدي معاصر ابن الفرضي أن كتاب مشتبه النسبة يُعنَى ببيان حقيقة أنساب الرجال الذين قد تتفق أو تشتبه أسماؤهم، أو أنسابهم في الخط، وتختلف في المعنى، وكان أول من ألف في هذا الفن الخطيب البغدادي كتابه الموسوم ب " تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه من بوادر التصحيف والوهم " (٦) . ٣ - أخبار شعراء الأندلس:

стр. 389

أشار ابن بشكوال إلى أن هذا الكتاب حفيلا في أخبار شعراء الأندلس (١) ، كما ذكره الذهبي (٢) حيث قال: (له تصنيف مفرد في شعراء أهل الأندلس (٣) وقد عده كل من ابن خلكان (٤) ، والمقري (٥) بأنه من مؤلفات ابن الفرضي المهمة أما ابن حيان فقد اعتمد عليه أكثر من مرة حين حديثه عن الشعراء والأدباء بالأندلس حيث قال حين حديثه عن أبي عبد الله محمد بن سعيد الزمالي: (وقرأت في كتاب أبي الوليد ابن الفرضي المؤلف في طبقات أهل الدولة والأدب بالأندلس ...) (٦) كما قال حين حديثه عن عامر ابن عامر بن كليب بن ثعلبة الجذامي: (وقد ذكر أبو الوليد الراوية عامر بن عامر هذا فيمن ذكره من أدباء الأشراف بقرطبة في كتابه المؤلف في الأدباء والعلماء فقال...) (٧) . وهكذا توالت نقول ابن حيان من هذا الكتاب فيما يخص الأدباء والشعراء (٨) ، ويستوحى من استقراء هذه النصوص ما يلي: أن ابن حيان قد اطلع على الكتاب أثناء كتابته للمقتبس بدليل أنه نقل منه نصوصا كثيرة عن الشخص الواحد كما هو الحال عند حديثه عن هاشم بن عبد العزيز وفرج بن سلام (٩) .

стр. 390

أن هذا الكتاب يعنى بالأدباء والشعراء فابن الفرضي حينما يتحدث عن الرجال كان ينطلق في حديثه من خلال هذه النزعة فقد قال عن فرج بن سلام: (هذا أحد أكابر الأدباء ... وكان ذا عناية شديدة بعلم اللغة ورواية الشعر ...) (١) كما قال عن سلمان بن وانشوس: (ومن أدباء الأشراف ...) (٢) أما أبو عبد الله محمد بن سعيد الموسى الزجالي فقال عنه: (كان يلقب بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظ اللغة) (٣) . يبدو أن هذا الكتاب لم يطلق عليه مؤلفه اسما معينا ولهذا اجتهد المؤرخون والكتاب في تسميته، كما يبدو أنه كان كتابا موسوعيا في بابه إذ أن النقول التي وصلت إلينا منه توحي بسعته، وتشعب موضوعاته الأدبية، كما أن مؤلفه قد قسمه حسب المستوى الاجتماعي لكل أديب أو شاعر فمن الأدباء الأشراف ذكر الوزير أبا غالب تمام ابن أحمد بن غالب، وسلمان بن وانشوس (٤) ، ومن أدباء بني مروان أبا محمد القاسم ابن محمد (٥) ومن الأدباء الوزراء هاشم بن عبد العزيز (٦) . وهكذا جاءت تقسيمات ابن الفرضي لأولئك الأدباء حسب طبقاتهم ومكانتهم الاجتماعية، وهذا ما يوحي به عنوان الكتاب الذي أشار إليه ابن حيان. كما يستوحى مما وصل إلينا من نقول إجادة ابن الفرضي للغة العربية وأنه يملك أسلوبا أدبيا متميزا بالطراوة والحبك، ولعل هذا من العوامل التي جعلت ابن بشكوال يصف هذا الكتاب بأنه كان حفيلا بأخبار شعراء الأندلس (٧) ، كما قال عنه الذهبي: بأنه تصنيف مفرد (٨) ، وهذا مما يؤكد أن النزعة الأدبية كانت قوية لدى ابن الفرضي حيث لم تؤثر عليها النزعات العلمية الأخرى، بل إن هذه النزعات قد تضافرت جميعا في تكوين وصقل شخصيته العلمية.
следующие страницы →