Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
( [٣٥] ) ومن الكفر في حال الغضب – والمراد الغضب الذي لا يُفقد المكلف عقله – أن يعلق كفره على أمر مستقبل، وإن كان هذا التعليق في غير حال الغضب، فهو كفر من باب أولى؛ لأنه يدل على استهزائه واستخفافه بدين الإسلام. وينظر روضة الطالبين ١٠/٦٥، والإعلام بقواطع الإسلام ص١٨.
( [٣٦] ) حكى ابن حزم في المحلى الإجماع على كفر من سب الله تعالى، وقد سبق نقل كلامه ص (٢٠٢) ، وذكر في المحلى أيضاً في الصلاة ٢/٢٤٣ أن من فسق النبي e ارتد عن الإسلام بلا خلاف بين أحد من المسلمين.
وحكى القاضي عياض في الشفا ٢/٥٤٩،٥٤٦،٤٩١ الإجماع علىكفر من سب الله تعالى، أو سبّ أحداً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء المتفق عليهم، أو استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء من المصحف، أو استهزأ بشيء منهما.
وذكر في المرجع نفسه ٢/٣٩٤ أنه قد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على قتل وتكفير من سب النبي e أو تنقصه، ثم نقل حكاية الإمام محمد بن سحنون المالكي المتوفى سنة (٢٦٥هـ) الإجماع على كفر من سب النبي e، والإجماع على قتله، ونقل ٢/٣٩٥،٣٩٣ حكاية ابن المنذر والخطابي الإجماع على قتله.
وقال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن ٢/٩٧٦: "الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة".
وقال شيخ الإسلام في الصارم المسلول على شاتم الرسول ص٤ بعد نقله حكاية الإجماع عن من سبق ذكرهم، قال: "وتحرير القول فيه: أن السابّ إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف..".
стр. 3677
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في المرجع السابق: المسألة الرابعة ص٥١٢: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل"، ثم نقل عن بعض العلماء حكاية الإجماع على ذلك، وبيّن غلط من نقل خلافاً في ذلك، وما وجه به القاضي عياض ما نقل عن بعضهم في ذلك، ثم بيّن في ص٥١٦ أنه لا ينبغي أن يظن ظان أن في المسألة خلافاً، وبيّن أنه لا يستطع أحد أن يحكي ذلك عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى، ثم قال (ص٥٢٧) : "فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف علىأن التنقص له كفر مبيح للدم".
وقال شيخ الإسلام أيضاً في مجموع الفتاوى ٨/٤٢٥: "اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له أنه كافر مباح الدم" وينظر الصفدية ٢/٣١١.
وقال ابن أمير الحاج الحنفي في التقرير والتحبير ٢/٢٦٧: " وهو – أي المتكلم بالكفر هزلاً – كفر بالنص والإجماع.اهـ. ملخصاً. وقال المرداوي في الإنصاف ٢٧/١٠٨: "من أشرك بالله ... أو سب الله أو رسوله كفر بلا نزاع في الجملة".
وقال ابن نجيم في البحر الرائق ٥/١٣٤: "من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفر عند الكل".
ونقل ابن حجر المكي في قواطع الإسلام ص٦٢ عن بعض علماء الحنفية حكاية الاتفاق على كفر من سخر بالشريعة أو بحكم منها، وأقره على ذلك.
وذكر ابن العطار تلميذ النووي في آخر كتابه "الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد" ص٤٧: أن أباحنيفة قال بكفر من قال قولاً فيه استهانة بالدين، وأنه لم يخالفه أحد من المسلمين.
وذكر الألوسي في روح المعاني ١٠/١٣١ أنه لا خلاف بين الأئمة أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء.
стр. 3678
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير، باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ص٥٥٣: "من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه كفر ولو هازلاً لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعاً"، وينظر إبطال التنديد ص٢٤٦.
وقال شيخنا عبد العزيز بن باز كما فتاويه (جمع د. الطيار ص٥٢٥) : "سب الدين والرب جل وعلا كل ذلك من أعظم أنواع الكفر بإجماع أهل العلم"، وحكى أيضاً ص٥٢٧ إجماع العلماء على كفر من سب أو تنقص أو استهزأ بالله أو برسوله e أوسب أحداً من رسل الله أو سب الإسلام.
وينظر فتح الباري: استتابة المرتدين ١٢/٢٨١، الدرر السنية ٢/٣٦١،٣٦٠، و١٠/١١٤، والإرشاد للشيخ الدكتور صالح الفوزان ص٧٩، والاستهزاء بالدين له أيضاً، والتبيان شرح نواقض الإسلام ص٥٠-٥٣، والقول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين.
( [٣٧] ) رواه ابن وهب كما في تفسير ابن كثير، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠٠٤٧) ، وابن جرير في تفسيره (١٦٩١٢) بإسناد حسن، رجاله رجال مسلم.
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠٠٤٦-١٠٠٤٩، ١٠٤٠٢،١٠٤٠١) ، وابن جرير في تفسيره (١٦٩١٣-١٦٩١٦) من طرق أخرى متصلة ومرسلة.
( [٣٨] ) قال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/٢٠٤ بعد ذكره لهذه الآية: "نص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علمت أن في قلوبكم كفراً، بل جعلهم كفاراً بالاستهزاء نفسه، ومن ادعى غير هذا فقد قوّل الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى".
وقال أيضاً ٣/٢٥٦،٢٥٥: "صح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى أو بملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء ﵈ أو بآية من القرآن أو بفريضة من فرائض الدين – فهي كلها آيات الله تعالى – بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر".
وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٧/٢٧٣ في تفسير هذه الآية: "فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف".
стр. 3679
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص٥٥٩: "إن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيماناً قبل أن يقولوا ما قالوه". وينظر فتح المجيد ص٥١٦، وأعلام السنة المنشورة ص١٨٤،١٨٣.
( [٣٩] ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٥٥٨: "القلب إذا كان متعقداً صدق الرسول e، وأنه رسول الله، وكان محباً لرسول الله معظماً له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيماناً إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب". وقال أيضاً كما في شرح الأصفهانية ص١٨١: "الظاهر دليل على إيمان القلب ثبوتاً وانتفاء"، وينظر مجموع الفتاوى ٧/٦١٦، والصارم المسلول ص٥٢٤،٥١٩.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في التيسير ص٥٥٤: "وهل يجتمع الإيمان بالله وكتابه ورسوله والاستهزاء بذلك في قلب؟ بل ذلك عين الكفر، لذلك كان الجواب مع ما قبله:] لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم [".
( [٤٠] ) والأشياء التي يكفر المسلم ببغضها من دين الله تعالى كثيرة، وقد سبق ذكر أمثلة لها عند الكلام على كفر الجحود وكفر السب والاستهزاء، فجميع ما ذكر فيهما من أبغض شيئاً منه فقد كفر.
وقال الشيخ سليمان العلوان في "التبيان شرح نواقض الإسلام" ص٤٥ عند كلامه على هذا النوع: "فمن ذلك ما يتفوه به كثير من الكتّاب الملحدين الذي تغذوا بألبان الإفرنج وخلعوا ربقة الإسلام من رقابهم من كراهيتهم لتعدد الزوجات، فهم يحاربون تعدد الزوجات بشتى الوسائل، وما يعلم هؤلاء أنهم يحاربون الله ورسوله، وأنهم يردون على الله أمره.
ومثل هؤلاء في الكفر والبغض لما جاء به الرسول من يكره كون المرأة ليست بمنزلة
стр. 3680
الرجل، ككرههم أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل، وأن شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، وغير ذلك، فهم مبغضون لقول النبي e: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ.." الحديث. متفق عليه، فلذلك تجدهم يمدون ألسنتهم نحو هذا الحديث العظيم: إما بصرفه عن ظاهره، وإما بتضعيفه، بحجة أن العقل يخالفه، وإما بمخالفته للواقع.. وغير ذلك مما هو دالّ ومؤكد لبغضهم لما جاء به الرسول.
وهؤلاء كفار، وإن عملوا بمدلول النص، فهم لم يستكملوا شروط (لا إله إلا الله) ؛ لأن من شروطها: المحبة لما دلّت عليه، والسرور بذلك، وانشراح الصدر، وهؤلاء ضاقت صدورهم وحرجت وأبغضوا ما دلّت عليه، وهذا هو عين فعل المنافقين، الذين يفعلون كثيراً من محاسن الشريعة الظاهرة لشيء ما، مع بغضهم لها".
( [٤١] ) حكى هذا الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٠/٩٧، وكما في الإقناع (مطبوع مع شرحه كشاف القناع ٦/١٦٨) ، والشيخ سليمان بن سحمان كما في الدرر السنية ٢/٣٦١،٣٦٠.
وينظر الفصل ٣/٢٥٧، مجموع الفتاوى ٧/٥٢،٥١، البحر الرائق ٥/١٣٠، الزواجر (الكبيرة ٥٥،٥٤) .
( [٤٢] ) فإن من تعظيم هذا الدين محبته، وقد سبق في أركان العبادة أن أهم أركانها "المحبة" فمن لم يحب هذا الدين أو لم يحب بعضه فقد أخل بهذا الركن العظيم، فكيف إذا أبغضه، وكذلك سبق في شروط "لا إله إلا الله" أن من شروطها محبة هذه الكلمة ومحبة ما دلت عليه، فمن لم يحب شيئاً مما اقتضته فقد أخل بهذا الشرط، فكيف إذا كرهه. وينظر مجموع الفتاوى ١٤/١٠٧-١٠٩، والصارم المسلول ص٥٢٤.
стр. 3681
وقال شيخ الإسلام في رسالة المحبة ص١٠٤: "إذا كان أصل الإيمان صحيحاً، وهو التصديق، فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها، فهو إذا فعلها لغلبة الشهوة عليه، فلابد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها، وفيه خوف من عقاب الله عليها، وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها، إما بتوبة، وإما حسنات، وإما عفو، وإما دون ذلك، وإلا فإذا لم يبغضها، ولم يخف الله فيها، ولم يرج رحمته، فهذا لا يكون مؤمناً بحال، بل هو كافر أو منافق".
وقال أيضاً في المرجع نفسه ص١٩٤،١٩٣: "لم يتنازع العلماء في أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب محبب، لا يجوز كراهة ذلك وسخطه، وأن محبة ذلك واجبة، بحيث يبغض ما أبغضه الله، ويسخط ما أسخطه الله من المحظور، ويحب ما أحبه، ويرضى ما رضيه الله من المأمور. وإنما تنازعوا في الرضا بما يقدره الحق من الألم بالمرض والفقر. فقيل: هو واجب. وقيل: هو مستحب. وهو أرجح، والقولان في أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، وأما الصبر على ذلك فلا نزاع أنه واجب".
( [٤٣] ) لا يدخل في هذا النوع أن يكره المسلم فعل واجب لمشقته عليه، أو أن يكره ترك محرم لمحبته لفعله، فإن هذا كره للفعل أو للترك، ولم يكره أن الله أوجب الواجب أو حرم الحرام، فهو كره أن يفعل هذا الواجب أو أن يترك هذا المحرم لا غير، كما قال
تعالى:] كتب عليكم القتال وهو كره لكم.. [[البقرة: ٢١٦] أي تكرهونه من حيث الطبع لما فيه من المشقة عليكم، فيكره المسلم أن يفعله بنفسه لما فيه من المشقة، من تعريض النفس للهلاك وغير ذلك من المشاق، ولكن لا يكره أن الله شرعه، بل يحب ذلك ويرضى به ويعلم أن الخير للأمة في وجوب الجهاد، وأنه ذروة سنام الإسلام.
стр. 3682
فحال المسلم مع هذا الحكم وأمثاله كحال المريض الذي وصف له الطبيب علاجاً ودواءً فيه مشقة عليه، كأن يصف له شراباً كريه المذاق، أو ينصحه بإجراء عملية جراحية فيها ألم ومشقة، فهو يكره هذا الدواء، لكنه راض عن وصف الطبيب له هذا العلاج، فيكره نفسه عليه، وقد يضعف عن تحمله فيتركه، مع معرفته أن فيه شفاءه، واعترافه بأن فيه نفع له لما يعلم من مهارة هذا الطبيب ونصحه له، وبهذا يجمع بين محبته للمعصية أو كرهه للطاعة طبعاً، وبين رضاه بتقدير الله تعالى وشرعه ومحبته له. ينظر تفسيري البغوي والقرطبي للآية (٢١٦) من سورة البقرة، والمفردات ص٤٢٩، ومدارج السالكين ٢/١٨٣،١٨٢، النواقض الاعتقادية ٢/١٧٧-١٧٩، وينظر التعليق السابق.
وقد اختلف أهل العلم فيما إذا قال: أتمنى أن الله لم يوجب هذا الواجب أو لم يحرم هذا المحرم، فقيل: يكفر، وقيل: لا يكفر. ينظر روضة الطالبين ١٠/٦٩،٦٨، الإعلام بقواطع الإسلام ص٦٣، والأقرب أنه إن كان يتمنى أن هذا الواجب كان مسنوناً ليسلم من إثم تركه، أو أن هذا المحرم كان مكروهاً ليسلم من إثم فعله لضعفه عن تركه، مع إقراره بأن ما شرعه الله هو الحق والحكمة، لكن خشي من الإثم فلعله لا يكفر، أما إن كان يتمنى ذلك كرهاً لهذا الحكم الشرعي؛ لأنه يحول بينه وبين شهواته، أو لأن إخلاله بهذه الحكم قد يسبب له عقوبة عاجلة من ولي الأمر، أو أنه يرى أن هذا الذي تمناه أنفع للخلق ونحو ذلك، فهذا الأقرب أنه يكفر. والله أعلم.
стр. 3683
( [٤٤] ) قال الإمام سفيان بن عيينه كما في "السنة" لعبد الله بن أحمد: الإيمان والرد على المرجئة، رقم (٧٤٥) : "ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم - صلوات الله عليه – وإبليس وعلماء اليهود، أما آدم فسُمِّي عاصياً من غير كفر، وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمداً، فسُمِّي كافراً، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي e، وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته فسمّاهم الله كفاراً، فركوب المحارم مثل ذنب آدم – ﵇ – وغيره من الأنبياء – ﵈، وأما ترك الفرائض جحوداً فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله، وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر، مثل كفر علماء اليهود". انتهى كلامه مختصراً.
وقال الإمام الشوكاني في رسالة: إرشاد السائل إلى دلائل المسائل (مطبوعة ضمن الرسائل السلفية ص٤٣) : "السؤال الثاني: ما حكم الأعراب سكان البادية الذين لا يفعلون شيئاً من الشرعيات إلا مجرد التكلم بالشهادة، هل هم كفار أم لا؟ وهل على المسلمين غزوهم أم لا؟ أقول: من كان تاركاً لأركان الإسلام وجميع فرائضه ورافضاً لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال، ولم يكن لديه إلا مجرد التكلم بالشهادتين فلا شك ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر حلال الدم..".
( [٤٥] ) قال الإمام الشافعي كما في كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٩٧: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم، يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر".
وقد حكى الشيخ سليمان بن سحمان الإجماع على هذا الكفر كما في الدرر السنية ٢/٣٦٢،٣٦٠.
стр. 3684
وقال الدكتور محمد الوهيبي في رسالة نواقض الإيمان الاعتقادية ٢/١٤٠ عند كلامه على حكم تارك أركان الإسلام الأربعة بعد الشهاديتين، بعد ذكره لإجماع السلف على كفر تارك جنس العمل: "إن قول السلف في مسألة ترك جنس العمل يختلف عن قولهم في مسألة ترك الأركان، فالأول أمر لم يخالف فيه منهم أحد – أي في كفر تارك جنس العمل – لأنه مقتضى إجماعهم على حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، أما الثاني فهو من مسائل الاجتهاد ... ".
( [٤٦] ) قال البيضاوي في تفسيره ١/١٥٦: "وإنما لم يقل: (لا يحبهم) لقصد العموم والدلالة على أن التولي عن الطاعة كفر، وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين".
وقال أبوالسعود في تفسيره ١/٤٦٦: "وإيثار الإظهار على الإضمار لتعميم الحكم لكل الكفرة والإشعار بعلته، فإن سخطه عليهم بسبب كفرهم، والإيذان بأن التولي عن الطاعة كفر".
( [٤٧] ) فتركه لجنس العمل بأحكام الإسلام بجوارحه دليل على أن ما ادعاه من إقراره بقلبه بأركان الإيمان غير صحيح، إذ لو كان مؤمناً حقاً بوجوب عبادة الله دون سواه لما أعرض بجوارحه عن عبادة الله وطاعته كلية، ولو كان مؤمناً حقاً بأن محمداً e رسول من عند الله تجب طاعته لما عصاه في كل ما جاء به وأمر به من الأعمال الظاهرة.
قال أبوطالب المكي كما في الإيمان لشيخ الإسلام ص٣١٨: "من كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٦١١ بعد ذكره أن الإيمان القلبي يمتنع أن يكون موجوداً مع بقاء الإنسان دهراً لا يؤدي أي واجب من الواجبات، قال: "ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار، كقوله:] وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم
стр. 3685
سالمون [". ومعنى (سالمون) : ممتنعون عن الصلاة مع قدرتهم على أدائها.
وينظر في هذا النوع من أنواع الكفر أيضاً مجموع الفتاوى ٧/٦٤٥،٦٢١، و١٨/٢٧٢، مدارج السالكين ١/٣٦٧،٣٦٦، النواقض العملية ص ٤٤،٤٣،٢٦، ٨٦-٨٨، ٣٤٤-٣٥٧، النواقض الاعتقادية ٢/١٢١-١٣٩، وينظر الشرط الرابع من شروط "لا إله إلا الله". وينظر ما يأتي في النفاق – إن شاء الله -.
( [٤٨] ) أما ترك الصلوات الخمس فإن تركها المسلم جحداً لفرضيتها كفر إجماعاً، وكذلك لو تركها وأصر على تركها بعد تهديده بالقتل إن استمر على تركها، فتركها حتى قتل، فهذا مرتد أيضاً، لأن إصراره على تركها حتى يقتل دليل على كفره في الباطن وأنه جاحد لوجوب الصلاة، أو دليل على أنه تركها إباءً واستكباراً، وكلاهما كفر.
أما إن تركها المسلم كسلاً وتهاوناً فقد وردت نصوص شرعية كثيرة فيها الحكم بكفره، منها ما رواه مسلم (٨٢) عن جابر قال: قال رسول الله e: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
وقد ثبت عن جماعة من الصحابة الجزم بكفره وأنه لا حظ له في الإسلام، وحكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك: قال المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص٩٢٥: "ذكرنا الأخبار المروية عن النبي e في إكفار تاركها وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة – ﵃ – مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك". ثم روى المروزي (٩٧٨) بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين عن التابعي الجليل أيوب السختياني أنه قال: "ترك الصلاة كفر لا يختلفون فيه". وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٧) ، وقال المروزي أيضاً (٩٩٠) : "سمعت إسحاق يقول: قد صح عن رسول الله e أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي e إلى يومنا هذا".
стр. 3686
وذكر ابن حزم في المحلى ٢/٢٤٢ أن هذا قول عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم، وذكر أنه لا يعلم لهم مخالفاً من الصحابة.
وقال الحافظ ابن القيم في كتاب "الصلاة وحكم تاركها" ص٥٠: "فصل دلالة الإجماع على كفر تارك الصلاة. وأما إجماع الصحابة ... " ثم ذكر قول عمر بعدما طعن: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، ثم قال: "قال هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يعلم عن صحابي خلافهم".
وهذا قول أكثر علماء الحديث، وذهب بعض أهل الحديث وبعض متأخري الفقهاء إلى أنه كافر كفراً أصغر. ينظر: تعظيم قدر الصلاة، باب ذكر إكفار تارك الصلاة ص٨٧٣-١٠١٧، الجامع للخلال ص٣٠٠ وما بعدها، التمهيد ٤/٢٢٤-٢٤٢، شرح اعتقاد أهل السنة ٤/٨٢٩،٨٢٥، شرح السنة ٢/١٩٧، مجموع الفتاوى ٢٠/٩٧، كتاب الصلاة لابن القيم.
( [٤٩] ) فيشترط للحكم بالكفر أن يكون الواقع في الكفر عالماً عامداً، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم: ينظر البحر الرائق ٥/١٣٤، إعلام الموقعين: فصل اعتبار النيات ٣/٦٢.
стр. 3687
وقال شيخنا محمد بن عثيمين كما في مجموع فتاويه (جمع فهد السليمان ٢/١٢٦،١٢٥) : "للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء كفر، الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له، فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى:] ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً [[النساء:١١٥] ، وقوله:] وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون [[التوبة:١١٥] ، وقوله:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [[الإسراء:١٥] . لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت، ولا يبحث فإنه لا يكون معذوراً حينئذ وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك ... لكن من عمل شيئاً مكفراً مازحاً فإنه يكفر لأنه قصد ذلك، كما نص عليه أهل العلم".
( [٥٠] ) وذلك كأن يكون مكرهاً، أو جاهلاً جهلاً يعذر مثله به، كحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة عن العلم وأهله ونحو ذلك، أو يكون مخطئاً بسبق لسان أو اجتهاد أو غيرهما، أو يكون ناسياً، أو حاكياً لقوله غيره لتعليم أو شهادة أو غيرهما.
وقد أجمع أهل العلم على أن من وقع في الكفر ناسياً أو مكرهاً أو مخطئاً أنه لا يكفر. ينظر تفسير القرطبي (تفسير الآية الأخيرة من البقرة ٣/٤٣٢) ، إيثار الحق لابن الوزير ص٣٩٧،٣٩٥، البحر الرائق لابن نجيم ٥/١٣٤.
أما الخوف الذي لم يصحبه إكراه: فقيل: إنه ليس عذراً، وقيل: إنه عذر، والأقرب أنه إن كان هناك خوف شديد يقرب من الإكراه، كان عذراً، وإلا فلا، ينظر تعظيم قدر الصلاة ص٩٣٠، شرح المنهج لزكريا الأنصاري مع حاشيته للجمل ٥/١٢٢،١٢١، رسالة "حكم موالاة أهل الإشراك": الدليل الرابع عشر.
стр. 3688
( [٥١] ) ينظر في مانع الجهل: الفصل ٣/٢٤٩، المغني: الردة ١٢/٢٧٧، الشفا ٢/٥٣٠،٥٢٩،٥٢٤،٥٢٣، الإعلام بقواطع الإسلام ص٥٢، رسالة الجهل بمسائل الاعتقاد لعبد الرحمن معاش، ورسالة "ضوابط التكفير عند أهل السنة" للدكتور عبد الله القرني، ورسالة "منهج ابن تيمية في التكفير" ١/٢٥١-٢٦٠، وينظر فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز (جمع د. الطيار ص٥٢٩،٥٢٨) فقد فصّل في المسألة، وذكر أن الجهل قسمان: الأول: جهل من نشأ بين المسلمين فهذا لا يعذر في عبادة غير الله من الأصنام والأموات لإعراضه عن السؤال. والثاني: من يعذر بالجهل، كالذي نشأ في بلاد بعيد عن الإسلام، وكأهل الفترة، ثم قال: "فهؤلاء معذورون بجهلهم، وأمرهم إلى الله ، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيؤمرون، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، لقوله تعالى:] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [، ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك ". وينظر فتاوى الشيخ ابن عثيمين (جمع فهد السليمان ٢/١٢٤-١٣٨) ففيها تفصيل جيد.
( [٥٢] ) رواه البخاري في الأنبياء (٣٤٨١،٣٤٧٨) ، ومسلم في التوبة (٢٧٥٧،٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد، ورواه البخاري (٣٤٧٩) من حديث حذيفة. وقد ذكر ابن الوزير في إيثار الحق ص٣٩٤ أن هذا الحديث متواتر.
( [٥٣] ) قال أبومحمد بن حزم في الفصل ٣/٢٥٢: "فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره، وخوفه، وجهله ".
стр. 3689
وقد ذكر ابن حزم في الفصل ٣/٢٥١-٢٥٣ أيضاً ثلاثة أدلة أخرى لهذا المانع. أولها: قبول النبي e إسلام كل من أسلم مع أنه جاهل بأكثر مسائل أصول الدين. والثاني: قول الحواريين] يا عيسى هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء [إلى قوله:] ونعلم أن قد صدقتنا [قال: "ولم يبطل بذلك إيمانهم ". والثالث: أن من قرأ القرآن فأخطأ جهلاً لا يكفر، وينظر تأويلمختلف الحديث ٨١، وإيثار الحق ص٣٩٤، وينظر أيضاً رسالة منهج ابن تيمية في التكفير ١/٢٤٣-٢٤٩، فقد نقل مؤلفها عن شيخ الإسلام في هذا تسعة أدلة قوية.
( [٥٤] ) فمن حصلت له شبهة من جهة عدم الفهم فهو مخطئ معذور، وهذا هو الأصل الذي يعتمد عليه في حكم الظاهر، والحكم على المكلف إنما هو على ظاهره بإجماع أهل العلم، والله يتولى السرائر، ومن القواعد المقررة أن المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة، ما لم يتحقق القصد إليها، والمتأول في حقيقته مخطئ غير متعمد للمخالفة في الظاهر، بل هو يدّعي أنه على الحق، ويصرح بأنه يعتقد ذلك، فيعذر من أجله، فلا يحكم بكفره. ينظر الفصل ٣/٢٨٥، مجموع الفتاوى ٧/٤٧٢، إيثار الحق ص٣٧٦-٤٠٦، فتح الباري: استتابة المرتدين ١٢/٢٧٣، ضوابط التكفير ص٣٣٤،٣٣٣، وينظر ما سبق في كفر الإعراض ص () ، ولهذا لم يكفر عمر ﵁ الذي شرب الخمر معتقداً حلها له؛ لأن لديه شبهة تأويل، مع أنها شبهة ضعيفة واجتهاد أخطأ فيه. والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٠٧٦) ، ومن طريقه البيهقي في سننه ٨/٣١٦،٣١٥ بإسناد صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وله شواهد عند عبد الرزاق وغيره. ينظر: المصنف (١٧٠٧٥) ، والإصابة ٣/٢٢٠. وينظر تلخيص الاستغاثة في الرد على البكري ص٢٥٩.
стр. 3690
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٣/٢٩٩: "هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والقولية والمسائل العملية".
( [٥٥] ) ولهذا لم يكفر الإمام أحمد الذين امتحنوه وضربوه ليقول بخلق القرآن، مع أن منهم قضاة وعلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٧/٥٠٨،٥٠٧: "المحفوظ عن أحمد وغيره من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية والمشبهة وأمثال هؤلاء، مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال: إنه جهمي كفّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم، وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة". انتهى كلامه ملخصاً.
وهذا الحكم لا يشمل غلاة الجهمية المتهمين بالنفاق والزندقة. قال الحافظ ابن القيم كما في الدرر السنية ١٠/٣٧٤: "وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة، ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: هم مباينون للملة". وينظر منهج ابن تيمية في التكفير ١/١٩٩،١٩٨.
( [٥٦] ) ينظر ما سبق ص (٢٠٨) من قول الإمام أبي حنيفة بكفر من أنكر علو الله تعالى.
стр. 3691
( [٥٧] ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاستغاثة في الرد على البكري" – كما في تلخيصه ص ٢٦٠ – بعد ذكره لقصة قدامة السابقة وبعد ذكره لحديث الرجل الذي أمر بإحراق جسده بعد موته، قال: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائمهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابنا، فلهذا لم نقابل جهله وافتراءه بالتكفير بمثله".
( [٥٨] ) قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كما في الدرر السنية ١/٢٣٦،٢٣٥: "فما القول فيمن حرر الأدلة؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة؟ واستمر مصراً على ذلك – أي على قول: يا رسول الله أسألك الشفاعة – حتى مات؟ قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن
стр. 3692
ذكر، ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين: التواطؤ علىهجر كلام أئمة السنة في ذلك رأساً، ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم ... ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سريرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة، والتأليف فيها، وإن كان مخطئاً في هذه المسألة أوغيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا = نقل لأنه من جملة علماء المسلمين". قلت: والهيتمي ممن يرى مشروعية الاستشفاع بالنبي e حياً وميتاً. ينظر الجامع لألفاظ الكفر ص١٦٢.
( [٥٩] ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٥/٩٥: "لم تكفر الصحابةُ الخوارجَ مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم".
( [٦٠] ) ينظر أيضاً: الدرر السنية ١/٥٢٠-٥٢٥، مجموعة التوحيد ١/٥٤، ضوابط التكفير، الباب الثالث: تكفير المعين.
( [٦١] ) قال الإمام الشوكاني في السيل الجرار فصل: والردة باعتقاد أو فعل أو زي أو لفظ كفري ٤/٥٧٨:
стр. 3693
"اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسمل يؤمن بالله ولايوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما. هكذا في الصحيح، وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما: (من دعا رجلاً بالكفر، أوقال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه) . أي رجع، وفي لفظ في الصحيح: (فقد كفر أحدهما) ، ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير".
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين كما في الدرر السنية ١٠/٣٧٥،٣٧٤: "وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين.. وأيضاً: فما تنازع العلماء في كونه كفراً، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم e، وقد استزل الشيطان أكثرالناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم، ومن العجب: أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة، أو البيع ونحوهما، لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء، ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمور الدين وأشد خطراً، على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين! ومحنته من تينك البليتين!! ".
( [٦٢] ) وشروط المجتهد ذكرها أهل العلم في كتب أصول الفقه وغيرها، وهي:
١-أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها.
стр. 3694
٢-أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه كمعرفة الإسناد ورجاله وغير ذلك.
٣-أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ أو مخالف للإجماع.
٤-أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص أو تقييد أو نحوه حتى لا يحكم بما يخالف ذلك
٥-أن يكون عارفاً بلسان العرب الذي نزل به القرآن وجاءت به السنة، وذلك بمعرفة النحو ومعرفة معاني الحروف والألفاظ ونحو ذلك.
٦-أن يعرف من أصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ كالعام والخاص والمطلق والمقيد والصريح والظاهر والمجمل والمبين ونحو ذلك؛ ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات.
٧-أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها، فيعرف تقرير الأدلة وما يتقوم به ويتحقق به، وكيفية نصب الدليل ووجه دلالته علىالمطلوب، ليتمكن من الاستنباط الدقيق للحكم من دليله، وهذا يحتاج إلى طول مجالسة لأهل العلم الذين أخذوه عن أهله والنظر في كيفية استنباطهم.
ينظر روضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر: فصل في حكم المجتهد ٢/٤٠١-٤٠٦، وإرشاد الفحول: المقصد السادس ص٢٥٠-٢٥٢، والأصول من علم الأصول ص٧٥.
( [٦٣] ) ينظر كلام الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين الذي سبق نقله قريباً، وكلام شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين الذي سبق نقله عند الكلام على شروط الحكم على المعين بالكفر.
стр. 3695
( [٦٤] ) رواه البخاري (٦٠٤٥) ، ومسلم (٦١) ، وله شواهد كثيرة. وقال ابن الوزير بعد ذكره لتواتر هذه الأحاديث وذكره ما يشهد لها قال في إيثار الحق ص٣٨٥: "وفي مجموع ذلك ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام وتجنبه للكبائر وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلطة في بدعة لعل المكفر له لا يسلم من مثلها أو قريب منها، فإن العصمة مرتفعة، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلاً ولا شرعاً، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم".
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الإحكام في آخر باب اللعان ٤/٧٦ عند شرحه لحديث أبي ذر السابق: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث، لما اختلفوا في العقائد فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم".
( [٦٥] ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٣٥/١٠٠: "إن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسملين؛ لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله e؛ وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق؛ بل ولا يأثم؛ فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين:] ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [، وفي الصحيح عن النبي e أن الله تعالى قال: قد فعلت ".
стр. 3696
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رسالته التي وجهها لبعض المتسرعين في التكفير، بعد ذكره أنه قد أنكر على رجلين صنعا مثلما صنع هذا المتسرع، قال كما في الدرر السنية ١/٤٦٧-٤٦٩: "وأخبرتهم – أي هذين الرجلين – ببراءة الشيخ محمد – أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب – من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يُكفِّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه، من العبادات والإلهية، وهذا: مُجمع عليه أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلَّدة، يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون فيها حكمها،وما يوجب الردة، ويقتضيها، وينصون على الشرك، وقد أفرد ابن حجر، هذه المسألة، بكتاب سماه: الإعلام بقواطع الإسلام.
وقد بلغنا: عنكم، نحو من هذا وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال، والهدايا، ونحو ذلك، من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة والتي لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة، وفصل الخطاب. والكلام في هذا: يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها وأعرض عنها، وعن
تفاصيلها، فإن الإجمال، والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله، يحصل به من اللبس والخطأ، وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها، وبين فهم السنة والقرآن، قال ابن القيم: في كافيته - رحمه الله تعالى -:
وعليك بالتفصيل والتبيين فال إطلاق والإجمال دون بيان
стр. 3697
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأذهان والآراء كل زمان".
وينظر ص (١٩٩) ، تعليق (٦٢) ، وينظر التعليق السابق.
стр. 3698
الروح القدس في عقيدة النصارى
((دراسة نقدية في ضوء المصادر الدينية))
د. عبد الله بن عبد العزيز الشعيبي
استاذالشريعة المساعد - قسم العلوم الإنسانية
كلية الملك خالد العسكرية
ملخص البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
هذا البحث موضوعه ((الروح القدس في عقيدة النصارى)) ويشتمل على دراسة نقدية لبيان بطلان اعتقاد النصارى ألوهيته من خلال المصادر الدينية التي يؤمنون بها، وهي العهد القديم والعهد الجديد، إذ قد تبين فيهما أن حقيقة الروح سواء بإضافتها إلى الله أوإلى القدس أو بدون إضافة، فإن نصوصهم المقدسة لاتدل على ألوهيته، وهي الحقيقة التي أخبر عنها كتاب الله المنزل على خاتم المرسلين محمد ﷺ . ولأجل بيان ضلال النصارى في اعتقادهم ألوهية الروح القدس، فقد تطرق البحث إلى بيان حقيقة الروح القدس في الشرائع الإلهية، ثم بيان مراحل إقرار النصارىألوهيته، ثم بيان مرحلة اعتقادهم ألوهيته، كما تطرق البحث إلى بيان بطلان اعتقادهم أن الروح القدس ليس هو ملاك الله جبريل ﵇ وعلى اعتقادهم خصوصية حلول الروح القدس على المسيح وعلى المؤمنين من أتباعه. وفي خاتمة البحث جاءت النتائج التي توصلت إليها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المقدمة:
((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)) (الأنعام آية ١) .
стр. 3699
والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد ﷺ ، الذي أرسله الله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، حين حرف الكلم وبدلت الشرائع، واستند كل قوم إلى ظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق، وأوضح به الطرائق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأصلي وأسلم على آله الأطهار، وصحبه الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمابعد:
فإن الله عزوجل أخبر في الوحي المنزل على الأنبياء والرسل، أن الروح من الحقائق الإيمانية الثابتة، التي يجب على كافة أتباع الرسل اعتقاد وجودها والإيمان بها، إذ جاء ذكرها في الوحي بعضها مضافاً إلى الله، وإلى القدس، وبعضها بدون إضافة، وتدل على معانٍ مختلفة، حسب مناسبة ووردها.
ولقد ضل أهل الكتاب من قبلنا فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض:
((ويقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً)) (النساء ١٥٠) ، ومن ذلك الإيمان الذي أرادوا أن يتخذوه سبيلاً، أنهم ضلوا عن الحق في الإيمان بحقيقة الروح، فاليهود يعرفون حقيقة الروح، ويعترفون أن الروح القدس هو جبريل ﵇ لكنهم زعموا أنه عدوهم من الملائكة، وأما النصارى فإنهم يعرفون بعض حقيقة الروح، لكنهم زعموا أن الروح القدس غير جبريل ﵇ ويعتقدون أنه إله مع الله والأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس.
أما نحن المسلمين فقد هدانا الله إلى معرفة حقيقة الروح، فقد أخبر الله أنها تدل على معانٍ عدة حسب مناسبة ذكرها في القرآن، كما أخبر الله أنها تدل في الكتب الإلهية السابقة على نفس المعاني التي أنزلها الله في القرآن، لكن أصحاب تلك الكتب من أهل الكتاب ضلوا عن الحق الذي أخبر الله تعالى عنه في كتبهم، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.
стр. 3700
وهذا البحث سيكون إن شاء الله دراسة نقدية في بيان بطلان اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس وأنه الرب المحيي، وقد كان اختياري للكتابة في هذا الموضوع لسببين:
الأول: أن موضوع هذا البحث هو الأول حسب علمي الذي يجمع شتات هذا الموضوع المتفرق في بعض مؤلفات علماء المسلمين المختصين في علم جدال أهل الكتاب، من أمثال: الإمام ابن تيمية، والقرافي، والقرطبي، ونصر بن يحيى المتطبب، وغيرهم من علماء المسلمين، فكان هذا البحث إسهاماً متواضعاً في بيان الحق عن حقيقة الروح القدس، كما تشهد بذلك المصادر الدينية من التوراة والإنجيل والقرآن.
الثاني: كثرة مؤلفات النصارى عن الروح القدس إذ لا يخلو مؤلف من مؤلفاتهم في عقيدة التثليث من إثبات اعتقادهم ألوهيته، وأنه الأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس وتأويلهم لنصوص التوراة والإنجيل لإثبات معتقدهم الباطل.
بل وصل بهم الحد إلى محاولة تأويل نصوص القرآن الكريم لتتفق مع عقيدتهم الباطلة (١) .
وكان منهج البحث يقوم على استقراء الأدلة من المصادر الدينية وتحليلها، وبيان الحق فيها بما يتفق مع صريح المعقول وصحيح المنقول، وبيان ضلالهم عن الحق، وأن هذا مما ابتدعوه بأهوائهم، وقرروه بمجامعهم، مخالفين بذلك كتب الله المنزلة على أنبيائه، وبيان أن معتمدهم من القوانين والنواميس التي جعلوها شرائع دينهم بعضه منقول عن الأنبياء، وبعضه عن الحواريين، وكثير منه من ابتداع أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أرباباً من دون الله.
وسيكون الحديث عن بيان حقيقة الروح القدس في التوراة والإنجيل والقرآن، وبيان مراحل إقرار النصارى ألوهيته، ثم اعتقادهم ألوهيته، وبيان العلاقة بين الروح القدس والمسيح ﵇ وبينه وبين ملاك الله جبريل ﵇.
стр. 3701
وسيتم الرد على ضلالهم من خلال ما نراه حقاً في نصوصهم المقدسة، الموافقة لكتاب الله المنزل على خاتم المرسلين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المصدق لما قبله من وحي الله المنزل على أنبيائه ورسله. وأود التنبيه إلى أن بعض النصوص الدينية يكون فيها أكثر من وجه للاستشهاد مما يضطرنا لاعادتها أو الاشارة إليها في بعض القضايا التي تتم مناقشتها.
وستكون هذه الدراسة في أربعة مباحث:
المبحث الأول: حقيقة الروح القدس في الشرائع الإلهية.
المبحث الثاني: مراحل إقرار النصارى ألوهية الروح القدس.
المبحث الثالث: مرحلة اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس.
المبحث الرابع: الروح القدس والمسيح عند النصارى.
المبحث الأول: حقيقة الروح القدس في الشرائع الإلهية
الروح القدس من الحقائق الإيمانية الثابتة في الشرائع الإلهية المنزلة على الأنبياء والرسل، فكل أتباع الشرائع الإلهية يعتقدون وجوده والإيمان به، وبيان ذلك فيما يأتي:
المطلب الأول: حقيقة الروح القدس عند اليهود:
إن التوراة كتاب اليهود المقدس ذكرت الروح مضافة إلى القدس وإلى الله وبدون إضافة، فجاءت الروح بمعنى الوحي بالإلهام، إذ جاء في سفر الخروج: ((وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة)) (٢) ، وجاء في سفر حزقيال: ((وحل عليّ روح الرب وقال لي: قل هكذا قال
الرب)) (٣) ، وفيه أيضاً: ((وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها)) (٤) .
стр. 3702
وجاءت الروح بمعنى الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، إذ جاء في سفر التكوين عن يوسف ﵇: ((فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا، ليس بصير وحكيم مثلك)) (٥) ، وجاء في سفر المزامير على لسان داود ﵇: ((لا تطرحني من قدام وجهك، وروح قدسك لا تنزعه مني)) (٦) ، وقول النبي أشعياء: ((أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه، الذي سير ليمين موسى ذراع مجده)) (٧) .
وجاءت الروح بمعنى جبريل ﵇ إذ جاء في سفر أشعياء:
((ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدواً وهو حاربهم)) (٨) . وجاء عن داؤد ﵇: ((روح الرب تكلم بي، وكلمته على لساني)) (٩) ، وجاء في سفر دانيال: ((وسمعت صوت إنسان بين أولادي فنادى وقال يا جبرائيل فَهِّم هذا الرجل الرؤيا)) (١٠) ، وفيه أيضاً: ((إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء ... وقال يا دانيال إني خرجت الآن لأعلمك الفهم)) (١١) .
وجاء أن الروح تهب القوة والنشاط، إذ جاء في سفر القضاة: ((فحل عليه روح الرب فشقه كشق الجدي وليس في يده شئ)) (١٢) ، وفيه أيضاً:
((وحل عليه روح الرب فنزل إلى أشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلاً وأخذ سلبهم)) (١٣) ، وفيه أيضاً: ((فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب)) (١٤) .
كما جاءت الروح بمعنى الريح (١٥) ، وبمعنى روح الإنسان (١٦) ، وبمعنى الخلق والإحياء (١٧) ، وبغير ذلك من المعاني.
والروح سواء أكانت مضافة إلى الله، أم إلى القدس، أم بدون إضافة، فإن المعنى أنها صادرة عن الله تعالى (١٨) ، كما تبين لنا ذلك من النصوص السابقة الدالة على معنى حقيقة الروح، وأنها لا تعني سوى ذلك.
стр. 3703
واليهود أهل التوراة يعرفون حقيقة معنى الروح، ويعرفون أن الروح القدس هو الذي يأتي بالوحي إلى الأنبياء، وأنه جبريل ﵇، وأنه ينفذ أوامر الله، لا يأتي بشيء من عنده، وما هو إلا عبد الله ورسوله، وأحد خلقه من ملائكة الله المقربين، ولكنهم مع كثرة نزوله بالعقاب عليهم لكثرة عصيانهم لله، ومخالفة أمره، كرهوا ملاك الله جبريل، وكرهوا اسمه، واعتبروه عدواً لهم، ومحارباً لهم، فقد ذكرسفر أشعياء هذه العداوة التي ملأت قلوبهم، ونطقت بها أفواههم، إذ جاء فيه: ((إحسانات الرب، اذكر تسابيح الرب حسب كل ما كافأنا به الرب، والخير العظيم لبيت إسرائيل الذي كافأهم به حسب مراحمه وحسب كثرة إحساناته، وقد قال حقاً إنهم شعبي، بنون لا يخونون، فصار لهم مخلصاً، في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم، بمحبته ورأفته هوفكَهم، ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة، ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدواً وهو حاربهم)) (١٩) .
هذه العداوة من اليهود للروح القدس جبريل ﵇ جعلتهم يكرهون ذكر اسمه، لذلك فقد اهتم اليهود بسؤال الأنبياء عن الروح الذي يأتي بالوحي من السماء، فإن كان جبريل قاطعوا النبي ولم يسمعوا له، فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمع عبد الله ابن سلام بقدوم رسول الله ﷺ ، وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي ﷺ ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفاً، قال: جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ((من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك)) (٢٠) ... الحديث)) (٢١) .
стр. 3704
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قالوا: الله على نقول وكيل، قال: هاتوا الحديث إلى أن قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟
قال:جبريل ﵇ قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله : ((قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك)) إلى قوله: ((فإن الله عدوٌ للكافرين)) (٢٢) .
وساق ابن جرير بسنده نحواً من هذا الحديث، ثم ذكر روايات أخرى جاء فيها زعم اليهود أن جبريل عدوهم، وأنه يأتيهم بالشدة وسفك الدماء، والحرب والقتال (٢٣) .
فتبين أن هؤلاء اليهود يعرفون حقيقة الروح القدس وأنه جبريل ﵇ وهو المذكور في كتبهم المنزلة على أنبيائهم.
المطلب الثاني: حقيقة الروح القدس عند النصارى:
стр. 3705
أما النصارى وهم أيضاً يعتقدون بقدسية كتب اليهود، وهي جزء من كتابهم المقدس ويسمونه بالعهد القديم، ويؤمنون به كإيمانهم بالعهد الجديد (الأناجيل والرسائل) وهو حجة عليهم فيما ورد فيه عن حقيقة الروح القدس، فقد جاء في الأناجيل والرسائل ما يصدق ما جاء في التوراة عن حقيقة الروح القدس، فقد ذكرت تلك الكتب أن الروح القدس ﵇ كان مع داود ﵇: ((لأن داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربي)) (٢٤) ، وأن المسيح ﵇ قال لهم عنه: ((فكيف يدعوه داود بالروح)) (٢٥) ، وأنه نزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، إذ جاء في سفر أعمال الرسل: ((فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة إنه حسناً كلم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبي، قائلاً اذهب إلى هذا الشعب)) (٢٦) ، وجاء في رسالة بطرس الثانية: ((لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس)) (٢٧) ، وذكر سفر أعمال الرسل عداوة اليهود للروح القدس جبريل ﵇ إذ جاء فيه: ((يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان أنتم دائماً تقاومون روح القدس، كما كان آباؤكم كذلك أنتم، أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم)) (٢٨) ، ومن صفاته أنه روح الله الحي إذ جاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس: ((جبرائيل روح الله الحي)) (٢٩) ، وفي الإنجيل أنه بشر زكريا بميلاد يوحنا ﵉: ((فظهرله ملاك الرب واقفاً عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف، فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت)) (٣٠) ، وأخبره في هذه البشارة أن امرأته ستلد له ابناً وتسميه يوحنا، ويكون له فرحاً وابتهاجاً: ((لأنه يكون عظيماً أمام الرب، وخمراً ومسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس)) (٣١) ، كما أن مريم أم المسيح وجدت حبلى من الروح القدس:
стр. 3706
((ولما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس)) (٣٢)
كما نزل الروح القدس على المسيح ﵇، واستمر معه بعد أن عمده يوحنا المعمدان في ماء الأردن: ((ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضاً، وإذ كان يصلى انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة)) (٣٣) ، وقال يوحنا المعمدان: ((إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس)) (٣٤) ، وجاء في الإنجيل: ((وفي تلك الأيام جاء يسوع ... واعتمد من يوحنا في الأردن، وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلاً عليه)) (٣٥)
كما أن الروح القدس مؤيدٌ للمسيح في دعوته ومعجزاته: ((أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئاً من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح في البرية)) (٣٦) ، وجاء أيضاً: ((ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل..... وكان يعلم في مجامعهم)) (٣٧) ، وفي الإنجيل يقول المسيح ﵇: ((روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب)) (٣٨) ، ويتحدث سفر أعمال الرسل عن المعجزات التي أيد الله بها المسيح بواسطة الروح القدس، إذ يقول: ((يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه)) (٣٩) ، ففي هذين النصين نجد أن الروح القدس مرادفاً للفظ القوة، أي أنه القوة التي أيد الله بها المسيح ﵇ واستطاع بهذه القوة شفاء الأمراض، وإجراء المعجزات، بإذن الله تعالى، وهي القوة التي أيد الله بها أنبياءه ورسله، ومن شاء من عباده المؤمنين.
стр. 3707
كما أخبر المسيح ﵇ تلاميذه ورسله، بأن الروح القدس سيلهمهم ويؤيدهم، فقال: ((ولكن احذروا من الناس، لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وفي مجامعهم يجلدونكم وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي، شهادة لهم وللأمم، فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم)) (٤٠) ، وقال ﵇: ((ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أوبما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة مايجب أن تقولوه)) (٤١) .
وعند سؤال اليهود للمسيح ﵇ عن الملاك الذي يؤيده الله به، أخبرهم أنه الروح القدس، فردوا على المسيح رداً قبيحاً، وزعموا أنه روح نجس، ومرة أخرى زعموا أن الروح القدس ((بلعزبول)) يعني رئيس الشياطين، ففي الإنجيل: ((أما الفريسيون فلما سمعوا (أي عن شفاء المسيح للمجنون) قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببلعزبول رئيس الشياطين، فعلم يسوع أفكارهم، وقال لهم ... إن كنت أنا ببلعزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون، لذلك هم يكونون قضاتكم، ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشيطان فقد أقبل عليكم ملكوت الله)) (٤٢) .
ثم حذرهم ﵇ من القول على الروح القدس إنه روح نجس، فقال: ((لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس، ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي)) (٣٤) . وقال أيضاً: ((الحق أقول لكم إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها، ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية، لأنهم قالوا إن معه روحاً نجساً)) (٤٤) .
стр. 3708
كما أن يوحنا المعمدان أخبر اليهود أن الذي سيأتي من بعده يعمد بالروح القدس، فقال: ((والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، لذلك لست أهلاً أن أحل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ)) (٤٥) .
وهذا الخبر يحمل بشارة، ويظهر أنها دلالة على نبوة نبينا محمد ﷺ ، إذ ورد الكثير من البشارات به في التوراة والإنجيل (٤٦) ، ولكن النصارى لما جعلوا المسيح ﵇ محوراً لكل الأحداث، قالوا إن يوحنا يتكلم هنا عن المسيح، علماً بأن المسيح كان معاصراً ليوحنا ولم يأت بعده، وكان بنفس السن بفارق ستة أشهر في الميلاد، بدليل أن المسيح تعمد بالماء على يد يوحنا، كما ورد في النصوص السابقة من أناجيل متى ولوقا ومرقس.
стр. 3709
كما أن (يوحنا) يحيى ﵇ عرف العلامة على المسيح من نزول الروح القدس عليه مثل حمامة، إذ قال: ((إني قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس)) (٤٧) ، وهذا يدل على أنه أمين الوحي جبريل ﵇ بدليل قوله: ((فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه، وصوت من السموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت)) (٤٨) ، وهذا الصوت من السموات هو الوحي الذي جاء به جبريل، وهو قوله: ((هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت)) ، والبنوة في هذا النص وفي غيره من النصوص الإنجيلية لا يقصد بها البنوة التناسلية، وإنما يقصد بها حنان الله ورعايته له وقربه من الله، بدليل أن الأناجيل تطلق على تلاميذ المسيح وكل الناس المؤمنين بالله بأنهم أبناء الله (٤٩) .
ونزول الروح القدس على المسيح ﵇ على هيئة حمامة، أو نزول غيره من الملائكة على أي هيئة كانت، معلومة عند الأنبياء وأتباعهم، فقد ذكر الله تعالى نزول الملائكة على إبراهيم ﵇ على هيئة رجال، قال تعالى: ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون، فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم، فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم، قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم، قال فما خطبكم أيها المرسلون، قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين)) (٥٠) .
стр. 3710
وكذلك كان نزول الروح القدس جبريل ﵇، على نبينا محمد ﷺ ، كان ينزل بعض المرات على هيئته التي خلقه الله عليها (٥١) ، وينزل في مرات أخرى على هيئة الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي (٥٢) .
وبهذا يتبين لنا من هذه النصوص حقيقة الروح القدس، وأنه كان مع داود ﵇ وأنه بشر زكريا، ومريم، وأن يحيى والمسيح ﵉ وكذلك تلاميذ المسيح ورسله كان يعضدهم الروح القدس، ويحل عليهم، ومنه يمتلئون، ويؤيدهم بالنصر، كما بينت تلك النصوص أن المسيح ﵇ حذر اليهود من ألفاظ السوء التي يقولونها على الروح القدس، وأن من يفعل ذلك فلن يغفر له لا في الدنيا ولا في الآخرة.
كما بينت تلك النصوص، أن الروح القدس ورد ذكره بمعنى جبريل ﵇ وبمعنى الوحي الإلهي، وبمعنى النصر والتأييد للمؤمنين، ويبدو أن هذا هو الاعتقاد الذي كان عليه النصارى في حياة المسيح وحواريوه والقرون الثلاثة الأولى لميلاده، بدليل أن الشواهد من مصادرهم الدينية الآنفة الذكر لاتعني سوى ذلك، لأن اعتقادهم ألهيته لم يتقرر إلا بعد رفع المسيح ﵇ بأربعة قرون، أي في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م، كما سيأتي بيانه.
المطلب الثالث: حقيقة الروح القدس عند المسلمين:
هذه الصفات للروح القدس حسب المصادر الدينية السابقة هي التي صدقها القرآن الكريم المنزل على خاتم المرسلين، والمصدق لما بين يديه من الكتب السابقة، والمهيمن عليها، فقد جاء الروح في القرآن الكريم، على عدة أوجه (٥٣) :
стр. 3711
أحدها: الوحي الإلهي، قال تعالى: ((ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون)) (٥٤) ، وقال تعالى: ((وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا)) (٥٥) ، وقال تعالى: ((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق)) (٥٦) .
الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من يشاء من عباده المؤمنين، قال تعالى: ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)) (٥٧) .
الثالث: ويأتي الروح بمعنى جبريل ﵇ قال تعالى: ((نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)) (٥٨) ، وقال تعالى: ((قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله)) (٥٩) ، وهو روح القدس، قال تعالى: ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق)) (٦٠) ، وقال تعالى: ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)) (٦١) ، وقال تعالى: ((إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً)) (٦٢) .
الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود، فأجيبوا بأنها من أمر الله، قال تعالى: ((يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي)) (٦٣) ، وقد قيل إنها الروح المذكورة في قوله تعالى: ((يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً)) (٦٤) ، وقال تعالى: ((تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر)) (٦٥) .
стр. 3712
الخامس: المسيح بن مريم، قال تعالى: ((إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) (٦٦) ، وقال تعالى: ((والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)) (٦٧) ، وقال تعالى: ((ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)) (٦٨) .
ووجه اختصاص إضافة روح عيسى ﵇ إلى الله تعالى، أنه لما كان الله تعالى خلقه بكلمته، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه فكان عيسى بإذنه ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل ﵇ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) ، هو كقوله: ((كن فيكون)) (٦٩) .
قال ابن أبي حاتم: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى)) (٧٠) . إنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ﵇ قال البخاري بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: ((من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ماكان من العمل)) (٧١) ، فقوله في الآية والحديث ((وروح منه)) كقوله تعالى: ((وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعاً منه)) (٧٢) ،
стр. 3713
أي: من خلقه ومن عنده، وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى.. بل هي لابتداء الغاية، وقال مجاهد في قوله ((وروح منه)) أي: رسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ((هذه ناقة الله)) (٧٣) ، وفي قوله: ((وطهر بيتي للطائفين)) (٧٤) ، وكما روي في الحديث الصحيح: ((فأستأذن على ربي في داره)) (٧٥) ، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد (٧٦) .
стр. 3714
ويقول الإمام القرافي (٧٧) ﵀ في معنى الروح: ((إن الروح اسم للريح الذي بين الخافقين، يقال لها ريح وروح لغتان، وكذلك في الجمع رياح وأرواح، واسم لجبريل ﵇، وهو المسمى بروح القدس، والروح اسم للنفس المقومة للجسم الحيواني ... إن معنى الروح المذكورة في القرآن الكريم في حق عيسى ﵇، هو الروح الذي بمعنى النفس المقومة لبدن الإنسان، ومعنى نفخ الله تعالى في عيسى ﵇ من روحه، أنه خلق روحاً نفخها فيه، فإن جميع أرواح الناس يصدق أنها روح الله، وروح كل حيوان هي روح الله تعالى، فإن الإضافة في لسان العرب تصدق حقيقة بأدنى الملابسة، كقول أحد حاملي الخشبة للآخر: طرفي مثل طرفك، وشل طرفك: يريد طرف الخشبة، فجعله طرفاً للحامل، ويقول: طلع كوكب زيد، إذا كان نجم عند طلوعه يسري بالليل، ونسبة الكوكب إليه نسبة المقارنة فقط، فكيف لا يضاف كل روح إلى الله تعالى وهو خالقها ومدبرها في جميع أحوالها؟ وكذلك يقول بعض الفضلاء: لما سئل عن هذه الآية، فقال: نفخ الله تعالى في عيسى ﵇ روحاً من أرواحه، أي: جميع أرواح الحيوان أرواحه، وأما تخصيص عيسى ﵇ بالذكر، فللتنبيه على شرف عيسى ﵇، وعلو منزلته، بذكر الإضافة إليه، كما قال تعالى: ((إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان)) (٧٨) ، و ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)) (٧٩) ، مع أن الجميع عبيده، وإنما التخصيص لبيان منزلة المخصص)) (٨٠) .
стр. 3715
لكن النصارى مع هذه البينات الصريحة الواضحة عن حقيقة الروح القدس المذكورة في كتب الله السابقة واللاحقة، يأبى عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق إلا تحريف مثل هذه النصوص المحكمة، وتأويلها على غير مراد الله ، أحدثوا ذلك وأقروه في مجامعهم بعد عدة قرون من رفع المسيح ﵇ فأولوا تلك النصوص وحرفوها، وحرفوا الكثير من أحكام تلك الكتب لتوافق اعتقادهم ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، فأحدثوا عقيدة التثليث الذي يتكون عندهم من الآب والابن والروح القدس، وغير ذلك الكثير مما حرفوه وبدلوه، وخالفوا فيه كتب الله المنزلة.
المبحث الثاني: مراحل إقرار النصارى ألوهية الروح القدس
بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ﵇ اجتمع الخلف من النصارى في نيقية سنة ٣٢٥ م، وصدر عن هذا الاجتماع أول قانون إيمان مقدس لهم، أقروا فيه اعتقاد ألوهية المسيح ﵇ كما أشاروا فيه إلى الروح القدس بقولهم: ((ونؤمن بالروح القدس)) (٨١) دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه، وإنما أعلنوا إيمانهم به فقط، ولعل عدم ذكرهم لحقيقته لأجل تبرئة أنفسهم من الافتراء اليهودي على الروح القدس.
следующие страницы →