Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
يمكن أن يدرس إمكان وجود نحو قرآني خاص، وما يدعو إليه بعض الكتاب من ضرورة اتباع الأساليب التركيبية والبيانية للقرآن الكريم، ونظرتهم إلى القواعد اللغوية القرآنية بأنها ملزمة، وينبغي هجر غيرها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النظرة لا تراعي حقيقة أن الأسلوب القرآني أسلوب نموذجي رفيع، وأنه معجز بنظمه، ومضمونه، وأن تقليد الشيء الخارج عن الطوق البشري لا طائل من دونه، كما أن الأسلوب القرآني لا يمثل كل الأساليب العربية التي منها الرفيع، والوضيع.
من ذلك الاستحلاف، وأساليب إيقاع الطلاق، والطلب والقبول في النكاح، وصيغ العقود، والاعتراف بالجريمة، وغيرها.
فمثلا: أوقات وساعات منع أنواع من الكلام في بعض الظروف أو الشعائر الدينية، ومواقف السكوت، والحديث مع الوالدين، وإساءة استخدام الكلام.
انظر مثلا: أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، ج١، ص ٣٣٧ (طريق فهم المراد) .
عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، تونس، ط٢، ١٩٨٦م، ص ٣٥- ٣٦.
عبد الرحمن السيوطي، الإتقان في علوم القرآن.
بدر الدين محمد الزركشي، البرهان في علوم القرآن.
انظر: محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، المكتب الإسلامي، دمشق، ط٣، ١٤٠٤هـ ١/ ٦٠-٦١ و ٦٩ و ١٠٩ و ١٣٩.
محمود توفيق محمد سعد، سبل الاستنباط من الكتاب والسنة: دراسة بيانية ناقدة، ص ١٨-٢٥.
انظر: محمد طاهر الجوابي، جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف، مؤسسات ع. الكريم بن عبد الله، تونس، ١٩٩١م، ص٨٤- ١٢٨ و ٢٨٤- ٢٩١، وغيرها.
الحاكم محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري، كتاب معرفة علوم الحديث، مكتبة المتنبي، القاهرة، د. ت.، ص٦٣
الإسنوي، الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، ص١٤٦: مقدمة المحقق.
стр. 3257
انظر: أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٩٥٢م ١/١٦٣ حيث قال: "وكذلك كتب محمد بن الحسن ﵀ إنما ينتزع أصحابنا منها العلل، لأنهم يجدونها منثورة في أثناء كلامه فيجمع بعضها إلى بعض بالملاطفة والرفق." وانظر: ج١، ص١١٥- ٢٠٠ وج١، ص٤٩- ٩٦، ١١٥- ١٦٤ في: نوع علل العربية، وجواز القياس، وتعارض السماع والقياس، والاستحسان، وتخصيص العلل.
عبد الرحمن السيوطي، كتاب الاقتراح في علم أصول النحو. (قسم السيوطي هذا الكتاب إلى أجزاء، هي: المقدمات، ثم الكتاب الأول في السماع، والثاني في الإجماع، والثالث في القياس والرابع في الاستصحاب، والخامس في الاستدلال، والسادس في التعارض والترجيح.)
جمال الدين عطية، التنظير الفقهي، ص١٠٩- ١١١
ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص١٥-٦.
جمال الدين عطية، التنظير الفقهي، ١١٠- ١١١.
ابن السيد البطليوسي، الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الخلاف، ص٣٤.
الإسنوي، الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، ص ٢٤٣ و ٢٦٦- ٢٦٧.
أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول ج١، ص ١٠.
стр. 3258
التصغير في اللغة
د. عليان بن محمد الحازمي
الأستاذ المشارك بقسم اللغة والنحو والصرف
كلية اللغة العربية - جامعة أم القرى
ملخص البحث
تهدف هذه الدراسة إلى معرفة التصغير في اللغة بوجه عام وأهميته في الدلالة على المعنى، حيث إن التصغير معنى والمعاني لا تختص بها لغة دون أخرى أو موقوفة على أمة بعينها، كما أن التصغير ليس مجرد تغيير وتحوير في بنية وصيغة الكلمة، وإنّما جيء به ليدل دلالة معينة؛ لذا حاولت هذه الدراسة مقارنة وجود ظاهرة التصغير في اللغة العربية بلغات أخرى سامية وهندية أوربية فوضح أن التصغير ظاهرة قديمة مشتركة في معظم هذه اللغات غير أن هذه الظاهرة تلاشت من أغلب اللغات، ولم تبق منه إلا بقايا تدل على أنه كان موجوداً. لقد استعيض في الوقت الحاضر بالوصف؛ لأن التصغير وصف، بل إن كبار الكتّاب والأدباء في اللغة العربية المعاصرة لا يميلون إلى إستخدام التصغير، وإنما نجد الوصف عندهم حلّ محلّ التصغير، لذا فإن اللغات تشترك في كثير من ظواهرها وتتشابه مما يجعلنا نقول إن القدر المشترك بين نحو اللغات أكثر من المختلف.
• • •
مقدمة:
فكرة هذا البحث تدور حول التصغير في اللغة بوجه عام، حيث يرى الباحث أنّ اللغة في أصلها سليقة، وفطرة يشترك فيها البشر كافة؛ ويستوي الجميع في استعمالها فهي مقدرة كامنة في عقول الناس، يستعملها الصغير والكبير، كما يقول ((التحويليون)) ومن ثم كان لابد أن يحصل توافق كبير بين اللغات لذا فإن هذه الدراسة تحاول أن تدرس التصغير في اللغة بمفهومها العام، معتمدة على ما قاله علماء النحو عن هذه الظاهرة، مستعينة في الوقت نفسه بما اطلع عليه الباحث من آراء لغوية محدثة يحاول على ضوئها دراسة التصغير، معتمداً على المقارنة والملاحظة وإبداء الرأي.
стр. 3259
وإذا بدا البحث قد ركز على اللغة العربية بصورة أكثر؛ فإنما جاء ذلك بقدر ما يبيّن ويوضح أصالة ظاهرة التصغير في اللغة العربية فقد جعل علماء الساميات اللغة العربية الأصل الذي يفزعون إليه عند المقارنة والموازنة، ولا غرو في ذلك؛ فالعربية قد حافظت على كثير من أصول اللغة الأم للغات السامية، أما اللغات الهندو أروبية فإن الباحث لا يدعي الاطلاع على جميع هذه اللغات، وإنّما اكتفى بذكر اللغات الجرمانية، ممثلة في اللغتين الإنجليزية والألمانية. وذكر بعض اللغات الرومانية كالإيطالية والأسبانية والفرنسية.
أما مصادر البحث فقد اعتمد على كتب التراث النحوي وما كتبه المتخصصون في علم اللغة، وفي اللغات السامية والهندو أوربية، وبعض المعاجم. كما اعتمد على كتب النحو التعليمي الذي وضع لتعليم اللغات، ثم إن الباحث رأى أيضاً أن هنالك قوانين واتجاهات تسير نحوها اللغات، هذه الاتجاهات تصدق على ظاهرة التصغير، من ثم اعتمدها الباحث في هذه الدراسة.
اللغة نظام:
من المعروف أن اللغة نظام كما يقول علماء اللغة المحدثون (١) ، وكل لغة لها نظام خاص تنفرد به، سواء كان ذلك في نحوها، أو صرفها، أو نطق أصواتها، وطرق أدائها، ناهيك عن طريقة التركيب وبناء الجملة وتنوع الأساليب، لكننا مع هذا لا نعدم وجود ظواهر مشتركة تظهر في عدد من اللغات، وهذا التوافق يمكن إرجاعه إلى:
١ - أن اللغة نتاج عقلي، وهذا يشترك فيه البشر كافة.
٢ - أن منشأ الأمم واللغات يعود إلى أصل واحد.
٣ - أن عناصر أي لغة من لغات البشر - بوجه عام - تتكون من أسماء وأفعال وأدوات، فلا تجد لغة إلاّ وتحتوي على تلك المكونات الأساسية لبناء الجملة، فالمؤتلف بين اللغات أكثر من المختلف.
стр. 3260
ولقد تنبه علماء العربية القدامى إلى هذا التوافق، وسبقوا علماء اللغة المحدثين بالإشارة إلى ذلك، فابن إيّاز يذكر أنّ أجزاء الكلام الذي تتكون منه الجملة: اسم وفعل وحرف. ثم عقب قائلاً: ((لا يختص انحصار الكلمة في الأنواع الثلاثة بلغة العرب؛ لأنّ الدليل العقلي الذي دلّ على الانحصار عقلي والأمور العقلية لا تختلف باختلاف اللغات)) (١) .
إنّ من يتعمق قول ابن إياز يدرك أن اللغات تتشابه في كثير من مكوناتها الأساسية، غير أن تلك المكونات يحكمها نظام خاص وطريقة معيّنة تنبع من جوهر تلك اللغة، حيث إنّ لها طريقة مميزة، وأسلوباً معيناً في تراكيبها وطرق أدائها. من هنا يتعين القول بأن توافق اللغات في كثير من الظواهر يؤكد قول النحاة التحويليين الذين يرون أن نحو اللغات يتشابه بصفة عامة (٢) .
فالمكونات والمظاهر العامة التي لا تخلو منها أي لغة من لغات البشر؛ لوجود الأسماء، والأفعال، والأدوات، والجموع والتثنية، والتذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، هي مكونات ومظاهر نحوية صرفية تركيبية، والتصغير أحد الظواهر اللغوية التي استرعت انتباهي حيث توافق وجوده في عدد من اللغات، يظهر في اللغة العربية، وفي اللغة الإنجليزية - وبالأخص القديمة - وفي اللغة الألمانية، كما أن اللغات الرومانية ((الفرنسية والإيطالية والأسبانية)) تستخدم التصغير (٣) .
التصغير معناه ودلالته:
التصغير في اللغة يدل على التقليل والنقصان، ففي اللغة العربية صغر الشيء (٤) يعني قلل حجمه، كما أن التصغير أيضاً في اللغات السامية كالعبرية والأكادية والسريانية (٥) يعني التحقير، والتقليل، وفي اللغة الإنجليزية تدل كلمة Minimize التي جاء منها مصطلح التصغير Diminutive على التقليل والتحقير (٦) . وكذلك الحال في اللغة الألمانية (٧) حيث إن التصغير يفيد تقليل الشيء.
стр. 3261
ولما كان التصغير في الغالب يدل على التقليل، فقد لوحظ أن علماء العربية عند دراستهم لظواهره، لم يكن همهم وضع القواعد الخاصة به فقط؛ وإنما مبانيه ومعانيه، فوضوح المعنى وما تدل عليه الصيغ والتراكيب كانت الهدف الأول الذي انصب عليه اهتمام العلماء، لذا جاءت دراستهم لظواهر اللغة المختلفة، تركز على المعنى من خلال المبنى، فتنبهوا إلى أن التصغير تقليل، فبينوا صيغه وحصروها في أوزان ثلاثة: فُعَيْل، وفُعَيْعِل، وفُعَيْعِيل. هذا الحصر إنما اعتمد على الاستقراء؛ لأن الكثرة الكاثرة من العرب لا تتجاوز هذه الأوزان، ويرجع العلماء هذا الحصر إلى الخليل بن أحمد، الذي رأى بثاقب فكرة وقوة استنباطه، أن كلام العرب من حيث أبنيته، إما أن يكون ثنائياً، أو ثلاثياً، أو رباعياً، أو خماسياً، يقول: ((كلام العرب مبني على أربعة أصناف على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي)) (١) . ومن ثم جعل التصغير ثلاثة وأخرج الثنائي؛ لأنه قليل في العرب، وكل ثنائي إنما هو في الأصل (٢) . ثلاثي، يقول سيبويه: ((أعلم أن التصغير في الكلام على ثلاثة فُعَيل، وفُعَيعِل، وفُعَيعِيل)) (٣) .
التصغير معنى:
إن أهم ما سعى إليه علماء اللغة والنحاة على وجه الخصوص هو وضوح المعنى، فالاهتمام بالمعنى ودلالاته تمثل جزءاً لا يتجزأ من نحو اللغة وصرفها، فالمعنى وليست القاعدة تأتي دائماً في الصدارة والتصغير تغيير في صيغة الكلمة بزيادة حرف، هذه الزيادة قصد منها إفادة دلالة معينة، فياء التصغير في اللغة العربية حرف من حروف المعاني، وزيادتها في اللفظ المراد تصغيره هو نقله من حالة إلى حالة أخرى؛ ليدل دلالة معينة، يقول ابن جني: ((فإذا كانت الألفاظ أدلة المعاني، ثم زيد فيها شيء أوجبت القسمة له زيادة المعنى)) (٤) .
стр. 3262
والتصغير معنى: لأنك إذا أصغرت الشيء فقد حقرته، يقول ابن يعيش: ((اعلم أن التصغير والتحقير واحد، وهو خلاف التكبير والتعظيم)) (١) .
فالتصغير ما هو إلا تقليل وتحقير، يقول ابن عصفور موضحاً معاني التصغير: ((أحدهما أن يراد به تصغير شأن الشيء وتحقيره نحو قولك: رجيل سوء، والآخر أن يراد به تقليل كمية الشيء نحو قولك: دريهمات، الآخر أن يراد به تقريب الشيء)) (٢) . ويقول ابن الحاجب: ((المصغر المزيد فيه؛ ليدل على تقليل)) (٣) . يعني أن المصغر ما زيد فيه شيء ليدل على تقليل، ويؤكد العليمي في حاشيته بقوله: ((وفوائد التصغير ستة لا يخفى أنها ترجع للتحقير والتقليل)) (٤) .
من هنا يتضح لنا أن المعنى الذي يدل عليه التصغير هو التقليل والتحقير، فالتصغير معنى، وعرف علماء العربية ذلك حيث ذكروا أن التصغير لا يكون إلاّ في الأشياء التي يدركها التقليل ((إنما يصغر الشيء إذا علم أنه صغير)) (٥) ، إذ لا يتناول التصغير إلاّ حقيراً، فلا يصح تصغير الأسماء المعظمة كأسماء الله الحسنى، ولا جموع الكثرة ولا مادلّ على العموم والشمول مثل كل.
التصغير والتحقير:
من الملاحظ أن علماء العربية القدامى استعملوا لفظي التصغير والتحقير، وعاقبوا في الاستعمال بينهما، فالخليل بن أحمد وسيبويه والمبرد يستعملون التحقير جنباً إلى جنب التصغير، يقول الخليل: ((وتحقير الكلمة تصغيرها)) (٦) . ويقول سيبويه في باب تصغير ما كان على ثلاثة أحرف: ((اعلم أن تحقير ذلك كتحقير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته ألف التأنيث لا تكسر الحرف الذي بعد التصغير)) (٧) . وعلى هذا النحو سار المبرد فتراه يستعمل لفظي التصغير والتحقير، يقول: ((واعلم أنك إذا صغرت شيئاً على خمسة أحرف كلها أصل، فإنك لا تحذف من ذلك إلا الحرف الأخير؛ لأنه يجري على مثال
стр. 3263
التحقير)) (١) ، ويقول: ((وتقول العرب في تحقير شفة شفيهة)) (٢) . فما السبب الذي جعل علماء العربية يعاقبون في الاستعمال بين لفظي التصغير والتحقير، فمرة يستخدمون لفظ التحقير، وتارة يقول التصغير، إن العلة تكمن في أن الدلالة في التصغير كما لاحظها علماء العربية تظهر واضحة جلية في التحقير وهذا ما جعلهم يستعملون التحقير بجانب التصغير، غير أن استعمالهم لفظ التحقير ليس من قبيل أنّه مصطلح (٣) نحوي استعمل ثم اندثر.
فالتصغير هو المصطلح النحوي المستعمل عند سيبويه وغيره من علماء النحو بدليل أنّ سيبويه يكثر من استعماله، ويقول: ((اعلم أن التصغير إنما هو في الكلام على ثلاثة أمثلة ... )) (٤) . كما أنه لا يقول إلاّ ياء التصغير، ولم يقل ياء التحقير، فلفظ التحقير الذي ورد عند سيبويه لم يكن مصطلحاً علمياً وإنما هو المعنى الذي يفيده التصغير، فقد عرف سيبويه أن التصغير في غالبه يفيد التحقير والتقليل، يقول: ((هذا باب ما يحقر لدنوه من الشيء وليس بمثله، وذلك قولك هو أصيغر منك، وإنما أردت أن تقلل الذي بينهما، ومن ذلك قولك: هو دوين ذاك وفويق (٥) ذاك)) ، ويقول: ((إذا قلت دوين ذاك وفويق ذاك فإنما تقرب الشيء من الشيء، وتقلل الذي بينهما، وليس المكان بالذي يحقر)) (٦) .
فالأغراض والمعاني الدلالية التي ينصرف إليها التصغير والتي حصرها النحاة في ثمانية أغراض (٧) ، وهي: التحقير، تقليل جسم الشيء وذاته، تقليل الكمية والعدد، تقريب الزمان، تقريب المكان، التحبب، الترحم، التعظيم، لم تكن غائبة عن ذهن سيبويه، فقد ذكرها خلال مناقشته للتصغير، لكنه رأى أنّ التحقير والتقليل هو السمة الواضحة والغالبة في التصغير، فورد كثير عنده في الكتاب، يقول العليمي: ((إن فوائد التصغير الستة (٨) ، ترجع كلها للتحقير والتقليل)) ، ويقول د. عباس حسن:
стр. 3264
((ومن الممكن إرجاع كثير من هذه الأغراض المفصلة إلى التحقير أو التقليل)) (١) . فالتحقير ليس مصطلحاً نحوياً كما ذهب الدكتور القوزي حين تحدث عن المصطلح النحو في كتاب سيبويه بقوله: (( ... ومنها مالم يعمر طويلاً بعده كإصطلاح التحقير الذي أدار الحديث عليه في أغلب المواضع التي تحدث فيها عن التصغير، حتى أن التحقير لم يعد أكثر من مجرد غرض من أغراض التصغير عند المتأخرين)) (٢) . لذا نرجح أن التحقير الذي تردد في كتاب سيبويه ليس مصطلحاً، وإنما هو أحد المعاني والأغراض التي يفيدها التصغير؛ لأن التصغير تقليل حجم الشيء، وهذا ما أرداه سيبويه , كما أن التصغير يدل في اللغة على التقليل والتحقير كما أشرنا.
التصغير بين الذوق والقاعدة:
стр. 3265
ليست اللغة مجموعة من القواعد، بقدر ما هي ما اتفق عليه المجتمع اللغوي، فعمل على استعماله وتأصيله، ومن ثم استنبط واستخرج العلماء الضوابط التي تبين معالمه ولا غرو فقد حدد علماء العربية أبنية التصغير التي وردت في استعمال العرب، لتكون قاعدة مطردة فالتصغير في الكلام يأتي على ثلاثة أمثلة كما أشرنا ((فعيل وفعيعل وفعيعيل)) إلا أنهم لاحظوا أن هنالك ألفاظاً تفيد التصغير ولكنها جاءت خلاف القاعدة؛ يقول أبو حيان: ((وجاء من التصغير ما هو خلاف قياس المكبر بقولهم في مغرب: مغيربان، وفي عشية: عشيشة، وفي رجل: رويجل (١) وذكر السيوطي ألفاظاً وردت عند العرب تفيد التصغير، مثل هداهد تصغير هدد، وحبرور تصغير حباري (٢) . إن ما ذكره العلماء خلاف القاعدة سواء كان في التصغير أم في غيره لا يعني أن قواعدهم غير محكمة، وأنها بنيت على استقراء ناقص؛ وإنّما تصور الدقة العلمية والنهج المحكم الذي سلكه العلماء عند استنباطهم القواعد وما أجمل قول أبي عمرو بن العلاء عندما سئل: ((أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله، فقال: لا فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة، فقال: أحمل على الأكثر وأسمى ما خالفني لغات ... )) (٣) .
стр. 3266
فالألفاظ التي جاء تصغيرها مخالفاً لأوزان التصغير الثلاثة لغات وردت عن العرب وسمعت عنهم، لكنها لم تكن شائعة ومستعملة من غالبية العرب، والقواعد إنما تستنبط وتؤخذ من الغالب الشائع إضافة إلى ذلك أن الذوق ووضوح المعنى هو المعول عليه فليس كل إسم يصغر، ولا كل صيغة للتصغير يقاس عليها فقد ذكر سيبويه وغيره من العلماء أن هنالك أسماءً وأدوات لا تحقر، يقول: ((مستعرضاً ما يصغر وما لا يصغر موضحاً الأسباب والموانع التي تمنع من التصغير معتمداً في ذلك كله على السماع محكماً الذوق وإفادة المعنى ((ولا تحقر عند)) ، كما تحقر ((قبل وبعد)) ، ونحوهما؛ لأنك إذا قلت: عند، فقد قللت ما بينهما، وليس يراد من التقليل (١) . أقل من ذا)) ويقول: ((ولا يحقر أين، ولا متى، ولا كيف، ونحوهن)) ، من قبل: إن أين ومتى وحيث ليس فيها ما في فوق ودون وتحت ... )) (٢) .
فالمعول عليه في التصغير إفادة المعنى فإذا كان المعنى لا يأتي ولا يتحقق فحينئذ لا جدوى من تصغيره فكلمة ((بعض)) تدل بنفسها على التصغير والتقليل، فلا حاجة إذاً إلى تصغيرها كما أن ((كل)) تدل على العموم والشمول والكثرة، فصارت كجمع الكثرة (٣) . يقول ابن عصفور ((وإنّما يصغر الشيء إذا علم أنه صغير، وأيضاً فإنّها عامة وتصغيرها يخرجها عن العموم، إذ لا يتناول التصغير إلاّ حقيراً)) (٤) .
فالشروط التي وضعها النحاة لتصغير الإسم تدل على مصاحبة الذوق للقاعدة، فالقاعدة لابد أن يحكمها الذوق فقد ذكروا أن يكون الإسم المراد تصغيره خالياً من صيغ التصغير وشبهها، فلا يصغر نحو كميت ((لئلا يؤدي تصغيرها إلى جمع بين حرفي معنى)) (٥) . كما بينوا أن الإسم المصغر لابد أن يكون قابلاً لصيغة التصغير، فلا تصغر الأسماء المعظمة كأسماء الله الحسنى ولا الأنبياء ولا جمع الكثرة)) (٦) .
اللغة والوصف:
стр. 3267
اللغة مبنى ومعنى فعندما نقول: ((هذا رجل)) دلَ التركيب على معنى معيّن، وإذا قلنا: ((هذا رجل فاضل)) ، وضحت صفة يتحلى بها هذا الرجل. ولقد كان العربي يحس ويعرف لطائف ودقائق المعاني في تراكيب لغته فكل كلمة تعبر عن معنى فالشاعر عندما يستخدم التصغير إنما يطمح إلى تعبير دلالي معين ينفد من خلاله: ليدل به على معنى دقيق فأوس بن حجر عندما
قال:
دانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الأرض هَيْدبُهُ يكادُ يَدْفَعُه مَنْ قام بالرَّاحِ
стр. 3268
إنما صغر لفظ فُوَيْقَ لبيان قرب السحاب من الأرض، وأنه تدلى فهو ليس عالياً ((وإنما هو فويق)) ؛ لذا فإن التصغير له دلالات معينة ودلالة الوصف من ألصق وأوضح الدلالات في التصغير؛ إذ أن التصغير نعت ووصف، فأنت إذا صغرت الشيء وصفته يقول ابن عصفور: ((إن التصغير في المعنى نعت، فإذا قلت: رجيل، فمعناه رجل حقير)) (١) . فالتصغير وصف، فإذا قلت ((بييت)) فقد وصفته بالصغر، وإذا قلت ((رجيل)) فقد قللت من شأنه وأنزلته منزلة أقل، وعمدت إلى بيان حاله، وهو أنك تصفه في موضع تحقير. وقد صرح الخليل عن قول العرب ((ما أميلحه)) ، فقال: ((لم يكن ينبغي أن يكون في القياس؛ لأن الفعل لا يحقر، وإنّما تحقر الأسماء؛ لأنها توصف)) (٢) . فقول الخليل: ((وإنما تحقر الأسماء؛ لأنها توصف)) دليل على أن التصغير يقوم مقام الوصف. ويؤكد ابن يعيش على أن التصغير وصف يقول: ((اعلم أن التصغير والتحقير واحد، وهو خلاف التكبير والتعظيم، وتصغير الإسم دليل على صغر مسماه، فهو حلية وصفة للإسم؛ لأنك تريد بقولك: رجيل: رجلاً صغيراً، وإنما اختصرت بحذف الصفة وجعلت تصغير الإسم والزيادة عليه علماً على ذلك المعنى)) (٣) . ويقول ابن السرّاج مؤكداً: ((التصغير شيء اجتزئ عند وصف الإسم بالصغر)) (٤) ، وهذا القول ذكره ابن الأنباري (( ... لأن التصغير قام مقام الصفة، قام رجيل مقام رجل سوء ... إذا قلت: رجيل، فقد وصفته)) (٥) .
стр. 3269
ويقول ابن يعيش: ((وأما التصغير فيفتقر إلى علامة؛ لأنه حادث لنيابته عن الصفة)) ، وقال: ((إنّ التصغير لما كان صفة وحلية للمصغر بالصغر، والصفة إنما هي لفظ زائد عن الموصوف جعل التصغير الذي هو خلف عنه بزيادة، ولم يجعل بنقص ليناسب حال الصفة)) (١) . فالتصغير أصله صفة ونائب عنها. ولعل هذا يفسر لنا استعمال الوصف بدلاً وعوضاً عن التصغير في لغتنا المعاصرة، فمن يتابع سير اللغة العربية اليوم يجد أن الوصف قد حلّ محل التصغير سواء كان ذلك في اللغة المكتوبة أو المتحدثة.
فالدكتور / طه حسين يقيم الوصف بدلاً عن التصغير والأمثلة الآتية تظهر في ((كتابه الأيام)) .
١ - لم يكن بينه وبين الدار إلا خطوات صغار (٢) .
٢ - كان سيدنا جالساً على دكة من الخشب صغيرة (٣) .
٣ - يؤثر الصلاة في مسجد صغير (٤) .
٤ - ما هي إلاّ لحظات قصيرة (٥) .
٥ - اتخفّى بين حوانيت صغيرة (٦) .
هذه الأمثلة تقفنا كيف أن أديباً معاصراً أثر الوصف على استعمال خطيوات، دكيكة، مسيجد، لحيظات، حوينتات إلاّ أننا مع هذا نجد التصغير يظهر عنده في قوله:
١ - ما هكذا تؤخذ اللقمة يابني (٧) .
٢ - ويأتي سيدنا كل يوم قبيل الظهر (٨) .
وهذا يمثل بقايا من التصغير، أما الأستاذ أحمد أمين فإنه لا يختلف عن الدكتور طه حسين من حيث استخدام الوصف بدلاً عن التصغير، فقد جاء في كتابه ((حياتي)) الأساليب الآتية:
١ - سكن الشريدان في بيت صغير (٩) .
٢ - في وسطه باب صغير (١٠) .
٣ - صاحب مقهى صغير (١١) .
٤ - وصندوق صغير من صناديق الجاز (١٢) .
٥ - كان بالمدرسة مسجد صغير (١٣) .
٦ - أما هم فقد يحاسبوننا على الكلمة الصغيرة (١٤) .
стр. 3270
كما أن الوصف مع التصغير ورد عنده في قوله ويوماً لقيت في هذه كتيباً صغيراً (١) . عنوانه ((مبادئ الفلسفة)) . أما وجود بعض بقايا التصغير فإنه مثله مثل الدكتور / طه حسين، تظهر في قوله: وقد ذهبت بعيد الزواج إلى مصور ماهر (٢) . ولعل السبب في ظهور هذه البقايا من التصغير يرجع إلى الثقافة الأزهرية لفكر الأديبين. كما تدلنا هذا البقايا على أصالة التصغير في اللغة، ولكن الإتجاه إلى الوصف هو السمة الغالبة على اللغة المعاصرة.
ويتجلى استخدام الوصف عوضاً عن التصغير عند الأديب نجيب
محفوظ، يقول في قصته الشهيرة ((بين القصرين)) :
١ - ذو عينين صغيرتين وأنف صغير دقيق (٣) .
٢ - وكانت حين زواجها فتاة صغيرة دون الرابعة (٤) .
٣ - أحسها قلبه الصغير (٥) .
٤ - رأيت أيها الرجل الصغير العاجز (٦) .
ويلحظ أيضاً أن الطيب صالح في قصته في العالمية الشهيرة ((موسم الهجرة إلى الشمال)) أقام الوصف أيضاً مقام التصغير، وهو في هذا لا يختلف عن بقية معاصريه من الأدباء، ولعل الأمثلة الآتية تبرهن حقيقة ما نذهب إليه.
١ - جمعت متاعي في حقيبة صغيرة (٧) .
٢ - ووجد ورقة صغيرة بإسمي (٨) .
٣ - كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة (٩) .
٤ - في تلك اللحظة القصيرة (١٠) .
أما التصغير فإننا لا نجده إلا في بقايا وألفاظ معروفة يستخدمها الطيب صالح شأنه في هذا شأن بقية معاصريه، مثل قوله، قبيل الفجر (١١) .
إن إقامة الوصف مقام التصغير في اللغة العربية المعاصرة ليس بدعاً، وإنّما أمر لاحظه علماء العربية، فالسبب يمكن في أنّ الإنسان بطبعه يميل إلى
السهولة، يقول الأسترابادي: ((لما كان أبنية المصغر قليلة واستعمالها في الكلام أيضاً قليلاً صاغوها على وزن ثقيل، إذ الثقل مع القلة محتمل)) (١٢) . ثم إنّ اللغات تتجه نحو التيسير كما يقول علماء اللغة المحدثون، كما أنّ التصغير قائم مقام الوصف.
стр. 3271
التصغير واللغات:
اللغة نتاج عقلي ووعاء للفكر، فهي فكر قبل أن تكون أصواتاً والمعاني والأفكار كامنة في الصدور، وكل إنسان يعبر على قدر قدرته وما تهيأ له من أسباب عما يجول في نفسه. وقد أشرنا سابقاً إلى أن التصغير معنى، والمعاني لا تنفرد بها لغة دون الأخرى فلا عجب أن نجد التصغير يظهر في عدة من لغات البشر. فكما أن العربي إذا أراد أن يقلل من شأن شيء لجأ إلى تصغيره، كذلك الشأن في بقية اللغات السامية الأخرى حيث وجد أنها تستخدم التصغير لتدل به على التحقير يقول ((مسكاتي)) موضحاً ومبيناً ((مظاهر التصغير وآثاره تتضح في اللغات السامية كالسريانية والأكادية ... )) فاللغة السريانية تقول غليماً تصغير غلام، والأكادية تقول قُسيبا تصغير قسم، والإبدال بين الميم والباء ظاهرة شائعة في اللغات السامية (١) .
كما أن ((أولري)) أشار في كتابه ((النحو المقارن للغات السامية)) إلى أن اللغة العبرية تستخدم التصغير مثل اللغة العربية (٢)
وهذا دليل على أصالة ظاهرة التصغير في اللغات السامية التي تلاشت فيما بعد.
وقد أكد الأستاذ جونستون في مقال نشره في مجلة الدراسات السامية أن التصغير يستعمل في اللغات الأمهرية والسوقطرية والشحرية، وهي لغات عربية جنوبية ويدل على التحقير والتقليل وتستخدمه في أغراض شتى كالسخرية والمدح والشفقة والتحنن، مثل تصغير كلب كويلب كليب Kewelab، Kelab في الأمهرية والسوقطرية أي يا قلبي الصغير Dear little heart، وكبش كبيش Kobes، وكويبش في الأمهرية والسوقطرية و Kiyes في الشحرية (٣) ، كما أنه بيّن أن التصغير يكثر في اللغة الأمهرية ويقل في الشحرية ومحدوداً في اللغة السوقطرية (٤) .
стр. 3272
كذلك وجد أن اللغات الهندية الأوربية تستخدم التصغير لتدل به دلالة معينة، ففي اللغة الإنجليزية هنالك لواحق معينة تلحق كلمة ((Book كتاب)) و ((Bud برعم)) عندما تضاف إليهما اللاحقة ((Let)) يتغير (١) إلى ((كتيّب Booklet))
((بريعم Budlet)) (٢) .
أما اللاحقة ((Ling)) واللاحقة ((Kin)) فإنهما إذا ألحقت إحداهما بالإسم، فإنها تدل السخرية والاحتقار ويكثر هذا الاستعمال في الإنجليزية القديمة، فقد أورد يسبرسن في كتابه الكلمات الآتية ((Princeling Dukling)) (٣) .
أما اللغة الإنجليزية المعاصرة فإنها تستخدم اللاحقة ((ie)) للدلالة على التصغير والتحبب، فكلمة ((Aunt)) خالة أو عمة إذا ألحق بها ((ie)) (٤) ((Auntie)) خولتي عميمتي لتدل على التصغير. كذلك ((y)) (٥) تستخدم لتدل على التصغير، ويكثر استعمالها بكثرة عند محادثة الأطفال في دور الحضانة من قبل المربيات مثل قولهم: ((Dicky)) .
أما اللغة الألمانية فتشترك مع اللغة الإنجليزية، إذ أنهما تنتميان إلى أرومة واحدة هي اللغة الجرمانية، فإن التصغير فيها يعبر عنه بإستخدام اللاحقين ((Iein)) و ((chen)) . فكلمة ((كلب Der hund)) إذا ألحقت بها ((Lein)) فإنها تقتضي دلالة التصغير فتصبح ((Der Hundlien)) (٦) ، وكذلك أيضاً نجد أن ((katz قطة)) إذا أريد تصغيرها ألحقت بها ((Chen)) ، فقد ذكر جاكسون وجيجر في كتابهما ((اللغة الألمانية المعاصرة)) (٧) .
أما التصغير في اللغة الإيطالية، وهي إحدى اللغات التي تفرعت عن اللغة اللاتينية، فإن هنالك عدة لواحق تلحق الألفاظ فتجعلها مصغرة، هذه اللواحق هي (٨) :
((ino)) ((etto)) ((ello)) .
((ina)) ((etta)) ((ella)) .
فكلمة ((Storiella)) تصغير لكلمة Stori.
وكلمة ((Donnina)) تصغير لكلمة Donn.
وكلمة ((Giovinetto)) تصغير لكلمة Giovin.
стр. 3273
إن الأمثلة السابقة تقفنا على أن تلك اللغات استخدمت التصغير في أغراض شتى بشكل مماثل لما نجده في اللغة العربية، فقد تعبر به عن التحقير والتقليل من شأن المصغر أو السخرية منه أو التحبب وإظهار الشفقة.
ولعل في دراسة النصوص القديمة لآداب تلك اللغة تطلعنا على أن وجود التصغير وإستخدامه يجعلنا نقول إن التصغير يمثل عنصراً قديماً للغة اندثر الآن في أغلب اللغات المعاصرة، فلم تبق منه إلا بقايا في ألفاظ لا زالت على ألسنة الناس، فالدلائل تشير إلى إن معظم اللغات الآن تستخدم الوصف بدلاً من التصغير فاللغة الإنجليزية غالباً تستخدم قطة صغيرة ((Little cat)) عوضاً عن Kitten مع أنه ما زالت هذه الكلمة موجودة، ويستعملها القلة من المتحدثين وأحسبها من بقايا التصغير في اللغة الإنجليزية. لذا فإن التصغير - في أغلب الظن - يمثل مرحلة لغوية قديمة أستعيض عنه بما يدل عليه الآن وهو الوصف.
وخلاصة القول:
١ - إن التصغير ليس وقفاً على لغة بعينها، وإنما هو ظاهرة قديمة موجودة في معظم اللغات لا تكاد تخلو منه أي لغة.
٢ - إن التصغير إندثر في كثير من اللغات، ولم نعد نجد إلا بعض بقاياه.
٣ - التصغير في حقيقة أمره وصف، فإذا صغرت الشيء فقد وصفته.
٤ - إن معظم اللغات المعاصرة تستخدم الوصف بدلاً عن التصغير، فكثير من أدباء العربية المعاصرين يستعملون الوصف عوضاً عن التصغير. وكذلك الحال في اللغة الإنجليزية.
٥ - إن معظم أغراض التصغير التي يعبر عنها التصغير في اللغة العربية كالتحبب والشفقة والتحقير ... نجدها ممثلة في اللغات الأخرى كالانجليزية والألمانية والإيطالية.
لذا فلعلنا لا نعدو الصواب حين نقول إن هنالك ظواهر مشتركة بين اللغات. وأن التصغير معنى. والمعاني لاتنفرد بها لغة دون الأخرى.
الهوامش والتعليقات
(١) F. Desaissure , Course in General Linguistics P ٨.
(٢) ابن هشام: شذور الذهب ص ١٤.
стр. 3274
(٣) نهاد الموسي، نظرية النحو العربي في ضوء مناهج اللغوي الحديث ص ٩، ١٠.
(٤) Otto , Jespersen , Growth and Structure of
the English Language p:- ٩١
(٥) لسان العرب مادة صغر.
(٦) S. Moscati , An Introdution to the Comparative Grammar of
the Semitic Language p:- ٧٨.
(٧) Oxford Dictionary.
(٨) Concise German Dictonary.
(٩) العين ج ١، ص ٤٨.
(١٠) المبرد، المقتضب ج ٢، ص ٢٣٧.
(١١) الكتاب ج ٢، ص ١٠٥.
(١٢) الخصائص ج ٣، ص ٢٦٨.
(١٣) شرح المفصل ج ٥، ص ٢٨٩.
(١٤) ابن عصفور شرح الجمل ج ٢، ص ٢٨٩.
(١٥) المصدر السابق ج ١، ص ١٨٩.
(١٦) حاشية العليمي ج ٢، ص ٣٧.
(١٧) ابن عصفور، شرح الجمل ج ٢، ص ٢٩٠.
(١٨) العين ج ٣، ص ٤٣.
(١٩) الكتاب ج ٢، ص ٤١٩، ٤٢٠.
(٢٠) المقتضب ج ٢، ص ٢٤٩.
(٢١) المصدر السابق ج ٢، ٢٤١.
(٢٢) المصطلح النحوي: عوض حمد القوزي ص ٨٦.
(٢٣) الكتاب ج ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.
(٢٤) المصدر السابق ج ٢، ص ١٣٥.
(٢٥) المصدر السابق ج٢، ص ١٣٨.
(٢٦) شرح التصريح، خالد الأزهري ج ٢، ص ٣١٧.
(٢٧) حاشية العليمي ج ٢، ٣١٧.
(٢٨) النحو الوافي ج ٤، ص ٥١٣.
(٢٩) المصطلح النحوي ص ٨٦.
(٣٠) الأشباه والنظائر ج ٢، ص ١٢٥.
(٣١) المزهر ج ٢، ص ٧٨، وانظر الخصائص لابن جني ج ٢، ص: ٤٦٦.
(٣٢) المزهر ج ١، ص ١٨٤، ١٨٥.
(٣٣) سيبويه، الكتاب ج ٢، ص ١٣٦.
(٣٤) المصدر السابق ج ٢ - ١٣٥.
(٣٥) حاشية العليمي ج٢، ص ٣١٧.
(٣٦) ابن عصفور، شرح الجمل ج ٢، ص ٢٩٠.
(٣٧) شرح التصريح على التوضيح ج ٢، ص ٣١٧.
(٣٨) شرح الجمل ج ٢، ص ٢٩١.
(٣٩) حاشية العليمي ج ٢، ص ٣١٧.
(٤٠) شرح الزجاجي ج ٢، ص ٢٨٩.
(٤١) الكتاب ج٢، ص ١٣٥.
(٤٢) شرح المفصل ج٥، ص ٣٦.
(٤٣) الأصول في النحو ج ٣، ص ٣٦.
стр. 3275
(٤٤) أسرار اللغة ص ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٣.
(٤٥) شرح المفصل ج ٥، ص ١١٥.
(٤٦) الأيام، ص ٧.
(٤٧) نفسه، ص ٣٠.
(٤٨) نفسه، ص ٨٤.
(٤٩) نفسه، ص ١٦٤.
(٥٠) نفسه، ص ١٦٥.
(٥١) نفسه، ص ١٦٥.
(٥٢) نفسه، ص ١٣.
(٥٣) حياتي، ص ٥٨.
(٥٤) نفسه، ص ٧٣.
(٥٥) نفسه، ص ٧٥.
(٥٦) نفسه، ص ٨٠.
(٥٧) نفسه، ص ٨٨.
(٥٨) نفسه، ص ١٨٤.
(٥٩) نفسه، ص ١٧١.
(٦٠) نفسه، ص ١٧٦.
(٦١) نفسه، ص ٦.
(٦٢) نفسه، ص ٦.
(٦٣) نفسه، ص ١٢٦.
(٦٤) نفسه، ص ١٢٩.
(٦٥) نفسه، ص ٢٧.
(٦٦) نفسه، ص ٣٥.
(٦٧) نفسه، ص ٥٢.
(٦٨) نفسه، ص ٦٠.
(٦٩) نفسه، ص ٥٢.
(٧٠) شرح شافية ابن الحاجب ج ١، ص ١٩٣.
(٧١) S. Mos Cati , An Introduction to the Comparative
Grammar of the Semitic Languaes P:- ٧٨.
(٧٢) Compartive Grammer of the Semitic Languages P:- ١٨٦.
(٧٣) T. M. Johnstone , Diminutive Patterns in Modrn South
Arabian Languages JSS P:- P. ٩٨. ٩٩.
(٧٤) المرجع نفسه.
(٧٥) يسبرسن: نمو وتطور اللغة الإنجليزية ص ٩.
(٧٦) المصدر نفسه.
(٧٧) المصدر نفسه ص ٩.
(٧٨) المصدر نفسه.
(٧٩) المصدر نفسه.
(٨٠) اللغة الألمانية المعاصرة B. W. Buckly , Living German.
Living German.
(٨٢) Growth and Strncture of the English Language , P. ٩٠
المصادر والمراجع العربية
- الأزهري، خالد بن عبد الله: شرح التصريح على التوضيح، صحح ورجع بمعرفة لجنة من العلماء.
- أمين، أحمد: حياتي، دار الكتاب بيروت ١٩٧١ م.
- ابن جني، أبو الفتح عثمان الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب القاهرة ١٣٧١ هـ.
- حسن، عباس: النحو الوافي - دار المعارف بمصر ١٩٦٣ م.
- حسين، طه: الأيام، دار الكتاب بيروت ١٩٧٤ م.
стр. 3276
- ابن السراج، أبو بكر محمد محمد بن سهل: الأصول في النحو، تحقيق: د. عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٥ هـ.
- سيبويه،أبو بشر عمرو بن قَنبر: الكتاب، المطبعة الأميرية ببولاق ١٣١٦ هـ.
- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن:
أ) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، شرحه وضبطه محمد أحمد جاد المولى - علي محمد البجاوي محمد أبو الفضل إبراهيم.
ب) الأشباه والنظائر، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد.
- الإشبيلي، ابن عصفور: شرح جمل الزجاجي، تحقيق د. صاحب أبو جناح بغداد ١٩٨٢ م.
- صالح الطيب: موسم الهجرة إلى الشمال.
- العليمي، الشيخ يس بن زين الدين: حاشية العليمي.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد: كتاب العين، تحقيق د. مهديَ المخزومي د. إبراهيم السامرائي، دار الرشيد. بغداد.
- القوزي، عوض حمد: المصطلح النحوي نشأته وتطورته حتى أواخر القرن الثالث الهجري جامعة الرياض ١٤٠١ هـ.
- المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد: المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة - عالم الكتب، بيروت.
- ابن هشام، عبد الله جمال الدين بن يوسف: شرح شذور الذهب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة.
- الموسى، نهاد، نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث.
- محفوظ، نجيب: بين القصرين.
- ابن يعيش، موفق الدين يعيش بن علي: شرح المفصل، عالم الكتب - بيروت، مكتبة المتنبي- القاهرة.
المصادر والمراجع الأجنبية
-BUCKLY , R. W. Livng German , London ١٩٦٧.
-DESAUSSURE, F. Course in General Lingustics , London.
-JACKSON , A. German Made simple , Lndon ١٩٦٨.
-JEPERSEN. Otto Growth and Structure of the English Language Oxford ١٩٧٢.
-JOHNSTONE. T. M. Diminutive Patternr in Modern South Arabian Language , J. S. S. V ol ١٨ , ١٩٧٣.
- MESSINGER , H. Concise German
Dictionary.
стр. 3277
- MOSCATI , S. In Introdution to the Comparahtiv Grammar of the Semitic Languages Wiesbaden ١٩٦٤.
- OLEARY , DELACY. Coparative Grmmar of the Seminic Languages London ١٩٢٣.
- The Concise Oxford Dicionary.
стр. 3278
مقدمة القصيدة الجاهلية عند
حسان بن ثابت ﵁
د. محمود عبد الله أبو الخير
أستاذ الأدب والنقد المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها
كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية والإدارية - جامعة الملك خالد
ملخص البحث
يدرس هذا البحث مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان بن ثابت؛ فيحاول تفسير تخلي حسان عن المقدمة التقليدية في بعض قصائده، ثم يلقي الضوء على صور المقدمات في قصائده الجاهلية.
ويتناول مظاهر التطور في تلك المقدمات؛ فيحدد العناصر والمقومات التي تخلى عنها، والتي أبقى عليها، والتي ظهرت في بعض المقدمات، واختفت في بعضها. ثم يكشف عن العناصر الجديدة في مقدماته الجاهلية، متمثلة في ميله إلى التركيز والتكثيف، وفي الاقتصاد في التعبير بالصورة الشعرية؛ وعن العناصر التي انحرف بها عن منهج السابقين، متمثلة في تضمين مقدماته ذكر أماكن تقع خارج جزيرة العرب، واشتمالها على التعبير عن إعجابه بأمجاد الغساسنة، وبكائه على تلك الأمجاد، وذكر كرائم إبلهم وخيلهم، واستعادة ذكرياته في ديارهم؛ وفي عدم تهافته على المرأة، أو مخاطرته في سبيل الوصول إليها، ووصف جواري الغساسنة وتعبيره عن انبهاره بالمرأة الحضرية وزينتها، وعطرها، وتفضيلها على البدوية، ومزج موصوفاته ببعض مظاهر الطبيعة، واستغلال بعض العناصر الأسطورية في الحياة الجاهلية.
ويناقش البحث خلال ذلك كثيراً من الآراء في مقدمة القصيدة الجاهلية، وبعض الآراء في الشعر الجاهلي محاولاً تصحيحها.
• • •
... أثارت مقدمة القصيدة العربية اهتمام النقاد والدارسين، قدماء ومعاصرين، من عرب ومستشرقين؛ فأقبلوا عليها، معللين، ومحللين، ودارسين؛ وكتبت فيها البحوث، وألفت فيها الكتب.
стр. 3279
.. وعلى الرغم من ذلك فهي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والبحوث لتجلية بعض الجوانب، وتغطية بعض المساحات التي لا تزال بكراً لم ترُدْها الأقدام، ولم تطأها المناسم.
... ومن تلك المساحات مقدمة القصيدة عند حسان بن ثابت، ﵁. فعلى الرغم من كثرة ما كتب حول حسان، فإن حظ الدراسة الفنية منه قليل، وأقل هذا القليل ما كتب حول مقدمة القصيدة عنده.
... ولا شك أن مقدمة القصيدة عند حسان تشكل علامة بارزة في مسيرة مقدمة القصيدة العربية، ولذلك كانت دراستها أمراً ضرورياً للمهتمين بتتبع مسيرة المقدمة التقليدية للقصيدة العربية وتطورها. ومع ذلك لم يلتفت الدارسون إليها، بل رأيتهم يتنكبون جادتها، ويزورّون عنها.
... وقدخصصت هذا البحث لدراسة مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان، على أمل أن أفرد مقدمة القصيدة الإسلامية عنده ببحث آخر، ليقيني أن مقدمات قصائده الإسلامية، يجب أن تدرس مستقلة عن مقدمات قصائده الجاهلية؛ نظراً للاختلاف بين هذه وتلك في الغاية، والتصور؛ والمنطلق؛ ولأنها تشكل خطوة متقدمة على طريق تطوّر مقدمة القصيدة العربية.
... واعتمدت في بحثي هذا على طبعتين من طبعات ديوان حسان: الطبعة التي حققها الدكتور سيد حنفي حسنين، وصدرت عن دار المعارف بمصر سنة ١٩٧٤م، والطبعة التي حققها الدكتور وليد عرفات وصدرت عن دار صادر ببيروت سنة ١٩٧٤م أيضاً؛ لأنهما أتم الطبعات، وأحسنها ضبطاً، ولأن كلاً منهما تتمم الأخرى.
واستبعد البحث مقدمة قصيدته الهمزية، لأنها وإن نص القدماء على أنها جاهلية، إلا أن منهم من شكك في بعض أبياتها (١) :
... ويدور البحث حول ثلاثة محاور:
... الأول: قصائد حسان التي خلت من المقدمات.
... والثاني: صور مقدمات قصائده الجاهلية.
... والثالث: مظاهر التطوّر في مقدماته الجاهلية.
المحور الأول: قصائد حسان الجاهلية التي خلت من المقدمات
стр. 3280
.. يضم ديوان حسان مائة وخمساً وعشرين قصيدة، إذا أخذنا بالرأي القائل إن القصيدة تتألف من سبعة أبيات على الأقل (٢) . ومن هذه القصائد خمس وثلاثون شكك فيها الباحثون، وتسعون صححوا نسبتها إليه. والقصائد صحيحة النسبة إليه منها خمس وسبعون إسلامية، وخمس عشرة جاهلية. ومن قصائده الجاهلية إحدى عشرة قصيدة ذات مقدمة، وأربع هجم فيها على موضوعه مباشرة، ولم يمهد لها بأية مقدمة. وتشكل قصائده الخالية من المقدمات ٢٦.٦٦% من قصائده الجاهلية.
وقد عرف الشعر العربي القديم ظاهرةالشروع في القصيدة دون تمهيد، إلى درجة جذبت انتباه ابن رشيق (ت ٤٥٦هـ) ، فسجلها قائلاً: ((ومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة)) (٣)
والمتأمل في تلك القصائد يجد أن حساناً قالها في مواقف تعرض فيها لاستثارات شعورية، وجد نفسه فيها مضطراً للرّد الفوري لينفس عن مشاعره المتوترة، أو عن انفعالات نفسه الثائرة، التي لم تتح له فرصة التمهيد لتجربته بمقدمة طللية، أو غزلية، أو سوى ذلك؛ فأقبل على قصيدته دون مقدمة، وباشر موضوعه دون تمهيد.
... فاثنتان من قصائده التي خلت من المقدمات جاءتا رداً على استثارتين مبيّتتين، فوجئ بهما حسان: أما الأولى فكانت ردّاً على تعيير زوجه (عمرة) (٤) له بأخواله، والفخر عليه بالأوس. وكان حسان يحب أخواله، ويغضب لهم، فطلقها، وقال القصيدة يفتخر، ومطلعها (٥) :
أَجْمَعَتْ عَمْرَةُ صَرْماً فَابْتَكِرْ
إِنما يُدْهِنُ لِلْقَلْبِ الحَصِرْ
لاَ يَكُنْ حُبُّكِ هَذا ظَاهِراً
ليسَ هَذا مِنْكِ يا عمرُ بسرْ
سَألتْ حسانَ من أخواله؟
إنّما يُسْألُ بالشَّيْءِ الغُمُر
ومن الواضح أنه قالها في سورة غضبه الذي أدى به إلى طلاق زوجه على الرغم من أن كلاً منهما كان محباً لصاحبه، كما يقول الخبر (٦) .
стр. 3281
.. والمطْلع نفسه يحمل أكثر من إشارة إلى ذلك، فهو يأمر نفسه بعدم الاستجابة لنداء قلبه، لأنه لا يخضع لنداء العاطفة إلا الضعيف (الحَصِر) ؛ ويعلن ثورة عارمة على تلك الزوجة التي تجاهلت أخواله فسألته عنهم وهي تعرفهم؛ لأنه إنما يُسأل عن الشيء المجهول. وهو ليس ممن يغضون على الإساءة، وإن جاءته من أحب الناس إليه. وفي مثل هذه الأجواء الانفعالية، والجيشان الشعوري، لا يتوقع المرء أن يمهد الشاعر لتجربته بأية مقدمة.
وأما الثانية فقالها عندما مرّ بنسوة فيهن مطلقته (عمرة) ، فأعرضت عنه، وقالت لامرأة منهن: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو؟ وانسبيه إلى أخواله. فلما حاذاهنّ سألته، فانتسب لها، فقالت له: فمن أخوالك؟ فأخبرها، فبصقت عن شمالها وأعرضت، فحدد النظر إليها، وعجب من فعالها، وجعل ينظر إليها، فبصر بمطلقته عمرة، وهي تضحك، فعرفها، وعلم أن الأمر من قبلها أتى (٧) ، فقال القصيدة، ومطلعها (٨) :
قَالَتْ لَهُ يَوْمَاً تخَاطِبُهُ
نُفُجُ الحَقِيبَةِ غَادَةُ الصُّلْبِ
والموقف الذي تمخضت عنه القصيدة يكاد يكون تكراراً للموقف الذي تمخضت عنه قصيدته الأولى والاختلاف بينهما يقتصر على بعض التفصيلات، والشخصيات، ولكن جوهر التجربة وباعثها في نفس حسان واحد.
... والقصيدة الثالثة التي خلت من المقدمة في شعر حسان الجاهلي قالها في الرد على قصيدة لقيس بن الخطيم (ت٦٢٠هـ) يوم السرار (٩) ، ومطلعها (١٠) :
لَعَمْر أبيكِ الخَيْرِ يا شَعْثَ مَا نَبَا ... عَلَيَّ لِسَاني في الخُطُوبِ وَلاَ يَدِي
стр. 3282
وفيها يمزج الفخر بالتهديد، فهو يبدأُها بالفخر بمجمل القيم الجاهلية من شجاعة، وكرم ومقدرة شعرية، وقدرة على قطع الصحاري الموحشة على ناقة قوية ظهرت في جلدها آثار الأنساع، يواصل عليها السير ليلاً ونهاراً حتى تبلغه أبواب ملك الحيرة، ويختمها بتهديد قيس بن الخطيم، وقومه الأوس، بأنهم سيلقون من الخزرج ليوثاً تدافع عن عرين وتحمي أشبالاً، ويعيرهم بالهزيمة، والقعود عن الأخذ بالثأر، وعن بلوغ العلياء، ثم يتهم قيس بن الخطيم بأنه لا شأن له بالحرب، لأنه إنما يجيد مغازلة النساء، ومعابثتهن، والتكحل مثلهن.
... ومن الواضح أن حساناً وجد نفسه مضطراً إلى الرد السريع على خصمه ابن الخطيم، الذي هجا الخزرج وافتخر عليهم بعد قتال بالسرارة استمر أربعة أيام، نال فيها كل فريق من خصمه، وأثخن فيه (١١) . وأمام تلك الظروف الحرجة لم يجد حسان من الوقت ما يتيح له التريث بين يدي القصيدة، أو التمهيد لها بمقدمة ما، لإلحاح الرد على نفسه، وإحساسه بضرورة مقابلة فخر قيس وهجائه بفخر وهجاء مثلهما أو أشد.
... والقصيدة الرابعة من هذه القصائد قالها حسان في هجاء شاعر أوسيّ آخر هو أبو قيس بن الأسلت (١٢) (ت قبل الهجرة بقليل) ، بعد لقاء بين الأوس والخزرج بالبويلة (١٣) ، اقتتل فيه الفريقان قتالاً شديداً، ودارت فيه الدائرة على الأوس، فقالها حسان يهجو أبا قيس والأوس ويفتخر عليهم، ومطلعها (١٤) :
أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا قَيْسٍ رَسُولاً
إِذَا أَلَقى لَها سَمْعاً يَبِينُ
стр. 3283
.. وبعد أن يلتمس من يبلغ عنه رسالة إلى أبي قيس يذكره بهزيمة الأوس يوم الجسر، حيث قتل الخزرج والده. وما يلبث أن يهدده بغارة تحيط بالأوس من كل ناحية، يخضع لها عزيزهم، وتسقط لهولها الأجنة من بطون الحوامل، وتشيب الناهد العذراء، ويتشتت فيها شمل الأوس. ثم يوجه خطابه إلى أبي قيس قائلاً: تلك غارة يجود فيها غيرك بنفسه، وتضن فيها بنفسك الخبيثة خشية الموت، فتسمع الصرخات والاستغاثات، وتدعى للقتال، ولكنك تتظاهر بالصمم، وليس بك صمم. ثم يعيره بمن قتل من الأوس.
... ومما لا ريب فيه أن حساناً وقد ضجّت في نفسه أحاسيس النصر، وثب إلى موضوعه دون مقدمة من شأنها أن تؤدي إلى خبّو انفعاله، أو أن تذهب بحرارة التجربة في نفسه.
... لقد عرف الشعر العربي منذ أقدم عصوره إقدام بعض الشعراء على الاستغناء عن المقدمات، وإقبالهم على موضوعات شعرهم دون تمهيد، وبخاصة عندما تجيش نفوسهم بانفعالات قوية، في مواقف طارئة لا تحتمل التريث. ويبدو أنّ ذلك كان شائعاً ومألوفاً، لأن النقاد أطلقوا عليه عدداً من الأسماء، ومنها: ((الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب)) (١٥) . ووصفوا القصيدة إذا جاءَت على تلك الحال بأنها بتراء، وشبهوها بالخطبة البتراء. قال ابن رشيق: ((والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء)) (١٦) .
... وما كثرة هذه الأسماء والأوصاف إلا دليل على شيوع ظاهرة إهمال المقدمات، وكثرة القصائد التي سلك إليها قائلوها هذا المنهج.
стр. 3284
.. وكما نص النقاد على هذا النمط من القصائد، وسموه بأسمائه، ووصفوه بأوصافه، نصوا كذلك على أنّ العرف لم يجْرِ بأنْ يقدم للمراثي بمقدمات تقليدية، قال ابن رشيق ((ليس من عادة الشعراء أن يقدّموا قبل الرثاء نسيبا كما يصنعون في المدح والهجاء)) (١٧) . ونقل عن ابن الكلبي (١٨) (ت ٢٠٦هـ) قوله: ((لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة (١٩) (ت ٨هـ،٦٣٠م) :
أَرَثَّ جَدِيدُ الحَبْلِ من أُمِّ مَعْبَدِ
بِعَاقِبةٍ وَأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدِ)) (٢٠)
... ويعلل ابن رشيق ذلك تعليلاً نفسياً منطقياً، فيقول: ((لأنّ الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة، وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته)) (٢١) . وطبيعي جداً أن يتخلى شاعر الرثاء عن المقدمات بكل ألوانها وأشكالها، لأن المقام في الرثاء ((ليس مقام متعة ولهو)) (٢٢) .
... وأرى أن تعليل ابن رشيق السابق للمسألة تعليل قائم على فهم صحيح لطبيعة التجربة الشعرية، وعلى اعتداد بعنصر الصدق الشعوري في العمل الأدبي. وهو في نظري صالح لتعليل خلو قصائد حسان السابقة، وسواها من المقدمات، وذلك لأن نفس حسان وإن لم تكن حزينة في قصائده السابقة إلا إنها كانت متوترة، ومشغولة بما هي آخذة فيه من الفخر والهجاء الذي فجره الموقف في نفسه.
... ومع ذلك فإننا نجد باحثا ذا باع طويل في دراسة مقدمة القصيدة العربية، هو الدكتور حسين عطوان يرفض هذه الفكرة، ويكاد يصر على أنها ترجع في بعض جوانبها إلى ضياع المقدمات من تلك القصائد، ويكاد يطمئن إلى ذلك في تعليل هذه الظاهرة (٢٣) ، بانياً موقفه ذاك على أساسين:
أولهما: وقوفه على شاهد واحد على ما يذهب إليه، هو قصيدة النابغة الذبياني (ت١٨ق. هـ/٦٠٤م) التي رواها الأصمعي على أنها تبدأ بقوله (٢٤) :
لقد نَهَيتُ بني ذُبيانَ عَن أُقُرٍ
стр. 3285
وعن تَربُّعِهِم في كلِّ أَصْفَار
دون أن يثبت لها مقدمة، في حين رواها أبو الخطاب القرشي (عاش قبل منتصف القرن الخامس الهجري) (٢٥) كاملة، مع مقدمة ضافية (٢٦) .
... ويضيف الدكتور عطوان قائلاً: ((ومن الطريف أن مقدمتها التي وصف فيها الأطلال، وصاحبته، ورحلته في الصحراء، وناقته، ومنظراً من مناظر الصيد، تبلغ ما يقرب من خمسين بيتاً)) (٢٧) .
... ويستظهر من ذلك ((أنَّ كثيراً من القصائد سقطت مقدماتها)) (٢٨) ، معقباً بأنه ((ليس في ذلك شك)) (٢٩) .
وثانيهما: ((أنَّ كثيراً من نصوص الشعر الجاهلي ضاع في أثناء رحلته من الجاهلية إلى عصر التدوين)) (٣٠) .
... ولا شكَّ أن وجود شاهد واحد حتى ولو كان صحيحاً لا يمكن أن ينهض دليلاً على صحة ما ذهب إليه الدكتور عطوان من أن ((كثيراً من القصائد سقطت مقدماتها)) ، كما أنه ليس مسوغاً للجزم بذلك إلى حد القول ((وليس في ذلك شك)) ، لأن تعميم حالة قصيدة النابغة تلك على جميع القصائد التي خلت من المقدمات قياس خاطئ قيس الكل فيه على حالة واحدة، فضلاً عن أنه يتجاهل ما أقرّه نقاد ثقات كابن رشيق من أن ((من الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة وذلك عندهم هو الوثب، والبتر، والقطع والكسع، والاقتضاب وكل ذلك يقال)) (٣١) .
... ثم إن تلك المقدمة المزعومة ((يمكن أن تكون دليلاً على العكس تماماً، لأنه من المقبول أن يقال إنّ هذه قصيدة وتلك أخرى، والطول مرشح لذلك، أو إن هذا الجزء أضيف إلى ذاك.. وخلاف الروايات نفسه ربما يصح دليلاً للشك في أنها قصيدة واحدة)) (٣٢) . كما يقول الدكتور محمد أبو الأنوار.
стр. 3286
.. أما ضياع كثير من نصوص الشعر الجاهلي ((في أثناء رحلته من الجاهلية إلى عصر التدوين)) (٣٣) التي اتكأ عليها الدكتور عطوان في ما توصل إليه من أن ((كثيراً من القصائد سقطت مقدماتها وليس في ذلك شك)) (٣٤) ، فهي حقيقة تاريخية لا يختلف عليها اثنان، وقد سبق أن نبه عليها محمد بن سلام (ت ٢٣١هـ) حين بيّن أنّ العرب لما راجعوا رواية الشعر ((لم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك، بالموت والقتل، فحفظوا أقلّ ذلك، وذهب عليهم فيه كثير)) (٣٥) . كما أثارها أبو عمرو بن العلاء (ت١٥٤هـ /٧٧٠م) حين قال: ((ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءَكم وافراً لجاءَكم علم وشعر كثير)) (٣٦) .
... ولكن السؤال الذي يبحث عن إجابة هنا هو: هل الإقرار بضياع ما ضاع من نصوص الشعر الجاهلي يمكن أن يتخذ ذريعة للقول بأن كثيراً من القصائد التي خلت من المقدمات قد سقطت مقدماتها، أو أنها جزء من ذلك التراث الشعري الذي ضاع، هكذا على الإطلاق دون دليل مادي ملموس؟!
ثم كيف لنا أن نمضي مع الدكتور عطوان في اتهام رواية الأصمعي وتوثيق رواية أبي زيد ابن أبي الخطاب القرشي؟
مع أن القرشي هذا مثار لخلاف عريض حول حقيقة اسمه؛ وحول حياته ووفاته وحول نسبة مجموعة (جمهرة أشعار العرب) إليه.
... فمن قائل إنه عاش في أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع (٣٧) ، ومن قائل إنه عاش قبل منتصف القرن الخامس الهجري (٣٨) ، إلى قائل إنه توفى سنة (١٧٠هـ) (٣٩) .
... أما اسمه ففيه من الاضطراب الكثير: فهو تارة أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وتارة محمد بن أبي الخطاب من غير كنية، ومن غير نسبة بعد الاسم وتارة ابن أبي الخطاب، وتارة محمد بن أيوب العزيزي ثم العمري (٤٠) .
стр. 3287
.. وأما حقيقته فلا يقل الخلاف حولها عن الخلاف حول وفاته واسمه، فهل هو جامع جمهرة أشعار العرب، أو شارحها، أو راويتها؟ (٤١) مسألة تتضارب حولها الأقوال.
... وكذلك الأمر فيما يتعلق بنسبة الكتاب وعنوانه، فالكتاب ينسب حيناً إلى أبي زيد القرشي، أو محمد بن أبي الخطاب، وينسب حيناً آخر إلى محمد بن أيوب العزيزي ثم العمري، وينسب حيناً ثالثاً إلى أبي عبد الله المفضل بن عبد الله ابن محمد المجبَّر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب (٤٢) .
... والمشهور أن عنوان الكتاب هو (جمهرة أشعار العرب) ، وقد وردت هذه التسمية عند ابن رشيق في العمدة وعند البغدادي في الخزانة (٤٣) ، ولكن الدكتور ناصر الدين الأسد يذكر أنه اطلع في معهد المخطوطات العربية على صورة أصلها مكتبة (كوبريلي) عنوانها (جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام وما وافق القرآن على ألسنتهم واشتقّت به لغتهم وألفاظهم) ، ويقول إن تلك الصورة ((تتفق مع النسخة المطبوعة في العنوان والمحتويات)) (٤٤) .
... هذا فضلاً عن أن جميع من نسبت إليهم هذه المجموعة مجهولون، فأبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي ((مجهول ليس له أدنى ذكر في جميع كتب الطبقات والرجال، فلم يذكر مع المحدثين ورواة الحديث، ولا مع اللغويين، والنحويين، ولا مع الشعراء والأدباء، ولا مع مؤلفي الكتب، وجامعي الدواوين)) (٤٥) .
كما أن المفضل بن عبد الله المجبّري ((مجهول لم تذكره الرجال والطبقات)) (٤٦) .
والأمر كذلك بالنسبة إلى محمد بن أيوب العزيزي العمري، فهو أيضاً مجهول لم يعثر له على ترجمة (٤٧) . وهل هو ((غير محمد بن أبي الخطاب القرشي، أو أنه هو هو؟ ويكون أبوه أيوب هو أبا الخطاب كنيةً؟)) (٤٨) . لم يصل البحث في ذلك كله إلى نتيجة حاسمة.
стр. 3288
.. وخلاصة القول أن نسبة الجمهرة إلى صاحبها ((عقدة تحتاج إلى حل، والتعريف بصاحبها وترجمته، عقدة أخرى لا تقل عن الأولى، وأكثر الرواة الذين يروى عنهم مجاهيل لم نجد لهم ذكراً فيما بين أيدينا من كتب الرجال والطبقات)) (٤٩) كما يقول الدكتور ناصر الدين الأسد، ((وهي عقدة ثالثة تنافس في الصعوبة سابقتيها)) (٥٠) .
... أفبعد هذا الاضطراب الشديد، والتناقض في الأخبار والروايات، حول (جمهرة أشعار العرب) وجامعها، يسوغ في عقل أو منطق أن تقدم روايتها على رواية الأصمعي، بل أن يؤسس على ذلك التقديم بناء حكم عام على ظاهرة أدبية من أهم الظواهر في شعرنا القديم، وينضوي تحتها كم وفير من القصائد؟ ، اللهم لا!
... ولماذا يقدَّم جامع هذه المجموعة المجهول، المختلف في اسمه، ووجوده، ووفاته على أديب راوية مشهور (٥١) ، متفوق على أقرانه في رواية الشعر والمعاني (٥٢) . معروف بتشدده وتحريه الدقة في روايته وأنه ((لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف فيما يتفردون به عنه)) (٥٣) . ((صناجة الرواة والنقلة، وإليه محط الأعباء والثقلة، كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره وهو حدث لأخذ قراءَة نافع عنه، ومعلوم قدر ما حذف من اللغة فلم يثبته، لأنه لم يقو عنده إذ لم يسمعه)) (٥٤) .
... ويلاحظ على قصائد حسان التي خلت من المقدمات أنه يغلب عليها موضوع الفخر، فللفخر منها ثلاث قصائد، وللهجاء قصيدة واحدة. كما يغلب عليها التوسط في الطول. وطول اثنتين منها اثنان وعشرون بيتاً، وطول واحدة منها واحد وعشرون بيتاً، وطول أقصرها سبعة أبيات. ونستطيع القول إن متوسط عدد أبيات قصائده الخالية من المقدمات ثمانية عشر بيتاً في تحقيق وليد عرفات، وسبعة عشر في تحقيق سيد حنفي حسنين.
... وإذا كان حسان قد استغنى عن المقدمات في بعض قصائده، فقد افتتح تلك القصائد بالصور الآتية:
стр. 3289
الأولى: ذكر المرأة. فهو يذكرها في مطلع اثنتين من قصائده، ويقرن ذكرها بالقسم بصيغة " لعمري " في الأولى، ويذكر عزمها على هجره في الثانية.
الثانية: الحوار. حيث يستهل إحدى تلك القصائد بحوار يدور بينه وبين المرأة، يبدأ بلفظ (وقالت) .
الثالثة: صيغة التبليغ " ألا أبلغ". يفتتح بها قصيدته في هجاء قيس بن الخطيم. وقد جاءَت هذه الاستهلالات مناسبة للتجارب الشعرية التي عبرت عنها القصائد التي استهلت بها.
... وهذه الصور من الاستهلال لا تعدو أن تكون أبياتاً مفردة، لا تدخل في عداد المقدمات (٥٥) .
المحور الثاني: صور المقدمات في قصائده الجاهلية
... بلغت قصائد حسان الجاهلية ذوات المقدمات إحدى عشرة قصيدة، تشكل ٧٣.٣٣% من مجموع قصائده الجاهلية:
... والمتأمل في هذه القصائد يلحظ ما يأتي:
أولاً من حيث الأغراض: يطغى عليها الفخر. فله منها سبع (٥٦) قصائد تشكل ٦٣.٦٣% من مجموعها. وللفخر المتصل بغرض آخر قصيدتان: إحداهما للفخر المتصل بالغزل (٥٧) ، والأخرى للفخر المتصل بالمدح (٥٨) .وللمدح الخالص منها قصيدة واحدة (٥٩) . وللغزل ووصف الرحيل قصيدة واحدة أيضاً (٦٠) .
... وهذا يدل على أنّ المقدمة غير مرتبطة من حيث وجودها وعدمه بغرض القصيدة؛ وإنما هي مرتبطة بالموقف الذي يوحي للشاعر بالقصيدة، وبقوة التجربة الشعرية، وحيويتها في نفس الشاعر.
ثانياً من حيث الطول: قصائد حسان الجاهلية ذوات المقدمات طويلة نسبيا بالقياس إلى قصائده الجاهلية التي خلت منها. وهي تتراوح بين عشرة وأربعة وأربعين بيتاً. ومتوسط عدد أبيات تلك القصائد أربعة وعشرون (٦١) بيتاً تقريباً، في تحقيق سيد حنفي حسنين، وخمسة وعشرون في تحقيق وليد عرفات (٦٢) . وقد يحمل هذا مؤشراً آخر هو أنّ القصيدة عند حسان كلما طالت كانت أكثر استدعاء للمقدمة.
стр. 3290
ثالثاً من حيث المناسبة: ليس في قصائد حسان الجاهلية ذوات المقدمات سوى قصيدة واحدة اتخذت شكل النقيضة، قالها يوم خَطْمة (٦٣) ، في الرد على قصيدة للشاعر الأوسي أبي قيس بن الأسلت (٦٤) التي مطلعها (٦٥) :
قَالتْ ولمْ تَقْصُدْ لِقِيل الخَنَا
مَهْلاً فَقَدْ أَبلغْتَ أسْماعِي
ومطلع قصيدة حسان النقيضة (٦٦) :
بَانَتْ لمَيسُ بحبْلٍ منْكَ أَقْطَاعِ
واحْتلَّت الغَمْر تَرْعَى دَارَ أشْراعِ
... وقصيدة ابن الأسلت ليست ذات مقدمة. ولكن قصيدة حسان لها مقدمة تقع في ثلاثة أبيات، يتبعها بيت التخلص.
... ولئن كان في هذا بيان فإنه يبدو أن حالة حسان النفسية عند إنشاء القصيدة هي التي كانت تحدد منهجه في بناء القصيدة.
... وجميع قصائده ذوات المقدمات لم ينظمها حسان فيما يبدو على عجل، ولم تكن تجربته فيها وليدة موقف طارئ، أو انفعال مفاجئ، وإنما قالها بنفس هادئة، بعد أن ترك للتجربة أن تنضج في نفسه ببطء، بعيداً عن التوتر الذي ينتج عن إلحاح المناسبة، وعن ثورة الانفعال في النفس. ولعل مما يؤكد ذلك أن جميع هذه القصائد لم يذكر في ديباجتها سوى عبارة ((وقال)) (٦٧) أو ((وقال حسان)) (٦٨) أو ((وقال حسان يفتخر)) (٦٩) أو ((وقال يمدح جبلة ابن الأيهم)) (٧٠) ، وهي عبارات لا تدل في العادة على ارتباط القصيدة بموقف مفاجئ أو طارئ، عدا القصيدة التي رد فيها على أبي قيس بن الأسلت، فقد جاء في ديباجتها خبر يوم خَطْمة، ووردت فيها عبارة ((فأجابه حسان بن ثابت)) (٧١) .
стр. 3291
.. ويبدو أن رد حسان لم يأت سريعاً، لأنه لا يتضمن أية إشارة إلى ما جاء في قصيدة أبي قيس، أو إلى يوم خطمة، وإنما هي فخر عادي لا يختلف عن فخر حسان في معظم قصائده الأخرى؛ على حين جاءَت قصائده الجاهلية الخالية من المقدمات وليدة موقف مفاجئ في الغالب، لم يستطع فيه أن يغالب انفعاله، فأطلق لسانه بما اعتمل في نفسه دون أية مقدمة، على النحو الذي سبق بيانه.
* * * * *
... ينتمي حسان إلى الجيل الثالث من شعراء العصر الجاهلي، الذي يمثلون المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الشعر الجاهلي وهي المرحلة التي تمخضت عن جهود شعراء جيلين سابقين هما:
... شعراء المرحلة الفنية الأولى الذين بنوا على أسس ورثوها عن أسلافهم وتبلورت لديهم المقومات الأساسية لمقدمة القصيدة العربية.
... وشعراء المرحلة الفنية الثانية الذين تطوّروا بالمقدمة ((تطوراً أعطاها صورتها النهائية)) (٧٢) ، بما أضافوا إليها من عناصر جديدة، وبما تخلصوا منه من عناصر موروثة.
... والمتأمل في مقدمات حسان الجاهلية يجد تعدداً في صور المقدمات وأشكالها، كما يلمس تمازجاً وتداخلاً بين تلك الصور والأشكال.
واستقراء مقدمات قصائد حسان الجاهلية يكشف عن ثماني صور هي:
١ ... المقدمة الطللية المنفردة.
٢ ... المقدمة الغزلية المنفردة.
٣ ... المقدمة الطللية الغزلية.
٤ ... المقدمة الظعنية الغزلية.
٥ ... المقدمة الطللية الظعنية الغزلية.
٦ ... المقدمة الطللية الغزلية الوصفية.
٧ ... مقدمة الطيف والرحلة.
٨ ... مقدمة وصف الليل والظعن.
الصورة الأولى: المقدمة الطللية المنفردة
... تعد المقدمة الطللية أبرز المقدمات وأكثرها شيوعاً في الشعر الجاهلي، ذلك لأنها ((وجدت هوى شديداً في نفوس الشعراء الجاهليين لارتباطها ببيئتهم المادية، وطبيعة حياتهم الاجتماعية)) (٧٣) .
стр. 3292
.. وعلى الرغم من أن حساناً لم يكن من سكان البوادي، وإنما من أهل المدن إلا أنه لم يستطع أن يتخلّص من التقاليد الفنية البدوية أو الخروج عليها بحيث يبتدع نظاماً جديداً لمقدمات قصائده، أو يخالف كل المخالفة نظامها عند شعراء البوادي (٧٤) . شأنه في ذلك شأن جميع شعراء الحواضر أو شعراء القرى العربية كما يسميهم ابن سلام (٧٥) ، يستوي في ذلك الشعراء الذين أمضوا حياتهم فيها أو رحلوا إليها أو ((وفدوا على قصور الملوك التي كانت تزخر بألوان الحضارة)) (٧٦) .
... فقد حرصوا جميعاً على التمسك بأصول هذه المقدمة وعناصرها. ولكن من المؤكد أنّ الصورة العامة للمقدمة الطللية لم تكن جامدة، بل كانت تحتلف من شاعر إلى آخر ((في التفاصيل والجزئيات، أو في طريقة العرض، أو اختيار الألوان والزوايا، أو في توزيع الظلال والأضواء، فمثل هذا الاختلاف طبيعي في كل عمل فني أصيل)) (٧٧) .
... وتمثل هذه الصورة عند حسان مقدمتان، إحداهما: مقدمة قصيدته اللامية التي مطلعها (٧٨) :
أسألْتَ رسمَ الدَّارِ أمْ لمْ تسألِ
بينَ الجَوابي فالبُضَيع فَحَوْملِ
وتقع في ستة أبيات، وقف فيها الشاعر على الأطلال التي اندثرت آثارها وعفت رسومها بين الجوابي، فالبضيع، فحومل، فمرج الصفّرين، فجاسم، فتبنى، وجميعها من منازل الغساسنة في الشام. فسألها عن أهلها الظاعنين، وتحسر على إقفارها من أحبته الذين كانوا يحلون بها، ووصف تعاقب الرياح في عرصاتها، وانهمار الأمطار في ساحاتها، وكيف طمست معالمها، وغيرت ما كان يعرفه منها. ثم أرسل دمعه الهتّان لما أثارته تلك المنازل الدارسة، والديار الموحشة في نفسه من أشجان بعد أن كانت عامرة بأهلها ذوي العز الشامخ والمجد الباذخ، ثم دلف إلى المدح:
فالمرجِ مرجِ الصُّفَّريْنِ فَجَاسِمٍ
فديارِ تُبنى دُرَّساً لم تُحْلَلِ
أَقْوى وعُطِّلَ منهمُ فكأنَّه
بَعْدَ البِلَى آيُ الكتابِ المُجْمَلِ
стр. 3293
دِمَنٌ تَعاقبها الرياحُ دَوَارسٌ
والمُدْجِناتُ من السِّماك الأعْزلِ
فالعَيْنُ عانِيةٌ تفيضُ دمُوعُها
لمنازلٍ دَرَسَتْ كأنْ لم تؤْهلِ
دارٌ لقومٍ قد أراهمْ مرَّةً
فوق الأَعِزَّةِ عزُّهُم لمْ يُنْقَلِ
... ومن الواضح أنّ حساناً تمسك في هذه المقدمة بعدد من مقومات المقدمة الطللية، وعناصرها؛ فقد حدّد مكان الديار تحديداً دقيقاً، يدل على ارتباطه النفسي بها، وساءَل رسومها عن أهلها، وشبه أطلالها المقفرة بآثار الكتابة، وذكر ما درسها من الرياح والأمطار؛ وإن لم يذكر ما ذرته عليها الرياح من رمال، وذرف الدموع الغزيرة على ما آلت إليه حال تلك الديار من وحشة، وعطف بين الأماكن بالفاء.
... ولكنه في الوقت نفسه تخلّى عن عدد آخر من مقومات المقدمة التقليدية، فلم يسترجع ذكرياته بها، ولم يصف ما بقي من آثارها كالنؤي، وبقايا الرماد، والأثافي، والأوتاد. ولم يتحدث عما حل بها من حيوانات الصحراء؛ كما تخلى عن فكرة الرفيقين اللذين كان شعراء المرحلة الأولى من حياة الشعر الجاهلي يحرصون على إظهارهما، وتوجيه الخطاب إليهما، ولم يخاطب الصحب أو يستوقفهم، ولم يكن حريصاً على سرد ذكريات يوم الرحيل.
... ويبدو أن مسألة التخلص من العناصر الموروثة للمقدمة قد قطعت عند حسان شوطاً أبعد مما كانت عليه عند زهير ومدرسته؛ فالناظر في معلقة زهير يجد أنه لم يتخلَّ إلا عن قليل من العناصر، مثل: البكاء على الطلل، ومخاطبة الرفيقين؛ ولكن حساناً تخلى عن عدد أكثر من تلك العناصر؛ بل ليس من المبالغة القول إن ما تخلى عنه أكثر مما أبقى عليه.
стр. 3294
.. ولا يجد قارئ هذه المقدمة الحرص على التفاصيل والجزئيات والعناية بالألوان اللذين يجدهما في مقدمات زهير، كما لا يلمس الروية والأناة، ولا التدقيق في اختيار الألفاظ اللذين يجدهما في معلقته؛ ومعنى هذا أن اتجاهاً جديداً أخذ في الظهور عند حسان يبدو فيه حرصه على التركيز والتكثيف، وتظهر فيه نزعة واضحة إلى التخلص من كثير من قيود المقدمة التقليدية، وتقاليدها الموروثة.
... وإذا كان الجنوح إلى التعبير بالصورة يعد مظهراً من مظاهر تطوّر المقدمة الطللية عند شعراء مدرسة الصنعة (٧٩) ، فإن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعدّ من العلامات المميزة للمقدمة الطللية عند حسان، كما يتضح في مقدمته السابقة.
... ولعل من الجديد الذي يجدر تسجيله في هذه المقدمة ذكر أماكن تقع خارج الجزيرة العربية.
... والمقدمة الثانية التي تمثل المقدمة الطللية المنفردة مقدمة قصيدته الطائية التي مطلعها (٨٠) :
لِمن الدارُ أقْفَرتْ بِبُواطِ
غَيْرَ سُفْعٍ رَوَاكِدٍ كالغَطَاطِ
... وهو يفتتحها بالتساؤل عن أهل دار أقفرت من ساكنيها في موضع يدعى (بواط) عاثت فيها يد البلى، فبدلت ملامحها، وغيرت معالمها، ولم تبق منها سوى حجارة الموقد السود، تجثم كأنها القطا الوقع.
... ولا يلبث أن يستيقظ من حيرته، ويجيب على تساؤله الحزين بأنّ تلك الأطلال الدارسة ليست سوى ديار أحبته الظاعنين. وها هي ذي قد أقفرت من أهلها، وخبت فيها شعلة الحياة، بعد أن كانت تعج بالحركة والحيوية، إنها ديار فاتنته (أم عمرو) التي ما تزال ذكرياتها حية في نفسه، وإنه ليذكرها إذ تسأله عن سبب تماديه في هجرها، بعد أن كانت حبال وده موصولة بحبالها.
... وحين تهيج في نفسه الذكرى يلتمس من يبلغها على نأيها بأنه ما يزال مقيماً على عهدها، يرعى ودها، ويحفظ سرها، ثم دلف إلى الفخر.
стр. 3295
.. وظاهرة التكثيف والتركيز تبدو في مقدمته هذه أكثر وضوحاً منها في سابقتها. فقد اكتفى حسان في تحديده لموضع الطلل بذكر مكان واحد هو (بواط) ، وقاده هذا إلى الاستغناء عن تقليد آخر من تقاليد المقدمة الطللية وهو العطف بين الأماكن بالفاء. وحينما ذكر ما تبقى من آثار الديار اكتفى أيضاً بذكر أثر واحد هو الأثافي، وضرب صفحاً عن ذكر ما سواه من الآثار التي تطالع قارئ الشعر الجاهلي، من: نؤي، وأوتاد، ورماد وغير ذلك. وعندما شبه الأثافي بالقطا لم يذكر شيئاً من أحوال المشبه به، بل اقتصر على ذكرها دون وصف في حين دأب شعراء الجاهلية على وصفها بالوقّع أو الجثّم أو غير ذلك. وحين استرجع ذكرياته بذلك الطلل لم يذكر منها إلا النزر، وأعرض عن ذكريات يوم الرحيل، وما أثارته في نفسه من مشاعر.
... والشخصان اللذان ظهرا مع الشاعر على مسرح الطلل ليسا الرفيقين التقليديين اللذين عهدناهما في مقدمات القصائد الجاهلية، فالشاعر لم يطلب إليهما أن يسعداه بالبكاء، ولا أن يتبصرا ليريا الركب يسير في الطرق الرملية بين الكثبان، وإنما هما مجرد شخصين عاديين يلتمس منها أن يبلغا عنه رسالة.
... وحديثه عن وحشة الديار جاء موجزاً مبتسراً، كما أن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعد علامة بارزة في هذه المقدمة، مثلما هو في المقدمة السابقة.
... ومن حيث نزعته إلى التحرر من تقاليد المقدمة الطللية نجده قد استغنى عن عدد منها، مثل: استيقاف الصحب، والبكاء على الطلل، وذكر ما غيره من عوامل الطبيعة، وما حل به من عين وآرام أو غير ذلك. يقول بعد المطلع:
تلكَ دارُ الألُوفِ أضحتْ خَلاءً
بعْدَما قد تَحُلُّها في نَشاطِ
دارُها إذ تَقُولُ ما لابنِ عمروٍ
لَجَّ من بعدِ قُرْبِهِ في شِطَاطِ
بلِّغَاهَا بأَنَّني خَيْرُ رَاعٍ
لِلَّذي حُمِّلتْ بِغَيْرِ افْتراطِ
الصورة الثانية: المقدمة الغزلية المنفردة
следующие страницы →