← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

أحدها: الوحي الإلهي، قال تعالى: ((ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون)) (٥٤) ، وقال تعالى: ((وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا)) (٥٥) ، وقال تعالى: ((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق)) (٥٦) . الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من يشاء من عباده المؤمنين، قال تعالى: ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)) (٥٧) . الثالث: ويأتي الروح بمعنى جبريل ﵇ قال تعالى: ((نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)) (٥٨) ، وقال تعالى: ((قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله)) (٥٩) ، وهو روح القدس، قال تعالى: ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق)) (٦٠) ، وقال تعالى: ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)) (٦١) ، وقال تعالى: ((إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً)) (٦٢) . الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود، فأجيبوا بأنها من أمر الله، قال تعالى: ((يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي)) (٦٣) ، وقد قيل إنها الروح المذكورة في قوله تعالى: ((يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً)) (٦٤) ، وقال تعالى: ((تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر)) (٦٥) .

стр. 3712

الخامس: المسيح بن مريم، قال تعالى: ((إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) (٦٦) ، وقال تعالى: ((والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)) (٦٧) ، وقال تعالى: ((ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)) (٦٨) . ووجه اختصاص إضافة روح عيسى ﵇ إلى الله تعالى، أنه لما كان الله تعالى خلقه بكلمته، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه فكان عيسى بإذنه ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل ﵇ قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) ، هو كقوله: ((كن فيكون)) (٦٩) . قال ابن أبي حاتم: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى)) (٧٠) . إنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ﵇ قال البخاري بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: ((من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ماكان من العمل)) (٧١) ، فقوله في الآية والحديث ((وروح منه)) كقوله تعالى: ((وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعاً منه)) (٧٢) ،

стр. 3713

أي: من خلقه ومن عنده، وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى.. بل هي لابتداء الغاية، وقال مجاهد في قوله ((وروح منه)) أي: رسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ((هذه ناقة الله)) (٧٣) ، وفي قوله: ((وطهر بيتي للطائفين)) (٧٤) ، وكما روي في الحديث الصحيح: ((فأستأذن على ربي في داره)) (٧٥) ، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد (٧٦) .

стр. 3714

ويقول الإمام القرافي (٧٧) ﵀ في معنى الروح: ((إن الروح اسم للريح الذي بين الخافقين، يقال لها ريح وروح لغتان، وكذلك في الجمع رياح وأرواح، واسم لجبريل ﵇، وهو المسمى بروح القدس، والروح اسم للنفس المقومة للجسم الحيواني ... إن معنى الروح المذكورة في القرآن الكريم في حق عيسى ﵇، هو الروح الذي بمعنى النفس المقومة لبدن الإنسان، ومعنى نفخ الله تعالى في عيسى ﵇ من روحه، أنه خلق روحاً نفخها فيه، فإن جميع أرواح الناس يصدق أنها روح الله، وروح كل حيوان هي روح الله تعالى، فإن الإضافة في لسان العرب تصدق حقيقة بأدنى الملابسة، كقول أحد حاملي الخشبة للآخر: طرفي مثل طرفك، وشل طرفك: يريد طرف الخشبة، فجعله طرفاً للحامل، ويقول: طلع كوكب زيد، إذا كان نجم عند طلوعه يسري بالليل، ونسبة الكوكب إليه نسبة المقارنة فقط، فكيف لا يضاف كل روح إلى الله تعالى وهو خالقها ومدبرها في جميع أحوالها؟ وكذلك يقول بعض الفضلاء: لما سئل عن هذه الآية، فقال: نفخ الله تعالى في عيسى ﵇ روحاً من أرواحه، أي: جميع أرواح الحيوان أرواحه، وأما تخصيص عيسى ﵇ بالذكر، فللتنبيه على شرف عيسى ﵇، وعلو منزلته، بذكر الإضافة إليه، كما قال تعالى: ((إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان)) (٧٨) ، و ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)) (٧٩) ، مع أن الجميع عبيده، وإنما التخصيص لبيان منزلة المخصص)) (٨٠) .

стр. 3715

لكن النصارى مع هذه البينات الصريحة الواضحة عن حقيقة الروح القدس المذكورة في كتب الله السابقة واللاحقة، يأبى عليهم ضلالهم وانحرافهم عن الحق إلا تحريف مثل هذه النصوص المحكمة، وتأويلها على غير مراد الله ، أحدثوا ذلك وأقروه في مجامعهم بعد عدة قرون من رفع المسيح ﵇ فأولوا تلك النصوص وحرفوها، وحرفوا الكثير من أحكام تلك الكتب لتوافق اعتقادهم ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، فأحدثوا عقيدة التثليث الذي يتكون عندهم من الآب والابن والروح القدس، وغير ذلك الكثير مما حرفوه وبدلوه، وخالفوا فيه كتب الله المنزلة. المبحث الثاني: مراحل إقرار النصارى ألوهية الروح القدس بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ﵇ اجتمع الخلف من النصارى في نيقية سنة ٣٢٥ م، وصدر عن هذا الاجتماع أول قانون إيمان مقدس لهم، أقروا فيه اعتقاد ألوهية المسيح ﵇ كما أشاروا فيه إلى الروح القدس بقولهم: ((ونؤمن بالروح القدس)) (٨١) دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه، وإنما أعلنوا إيمانهم به فقط، ولعل عدم ذكرهم لحقيقته لأجل تبرئة أنفسهم من الافتراء اليهودي على الروح القدس.

стр. 3716

وبعد أكثر من خمسين سنة عقدوا مجمعاً آخر في مدينة القسطنطينية سنة ٣٨١م، فأقروا قانون الإيمان السابق في نيقية، ثم أضافوا الاعتقاد بألوهية الروح القدس، مع بيان بعض صفاته، فقالوا: ((ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء)) (٨٢) ، وجاء أيضاً عن صفات الروح القدس حسب تعبير أحد قديسيهم القدماء قوله: ((الناطق بالناموس، والمعلم بالأنبياء الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، وهو يحل في القديسين، وهكذا نؤمن به أي أنه الروح القدس روح الله)) (٨٣) ، كما جاء في قاموس كتابهم المقدس: ((ويعلمنا الكتاب المقدس بكل وضوح عن ذاتيةالروح القدس، وعن ألوهيته، فنسب إليه أسماء الله كالحي، ونسب إليه الصفات الإلهية كالعلم، ونسب إليه الأعمال الإلهية كالخلق، ونسب إليه العبادة الواجبة لله، وإذ حبلت السيدة العذراء حبل بالمسيح فيها من الروح القدس، ولما كتب الأنبياء والرسل أسفار الكتاب المقدس، كانوا مسوقين من الروح القدس، الذي أرشدهم فيما كتبوا، وعضدهم وحفظهم من الخطأ، وفتح بصائرهم في بعض الحالات ليكتبوا عن أمور مستقبلة)) (٨٤) .

стр. 3717

وبعد أن أقروا في مجمع القسطنطينية قانون مجمع نيقية السابق المتضمن اعتقاد ألوهية المسيح، ثم إضافتهم اعتقاد ألوهية الروح القدس، فقد اكتملت عند النصارى الأقانيم الثلاثة، لكن ذلك لم يحل دون وجود من ينكر بعض هذه الاعتقادات المنافية للتوحيد، فقد كان سبب عقد مجمع القسطنطينية الآنف الذكر الذي أضافوا فيه الاعتقاد بألوهية الروح القدس، أن أسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس ينكر ألوهية الروح القدس، ويعتقد أنه كسائر المخلوقات، وخادم للابن كأحد الملائكة، وقد ناقشه المجمع، ثم أصدر قراراً بحرمانه وحرمان دعوته، وتجريده من رتبته الدينية (٨٥) ، وهذا يدل على وجود دعاة التوحيد، ومعارضتهم للاعتقادات المنافية له، التي تنسب الألوهية لغير الله. ثم ظهر الاختلاف حول أم المسيح ﵇ حيث ظهر من يدعو بأن مريم لاتدعى أم الإله، بل أم الإنسان، وأحدث هذا نزاعاً شديداً بين كنائس النصارى، لأن صاحب هذه الدعوة هو البطريرك نسطور بطريرك كنيسة القسطنطينية.ولأجل حل النزاع في هذه القضية عقدوا مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١م، وصدر عنه القرار الآتي: ((نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء المقدسة، والدة الإله، لأنك ولدت لنا مخلص العالم، أتى وخلص نفوسنا، المجد لك ياسيدنا وملكنا المسيح، فخر الرسل، إكليل الشهداء، تهليل الصديقين، ثبات الكنائس، غفران الخطايا، نبشر بالثالوث المقدس، لاهوت واحد، نسجد له ونمجده)) (٨٦) .

стр. 3718

ثم ظهر الاختلاف حول طبيعة المسيح بعد اعتقادهم ألوهيته، فعقدوا مجمعاً في خلقدونية سنة ٤٥١م، فقرر الكاثوليك الاعتقاد أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، طبيعة إنسانية كاملة، وطبيعة إلهية كاملة، ومشيئة إنسانية كاملة، ومشيئة إلهية كاملة، وأن الأب مستقل بأقنومه، والمسيح مستقل بأقنومه، وهما متساويان في اللاهوت فقط، وقد رفض الأرثوذكس هذه العقيدة وزعموا أن المسيح هو الله (تعالى الله عن قولهم) ، وقالوا: إن للمسيح طبيعة إلهية واحدة ومشيئة إلهية واحدة، فقرر أساقفة روما مع بعض أساقفة الشرق الحكم بعزل بطريرك الإسكندرية ونفيه؛ لأنه كان يدعي أن للمسيح طبيعة واحدة، ثم نادوا بعقيدة الطبيعتين والمشيئتن، وبعدها رفضت كنيسة الإسكندرية قرارات مجمع خلقدونيه، كما رفضت قرارات المجامع التي عقدت في القسطنطينية بعد ذلك سنة ٥٥٣ م، وسنة ٦١٠ م، وسنة ٧٨٦م، لمخالفة الذين اشتركوا فيها مع عقيدتهم بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة (٨٧) . ثم ظهر نزاع آخر بين النصارى بسبب الاختلاف بينهم حول انبثاق الروح القدس، هل هو من الأب فقط، أم من الأب والابن؟ فعقدوا لذلك مجمعاً لحل النزاع في هذه القضية في طليطلة بأسبانيا سنة ٥٨٩م، فأقروا فيه نفس قانون الإيمان السابق، ثم أضافوا الاعتقاد بانبثاق الروح القدس من الابن أيضاً، وقد أصبحت هذه الزيادة هي عقيدة الكنائس الغربية الكاثوليكية والإنجيلية التي تنص على انبثاق الروح القدس من الأب والابن، ورفضت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية هذه الزيادة،وظلت متمسكة باعتقاد أن الروح القدس منبثق من الأب وحده (٨٨) .

стр. 3719

ويلاحظ المتتبع لمراحل تكوين العقائد النصرانية كثرةعقد المجامع الدينية التي تصدر قرارات جديدة بإضافات حول العقيدة، وسبب ذلك كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد، أو من الذين ما زالوا على بقايا من دعوة المسيح، أو من الذين لم يعتقدوا هذه العقيدة أو تلك، فمنهم من ينكر لاهوت المسيح، ومنهم من ينكر لاهوت الروح القدس، ومنهم من ينكر وجود الأقانيم الثلاثة، ومنهم من ينكر عقيدة الصلب والفداء، ويعتقد أن خطيئة آدم قاصرة عليه، ولم تنتقل إلى نسله، وهذه الظاهرة هي السبب في تعدد عقد المجامع، لأن أنصار كل فريق يعقدون اجتماعاً للرد على أنصار الفريق الآخر وإبطال قوله، والنتيجة تنتهي ليس بكثرة العدد وقوة الحجة وموافقة الحق، وإنما بقرار من رجال الدين الذين تدعمهم السلطة السياسية، بما تتفق أهواؤهم ومصالحهم عليه، ثم يحسم الأمر ويتقرر في النهاية أي الفريقين يفوز بالتأييد، وفي كثير من الأحيان تتدخل السلطة السياسية بحسم الأمر حسب ماتراه محققاً لوحدة الا مبراطورية من التمرزق والانقسام. وشاهد ذلك أن الامبراطور قسطنطين قد أعلن ميوله وعطفه على النصارى من أجل الحفاظ على مقومات النصر على خصمه، فأعلن دفاعه عن مذهب أثناسيوس القائل بالتثليث حينما كانت عاصمة دولته في روما، ومن أجل ذلك رأس مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، وتذكر مصادر النصارى أن أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح، ولكن اجماعهم كان تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين بدفعه إليهم شارة ملكه ليتحكموا في المملكة، فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقد مجلس خاص بهم دون الباقين، لاعتقاده إمكان إغرائهم، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترغيب أو الترهيب، أوهما معاً، وبذلك قرروا ألوهية المسيح، وقسروا الناس عليه بقوة السيف ورهبة الحكام (٨٩) .

стр. 3720

وحينما صدر قرار مجمع نيقية ضد أريوس وحرمانه، وتجريده من رتبته الدينية، صدَق قسطنطين على ذلك القرار. فلما عزم الامبراطور قسطنطين على نقل عاصمة دولته من روما إلى القسطنطينية، والتي يوجد فيها أكثرية نصرانية تعتنق مذهب أريوس، أحضره وعفا عنه، يقول فاسيليف: ((عندما شرع قسطنطين في نقل عاصمته إلى الشرق، وأحس بالحاجة إلى استرضاء سكان القسم الشرقي من الامبراطورية لم يجد غضاضة في تغيير عقيدته أوميوله نحو المذهب الأريوسي)) (٩٠) . فاستدعى أريوس من منفاه سنة ٣٢٧م، وعقد له مجمع صور سنة ٣٣٤م، وألغى قرار الطرد (٩١) . ويقال: إن أول امبراطور تعمد باسم الثالوث حسب عقيدة النصارى، هو الامبراطور ثيودوسيوس الكبير الذي رعى عقد مجمع القسطنطينية (٩٢) ، وأنه وقادة الكنيسة تنفسوا الصعداء وشعروا كما شعر الامبراطور قسطنطين وقادة الكنيسة بعد قبول قانون الإيمان النيقوي في سنة ٣٢٥م، بسرور وارتياح عظيمين؛ لأنهم ظنوا بأن مجمع نيقية استطاع أن يستأصل الهرطقة من جذورها، وأن يعيدوا الوحدة إلى الامبراطورية وإلى الكنيسة المهددتين بالانقسام والاضطراب (٩٣) . وعندما تقرر رسمياً إقرار الاعتقاد بألوهية الروح القدس في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١م، أصدر الامبراطور ثودوسيوس الكبير مرسوماً أعلن فيه: ((حسب تعليم الرسل وحق الإنجيل، يجب علينا أن نؤمن بلاهوت الأب والابن والروح القدس، المتساوي في السلطان، وكل من يخالف ذلك يجب عليه أن ينتظر منا العقوبات الصارمة التي تقتضي سلطتنا بإرشاد الحكمة السماوية أن نوقعها به، علاوة على دينونة الله العادل)) (٩٤) .

стр. 3721

ويستنتج زكي شنودة في آخر البحث الخامس الذي عقده للحديث عن المجامع: ((أن هذه المجامع كانت في بداية أمرها وسيلة للدفاع عن الإيمان المسيحي، ثم لم تلبث أن أصبحت بعد ذلك أداة في يد الامبراطور لتنفيذ أغراضه، مستغلاً في ذلك مطامع الأساقفة وطموحهم إلى الجاه والنفوذ والسلطان، وهكذا أصبحت المجامع أداة هدم بعد أن كانت أداة بناء، وقد فتحت الباب على مصراعيه للخصومة بين المسيحيين في البلاد المختلفة)) (٩٥) . ولكن استنتاجه هذا يرفضه سرده هو للأحداث، فإن المجامع من أول لحظة عقدت فيها وهي تحت سلطان الدولة، وشواهد ذلك من كلامه إذ يقول: ((وقد عقد في نيقية عاصمة بثينية بآسيا الصغرى في ٢٠ مايو سنة٣٢٥ميلادية بأمر الامبراطور قسطنطين الكبير وقد حضره بنفسه)) (٩٦) ، ويقول: ((وعند افتتاح جلسات المجمع دخل الامبراطور قسطنطين وتصدر الاجتماع، ثم ألقى خطاباً حض فيه على فض المشاكل بالحكمة)) (٩٧) ، وقال في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م: ((وقد عقد في مدينة القسطنطينية بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس الكبير)) (٩٨) ، وقال في مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١ م: ((وقد عقد في مدينة أفسس بأمر الامبراطور ثاؤدوسيوس)) (٩٩) ، وقال في مجمع أفسس الثاني سنة ٤٤٩ م: ((وقد عقد مجمع أفسس الثاني سنة ٤٤٩ ميلادية بأمر الامبراطور تاؤدوسيوس)) (١٠٠) .

стр. 3722

أما في مجمع خلقدونية سنة ٤٥١ م فلم يذكر اسم الامبراطور الذي أمر بانعقاده (١٠١) ، فدلت هذه الشواهد على أن ما قاله زكي شنودة ليس مستقيماً؛ لأن المجامع كلها التي تعترف بها الكنيسة القبطية كانت بأمر الامبراطور، والمؤرخون السياسيون يقررون أن الأباطرة جميعاً استخدموا الدين سلاحاً لكسبهم السياسي، ولو كانت المجامع حقاً للدفاع عن الإيمان لما تركت الدين القويم الذي جاء به المسيح ﵇، ولما تركت أعمال الحواريين الذين كانوا على الدين الحق، التي لا يوجد شىء منها في قانون الإيمان المقدس عندهم، ولا في وقائع عمل المجامع خاصة فيما يتعلق بالعقيدة التي هي لب الإيمان (١٠٢) . وبعد هذا العرض لمراحل إقراراعتقاد ألوهية الروح القدس عند النصارى نستنتج مايأتي: ١ إقرارهم في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م، الإيمان بروح القدس، فقالوا: ((ونؤمن بالروح القدس)) دون أن يذكروا حقيقته والأعمال الموكولة إليه. ٢ إقرارهم في مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م، إضافة الاعتقاد بألوهية الروح القدس، مع إضافة بعض صفاته، فقالوا: ((ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء)) ، كما جاء عن أحد قديسيهم، وكذا في قاموس كتابهم المقدس تفصيلات أكثر وضوحاً عن صفات الروح القدس، والأعمال الموكولة إليه، كما سبق الإشارة إلى ذلك. ٣ أن من النصارى من ينكراعتقاد ألوهية الروح القدس، كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس،الذي يعتقد أنه كسائر المخلوقات، وخادم للابن كأحد الملائكة.

стр. 3723

٤ اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح، بعد إقرارهم اعتقاد ألوهيته، هل هو ذو طبيعتين ومشيئتين إلهية وإنسانية، أم ذو طبيعة واحدة ومشيئة واحدة إلهية وإنسانية؟ واختلافهم أيضاً حول انبثاق الروح القدس، هل هو من الآب فقط، أم من الآب والابن؟ وكان هذا الاختلاف حول طبيعة المسيح وانبثاقه، سبب انقسام النصارى إلى طوائف متعددة، كل طائفة تنكر ما عليه الطائفة الأخرى. ٥- كثرة عقد المجامع في مراحل تكوين العقائد النصرانية التي تصدر عنها قرارت أخرى بإضافة عقائد جديدة، وذلك بسبب كثرة المعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد، أومن الذين مازالوا على بقايا من دعوة المسيح ﵇. ٦- اضطراب ميول الأباطرة بين تأييد أصحاب العقائد التي تتفق مع وثنيتهم السابقة، وبين ما يحقق الوحدة إلى إمبراطوريتهم ويجنبها الانقسام والاضطراب، بدليل دعوتهم لعقد هذه المجامع ورعايتهم لها، وتأييدهم ما يرونه محققاً لأهدافهم الشخصية والسياسية.

стр. 3724

ومن هذا يتبين ضلال النصارى واختلافهم في مراحل إقرار ألوهية الروح القدس،وأنهم ليسوا على شئ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، إذ قد أقروا ببعض الحق وضلوا عن أكثره، فحين أقروا ببعض الأعمال والوظائف الموكولة إلى الروح القدس، والصفات التي وصفوه بها، وهي قولهم: الناطق في الأنبياء، الناطق بالناموس، والمعلم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، روح الله، الذي حبلت منه السيدة العذراء، الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده، ويعضدهم ويحفظهم، ويلهمهم، فهذه من صفات الروح القدس جبريل ﵇ وهذا هو الحق الذي دلت عليه نصوص كتبهم المقدسة من التوراة والإنجيل، وهو الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء، هذا إذا كان الروح القدس ليس صفة الله حسب اعتقادهم ألوهيته، لأن صفة الرب القائمة به لاتنطق في الأنبياء، ولاتقوم بتلك الأعمال التي ذكروها، بل هذا كله صفة جبريل ﵇ وهو الروح القدس كما هو مذكور في الكتب الإلهية، الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء بإلهام الوحي الإلهي، وبالقوة والثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين كما تبين لنا أن مراحل إقراراعتقاد النصارى ألوهية المسيح ﵇ وألوهية الروح القدس، وما تمخض عن هذه العقائد من إضافات عقدية واختلافات حولها في أروقة مجامعهم المقدسة، كانت بدافع الرغبة في السلطان من قبل رجال الدين، بإغراء من سلطة الأباطرة، الذين يؤيدون ما يتفق مع رغباتهم وميولهم، وما يتصورون أن يحقق الأمن والاستقرار لوحدة دولتهم من التمزق والانقسام،الذي ينتج عن الاختلافات العقدية، فكانت تلك القرارت العقدية تحت سلطان الترغيب والترهيب، الذي أدى إلى انحراف النصرانية عن مسارها الصحيح كما أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، وآمن به أتباعه من بعده.

стр. 3725

أما مرحلة اعتقادهم ألوهية الروح القدس بعد مراحل إقرار ألوهيته في مجمع القسطنطينية، بعد هذه المدة التي تجاوزت أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح ﵇ فهو مردود وباطل، كما سنعرف ذلك في المباحث القادمة إن شاء الله. المبحث الثالث: مرحلة اعتقاد النصارى ألوهية الروح القدس تقررت عقيدة ألوهية الروح القدس عند النصارى في الاجتماع الذي عقد لهذا الغرض، في القسطنطينية سنة ٣٨١م، وأصبحت هذه الإضافة الجديدة التي لم تكن في قانون الإيمان الصادر عن مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، من أصول الإيمان في عقيدتهم، وبه اكتملت الأقانيم الثلاثة المكونة من الآب والابن والروح القدس، وأصبحت عقيدة التثليث دين النصرانية حسب قانون إيمانهم المقدس، واعتبره النصارى: ((هو القانون المعبر عن الإيمان المسيحي الحقيقي، وبناء على ذلك فمن يخالف تعاليم هذا القانون يخالف الإيمان المسيحي ويجب حرمانه)) (١٠٣) . يقول زكي شنودة: ((وقد أجمع المسيحيون فيما عقدوه إبان القرن الرابع من مجامع عالمية أو مسكونية كما اعتادوا أن يسموها على وضع قانون للإيمان يتضمن المعتقد الصحيح لكل المسيحيين، ويقطع السبيل على كل من يحاول تغيير أمر أو تفسير أمر على غير مقتضى هذا القانون، وقد درج المسيحيون جميعاً منذ وضع هذا القانون في القرن الرابع الميلادي إلى اليوم على التمسك به وتلاوتة أثناء الصلاة في كل كنائس العالم دون استثناء)) (١٠٤) . ثم تحدث عن اعتقاد ألوهية الروح القدس فقال: ((هو الأقنوم الثالث من اللاهوت الأقدس، وهو مساوٍ للآب والابن في الذات والجوهر والطبع وكل فضل اللاهوت، وهو روح الله، وحياة الكون ومصدر الحكمة والبركة، ومنبع النظام والقوة، ولذلك فهو يستحق العبادة الإلهية، والمحبة والإكرام والثقة مع الآب والابن)) (١٠٥) .

стр. 3726

ويقول القس يسي منصور: ((إن الروح القدس هو الله الأزلي، فهو الكائن منذ البدء قبل الخليقة، وهو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، والحاضر في كل مكان، وهو السرمدي غير المحدود)) (١٠٦) ، ويقول في موضع آخر: ((إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، وهو ليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة، بل هو ذات حقيقي، وشخص حي، وأقنوم متميز ولكنه غير منفصل، وهو وحدة أقنومية غير أقنوم الآب وغير أقنوم الابن، ومساوٍ لهما في السلطان والمقام، ومشترك وإياهما في جوهر واحد ولاهوت واحد)) (١٠٧) . فالأقانيم الثلاثة على زعمهم هي: الذات والنطق والحياة، فالذات هو الآب، والنطق أو الكلمة هو الابن، والحياة هي الله روح القدس، ومعنى ذلك في عقيدتهم: أن الذات والد النطق أو الكلمة، والكلمة مولودة من الذات، والحياة منبعثة من الذات حسب اعتقاد الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، أو منبعثة من الذات والكلمة حسب اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية (١٠٨) . ويزعم النصارى أن دليلهم على اعتقاد ألوهية الروح القدس مستمدة من كتابهم المقدس، وأن كل النصوص التي ورد فيها ذكر الروح القدس دليلاً على ألوهيته (١٠٩) ، وقد سبق ذكر بعض هذه النصوص ومناقشتها في شواهد سابقة، وسيأتي ذكر بعضها ومناقشتها في شواهد لاحقة، إن شاء الله.

стр. 3727

ولكن الناظر والمدقق في منطوق هذه النصوص ومفهومها يلاحظ أنه لا يوجد فيها ما يؤيد معتقدهم، فقد ضلوا في الوصول إلى الحق المراد منها، فكان ذلك سبب ضلالهم، لأنهم اعتمدوا على الألفاظ المتشابهة المنقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها، وهم كلما سمعوا لفظاً لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم، وإن لم يكن دليلاً على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك، إما أن يفوضوها، وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية، ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين (١١٠) . وسنذكر بعض الأمثلة عن تأويلهم قضايا عقدية أخرى غير قضية الروح القدس، تبين منهجهم في التأويل وصرف المعنى عن دلالته الصريحة الواضحة، إلى تأويلات باطلة، ولكنها حسب منهجهم صحيحة طالما أنها تؤدي إلى مطلوبهم كما يعتقدون، ومن هذه الأمثلة على تأويلهم لنصوص كتابهم المقدس، مايأتي: المطلب الأول: تأويل نصوص التوراة: يزعم القس بوطر في رسالة صغيرة، سماها الأصول والفروع، ان الله بعد أن خلق الإنسان لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بالوحدانية لله من خلال التوراة، ويزعم أن المدقق فيها يرى إشارات وراء الوحدانية، يعني على زعمه أنها تدل على عقيدتهم في التثليث الأب والابن والروح القدس وغير ذلك من المعتقدات التي تأولوا نصوص التوراة للتدليل عليها.

стр. 3728

يقول القس بوطر: ((بعدما خلق الله العالم، وتوج خليقته بالإنسان، لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بوحدانيته، كما يتبين ذلك من التوراة، على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذا قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات: ((كلمة الله أو حكمة الله، أو روح القدس)) ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعاني، لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل، ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد، إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت، ثم لما جاء المسيح إلى العالم أرانا بتعاليمه وأعماله المدونة في الإنجيل أن له نسبة سرية أزلية إلى الله، تفوق الإدراك، ونراه مسمى في أسفار اليهود: ((كلمة الله)) وهي ذات العبارة المعلنة في التوراة، ثم لما صعد إلى السماء أرسل روحاً، ليسكن بين المؤمنين، وقد تبين أن لهذا الروح أيضاً نسبة أزلية إلى الله فائقة، كما للابن، ويسمى الروح القدس، وهو ذات العبارة المعلنة في التوراة كما ذكرنا، ومما تقدم نعلم بجلاء أن المسمى بكلمة الله، والمسمى بروح الله في نصوص التوراة هما المسيح والروح القدس المذكوران في الإنجيل، فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل كل التصريح، وإن وحدة الجوهر لا يناقضها تعدد الأقانيم، وكل من أنار الله ذهنه وفتح قلبه لفهم الكتاب المقدس لا يقدر أن يفسر الكلمة بمجرد أمر من الله أو قول مفرد، ولا يفسر الروح بالقوة التأثيرية، بل لابد له أن يعلم أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم متساوين في الكلمات الإلهية، وممتازين في الاسم والعمل، والكلمة والروح القدس إثنان منهم، ويدعى الأقنوم الأول الآب، ويظهر من هذه التسمية أنه مصدر كل الأشياء ومرجعها، وأن نسبته للكلمة ليست صورية بل شخصية حقيقية، ويمثل للأفهام محبته الفائقة، وحكمته

стр. 3729

الرائعة، ويدعى الأقنوم الثاني الكلمة، لأنه يعلن مشيئته بعبارة وافية، وأنه وسيط المخابرة بين الله والناس، ويدعى أيضاً الابن، لأنه يمثل العقل نسبة المحبة، والوحدة بينه وبين أبيه، وطاعته الكاملة لمشيئته، والتمييز بين نسبته هو إلى أبيه، ونسبة كل الأشياء إليه، ويدعى الأقنوم الثالث الروح القدس، الدلالة على النسبة بينه وبين الآب والابن، وعلى عمله في تنوير أرواح البشر، وحثهم على طاعته ... وبناء على ما تقدم يظهر جلياً أن عبارة الابن لا تشير كما فهم بعضهم خطأ إلى ولادة بشرية، ولكنها تصف سرية فائقة بين أقنوم وآخر في اللاهوت الواحد، وإذا أراد الله أن يفهمنا تلك النسبة لم تكن عبارة أنسب من الابن للدلالة على المحبة والوحدة في الذات)) (١١١) . يقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ ونجد كاتب هذا الكلام يحاول ثلاث محاولات: أولاها: إثبات أن التوراة وجد فيها أصل التثليث، لوحت به ولم تصرح، أشارت إليه، ولم توضح. وثانيها: أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم، وهي في شعبها متغايرة وإن كانت في جوهرها غير متغايرة. وثالثها: أن العلاقة بين الآب والابن ليست ولادة بشرية، بل هي علاقة المحبة والاتحاد في الجوهر (١١٢) . ومن الأمثلة على تحريف نصوص التوراة قول القس يسي منصور: ((إذا قالت التوراة: ((وقال الله نصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا)) (١١٣) ، كان ضمير الجمع (نا) الذي تحدث به الله عن نفسه، فإن الله لم يتكلم بصيغة الجمع إلا باعتباره ثلاثة في واحد. وإذا قالت التوراة: ((فقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفاً الخير والشر)) (١١٤) ، كان المتكلم هو الله ممثلاً في أقانيمه الثلاثة. وإذا قالت التوراة: ((منذ وجوده أنا هناك.. ولأن السيد الرب أرسلني وروحه)) (١١٥) ، فمفهوم هذا أن ضمير (نا) يشير إلى الابن، و ((السيد الرب)) يشير إلى الأب، ((وروحه)) هو روح القدس.

стр. 3730

وإذا قالت التوراة على لسان موسى مخاطباً الأسباط الإثنى عشر، معلناً فيهم وصايا الله لهم: ((وهكذا تباركون إسرائيل قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك، يرفع الرب بوجهه عليك ويمنحك سلاماً، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم)) (١١٦) ، كان تأويل هذا هكذا: الله الأب يظهر محبته ويحرسهم، وربنا يسوع المسيح يظهر نعمته ويرحمهم، والروح القدس يظهر شركته ويمنحهم سلاماً)) (١١٧) ، وهذا التأويل لا شك أنه من الضلال عن الحق، إذ ليس في تلك النصوص التي استشهد بها ما يشير إلى الأقانيم الثلاثة حسب زعمهم بل إن جميع أسفار العهد القديم لا يوجد فيها ما يؤيد معتقدهم في التثليث، بدليل اعترافهم أنفسهم بذلك، إذ يقول أحدهم: ((إن التعليم عن الروح القدس كأقنوم إلهي في الثالوث القدوس لم يرد في العهد القديم بشكل واضح، شأنه شأن التعليم عن الثالوث الإلهي نفسه، ولكن الروح القدس ذكر في العهد القديم في عدة مواضع)) (١١٨) ، وهذا يعني أن تأويلهم للنصوص بما يوافق معتقدهم من الظن والقول بغير علم، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال. ومن تأويلهم للنصوص زعمهم أن ما تحدثت به التوراة عن ((ملاك الرب)) المقصود به الرب ذاته، يقول عوض سمعان: ((إن كلمة ملاك أو ملاك الرب وردت في الكتاب المقدس مراد بها اسم الرب أو الله، فقد قال زكريا النبي:

стр. 3731

((مثل الله مثل ملاك الرب)) (١١٩) ، وقال الوحي عن يعقوب: ((جاهد مع الله، جاهد مع الملاك)) (١٢٠) ، وقال يعقوب عندما رأى ولدي يوسف: ((الله الذي رعاني، الملاك الذي خلصني، يبارك الغلامين)) (١٢١) ، ثم يعلق عوض سمعان على هذه النصوص بقوله: ((إن كلمة (ملاك) ليست في الأصل اسماً للمخلوق الذي يعرف بها، بل إنها اسم للمهمة التي يقوم بها، وهذه المهمة هي تبليغ الرسائل، فالاصطلاح (ملاك الرب) معناه حسب الأصل: ((المبلغ لرسائل الرب)) ولما كان الرب هو خير من يقوم بتبليغ رسائله؛ لأن كل ما عداه محدود، والمحدود لا يستطيع أن يعلن إعلاناً كاملاً ذات أو مقاصد غير المحدود، لذلك يحق أن يسمى الرب من جهة ظهوره لتبليغ رسائله ((ملاك الرب)) بمعنى المعلن لمقاصده أو المعلن لذاته، وبالحري بمعنى ((ذاته معلناً أو متجلياً)) لأنه لا يعلن ذات الله سوى الله)) (١٢٢) . هذا التأويل الباطل الذي جاء به النصارى لنصوص التوراة بعد أكثر من ألفي سنة من نزولها على موسى ﵇، وعلى الأنبياء من بعده، لم يكن هذا التأويل معروفاً عند من نزلت عليهم، بل كانوا على علم أن الذي يأتيهم بالوحي ويتحدث إليهم هم ملائكة الله، وليس الله ذاته، وكذلك لم يكن هذا التأويل معروفاً عند اليهود وهم أهل التوراة الذين لم يفهموا منها سوى ما بلغهم به أنبياؤهم، بدليل ماسبق ذكره عند الحديث عن حقيقة الروح القدس عند اليهود في المطلب الأول من المبحث الأول.

стр. 3732

وكذلك أناجيل النصارى التي تحدثت عن وجود الملائكة، وعددهم ووظائفهم، ورسالتهم، لم يأت فيها ذكر أنهم هم ذات الله، يقول المسيح ﵇: ((لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء)) (١٢٣) ، ويقول أيضاً: ((أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة)) (١٢٤) ، وجاء في الإنجيل: ((وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين، المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة)) (١٢٥) . ونصوص أخرى ذكرت أن ملاك الله بشر زكريا بميلاد يوحنا (يحيى ﵇ (١٢٦) ، وبشر مريم بميلاد المسيح ﵇ (١٢٧) ، وعن السبعة من الملائكة ووظائفهم (١٢٨) ، وغير ذلك من النصوص، التي تدل على أن الملائكة خلق من خلق الله، وأنهم رسله إلى من يشاء من خلقه (١٢٩) . وحسب تأويلهم للنصوص، يمكن القول إن تأويل المراد من الملائكة في هذه النصوص الآنفة الذكر هم ذات الله أيضاً، وإذا كان كذلك فهذا يدل على أنهم لا يفرقون بين الله وملائكتة، ولا بين الخالق والمخلوق. المطلب الثاني: تأويل نصوص الإنجيل: ومن أمثلة تأويل نصوص الإنجيل، ما جاء في خاتمة إنجيل متى: ((فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس)) (١٣٠) ، فزعموا أن تأويل المراد من هذا النص أنه يشير إلى الأقانيم الثلاثة، وأن كل أقنوم منها إلهٌ بذاته (١٣١) . لكن تأويلهم هذا من التأويل الباطل الذي ضلوا فيه عن الحق، إذ مراد المسيح على فرض صحته عنه خلاف المراد الذي يعتقده النصارى، وللعلماء في تأويل المراد من هذا النص عدة احتمالات: فإما أن يكون مراد المسيح

стр. 3733

كما يقول الإمام ابن تيمية (١٣٢) أي: ((مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمراً لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول)) (١٣٣) ، وإما أن يكون مراد المسيح كما يقول المهتدي نصر بن يحيى المتطبب (١٣٤) : ((إن كان صحيحا ً، فيحتمل أن يكون قد ذهب فيه بجميع هذه الألفاظ: أن يجتمع له بركة الله، وبركة نبيه المسيح، وبركة روح القدس، التي يؤيد بها الأنبياء والرسل، وأنتم إذا دعا أحدكم للآخر قال له: صلاة فلان القدس تكون معك، وإذا كان أحدكم عند أحد الآباء مثل جاثليق ومطران أو أسقف، وأراد أن يدعو له، يقول له: صلي علي، ومعنى الصلاة: الدعاء، واسم فلان النبي أو فلان الصالح الذي هو يعينك على أمورك، ويجوز أن يكون المسيح ذهب فيه إلى ما هو أعلم به، فكيف حكمتم بأنه ذهب إلى هذه الأسماء لما أضافها إلى الله تعالى، صارت إلهية، وجعلتم له أسماء، وهي: الأقانيم الثلاثة، وقد عبرتم في لغتكم أن الأقنوم: الشخص، فكيف استخرجتم ما أشركتموه بالباري تعالى ذكره عما تصفون بالتأويل الذي لا يصح)) (١٣٥) . وإما أن يكون مراد المسيح كما يقول الإمام القرطبي (١٣٦) أي:

стр. 3734

((عمدوهم على تركهم هذا القول، كما يقول القائل: كل على اسم الله، وامش على اسم الله، أي على بركة اسم الله، ولم يعين الآب والابن من هما؟ ولا المعنى المراد بهما؟ فلعله أراد بالآب هنا: الملك الذي نفخ في مريم أمه الروح، إذ نفخه سبب علوق أمه وحبلها به، وأراد بالابن: نفسه، إذ خلقه الله تعالى من نفخة الملك، فالنفخة له بمثابة النطفة في حق غيره، ثم لا يبعد أيضاً في التأويل إن صح عن عيسى ﵇ أنه كان يطلق على الله لفظ الأب أن يكون مراده به: أنه ذو حفظ له، وذو رحمة وحنان عليه، وعلى عباده الصالحين، فهو لهم بمنزلة الأب الشفيق الرحيم، وهم له في القيام بحقوقه وعبادته بمنزلة الولد البار، ويحتمل أن يكون تجوز بإطلاق هذا اللفظ على الله تعالى، لأنه معلمه وهاديه ومرشده، كما يقال: المعلم أبو المتعلم، ومن هذا قوله تعالى في كتابنا: ((ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل)) (١٣٧) ، على أحد تأويلاته، ومن هذين التأويلين: يصح حل ما وقع في أناجيلهم من هذا اللفظ، بل هذان التأويلان ظاهران وسائغان فيها)) (١٣٨) . ثم ذكر القرطبي شواهد من أناجيلهم، تدل على أن التأويل الذي ذهب إليه، هو الحق في بيان مراد المسيح من قوله لحوارييه عمدوا الناس باسم الآب والابن والروح القدس (١٣٩) . ومن الشواهد من أناجيلهم التي ترد تأويلهم الباطل وتبطله، ما يأتي:

стр. 3735

أولاً: إن ذكر الأب في الأناجيل معناه الله ، يقول المسيح ﵇ في إحدى وصاياه لتلاميذه: ((أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات)) (١٤٠) ، ويقول المسيح أيضاً: ((احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات)) (١٤١) ، وغير ذلك الكثير من النصوص التي تشير إلى أن الله يطلق عليه لفظ الأبوة (١٤٢) . وليس في هذا معنى الأبوة التناسلية أو المفهوم الذي يفهم منه أنه إذا أطلق على الله لفظ الأب أن يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك.

стр. 3736

ثانياً: أن كلمة الابن وردت في عدة نصوص من الأناجيل مضافة إلى الله وبدون إضافة، ومن هذه النصوص، أن إبليس يقول للمسيح: ((إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً)) (١٤٣) ، وأنه قال له مرة أخرى: ((إن كنت ابن لله فاطرح نفسك إلى الأسفل)) (١٤٤) ، وفي الإنجيل أن المسيح سأل تلاميذه مرة قائلاً: ((من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان وآخرون، إيليا وآخرون، أرميا أو أحد من الأنبياء، قال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحي)) (١٤٥) ، وهناك الكثير من النصوص الإنجيلية التي تنسب المسيح أنه ابناً لله، ولكن هناك نصوص أخرى تبين أن هذه النسبة ليست خاصة بالمسيح، بل تلاميذ المسيح وكل المؤمنين هم أبناء الله، وهذا يدل على أن لفظة الابن في الأناجيل المراد بها رعاية الله وعنايته، وقربه من الناس، وحفظه ورحمته لهم، وليست صلة قرابة جسدية، ومن هذه النصوص قول المسيح: ((وصلوا للذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات)) (١٤٦) ، وأمرهم ﵇ أن يقولوا في صلاتهم: ((أبانا الذي في السموات)) (١٤٧) ، وغير ذلك من النصوص (١٤٨) . والمراد من هذه النصوص التي تطلق على المسيح ﵇ وعلى تلاميذه وعلى المؤمنين أنهم أبناء الله على فرض صحتها المراد منها المجاز وليس الحقيقة. ونظير هذا ما أخبر الله في القرآن الكريم، أن اليهود والنصارى قالوا: ((نحن أبناء الله وأحباؤه)) (١٤٩) ، ((أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده

стр. 3737

إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعو لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى ﵇ وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحضوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قال الله تعالى رداً عليهم: ((قل فلم يعذبكم بذنوبكم)) (١٥٠) ، أي لو كنتم كما تدعون أبناء الله وأحباؤه، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟)) (١٥٠) . ثالثاً: أما الرح القدس فإن النصارى يتأولون اعتقاد ألوهيته من عدة نصوص من العهد الجديد، ففي الإنجيل عن الحمل بعيسى ﵇ أن أم المسيح: ((وجدت حبلى من الروح القدس)) (١٥٢) ، وفي الإنجيل أيضاً، أن مريم: ((حبل به فيها من الروح القدس)) (١٥٣) ، وفي الإنجيل أيضاً أن السيح قال لتلاميذه: ((فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس)) (١٥٤) ، وفي أعمل الرسل قول بطرس لحنانيا: ((يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس، أنت لم تكذب على الناس بل على الله)) (١٥٥) .

стр. 3738

كما يتأول النصارى اعتقاد ألوهية الروح القدس من أقوال من يسمونه بولس الرسول، الذي نسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى ذات الله وصفاته وأعماله وعبادته، كما ذكر ذلك قاموس الكتاب المقدس، مستدلاً بأقوال بولس الرسول التي وردت في هذا المقام (١٥٦) ، إذ يقول: ((أما تعلمون أن هيكل الله وروح الله يسكن فيكم)) (١٥٧) ، وقوله: ((إن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائته أيضاً بروحه الساكن فيكم)) (١٥٨) ، وغير ذلك من النصوص التي يستشهدون فيها على أن الروح القدس هو الأقنوم الثالث من لاهوتهم المقدس، وأنه على زعمهم مساوٍ للأب والابن في الذات والجوهر، وغير ذلك من الصفات التي يزعمون أنها أدلة على إثبات ألوهيته واستحقاقه للعبادة الإلهية (١٥٩) ، تعالى الله عن قولهم. لكن اعتقادهم ألوهية الروح القدس باطل ومردود، ودليل ذلك مايأتي: ١ أن نصوص العهد القديم والعهد الجديد التي ورد فيها ذكر الروح مضافاً إلى الله وإلى القدس وبدون إضافة، جاءت بمعنى الوحي بالإلهام، وبمعنى الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، وبمعنى ملاك الله جبريل ﵇ وبمعنى المسيح ﵇ كما سبق ذكر الشواهد على ذلك عند الحديث عن حقيقة الروح في المبحث الأول. كذلك فإن حقيقة الروح حسب تعبير النصارى أنه: ((الناطق في الأنبياء، الناطق في الناموس والمعلم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن ونطق بالرسل، وأنه الروح القدس روح الله)) فكل هذه المعاني تدل على أن حقيقة الروح القدس لاتدل على مرادهم باعتقاد ألوهيته، إذ لو كان إلهًا، لكان كذلك منذ أن خلق الله تعالى الخلق حتى قيام الساعة، لكن ذلك لم يكن.

стр. 3739

٢ أن عقيدة ألوهية الروح القدس لم تكن معروفة في عصر المسيح ﵇ ولا في عصر حوارييه، ولا في القرون الثلاثة بعد رفع المسيح، بدليل أنهم في قانون إيمانهم المقدس سنة ٣٢٥م قالوا: ((ونؤمن بالروح القدس)) ، دون أن يذكروا اعتقادهم ألوهيته، وبعد أكثر من نصف قرن حينما اجتمعوا في القسطنطينية سنة ٣٨١م، صدر عنهم قانون آخر أضافوا فيه اعتقادهم ألوهية الروح القدس، فقالوا: ((ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق في الأنبياء)) أي أن اعتقادهم ألوهية الروح القدس جاء بعد أكثر من ثلاثة قرون من رفع المسيح، إضافة إلى أن قولهم هذا متناقض وباطل عقلاً ونقلاً، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: ((قلتم في أقنوم روح القدس الذي جعلتموه الرب المحيي أنه منبثق من الآب مسجود ممجد، ناطق في الأنبياء، فإن كان المنبثق رباً حياً، فهذا إثبات إله ثالث، وقد جعلتم الذات الحية منبثقة من الذات المجردة، وفي كل منهما من الكفر والتناقض ما لا يخفى، ثم جعلتم هذا الثالث مسجود له، والمسجود له هو الإله المعبود، وهذا تصريح بالسجود لإله ثالث مع ما فيه من التناقض، ثم جعلتموه ناطقاً بالأنبياء، وهذا تصريح بحلول هذا الأقنوم الثالث بجميع الأنبياء، فيلزمكم أن تجعلوا كل نبي مركبًا من لاهوت وناسوت، وأنه إله تام وإنسان تام، كما قلتم في المسيح، إذ لا فرق بين حلول الكلمة، وحلول روح القدس، كلاهما أقنوم، وأيضاً فيمتنع حلول إحدى الصفتين دون الأخرى، وحلول الصفة دون الذات، فيلزم الإله الحي الناطق بأقانيمه الثلاثة حالاً في كل نبي، ويكون كل نبي هو رب العالمين، ويقال مع ذلك هو ابنه، وفي هذا من الكفر الكبير والتناقض العظيم ما لا يخفى، وهذا لازم للنصارى لزوماً لا محيد عنه، فإن ما ثبت لنظيره، ولا يجوز التفريق بين المتماثلين، وليس لهم أن يقولوا:

стр. 3740

الحلول أو الاتحاد في المسيح ثبت بالنص، ولا نص في غيره لوجوه: أحدها: أن النصوص لم تدل على شيء من ذلك. الثاني: أن في غير المسيح من النصوص ما شابه النصوص الواردة فيه كلفظ الابن، ولفظ حلول روح القدس فيه، ونحو ذلك. الثالث: أن الدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول، وليس كل ما علمه الله وأكرم به أنبياءه أعلم به الخلق بنص صريح، بل من جملة الدلالات دلالة الالتزام، وإذ ثبت الحلول والاتحاد في أحد النبيين لمعنى مشترك بينه وبين النبي الآخر وجب التسوية بين المتماثلين، كما إذ ثبت أن النبي يجب تصديقه، لأنه نبي، ويكفر من كذبه لأنه نبي، فيلزم من ذلك تصديق كل نبي وتكفير من كذبه. الرابع: هب أنه لا دليل على ثبوت ذلك في الغير، فيلزم تجويز ذلك في الغير إذ لا دليل على إنتفائه، كما يقولون: إن ذلك كان ثابتاً في المسيح قبل إظهاره الآيات على قولهم، وحينئذٍ فيلزمهم أن يجوزوا في كل نبي أن يكون الله قد جعله إلهاً تاماً وإنساناً تاماً كالمسيح وإن لم يعلم ذلك. الخامس: لو لم يقع ذلك، لكنه جائز عندهم، إذ لا فرق في قدرة الله بين اتحاده بالمسيح واتحاده بسائر الآدميين، فيلزمهم تجويز أن يجعل الله كل إنسان إلهاً تاماً وإنساناً تامًا، ويكون كل إنسان مركباً من لاهوت وناسوت، وقد تقرب إلى هذا اللازم الباطل من قال بأن أرواح بني آدم من ذات الله، وأنها لاهوت قديم أزلي فيجعلون نصف كل أدمي لاهوتاً، وهؤلاء يلزمهم من المحالات أكثر مما يلزم النصارى من بعض الوجوه، والمحالات التي تلزم النصارى أكثر من بعض الوجوه)) (١٦٠) .

стр. 3741

٣ ويدل على فساد عقيدتهم أن سبب عقد مجمع القسطنطينية الآنف الذكر أن هناك الكثير من النصارى الذين ما زالوا على عقيدة التوحيد، ينكرون ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، كأسقف القسطنطينية البطريرك مكدونيوس الذي يعتقد أنه كسائر المخلوقات، وخادم للابن كأحد الملائكة، كما أن اختلاف النصارى حول طبيعة المسيح، وحول انبثاق الروح القدس، وغيرها من أصول العقيدة، التي عقدوا من أجلها المجامع المتعددة لتقرير أصولها وما حدث بينهم من انقسامات وما نتج عنها من ظهور طوائف متعددة، كل طائفة تنكر ما عليه الطائفة الأخرى، كل ذلك وغيره يدل على أنهم ضلوا عن الوحي الإلهي الذي أنزله الله تعالى على المسيح ﵇ وعلى النبيين من قبله، إذ لو تمسكوا بالوحي لهدوا إلى الصراط المستقيم، الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب. ٤ كما أن نصوص الإنجيل وأقوال بولس الرسول التي تدل بزعمهم على ألوهية الروح القدس باطلة بنصوص الإنجيل نفسه، وبأقوال بولس نفسه أيضاً، ودليل ذلك مايأتي: أأن ملاك الله جبريل ﵇، بشر زكريا ﵇ بميلاد يوحنا المعمدان يحيى ﵇ وأنه يكون عظيماً أمام الرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، إذ جاء في الإنجيل: ((فقال الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت، وامرأتك إليصابات ستلد لك ابناً، وتسميه يوحنا ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته، لأنه يكون عظيماً أمام الرب، وخمراً ومسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم)) (١٦١) ، هذا النص يفيد أن جبريل ملاك الله بشر زكريا بمولد ابنه، وأنه يكون عظيماً أمام الله ، عفيفاً عن المسكرات، ويؤيده الله بروح القدس، وأنه يرد بني إسرائيل إلى الرب إلههم.

стр. 3742

وهذا النص لا يستشهد به النصارى دليلاً على اعتقادهم ألوهية الروح القدس، ضمن شواهدهم التي يستدلون بها على ألوهية الروح القدس (١٦٢) ؛ لأنه ضد عقيدتهم هذه، ولا أحد من النصارى زعم أن الروح القدس الذي أيد الله به يوحنا، أنه إلهاً بذاته، لأنه كيف يكون إلهًا، ويوحنا نفسه كما في النص يكون عظيماً أمام الله، فلو زعموا أن الروح القدس في هذا النص إلهاً مستقلاً، لانكشف لهم فساد معتقدهم في تأليه الروح القدس. ب أن ملاك الله جبريل ﵇، بشر مريم بميلاد المسيح ﵇ إذ جاء في الإنجيل: ((وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم ... فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله، وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً، وتسمينه يسوع ... فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً، فأجاب الملاك، وقال لها: الروح القدس يحل عليك)) (١٦٣) ، وفي الإنجيل أيضاً: ((أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا، لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس، فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً، ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع)) (١٦٤) . والمراد من الروح القدس الذي حل على مريم في هذين النصين، أحد أمرين: إما أن يكون المراد به جبريل ﵇، وهذا يتفق مع ما ذكره الله عن مريم في قوله: ((فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً)) (١٦٥) ، والروح كما قال المفسرون: هو جبريل ﵇ (١٦٦) .

стр. 3743

أو أن يكون المراد به الروح التي هي من الله، وهذا يتفق مع قوله تعالى: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) (١٦٧) ، ومعنى ((وروح منه)) أي: أن الله أرسل جبريل فنفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى، وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله: أي: من خلقه، كما يقال في النعمة أنها من الله، وقيل ((روح منه)) أي: من خلقه، كما قال تعالى: ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)) (١٦٨) ، أي: من خلقه، وقيل: ((روح منه)) أي: رحمة منه، وقيل: ((روح منه)) أي: برهان منه، وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه، وقوله: (منه) متعلق بمحذوف وقع صفة للروح، أي: كائنة منه، وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ) (١٦٩) ، ومثله قوله تعالى: ((والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين)) (١٧٠) ، وقوله تعالى: ((ومريم ابنت عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين)) (١٧١) . ت وفي الإنجيل أيضاً أن مريم حينما زارت إليصابات أم يحيى ﵇ وسلمت عليها: ((فلما سمعت إليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت إليصابات من الروح القدس)) (١٧٢) ، وفي الإنجيل أيضًا:

стр. 3744

((وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس، وتنبأ قائلاً، مبارك الرب إله إسرائيل)) (١٧٣) ، وفي الإنجيل أيضاً: ((وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه، وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب)) (١٧٤) ، فهذه النصوص تدل: إما على أن الروح القدس هو جبريل ﵇، أو أنه البرهان الذي يؤيد الله به أولياءه من عباده المؤمنين. ث أن نصوص أناجيلهم ذكرت أن المسيح ﵇ بعد أن تعمد على يد يحيى ﵇: ((وإذا السموات قد انفتحت له فرأي روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه)) (١٧٥) ، وأن يحيى شهد أن العلامة التي يعرف بها المسيح، أن يرى أن روح القدس نازلاً ومستقراً عليه: ((قائلاً إني قد رأيت الروح القدس نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقرت عليه، وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس)) (١٧٦) ، ونزول الروح القدس من السماء يدل على أنه ملك من الملائكة، حيث دلت النصوص أن هذا النازل من السماء هو ملاك الله جبريل ﵇.

стр. 3745

كما أن هذه النصوص قد وصفت الروح بالنزول مثل حمامة، ومن المعلوم أن الروح القدس في عقيدة النصارى، هو الأقنوم الإلهي الثالث، في الثالوث المقدس، فالعجب كيف يرضى النصارى أن يكون الروح النازل بهذه الصفة إلهاً يستحق العبادة مع الله؟ وكيف يكون إلههم ومعبودهم جسماً بهذه الصفة من الطيور المخلوفة؟ إن هذا الاعتقاد لاشك أنه مسبة لمقام الألوهية، إذ لم يعرفوا الله حق المعرفة، ولو عرفوا الله لما أشركوا معه آلهة أخرى، فالله وحده هو المعبود بحق، لا إله غيره ولا رب سواه، وعيسى عبد الله ورسله، والروح القدس هو ملاك الله جبريل ﵇ المبلغ وحيه إلى أنبيائه ورسله، والواجب عليهم الاعتقاد أن هذا الروح النازل مثل حمامة على المسيح ﵇ هو ملاك الله جبريل أمين وحي الله إلى المسيح وإلى جميع الأنبياء ﵈، ويدل على ذلك إضافة إلى ما سبق الاشارة إليه من مصادرهم أن من يسمونه بولس الرسول أخبر أن: ((جبرائيل روح الله الحي)) (١٧٧) .

стр. 3746

ج أن في قول نبي الله يحيى بن زكريا في إنجيل متى: ((أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي من بعدى هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه هو سيعمدكم بالروح القدس ونار)) (١٧٨) ، وقوله أيضاً في إنجيل لوقا: ((أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني الذي لست أهلاً أن أحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار)) (١٧٩) ، فهذه النصوص تدل على أن التعميد لم يكن باسم الثالوث المقدس كما يعتقد النصارى بل هو بروح القدس فقط، وهذا هو الذي اتفقت عليه نصوصهم المقدسة، أن يحيى ﵇ شهد وبلغ بني إسرائيل بأن المسيح سيعمدهم بروح القدس، وهذا يدل على بطلان اعتقاد النصارى أن المسيح أمر تلاميذه على زعمهم أن يعمدوا الناس باسم الثالوث المقدس حين قال: ((فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس)) (١٨٠) ، علماً أنه لم يرد عن المسيح ﵇ في الأناجيل والرسائل أنه عمد أحداً من أتباعه باسم الروح القدس، أو بأي واحد من الأقانيم الثلاثة، ولو كان هذا هو الاعتقاد الحق لأمر أتباعه بذلك، بل لقد صرح أن الروح القدس الذي يعلمهم كل شيء لم يأت بعد؛ لأنه سيأتي في وقت لاحق، إذ قال ﵇: ((وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم)) (١٨١) ، وقال ﵇: ((وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به)) (١٨٢) ، وقوله أيضاً: ((ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي)) (١٨٣) ، فكيف يكون الروح القدس إلهاً ثالثاً وهو لم يأت بعد؟ وكيف يتعمدون باسم الثالوث المقدس وهم ليسوا على يقين هل جاء كما أخبر المسيح، أم أنه ما زال منتظراً، وأي حاجة لهم بانتظار من يأتي من بعده، وهم قد غفرت ذنوبهم بموت المسيح على

стр. 3747

الصليب كما يعتقدون يقول المهتدي عبد الأحد داود (١٨٤) : ((إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو مجئ معزٍّ، ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معزٍّ كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب، تتهافت وتصبح باطلة ... إن فكرة وسيط بين الله والناس هي أكثر استحالة حتى من فكرة المعزي، إذ لا يوجد وسيط بين الخالق والمخلوق، ووسيطنا أو شفيعنا المطلق هو وحدانية الله فقط، إن المسيح كان ينصح بالصلاة إلى الله سراً والدخول في مقصوراتهم وإقفال الأبواب عليهم عند أداء الصلاة لأنه تحت هذه الظروف فقط يستمع ((أبوهم الذي في السماء)) لصلواتهم ويمنحهم بركته وغوثه فإن المسيح لم يستطع أن يعدهم بوسيط أو شفيع، فكيف نستطيع التوفيق بين هذه المتناقضات)) (١٨٥) . أما نحن المسلمين فإننا على يقين أن بشارات المسيح بالمعزي الروح القدس الآتي، هو محمد بن عبد الله ﷺ ، كما ذكر ذلك بعض المهتدين من النصارى (١٨٦) ، وغيرهم من الباحثين المسلمين (١٨٧) .

стр. 3748

ح إن الروح القدس كان معروفاً في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين، وليس له مراد يخالف ظاهر ما دلت عليه نصوص الكتب الإلهية التي ورد الاستشهاد بعدة نصوص منها، يؤكد ذلك الإمام ابن تيمية ﵀ إذ يقول: ((وأما روح القدس: فهي لفظة موجودة في غير موضع من الكتب التي عندهم، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم، بل روح القدس عندهم تحل في إبراهيم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء والصالحين، والقرآن قد شهد أن الله أيد المسيح بروح القدس، كما قال الله تعالى: ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)) (١٨٨) ، في موضعين من البقرة (١٨٩) ، وقال تعالى: ((يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس)) (١٩٠) ، وقال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: ((إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه)) (١٩١) ، وقال: ((اللهم أيده بروح القدس)) (١٩٢) ... وروح القدس قد يراد بها الملك المقدس كجبريل، ويراد بها الوحي، والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته، وقد يكونان متلازمين فإن الملك ينزل بالوحي، والوحي ينزل به الملك، والله يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى.. قال تعالى: ((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق)) (١٩٣) ، وقال تعالى: ((أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)) (١٩٤) ... وإذا كان روح القدس معروفاً في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين أنها أمر ينزله الله على أنبيائه وصالحي عباده سواء كان ملائكة تنزل بالوحي والنصر، أو وحياً وتأييداً مع الملك وبدون الملك، وليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به، كما قال (المسيح) : ((عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس)) (١٩٥) ، ومراده مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به، فيكون ذلك أمراً لهم بالإيمان

стр. 3749

بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، فتفسير كلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم ويوافق القرآن والعقل أولى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف، ولا هو من التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيح وخطاب سائر الأنبياء)) (١٩٦) . خ أن ما جاء في رسائل بولس من عبارات تنسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته، وبالأخص قوله: ((نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم، آمين)) (١٩٧) ، هذه العبارات هي التي حملت النصارى على الاعتقاد بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، وهي التي فتحت الباب إلى القول بالتثليث، ومع ذلك فإن استدلالهم بهذه العبارات باطل ومردود، للأدلة الآتية: ١ أنه ليس فيها مايدل على أن لفظ الروح القدس معناه الإله، وليس فيها مايدل على مايمكن أن ينسب إليه من أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته، وأنه على زعمهم الأقنوم الثالث في ثالوثهم المقدس، بل الحق أنها تدل على معنى القوة والثبات التي يؤيد الله بها من يشاء من عباده المؤمنين، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص العهد القديم والعهد الجديد، فلفظ الروح القدس لاتخرج عن هذا المعنى الذي سبق بيانه في الفقرات السابقة، ولاعن المعاني التي سبق بيانها عند الحديث عن حقيقة الروح القدس في المبحث الأول.

стр. 3750

٢ أنه على فرض أن بولس يعني بهذه العبارات ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، فإنه يكون قد خالف أقوال المسيح ﵇ التي تدل على بطلان هذا الزعم الباطل، ويكون قد دعا إلى عقيدة تخالف العقيدة التي دعا إليها المسيح، وشرع خلاف شريعة المسيح، علماً أنه ليس من تلاميذ المسيح ولا من رسله، ولم يشاهد المسيح إطلاقاً، ولا سمعه يبشر بدعوته، بل كان من أشد اليهود عداء للمسيح وأتباعه، فقد كان يسافر من القدس إلى دمشق ليأتي بالنصارى لعقابهم وإنزال الأذى بهم (١٩٨) ، ثم بعد زعمه الانضواء تحت ظل النصرانية، ظل موضع شك تلاميذ المسيح في صدق دعواه؛ لأنهم رأوا منه مايخالف دين المسيح ﵇ فقد اختلف بولس مع برنابا أحد تلاميذ المسيح (١٩٩) ، كما أن بطرس رئيس الحواريين أنكر على بولس دعوته التي خالف بها دعوة المسيح (٢٠٠) ، كما قامت ضده طوائف النصارى في آسيا، ورفضت تعاليمه وإنجيله كما اعترف بذلك في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (٢٠١) ، وحين يئس من قبول نصارى الشرق في عصره لتعاليمه الغريبة، فقد التجأ إلى الشعوب الأوربية، وصار يبث بينهم تعاليمه شيئا فشيئا، حتى تمكن منهم، فأباح لهم كافة المحرمات، ورفع عنهم جميع التكاليف من الشريعة الموسوية التي جاء بها المسيح ﵇ فوافق مذهبه مشارب الوثنيين في أوربا، فكثر تابعوه ومقلدوه في حياته وبعد مماته، التي خالفوا فيها عقيدة المسيح وأتباعه، كما دل على ذلك رسالته إلى أهل رومية التي أبطل فيها شريعة التوراة (٢٠٢) . وبهذا يتبين أن بولس هو الذي وضع البذور التي نقل بها النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ووافقت فكرة التثليث الجماهير التي كانت قد نفرت من اليهودية لتعصبها، ومن الوثنية لبدائيتها، فوجدت في الدين الجديد ملجأ لها، وبخاصة أنه أصبح غير بعيد عن معارفهم السابقة التي ألفوها وورثوها عن أجدادهم (٢٠٣) .
следующие страницы →