Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
.. ويبدو أن رد حسان لم يأت سريعاً، لأنه لا يتضمن أية إشارة إلى ما جاء في قصيدة أبي قيس، أو إلى يوم خطمة، وإنما هي فخر عادي لا يختلف عن فخر حسان في معظم قصائده الأخرى؛ على حين جاءَت قصائده الجاهلية الخالية من المقدمات وليدة موقف مفاجئ في الغالب، لم يستطع فيه أن يغالب انفعاله، فأطلق لسانه بما اعتمل في نفسه دون أية مقدمة، على النحو الذي سبق بيانه.
* * * * *
... ينتمي حسان إلى الجيل الثالث من شعراء العصر الجاهلي، الذي يمثلون المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الشعر الجاهلي وهي المرحلة التي تمخضت عن جهود شعراء جيلين سابقين هما:
... شعراء المرحلة الفنية الأولى الذين بنوا على أسس ورثوها عن أسلافهم وتبلورت لديهم المقومات الأساسية لمقدمة القصيدة العربية.
... وشعراء المرحلة الفنية الثانية الذين تطوّروا بالمقدمة ((تطوراً أعطاها صورتها النهائية)) (٧٢) ، بما أضافوا إليها من عناصر جديدة، وبما تخلصوا منه من عناصر موروثة.
... والمتأمل في مقدمات حسان الجاهلية يجد تعدداً في صور المقدمات وأشكالها، كما يلمس تمازجاً وتداخلاً بين تلك الصور والأشكال.
واستقراء مقدمات قصائد حسان الجاهلية يكشف عن ثماني صور هي:
١ ... المقدمة الطللية المنفردة.
٢ ... المقدمة الغزلية المنفردة.
٣ ... المقدمة الطللية الغزلية.
٤ ... المقدمة الظعنية الغزلية.
٥ ... المقدمة الطللية الظعنية الغزلية.
٦ ... المقدمة الطللية الغزلية الوصفية.
٧ ... مقدمة الطيف والرحلة.
٨ ... مقدمة وصف الليل والظعن.
الصورة الأولى: المقدمة الطللية المنفردة
... تعد المقدمة الطللية أبرز المقدمات وأكثرها شيوعاً في الشعر الجاهلي، ذلك لأنها ((وجدت هوى شديداً في نفوس الشعراء الجاهليين لارتباطها ببيئتهم المادية، وطبيعة حياتهم الاجتماعية)) (٧٣) .
стр. 3292
.. وعلى الرغم من أن حساناً لم يكن من سكان البوادي، وإنما من أهل المدن إلا أنه لم يستطع أن يتخلّص من التقاليد الفنية البدوية أو الخروج عليها بحيث يبتدع نظاماً جديداً لمقدمات قصائده، أو يخالف كل المخالفة نظامها عند شعراء البوادي (٧٤) . شأنه في ذلك شأن جميع شعراء الحواضر أو شعراء القرى العربية كما يسميهم ابن سلام (٧٥) ، يستوي في ذلك الشعراء الذين أمضوا حياتهم فيها أو رحلوا إليها أو ((وفدوا على قصور الملوك التي كانت تزخر بألوان الحضارة)) (٧٦) .
... فقد حرصوا جميعاً على التمسك بأصول هذه المقدمة وعناصرها. ولكن من المؤكد أنّ الصورة العامة للمقدمة الطللية لم تكن جامدة، بل كانت تحتلف من شاعر إلى آخر ((في التفاصيل والجزئيات، أو في طريقة العرض، أو اختيار الألوان والزوايا، أو في توزيع الظلال والأضواء، فمثل هذا الاختلاف طبيعي في كل عمل فني أصيل)) (٧٧) .
... وتمثل هذه الصورة عند حسان مقدمتان، إحداهما: مقدمة قصيدته اللامية التي مطلعها (٧٨) :
أسألْتَ رسمَ الدَّارِ أمْ لمْ تسألِ
بينَ الجَوابي فالبُضَيع فَحَوْملِ
وتقع في ستة أبيات، وقف فيها الشاعر على الأطلال التي اندثرت آثارها وعفت رسومها بين الجوابي، فالبضيع، فحومل، فمرج الصفّرين، فجاسم، فتبنى، وجميعها من منازل الغساسنة في الشام. فسألها عن أهلها الظاعنين، وتحسر على إقفارها من أحبته الذين كانوا يحلون بها، ووصف تعاقب الرياح في عرصاتها، وانهمار الأمطار في ساحاتها، وكيف طمست معالمها، وغيرت ما كان يعرفه منها. ثم أرسل دمعه الهتّان لما أثارته تلك المنازل الدارسة، والديار الموحشة في نفسه من أشجان بعد أن كانت عامرة بأهلها ذوي العز الشامخ والمجد الباذخ، ثم دلف إلى المدح:
فالمرجِ مرجِ الصُّفَّريْنِ فَجَاسِمٍ
فديارِ تُبنى دُرَّساً لم تُحْلَلِ
أَقْوى وعُطِّلَ منهمُ فكأنَّه
بَعْدَ البِلَى آيُ الكتابِ المُجْمَلِ
стр. 3293
دِمَنٌ تَعاقبها الرياحُ دَوَارسٌ
والمُدْجِناتُ من السِّماك الأعْزلِ
فالعَيْنُ عانِيةٌ تفيضُ دمُوعُها
لمنازلٍ دَرَسَتْ كأنْ لم تؤْهلِ
دارٌ لقومٍ قد أراهمْ مرَّةً
فوق الأَعِزَّةِ عزُّهُم لمْ يُنْقَلِ
... ومن الواضح أنّ حساناً تمسك في هذه المقدمة بعدد من مقومات المقدمة الطللية، وعناصرها؛ فقد حدّد مكان الديار تحديداً دقيقاً، يدل على ارتباطه النفسي بها، وساءَل رسومها عن أهلها، وشبه أطلالها المقفرة بآثار الكتابة، وذكر ما درسها من الرياح والأمطار؛ وإن لم يذكر ما ذرته عليها الرياح من رمال، وذرف الدموع الغزيرة على ما آلت إليه حال تلك الديار من وحشة، وعطف بين الأماكن بالفاء.
... ولكنه في الوقت نفسه تخلّى عن عدد آخر من مقومات المقدمة التقليدية، فلم يسترجع ذكرياته بها، ولم يصف ما بقي من آثارها كالنؤي، وبقايا الرماد، والأثافي، والأوتاد. ولم يتحدث عما حل بها من حيوانات الصحراء؛ كما تخلى عن فكرة الرفيقين اللذين كان شعراء المرحلة الأولى من حياة الشعر الجاهلي يحرصون على إظهارهما، وتوجيه الخطاب إليهما، ولم يخاطب الصحب أو يستوقفهم، ولم يكن حريصاً على سرد ذكريات يوم الرحيل.
... ويبدو أن مسألة التخلص من العناصر الموروثة للمقدمة قد قطعت عند حسان شوطاً أبعد مما كانت عليه عند زهير ومدرسته؛ فالناظر في معلقة زهير يجد أنه لم يتخلَّ إلا عن قليل من العناصر، مثل: البكاء على الطلل، ومخاطبة الرفيقين؛ ولكن حساناً تخلى عن عدد أكثر من تلك العناصر؛ بل ليس من المبالغة القول إن ما تخلى عنه أكثر مما أبقى عليه.
стр. 3294
.. ولا يجد قارئ هذه المقدمة الحرص على التفاصيل والجزئيات والعناية بالألوان اللذين يجدهما في مقدمات زهير، كما لا يلمس الروية والأناة، ولا التدقيق في اختيار الألفاظ اللذين يجدهما في معلقته؛ ومعنى هذا أن اتجاهاً جديداً أخذ في الظهور عند حسان يبدو فيه حرصه على التركيز والتكثيف، وتظهر فيه نزعة واضحة إلى التخلص من كثير من قيود المقدمة التقليدية، وتقاليدها الموروثة.
... وإذا كان الجنوح إلى التعبير بالصورة يعد مظهراً من مظاهر تطوّر المقدمة الطللية عند شعراء مدرسة الصنعة (٧٩) ، فإن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعدّ من العلامات المميزة للمقدمة الطللية عند حسان، كما يتضح في مقدمته السابقة.
... ولعل من الجديد الذي يجدر تسجيله في هذه المقدمة ذكر أماكن تقع خارج الجزيرة العربية.
... والمقدمة الثانية التي تمثل المقدمة الطللية المنفردة مقدمة قصيدته الطائية التي مطلعها (٨٠) :
لِمن الدارُ أقْفَرتْ بِبُواطِ
غَيْرَ سُفْعٍ رَوَاكِدٍ كالغَطَاطِ
... وهو يفتتحها بالتساؤل عن أهل دار أقفرت من ساكنيها في موضع يدعى (بواط) عاثت فيها يد البلى، فبدلت ملامحها، وغيرت معالمها، ولم تبق منها سوى حجارة الموقد السود، تجثم كأنها القطا الوقع.
... ولا يلبث أن يستيقظ من حيرته، ويجيب على تساؤله الحزين بأنّ تلك الأطلال الدارسة ليست سوى ديار أحبته الظاعنين. وها هي ذي قد أقفرت من أهلها، وخبت فيها شعلة الحياة، بعد أن كانت تعج بالحركة والحيوية، إنها ديار فاتنته (أم عمرو) التي ما تزال ذكرياتها حية في نفسه، وإنه ليذكرها إذ تسأله عن سبب تماديه في هجرها، بعد أن كانت حبال وده موصولة بحبالها.
... وحين تهيج في نفسه الذكرى يلتمس من يبلغها على نأيها بأنه ما يزال مقيماً على عهدها، يرعى ودها، ويحفظ سرها، ثم دلف إلى الفخر.
стр. 3295
.. وظاهرة التكثيف والتركيز تبدو في مقدمته هذه أكثر وضوحاً منها في سابقتها. فقد اكتفى حسان في تحديده لموضع الطلل بذكر مكان واحد هو (بواط) ، وقاده هذا إلى الاستغناء عن تقليد آخر من تقاليد المقدمة الطللية وهو العطف بين الأماكن بالفاء. وحينما ذكر ما تبقى من آثار الديار اكتفى أيضاً بذكر أثر واحد هو الأثافي، وضرب صفحاً عن ذكر ما سواه من الآثار التي تطالع قارئ الشعر الجاهلي، من: نؤي، وأوتاد، ورماد وغير ذلك. وعندما شبه الأثافي بالقطا لم يذكر شيئاً من أحوال المشبه به، بل اقتصر على ذكرها دون وصف في حين دأب شعراء الجاهلية على وصفها بالوقّع أو الجثّم أو غير ذلك. وحين استرجع ذكرياته بذلك الطلل لم يذكر منها إلا النزر، وأعرض عن ذكريات يوم الرحيل، وما أثارته في نفسه من مشاعر.
... والشخصان اللذان ظهرا مع الشاعر على مسرح الطلل ليسا الرفيقين التقليديين اللذين عهدناهما في مقدمات القصائد الجاهلية، فالشاعر لم يطلب إليهما أن يسعداه بالبكاء، ولا أن يتبصرا ليريا الركب يسير في الطرق الرملية بين الكثبان، وإنما هما مجرد شخصين عاديين يلتمس منها أن يبلغا عنه رسالة.
... وحديثه عن وحشة الديار جاء موجزاً مبتسراً، كما أن الاقتصاد في التعبير بالصورة يعد علامة بارزة في هذه المقدمة، مثلما هو في المقدمة السابقة.
... ومن حيث نزعته إلى التحرر من تقاليد المقدمة الطللية نجده قد استغنى عن عدد منها، مثل: استيقاف الصحب، والبكاء على الطلل، وذكر ما غيره من عوامل الطبيعة، وما حل به من عين وآرام أو غير ذلك. يقول بعد المطلع:
تلكَ دارُ الألُوفِ أضحتْ خَلاءً
بعْدَما قد تَحُلُّها في نَشاطِ
دارُها إذ تَقُولُ ما لابنِ عمروٍ
لَجَّ من بعدِ قُرْبِهِ في شِطَاطِ
بلِّغَاهَا بأَنَّني خَيْرُ رَاعٍ
لِلَّذي حُمِّلتْ بِغَيْرِ افْتراطِ
الصورة الثانية: المقدمة الغزلية المنفردة
стр. 3296
.. حظيت المرأة باهتمام شديد من الشاعر الجاهلي، فاحتلّت مكانة مرموقة من نفسه ومن شعره؛ فاستمد وحيه منها، واستهل قصائده بذكرها، وتغنى بحبه في مطالعها (٨١) .
... ويمكن القول إنّ المقدمة الغزلية قد انتشرت في الشعر الجاهلي انتشاراً يوازي انتشار المقدمة الطللية (٨٢) .
... وإلى جانب سعة انتشار المقدمات الغزلية في الشعر الجاهلي، فهي أقرب المقدمات نسباً إلى المقدمة الطللية (٨٣) .
... فإذا كانت أطلال الحبيبة محور اهتمام الشاعر في المقدمة الطللية، فإن الحبيبة نفسها هي محور اهتمامه في المقدمة الغزلية.
... ويتناول الشاعر في المقدمة الغزلية غالباً موضوعين رئيسين هما:
... وصف الحبيبة وصفاً مادياً أو معنوياً، والتغني بجمالها الحسي أو النفسي، وإن كان وصف الجمال الحسي، والتغني بالجمال الجسدي هو الغالب في هذه المقدمة؛ لأنه ((يتلاءَم مع صورة الحياة الجاهلية الوثنية، فقد كان العرب لا يزالون ماديين لم ترتق أذواقهم، ولم تنبل مشاعرهم. ولذلك يكون هذا الضرب من الغزل ألصق بنفوسهم)) (٨٤) .
... وتصوير عواطفه ومشاعره تجاهها، والحديث عن الصد والهجر، والحنين والهيام، والوصل والفراق، والدموع التي تنهل من عينيه، وذكرياته السعيدة، وما يتصل بذلك من مناظر الوداع.
وتظهر هذه الصورة من صور المقدمات في قصيدتين من قصائد حسان الجاهلية، الأولى قصيدته الدالية التي مطلعها (٨٥) :
ألمْ تَذَرِ العيْنُ تَسْهادَها
وَجَرْيَ الدُّموعِِ وَإِنْفَادَهَا
стр. 3297
وتقع مقدمتها في ستة أبيات، وصف فيها سهده، ودموعه التي لا تنفك تنهمر لفراق صاحبته (شعثاء) التي لا تفارق صورتها خياله، فلا يكف عن ذكرها، واسترجاع ذكرياته في ديارها التي كانت تنزل بها بعد أن يجودها مطر الربيع المتواصل. ثم عبر عن افتتانه بجمال شعرها المغْدودن الكثيف الذي يثقلها إذا قامت، ووجهها الذي يحكي وجه غزال ربيب يرتعي أعشاباً يانعة في أرض هطلت بها أمطار غزيرة، فيبدو في أبهى صورة، وأروع منظر، إذ يمضي سحابة نهاره مصعداً في سفوح التلال، فإذا خيم الليل ولّى وجهه شطر أشجار العضاه، ليستكنّ بها خوفاً من الأمطار، يقول:
تذكَّرَ شعثاءَ بعد الكرَى
ومُلْقَى عِراصٍ وأَوْتَادَها
إذا لَجِبٌ من سَحابِ الربيعِ
مرَّ بسَاحَتِها جَادَها
وَقَامَتْ تُرَائيكَ مُغْدَوْدِناً
إِذَا ما تنُوءُ بهِ آدَهَا
وَوَجْهَاً كَوَجْهِ الغزالِ الرَّبيبِ
يقْرو تِلاعاً وَأَسْنَادَها
فَأَوَّبَه الليلُ شَطْر العِضاهِِ
يَخَافُ جِهاماً وصُرَّادها
стр. 3298
وتخلو هذه المقدمة الغزلية من عنصر مهم من عناصر المقدمات الغزلية التقليدية، وهو وصف منظر الوداع والفراق المألوف. وتقتصر على وصف بعض مظاهر جمال صاحبته، ووصف عواطفه تجاهها. ففي الجانب الأول اكتفى بالحديث عن شعرها الكثيف الطويل، ووجهها الذي يشبه وجه غزال غذي أطيب غذاء. وفي الجانب الثاني ذكر سهده ودموعه التي لا تكف عن الانحدار، ولكنه مزج ذلك ببعض مظاهر الطبيعة التي جعلها إطاراً أو خلفية للمشهد العاطفي فاختار لسهده ودموعه وقتا نام فيه الناس، وسكن فيه الكون، واختار للشعر المغدودن لوحة تبدو فيها الأرض خصبة ممرعة؛ واختار لجمال الوجه صورة لا أبهى ولا أسنى هي وجه الغزال الربيب الذي يقصد الأماكن المرتفعة التي لا تطأها الأقدام فيرتعي بها، حتى إذا خيم الليل أوى إلى كناسه الذي اتخذه في شجر العضاه؛ ليتعانق جمال الإنسان وجمال الطبيعة في تشكيل اللوحة الغزلية.
... والثانية قصيدته العينية التي مطلعها (٨٦) :
بانَتْ لَميسُ بِحبْلٍ منكَ أَقْطَاعِ
واحْتَلَّت الغَمْرَ ترْعَى دَارَ أَشْرَاعِ
... ومقدمتها الغزلية قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أبيات اقتصر فيها على الحديث عن هجر صاحبته (لميس) ، وانقطاع حبال وصالها، وارتحالها إلى مكان كثير المياه، ذي مراع خصبة، ومجاورتها في ديار بني عمرو بن نصر، وهم قوم ذوو عِزّ ومنعة، يحمون أرضاً ممرعة، ثم وصف حالته النفسية عندما تحركت المراكب بصاحبته في الفجر إذ انهمرت دموعه كأنها ماء يفيض من دلاء كبيرة ممتلئة. قال:
وأصْبَحَتْ في بني نَصْر مُجَاورَةً
ترْعَى الأَبَاطِحَ في عزّ وإِمْراعِ
كأنَّ عَيْنَيَّ إذْ وَلَّتْ حُمُولُهُمُ
في الفَجْرِ فَيْضُ غُروبٍ ذاتِ إِتْراعِ
ومن الواضح أنه مسّ موقف الوداع مساً خفيفاً، فاكتفى بذكر تحرك موكب الرحلة، وتحديد زمنه.
стр. 3299
.. والتكثيف والتركيز هما الظاهرة البارزة في هذه المقدمة، وكأني بحسان وهو يردّ على أبي قيس بن الأسلت، وينقض عليه قصيدته التي سبقت الإشارة إليها، كان يتطلع إلى الوصول إلى موضوعه مسرعا، فأعجله ذلك عن التفصيل، وألجأه إلى التكثيف والتركيز.
... يتبين مما سبق أن حسان في مقدمتيه الغزليتين لم يتبع التقاليد الموروثة في المقدمة الغزلية، ولم يحذُ حذو الشعراء الجاهليين الذين سبقوه، فجاءَت مقدمتاه موجزتين؛ كما يلاحظ فيهما اهتمامه بإدخال عناصر الطبيعة، وبخاصة الماء، والخصب.
الصورة الثالثة: المقدمة الطللية الغزلية
... وفي هذه الصورة يتضافر على تشكيل المقدمة لوحتان: لوحة الأطلال، ولوحة الغزل. ففي اللوحة الأولى يصور الشاعر ((أطلال الحبيبة الراحلة التي عفت وأقفرت بعد رحيلها، وما يراه فيها من آثار الحياة الماضية التي كانت تدب فيها أيام كانت آهلة بأصحابها، قبل أن تتحول بعدهم إلى مجرد أطلال موحشة، تسفي عليها الرمال، فتحجبها، وتخفي معالمها، وتهب عليها الرياح فتكشفها، وتبدي رسومها، وأسراب الحيوان الوحشي تسرح في ساحاتها آمنة مطمئنة، حيث لا إنسان يفزعها أو يثيرها)) (٨٧) .
... وطبعي أن يستدعي هذا الإطار المكاني وما يثيره في النفس من مشاعر، العنصر الإنساني، فيتبع الشاعر لوحة الطلل بلوحة صاحبته التي نأت، فيقبل عليها واصفاً جمالها ((ويلح على تبيان محاسنها، حتى يكاد يظهرها عضواً عضواً، ولا يترك شيئاً منها، بل يأتي على كل شيء، كأنما يريد أن يشخص هذه الأعضاء تشخيصاً)) (٨٨) ، ولا بدّ أن يثير استدعاؤه لصورة صاحبته، واستحضاره لجمالها، في نفسه الحسرة على أيامه الخالية، وذكرياته الماضية، ((فيصور حبه وغرامه، وآلامه وأحزانه، ويأسه وحرمانه، فيذرف الدموع، ويسفح العبرات)) (٨٩) على ماضيه المنصرم.
стр. 3300
.. وقد تبنى حسان هذه الصورة من صور المقدمات في قصيدتين من قصائده الجاهلية، أولاهما: قصيدته الميمية التي مطلعها (٩٠) :
لِمْن مَنْزلٌ عَافٍ كأنَّ رُسُومَهُ
خَيَاعيلُ رَيْطٍِ سَابرِيٍّ مُرَسَّمِ
ومقدمتها ثانية مقدمات حسان من حيث الطول، وتبلغ ستة عشر بيتاً. وهو يستهلها بالسؤال عن أهل منزل عفت رسومه، وأقوت معالمه، ودرست آثاره حتى غدا كثياب فارسية رقيقة مخططة لا أكمام لها. إنه منزل مقفر خال من آثار الحياة ودلائلها، إلا من ثلاث أثافٍ ركّد، كأنها ثلاث حمائم جُثَّم، ومن وتد بال، وبقايا حائلة كأنها ثوب قديم موشى.
... لقد عاثت رياح الصيف في ذلك المنزل، فهي تعتاده مرّة إثر أخرى، فيتجمع هشيمه الجاف على بقايا نؤي قد تثلمت حوافه، وامتدت إليه يد البلى فكسته من سرابيلها الدائرة، كما عبثت في معالمه سحب سود ضخمة كأنها الجبال، يثقلها ما تقل من أمطار، تزجيها الرياح وتقصف في جوانبها الرعود، ويومض البرق، وما تلبث عراها أن تنفصم عن مطر غزير مسح متواصل.
... إنه يعهد ذلك المنزل عامراً بأهله الذين تجمع بينهم البهجة، وترفرف عليهم الغبطة، وتخيم عليهم الأُلفة، وتربطهم أواصر المحبة؛ فهل إلى حبال الود التي رثّت من عودة؟ ويستيقظ الشاعر من تلك الأحلام اللذيذة، والذكريات الوادعة، على قسوة واقعه المر، فقد نأت دار ليلى، وتبدلت بوصلها هجراً، وبودّها صداً، وبقربها نأيا، وانبتت حبال الوصل التي كانت ممتدة بينهما، بعد أن أصغت ليلى إلى حديث الواشين والكاشحين.
... وإذا كانت الأيام وتقلباتها قد غيرت من مشاعر ليلى نحوه، فإنه ما يزال مقيماً على الود يتشبث بحباله، ويرعى ذكرياته، ويصون أسراره، ويحرص كل الحرص على كتمانه بين ضلوعه. وسيبقى حفيا بودها، على الرغم من صدها وهجرها، وإصغائها إلى الذين روّجوا عنه الأقاويل والأراجيف. يقول حسان:
خَلاءُ المَبَادِي ما بهِ غيرُ رُكَّدٍ
стр. 3301
ثَلاثٍ كأَمْثالِ الحَمَائِمِ جُثَّمِ
وغيرُ شَجِيجٍ ماثِلٍ حالَفَ البِلى
وَغَيْرُ بَقايا كالسَّحيقِ الْمُنَمْنَمِ
تَعِلُُّ رباحَ الصيفِ بالي هَشيمِهِ
على ماثِلٍ كالحَوْضِ عافٍ مُثَلَّمِ
كَسَتْهُ سَرابيلَ البِلَى بَعْدَ عَهْدِهِ
وَجَوْنٌ سَرَى بالوابِلِ الْمُتَهَزِّمِ
وكُلُّ حثيثِ الوَدْقِ مُنْبَجِسِ العُرَى
مَتَى تُزْجِهِ الرِّيحُ اللواقِحُ يَسْجُمِ
ضَعيفُ العُرى دانٍ من الأرضِ بَرْكُهُ
مُسِفٍّ كمثْلِ الطَّوْدِ أكظَمِ أَسْحَمِ
وَقَدْ كانَ ذَا أَهْلٍ جميعٍ بغبطة
إذَ الوصلُ وصلُ الودِّ لمْ يَتَصَرَّمِ
وإذْ نحنُ جيرانٌ كثيرٌ بِغِبْطَةٍ
وإِذْ ما مَضَى من عَيْشِنَا لم يُصَرَّمِ
فإِنْ تَكُ ليْلَى قَدْ نَأَتْكَ ديارُها
وَضَنَّتْ بِحَاجَاتِ الفُؤادِ المُتَيَّمِ
وهَمَّتْ بِصَرْمِِ الحَبْلِ منْ بعدِ وَصْلِهِ
وَأَصْغَتْ لقوْلِ الكَاشِحِ المُتَزعِّمِ
يُغَيِّرُهُ نَأْيٌ ولوْ لمْ تَكَلَّمِ
وإنْ صَرَّمَ الخُلاَّنُ بالمُتَجَذِّمِ
لَديَّ فَتَجْزِيني بِعاداً وتَصْرمي
وما كَظَّ صَدْري بالحديثِ المُكَتَّمِ
عَليَّ ونَثُّوا غَيْرَ ظَنٍّ مُرَجَّمِ
وحسان في لوحة الطلل في مقدمته السابقة يبدو أكثر ميلاً إلى الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات، وأقل تشبثاً بالتركيز والتكثيف. ومع ذلك فهي لم تستوف جميع عناصر المقدمة الطللية التي تمسك بها شعراء المرحلتين الأولى والثانية من العصر الجاهلي.فقد سكت فيها حسان عن كثير من التقاليد الأساسية في المقدمة الطللية، فهو لم يستوقف الصحب، ولم يطلب إلى رفيقيه أن يسعداه بالبكاء، كما لم يسفح الدموع على الطلل المحيل، ولم يحدد مكانه بذكر أسماء المواضع، ولم يعطف بعضها على بعض بالفاء، ولم يتعرض لقطعان الظباء وبقر الوحش والنعام في معرض حديثه عن إقفار الديار ووحشتها، وغض الطرف عن ذكر ما حلّ بها من حيوان.
стр. 3302
.. ومن جهة أخرى حافظ حسان على عناصر تعد من مقومات المقدمة الطللية، فاستفسر عن الأهل الظاعنين، واسترجع ذكرياته بالديار، وذكر ما تبقى من آثارها، وما درسها من الرياح والأمطار. وشبه بقاياها بخطوط الثوب المطرّز، كما شبه الأثافي بالحمائم الجثم، وذكر ما ذرته الرياح فوقها من هشيم يابس.
... ومن مظاهر ميله إلى الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات في هذه المقدمة استعانته الواضحة بالتصوير البياني القائم على التشبيه في المقام الأول، ثم على الاستعارة: فقد شبه الرسوم البالية بثوب فارسيّ بلا كمين، خيط أحد شقيه، وبثوب خلق موشى، وشبه الأثافي الباقية بالحمائم الجاثمة، والنؤي الدارس بالحوض الذي تكسرت حوافه. واستعار العلل والنهل لهبوب الرياح على الأطلال مرّة إثر أخرى. وجعل الوتد حليفاً للبلى، والسحاب حين يدنو من الأرض حيواناً جاثماً، والرياح تكسو الأطلال سرابيل البلى، وانهمار المطر عليها عرى تنفصم، والسحب الموقرة بالمطر جبالاً سوداً.
... ويظهر ميله إلى التفصيل أيضاً في ذكره لما تبقى من آثار الديار، حيث ذكر الأثافي، والوتد والنؤى، ورسم لكل منها صورة بيانية.
... وفي ذكره لمنزل أحبته لم يكتفِ بوصفه بالعافي، وبخالي المبادي، وببالي الهشيم؛ بل أضاف إلى هذه الأوصاف تشبيهه بالخياعيل السابرية المرسمة، وبالسحيق المنمنم.
... ويبدو هذا الميل أيضاً في وصفه للسحاب وما يتصل به من رعد ومطر، فقد وصفه بأنه أسود، يتفجّر قطره ليلاً بغزارة واستمرار (يسرى بالوابل) ، وبأنه منبجس العرى، حثيث الودق، دان من الأرض، يقصف رعده، ويومض برقه. هذا فضلاً عما رسم له من الصور.
стр. 3303
.. ويبدو أن هذه اللوحة هي أكثر لوحات حسان الطللية قرباً من مقدمات زهير وأصحابه من شعراء المرحلة الثانية؛ حيث بذل فيها حسان جهداً فنياً واضحاً، واهتم بالتفاصيل والجزئيات، وعني باختيار الظلال والألوان، والزوايا، وعبر من خلال الصور البيانية.
... وفيما يتعلق باللوحة الغزلية في هذه المقدمة، فقد اقتصر فيها حسان على التعبير عن لواعجه، وعواطفه، وما اكتوى به من وجد، ولوعة، وعلى الحديث عن وفائه، وتشبثه بحب صاحبته، وإنْ بدا منها صدّ وصرم؛ كما عرض لذكريات أيام الوصل، قبل أن يقلب له الدهر ظهر المجن، ويتبدل بالغبطة حزناً، وبالوصل صرماً، وبالود هجراً.
... ولكنه ضرب صفحاً عن وصف مشهد الوداع الشائع في المقدمات الغزلية، ولم يصف صاحبته وصفاً حسياً أو معنوياً؛ أو يتغن بجمالها الجسدي أو النفسي كما لم يصرح بذكر اسمها.
... وساد عبارته في هذه اللوحة السرد. وقلّ فيها اعتماده على الصورة، كما هو الأمر في اللوحة السابقة (لوحة الطلل) ، فلم يستعن بالصورة إلا في استعارة الحبل لعهد الحب، حيث جعله حبلاً واهياً منجذماً رثاً من طرفها، وعلى عكس ذلك من طرفه. كما جنح إلى السهولة والرقة في هذه اللوحة لأنه يعبر عن عواطفه، ويمتح من نفسه، فتخفف من غرابة اللفظ، وجزالة العبارة اللتين وسمتا عبارته في اللوحة الأولى، وفرضهما عليه فيما يظهر تشبثه بتقليد السابقين، ومجاراتهم في لوحة الطلل.
... والثانية: قصيدته النونية التي يمدح بها جَبَلة بن الأيهم صاحب التاج الغساني، ومطلعها (٩١) :
لمنِ الدّارُ أوْ حَشَتْ بِمَعانِ
بين أَعْلى اليَرْموكِ فالخَمَّانِ
وعدتها عشرة أبيات ذهبت المقدمة منها بثمانية. وفي ذلك ما يشير إلى أن المدح قد حذف منها، لأنها تقف عند قوله:
قدْ أَراني هُنَاكَ حَقَّ مَكِينٍ
عِنْدَ ذي التَّاجِ مَقْعَدي وَمَكَاني
стр. 3304
وهي كسابقتها تسهم في تشكيل مقدمتها لوحتا الطلل والغزل. أما لوحة الطلل فيستهلها بالوقوف على بقايا دار أقفرت من ساكنيها، فخيمت عليها الوحشة، وتسللت إليها عوامل البلى، فيسأل عن مصير أهلها الذين هجروها، ثم يحدد موقعها تحديداً دقيقاً، كأنه يريد أن يحفرها حفراً في ذهن السامع، مما يدل على شدّة تعلقه بها؛ فيذكر أماكن شامية من أعمال دمشق، بعضها ناء عنها، وبعضها قريب منها، يعد من ضواحيها، وبعضها يقع جنوبي الأردن، أو بين دمشق وبحيرة طبرية، وهي: معان، والخمان، وبلاس، وداريا، وسكاء، وجاسم، وأودية الصفّر، وجميعها من منازل الغساسنة.
... ثم يشيد بتلك المواضع، وبما شهدته منازلها من عزّ ومجد، فقد كانت تعج بقنابل الخيل والفرسان، وبكرائم الإبل وبيضها، ويطلق عليها لقب (دار العزيز) ، ويستعيد ذكرياته بها، أيام زياراته المتكررة لها في عهد الحارث بن أبي شمر الغساني، فيقول بعد المطلع:
فَسَكَّاءَ فَالقُصُورُ الدَّوانِي
(م)
فَالقُرَيَّاتُ مِنْ بَلاَسَ فَدَارِيَّا
مغنى قَنَابِلٍ وهِجَانِ
(م)
فَقَفَا جاسمٍ فَأَوْدِيةِ الصُّفَّر
وَحُلُولِ عَظِيمةِ الأَرْكَانِ
تِلْكَ دارُ العَزيزِ بَعْدَ أنيسٍ
يومَ حَلَّوا بِحَارثِ الجَوْلانِ
هَبِلَتْ أُمُّهُمْ وَقَدْ هَبِلَتْهُمْ
وهنا ينقلنا من لوحة المكان إلى اللوحة الغزلية، لوحة الإنسان، فيرسم لوحة تعج بالفتنة والحياة، ومظاهر الترف والنعمة، تظهر فيها الجواري الحضريات عاكفات على نظم أكلّة المرجان، أو مجتنياتِ زهور الزعفران، أو متطيبات بدهنه، في مآزرهن البيض الرقيقة، وثياب الكتان المضمخة بالعطور، استعداداً ليوم عيد الفصح.
стр. 3305
.. وينهي حسان لوحته الغزلية بالتعبير عن فتنته وإعجابه بالمرأة الحضرية من خلال موازنة طريفة يعقدها بين ولائد الغساسنة المترفات، والأعرابيات من نساء البادية، اللاتي يجتنين صمغ المغافير أو الثُّمام، ليستعملنه في تلبيد شعورهن، أو ينتقفن الحنظل عند نضجه لاستخراج ما فيه، واستخدامه في إصلاح أحوالهن. يقول:
قد دنا الفِصْحُ فَالَولائدُ يَ
(م)
نْظِمْنَ قُعودَاً أَكِلَّةَ المَرْجَانِ
يَجْتِنينَ الجَادِيَّ في نَقَبِ
الرَّيْطِ عَلَيْها مَجَاسِدُ الكتَّانِ
لمْ يُعَلَّلْنَ بِالمغَافِرِ والصَّمْغِ
(م)
وَلاَ نَقْفِ حَنْظَلِ الشَّرْيَانِ
... ولوحة الطلل من مقدمة حسان السابقة تفتقر إلى كثير من العناصر التقليدية للمقدمة الطللية، كاستيقاف الصحب، ومخاطبة الرفيقين، والبكاء على الطلل، وذكر ما بقي من آثار الديار من أثاف، ونؤي، وأوتاد، وغير ذلك، ووصف ما درسها من عوامل الطبيعة، وما حل بها من قطعان الظباء، وبقر الوحش. كما تخلو من الصور التي اعتاد الشعراء الجاهليون رسمها لبعض عناصر المقدمة، مثل تشبيه بقايا الديار بخطوط الثوب المطرز، وتشبيه ما ذرته الرياح من رمال بالطحين المتناثر، وتشبيه الأثافي بالحمائم الجثم.
... ويبدو أنّ ما أبقى عليه الشاعر من تلك العناصر قليل قلة واضحة قياساً إلى ما تخلى عنه، إذ لم يبق إلا على ذكر أسماء المواضع، وتحديدها تحديداً جغرافياً دقيقاً، والعطف بينها بالفاء، والاستفسار عن أهلها الظاعنين، واسترجاع شيء من ذكرياته بها. وحتى هذه العناصر طرأ عليها بعض التطوّر، فالمواضع التي ذكرها مواضع شامية، لم تعرفها المقدمات التقليدية قبل حسان.
стр. 3306
.. فضلاً عن أن ذكريات الشاعر بتلك الأماكن لا تثير في نفسه الوجد والصبابة بقدر ما تثير الإعجاب بأمجاد الغساسنة وعزّهم. وهو لا يتحدث عن الظعن والمراكب التي تقلّ نساء الحي، وبينهن صاحبته، ولكن عن جماعات الخيل، وكرائم الإبل التي يقتنيها الغساسنة.
... وإذا كانت اللوحة الطللية من مقدمته السابقة قد أصابت هذا القدر من التطوّر؛ فإن اللوحة الغزلية من تلك المقدمة قد انحرفت انحرافاً كبيراً عن مناهج الجاهليين وطرائقهم؛ فهو لم يذكر امرأة بعينها، وإنما وصف الجواري اللاتي كان يراهن في بلاط الغساسنة، ولم يتغن بجمال المرأة الحسي أو النفسي، بل كان مبهوراً بزينتها وعطورها، من أكلّة المرجان، وطيوب الزعفران، ومجاسد الكتان. وعواطفه تجاهها لم تكن هياماً، ووجداً، ولهفة، ولوعة؛ ولكن كانت إعجاباً بالطيوب، والثياب، ومظاهر الزينة. وهو لم يتحدث عن محاسنها حديثاً مكشوفاً كما كان يفعل امرؤ القيس أو الأعشى، أو المنخل وسواهم، كما لم يصف مشهد الوداع أو الرحيل. وأهم من ذلك أنه ضمّن لوحته عنصراً جديداً لم تعهده المقدمات الغزلية التقليدية، يتمثل في تفضيل المرأة الحضرية التي تعيش في قصور الغساسنة، على البدوية التي تتخذ وسائل الزينة البدائية، فتلبّد شعرها بصمغ الثُّمام، وتنتقف الحنظل.
الصورة الرابعة: المقدمة الظعنية الغزلية
... هذه صورة أخرى من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية، وهي تتألف من لوحتين: لوحة الظعن، واللوحة الغزلية.
... ومقدمة الظعن من المقدمات الرئيسة في القصيدة الجاهلية، إذ تتراءَى في سماء الشعر الجاهلي أسراب منها ((تعود إلى فترة مبكرة من عمره، تدل بقدمها على رسوخها وأصالتها، آية ذلك أنها تطالعنا في قصائد الشعراء المتقدمين، مثل: المرقش الأكبر، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، وطفيل الغنوي، وبشر بن أبي خازم)) (٩٢) .
стр. 3307
.. ولحسان قصيدة جاهلية في الفخر يستهلها بهذه الصورة من صور مقدماته، يبدأُها بلوحة الظعن، وفيها يلتمس من خليله بباب جلِّق أن يتبصر لعله يرى ركباً قادمين من تلقاء البلقاء، ثم يخبره بأن قافلة صاحبته (شعثاء) قد انطلقت من مكان يسمى المحبس وانحدرت بين المرتفعات، تحمل نسوة حور العيون، نقيات البشرة، بيضاوات الوجوه، يلتحفن ملاءات حريرية، وتبدو عليهن آثار النعمة، والترف.
... ويتابع حسان رحلة هاتيك الظعائن، فيخبر صاحبه أنهن قد مررْن ببصرى الشام، واجتزن جبل الثلج (يريد جبل الشيخ) الذي يعانق السحب، يقول (٩٣) :
انْظُرْ خَلِيلي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ
تُؤْنِسُ دونَ البَلْقاءِ من أَحَدِ
أَجْمَالَ شَعْثَاءَ قَدْ هَبَطْنَ من المَ
حْبَسِ بَيْن الكُثْبَانِ فَالسَّنَدِ
يَحْمِلْنَ حُوَراًحُوْرَ المَدَامِعِ في الرَّ ...
يْطِ، وبيضَ الوُجُوهِ كالبَرَدِ
منْ دونِ بُصْرَى وَدُونَها جَبَلُ الثَّلْجِ
عَلَيهِ السَّحَابُ كالقِدَدِ
وفي اللوحة الغزلية من هذه المقدمة يقسم حسان برب الإبل التي ذللها كثرة الارتحال، وما تقطع من صحارى شاسعة، وبرب الإبل التي قرّبت للنحر، يميناً برة لا يحنث فيها، أنه أحبّها حباً لم يتطرق إليه وهن، أو يعتريه فتور، وأنه لم يحب امرأة حبه إياها:
إِنِّي وَرَبِّ الْمُخَيَّسَاتِ وَمَا
يَقْطَعْنِ مِن كُلِّ سَرْبخٍ جَدَدِ
وَالبُدْنَ إِذْ قُرِّبَتْ لِمَنْحَرِهَا
حِلْفَةَ بَرِّ اليَمِينِ مُجْتَهِدِ
مَا حُلْتُ عَنْ خَيْرِ مَا عَهِدْتِ وَمَا
أَحْبَبْتُ حُبِّي إِيَّاكِ مِنْ أَحِدِ
стр. 3308
وهو في لوحة الظعن لم يأت إلا على ذكر الطريق الذي سلكته الظعائن، حيث وصفه وصفاً دقيقاً يدل على شدّة وجده، وتعلقه بصاحبته (شعثاء) ، وذكر عدداً من المواضع الشامية، وهي: البلقاء، وجلق، والمحبس، وبصرى، وجبل الثلج. في حين أغفل كثيراً من العناصر التي يجدها الدارس في مقدمات الظعن الجاهلية، مثل: وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الإبل وهوادجها، وما يعلوها من ثياب وألوان، والحادي والدليل، والغاية، ومنتهى الرحلة. وحتى حين وصف الطريق الذي سلكته الظعائن اكتفى بتحديده، ولم يعرض لما يحف به من مخاطر، وما يتناثر على جانبيه من رمال، وعيون مهجورة، أو صالحة (٩٤) .
... ويقابل ذلك استيفاؤه لمعظم عناصر اللوحة الغزلية، فقد وصف صاحبته (شعثاء) وصفاً حسياً، وتغنى بجمال عينيها الحوراوين؛ وأعرب عن فتنته بوجها الناصع، النقي، ورسم لها ولصواحبها صورة بالغة الدلالة على ذلك النقاء هي صورة البَرَد. وتحدث عن وفائه وإخلاصه لها، وشدّة وجده وهيامه بها، وأقسم على ذلك أغلظ الأيمان إلا إنه لم يبالغ في وصف مظاهر جمالها، ولم يتحسر على أيامه الماضية.
... ويبدو حسان في هذه المقدمة مُقْتَصِداً في استخدام الصورة الشعرية، ميالاً إلى السرد، إذ لم يأت إلا بصورة البَرد، ليعبر من خلالها عن نقاء لون صاحبته، وصورة القِدد وهي القطع ليخلعها على السحب المتناثرة التي تعانق قمة جبل الشيخ.
... ولكنه لوّن في صور الأداء، فاستعان بالأساليب الإنشائية كالنداء، والاستفهام، والأمر ليجذب اهتمام السامع؛ وراوح بين الإنشاء والخبر، كما أفاد من أسلوبي القسم والتوكيد في تقوية شحنة العاطفة فيها. وبدا ميالاً إلى التفصيل في صورة الإبل التي تساق للنحر، وفي وصف الطريق الذي سلكته الظعائن.
... ولعل من الجديد في هذه المقدمة ذكره للأماكن والمواضع الشامية، وبخاصة جبل الثلج أو جبل الشيخ.
стр. 3309
الصورة الخامسة: المقدمة الطللية الظَّعْنيَّة الغزلية
... تلتقي في هذه الصورة من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية ثلاث لوحات: لوحة الطلل، ولوحة الظعن، واللوحة الغزلية.
... وبهذه الصورة استهل حسان قصيدته الفخرية الميمية التي مطلعها (٩٥) :
ألَمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ الجَديدَ التَّكَلُّمَا
بِمدْفَعِ أَشْدَاخٍِ فَبُرْقَةَ أَظْلَما
وهي من أطول مقدماته. وتقع في ستة عشر بيتاً. وقد افتتحها بلوحة الطلل فوقف عليه، وسأله عن الربع الدارس الذي استعجم عن رد جوابه، وكيف يجيبه رسم أبكم؟ إنه طلل دار تقع في مكان خصيب، يندفع بين ربوعه وادي أشداخ بالقرب من جبل أظلم، ماراً بمنعطف وادي نقيع، حيث تستوي الأرض في بطن يَلْبَن.
... لقد أقفرت تلك الديار، وخلت من أهلها الذين عمروها زمنا، فقد غادروها إلى تهامة. إنها ديار صاحبته التي طالما تردّدت على جبلي تغلم، ووادي المراض الذي ترعرع في عدوتيه شجر الأراك وأينع، وتمايلت أغصانه مزهوة بخضرتها.
... وحين انقضى فصل الربيع صوّح المرعى، ولم تعد تسمع سوى حمحمة الرعد، تتجاوب أصداؤها مع حنين مطافيل الإبل التي نتجت في فصل الربيع، فيتردد صداه في أكناف وادي العقيق، وهضبة الجمَّاء، حتى إذا ارتفع سحابه فوق تُرْبان، انفصمت عراه، وانهلّ ودقه، وألقى بعاعه، وتمخض عن سيل هادر يقتلع كل ما يعترضه من شجر العضاه. يقول حسان بعد المطلع:
أَبَى رَسْمُ دارِ الحَيِّ أَنْ يَتَكَلَّمَا
وهلْ يَنْطِقُ المَعْرُوفَ منْ كانَ أبْكَمَا
بقَاعِ نَقَيعِ الجِزْعِ من بَطْنِ يَلْبَنٍ
تَحَمَّلَ مِنِهُ أَهْلُهُ فَتَتَهَّمَا
دِيَارٌ لشَعْثَاءِ الفؤادِ وَتِرْبِها
ليَاليَ تَحْتَلُّ المَراضَ فَتَغْلَمَا
وإِذْ هِيَ حَوْرَاءُ المَدَامِعِ تَرْتَعِي
بِمُنْدَفَعِ الوادي أَرَاكاً مُنَظَّمَا
أَقَامَتْ بهِ في الصَّيْفِ حَتَّى بَدَا لهَا
стр. 3310
نَشَاصٌ إِذَا هَبَّتْ لهُ الرِّيحُ أرْزَمَا
فَلَمَّا دَنَتْ أغضَادُهُ وَدَنَا لَهُ
منَ الأرْض دَانٍ جَوْزُهُ فَتَحَمْحَمَا
تَحِنُّ مَطَافِيلُ الرِّباعِ خِلالَهُ
إذا اسْتَنَّ في حَافاتِهِ البَرْقُ أَثْجَما
وَكَادَ بأكْنَاف العَقِيقِ وَئيدُهُ
يَحَطُّ من الجَمَّاءِ رُكْنَاً مُلَمْلَمَا
فلما علا تُرْبَانَ وانْهَلَّ وَدْقُهُ
تَدَاعَى وأَلْقَى بَرْكَهُ وتَهزَّمَا
وأَصْبَحَ منْهُ كُلُّ مَدْفَعِ تَلْعةٍ
يَكُبُّ العَضَاهَ سَيْلُهُ مَا تَصَرَّمَا
وواضح أنه لم يبك أو يستبك، ولم يستوقف الصحب، ولم يخاطب الرفيقين اللذين اعتدنا رؤيتهما في مشهد الطلل، ولم يصف ما بقي من آثار الديار، من أثاف، ونؤي وأوتاد، أو ما حل بها من ظباء أو بقر وحشية.
стр. 3311
.. وخلت هذه اللوحة الطللية من التشبيهات المعهودة، سواء فيما يتعلق بآثار الديار، أو ببقاياها. ولكنها اشتملت على كثير من العناصر التقليدية مثل: ذكر أسماء الأماكن، والعطف بينها بالفاء، وتحديد مكان الطلل تحديداً جغرافياً دقيقاً، والسؤال عن أهله الظاعنين. وأسهب في وصف ما غير معالمه، وبخاصة الأمطار، وإن كان قد أغفل ذكر الرياح التي تسفي عليه التراب. فقد انقضى فصل الصيف وأخذت السماء تتلبد بالغيوم، واكفهرَّ الجو، وحمحم البرق في أرجاء وادي العقيق، فامتزج بحنين الإبل التي نتجت في الصيف، وما لبث البرق أن أومض، فانهمر المطر غزيراً على تُربان وهضبة الجماء، فأسفر عن سيل عظيم يتدافع ماؤه، ويقتلع كل ما يعترض طريقه من الأشجار. وكان ذلك إيذاناً برحيل القوم عن تلك الأماكن بعد أن قضوا فيها فصل الربيع. وهنا تبدأ اللوحة الثانية، لوحة الظعن. وهي لوحة تتحول إلى مشهد يبدأ بصورة صوتية للحي تسمع فيها أصوات الرجال تتعالى، فينادي بعضهم بعضاً، في هزيع الليل الأخير استعداداً للرحيل، ثم ينقلنا إلى صورة بصرية تظهر فيها الهوادج وقد استوت على عجل فوق ظهور الإبل، تزينها البسط الموشاة بالألوان الزاهية، ومدّت الظعائن أعناقاً كأعناق الظباء من خلال البرود اليمنية الموشاة، وينتهي هذا المشهد بإشارة سريعة إلى أن القوم سيحلون ديار غفار وأسلم، بنواحي تهامة.
... ومع أن حساناً قد أتى في هذه اللوحة على أكثر عناصر مقدمة الظعن، من: وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الهوادج، وما تكللت به من أنماط وبرود ملونة؛ وحدّد نهاية الرحلة وغايتها، إلا إنه أغفل ذكر الحادي والدليل، وتجنب وصف الطريق التي سلكتها الرحلة، ولم يتتبع الركب، كما كان يفعل سواه من شعراء المرحلة الثانية من الشعر الجاهلي، ممن وصفوا الظعن. قال حسان:
تَنَادَوْا بِلَيْلٍ فاسْتَقَلَّتْ حُمُولُهُمْ
стр. 3312
وَعَالَيْنَ أَنْماطَ الدِّرَقْلِ المُرَقّمَا
عَسَجْنَ بِأَعْنَاقِ الظِّباءِ وأَبْرَزَتْ
حَواشِي بُرُودِ القِطْرِ وَشْياً مُنَمْنَما
فَأَنَّى تُلاَقِيهَا إذَا حَلَّ أَهْلُهَا
بِوادٍ يَمَانٍ مِنْ غِفَارٍ وأسْلَمَا
تَلاقٍ بعيدٌ واختلاَفٌ مِنَ النَّوَى
تَلاَقيكُما حتى تُوافيَ مَوْسِمَا
سَأُهْدِي لَهَا في كُلِّ عَامٍ قَصِيدةً
وَأَقْعُدُ مَكْفِيَّاً بِيَثْرِبَ مُكْرَمَا
... واللوحة الغزلية، وإن كانت أبياتها قليلة، إلا أنها لا تقل شأناً عن لوحتي الطلل والظعن. فالمرأة هي باعث التجربة في نفس الشاعر، وشعثاء التي فتنته بعينيها الحوراوين، قد تيمت فؤاده. وبانقضاء فصل الربيع، انطوت صفحة اللقاء، وحل الهجر محل الوصل، وأزف زمن الرحيل، وحالت المسافات بين الشاعر وبين فاتنته شعثاء، وبعدت بينهما الشقة، بعد أن حلّت بوادٍ يمان. ولن يتمكن من ملاقاتها إلا في الموسم القادم. وخلال زمن الفراق الطويل، سيعكف على نظم الشعر، وإهدائه لها، ولن يغامر أو يخاطر بالرحيل إلى منازلها. إنه سينظم الشعر فيها، وهو في مأمن من الأخطار والمتاعب، مكفيّ الحاجات بيثرب، ويؤثر العافية.
وواضح أنّ حساناً قد ألمّ في هذه اللوحة ببعض عناصر المقدمة الغزلية التقليدية وأعرض عن بعض، وانحرف ببعض.
فوصف جمال صاحبته، ولكنه اكتفى من ذلك بذكر عينيها الحوراوين، ولم يتتبع محاسنها ومظاهر جمالها الحسي أو النفسي.
وعبّر عن افتنانه بها، وحسرته على فراقها، والإحساس بثقل وطأة هجرها على نفسه؛ ولكنه بدا متعقلاً متزناً، يكبح جماح الهوى، ولا يغامر في سبيله، بل يستمع لنداء العقل، ويؤثر أن يترجم عن مكنون نفسه، ولواعج حبه بالشعر.
стр. 3313
.. وواضح أن هذا الموقف يحمل بعض ملامح التطور في المقدمة الغزلية، فقد انحرف الشاعر فيه عما نعهده في تلك المقدمة وفي شعر الغزل عامة من تهافت على المرأة، واندفاع ومغامرة، وتجاوز للحراس، والمعشر، وتعرض للقتل، في سبيل الوصول إليها، على نحو ما يصوره امرؤ القيس في معلقته، حيث يقول (٩٦) :
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسَاً إِليْها وَمَعْشَراً
عَلَيَّ حِراصَاً لَوْ يُسرُّونَ مَقْتَلِي
انحرف عن ذلك إلى هذا الهدوء والاتزان الذي أشرنا إليه، والتسامي بعواطفه إلى التعبير الفني عنها وحسب، بدلاً من السعي إلى إشباعها في أرض الواقع:
سأُهْدي إِليْها كلَّ عامٍ قَصِيدةً
وأَقْعُدَ مَكْفِيَّاً بِيَثْرِبَ مُكَرَمَا
الصورة السادسة: المقدمة الطللية الغزلية الوصفية
... وهذه صورة أخرى من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية، حشد فيها الشاعر أربع لوحات، هي: اللوحة الطللية، واللوحة الغزلية، واللوحة الخمرية، ولوحة الناقة؛ فجاءَت حافلة بالألوان والأطياف. وتمثل هذه الصورة، مقدمة قصيدته الميمية المقيدة التي مطلعها (٩٧) :
مَاهَاجَ حَسَّانَ رُسُومُ المَقَامْ
وَمَظْعَنُ الحَيِّ وَمْبْنَى الخِيَامْ
وهو يستهلها باللوحة الطللية التي اقتصر فيها على ذكر بعض آثار الديار، من نؤي قد تثلمت حوافه، وبقايا علامات حائلة لمواضع خيام الحي، ومنازلهم؛ مكتفياً من تحديد موضع ذلك الطلل بذكر أنه واد من أودية تهامة، وبالإشارة إلى ما غير معالمه، وطمس آثاره، من طول العهد، وتقادم الزمن، إذ يقول بعد المطلع:
والنُّؤْيُ قَدْ هَدَّمَ أَعْضَادَهُ
تَقَادُمُ العَهْدِ بِوَادٍ تَهَامْ
стр. 3314
.. وواضح أن التكثيف في لوحة الطلل عند حسان قد بلغ منتهاه، فلم يذكر الشاعر سوى قليل من عناصر المقدمة الطللية، على نحو من الإيجاز الشديد، وأعرض عن ذكر سائر العناصر والتقاليد؛ فحين ذكر ما غير الديار اقتصر على تقادم العهد، ولم يأت على ذكر الرياح والأمطار؛ وحين عرض لبقايا الديار، اكتفى بذكر النؤي، وتنكب ذكر ما سواه من أثاف، ورماد، ودمن وأوتاد. وخلت اللوحة من التشبيهات المعهودة في اللوحة الطللية.
... وينقلنا حسان إلى اللوحة الغزلية، وفيها يعترف بأن الواشين حققوا ما سعوا إليه، فتبدلت شعثاء بوصلها هجراً، ورثت حبال الود بينها وبينه، فغدا لا يراها إلا في المنام، إذ تعذرت رؤيتها في اليقظة. ثم يصف جمال صاحبته سالكاً إليه سبيل التصوير، فيرسم لها صورة فاتنة إذ يشبهها بظبية مُطفل، ترتعي مع خشفها سفوح جبل برام، ويختار لها مشهداً فاتناً، إذ يجعلها ترنو إليه نظرة إشفاق وحنو؛ لأنه ما يزال صغير السن قليل الحيلة، فاتر الطرف، متقارب الخطو، ضعيف الصوت.
... ثم يقف عند موضع الفتنة من شعثاء، ثغرها الذي يشبه رضابه ماءً بارداً سلسلاً، ينسكب من بين صخور جبل، فيحفر في أصله، ليتجمع في حوض تراصفت حجارته وتقاربت، وعلاه غمام كثيف، فيقول:
قدْ أدْرَكَ الوَاشُون مَا حَاوَلوا
فالحَبْلُ منْ شَعْثَاءُ رَثُّ الزِّمَامْ
جِنِّيَّةٌ أَرَّقَنِي طَيْفُهَا
تَذْهَبُ صُبْحَاً وتُرَى في المَنَامْ
هَلْ هِيَ إلاَّ ظَبْيَةٌ مُغْزِلٌ
مَأْلَفُها السِّدْرُ بِنَعْفَيْ بَرَامْ
تُزْجِي غَزَالاً فَاتِراً طَرْفُهُ
مُقَارِبَ الخَطْوِ ضَعيفَ البَغَامْ
كأنَّ فَاهَا ثَغَبٌ بَارِدٌ
في رَصَفٍ تحت ظلالِ الغَمَامْ
стр. 3315
وواضح أن حساناً قد ضمن هذه اللوحة أغلب عناصر المقدمة الغزليةالتقليدية، وهو إن فاته وصف مشهد الوداع المعهود في المقدمة التقليدية، إلا إنه استعاض عنه بحديث الواشين. وأجاد حين خلع على صاحبته صورة الظبية المطفل، ووقف عند ثغرها ورضابها، حيث لم يكتف من الصورة بالإجمال، بل أخذ يستقصي جوانبها، ويتتبع جزئياتها، ويولّد في معانيها، حتى بلغ من ذلك كل ما أراد من التعبير عن شدة افتتانه بها.
... وينتقل حسان بالقارئ إلى اللوحة الثالثة من مقدمته، اللوحة الخمرية، التي أتى بها على سبيل الاستطراد في وصف رضاب صاحبته، كما فعل الأعشى في مقدمة قصيدته التي مطلعها (٩٨) :
أَلَمَّ خَيَالٌ منْ قُتَيْلَةَ بَعْدَمَا
وَهَى حَبْلُهَا منْ حَبْلِنَا فَتَصرَّمَا
حيث جاء بلوحة الخمر لتصوير الأثر الذي تركه طيف صاحبته (قتيلة) في نفسه عندما ألمّ به فقال:
فَبِتُّ كأَنّي شَارِبٌ بَعْدَ هَجْعَةٍ
سُخَامِيَّةً حَمْرَاءَ تُحَسَبُ عَنْدَمَا
إِذَا بُزِلَتْ مِنْ دَنِّها فَاحَ رِيحُهَا
وَقَدْ أُخْرجَتْ مِنْ أسودِ الجَوْفِ أدْهَمَا
لَهَا حَارِسٌ مَا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا
إِذَا ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا
ومضى في وصفها.
... وفي هذه اللوحة يزعم حسان أن رضاب صاحبته ليس ألذ من الماء الزلال فحسب؛ بل أشهى منه، وإن مزج بصبهاء معتقة في بيت رأس، اعتنى بها صاحبها، وبالغ في حفظها والحرص عليها عاماً بعد عام، مؤملاً أن تعود عليه بربح وفير، ومعلقاً عليها آمالاً عظاماً في ثراء عريض؛ فإذا ما شربت دبت في عروق شاربها دبيب صغار النمل في الرمل المستوى اللين، وسرى الفتور في مفاصله وعظامه، إنها صهباء من خمر بيْسان، يسعى بها ساق أعجمي، مدّهن بالطيوب، يعتمر قلنسوة طويلة، متوقد النشاط، سريع الاستجابة لمن يدعوه، لا يثنيه عن خدمته شيء، يقول، حسان (٩٩) :
شُجَ بِصَهْبَاءَ لَهَا سَوْرَةٌ
стр. 3316
مِنْ بيْتِ رَأْسٍ عُتِّقَتْ في الخِتَامْ
عَتَّقَهَا دَهْرَاً رَجَا بِرِّهَا
يُولي عَلَيْها فَرْطَ عَامٍ فَعَامْ
تَدِبُّ في الجِسْمِ دَبِيبَاً كَمَا
دَبَّ دَبىً وَسْطَ رِقاقٍ هَيَامْ
مِنْ خَمْر بَيْسَانَ يُغَالَى بِها
دِرْيَاقَةٌ تُسْرِعُ فَتْرَ العِظَامْ
يَسْعَى بِها أَحمَرُ ذُو بُرْنُسٍ
مُخْتَلَقُ الذِّفَرَى شّدَيدُ الحِزَامْ
أَرْوَعُ لِلدِّعْوَةِ مُسْتَعْجِلٌ
لَمْ يَثْنِهِ الشَّأْنُ خَفِيفُ القِيامْ
وصورة الساقي الرشيق في مقدمة حسان هذه، تذكرنا بصورته في مقدمة قصيدة الأعشى السابقة الذكر؛ وإنْ كان الأعشى قد أضاف إلى وصف الخمرة والساقي، وصف الكؤوس، والأباريق، والورود، والرياحين، والمغنى، وآلات الطرب والندماء والظرفاء.
... ومهما يكن من أمر، فإن دراسة مقدمات حسان الجاهلية، تكشف عن حقيقة أن الأعشى، وعمرو بن كلثوم إنْ صح أنه استهل معلقته بوصف الخمر (١٠٠) ليسا الشاعرين الجاهليين اللذين استهلا بعض قصائدهما بوصف الخمر فحسب، بل يشاركهما في ذلك حسان.
... وبذلك يتبين أنه لا مسوّغ لقول الدكتور حسين عطوان ((إن الشعر الجاهلي كله فيما نعلم يخلو خلوا تاماً من قصائد بل من قصيدة واحدة افتتحت بوصف الخمر)) (١٠١) .
... علماً بأن الدكتور عطوان عاد فاعترف بأنّ للأعشى مقدمة خمرية، فقال في الصفحة التي ورد فيها قوله السابق: ((آية ذلك أن ديوان الأعشى ... لا نظفر فيه بمقدمة خمرية إلا مقدمة قصيدته الخامسة والخمسين)) (١٠٢) . وفي الوقت نفسه يغفل الدكتور عطوان لوحة حسان الخمرية الآنفة الذكر.
стр. 3317
.. وفي اللوحة الرابعة لوحة الناقة يهيب الشاعر بنفسه أن يتناسى ذكر شعثاء التي حققت مآرب الواشين، فقطعت حبل الوصال، بالارتحال على ظهر ناقة ضخمة قوية، طويلة، وافرة النشاط، واسعة الخطو، عقيم، لا تكف عن تحريك رأسها وعنقها من فرط نشاطها؛ ولا يقلل من سرعتها، أو يحد من نشاطها وحيويتها اشتداد الحر، وارتفاع السراب وقت الظهيرة حتى يغطي قمم الآكام يقول حسان (١٠٣) :
دَعْ ذِكْرَهَا وَانْمِ إِلى جَسْرة
جُلْذِيّةٍ ذَاتِ مَرَاحٍ عَقَامْ
دِفِقَّةِ المِشْيَةِ زَيَّافَةٍ
تَهْوِي خَنُوفَاً في فُضُولِ الزِّمَامْ
تَحْسِبُها مَجْنُونةً تَغْتَلِي
إِذ لَفَّعَ الآلُ رُءوسَ الأَكَامْ
... وقد يقول قائل: إن وصف الناقة ليس جزءاً من المقدمة، وإنّ مقدمة القصيدة قد انتهت بنهاية اللوحة الثالثة، وإن عبارة (دع ذا) التي استهل وصف الناقة دليل على أنه فرغ من المقدمة ودلف إلى غرضه، ذلك لأن العرف الشعري عند العرب قد جرى على أن يقولوا عند فراغهم من المقدمة: ((دع ذا، وعدّ عن ذا، ويأخذون فيما يريدون)) (١٠٤) .
... والرد على ذلك أن أغلب النقاد يعدون وصف الناقة والرحلة عناصر أساسية من المقدمة التقليدية.
ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور حسين عطوان الذي يقول معلقاً على ما ظنه مقدمة لقصيدة النابغة الذبياني الرائية السابقة الذكر: ((ومن الطريف أن مقدمتها التي وصف فيها الأطلال، وصاحبته، ورحلته في الصحراء، وناقته، ومنظراً من مناظر الصيد تبلغ ما يقرب من خمسين بيتاً)) (١٠٥) . وواضح أنه يدرج وصف الرحلة في الصحراء، والناقة، في صميم المقدمة التقليدية، بل يضيف إلى المقدمة لوحة أخرى هي وصف مناظر الصيد.
стр. 3318
ومنهم الدكتور يوسف خليف الذي يربط القسم الذاتي من القصيدة الجاهلية، المتمثل في المقدمة التقليدية، بحل مشكلة الفراغ في حياة الجاهليين. ويجعل حديث الشاعر الجاهلي عن الخروج إلى الصحراء للرحلة أو الصيد عنصراً أساسياً من عناصر المقدمة (١٠٦) . وهو يرى أنّ القصيدة الجاهلية تنحل إلى قسمين أساسيين:
قسم ذاتي: يتحدث فيه الشاعر عن نفسه؛ ويصور فيه عواطفه ومشاعره وانفعالاته. وهو قسم نستطيع أن نضع فيه هذه المقدمات، وما يتصل بها من وصف الرحلة والصحراء.
والقسم الآخر غيري: يتحدث فيه الشاعر عن قبيلته أو يعرض للمدح أو الاعتذار.
إلى أن يقول: ((ومن هنا نستطيع أن نتبين السر في حرص شعراء الجاهلية على هذه المقدمات، وما يتصل بها من وصف الصحراء والرحلة)) (١٠٧) .
وإلى مثل ذلك يذهب الدكتور وليد قصاب إذ يقول: ((فالمعروف أن القصيدة القديمة ... كانت تقوم على تعدد الأغراض. فالشاعر يفتتحها بالوقوف على الأطلال، والحديث عنها ووصفها، ثم يعرض بعضاً من مناحي فتوته كالغزل ووصف الخمر. وقد يصف لنا رحلته في الصحراء ليعرض من خلال ذلك للحديث عن ناقته والفلاة الواسعة التي قطعها؛ ثم يمضي إلى الغرض الأصيل من القصيدة، فيمدح أو يفتخر أو يعاتب)) (١٠٨) .
ويؤكد ذلك الدكتور محمد عبد العزيز الكفراوي وهو يعلل حرص الشعراء الجاهليين على تضمين مقدمات قصائدهم وصف الناقة والصحراء فيقول: ((فهم يستعيدون بذكر الناقة والصحراء عصر المخاطرة والفتوة والشباب الذي تركوه وراء ظهورهم، وهو لذلك جزء مكمل لما بدأه الشاعر من الحديث عن عواطفه وذكرياته أثناء الحديث عن المرأة)) (١٠٩) .
стр. 3319
ولابن رشيق القيرواني كلام حاسم في هذه المسألة ساقه في باب المبدأ والخروج والنهاية، فقال: ((والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفارز، وما أنضى من الركائب، وما تجشم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود، ليوجب عليه حق القصد، وذِمَامَ القاصد، ويستحق منه المكافأة)) (١١٠) .
وهذا غيض من فيض من آراء النقاد الذين نظروا إلى وصف الناقة والرحلة في الصحراء على أنه جزء لا يتجزأ من المقدمة.
ثم أن النظرة الشاملة للقصيدة تبدد أي شك في أن المقدمة لم تنته بنهاية اللوحة الثالثة؛ ذلك لأن الغرض الرئيس للقصيدة هو الفخر الذي يبدأ بعد نهاية لوحة الناقة، بقوله:
قَوْمِي بَنُو النَّجَّارِ إنْ أَقْبَلَتْ
شَهْبَاءُ تَرْمِي أَهْلَهَا بِالْقَتَام
وليس قوله (دع ذا) في أول اللوحة الرابعة دليلاً على أنه قد وصل إلى غرضه؛ وإنما هو إشارة إلى أنه انتهى من لوحة ليشرع في لوحة أخرى من لوحات مقدمته. ومعنى ذلك أن حساناً قد خرج في مقدمته هذه على العرف الشعري الجاهلي، وتمرد على تقليد من تقاليد المقدمة.
... ويذهب الدكتور حسين عطوان إلى أنّ للمقدمة الطللية ثلاثة أشكال لاتتعدّاها إلى غيرها، هي: صورة الطلل بمفردها، وصورة الطلل مع صاحبته، وصورة الطلل والظعن (١١١) .
... ولكن يتبين في ضوء دراسة مقدمات حسان الجاهلية أن تقسيم الدكتور عطوان السابق يحتاج إلى مراجعة، إذ يبدو جلياً أن صور المقدمة الطللية تتجاوز الأشكال التي حددها الدكتور عطوان إلى أشكال أخرى، مثل: المقدمة الطللية الظعنية الغزلية (الصورة الخامسة) ، وهي التي تضم لوحة الطلل، ولوحة الغزل، ولوحة الظعن. كما يجد القارئ في قصيدة حسان الميمية التي مطلعها (١١٢) :
أَلَمْ تَسْألِ الرَّبْعَ الجَديدَ التَّكَلُّمَا
بِمَدْفَعِ أَشْدَاخٍ فَبُرْقَةَ أَظْلَمَا
стр. 3320
والمقدمة الطللية الغزلية الوصفية (الصورة السادسة) التي تتألف من: لوحة الطلل، واللوحة الغزلية، واللوحة الوصفية الخمرية، ولوحة الناقة، كما هو الحال في مقدمة القصيدة التي نحن بصددها.
الصورة السابعة: مقدمة الطيف والرحلة
... مقدمة الطيف من المقدمات الثانوية التي لم يكثر منها الشعراء في العصر الجاهلي، فهي قليلة الورود، محدودة المعاني، لم يتوسع الشعراء فيها ((بل كرّروا نفس المعاني والجزئيات في إيجاز شديد)) (١١٣) .
... وفيها يتحدث الشاعر ((عن طيف الحبيبة الذي يخترق أستار الظلام، ويسري في ظلمات الليل، ليزور الشاعر في أحلامه، فيؤرقه ويعيده إلى ذكريات ماضية، ويثير في نفسه مشاعر الشوق والحنين الكامنة في أعماقه، ويجسم إحساسه بالبعد والحرمان)) (١١٤) .
... وقد يضيف بعض الشعراء إلى ذلك تعجبهم من اهتداء الطيف إليهم، وقطعه المفاوز حتى ألم بهم (١١٥) .
... يقول الشريف الرضي (ت سنة ٤٣٦هـ) : ((وتعجب الشعراء كثيراً من زيارة الطيف على بعد الدار، وشط المزار، ووعورة الطريق، واشتباه السبل، واهتدائه إلى المضاجع من غير هاد يرشده، وعاضد يعضده، وكيف قطع بعيداً المسافة بلا حافر ولا خف في أقرب مدّة، وأسرع زمان)) (١١٦) .
... وقد ذكر الدكتور يوسف خليف أن من أصحاب مقدمات الطيف في العصر الجاهلي بشامة بن الغدير، وتأبط شراً، وعمرو بن الأهتم (١١٧) . وأضاف الدكتور عطوان إليهم المخبل السعدي، وخفاف بن ندبة (١١٨) . ولم يذكر أي منهما حسان في هذا المجال.
... وتسهم في تشكيل هذه الصورة من مقدمات حسان الجاهلية لوحتان: لوحة الطيف، ولوحة الرحلة. وبهذه الصورة افتتح حسان قصيدته الرائية التي مطلعها (١١٩) :
حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الخِدْرِ
أَسَرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي
стр. 3321
وهو يستهلها بلوحة الطيف، حيث يوجه تحيته إلى صاحبته (النضيرة) ربة الخدر، التي زاره طيفها ليلاً، وهو نائم؛ على الرغم من صدّها وهجرها في اليقظة، ثم يبدي استغرابه من اهتداء ذلك الطيف إليه، على الرغم من بعد الشقة، ونأي المسافات، وتوغل الشاعر وصحبه في البيداء، ونزولهم في مكان مقفر موحش. قال حسان بعد المطلع:
فَوَقَفْتُ بِالبَيْدَاءِ أَسْأَلُهَا
أَنّى اهتَدَيْتِ لِمَنْزلِ السَّفْر
ثم ينقلنا إلى اللوحة الثانية، لوحة الرحلة، وفيها يصف رحلته في الصحراء وهي رحلة شاقة، طال فيها السفر، واشتد الحر، وأدرك المطايا الإعياء فكف السَّفْر عن زجرها، وأرخوا أعنتها، إشفاقاً عليها، لما لمسوه فيها من الإنهاك والإرهاق، بعد أن انبرى لحمها، واستبان لهم ضمورها.
... لقد ظل الشاعر وصحبه في تلك الرحلة يصرون على مواصلة السير، حتى في وقت القيلولة، حين تتوسط الشمس في كبد السماء، على الرغم من ثقل ذلك على نفوسهم، وشدّة إحساسهم بطول النهار؛ على إبل نجيبة، ضامرة سريعة، موائل الرؤوس من جذب الأزمة، تتدفق نشاطاً وحيوية، وتعطي أقصى ما تستطيع من قدرة عن طواعية، دون حاجة إلى زجر أو حث، لا يعيقها عن السير في لفح الهواجر عائق، فتراها تزفر في بُرى النحاس المعلقة في مناخرها. وإذا ما أناخت للراحة في منزلة من منازل الطريق، تراها كالقطا الجثم التي اختلط سوادها بصفرة. وما تلبث أن تنهض مستأنفة سيرها، تحت وقد الظهيرة، في الوقت الذي يرتفع الحرباء على عوده، ويهم بالحركة، ويتعالى صرير الجنادب، يقول حسان:
وَالعِيسُ قَدْ رُفِضَتْ أَزِمَّتُها
مَمَّا يَرَوْنَ بِهَا مِنَ الفَتْرِ
وَعَلَتْ مَسَاوِيها مَحَاسِنَهَا
مِمَّا أَلَحَّ بِهَا مِنَ الضُّمْرِ
حتّى إِذَا رَكَدَ النَّهارُ لَنَا
نَغْتَالُهُ بِنَجَائبٍ صُعْرِ
عُوجٍ نَوَاجٍ يَعْتَلِينَ بِنَا
يُعْفَين دًونَ النَّصِّ والزَّجْرِ
стр. 3322
مُسْتَقْبِلاتٍ كُلَّ هَاجِرَةٍ
يَنْفُخْنَ فِي حَلَقٍ مِنَ الصُّفْرِ
وَمُنَاخُهَا في كلِّ مَنْزِلَةٍ
كَمَبِيتِ جُونيِّ القَطَا الكُدْرِ
وَسَمَا عَلى عُودٍ فَعَارَضَنَا
حِرْبَاؤُهَا أَوْ هَمَّ بِالخَطْرِ
وَتَكَلُّفِي اليَوْمَ الطَّويلَ وَقَدْ
صَرَّتْ جَنَادِبُهُ مِنَ الظُّهْرِ
... ومن الواضح أن حساناً قد ضمن لوحة الطيف في هذه المقدمة معظم العناصر التقليدية التي ذكرها الشريف الرضي، والدكتور خليف والدكتور عطوان لتلك اللوحة، ولكن على نحو من الإيجاز والتكثيف.
... وبقدر ما أوجز في لوحة الطيف أسهب في لوحة الرحلة، فأفاض في وصف طولها، وما لحق المطايا من أين وكلال؛ وأفاض في وصف ظواهر الطبيعة القاسية ليصل بالرحلة إلى أقصى غاية من الصعوبة، وليضاعف شحنة الاستغراب من قدرة الطيف على قطع المسافات التي قطعها الشاعر وصحبه، وهو الضعيف الذي ليس في قدرته ذلك.
الصورة الثامنة: مقدمة وصف الليل والظُّعن
... تتضافر على تكوين هذه الصورة من صور مقدمات حسان الجاهلية لوحتان، هما: لوحة وصف الليل، ولوحة الظعن.
... ومقدمة وصف الليل من المقدمات القليلة ((التي لم يحرص الشعراء على افتتاح قصائدهم بها كثيراً)) (١٢٠) .
... وقد افتتح حسان بهذه الصورة قصيدته البائية التي مطلعها (١٢١) :
تَطَاولَ بالخَمَّانِ لَيْلِي فَلَمْ تَكَدْ
تَهُمُّ هَوَادِي نَجْمِهِ أَنْ تَصَوَّبَا
стр. 3323
فاستهلها بلوحة وصف الليل، وفيها يشكو من هم ثقيل يلقي عليه بجرانه، ويجثم على صدره، فيجعله يحس بأن الليل بالخمان أطول مما عهده بكثير، فيحاول أن يقطعه بمراقبة النجوم، والتلهي بعدها، ومتابعة حركتها، حتى لكأنه موكل بها؛ أو كأنما قطع على نفسه عهداً بألا يخلد إلى النوم حتى يتأكد من غياب آخر نجم منها. وقد أبت تلك النجوم الحركة، حتى إن أوائلها لا تغيب أبداً، فضلاً عن أواخرها. وها هو ذا يراقب حركتها البطيئة، وقد جفا النوم عينيه، ويتابعها نجما نجما، فيهيأ له أنها إبل مُعيِيَة يظلع بعضها في إثر بعض.
... ولا يلبث الشاعر أن يكشف عن سبب ذلك الهم الثقيل الذي يحول بينه وبين النوم، فإذا به الخوف من فراق صاحبته المفاجئ، أو مباغتة قومها له بالرحيل، يقول حسان بعد المطلع: ...
أَبيتُ أُرَاعيَها كَأَنّي مُوَكَّلٌ
بِهَا ما أُرِيدُ النَّوْمَ حتَّى تَغَيَّبَا
إِذَا غَارَ مِنْهَا كَوْكَبْ بَعْدَ كَوْكَبٍ
تُرَاقِبُ عَيْنِي آخِرَ الَّليْلِ كَوْكَبَا
غَوَائِرَ تَتْرَى من نُجُومٍ تَخَالُهَا
مَعَ الْصُّبْحِ تَتْلُوهَا زَوَاحِفَ لُغَّبَا
أَخَافُ فَجَاءَاتِ الفِراقِ ببَغْتَةٍ
وَصَرْفَ النَّوَى من أنْ تُشِتَّ وَتَشْعَبَا
وهموم حسان الثقيلة، وليله الطويل الذي لا تتحرك نجومه نحو المغيب، تذكرنا بهموم النابغة، وليله، ونجومه. في بعض مقدماته التي وصف فيها الليل.
стр. 3324
.. وتسلمنا لوحة وصف الليل وتداعياتها في مقدمة حسان السابقة إلى لوحة الظعن. وقد رأيناه يختم الأولى بإبداء مخاوفه من فجاءَات الفراق، وصروف النوى. فإذا به يستهل الثانية بتأكيد أن مخاوفه قد تحققت، فقد أخذ رجال الحي في تقويض الخيام، وزمّ الأمتعة، استعداداً للرحيل؛ وتعالت أصواتهم تنبئ عن وشك الفراق، وارتفع الصوت المشؤوم، صوت الغراب ينعب من على غصن شجرة بانٍ قريبة، منذراً باغتراب الأحبة وبَيْنِهِم، فأيقن الشاعر بحتمية وقوع ما كان يحذره، وعزّز ذلك في نفسه مرور الطير عن يساره، مما ضاعف تشاؤمه.
... ويكمل حسان هذه اللوحة المؤثرة بوصف أثر الفراق في نفسه، فيبين أنّ مشهد تقويض الخيام أصابه بالذهول، وجعله في حيرة تركت رأسه أشيب، ودب في نفسه صراع بين العاطفة والعقل، فقلبه يهيب به أن يمتطي ناقته، ويخف في أثرهم، وعقله يأمره بتوخي الاتزان.
... ولا يغفل الشاعر عنصر الزمن في هذه اللوحة، فيحدده بوقت الأصيل، عندما أخذت الشمس تجنح نحو المغيب، يقول حسان:
وَأَيْقَنْتُ لَمَّا قَوَّضَ الحَيُّ خَيْمَهُمْ
بِرَوْعَاتِ بَيْنٍ تَتْرُكُ الرّأْسَ أَشْيَبَا
وأِسْمَعَكَ الدَّاعِي الفَصِيحُ بِفُرْقَةٍ
وَقَدْ جَنَحَتْ شَمْسُ النَّهارِ لتَغْرُبَا
وَبيَّنَ في صَوْتِ الغُرابِ اغْتَرابُهُمْ
عَشِيَّةَ أوْفَى غُصْنَ بانٍ فَطَرَّبَا
وفي الطَّيْرِ بالعَلْيَاءِ إِذْ عَرَضَتْ لنَا
وَمَا الطَّيْرُ إِلاَّ أَنْ تَمُرَّ وَتَنْعَبَا
غَداةَ انْبَرى قَلْبي يُنَازِعُهُ الهَوَى
أنازِعُ نفْسي أنْ أقُومَ فَأرْكَبَا
стр. 3325
.. ومن الواضح أنّ الشاعر قد أغفل كثيراً من تقاليد مقدمة الظعن وعناصرها التي تواضع عليها من سبقوه من شعراء الجاهلية؛ فلم يصف الإبل، وما حملت من هوادج، وثياب، ولم يتحدث عن ألوانها وشياتها، كما لم يتطرق إلى الحادي والدليل، وحرّاس القافلة الأشداء، ولم يلمّ بالطريق الذي ستسلكه الظعن، وما يحفّ به من مخاطر، وما يتناثر على جانبيه من عيون مهجورة أو صالحة، كما لم يكشف عن أسباب الرحيل، ولا عن الغاية التي ستنتهي إليها الرحلة.
... وإذا كان حسان قد عدل عن كل هذه العناصر التي تُعَدُّ من مقومات مقدمة الظعن، فإنه قد أضاف عنصراً جديداً مهماً إلى تلك المقدمة، هو صورة الغراب، الذي يمثل في الوجدان العربي رمز التشاؤم، والفراق، والبين، كما أفاد من أسطورة (١٢٢) السانح والبارح التي كان يؤمن بها كثير من الجاهليين. وفي الوقت نفسه أسس للربط القوي بين لفظ (الغراب) ومعنى الاغتراب أو الغربة، وبين لفظ (البان) ومعنى البين، هذا التأسيس الذي أكثر الشعراء العرب بعده من استلهامه والنسج على منواله.
... وبهذا يكون حسان قد تطوَّر بمقدمة الظعن تطوراً ذا شأن عندما وظف بعض العناصر الأسطورية، واستعان بها في رسم جو التشاؤم والخوف محققاً بذلك تميزاً عن سابقيه، وممهداً للتوسع في ذلك عند من جاء بعده من الأمويين وسواهم، ولا سيما جرير الذي ردد هذا العنصر كثيراً في مقدمات الظعن التي استهل بها بعض قصائده.
стр. 3326
.. وقد عرض الدكتور حسين عطوان لمقدمة الظعن في العصر الجاهلي عند نفر من الشعراء المرموقين، مثل: المرقش، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، وبشر بن أبي خازم، وزهير، والممزق؛ وانتهى إلى تحديد أهم عناصرها، وأبرز مقوماتها وتقاليدها (١٢٣) . وإن لم يتعرض لأحد عناصرها المهمة، وهو غراب البين، والتشاؤم به، وتوقع الفراق، ورحيل الأحبة عند نعيبه؛ لأن العرب إنما سمّوه ((غراب البين)) ((لأنه إذا بان أهل الدار وقع في مواضع بيوتهم، يلتمس ويتقمقم، يتشاءَمون به ويتطيرون منه)) (١٢٤) كما يقول الجاحظ.
وعندما عاد الدكتور عطوان إلى الحديث عن المقدمة نفسها عند الشعراء الأمويين، وقف وقفة طويلة عند هذا العنصر ((غراب البين)) في مقدمات الظعن عند جرير الذي اتخذ الغراب رمزاً لكثير من مقومات تلك المقدمة وتقاليدها (١٢٥) . وشغل به ((لما يثيره في النفوس من الخواطر، وما يبعثه فيها من المعاني التي تتلاءَم مع مواقف التحمل ومشاهد الارتحال، فأخذ يذيعه في مقدماته، ويلح عليه مستعيضاً به عن كثير من أوصافها وتقاليدها)) (١٢٦) .
... وعندما وازن الدكتور عطوان بين الفرزدق وجرير والأخطل، فيما يتعلق بافتتاح قصائدهم بمقدمة الظعن، جعل أبرز ما يتميز به جرير في ذلك المجال ((استغلال المعاني الأسطورية التي تتصل بالغراب، والتي كانت شائعة بين العرب)) (١٢٧) .
... وحديث الدكتور عطوان في هذا الموضوع بمجمله يدل على أن مقدمات الظعن قبل العصر الأموي لم تتطرق إلى ذلك العنصر (غراب البين) ، وإن لم ينص على ذلك صراحة. والحقيقة أن دراسة مقدمات حسان الجاهلية تكشف عن أنه سبق جريراً إلى استغلال هذا العنصر الأسطوري، وتضمينه مقدماته الظعنية، كما تشهد لوحته السابقة.
стр. 3327
.. ولعلّ فيما يتصل بما نحن بصدده من تجديد حسان في مقدمة الظعن ما ذهب إليه الدكتور عطوان أيضاً من أن مقدمة الظعن قد ((تحولت إلى اتجاه فرعي عند الشعراء المخضرمين)) (١٢٨) . بعد أن كانت من الأشكال الأساسية للمقدمات في الجاهلية
... فقد تبين من خلال دراسة مقدمات حسان الجاهلية أن لوحة وصف الظعن تحتل المركز الثالث بين اللوحات التي شكلت مقدماته، حيث تشكل ١٤.٢٨% ولها ثلاث لوحات. ولا يتقدمها سوى اللوحة الغزلية، وتحتل المركز الأول وتشكل ٣٣.٣٣% ولها سبع لوحات، واللوحة الطللية، التي تحتل المركز الثاني وتشكل ٢٨.٥٧% ولها ست لوحات، وتسبق هي لوحة الرحلة والراحلة التي تشكل ٩.٥٢% وتحتل المركز الرابع ولها لوحتان، ولوحة الطيف، والخمر، ووصف الليل، وتحتل كل منها المركز الخامس وتشكل ٤.٧٦% ولكل منها لوحة واحدة.
... والجدول الآتي يوضح ذلك:
ترتيبها
نسبتها
عدد مرات ورودها
نوع اللوحة
المركز الأول
٣٣.٣٣%
٧
الغزلية
المركز الثاني
٢٨.٥٧%
٦
الطللية
المركز الثالث
١٤.٢٨%
٣
الظعنية
المركز الرابع
٩.٥٢%
٢
الرحلة والراحلة
المركز الخامس
٤.٧٦%
١
الخمرية
المركز الخامس مكرر
٤.٧٦%
١
الطيف
المركز الخامس مكرر
٤.٧٦%
١
وصف الليل
٩٩.٩٨%
٢١
المجموع
... وقد يؤكد ذلك أنّ مقدمة الظعن لم تتحول إلى اتجاه فرعي عند حسان، فلم يتقدمها سوى لوحتي الغزل والطلل، في حين تقدمت هي لوحات الرحلة والراحلة، والخمر، والطيف، ووصف الليل. هذا فضلاً عن أنها تشكل ١٤.٢٨% من مجموع لوحات المقدمات في قصائد حسان الجاهلية.
... وفي ضوء هذا التحليل تظهر ضرورة إعادة النظر في حكم الدكتور عطوان السابق.
المحور الثالث: مظاهر التطور في مقدماته الجاهلية
стр. 3328
.. يتبين من العرض السابق أن حساناً قد تناول في مقدماته الجاهلية معظم الاتجاهات التقليدية للمقدمات، ما كان منها عاماً، أو فرعياً أو ثانوياً. ولكن من الملاحظ أنه لم يستهل أيّاً من قصائده ببكاء الشباب، أو الفروسية أو الشكوى أو الحكمة.
... كما يلاحظ أن اللوحات الغزلية في مقدماته، تفوق اللوحات الطللية عدداً، وهو في ذلك يخالف الرأي السائد الذي يذهب إلى أن المقدمة الطللية ((أكثر المقدمات انتشاراً في صدور قصائد الشعراء الجاهليين)) (١٢٩) .
... والمتأمل في المقومات والعناصر التي اشتملت عليها مقدمات حسان الجاهلية يتبين أنه قد تخلى عن بعض العناصر التقليدية تخلياً تاماً. كما يتبين أن مقدماته تتكون من: عناصر ثابتة، وعناصر متغيرة، وعناصر جديدة.
... فثمة عناصر ومقومات أبقى حسان عليها، والتزم بها في جميع مقدماته، وحافظ عليها، وحذا فيها حذو سابقيه.
وثمة عناصر لم يلتزم بها التزاماً تاماً، ولم يتخلَّ عنها تخلياً كلياً، ولكن ظهرت في بعض مقدماته، واختفت في بعضها الآخر.
... وثمة عناصر جديدة، وهي ضربان: ضرب انحرف به حسان عن مساره السابق، وضرب من ابتكار حسان وسبقه، وسألقي الضوء على كلّ من هذه الاتجاهات في مقدمات حسان الجاهلية مركّزاً على لوحاته الغزلية والطللية والظعنية، وهي اللوحات الرئيسة في مقدماته الجاهلية.
أولاً العناصر التي تخلى عنها:
... يلاحظ الدارس أن لوحات حسان الجاهلية تخلو من بعض العناصر والتقاليد التي تعد من المقومات الرئيسة للمقدمات الطللية والغزلية والظعنية، وفي ذلك دليل على رغبة حسان في التخلص من بعض قيودها الموروثة.
... فلوحاته الطللية تخلو من استيقاف الصحب، ومن ظهور الرفيقين معه على المسرح الطللي، يخاطبهما ويطلب إليهما إسعاده بالبكاء. كما تخلو من وصف ما حل بالأطلال من حيوانات برية كالظباء، والنعام، وبقر الوحش وحمره وأتنه.
стр. 3329
.. وهو لا يذكر ما ذرته الرياح على الطلل من رمال كما استقر في العرف الجاهلي، وبالتالي تخلو لوحاته الطللية من تشبيه الرمال التي تسفيها الرياح بالدقيق المتناثر أو خلافه، وهو تشبيه لا يكاد يغيب عن لوحة الطلل في المقدمات الجاهلية التقليدية. وفي اللوحة الوحيدة التي ذكر فيها الرياح لم يعرض للرمال التي تسفيها وإنما عرض لأوراق الشجر اليابسة التي تعصف بها،
فقال (١٣٠) :
تَعِلُّ رِيَاحُ الصَّيْفِ بَالي هَشِيمِهِ ... عَلَى مَاثِلٍ كَالحَوْضِ عَافٍ مُثّلَّمِ
ويكاد حسان أن يتخلى عن عنصر مهم آخر، بل مقوم رئيس من مقومات المقدمة الطللية، وهو البكاء على الطلل، فلم يقف حسان بالطلل باكياً إلا في لوحة واحدة، وبكاؤه لم يكن على أحبته الظاعنين، بل على أمجاد الغساسنة وعزِّهم.
... وكان الدكتور يوسف خليف قد لاحظ اختفاء عنصر البكاء على الأطلال في مقدمات زهير ومدرسته، وأن زهيراً ((يقف بالأطلال هادئاً رزيناً، يرى الحب وفاءً صامتاً، وأحزاناً تطويها الأعماق، لا دموعاً تفيض من العينين حتى تبلّ محامل السيف)) (١٣١) . كما هو شأن امرئ القيس.
... ومعنى ذلك أن حساناً قد سار على نهج زهير ومدرسته لافي التخلي عن البكاء فحسب، بل في اختفاء الرفيقين عن مسرح الطلل. بل تجاوز زهيراً ومدرسته فتخلى عن استيقاف الصحب، ووصف ما حل بالأطلال من حيوانات الصحراء، وعن ذكر ما ذرته الرياح على الطلل من رمال.
стр. 3330
.. وتخلو لوحاته الغزلية من وصف مشاهد الوداع والرحيل، وما تثيره في نفس الشاعر من حزن ولوعة، وحنين وأسى، كما تخلو مما نجده عند سابقيه من حرص على تبيان محاسن صواحبهم، وتتبعها غير تاركين شيئاً منها. فحسان كما يبدو في لوحاته الغزلية ليس من شعراء الغزل الذين يشفُّهم الهوى، فيذوبون شوقاً ولوعة. وربما يؤيد سائر شعره ما نذهب إليه، فهو يكثر من الفخر بقومه وبنفسه أمام المرأة، بل يصرح بأنه لن يخاطر أو يغامر في سبيل زيارتها إذا ما نأت دارها، وشط مزارها، ويعلن أنه سيكتفي بنظم الشعر وإهدائه لها، وينتظر لقاءَها في الموسم القادم. انظر إلى قوله: (١٣٢)
سَأُهْدِي إِلَيْها كُلَّ عَامٍ قَصِيدَةً
وَأَقْعد مَكْفِيَّاً بِيَثْرِبَ مُكْرَمَا
ثانياً العناصر الثابتة:
... وهي العناصر التي تشبث بها حسان، فظهرت في جميع لوحاته، وهي قليلة إذا ما قيست بالعناصر المتغيرة. وقد يحمل هذا إشارة أخرى لنزوع حسان إلى التحرر من المقومات الموروثة للمقدمة التقليدية. والعناصر الثابتة في لوحات حسان الطللية ثلاثة، هي: مساءَلة الطلل عن أهله الراحلين، واسترجاع ذكرياته به، ووصف ما يحف به من وحشة وإقفار.
... وأما لوحاته الغزلية، فهو لم يتمسك فيها إلا بعنصر ثابت واحد، وهو الحديث عن عواطفه، وما يحس به من وجد، وسهد، وحنين تجاه صاحبته. وتمسكه بهذا العنصر ليس تاماً. فهو في لوحته الغزلية التي تضمنتها مقدمة قصيدته النونية، التي مطلعها: (١٣٣) .
لِمَنِ الدَّارُ أَوْحَشَتْ بِمَعَانِ
بَيْنَ أَعْلَى اليَرْموكِ فَالخَمَّانِ
لم يكشف عن شيء من عواطفه.
... وليس في لوحاته الظعْنيَّة أيّ عنصر ثابت. وأما لوحته الخمرية فيحتفظ فيها بصورة الساقي الرشيق، فحسب. وأما في لوحة الطيف فيتمسك بقدر أكبر من العناصر الموروثة، مثل: التعجب من اهتداء الطيف إليه، وقطع المفاوز المهلكة، وزيارته في صحراء نائية.
следующие страницы →