Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
إن لجؤ الشاعر إلى هذه السمة اللغوية أو إلى هذا الأسلوب يجعلنا نتساءل عن سبب ذلك الاختبار الأسلوبي، ولكن إذا أنعمنا النظر في القصائد التي وقعت ضمن دائرة تكرار البداية سواء أكانت بأسلوب النداء أو الاستفهام أو غير ذلك وجدنا الشاعر يجسّد عبر هذه الشرائح حالاته النفسية ومشاعره الخاصة وهمومه وآلامه التي يعانيها فهي تتوزع ضمن محور الغربة والاغتراب الفكري والروحي التي تمثلت في قصيدته التي أشرنا إليها سابقاً (يا شعر) أو ضمن آلامه الخاصة وأوجاعه الذاتية سواء أكانت جسدية أو نفسية، وتتمثل في بعض قصائده التي بدأت بأسلوب نداء أو استفهام أما المحور الثالث فهو الصدمة الاجتماعية التي واجهته في أبناء شعبه لما فيهم من جهل وتخلف وفساد فيجعل من نفسه مصلحاً مثالياً في تأسيس مجتمع تسوده المحبة والأمان والعدل والمساواة. لذلك نراه مثلاً عندما يود الحديث عن معاناته الذاتية جسدية أو غير جسدية يجسّد ذلك عبر أسلوب النداء والاستفهام ليعلن الرفض والخضوع والاستسلام لهذا الداء أو الوجع، فهو دائم البحث عن مخرج من هذا المأزق يقول:
يا قلب كم فيك من دنيا محجبة
يا قلب كم فيك من كون قد اتقدت
يا قلب كم فيك من أفق تنمقه
يا قلب كم فيك من قبر قد انطفأت
يا قلب كم فيك من غاب ومن جبل
يا قلب كم فيك من كهف قد انبجست
كأنها حين يبدو فجرها إرم
فيه الشموس وعاشت فوقه الأمم
كواكب تتجلى ثم تنعدم
فيه الحياة وضجت تحته الرحم
تدوي به الريح أو تسمو به القمم
منه الجداول تجري ما لها لجم (١)
стр. 3467
فكرر (يا قلب كم فيك) في بداية كل سطر شعري وألح على هذا النمط الأسلوبي بشكل رأسي متعاقب ليؤكد على أهمية القلب الذي يشكل مصدراً لوجعه وآلامه، فهو مصدر حياة الإنسان وسر شقائه وسعادته ومستودع الأسرار أو كما يقول عنه الشاعر كون مدهش عجيب، ويجعل كل بداية مرتبطة بصورة من الطبيعة لتسري عنه الهموم فهي مصدر حلمه وأنيسه الذي يشعر معه، ويجعلها على نقيض وصراع مع الحياة التي يفرَّ منها فحرمته ملذاتها وزينتها وجعلته غريباً يشقى بغربته ففر منها إلى عالمه الخاص وهاجمها عبر شريحة أسلوب النداء كما هاجم أناسها الذين لم يفهموه ولم يشاركوه حزنه يقول:
يا صميم الحياة كم أنا في الدنيا
بين قوم لا يفهمون أناشيد فؤادي
في وجود مكبل بقيود
غريب أشقى بغربة نفسي
ولا معاني بؤسي
تائه في ظلام شك ونحس (١)
فجعل من تكرار (يا صميم الحياة) نقطة مركزية يعود إليها كل حين ليبدأ موقفاً جديداً يعكس بعضاً من ملامحه النفسية ورؤيته التي يسعى جاهداً للتأكيد عليها. كما استطاع أن يحدث نغمة موسيقية عبر أسلوب النداء الذي يعبر عن صرخات الشاعر وآهاته وعذاباته.
أما تكرار البداية الذي وقع في أسلوب الاستفهام فلا يكاد يختلف أو يخرج من حيث الدلالة عما لاحظناه في تكرار النداء، إلا إن اختلاف الصيغ والسمات اللغوية قد يكشف عن أوجاع أخرى لدى الشاعر سواء أكانت ذاتية أم فكرية أم اجتماعية، وإن كان الشابي في معظم صور التكرار يحاول أن يؤكد على رومانسيته في هروبه من الواقع وذم الحياة والهروب من المدينة واللجؤ إلى الطبيعة أو لنقل عشق الطبيعة. وما أسلوب الاستفهام إلا حلقة متصلة من حلقات التصوير النفسي والحيرة والقلق الذي يسكن نفس الشاعر أو أنه يسعى من خلال هذا الأسلوب إلى أن يكون له تميز خاص واستقلالية ذاتية في بحثه عن المفقود وحضور فاعل في الوجود عبر ثنائية الحضور والغياب يقول:
ما للحياة نقية حولي
ما للصباح يعود للدنيا
стр. 3468
ما لي يضيق بي الوجود
ما لي وجمت وكل
ما لي شقيت وكل
وينبوعي مشوب؟
وصبحي لا يؤوب
وكل ما حولي رحيب
ما في الغاب مغترد طروب
ما في الكون آخاذ عجيب (١)
فشكل من هذا التكرار رابطاً بحرف الاستفهام (ما) لتكون نسقاً بنائياً قوياً مؤثراً، وبذلك يمنح التكرار قوة فاعلة في إيجاد وحدة شعورية متلاحقة كما أنه يعكس رؤية الشاعر وهدفه الذي يسعى إلى تحقيقه، وهو الخروج من هذه الحياة الصاخبة إلى حياة دافئة وما هذه التساؤلات إلا انعكاس لما يدور في ذهن الشاعر من أمور تتعلق بذاتيته وتكوينه النفسي الذي تبدو عليه ملامح التشاؤم والسوداوية من خلال أسلوب التضاد الذي يجمع بين الحاضر والغائب، فالحاضر هو الواقع السيء لحال الشاعر والمتفرد في حزنه والغائب هو الغد المنتظر والفضاء الرحب الذي يسعى إليه (وهكذا يستخدم الشابي التضاد أداة جمالية، يصور بها مواقف متعددة وصفات متعارضة ... ويكشف بها عن الأمل ويستشرف من خلالها آفاقاً جديدة وأداة للمفاضلة بينه وبين الآخرين) (٢) .
كما لجأ إلى أدوات استفهامية أخرى (ماذا، أين) لتكشف هي الأخرى عن حيرة الشاعر وقلقه على هذا الوجود أو المصير أو رغبته في البحث عن عالم آخر غير المدينة أو شعب آخر غير هذا الشعب على عادة الرومانسيين، فالمدينة رمز الشرور وبؤرة للمفاسد، والطبيعة رمز الصفاء والطهارة والعفة، يجد فيها ذاته وتسمو فيها روحه على كل القيم يقول:
ماذا أود من المدينة وهي غارقة
ماذا أود من المدينة وهي لا
ماذا أود من المدينة وهي لا
ماذا أود من المدينة وهي مرتاد
بموّار الدم المهدور
ترثى لصوت تفجع الموتور
تعنو لغير الظالم الشرير
لكل دعارة وفجور (٣)
стр. 3469
فاستخدم أسلوب تكرار البداية عبر نمط أسلوبي متلاحق (ماذا أود من المدينة وهي لا) لينفي عن المدينة صفات الخير والمحبة بشكل متواصل عميق لا يجعل للقاريء أدنى شك للتصديق فيما يسعى إليه، لأن كل صيغة من هذه الصيغ تحمل في ثناياها الرفض والتمرد على هذا الواقع، فجردها من كل الصفات الطيبة ليجعل المتلقي يعيش معه ثورته وتمرده فيشاركه هذه الروح التي تمثلت في ذات الشاعر صاحب الرسالة الذي يسعى بمفهوم شامل للإصلاح والتغيير برغبة جامحة قوية (أودَّ) وقد ألح عليها في كل بداية ليعمق من دلالتها.
ويكشف تكرار البداية عن نزعة التحسر والأسى والاشفاق الكامنة في نفس الشاعر من خلال أداة الاستفهام (أين) على أبناء عصره الذين يعانون الجهل والفساد وهم أصحاب رسالة لهم ماض مجيد وقد تحقق له ذلك بتكرار هذه الأداة في صدر الأبيات وعجزها بما يمكن أن يسمى رد العجز على الصدر ثم ربطها بصفات مفقودة عند أبناء شعبه (الطموح، الأحلام، الحساس، الخافق...) .
أين يا شعب قلبك الخافق الحساس؟
أين يا شعب روحك الشاعر الفنان؟
أين يا شعب فنك الساحر الخلاق؟
أين عزم الحياة لا شيء إلا
أين الطموح والأحلام؟
أين الخيال والإلهام؟
أين الرسوم والأنغام؟
الموت والصمت والأسى والظلام (١)
فتكشف هذه التساؤلات عن التوتر الانفعالي بشكل مكثف متعاقب، كما تكشف عن طبيعة البنية المكوّنة لهذا التساؤل، وكأن الشاعر يصور ما في ذهنه من أمور تتعلق بمصير هذا الشعب وخوفه على مستقبله لهذا جاءت البنية متعمقة في نمط رأسي وأفقي ممتد داخل القصيدة إلا في البيت الأخير جاءت رأسية لأنه أراد أن يعكس واقع الشعب الذي وصفه بالموت والصمت والأسى والظلام وكأنه يأسى من توالي النداءات والتساؤلات التي لم تلق صدى في تونس الثورة.
стр. 3470
أما تكرار البداية الذي وقع في بناء الجملة على اختلاف أنواعها، فكانت أكثر حضوراً في ذهن الشاعر، وأكثر قدرة على استيعاب ما في ذهنه وأكثره قدرة على عرض حاله ونفسيته، فجاءت بدايات الأفعال متحركة ثائرة تصور ما آلت إليه حالة من غربة روحية واغتراب فكري ونفسي بينما الجملة الاسمية تميزت بالسكون والهدوء والثبات ولهذا نراه قد أكثر من هذا النمط الأسلوبي من خلال الضمير أنت فكرره كثيراً في بداياته. ففي تكرار بداية الفعل يركز على الفعل الماضي الذي يعكس ما أصابه في حياته يقول:
شردت عن وطني السماوي الذي
شردت عن وطني الجميل أنا الشقي
في غربة روحية ملعونة
شردت للدنيا وكل تائه
ما كان يوماً واجماً مغموماً
فعشت مشطور الفؤاد متيما
أشواقها تفضي عطاشا هيما
فيها يروع راحلاً ومقيما (١)
فيجسد عبر الأفعال (شردت) معاناته التي وقعت له قهراً عنه بفعل قوى خارجية فرضت عليه فتقبلها وحاول الخروج عليها، وهذا الفعل يحمل في ثناياه الحزن والتعذيب والأسى الذي كرره بشكل متعاقب متوالٍ وكان تشريده عن وطنه وعن الدنيا بكل ما فيها، ولذلك وصفها بأنها (غربة روحية ملعونة) فخلق مع كل فعل صورة من صور العذاب والتشريد.
أما الجملة الاسمية التي شكل منها تكرارات بداية متنوعة تميزت بالسكون والانعتاق من الماضي، عبر الضمير (أنت) الذي كرره في معظم بداياته والضمير (نحن) وشكل منهما أبنية متناسقة قوية، تعكس رغبة الشاعر وحبه لهذه الأشياء وتعلقه بها مثل (شعر، القلب، الحب) تلك التي تمنحه الهدوء وتشعره بوجوده وإنسانيته لكنه عندما كان يتحدث عن (الشعر والحب) يصفهما بأنهما قطعة من فؤاده، وقصة حياته، ومعبده ومحرابه وأحلامه بينما كان يصور لحظة العذاب والألم من خلال حديثه عن القلب، فالقلب (حقل مجدب وليل معتم) ولذلك كان يكرر الضمير أنت بشكل متتابع يجعل المرء يحس بغنائية متسارعة متعمقة في الذات يقول من قصيدته (قلت للشعر) :
стр. 3471
أنت يا شعر فلذة من فؤادي
أنت يا شعر قصة عن حياتي
تتغنى وقطعة من وجودي
أنت يا شعر صورة من وجودي (١)
فيكرر هذه البداية أربع مرات متوالية يجسّد من خلالها حبه للشعر فهو الأنيس وليس له في الوجود إلا هذا الصديق الذي يستوعب زفراته وآهاته، كما جاء تجسيده عبر إيقاع العلامات المتراتب في تنوين الضم (قصة، فلذة، قطعة) . وتبدو هذه النزعة العلاماتية المتراتبة أكثر وضوحاً من خلال تكرار الضمير وإيقاع العلامات في قصيدته (إلى قلبي التائه) فجعل عنوان القصيدة هو موضوعها بإلحاح شديد على هذا الضمير مما يجعل القاريء لا يفلت من هذا الاسار القسري لسلطة النص يقول:
أنت ليل معتم تندب فيه الباكيات
أنت كهف مظلم تأوي إليه البائسات
أنت صرح شاده الحب على نهر الحياة (٢)
فكرر الضمير (أنت) عشر مرات متعاقبة وبذلك يعطيه قوة وفاعلية استمدها من الصفات المتعاقبة – أيضاً – تعاقباً مستمراً متصلاً عبر تنوين الضم المتلاحق، فجعل من الضمير ولازمته مرتكزاً يبنى عليه في كل مرة معنى جديداً وصفة جديدة، وبهذا يصبح التكرار وسيلة إلى إثراء الموقف وشحذ الشعور إلى حد الامتلاء (٣) .
ويحاول الشاعر أن يجعل من تكرار البداية بالضمير (أنت) قوة فاعلة وسلطة قوية في نفس المتلقي للتأثير عليه وجعله يعيش جو النص ليؤكد على قيمة الحب بكل أنواعه لأنه يطهر النفوس، وقد تجسد الحب في محبوبته وتقديسها والاشادة بها والخضوع لسلطانها وقد جاء ذلك عبر تكراره للضمير أنت بشكل أفقي ورأسي للتأكيد على قيمة هذا المفهوم وإعلاء شأنه يقول:
أنت أنت الحياة في قدسها السامي
أنت أنت الحياة في رقة الفجر
أنت أنت كل أوان
أنت أنت الحياة فيك وفي عينيك
وفي سحرها الشجي الفريد
وفي رونق الربيع الوليد
في رداء من الشباب جديد
آيات سحرها المحدود (٤)
стр. 3472
فعمق من هذا التكرار بالتأكيد على الضمير أنت بتكراره مرة أخرى ملازمة للأولى بنغمة موسيقية هادئة تخلو من العنف والقسوة الذي يتمثل في التنوين لذلك جاءت النغمة العلاماتية بعد الضمير هادئة تكشف عن تماسك وتلاحم أوصال الشاعر عند حديثه عن محبوبته التي نعتها بنعوت متعددة حتى جعلها كل ما في الوجود، لا سبيل إلى سعادته إلا بتواصلها معه، وقد التفت القدماء إلى ظاهرة تكرار صدور الأبيات فتحدثوا عن فائدته وجعله مختلفاً بما يقرره (١) ومنهم من علل هذا التكرار بأنه (لما كانت الحاجة إلى تكرارها ماسة والضرورة إليها داعية لعظم الخطب وشدة موقع الفجيعة. فهذا يدلك على أن الإطناب عندهم مستحن كما أن الإيجاز في مكانه مستحب" (٢) .
إن يأس الشاعر من الواقع بكل صوره جعله يعطي الضمير (أنت) روح الثورة والتمرد على الذات والغير، فيكرره في قصيدته عتاب (إلى الله) التي تكشف عن حسرته وحزنه لما آلت إليه حاله من أزمات نفسية تأثره، يعصف فيها الألم والقنوط بكل حقائق الحياة وتتزعزع معها كل قواعد الإيمان، فيصبح غريباً في هذه الدنيا وتصبح الحياة لديه صورة من اللهو والعبث يقول:
يا إله الوجود هذي جراح
أنت أنزلتني إلىظلمة الأرض
أنت أوصلتني إلى سبل الدنيا
في فؤادي تشكو إليك الدواهي
وقد كنت في صباح زاه
وهذي كثيرة الاشتباه (٣)
стр. 3473
ثم يواصل تكرار أنت بشكل رأسي معمق، يحفر بشدة ليكشف عن يأس الشاعر وقنوطه (أنت أوقفتني على لجة الحزن، أنت أنشأتني غريباً بنفسي، أنت كرهتني الحياة، أنت جبّلت بين جنبي قلباً، أنت عذبتني بدقة حسي... فكرر الضمير (أنت) بقوة حيث جعله النقطة المركزية التي تدور حولها الأبيات الأخرى وحتى يعطيه أكثر قوة وسلطة تكشف عن تحديه وتمرده فقد ربط هذا الضمير بأفعال تنبيء عن حس الشاعر الحزين وثورة انفعالاته وتمرده على الوجود (أنزلتني، أوصلتني، عذبتني، كرّهتني) فهي افعال تدور في دائرة القسرية والإلزام الذي ظهر عبر حركة التضعيف الظاهرة عليها، وكأن الضمير (أنت) حال فيها متوحد معها متكرر مرة أخرى، فيخلق بذلك تراكيب وأبنية إيقاعية ذات صدى وفعالية فتصبح الجملة ذات بعد أوسع وأقدر على استيعاب هذه الثورة وهذه النفس الثائرة فبدأت من (أنزلتني لحظة الولادة) إلى لحظة التكوين والتشكيل للذات عبر السياقات اللغوية الأخرى التي تتوحد في تراتب علاماتي وصوتي فعّال، وانطلاقاً من هذا الفهم فإن عملية الالتفات إلى الجانب النفسي في أسلوب التكرار عملية مهمة، فلو اختلف الموقف الشعري لاختلف الأسلوب "فالشاعر قد يستعمل كل حيل اللغة من البساطة الكاملة إلى البلاغة المعقدة فيذكي حرارة العاطفة من خلال الإيجاز آناً ومن خلال الإطناب آناً آخر وطوراً عن طريق التفضيلات وطوراً عن طريق التكرار (١) .
أما الضمير (نحن) الذي شكل منه تكرار بداية في قصيدته (ألحاني السكرى) يقول:
نحن نحيا كالطير في الأفق الساجي
نحن نلهو تحت الظلال كطفلين
وكالنحل فوق غصن الدهور
سعيدين في غرور الطفولة
стр. 3474
ثم يكرر هذا الضمير ثماني مرات في قوالب لغوية مختلفة (نحن نغدو بين المروج ونمشي، نحن مثل الربيع نمشي، نحن نحيا في جنة من جنات السحر، نحن في عشنا المورد نتلو...) (١) . فيكشف تكرار ضمير (نحن) عن أهمية الذات الشاعر وتفخيمها، مما جعل الشاعر يكرر هذا الضمير. فقد بدأ كل بيت بالضمير (نحن) وهذه البدايات المتساوية تبعها فعل مختلف عن الآخر (نحيا، نلهو، نغدو، نمشي...) وبذلك يعكس كل بيت جانباً من إحساس الشاعر بالذات وتميزها التي تسعى للعيش الهاديء في اللحظة الحاضرة، فجسّد هذا الإحساس بمنظومة الأفعال التي جاءت تكشف عن لحظة الزمن الراهنة من خلال حرف النون الذي يعد جزءاً من الضمير (نحن) وكأنه بذلك يجعل السامع أو القاريء واقعاً تحت سلطان التنبؤ والتوقع لما يحدث لأن الشاعر قد أورد من خلال الضمير تصوراً جديداً في إطار الجو العام الذي يتحدث عنه وهو حب الذات.
أما تكرار البداية الذي وقع في شبه الجملة فقد عكس رؤية الشاعر الذي جاء من خلال البناء الأسلوبي الذي خلق تلاحماً بين الأبيات، هذا التلاحم يعكس نفسية الشاعر ويصورها في ذهنه حيث يسعى إلى التوحد والتماهي مع الآخر، ليتخلص من الهموم والأوجاع، وملاذه في ذلك الشعر أو الموت أو الأم التي جعل منها عنواناً لبعض قصائده (قلت للشعر) و (إلى الموت) ، (قلب الأم) يقول من قصيدته قلت للشعر:
فيك ما في جوانحي من حنين
فيك ما في خواطري من بكاء
فيك ما في مشاعري من وجوم
فيك ما في عوالمي من ظلام
فيك ما في عوالمي من نجوم
فيك ما في عوالمي من ضباب
فيك ما في طفولتي من سلام
فيك ما في شيبتي من حنين
فيك – إن عانق الربيع فؤادي
أبدي إلى صميم الوجود
فيك ما في عواطفي من نشيد
لا يغنّي ومن سرور عهيد
سرمدي ومن صباح وليد
ضاحكات خلف الغمام الشرود
وسراب ويقظة وهجود
وابتسام وغبطة وسعود
وشجون وبهجة وجمود
تتثنى سنابلي وورودي (٢)
стр. 3475
فكرر (فيك ما في ...) هذا التكرار الذي عمق إحساس الشاعر بأهمية الشعر ودوره في الحياة العامة، ولهذا فقد جاء التكرار بشكل رأسي متوال ليحدث نغمة إيقاعية وموسيقية في كل بيت، ومثل هذا التكرار المتساوي في نسقه يجعل الأبيات تكون وحدة بنائية متكاملة تشكلت من تكرار البداية المتساوي المتوحد إضافة إلى إيقاعية حرف الجر (من) في كل بيت شعري وما أعقبه بتراتب علاماتي يقوم على تنوين الكسر (من بكاء، من وجوم، من ظلام ...) هذا الإيقاع التراتيبي الشديد الذي يعكس حرص الشاعر على استحضار كل ما في ذهنه من الصور والمعاني التي تساعده على التماهي أو التوحد مع الشعر، فجعل لتنوين الكسر صدى في عجز الأبيات (ومن صباح، ضاحكات، وسراب...) ليحصل على دوائر إيقاعية متكاملة قوية ظهرت واضحة في الأبيات إلا في البيت الأخير الذي بدأ بحرف الجر (فيك) ليشكل خاتمة ونهاية لإيقاعاته الموسيقية كي يبدأ من جديد في القصيدة ففيها بداية أخرى بنسق متشابه متماثل في خمسة أبيات يقول:
فيك ما في الوجود من خلل داج
فيك ما في الوجود من نغم
وما فيه من ضياء بعيد
حلو وما فيه من ضجيج شديد
فكرر البداية القوية (فيك ما في الوجود) مع حرف الجر (من) معتمداً على إيقاع علاماتي شديد (تنوين الكسر) . كما اعتمد على حرف الجر (في) على استكناه دواخله عبر إيقاع علاماتي خفيف سهل يتناسب والموضوع الشعري الذي تحدث عنه وهو (القلب) بشكل عام وقلب الأم بشكل خاص فهو رمز الحنان والعطف والتوحد، هذا هو مصدر أوجاعه وآلامه وأوجاع الأمة كلها لأن صلاح الجسم مرهون بصلاح القلب، لذلك نراه لم يدع صورة من عالم الطبيعة إلا قد وظفها في نصه الشعري وجسّد فيها الإحساس المرهف الرقيق الذي ينطوي تحت الضلوع بنغمة حزينة يقول من قصيدته قلب الأم:
في رنة المزمار في لغو الطيور الشادية
في ضجة البحر المجلجل في هدير العاصفة
في نغية الحمل الوديع وفي أناشيد الرعاة
стр. 3476
في آهة الشاكي وضوضاء الجموع الصاخبة
ويكرر حرف الجر (في) ست وعشرين مرة إلى أن يقول:
في ظلمة الليل الحزين وفي الكهوف العارية
أعرفت هذا القلب في ظلماء هاتيك اللحود
هو قلب أمك أمك السكرى بأحزان الوجود
هو ذلك القلب الذي سيعيش كالشادي الضرير
يشدو بشكوى حزنه الداجي إلى النفس الأخير (١) .
فجسّد أوجاعه وآلامه عبر قلب الأم الصادق ليدلك هو أيضاً على صدق حزنه فيحدث تأثيراً في المتلقي، هذا التأثير يمتد ويسير عبر حركة الكسر التي تظهر في معظم الكلمات منذ البداية إلى النهاية (في ظلمة... وفي الكهوف العارية..) فجعل منها إيقاعات موسيقية متناسقة ذات نغمة حزينة تنسحب داخل الأبيات بشكل متعاقب ومتلاحق ومكثف ليعبر عن تصميمه وتأكيده على استنفاد كل طاقاته كي يكون فاعلاً وحاضراً في كل الميادين حتى النفس الأخير من حياته فيقدم ويعطي من خلال حرف الجر (في) الذي يشير إلى التضحية والعطاء تجاه خصوصية معينة فتتماهى عندئذ ذاته مع الآخر وتشكل منهما قوة خلاقة ذات طاقة مميزة، كقوة القلب المتدفق كما جعل من هذا الحرف بؤرة مركزية تنطلق منها الأبيات وبذلك فإن ما يثيره التكرار من احساس في نفس السامع هو تجسيد لقيمته ووظيفته.
ومن أمثلة تكرار البداية تكرار (إلى) بشكل متعاقب ورأسي متوال يخلق وحدة بنائية تعكس تصور الشاعر للوجود الذي يسعى للخلاص منه بطلب الموت بإلحاح شديد، لذلك يصور الموت بصور جميلة (روح جميل) كما يجعل منه بداية ثابتة قوية يتردد صداها في كل سطر شعري واحد، بل قد جعل الموت عنواناً للقصيدة يقول:
إلى الموت أن شئت هون الحياة
إلى الموت يابن الحياة التعيس
إلى الموت إن عذبتك الدهور
إلى الموت فالموت روح جميل
إلى الموت فالموت جام روي
إلى الموت فالموت مهد وثير
إلى الموت إن حاصرتك الخطوب
إلى الموت لا تخش أعماقه
هو الموت طيف الخلود الجميل
فخلف ظلام الردى ما تريد
ففي الموت صوت الحياة الرخيم
стр. 3477
ففي الموت قلب الدهور الرحيم
يرفرف فوق تلك الغيوم
لمن أظمأته سموم الغلاة
تنام بأحضانه الكائنات
وسدت عليك سبيل السلام
ففيها ضياء السماء الوديع
ونصف الحياة الذي لا ينوح (١)
فجسّد عذاباته وسآمته من الحية عبر علاقات لغوية ممتدة تبدأ بحرف الجر (إلى) الذي يفيد الانتهاء الزماني والمكاني، فليس هناك بديل ناجح يخلصه من عبث الحياة إلا الموت. ولذلك يحبب الموت إلى نفسه كما يحببه إلى المتلقي عبر علاقات لغوية، فالموت روح جميل، والموت مع الجام الروي والموت مع المهد الوثير، فجعل من الموت طرفاً وقوة فاعلة ثابتة ولكنه غير في دلالته كي يتمكن من إقناع السامعين بهذه الفكرة وتنبيههم إلى هذا المفهوم، مع ملاحظة أن التكرار في هذا النص يظهر فيه شيء من النمطية في تكراره لكلمة الموت، وإن كان ذلك يعلل بأن انشغال الشابي بالموت وقلقه الوجودي هو الذي أوحي إليه ذلك، فهو يرى أن الحياة ليست سوى ألوان من العذاب خاتمته الموت، لذلك نلاحظ أن تكرار البداية لم يكن متعاقباً، بل كان يستغل مابين البدايات في شرح أفكاره وما في ذهنه عن الموت حتى يكشف عن جوهره وأسراره، فجاءت القصيدة على شكل رباعيات، تكررت البداية في كل رباعية مرة أو مرتين حسب طبيعة الموقف الشعري.
لقد كشف هذا البحث عن الجانب الوظيفي للتكرار ضمن السياق الذي يرد فيه إذ يعد ظاهرة من الظواهر اللغوية الواضحة في الشعر العربي، ولذلك لابد له من إحداث وظيفة إما بنائية أو إيقاعية خصوصاً إذا استطاع الشاعر استخدامه بدقة وبراعة، فهو ليس جمالاً يضاف إلى القصيدة بحيث يحسن الشاعر صنعاً بمجرد استعماله، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة أو أن تلمسه يد الشاعر اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات.
стр. 3478
لذلك يختار الشاعر الأسلوب الذي يناسبه ويتفق مع رؤيته الحياتية الخاصة، كي يتمكن من استيعاب أفكاره ومعتقداته وفلسفته، وهذا ما حرص عليه الشابي في شعره، فكان يسعى إلى أن يجعل من هذا الأسلوب التكراري على اختلاف أشكاله وألوانه، أداة قادرة على التعبير عما في ذهنه وتصوير مشاعره واحساسيه وآلامه وهمومه التي أصابته في حياته الاجتماعية.
كما تبين أن التكرار عند الشابي كان يخضع لرؤية الشاعر النفسية التي كانت تلح على بعض المرتكزات الحياتية لتغييرها أو استبدالها لهذا نراه كان يستسلم لتداعيات بعض صور التكرار بشكل لافت للنظر في مختلف أشكال التكرار وخاصة تكرار البداية، فيجعل من هذه البداية نقطة مركزية تجتمع فيها صور التكرار الأخرى، أو أن يجعل موضوع القصيدة عنواناً لتكرار البداية ويبني عليه إيقاعات موسيقية متنوعة يعتقد فيها قوة التأثير والفاعلية على المتلقي.
ومما يلاحظ أيضاً أن التكرار جاء عند الشابي بشكل أفقي أو رأسي أخضعها لإيقاعات وإيحاءات موسيقية تعكس ملامح رؤيته النفسية والفلسفية التي تكشف عن موقفه الحقيقي من الحياة والكون والطبيعة من خلال سياقات وبناءات أسلوبية متنوعة على مستوى الكلمة أو الجملة.
لقد حاول الشابي أن يجعل من صور التكرار أداة جمالية تخدم الموضوع الشعري وتؤدي وظيفة أسلوبية تكشف عن الإلحاح أو التأكيد الذي يسعى إليه الشاعر، ولكن التكرار عنده قد تأثر ببعض جوانب حياة الشاعر الخاصة، فغلب عليه التداعي والتماثل في معظم صوره لذلك ما كان التكرار ليكون عند الشابي لولا حاجته الملحة للكشف عما يدور في ذهنه وإبراز أفكاره التي قد أصبحت هي الأخرى صورة من صور التكرار، فالمعاناة والألم تبدو واضحة في كل أنفاسه الشعرية وكأنه بذلك يكرر هذه المعاناة في كل نمط تكراري على اختلاف أشكاله.
الحواشي والتعليقات
стр. 3479
العمدة في محاسن الشعر، لابن رشيق القيرواني (٤٥٦هـ) تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط٥، ١٩٨١م، ج٢/٧٣، وانظر الصناعتين للعسكري (٣٩٥هـ) ص٢١٢، والمثل السائر لابن الأثير (٦٣٧هـ) ٢/٣٤٥، والطراز، للعلوي ٢/١٧٦.
تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة ص ٢٣٢-٢٤١.
كتاب العين، الخليل بن أحمد، ج٥، ص٢٧٧، وانظر تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهري (مادة كرر) ، وقاموس المحيط للفيروزآبادي (مادة كرر) .
أنوار الربيع في أنواع البديع، لابن معصوم، ج٥/٣٤-٣٥.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت سعيد الجيار، الدار العربية للكتاب والمؤسسة الوطنية للكتاب، ليبيا، ١٩٨٤م، ص٤٧.
جوهر الكنز، ابن الأثير الحلبي، تحقيق د. محمد زغلول سلام، ص٢٥٧.
التكوين التكراري في شعر جميل بن معمر، د. فايز القرعان (مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، م١، ع٦، ١٩٩٦م.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربايعة (بحث مقدم لمؤتمر النقد الأدبي الثاني ١٩٨٨م، جامعة اليرموك، إربد. وانظر دراسات أخرى، بناء الاسلوب في شعر الحداثة، محمد عبد المطلب، القاهرة، ١٩٨٨م، ص٣٩٠، وأسلوب التكرار بين البلاغيين وإبداع الشعراء، شفيع السيد، مجلة إبداع القاهرة، ع٦، سنة ٢، ١٩٨٤م، ص٧، وظاهرة التكرار في شعر أمل دنقل، مجلة إبداع، القاهرة، سنة ٣٠، ع٥، ١٩٨٥م، ص٧٠.
موسيقى الشعر، د. إبراهيم أنيس، ص٨.
مباديء النقد الأدبي، أ. ريتشارز، ترجمة: د. مصطفى بدوي، ص ١٨٨.
قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص ٢٦٣ ومابعدها.
المصدر السابق، ص ٢٧٨.
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص٥٢ ومابعدها.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربايعه، ص ٥.
الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، د. صبحي البستاني، ص٤٩.
أغاني الحياة، ص ٤٥.
المصدر السابق، ص ١٥.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، ص ٥٤.
أغاني الحياة، ص ٢٢.
стр. 3480
المصدر السابق، ص ٢٤، وانظر نماذج أخرى، ص ١٤.
الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، ص ٢٩.
أغاني الحياة، ص ٢٢.
الأسلوبية والأسلوب، كراهام هاف، ص ٢١.
أغاني الحياة، ص ١٦٢.
الأفكار والأسلوب، أ. ف. تشترين، ترجمة د. حياة شرارة، ص٥٠.
أغاني الحياة، ص ١٠٦، وانظر ص ١٠٩، ٤٤.
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص ٢٥٨.
أغاني الحياة، ص ١٦٩،وانظر نماذج أخرى، ص ٤٢.
النص الأدبي وقضاياه عند ميشال ريفاتير من خلال كتابه صناعة النص، وجون كوهين من خلال كتابه (الكلام السامي) ، مجلة فصول، ص٢٨، المجلد الخامس، العدد الأول، ١٩٨٤م نقلاً عن التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربايعه، ص٢٢.
الصورة الشعرية عند الشابي، مدحت الجبار، ص٤٧.
أغاني الحياة، ص ٩٦.
علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، د. صلاح فضل، ص٢٧.
نظرية الأدب، رينيه ويليك، ترجمة حسام الخطيب، ص١٦٥.
انظر نماذج من الديوان، ص ٨٦، ١٠٩، ١١٤، ١٢١، ١٣٤، ١٥٥، ١٨٣.
أغاني الحياة، ص٤٣، ٧٣، ٧٨، ٨١، ٩٣، ١٧٥، ١٥٦، ١٥١، ١١٥، ١٨٨.
أغاني الحياة، ص ٢٠،وانظر ص ٢٢.
أغاني الحياة، ص ٨٩.
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص ١٦٠.
انظر نماذج من ذلك في ديوانه، ص ٣٥، ١٨، ١٩، ١٢٩، ١١٩، ١٥٩.
أغاني الحياة، ص ٩٥، وانظر نماذج أخرى، ص ١٣٤، ١٥٢.
الصورة الشعرية عند الشابي، مدحت الجبار، ص٦٨.
أغاني الحياة، ص ١٢١، وانظر ص١٧١ تكرار حرف اللام في بداية الأسطر الشعرية.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى الربابعه، ص٩.
الصور الشعرية عند الشابي، مدحت الجبار، ص٦٨.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربابعه، ص ٤.
قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص ٢٧٠.
المصدر السابق، ص ٢٩٠.
أغاني الحياة، ص ٧٣، وانظر نماذج أخرى ص ٢٥، ٣٥، ٤٥، ٥٥، ١٢٥.
التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربابعه، ص ٣٧.
أغاني الحياة، ص ٥٥.
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص ٩٩.
стр. 3481
أغاني الحياة، ص ٨٩.
أغاني الحياة، ص ٨٩.
المصدر السابق، ص ٦٩.
الرومانتيكية، د. محمد غنيمي هلال، ص ١٧٢.
أغاني الحياة، ص ٧٠.
أغاني الحياة، ص ٩٦.
أغاني الحياة، ص ١٥٩.
أغاني الحياة، ص ١٦٠.
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، ص ١٦٠.
أغاني الحياة، ص ١١٢.
المصدر السابق، ص ٥٥.
المصدر السابق، ص ١٠٥.
المصدر السابق، ص ٨٣.
المصدر السابق، ص ١٣٥.
مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ديفيد دتيش، ترجمة محمد نجم، ص ١٧٢.
الأسلوب دراسة لغوية، سعد مصلوح، ص ١٠.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، ص ١٢٥.
أغاني الحياة، ص ٥٦، وانظر نماذج أخرى، ص ١٠٥، ٨٣.
أغاني الحياة، ص ١١٢.
أغاني الحياة، ص ٨٥.
الصورة الشعرية عند ابي القاسم الشابي، مدحت الجبار، ص ١٢٤.
أغاني الحياة، ص ٥٦.
المصدر السابق، ص ١٧٥، وانظر ص ١٥٧.
المصدر السابق، ص ٨١، وانظر ص ٩٦.
المصدر السابق، ص ٨٦.
المصدر السابق، ص ٩٢، وانظر ص ١٢٢.
أسلوب التكرار بين تنظير البلاغيين وإبداع الشعراء، د. شفيع السيد، ص ١٥ نقلاً عن التكرار في الشعر الجاهلي، د. موسى ربابعه، ص٣٢.
أغاني الحياة، ص ١٢٢.
أمالي السيد المرتضى، الشريف الرضي ١٤٠/١٢٣.
الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص ١٤٤.
أغاني الحياة، ص ٩٩.
الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، ص ٨٧.
أغاني الحياة، ص ١٦٥.
أغاني الحياة، ص ٨٦ وانظر ص ٨٧.
المصدر السابق، ص ١٣١، وانظر ص ١٨٣.
المصدر السابق، ص ٧٦.
المصادر والمراجع
اسلوب التكرار بين تنظير البلاغيين وإبداع الشعراء، شفيع السيد (دكتور) مجلة إبداع، السنة الثانية، العدد السادس، عام ١٩٨٤م.
الأسلوب دراسة لغوية، سعد مصلوح (دكتور) دار البحوث العلمية، القاهرة، ط١، ١٩٨٠م.
стр. 3482
الأسلوبية والأسلوب، كراهم هاف، ترجمة كاظم سعد الدين، دار آفاق عربية، العدد الأول، بغداد، سنة ١٩٨٥م.
أغاني الحياة، أبو القاسم الشابي (ديوان) دار الكتب الشرقية، دار مصر للطباعة، القاهرة، ط١، ١٩٥٥م.
الأفكار والأسلوب، ا. ن. تشيتثرين. ترجمة د. حياة شرارة، آفاق عربية، بغداد، د. ت.
أمالي السيد المرتضى، الشريف الرضي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، ط٢، ١٩٦٧م.
أنوار الربيع في أنواع البديع، لابن معصوم، تحقيق شاكر هادي شكر، مطبعة النعمان، النجف، ط١، ١٩٦٩م.
بناء الأسلوب في شعر الحداثة، محمد عبد المطلب (دكتور) ، القاهرة، ١٩٨٨م.
تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفار عطار، الشركة اللبنانية للموسوعات العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ط٢، ١٩٧٩م.
تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، شرح ونشر السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط٣، ١٩٨١م.
التكرار في الشعر الجاهلي، موسى ربايعه (دكتور) مجلة مؤته للبحوث والدراسات، جامعة مؤته (الأردن) ، المجلد الخامس، العدد الأول، ١٩٩٠م.
التكوين التكراري في شعر جميل بن معمر، فايز القرعان (دكتور) مجلة مؤته للبحوث والدراسات، جامعة مؤتة (الأردن) ، المجلد الحادي عشر، العدد السادس، ١٩٩٦م.
جوهر الكنز، لابن الأثير الحلبي، تحقيق د. محمد زغلول سلام، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ١٩٨٠م.
دراسات عن الشابي، أبو القاسم محمد كرو، الدار العربية للكتاب، طرابلس، ١٩٨٤م.
الرومانتيكية، د. محمد غنيمي هلال، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت.
الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، مكتبة منيمنه، بيروت، ١٩٦١م.
الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، الدار العربية للكتاب، طرابلس، ١٩٨٤م.
الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، د. صبحي البستاني، دار الفكر اللبناني، ط١، ١٩٨٦م.
стр. 3483
الصناعتين، أبو هلال العسكري، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٩٨١م.
ظاهرة التكرار في شعر أمل دنقل، حسين عيد، مجلة إبداع، القاهرة، السنة الثالثة، العدد الخامس، ١٩٨٥م.
الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإيجاز، العلوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٢هـ.
علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، صلاح فضل (دكتور) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط٢، ١٩٨٥م.
العمدة في محاسن الشعر، لابن رشيق القيرواني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، د. ت.
كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د. مهدي المخزومي وآخرون، دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، ١٩٨٢م.
القاموس المحيط، الفيروزآبادي، دار صادر، بيروت.
قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، دار العلم للملايين، بيروت، ط٧، ١٩٨٣م.
مباديء النقد الأدبي، أ. ريتشاردز، ترجمة د. مصطفى بدوي، مراجعة د. لويس عوض، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة العامة للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦١م.
المثل السائر، لابن الأثير، تحقيق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبانه، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الفجالة، القاهرة، د. ت.
موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس (دكتور) ، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، ط٥، ١٩٧٨م.
مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ديفيد ديتش، ترجمة د. يوسف نجم، مراجعة د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٦٧م.
النص الأدبي وقضاياه عند ميشال ريفاتير من خلال كتابه "صناعة النص"، وجون كوهين من خلال كتابه "الكلام السامي"، مجلة فصول، ٢٨، المجلد الخامس، العدد الأول، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر، ١٩٨٤م.
نظرية الأدب، رينيه ويليك، ترجمة محي الدين صبحي، مراجعة د. حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط٣، ١٩٨٥م.
стр. 3484
مجلة جامعة أمِّ القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها
المجلد (١٣) العدد (٢١)
رمضان ١٤٢١ هـ / ديسمبر (كانون الأوّل) ٢٠٠٠ م
---
المحتويات
أولاً: القسم العربي:
أ - دراسات في الشريعة وأصول الدين
١ - الرضا بالقضاء
د. سالم بن محمد القرني ...
٢ - الحديث المقلوب: تعريفه، وفوائده، وحكمه، والمصنفات فيه
د. محمد بن عمر بازمول ...
٣ - المباحث الغيبية
د. عبد الشكور محمد العروسي ...
٤ - قول الفلاسفة المنتسبين للإسلام في توحيد الربوبية، عرض ونقد في ضوء مذهب السلف
د. سعود بن عبد العزيز الخلف ...
٥ - حكم نقض الوضوء بأكل لحم الإبل
د. علي بن محمد الأخضر العربي ...
٦ - من مفاهيم ثقافتنا
د. علي بن حسن القرني ...
ب - دراسات في التاريخ والحضارة والاقتصاد:
٧ - كتاب الصوائف “ المستخرج ” لمحمد بن عابد الدمشقي (ت٢٣٣هـ)
د. سليمان بن عبد السوكيت ...
٨ - التنمية والتقارب والاندماج في مجتمع المملكة قديماً وحديثاً
د. أحمد بن حسن الحسني ...
ج - دراسات في اللغة العربية وآدابها:
٩ - الترتيب الصرفي في المؤلفات النحوية والصرفية إلى أواخر القرن العاشر الهجري
د. مهدي بن علي القرني ...
١٠ - الزيادي النحوي: حياته وآثاره ومذهبه
د. سيف بن عبد الرحمن العريفي ...
١١ - التذكير والتأنيث: دراسة في الأخطاء اللغوية والتحريرية
لطلاب المستوى المتقدم في معهد اللغة العربية بجامعة أم القرى
د. جمعان بن ناجي السلمي ...
١٢ - الألفاظ المشتركة في اللغة العربية: طبيعتها، وأهميتها، ومصادرها
د. أحمد بن محمد المعتوق ...
١٣ - صويت الغنة في الأداء القرآني بين الكمية والمدة الزمنية
د. يحيى بن علي المباركي ...
١٤ - نحو علم لغة خاص بالعلوم الشرعية
د. أحمد شيخ عبد السلام ...
١٥ - التصغير في اللغة
د. عليان بن محمد الحازمي ...
١٦ - مقدمة القصيدة الجاهلية عند حسان بن ثابت ﵁)
стр. 3485
د. محمود بن عبد الله أبو الخير ...
١٧ - عمرو بن مسعدة الصولي (السيرة، والتراث الأدبي)
دراسة أدبية
د. عبد الرحمن بن عثمان الهليل ...
١٨ - الصورة الفنية لحقول التراجيدي في الشعر الجاهلي، وأصول المثل الجمالية
د. عبد الله بن خلف العساف ...
١٩ - ظاهرة التكرار في شعر أبي القاسم الشابي (دراسة أسلوبية)
د. زهير بن أحمد المنصور ...
ثانياً: القسم الإنجليزي:
أ - ملخصات الأبحاث العربية باللغة الإنجليزية ...
стр. 3486
مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها
العدد ٢٢
ربيع أوّل ١٤٢٢ هـ
المحتويات
أولاً: القسم العربي:
أ - دراسات في الشريعة وأصول الدين
١ - الحجج البينات في تفسير بعض الآيات
د. فريد مصطفى السلمان
٢ - مصادر الحافظ ابن حجر وآراؤه في مسائل القراءات من خلال كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)
د. يحيى بن محمد حسن زمزمي
٣ - الأحاديث والآثار الواردة في سنة الجمعة القبلية وأقوال العلماء فيها
د. إبراهيم بن علي بن عبيد العبيد
٤ - الكفر الأكبر
أ. د. عبد الله بن عبد العزيز الجبرين
٥ - الروح القدس في عقيدة النصارى " دراسة نقدية في ضوء المصادر الدينية "
د. عبد الله بن عبد العزيز الشعيبي
٦ - هدي الصحابة رضوان الله عليهم مفهومه - مصادره - نماذج منه
د. رضا محمد صفي الدين السنوسي
٧ - حجية قول الصحابي عند السلف
د. ترحيب بن ربيعان بن هادي الدوسري
٨ - قاعدة الإسلام يعلو ولا يُعلى " دراسة تأصيلية وتطبيقية "
د. عابد بن محمد السفياني
٩ - المسائل الفقهية المتعلقة بالمغتربين في صلاة الجمعة والعيدين والجنائز
د. عبد الكريم بن يوسف الخضر
стр. 3487
١٠ - حياة القائد بين القدوة والاقتداء
د. علي بن حسن القرني
ب - دراسات في التاريخ والحضارة:
١١ - الدعوة في السودان وتأثرها بالدعوة السلفية " دراسة تاريخية وثائقية "
د. عمر سالم عمر بابكور
١٢ - العلاقات العسكرية الإسرائيلية - التركية
د. هشام فوزي عبد العزيز
ج - دراسات في اللغة العربية وآدابها:
١٣ - حروف المعاني المركبة وأثر التركيب فيها
د. فائزة بنت عمر المؤيد
١٤ - معالجة المادة المعجمية في المعاجم اللفظية القديمة
د. محمد بن سعيد الثبيتي
١٥ - قضية التنازع في الاستعمال اللغوي
د. أبو سعيد محمد عبد المجيد
١٦ - التدريس المصغر في ميدان تعليم اللغات الأجنبية وتطبيقه في برامج إعداد معلمي اللغة العربية للناطقين بغيرها
د. عبد العزيز بن إبراهيم العصيلي
١٧ - ظاهرة الغموض بين عبد القاهر الجرجاني والسجلماسي
د. محمود درابسة
١٨ - الشعر في كتاب الأمثال الظاهرة المنسوب إلى الماوردي
د. مصطفى حسين عناية
стр. 3488
١٩ - فن التوقيعات الأدبية في العصر الإسلامي والأموي والعباسي
د. حمد بن ناصر الدخيل
٢٠ - العقل المستعار بحث في إشكالية المنهج في النقد الأدبي العربي
الحديث - المنهج النفسي أنموذجاً
د. صالح بن سعيد الزهراني
د - نصوص محققة:
٢١ - فضل أبي بكر الصديق ﵁، لابن تيمية
تحقيق د. عبد العزيز بن محمد الفريح
هـ - الآراء والقضايا:
٢٢ - ضرب من التطور في الصحافة العربية
أ. د. إبراهيم السامرائي
و المراجعات العلمية:
٢٣ - عرض كتاب المصنفات المغربية في السيرة النبوية ومصنفوها
د. سعد بن موسى الموسى
ثانياً: القسم الإنجليزي:
ملخصات الأبحاث العربية باللغة الإنجليزية
стр. 3489
الحجج البيّنات في تفسير بعض الآيات
د. فريد مصطفى السلمان
الأستاذ المشارك في كلية الشريعة - الجامعة الأردنية - عمّان
ملخّص البحث
لقد استقيت هذا البحث من خلال قراءتي لكتب التفسير وغيرها، فوقفت عند بعض المسائل المهمّة في تفسير الآيات القرآنية، وخاصّة ما كان فيها موضع خلاف بين العلماء، في قضايا العقيدة أو مسائل الأحكام.
ونجد في هذه المسائل علماً غزيراً، إذ يدلي كلّ عالم بما لديه من قوة الحجّة والبرهان مستدلاًّ من العقل والنقل.
ففي مجال العقيدة جاءت مسألة الخلاف في القدر، وبيان وجه الحقّ فيها، وحكم مرتكب الكبيرة بين أهل السنّة والمعتزلة، ومسألة انشقاق القمر مع بيان الأدلة الدامغة القائمة بالحقّ.
وفي مجال الأحكام نجد مسألة القتال في الحرم، والخلاف بين الحنفية والشافعية في ذلك، ومسألة قتل المسلم بالكافر مع بيان أدلّة كل فريق، وردوده على الطرف الآخر، وحكم الوقف في الحيوان، وحكم القراءة خلف الإمام.
ونجد في كلّ مسألة من هذه المسائل منهجاً متكاملاً لأسلوب البحث العلمي، وطريقاً واضحاً بيّناً لكل مذهب في استدلاله على ما يعتقده ويذهب إليه.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مقدمة:
لقد بيّنت الآيات الكريمة أهمية الدليل والحجة في بيان الحق وإزهاق الباطل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] .
وقد اعتمد علماء هذه الأمة الحجة والدليل في توجيه آرائهم المستنبطة من الكتاب والسنة، وقد استدل كل فريق لما ذهب إليه بما يرى أنه الحجة الدامغة وفق رأيه ومنهجه.
وكنت قبل إيراد حجة كلّ فريق أذكر محلّ الخلاف في فهم الآية القرآنية، وآراء العلماء في المسألة، ثم أعقّب على هذه الآراء ببيان الراجح منها، من خلال قوّة الحجّة والبرهان.
стр. 3490
وقد كانت كل مسألة من هذه المسائل نموذجاً لطلبة العلم في طريقة فهمهم واستنباطهم، حتى يتضح وجه الحقّ جليّاً، دون اتباع للهوى أو التقليد.
تمهيد:
الحجج: جمع حجّة وهي الدليل والبرهان، وقيل ما دفع به الخصم.
وقال الأزهري: الحجّة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وإنّما سميت حجّة لأنها تحجّ، أي تُقصد. لأن القصد لها وإليها.
قال الأزهري: ومن أمثال العرب لجّ فحجّ معناه: لجّ فغلب من لاجّه بحججه. يقال: حاججته حتى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها (١) .
وقال الراغب الأصفهاني: الحجّة: الدلالة المبيّنة للمحَجّة أي المقصد المستقيم (٢) .
قال الله تعالى: ﴿قل فلله الحجة البالغة ( [الأنعام: ١٤٩] .
وقال تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة ( [البقرة: ١٥٠] .
ويجوز أن تطلق الحجة على ما يحتج به الخصم وإن كان باطلاً كما في قوله تعالى: ﴿والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم ( [الشورى: ١٦] . فسمّى الداحضة حجة.
وقال : ﴿لا حجّة بيننا وبينكم ( [الشورى: ١٥] . أي لا احتجاج لظهور البرهان.
والمحاجّة: أن يطلب كل واحد أن يردّ الآخر عن حجته ومحجته.
قال الله : ﴿وحاجّه قومه قال أتحاجونّي في الله وقد هدان ( [الأنعام: ٨٠] .
وقال : ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم ( [آل عمران: ٦٦] .
وقد أكّد القرآن والسنة مشروعية المجادلة وإقامة الحجة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( [البقرة: ١١١] .
وقد قال الله تعالى في قصة نوح ﵇: ﴿قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ( [هود: ٣٣] .
وقد ذكر الله تعالى تلك المحاجّة العظيمة بين إبراهيم ﵊، وبين ذلك الكافر الذي آتاه الله الملك فقال سبحانه:) ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ( [البقرة: ٢٥٨] .
стр. 3491
وتحاجّ آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام فحجّ آدمُ موسى كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:" احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجّ آدم موسى" (٣) .
وقد قال المزني (٤) : من حقّ المناظرة أن يراد بها الله ، وأن يقبل منها ما تبيّن.
وقالوا: لا تصحّ المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة (٥) .
ونلاحظ فيما سنذكره من المسائل أنّ الهدف من ذلك الوصول إلى الحق بطريق الحجة الشرعية، باعتماد الأصول المتفق عليها سواء كانت من جهة الشرع أم النقل.
وقد ضرب علماء الإسلام أروع الأمثلة في المنهجية العلمية واتباع الحق بالدليل والبرهان حتى ذكر العلماء أنه يجب على المسلم أن يكون اعتقاده عن دليل وبرهان، وإن كان لا يلزم أن يكون دليله كما هو الحال عند أهل المنطق وأصحاب علم الكلام (٦) .
وقد سار الإمام فخر الدين الرازي على هذا المنهج في تفسيره فنجده يقرر مذهب الخصم تقريراً لو أراد الخصم نفسه أن يقرره لما استطاع ذلك (٧) .
ثم يشرع الرازي في الردّ على هذه الأدلة بالحجة الدامغة القوية وقد عاب عليه بعض المغاربة هذا السلوك بدعوى أنّ ردوده تأتي أحياناً أضعف من الشبه التي يوردها، فقالوا: إنه يورد الشبه نقداً ويحلّها نسيئة (٨) .
ويظهر لكل عاقل منصف أثر الاعتماد على الحجة والبرهان في إحقاق الحقّ، فيتم إثراء العقل والقلب بتلك الحجج النيّرة، كما يتم إحياء روح البحث العلمي بالمدارسة والمذاكرة وتلاقح الأفكار والمفاهيم.
وبالتالي فإن هذه التّهم تصبّ أخيراً في مصلحة هذا المفسّر النحرير.
أولاً: حكم القتال في الحرم
стр. 3492
في قوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: ١٩١] .
وقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: ٩٧] .
ذهب الحنفية إلى عدم جواز القتال في الحرم، وذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ( [التوبة:٥] . وبقوله تعالى:) وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافّة ( [التوبة: ٣٦] .
وذكر القاضي ابن العربي في تفسيره مناظرة في هذه المسألة فيما يلي نصّها، قال ابن العربي: وقد حضرت في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة أبي عتبة الحنفيّ (٩) والقاضي الرّيحاني (١٠) يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء، وتصدّر في صدر المجلس بمدارع (١١) الرّعاء، فقال له الرّيحاني: من السيّد؟ فقال له: رجل سلبه الشطّار (١٢) أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدّس، وأنا رجل من أهل صاغان (١٣) من طلبة العلم، فقال القاضي مبادرا: سلوه، على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم. ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل فيه أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل، فقال:) ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: ١١٩] قرئ) ولا تقتلوهم ((١٤) ،) ولا تقاتلوهم (، فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيّناً ظاهراً على النهي عن القتل.
стр. 3493
فاعترض عليه القاضي الرّيحاني منتصراً للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( [التوبة: ٦] ، فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ عامة في الأماكن، والآية التي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول إن العام ينسخ الخاص، فأبهت القاضي الريحاني، وهذا من بديع الكلام (١٥) .
ووجه الغرابة في هذه المناظرة أن الرجل ذهب إلى موافقة الحنفية في الحكم واستدل بنقيض دليلهم. فالحنفية يرون حرمة قتل الجاني إذا دخل الحرم، ولا يجيزون القتال في الحرم إلا إذا بدأ الكفار القتال فيه (١٦) ، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى:) ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: ٩٧] ،وبقوله تعالى:) ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: ١٩١] .
والحنفية يخالفون الجمهور في فهمهم لتخصيص العام فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصاً للعام أن يكون مستقلاً عن جملة العام مقارناً له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد (١٧) ، وذلك كقوله تعالى:) وأحلّ الله البيع وحرّم الربا ( [البقرة: ٢٧٥] ، فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن.
ولذلك فالحنفية يعرّفون التخصيص بقولهم: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن (١٨) ، وإذا كان الدليل مستقلاً، ولكنه لم يكن مقارناً للعام، بل متراخياً عنه، فلا يسمى ذلك تخصيصاً، بل نسخاً أي رفعاً للحكم. فإذا تراخى دليل التخصيص فإنه يكون نسخاً لا تخصيصاً خلافاً لمذهب الجمهور في المسألة.
فهذا الرجل استدل برأي الجمهور في تخصيص العام (١٩) ووافق الحنفية في الحكم، فهو وإن وافق سائله في الحكم إلا أنه قلب عليه الاستدلال، وهذا ما دعى الإمام ابن العربي للقول: فأبهت القاضي الريحاني، لأن الريحاني كان حنفي المذهب الفقهي.
стр. 3494
وقد جاء ذكر هذه المناظرة في قانون التأويل (٢٠) لابن العربي بشكل أتمّ، حيث قال: قال مجلّي (٢١) في أوّل مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل في غيرها، أصله الحلّ.
فقال له خصمه وهو حنفي المذهب لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد في الحرم لما عصمه، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا لجأ إليه فقد استعاذ بحرمته، وقد قال :﴾ ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: ٩٧] ، وإذا قتل فيه فقد هتك حرمته وضيّع أمنته، فكيف يعصمه؟ فقال له مجلّي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يلزمني، لأن الحرم لم يحترم بحرمة القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احترم بحرمة الله I.
وأما قوله ﴿ومن دخله كان آمنا (فإنما عني به ما كان عليه الحرم في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به، ودار الكلام على هذا النحو، ثم دخل علينا بمدرسة أبي عقبة الحنفي ببيت المقدس رجل ثم ذكر المناظرة كما جاءت في تفسيره أحكام القرآن.
ثم علّق على هذه المناظرة بقوله: وأعجب لبعض المغاربة (٢٢) ، ممن قرأ الأصول يحكي عن أبي حنيفة أن العام ينسخ الخاص (٢٣) إذا كان متأخراً عنه، وهذا ما قال به قطّ ولولا أن أبا حنيفة ناقض (٢٤) ، فقال: لا يبايع في الحرم ولا يكلّم ولا يجالس ولا يعان بمأكل ولا بمشرب ولا بملبس حتى يخرج منه، فتؤخذ العقوبة منه، ما قام له في هذه المسألة أحد.
ثانياً: حكم الوقوف والأحباس
في قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ( [المائدة: ١٠٣] .
стр. 3495
والبحيرة: هي الناقة يشقون أذنها لتكون معلومة للناس أنها على هذه الصفة، فكانت تخلّى دون راع فلا تطرد من مرعى ولا يركبها أحد ولا تذبح ولا تباع، وقيل: إن البحيرة هي ابنة السائبة، وقيل غير ذلك. أما السائبة فتطلق على البعير أو الناقة التي تسيّب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلّغه منزلاً في سفر فتصبح مخلاة لا قيد عليها ولها نفس أحكام البحيرة.
والوصيلة: كانت في الغنم إذا ولدت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت، فكان ما ولد منها بعد ذلك للذكور دون الإناث إلا إذا كان ميتة فهم فيه شركاء.
والحام: هو الفحل من الإبل إذا انقضى ضرابه، أو إذا ركب ولد ولده، وسمّي بهذا الاسم لأنه حمى ظهره من الركوب والذبح (هذه بعض الوجوه في تفسيرها، وهناك وجوه أخرى لم نر الإطالة بذكرها) (٢٥) .
هذا وقد ذهب الحنفية استدلالاً بالآية إلى عدم جواز الوقف إلى غير جهة معينة تقوم عليه وترعاه.
فلو سيّب حيواناً أو عقاراً فجعله سبيلا، فإن هذا يدخل فيما عابه الله على العرب، فيما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تسييب البهائم وحبس البهائم والزروع، وذهب جمهور العلماء إلى جواز الأوقاف وقاسوا تسييب البهائم على عتق العبيد، ولكن الحنفية لم يسلّموا بهذا القياس، وقالوا لا معنى لأن يملك الحيوان الأعجم نفسه، لأن إهمالها يترتب عليه عدم جواز منفعتها، وهي لا تستطيع تدبير شؤون نفسها.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن وقف المنافع المترتبة على هذه الحيوانات قربة من القربات.
ومن صور السائبة إرسال الطيور ووضع البيض قرب طرقات المسافرين، وترك البساتين لينتفع بها الناس كافّة، ولكل من الفريقين أدلته في المسألة، وقد وقعت مناظرة بين الإمام مالك من جهة وبين القاضي أبي يوسف أكبر تلاميذ الإمام أبي حنيفة بحضرة هارون الرشيد (٢٦) .
ويقال إن القاضي أبا يوسف قد رجع عن موافقة صاحبه بعد وقوع هذه المناظرة.
стр. 3496
وخلاصة هذه المناظرة أنه اجتمع كل من الإمام مالك والقاضي أبي يوسف بحضرة هارون الرشيد. فتكلّموا في الوقوف (٢٧) وما يحبسه الناس، فقال القاضي أبو يوسف: هذا باطل مستدلاً بقوله تعالى:) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( [المائدة: ١٠٣] .
فقال مالك: إنما جاء محمد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة.
فأما الوقوف: فهذا وقف عمر بن الخطاب ﵁ حيث استأذن النبي ﷺ فقال: إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها (٢٨) .
وهذا وقف الزبير بن العوام ﵁ حيث وقف داره بمكة ومصر وأمواله بالمدينة على أولاده (٢٩) فأعجب الخليفة بذلك، ورجع القاضي أبو يوسف إلى رأي الجمهور.
وممّا يؤكد رأي جمهور العلماء ما جاء في بعض الروايات (٣٠) أنّ رسول الله ﷺ قال لعمر ﵁: (تصدّق بثمره وحبّس أصله) وفي رواية: (احبس أصلها وسبّل ثمرتها) .
ويعقّب ابن حجر على هذه الروايات فيقول: " وأصرح من ذلك ما جاء في صحيح البخاري أنّ رسول الله ﷺ قال لعمر ﵁: تصدّق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره) (٣١) .
وقال الترمذي: (لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافاً في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شريح أنّه أنكر الحبس، وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه في ذلك جميع أصحابه إلاّ زفر.
وممّا روي عن أبي يوسف قوله: لو بلغ الحديث أبا حنيفة لرجع عن قوله في الوقف) (٣٢) .
وذكر القرطبي إجماع الصحابة ﵃ على جواز الوقف، وقال:
(لا حجّة في قول شريح، ولا في قول أحد يخالف السنّة، وما رواه ابن لهيعة عن ابن عباس ﵄ في عدم جواز ذلك فهو ضعيف لا تقوم به حجة) (٣٣) .
ثالثاً: إثبات القدر
стр. 3497
لقد ضلت بعض الفرق الإسلامية في القدر (٣٤) فذهبوا إلى أنه لا قدر (٣٥) وأن الإنسان يخلق فعله وفي مقدمة هؤلاء المعتزلة والرافضة، وقد أنكر عليهم بعض صحابة رسول الله ﷺ ممن أدركوا هذه الفتنة وقد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قوله: القدرية مجوس هذه الأمة (٣٦) . والذي عليه جمهور المسلمين إثبات القدر وأن الإيمان بالقدر خيره وشرّه من أركان الإيمان.
وسبب هذا الضلال هو سوء فهم بعض الآيات القرآنية الواردة في القدر ومن ذلك قوله تعالى:) إنّا كل شئ خلقناه بقدر ( [القمر: ٤٩] (٣٧) .
وقد وردت عدة آثار في ذم القائلين بالقدر منها ما أخرجه ابن ماجه في سننه أن رسول الله ﷺ قال: (إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم) (٣٨) .
وأخرج أبو داود عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم فلا تشهدوا جنازتهم، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، هم شيعة الدجال، وحقّ على الله أن يلحقهم بالدجال) (٣٩) .
وهناك عدّة مناظرات في القدر، نذكر منها هذه المناظرة التي ذكرها القرطبي في تفسيره حيث قال: أحضر عمر بن عبد العزيز غيلان القدريّ (٤٠) فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون عليّ يا أمير المؤمنين، ثم قال: يا أمير المؤمنين: أرأيت قول الله تعالى:) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ( [الإنسان: ٢،٣] . فقال عمر بن عبد العزيز: اقرأ يا غيلان، فقرأ حتى انتهى إلى قوله:) فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ( [الإنسان: ٢٩] .
فقال عمر: اقرأ فقال:) وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( [الإنسان: ٣٠] فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت – أي ما شعرت - أنّ هذا في كتاب الله قطّ.
стр. 3498
فقال له عمر: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ حتى بلغ ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( [يس: ١٠] ، فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قطّ قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب.
فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبّته، وإن كان كاذباً فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام بن عبد الملك بعدما تولّى الحكم، فقطع يديه ورجليه وصلبه.
وكان مصلوباً على باب دمشق وإذا سئل ما شأنك؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز (٤١) .
واختلف العلماء في سبب قتل هشام بن عبد الملك لغيلان، فيرى (ابن المرتضى الرافضي) أن هشاماً قتله، لأنه قد رآه ينادي على بيع ما في خزائنهم أيام ولاّه عليها عمر بن عبد العزيز وأنه يسبّ بني أمية، فأقسم ليقتلنّه إذا ولي هذا الأمر، فلما وليه نفّذ ما أقسم عليه وقتله، فيكون قتل هشام لغيلان سياسيّاً لا دينياً (٤٢) . وأما بقية المؤرخين فيرون أن هشاماً قتله لقوله بالقدر. وأنه أحضر له الأوزاعي فسأله في ثلاث مسائل لم يجب غيلان على واحدة منها، فأخذه هشام وأمر به فقطعت يداه ورجلاه فمات، وقيل صُلب حيّا على باب (كيسان) بدمشق.
ويذكر ابن نباته هذه المناظرة فيقول (٤٣) : لمّا بلغ هشام بن عبد الملك مقالة غيلان في القدر (٤٤) أرسل إليه وسأله: يا غيلان ما هذه المقالة التي بلغتني عنك في القدر؟ فقال: يا أمير المؤمنين هو ما بلغك، فأحضر من أحببت يحاجّني، فإن غلبني ضربت رقبتي.
فأحضر الأوزاعي، فقال له الأوزاعي: يا غيلان، إن شئت ألقيت سبعاً، وإن شئت خمساً، وإن شئت ثلاثاً. فقال غيلان: ألق ثلاثاً، - أي ثلاثة أسئلة- فقال له الأوزاعي: أقضى الله على عبد ما نهى عنه؟.
قال غيلان: ما أدري ما تقول. فقال الأوزاعي: (فأمَر الله بأمر حال دونه؟) . قال غيلان: هذه أشدّ من الأولى. فقال الأوزاعي: (فحرّم الله حراماً ثم أحلّه؟) . قال غيلان: ما أدري ما تقول؟
стр. 3499
فأمر به هشام فقطعت يداه ورجلاه فمات.
وهناك مناظرتان جاء ذكرهما في شرح العقيدة الطحاوية (٤٥) . جاء في الأولى عن عمر بن الهيثم (٤٦) . قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدريّ ومجوسيّ، فقال القدريّ للمجوسيّ: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله. فقال القدريّ: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قويّ، وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما.
أما الثانية فجاء فيها: أن أعرابياً وقف على حلقة فيها عمرو بن عبيد (٤٧) من شيوخ المعتزلة فقال: يا هؤلاء إن ناقتي قد سرقت، فادعوا الله أن يردّها عليّ، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تُسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولمَ؟ قال: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردّها فلا تردّ.
ويروى في هذا المقام أن علياً ﵁ مرّ بقدريّ، وهو يتكلم في القدر، فقال له: (أبا الله تقدر، أم مع الله أم دون الله؟) . فسكت الرجل ولم يعلم بماذا يجيب. فقال له t: (إن قلت دون الله كفرت، وإن قلت مع الله أشركت، وإن قلت بالله أصبت فقال الرجل: بالله أقدر، فقال له: لو قلت غيرها ضربت عنقك (٤٨) .
فبهذا القول تتم البراءة من القدرية والجبرية كذلك، لأن الجبري لا يقول أقدر بالله ولا بغيره فيؤديه مذهبه إلى تعطيل الاكتساب والعبادات، ومذهب أهل الحق التوسط، يشتمل على التوحيد في الأفعال والأدب مع الفعّال (٤٩) .
ويروى كذلك في هذا الشأن عن عليّ ﵁ أن قائلاً قال له عند انصرافه من صفين: أرأيت مسيرنا إلى صفين أبقضاء وقدر؟
فقال علي ﵁: والله ما علونا جبلا ولا هبطنا واديا ولا خطونا خطوة إلا بقضاء وقدر.
فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي إذن مالي أجر.
стр. 3500
فقال له علي: يا شيخ فإن هذا قول أولياء الشيطان وخصماء الرحمن قدرية هذه الأمة ومجوسها. فإن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً لم يُعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً.
فضحك الشيخ ونهض مسرورا ثم قال (٥٠) :
يوم القيامة من ذي العرش رضوانا
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته
جزاك ربك عنّا فيه إحسانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا
ومن المناظرات في القدر ما يروى أن غيلان القدري دخل مجلساً فقال على وجه التحرش للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فأجابه ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٥١) وقد فهم قصده: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.
فقال غيلان القدري: أيحب ربنا أن يعصى؟
فأجابه ربيعة: أيعصى ربنا كرها (٥٢) ؟
وتروى هذه المناظرة كذلك على أنها وقعت بين أبي اسحق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار الهمداني وكان رئيس المعتزلة في وقته حيث دخل مجلساً رأى فيه الإسفراييني فقال متحرشاً للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
فقال الإسفراييني: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
فقال القاضي عبد الجبار: أيريد ربنا أن يعصى؟!
فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا كرها؟!
فقال القاضي عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى أحسن إليّ أم أساء؟
فأجابه الإسفراييني: إن كان قد منعك ما هو لك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فقطعه بذلك (٥٣) .
رابعاً: معجزة انشقاق القمر
في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ( [القمر: ١-٢] .
стр. 3501
ذهب جمهور أهل السنة أن القمر قد انشق في عهد رسول الله ﷺ بإذن الله، معجزة له دالة على صدقه. وقال الحافظ ابن كثير: (لقد أجمع المسلمون على وقوع انشقاق القمر في زمن الرسول ﷺ وقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، وقد رويت الأحاديث الصحيحة في ذلك عن جمع من الصحابة هم أنس بن مالك وجبير بن مطعم وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين (٥٤) .
وذكر الألوسي الاختلاف في تواتر الأحاديث الواردة في انشقاق القمر، ونقل عن ابن السبكي قوله في شرحه لمختصر ابن الحاجب: الصحيح عندي أنّ انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن، مرويّ في الصحيحين وغيرهما من طرق شتى بحيث لا يمترى في تواتره) (٥٥) .
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني الإجماع على انشقاق القمر في عهد رسول الله ﷺ بإذن الله، معجزة من الله تعالى، وتصديقا لرسوله (٥٦) .
وحتى لو شكّك بعض المعاصرين في وقوع هذه المعجزة وفسّر الآية على أنّ انشقاق القمر إنما يكون علامة على اقتراب الساعة قبل يوم القيامة (٥٧) فإن معجزات رسول الله ﷺ عديدة، وفي مقدمتها القرآن الكريم المعجزة الخالدة الباقية، ونقرر هنا إيماننا بمعجزة انشقاق القمر في عهد رسول الله ﷺ ، وقد أجمع على ذلك علماء الإسلام ولم تظهر مثل تلك التأويلات المحدثة إلاّ عند نفر من بعض المعاصرين الذين تأثروا بالأفكار الوافدة، وكأنّ من روى هذه الروايات عندهؤلاء لا يستطيع التفريق بين خسوف القمر المعتاد، ومعجزة انشقاقه.
ومع ذلك فتذكر لنا الكتب الشرعية تلك المناظرة الجميلة في إثبات هذه المعجزة الإلهية، والتي وقعت بين الإمام الباقلاني (٥٨) وبين إمبراطور الروم في ذلك العهد.
стр. 3502
قال الإمبراطور: هذا الذي تدّعونه في معجزات نبيّكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟
أجاب الباقلاني: هو صحيح عندنا، انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.
فقال الإمبراطور: وكيف لم يره جميع الناس؟
قال الباقلاني: لأن الناس لم يكونوا على أهبة وموعد لانشقاقه تلك الساعة.
فقال الإمبراطور: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة وقرابة؟! لأيّ شئ لم تعرفه الروم وسائر الناس، ورأيتموه أنتم خاصّة؟!
قال الباقلاني: وهذه المائدة (٥٩) بينكم وبينها نسبة، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس وأهل الإلحاد، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؟!
ثم قال له: أتقول إن الخسوف إذن كان يراه جميع أهل الأرض، أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته؟
قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته.
ثم قال له: ولكن مثل هذا الخبر يلزم أن ينقله الجمّ الغفير!
فأجاب: يلزمكم في نزول المائدة ما يلزمني في انشقاق القمر.
فبهت الملك ومن كان معه من النصارى في ذلك المجلس (٦٠) .
ومما يروى في المناظرات مع النصارى كذلك ما ورد عن حاطب ابن أبي بلتعة (٦١) t أنه لما دخل على المقوقس النصراني ملك الإسكندرية رسولا من رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام بكتاب النبي ﷺ فسأله المقوقس عن الحرب بين النبي ﷺ وبين قومه، فأخبره أنها بينهم سجال، فقال المقوقس يخاطب ابن أبي بلتعة:" أنبيّ الله يُغلب "؟! فقال حاطب:" أنبيّ الله يُصلب"؟! فكان هذا الجواب قطعاً للنصراني بما يعتقده في حق عيسى ﵇ (٦٢) .
خامساً: قتل المسلم بالكافر
في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ( [البقرة: ١٧٨] .
стр. 3503
اختلف العلماء في قتل الحر بالعبد وقتل المسلم بالذميّ، فذهب جمهور العلماء إلى عدم قتل الحر بالعبد وعدم قتل المسلم بالذميّ، وذهب أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالذميّ أو المعاهد ولكل أدلته من الكتاب والسنة والقياس (٦٣) .
وقد وقعت مناظرة بين أحد أتباع أبي حنيفة وآخر من فقهاء الشافعية في هذه المسألة ذكرها الإمام ابن العربي. ونوردها فيما يلي:
قال الإمام ابن العربي: ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة ٤٨٧هـ فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني (٦٤) زائراً للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهرها الله معه (٦٥) .
وشهد علماء البلد، فسئل على العادة - في إكرام العلماء بالسؤال - عن قتل المسلم بالكافر (٦٦) . فقال: يقتل به قصاصاً، فطولب بالدليل، فقال: الدليل عليه قوله تعالى:) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ( [البقرة: ١٧٨] وهذا عام في كل قتيل.
فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية عطاء المقدسي (٦٧) ، وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه:
(١) إن الله سبحانه قال: كتب عليكم القصاص، فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإن الكفر حطّ منزلته، ووضع مرتبته.
(٢) إن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها وجعل بيانها عند تمامها فقال:
﴾ كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴿، فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر، فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر.
(٣) إن الله قال: ﴿فمن عفي له من أخيه شئ فاتّباع بالمعروف ( [البقرة: ١٧٨] ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول.
стр. 3504
فقال الزوزني: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شئ، أما قولك: إنّ الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول. وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذميّ محقون الدم على التأبيد، والمسلم محقون الدم على التأبيد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذميّ، وهذا يدل على أن مال الذميّ قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه.
وأما قولك إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلّم، فإن أول الآية عام وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كل على حكمه من عموم أو خصوص (٦٨) .
وأما قولك إن الحر لا يقتل بالعبد، فلا أسلم به، بل يقتل به عندي قصاصا، فتعلقت بدعوى لا تصح لك. وأما قولك:﴾ فمن عفي له من أخيه شيء ﴿، يعني المسلم، فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو، فلا يمنع من عموم ورود القصاص، فإنهما قضيّتان متباينتان، فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى، ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك، وقال ابن العربي: وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصّلنا منها فوائد جمّة أثبتناها في نزهة الناظر، وهذا المقدار يكفي هنا منها) (٦٩) .
ويجيب الشافعية على اعتراضات الحنفية هذه بأن نقص العبد عن الحر في القصاص مسلّم به عند الحنفية في الأعضاء، فلا يقطعون الحر بالعبد، وأما قطع يد المسلم بسرقة مال الذميّ فهذا القطع إنما هو بسبب الخيانة، ويذكرون في هذا المقام بيت الشعر الذي قاله أبو العلاء المعري (٧٠) :
ما بالها قطعت في ربع دينار
يدٌ بخمسمئين عسجد وديت
فيجيبه القاضي عبد الوهاب المالكي (٧١) :
ذلّ الخيانة فافهم حكمه الباري
عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها
стр. 3505
كما يستدل كل فريق بأدلة من السنة، ويشهد للجمهور قول الرسول ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر) (٧٢)
ولكن الحنفية يؤولون معنى كلمة الكافر هنا بأنه الكافر الحربي وليس الذميّ، وهو مستبعد، لأنّه لا يتصوّر عاقل وجود القصاص بين المسلم والكافر الحربي.
ولا يعني عدم القتل عند الجمهور عدم المساءلة، بل يعاقب بما دون القتل وتلزمه الديّة.
وممّا يؤكّد صحة ما ذهب إليه الجمهور المناسبة (٧٣) التي قال فيها رسول الله ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر) لأنّ الرسول ﵊ خطب المسلمين يوم الفتح، بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، وكان له عهد، فخطب ﵊ الناس وقال: لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به، وقال: (لايقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) ، وقال ﵊:
(لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت حراشا بالهذلي) (٧٤) .
سادساً: تكفير مرتكب الكبيرة
نزلت بعض الآيات القرآنية تذكر عقوبة بعض أصحاب الكبائر، وتتوعدهم بعذاب جهنم خالدين فيها. فقد قال الله تعالى في عقوبة قتل النفس المؤمنة: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما ( [النساء: ٩٣] .
وقال في عقوبة من يولّ الكفار دبره يوم الزحف: ﴿ومن يولّهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( [الأنفال: ١٦] .
وقد فهم بعض أصحاب الفرق الإسلامية كالخوارج والمعتزلة أن هذا الوعد حتم لازم لا بدّ من تحققه، فحكم الخوارج بكفر مرتكب الكبيرة، وذهب المعتزلة إلى جعله في منزلة بين الكفر والإيمان (٧٥) .
أما أهل السنة فمذهبهم أنهم لا يكفّرون أحدا من أهل الملة بذنب ما لم يستحلّه (٧٦) .
وقد وقعت مناظرة في هذه المسألة بين الإمام أبي حنيفة وبعض الخوارج نوردها فيما يلي:
следующие страницы →